← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المطلب الثاني جهوده في مسائل الكبائر أولاً: تعريف الكبيرة: الكبيرة في اللغة: ضد الصغيرة. يقول ابن فارس: " الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغيرة" (١). وهي مشتقة من الكُبْرِ وهو لا يخرج عن معنيين: أحدهما: العظمة. وثانيهما: الإثم الكبير (٢). وأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافاً كثيراً، وتعددت أقوالهم فيها، حتى زادت على العشرين (٣). يقول ابن القيم ﵀: "وأما الكبائر فقد اختلف السلف فيها اختلافاً لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة" (٤). وجملة هذه الأقوال ترجع إلى أحد أمرين: أحدهما: تعريفها بالعد؛ وقد اختلفوا في عدها. ثانيهما: تعريفها بالحد؛ وقد اختلفوا في حدها (٥).

стр. 562

وأولى الأقوال بالصواب تعريف الكبيرة بالحد، وحدها: بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وما قاربه في المعنى (١). ثانياً: حكم مرتكب الكبيرة: يبين الشيخ عبد الرزاق ﵀ عقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، فيقول: " عقيدة أهل السنة والجماعة أن من مات من المسلمين مصراً على كبيرة من كبائر الذنوب كالزنى والقذف والسرقة يكون تحت مشيئة الله سبحانه إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه على الكبيرة التي مات مصراً عليها، ومآله إلى الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء: ٤٨، وللأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على إخراج عصاة الموحدين من النار، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁: كنا عند النبي ﷺ فقال: (أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا) وقرآ آية النساء (٢) - يعني الآية المذكورة، وأكثر لفظ سفيان قرأ الآية: (فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب في ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) (٣) " (٤). اختلف الناس في مرتكب الكبيرة من جهتين: الأولى: اسمه. والثانية: حكمه.

стр. 563

فذهب الخوارج (١) والمعتزلة (٢) إلى أنه في الآخرة خالدٌ في النار، واختلفوا في اسمه في الدنيا وحكمه فيها، فكفره الخوارج، وقال المعتزلة أنه في منزلة بين المنزلتين. وذهبت المرجئة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وأنه في الآخرة من أهل الجنة إذا مات موحداً مؤمناً وإن زنى وسرق وقتل (٣). وتوسط أهل السنة والجماعة، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأن حكمه في الدنيا حكم بقية المسلمين، وهو في الآخرة إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له (٤).

стр. 564

المطلب الثالث جهوده في مسائل الكفر والتكفير أولاً: تعريف الكفر: الكفر لغة: مصدر كَفَرَ يَكْفُرُ كُفْراً (١). يقول ابن فارس: " الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية ... والكفر: ضد الإيمان، سمي بذلك تغطية الحق" (٢). وأما في الشرع: فالكفر ضد الإيمان (٣)،وقيل: " جحد ما لا يتم الإسلام بدونه" (٤). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين" (٥). قال أهل السنة والجماعة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، أو القول، أو العمل، أو بها جميعاً، وأن الكفر بالقول والعمل يقع بمجرده، دون اشتراط اقترانه بالتكذيب أو عدم الانقياد، أو كونهما علامة أو دليلاً عليهما (٦).

стр. 565

ثانياً: التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به: قال الشيخ ﵀: " لا يجوز نفي الإيمان عن المسلم، بل هو حرام؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلاَّ رجعت عليه) (١)، وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من دعا رجلاً بالكفر، أو يا عدو الله وليس كذلك إلاَّ حار (٢) عليه) (٣) " (٤). وقال الشيخ ﵀ معلقاً على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الحجرات: ٩ الآية: " دل ذلك على أن المؤمن لا يكفر بالذنب ضرورة، لأن الله سمى المقتتلين مؤمنين، وأخبر أنهم إخوة لمن يصلح بينهم ممن لم يشاركهم في القتال" (٥). قال الشيخ ﵀: " تختلف كبائر الذنوب في فحشها وعظم جرمها: فمنها ما هو شرك، ومنها ما ليس بشرك، ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون مسلماً بما كان منها دون الشرك ... ، أما ما كان من الكبائر مثل الاستعانة بغير الله كدعاء الأموات لتفريج الكربات والنذر للأموات والذبح لهم فهذه الكبائر وأمثالها كفر أكبر يجب البيان لمن ارتكبها وإقامة الحجة عليه، فإن تاب بعد البيان قبلت توبته وإلا قتله ولي أمر المسلمين لردته" (٦).

стр. 566

الكفر حكم شرعي متلقى من نصوص الشريعة، والحكم به بمحض العقل ومجرد الرأي من القول على الله بغير علم (١). ولهذا وردت النصوص بالتحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ النساء: ٩٤. وقد بين الشيخ ﵀ الأدلة من السنة في كلامه السابق. وقد ذكر الفقهاء من شتى المذاهب في كتبهم كتاب المرتد، وبينوا فيه من الأحكام المترتبة على الردة ما يؤكد خطورة التكفير، وضرورة الاحتياط في الحكم به (٢). "ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله" (٣). قال الإمام ابن كثير ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ الإسراء: ١٥. إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه" (٤).

