← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ولمكانة الصحابة عند السلف حرصوا على تدوين أقوالهم وآرائهم في مختلف المسائل، فقد روى صالح بن كيسان (١) قال: " اجتمعت أنا والزهري (٢) -ونحن نطلب العلم- فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، قال: ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة. قال: فقلت أنا: لا، ليس بسنة، لا نكتبه. قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيعت" (٣). (خامساً) - التسليم لما جاء به الوحي، مع إعطاء العقل دوره الحقيقي، وعدم الخوض في الأمور الغيبية مما لا مجال للعقل فيه، فالسلف ﵏ لم يلغوا العقل كما يزعم خصومهم من أهل الكلام، أو من لا خبرة له بمذهب السلف من غيرهم، كما أنهم لم يحكموه في جميع أمورهم كما فعل أهل الضلال، وإنما وزنوا الأمر بموازين الشرع (٤). (سادساً) - لم يكونوا يتلقون النصوص ومعهم أصول عقلية يحاكمون النصوص إليها، كما فعل المعتزلة وغيرهم الذين وضعوا أصولاً عقلية، ثم لما جاءوا إلى القرآن والسنة وما فيهما من دلالات في الاعتقاد، نظروا فما وجدوه موافقا لتلك الأصول العقلية أخذوا به، وما وجدوه مخالفا لشيء منها أولوه أو أنكروا الاحتجاج به.

стр. 597

(سابعاً) - الرجوع إلى جميع النصوص الواردة في مسألة معينة، وعدم الاقتصار على بعضها دون البعض الآخر، وهذا ناشئ من أنهم لا يفرقون بين النصوص وليس لديهم أصول عقلية متقررة سلفا عندهم ليأخذوا من النصوص ما وافقها ويدعوا ما خالفها، فمذهبهم هو الوسط فلا يسلكون مثل هذا المنهج، بل يأخذون بجميع النصوص. (ثامناً) - التزام العدل والإنصاف مع أعدائهم، فهم يعترفون بما عند الخصوم من حق، ولا يعميهم ما يجدونه عندهم من ضلال فيصدهم عن قول الحق فيهم، أو يدعوهم إلى رميهم بما ليس فيهم من الباطل. (تاسعاً) - لا يتعصبون لشخص إلاّ للرسول ﷺ ، فعندهم أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاّ الهادي البشير ﵊، لأنه الذي لا ينطق عن الهوى. (عاشراً) - موقفهم من الفرق الإسلامية، إقرار من كان منهم موافقاً للكتاب والسنة، والإنكار على من كان مخالفاً للكتاب والسنة. قال الشيخ ﵀: " نقرهم -أي أصحاب الفرق- على ما وافقوا فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وننكر عليهم ما خالفوا فيه الكتاب والسنة" (١). ثم قال ﵀: " الجماعات الإسلامية تدخل في الفرقة الناجية، إلاَّ من أتى منهم بمكفر يخرج عن أصل الإيمان، لكنهم تتفاوت درجاتهم قوة وضعفاً بقدر إصابتهم للحق وعملهم به وخطئهم في فهم الأدلة والعمل، فأهداهم أسعدهم بالدليل فهماً وعملاً، فاعرف جهات نظرهم، وكن مع أتبعهم للحق وألزمهم له، ولا تبخس الآخرين إخوانهم في الإسلام فترد عليهم ما أصابوا فيه من الحق، بل اتبع الحق حيثما كان ولو ظهر على لسان من يخالفك في بعض المسائل، فالحق رائد المؤمن، وقوة الدليل من الكتاب والسنة هي الفيصل بين الحق والباطل" (٢).

стр. 598

الفصل الأول: منهجه في الرد على المخالفين وفيه ثلاثة مباحث:

стр. 599

المبحث الأول مصادر الشيخ عبد الرزاق عفيفي في ذكر الفرق وتاريخها . قد سلك الشيخ ﵀ مسلك التوثيق في ذكر الفرق وقد أحال في كثير من كلامه على الفرق إلى الكتب الآتي ذكرها:- ١. (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري (١). ٢. (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر البغدادي (٢) (٣). ٣. (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم (٤) (٥).

стр. 600

٤. (الملل والنحل) للشهرستاني (١) (٢). ٥. (منهاج السنة) لابن تيمية (٣). ٦. (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (٤). ٧. (الإيمان) لابن تيمية (٥). ٨. (مدارج السالكين) لابن القيم (٦). ٩. (المنتقى) للذهبي (٧). ١٠. (الميزان) للذهبي (٨).

стр. 601

١١. (لسان الميزان) لابن حجر (١). ١٢. (كتاب الخطوط العريضة) لمحب الدين الخطيب (٢) (٣). ١٣. (مختصر التحفة الاثني عشرية) للدهلوي (٤) (٥). ١٤. (هذه هي الصوفية) لعبد الرحمن الوكيل (٦) (٧).