стр. 567

عدم المؤاخذة قبل الإنذار: قال الشيخ ﵀: " المسلمون لا يحكمون على غيرهم بأنهم في النار إلا بشرط وهو: أن يكونوا قد بلغهم القرآن أو بيان معناه من دعاة الإسلام بلغة المدعوين؛ لقوله الله : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام: ١٩، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ الإسراء: ١٥، فمن بلغتهم الدعوة الإسلامية من غير المسلمين وأصر على كفره فهو من أهل النار لما تقدم من الآيتين، ولقول النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أهل النار" (١)، والأدلة في هذا المعنى من الآيات والأحاديث كثيرة. أما الذين لم تبلغهم الدعوة على وجه تقوم به الحجة عليهم فأمرهم إلى الله ، والأصح من أقوال أهل العلم في ذلك: أنهم يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع الأوامر دخل الجنة ومن عصى دخل النار" (٢). الكفر حكم شرعي متلقى من نصوص الشريعة، والحكم به بمحض العقل ومجرد الرأي من القول على الله بغير علم (٣). يقول الشاطبي (٤) ﵀: " جرت سنته- سبحانه- في خلقه، أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل، فإذا قامت الحجة عليهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكلّ جزاء مثله؛ كما أنه تعالى أنزل القرآن برهاناً في نفسه على صحة ما فيه، وإقامة للحجة وزاد على يدي رسوله ﵊ من المعجزات ما في بعضه كفاية" (٥).

стр. 568

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والذي عليه السلف والأئمة أن الله تعالى لا يُعَذِّب إلا من بلغته الرسالة، ولا يعذِّب إلا من خالف الرسل كما دلّ عليه الكتاب والسنة، ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال، والمجانين وأهل الفترات (١)، فهؤلاء فيهم أقوال، أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب" (٢).

стр. 569

ثالثاً: اعتبار المقاصد في التكفير: الحكم بالكفر يتناول الظاهر والباطن للتلازم بينهما، وهو فرع عن القول بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل (١). ولهذا فإن الاعتقادات والأقوال والأعمال الكفرية من حيث هي قسمان (٢): الأول: ما لا يحتمل إلا الكفر . كسب الله تعالى ورسوله ﷺ ودينه، وإهانة المصحف ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال لا تحتمل إلا الكفر فلا ينظر إلى قصد من عملها ولا إلى نيته ولا إلى قرائن أحواله. قال الشيخ ﵀: "والردة هي الكفر بعد الإسلام، وتكون بالقول، والفعل، والاعتقاد، والشك، فمن أشرك بالله، أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو بعض كتبه أو رسله، أو سب الله أو رسوله، أو جحد شيئاً من المحرمات المجمع على تحريمها أو استحله، أو جحد وجوب ركن من أركان الإسلام الخمسة، أو شك في وجوب ذلك أو في صدق محمد ﷺ أو غيره من الأنبياء، أو شك في البعث، أو سجد لصنم أو كوكب ونحوه- فقد كفر وارتد عن دين الإسلام" (٣). وقال الشيخ ﵀ فيمن يعتقد تصرف أحد في الكون سوى الله: "من يعتقد ذلك كافر؛ لأنه أشرك مع الله غيره في الربوبية، بل هو أشد كفراً من كثير من المشركين الذين أشركوا مع الله غيره في الألوهية" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (٥).

стр. 570

ويقول: " لو أخذ يلقي المصحف في الحش، ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبياً من الأنبياء، ويقول أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذباً فيما أظهره من القول" (١). "والحكم بالكفر هنا إنما هو للفعل لا للفاعل، إذ لا يلزم من الحكم بكفر الفعل تكفير الفاعل؛ لكون تكفيره يتوقف على وجود الشروط وانتفاء الموانع" (٢). ثانياً: ما يحتمل الكفر وعدمه: كالسجود لغير الله، وإفشاء سر المسلمين لعدوهم ونحو ذلك؛ فإن هذه الأعمال تحتمل الكفر وعدمه، فالمعتبر فيها قصد من عملها ونيته وقرائن أحواله. قال الشيخ ﵀: " كل من آمن برسالة نبينا محمد ﷺ وسائر ما جاء به في الشريعة إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق يعتبر كافراً مرتداً عن الإسلام مشركاً مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده؛ لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله. لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يعلم وتقام عليه الحجة ويمهل ثلاثة أيام؛ إعذارا إليه ليراجع نفسه، عسى أن يتوب، فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته؛ لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) (٣) " (٤). فالسجود لغير الله يحتمل أن يكون عبادة وقربة، فهو حينئذ كفر، ويحتمل أن يكون تعظيماً وتحية، فهو حينئذ معصية؛ ولهذا لم يحكم النبي ﷺ بكفر معاذ ﵁ بمجرد سجوده له، وإنما استفصل منه (٥). ففي الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: (لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ قال: ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في

стр. 571

نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال النبي ﷺ : فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) (١). رابعاً: موانع التكفير: يرى الشيخ ﵀ أن الحكم بالكفر على من تلبس به يمنع منه موانع عدة قرر بعضها في كلامه. فقال ﵀: " الكفر في صفات الله تعالى هو إنكار ما علم ثبوته منها بعد البلاغ أو الإلحاد فيه بتحريف عن المقصود بدون شبهة يعذر بمثلها ... ومن خالف الحق في ذلك عناداً بعد البيان وإقامة الحجة فهو كافر غير معذور، ومن خالف في ذلك متأولاً لشبهة يعذر بمثلها فهو مخطىء معذور، ويؤجر على اجتهاده" (٢). لما كان الحكم بالكفر يلزم منه لوازم عدة، ويبنى عليه أحكام كثيرة؛ ذكر أهل العلم ما يمنع منه، ويقدح في الحكم به، وبحثوا في ضوابط كل منها، وجملتها أربعة، هي: الجهل (٣)، والخطأ (٤)، والتأويل (٥)، والإكراه (٦).

стр. 572

"فمن وقع في كفرٍ عملاً أو قولاً ثم أقيمت عليه الحجة وبُيِّن له أنَّ هذا كفرٌ يخُرج من الملة فأصَرَّ على فعله طائعاً غير مُكْرَهٍ، متعمّداً غير مخطئ ولا متأوّلٍ فإنَّه يكفر ولو كان الدافع لذلك الشهوة أو أيّ غرضٍ دنيويٍّ، وهذا ما عليه أهل الحق وعليه ظاهرين إلى قيام الساعة إن شاء الله" (١). "والمتأولون من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطؤوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقاً والتزموا ذلك، لكنهم أخطؤوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة ﵃ والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك" (٢). وضابط التأويل المعتبر الإعذار به شرعاً والمانع من الكفر ما كان تأويلاً سائغاً بخلاف ما هو دون ذلك، وهذا يختلف باختلاف ظهور المسائل، وصراحة أدلتها، وقوة التأويل فيها، وورود الشبهة عليها، وسلامة قصد المتأول، وامتلاكه آلة النظر (٣). وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جملة من المسائل التي يعذر بالتأويل فيها فيقاس عليها نحوها (٤). - من يعذر لعدم البلاغ لا لمجرد الجهل: يقرر الشيخ ﵀: "بأنه لا يعذر المكلف بعبادة غير الله أو تقربه بالذبائح لغير الله أو نذره لغير الله ونحو ذلك من العبادات التي هي من اختصاص الله إلاَّ إذا كان في بلاد غير إسلامية ولم تبلغه الدعوة، فيعذر لعدم البلاغ لا لمجرد الجهل؛ لما رواه مسلم عن أبي هريرة

стр. 573

- ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة- أَي ممنْ هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلُّهم يجب عليه الدخول في طاعته - يهودي ولا نصراني ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار) (١)، فلم يعذر النبي ﷺ من سمع به، من يعيش في بلاد إسلامية قد سمع الرسول ﷺ ، فلا يعذر في أصول الإيمان بجهله" (٢). العذر بالجهل له اعتبار في مسألة التكفير بالنسبة لمن يغلب عليه التلبس به، كمن أسلم حديثاً، ومن نشأ في البادية ونحوهما. " لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيهُ أمته، ولا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف بعد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يقدر بالعقل، ولا بالروية والقلب والفكر، ولا نكفرّ بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهاء الخبر إليه به" (٣). قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ الإسراء: ١٥، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ القصص: ٥٩. وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ النساء: ١٦٥، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إبراهيم: ٤، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ التوبة: ١١٥، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ

стр. 574

قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان. وأما السنة: ولعل من أظهر الأدلة (١) في اعتبار الجهل عذراً، حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن رجلاً لم يعمل خيراً قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباَ لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل، فعلوا به كما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، فإذا هو قائم بين يديه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له) (٢). قال ابن قدامة المقدسي ﵀: " فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، والناشئ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم: لم يحكم بكفره" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إني دائماً - ومن جالسني يعلم ذلك مني - من أعظم الناس نهياً عن أن يُنسب معيَّن إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله تعالى قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية ... وكنت أبيِّن أن ما نُقل عن السلف والأئمَّة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا: فهو أيضاً حقٌّ، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين ... والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما

стр. 575

قاله الرسول ﷺ لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً " (١). وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: " إن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف (٢) فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة" (٣). ويقول- في موضع آخر-: " إن الشخص المعّين إذا قال ما يوجب الكفر، فإنه لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفرّ البلدة الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات، بعد بلوغ الحجة ووضح المحجة" (٤). والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفراً، كما يكون معذوراً بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقاً، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم، وهو مقتضى حكمة الله تعالى، ولطفه، ورأفته، فلن يعذب أحداً حتى يعذر إليه (٥)،

стр. 576

والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله تعالى من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل. خامساً: الحكم فيمن رد السنة: قال الشيخ ﵀: " الحكم فيمن رد السنة جملة -أي كلها- فهو كافر، فمن لم يقبل منها إلا ما كان في القرآن فهو كافر لأنه معارض للقرآن ومناقض لآياته، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ آل عمران: ٣٢، ويقول تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر: ٧، ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ المائدة: ٩٢ ... ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ النساء: ٥٩، أي: تنازع الرعية، وأولو الأمر من العلماء والحكام ﴿فِي شَيْءٍ﴾ فردوه إلى الله والرسول، فلم يجعله إلى الله وحده، بل جعله إلى الله وإلى الرسول، ورده إلى الله رده إلى كتاب الله، ورده إلى الرسول بعد وفاته رده إلى سنته ﵊، فدعواه أنه يعمل بالقرآن عقيدة وعملاً وخلقاً ويرد السنة جملة -هذه الطائفة التي تسمى نفسها (القرآنية) - دعوة باطلة، وهو مناقض لنفسه لأنه كذب آيات القرآن التي فيها الأمر باتباع الرسول ﷺ ، وأخذ ما جاء به، وطاعته فيما جاء به من عند الله عموماً دون أن يخص آيات القرآن، ثم هو في الوقت نفسه كيف يصلي؟ وكيف يحدد أوقات الصلوات؟، وكيف يصوم؟، وعن أي شيء يصوم؟، وتفاصيل الصيام كيف يعرفها؟، وكيف يحج بيت الله الحرام؟، فليس هناك إلا أركان محدودة من الحج في سورة البقرة، وكذلك أين نصب الزكاة؟ وكيف يزكي؟ " (١).

стр. 577

ثم بين الشيخ ﵀ أن من ادعى هذا فهو مناقض لنفسه فقال ﵀: " فمن يدعي هذا مغالط ومناقض لنفسه، ومناقض للقرآن؛ لأنه رد آياته الكثيرة التي ورد فيها الأمر بطاعة الرسول ﷺ والأخذ بما جاء به، ومناقض لإجماع المسلمين ولإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم جميعاً لم يشذ واحد منهم عن الأخذ بالسنة، فإذاً هو كافر بالقرآن وإن ادّعى أنه مؤمن به، والكافر بآية منه كالكافر بكل آياته، كافر بالإجماع منكر له أي: إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فما فيهم واحد شذ عن السنة وأنكرها جملة، وإذا أنكر أحدهم شيئاً فإنها ينكر حديثاً من جهة الراوي لا من جهة أنه كلام الرسول ﷺ ، أي: السنة. وهذا أيضاً لا يقوى على أن يقوم بالصلوات الخمس على وجهها المعلوم من الدين بالضرورة، فصلاة العصر أربع ركعات، وصلات الصبح ركعتان لا يجد هذا في كتاب الله فمن أين جاء هذا؟ ما جاء إلا من تعليم جبريل للرسول ﷺ (١)، وتعليم الرسول ﷺ لأصحابه، فمن أين يأتي بهذا؟ فهذا مجمل الرد عليه، وإثبات أنه كافر بالقرآن كافر بالإجماع اليقيني، كافر بالمعلوم من الدين بالضرورة، من مثل أن ركعات الظهر أربع، والعصر أربع، والعشاء أربع، والمغرب ثلاث، والصبح ركعتان، وكافر أيضاً بتفاصيل الصيام لأنها ليست في القرآن، وهي معلومة من الدين بالضرورة، فلذلك كان كافراً" (٢). قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته، يحدث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه) (٣).

стр. 578

وقد ظهرت جماعة يسمون أنفسهم القرآنيين، يقرءون القرآن الكريم وينكرون السنة النبوية بالكلية، والحق أنهم منكرون للقرآن الكريم قبل إنكار السنة؛ فمنكر السنة منكر للقرآن بلا ريب؛ إذ كيف يصلي وكم صلاة يصليها، وما أركان الصلاة، وما سننها ومبطلاتها؟ وكيف يزكي وكيف يصوم وكيف يحج؟ وأنكر بعض المعاصرين السنة القولية، وأقر السنة العملية. وأنكر بعض المعاصرين ممن ليس لهم اختصاص بالسنة أحاديث الشفاعة، وأولوا الآيات القرآنية الصريحة في الشفاعة، والبعض الآن يتكئ على أريكته وينفخ أوداجه ثم يضعف أحاديث الشيخين البخاري ومسلم التي أجمعت الأمة على صحتها (١). سادساً: الحكم بغير ما أنزل الله: يرى الشيخ ﵀ أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها الناس، مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت، فقال: " معنى الطاغوت العام: هو كل ما عبد من دون الله مطلقاً تقرباً إليه بصلاة أو صيام أو نذر أو ذبيحة أو لجوء إليه فيما هو من شأن الله لكشف ضر أو جلب نفع أو تحكيماً له بدلاً من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونحو ذلك. والمراد بالطاغوت في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ النساء: ٦٠، كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك، أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن. ومن ذلك يتبين: أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت، لكن

стр. 579

من عبد دون الله وهو غير راض بذلك كالأنبياء والصالحين لا يسمى طاغوتاً، وإنما الطاغوت: الشيطان الذي دعاهم إلى ذلك وزينه لهم من الجن والإنس" (١). الأصل في الحكم بغير ما أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ المائدة: ٤٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو، عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله، فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرها، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيراً من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله، فهم كفار، وإلا كانوا جهالاً" (٢). ولابن القيم ﵀ تفصيل في الحكم بغير ما أنزل الله، أوضحه بقوله: " والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، حسب حال الحاكم. فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه، فهذا مخطئ، له حكم المخطئين" (٣). قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: " فانظر كيف سجل تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله، الكفر والظلم والفسوق، ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً، بل كافر مطلقاً: إما كفر عمل، وإما كفر

стр. 580

اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس ﵃ في تفسير هذه الآية (١) من رواية طاووس وغيره يدل على أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة" (٢). سابعاً: تكفير المعين وغير المعين: يقول الشيخ ﵀: " تكفير غير المعين مشروع بأن يقال: من استغاث بغير الله فيما دفعه من اختصاص الله كافر، كمن استغاث بنبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء أن يشفيه أو يشفي ولده مثلاً. وتكفير المعين إذا أنكر معلوماً من الدين بالضرورة؛ كالصلاة، أو الزكاة أو الصوم بعد البلاغ واجب، وينصح، فإن تاب وإلاَّ وجب على ولي الأمر قتله كفراً، ولو لم يشرع تكفير المعين عندما يوجد منه ما يوجب كفره ما أقيم حد على مرتد عن الإسلام" (٣). مذهب أهل السنة وسط بين من يقول: لا نكفر من أهل القبلة أحداً، وبين من يكفر المسلم بكل ذنب دون النظر إلى توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، فهم يطلقون التكفير على العموم، ولكن تحقق التكفير على المعين لا بد له من توفر شروط، وانتفاء موانع، أما تكفير غير المعين فمشروع. قال شيخ الإسلام ﵀: " المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولاً يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية ... ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه ... " (٤).

стр. 581

ومواقف السلف من أحاديث الوعيد لمن ارتكب الكبائر وعدم إنفاذها على الأعيان مستفيضة مشهورة (١)، أمَّا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع في إلحاق التكفير بالمعين فإنه يطلق عليه ويستتاب فإن تاب وإلاّ قتل. وقال شيخ الإسلام ﵀: " وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفراً فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. وهذا كما هو في نصوص الوعيد، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ النساء: ١٠، فهذا أو نحوه من النصوص حق لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه وعيد لفوت شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، ونحو ذلك. وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، أو لم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، أو لم يفهمها لشبهة عرضت له يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وجماهير أئمة الإسلام" (٢).

стр. 582

المبحث الثالث جهوده في تقرير الولاء والبراء . أولاً: تعريف الولاء والبراء . الولاء في اللغة: المحبة؛ والى فلان فلاناً: إذا أحبه؛ والموالاة ضد المعاداة (١). الولاء في الاصطلاح: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً (٢). البراء في اللغة: برئ إذا تخلص، وبرئ إذا تنزه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر (٣). البراء في الاصطلاح: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار (٤). شرح تعريف الولاء والبراء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الولاية: ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبة والتقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد ... والولي: القريب، يقال: هذا يلي هذا: أي يقترب منه، ومنه قوله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) (٥).أي لأقرب رجل إلى البيت. فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معادياً له ... فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه" (٦).

стр. 583

ثانياً: تقرير الولاء والبراء . قال الشيخ ﵀: " الولاء والبراء أصل من أصول الإسلام، وهما مظهران من مظاهر إخلاص المحبة لله، ثم لأنبيائه وللمؤمنين. والبراء: مظهر من مظاهر كراهية الباطل وأهله. وهذا أصل من أصول الإيمان وأما أهميته بالنظر للوقت الحاضر: فلأنه قد اختلط الحابل بالنابل!، وغفل الناس عن مميزات المؤمنين التي يتميزون بها عن الكافرين، وضعُف الإيمان في قلوبهم حتى ظهرت فيهم مظاهر يكرهها المؤمن. والوا الكافرين أمما ودولاً، وزهدوا في كثير من المؤمنين، وحطوا من قدرهم وساموهم سوء العذاب" (١). وعلق الشيخ ﵀ على قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الفتح: ٢٩، بقوله: " دلَّ ذلك على ما كان عليه سلف الأمة من الولاء للمؤمنين، ووجوب التراحم بينهم، والبراء من الكافرين، وإعلانهم العداوة والبغضاء، وذلك خلاف ما عليه المسلمون اليوم" (٢). قال الشيخ ﵀: " نهى الله تعالى المؤمنين أن يوالوا اليهود وغيرهم من الكفار ولاء ود ومحبة وإخاء ونصرة، وأن يتخذوهم بطانة ولو كانوا غير محاربين للمسلمين، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ المجادلة: ٢٢، وما في معناه من نصوص الكتاب والسنة" (٣). قال الشيخ ﵀: " لا يجوز للمسلم أن يشارك الكفار في أعيادهم ويظهر الفرح والسرور بمناسباتهم ويعطل الأعمال سواء كانت دينية أو دنيوية، لأن مشاركتهم مشابهة لأعداء الله المحرمة، ومن التعاون معهم على الباطل، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 584

(من تشبه بقوم فهو منهم) (١)، والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ المائدة: ٢" (٢). ١ - أهمية الولاء والبراء. إن الولاء والبراء شرط في الإيمان، كما قال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ المائدة: ٨٠ - ٨١. يقول ابن تيمية عن هذه الآية: " فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط، وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودلّ ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه ... " (٣). والولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، كما قال ﷺ : (أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله) (٤). يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٥): " فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا

стр. 585

بغضاء، لم يكن فرقان بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" (١). يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (٢): " وأصل الموالاة الحب، وأصل المعادة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال" (٣). ٢ - مشاركة الكفار في أعيادهم. أما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق، وذلك مثل أن يهنأهم بأعيادهم فيقول: عيدك مبارك، أو تهنأ بهذا العيد، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الزنا ونحوه. وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنباً لمقت الله وسقوطهم من عينه، وإن بلي الرجل فتعاطاه دفعاً لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيراً ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك (٤).

стр. 586

معاملة الذمي: قال الشيخ ﵀: " الطريقة المثلى في معاملة المسلمين للذمي: الوفاء له بذمته؛ للآيات والأحاديث التي أمرت بالوفاء بالعهد، وبره ومعاملته بالعدل، بقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ الممتحنة: ٨، ولين القول معه، والإحسان إليه عموماً إلاَّ فيما منع منه الشرع، كبدئه بالسلام، وتزويجه المسلمة، وتوريثه من المسلم، ونحو ذلك مما ورد النص بمنعه" (١). يعلم أن الولاء شيء والمعاملة شيء آخر والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ الممتحنة: ٨، وقد اختلف أهل العلم في تفسيرها على أقوال عدة: وأقربها ما رجحه ابن جرير: أن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم. لأن الله عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الممتحنة: ٨، جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض (٢). والإسلام بفعله هذا - حتى في حالة الخصومة- يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة انتظاراً لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع (٣). قال فضيلة الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله: " الكافر الذِّمِّيّ الذي له عهد، بيننا وبينه عهد أو صلح، أو دخل إلى البلاد بذمة أو عهد وما أشبه ذلك، فهؤلاء لا يجوز

стр. 587

قتلهم، ولا أخذ أموالهم، بل إن ذلك فيه الوعيد الشديد، قال ﷺ : (من قتل معاهداً لم يَرُحْ رائحة الجنة) (١)، فمن كبائر الذنوب، فليس كل كافر يحل دمه وماله إنما هذا الكافر الحربي الذي بيننا وبينه حرب، وبيننا وبينه سلاح، هذا حلال دمه وماله" (٢).

стр. 588

الباب الثاني: منهج الشيخ وجهوده في الرد على المخالفين . وفيه تمهيد وثلاثة فصول:

стр. 589

تمهيد

стр. 590

في التعريف بأهل السنة والجماعة وتميزهم عن الفرق. أولاً: التعريف بأهل السنة والجماعة: السنة في اللغة: السيرة والطريقة محمودةً كانت أو مذمومة. قال ابن فارس ﵀: " السين والنون أصل واحد مطرد، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة، والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنُّه سناً، إذا أرسلته إرسالاً ... ومما اشتق منه: السنة، وهي السيرة. وسنة رسول الله ﷺ : سيرته" (١). قال ابن الأثير (٢) ﵀: " وقد تكرر في الحديث ذكر (السنة) وما تصرف منها، والأصل فيها الطريقة والسيرة" (٣). أما السنة في الاصطلاح فلها عدة إطلاقات (٤) والذي يهمنا هنا اصطلاح (السنة) حينما يقال: "أهل السنة" في مجال العقائد، خاصة لما حدث الافتراق في الأمة الإسلامية، يقول ابن رجب ﵀: " وعن سفيان الثوري ﵀ قال: استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء" (٥)، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات، ولهذا كان الفضيل بن عياض (٦) ﵀ يقول: " أهل السنة من

стр. 591

عرف ما يدخل في بطنه من حلال" (١)، وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه ﵃. ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم: السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة، وأما السنة الكاملة فهي الطريقة السالمة من الشبهات والشهوات" (٢). وقد عرف الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أهل السنة والجماعة في الاصطلاح، فقال: " هم من كانوا على مثل ما كان عليه محمد بن عبد الله ﵊ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة" (٣) (٤).

стр. 592

ثانياً: تميز أهل السنة والجماعة عن بقية الفرق: قال الشيخ ﵀: " كان الناس أمة واحدة على الحق بما أودع الله فيهم من فطرة الإسلام، وبما عهد إليهم من الهدى والبيان، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاجتالتهم الشياطين عن الصراط المستقيم ... إلا أنه سبحانه جرت سنته، واقتضت حكمته، أن يقيض للحق في كل عصر جماعة تقوم عليه، وتهدي الناس إليه، إنجازاً للوعد بحفظ دينه، وإقامةً للحجة، وإسقاطاً للمعاذير، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، وقال ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) (١).وفي رواية، قالوا: يا رسول الله! من الفرقة الناجية؟ قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). وفي رواية، قال: (هي الجماعة يد الله على الجماعة). وقد تبين من ذلك أن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وإن شعارها كتاب الله، وهدي رسوله، ﵊ وما كان عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بمحكم النصوص، ويعملون بها، ويردون إليه ما تشابه منها. وأما الفرق الضالة، فشعارها مفارقة الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة، واتباع الأهواء، وشرع ما لم يأذن به الله من البدع والآراء الزائفة بناءً على أصول وضعوها، يوالون عليها، ويعادون، فمن وافقهم عليها، أثنوا عليه وقرّبوه، وكان في زعمهم من أهل السنة والجماعة، ومن خالفهم تبرأوا منه ونبذوه، وناصبوه العداوة والبغضاء، وربما رموه بالكفر، والخروج من ملة الإسلام لمخالفته لأصولهم الفاسدة" (٢).

стр. 593

وقد تميز أهل السنة والجماعة عن بقية الفرق بميزات عديدة منها (١): (أولاً) - اقتصارهم في مصدر التلقي على الوحي: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة، والتحذير من مخالفتها. ويكون ذلك: - الاعتقاد الجازم بأنه لا يتحقق رضا الله ﵎ والفوز بجنته والنجاة من عذابه إلا بالإيمان بهما والعمل بما جاءا به (٢). - الاعتقاد بأن هذا الدين كامل، والله ﵎ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة: ٣، ومسألة كمال الدين من المسائل المهمة في بيان منهج السلف ﵏، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم، فقد بيّنه الله ورسوله بياناً شافياً، فكيف بأصول التوحيد والإيمان" (٣). - وجوب تقديم الشرع على العقل عند توهم التعارض، وإلاّ ففي حقيقة الواقع لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح (٤). - الأدب مع نصوص الكتاب والسنة، وذلك بأن تراعى ألفاظهما عند بيان العقيدة، وأن لا تستخدم الألفاظ والمصطلحات الموهمة غير الشرعية (٥).

стр. 594

(ثانياً) - عدم الخوض في علم الكلام والفلسفة، والاقتصار في بيان وفهم العقيدة على ما في الكتاب والسنة، وتجلى هذا في التالي: - الحرص على العلم النافع مع العمل، قال معروف الكرخي ﵀ (١): " إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل وإذا أراد الله بعبد شراً أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل" (٢). وللعلم النافع علامات ذكرها بعض العلماء (٣). - النهي عن البدع، ومن ذلك علم الكلام، وقد كان موقف السلف واضحاً ومشهوراً من علم الكلام، وموقف السلف من علم الكلام كان لأسباب (٤) وليس هذا موطن بسطه وتسطيره. - الرد على المنحرفين وأصحاب الأهواء بمنهج متميز، فالسلف ﵏ لما حذروا من المنطق ومن علم الكلام لم يكتفوا بهذا، وإنما ردوا وناقشوا أصحاب البدع بالأدلة النقلية والعقلية المبنية على الكتاب والسنة. والسلف ﵏ لم ينهوا عن جنس النظر والاستدلال، ولكن معارضتهم تركزت على الأساليب الكلامية المبنية على غير الكتاب والسنة (٥).

стр. 595

(ثالثاً) - حجية السنة في العقيدة ومن ذلك خبر الآحاد، وهذا من القواعد الكبرى في منهج السلف ﵏ وتميزوا بها عن كثير من أهل الأهواء والبدع؛ والقول بأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم ومن ثم فلا يحتج بها في العقيدة بدعة كبرى تلقفها أو أحدثها المعتزلة (١). قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " أحاديث الآحاد الصحيحة قد تفيد اليقين إذا احتفت بالقرائن وأفادت غلبة الظن وعلى كلتا الحالتين يجب الاحتجاج بها في إثبات العقيدة وسائر الأحكام الشرعية ولذلك أدلة كثيرة ... منها: أن النبي ﷺ كان يرسل آحاداً الناس بكتبه (٢) إلى ملوك الدول ووجهائها ككسرى وقيصر يدعوهم فيها إلى الإسلام عقيدته وشرائعه ولو كانت الحجة لا تقوم عليهم بذلك لكونهم أحاداً ما اكتفى بإرسال كتابه مع واحد لكونه عبثاً ... " (٣) (٤). (رابعاً) - أن الصحابة أعلم الناس بعد الرسول ﷺ بالعقيدة، لذلك فأقوالهم وتفاسيرهم للنصوص حجة لأنهم ﵃ قد اكتمل فيهم الفهم والمعرفة لأصول الدين التي دل عليها كتاب الله المنزل وسنة رسوله ﷺ .

стр. 596

ولمكانة الصحابة عند السلف حرصوا على تدوين أقوالهم وآرائهم في مختلف المسائل، فقد روى صالح بن كيسان (١) قال: " اجتمعت أنا والزهري (٢) -ونحن نطلب العلم- فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، قال: ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة. قال: فقلت أنا: لا، ليس بسنة، لا نكتبه. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت" (٣). (خامساً) - التسليم لما جاء به الوحي، مع إعطاء العقل دوره الحقيقي، وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه، فالسلف ﵏ لم يلغوا العقل كما يزعم خصومهم من أهل الكلام، أو من لا خبرة له بمذهب السلف من غيرهم، كما أنهم لم يحكموه في جميع أمورهم كما فعل أهل الضلال، وإنما وزنوا الأمر بموازين الشرع (٤). (سادساً) - لم يكونوا يتلقون النصوص ومعهم أصول عقلية يحاكمون النصوص إليها، كما فعل المعتزلة وغيرهم الذين وضعوا أصولاً عقلية، ثم لما جاءوا إلى القرآن والسنة وما فيهما من دلالات في الاعتقاد، نظروا فما وجدوه موافقا لتلك الأصول العقلية أخذوا به، وما وجدوه مخالفا لشيء منها أولوه أو أنكروا الاحتجاج به.

стр. 597

(سابعاً) - الرجوع إلى جميع النصوص الواردة في مسألة معينة، وعدم الاقتصار على بعضها دون البعض الآخر، وهذا ناشئ من أنهم لا يفرقون بين النصوص وليس لديهم أصول عقلية متقررة سلفا عندهم ليأخذوا من النصوص ما وافقها ويدعوا ما خالفها، فمذهبهم هو الوسط فلا يسلكون مثل هذا المنهج، بل يأخذون بجميع النصوص. (ثامناً) - التزام العدل والإنصاف مع أعدائهم، فهم يعترفون بما عند الخصوم من حق، ولا يعميهم ما يجدونه عندهم من ضلال فيصدهم عن قول الحق فيهم، أو يدعوهم إلى رميهم بما ليس فيهم من الباطل. (تاسعاً) - لا يتعصبون لشخص إلاّ للرسول ﷺ ، فعندهم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاّ الهادي البشير ﵊، لأنه الذي لا ينطق عن الهوى. (عاشراً) - موقفهم من الفرق الإسلامية، إقرار من كان منهم موافقاً للكتاب والسنة، والإنكار على من كان مخالفاً للكتاب والسنة. قال الشيخ ﵀: " نقرهم -أي أصحاب الفرق- على ما وافقوا فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وننكر عليهم ما خالفوا فيه الكتاب والسنة" (١). ثم قال ﵀: " الجماعات الإسلامية تدخل في الفرقة الناجية، إلاَّ من أتى منهم بمكفر يخرج عن أصل الإيمان، لكنهم تتفاوت درجاتهم قوة وضعفاً بقدر إصابتهم للحق وعملهم به وخطئهم في فهم الأدلة والعمل، فأهداهم أسعدهم بالدليل فهماً وعملاً، فاعرف جهات نظرهم، وكن مع أتبعهم للحق وألزمهم له، ولا تبخس الآخرين إخوانهم في الإسلام فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتبع الحق حيثما كان ولو ظهر على لسان من يخالفك في بعض المسائل، فالحق رائد المؤمن، وقوة الدليل من الكتاب والسنة هي الفيصل بين الحق والباطل" (٢).

стр. 598

الفصل الأول: منهجه في الرد على المخالفين وفيه ثلاثة مباحث:

стр. 599

المبحث الأول مصادر الشيخ عبد الرزاق عفيفي في ذكر الفرق وتاريخها . قد سلك الشيخ ﵀ مسلك التوثيق في ذكر الفرق وقد أحال في كثير من كلامه على الفرق إلى الكتب الآتي ذكرها:- ١. (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري (١). ٢. (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر البغدادي (٢) (٣). ٣. (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم (٤) (٥).

стр. 600

٤. (الملل والنحل) للشهرستاني (١) (٢). ٥. (منهاج السنة) لابن تيمية (٣). ٦. (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (٤). ٧. (الإيمان) لابن تيمية (٥). ٨. (مدارج السالكين) لابن القيم (٦). ٩. (المنتقى) للذهبي (٧). ١٠. (الميزان) للذهبي (٨).
следующие страницы →