стр. 602

المبحث الثاني طريقته في الكلام على الفرق . من سمات منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في الكلام على الفرق، ما يلي: ١ - الإيجاز والاختصار في حكاية الآراء، ونقل الأقوال والروايات، والاقتصار في معظمها على موطن الشاهد منها، دون سردها كاملة، بل قد يشير إلى الرواية أو الحادثة إشارة دون ذكرها، كما يظهر ذلك في طائفة: الخوارج والفرق التابعة لها، والمعتزلة، والصوفية وغيرها. ٢ - التعقيب على الآراء في بعض الفرق نحو: المعتزلة، والشيعة، والإسماعيلية، ... وغيرها، فلم يقتصر دور المؤلف في تلك الطوائف على العرض فقط، بل عقب على الآراء بما يراه ويعتقده، سواء كان نقداً، أو مناقشة، أو بيان ما يلزم منها، أو مقارنتها بغيرها من آراء الطوائف الأخرى، بل الأديان والمذاهب المنحرفة، والإشارة إلى أنها مصدر بعض تلك الآراء، وغير ذلك من التعقيبات. ٣ - ذكر ما يجمع الطائفة الواحدة من مسائل وآراء، قبل الخوض في تفصيل آراء كل فرقة منها، وهذا في بعض الطوائف: كالخوارج، والدروز وغيرهم. ٤ - الاقتصار - غالباً- في بيان الرد على الآراء التي تفردت بها الطائفة، وتميزت بها عن غيرها، فيورد آراء أتباعها في تلك المسائل، نحو الجبرية في مسائل أفعال العباد والقدر، والصفاتية في مسائل الصفات، والخوارج والشيعة في مسائل الإمامة وما يتعلق بها، والمرجئة في مسائل الإيمان، ونحو ذلك وهذا المنهج سار عليه في الجملة، وقد يسترسل حينا في بعض الطوائف، فيورد آراء أتباعها في غير تلك المسائل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

стр. 603

٥ - حين يورد أدلة طائفة ما، يقدم الأدلة المقدمة لدى الطائفة نفسها، مثل طريقة المتكلمين وغيرهم والأشعرية ما ثبت بالعقل بذكر الأدلة العقلية، وما ثبت بالسمع بذكر الأدلة النقلية، ونحو ذلك. ٦ - العناية بتعريف بعض أسماء الفرق، كالخوارج والشيعة والمعتزلة وغيرهم، فقد عرف بتلك الأسماء وبين المراد منها. ٧ - في معرض رده على بعض الفرق يبين أخطاءهم ومخالفتهم لأهل السنة والجماعة مثل صنيعه مع الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم. ٨ - بيانه لحكم الإسلام في بعض الفرق مثل الدروز والنصيرية والقادرية وغيرهم. ٩ - خص الشيخ عبد الرزاق: بعض مؤسسي الفرق بالحديث وبيان خللهم مثل حديثه عن عبد القادر الجيلاني وجمال الدين الأفغاني. ١٠ - دعوته إلى الاعتدال فقد دعا إلى عدم إعطاء العقل أكبر مما يستحق فيرد به الشرع. وأخيراً هذه سمات منهج الشيخ ﵀ في كلامه على الفرق بوجه عام، وقد يخالف أو يغاير بعضها في بعض الطوائف، أما منهجه في مناقشتها فهو كما يلي.

стр. 604

المبحث الثالث منهجه في مناقشتها . منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ هو منهج متميز استقاه من هدي الكتاب والسنة وطريقة أهل العلم. فكان مما تميز به أسلوب الشيخ في النصيحة والردود العلمية: أولاً: العدل والإنصاف، إذ مقياسهُ في ذلك القرآن والسنة؛ ومما يذكر في هذا، قوله ﵀: "وهؤلاء الذين خرجوا عن أهل السنة والجماعة في مسائل من أصول الدين، ففيهم من السنة بقدر ما بقي لديهم مما وافقوا فيه الصحابة ﵃ وأئمة الهدى من مسائل أصول الإسلام، وفيهم من البدع والخطأ بقدر ما خالفوهم فيه من ذلك قليلاً كان أو كثيراً، وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه عقيدة واستدلالاً" (١)، ومن ذلك قوله ﵀: " إن القول بسقوط التكاليف أو بوحدة الوجود يؤمن به بعض الصوفية لا كلهم" (٢). ثانياً: الاعتماد في أسلوب المناقشة على إيراد الأدلة الشرعية والعقلية التي تؤيد ما يعتقده، فقد سلك طريقة التوثيق، ويبين أحياناً الحكم في بعض المسائل، ويتضح هذا في ردود الشيخ ﵀، ومن ذلك رده على ما يعتقده الملحدون، فيقول: " وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء حتى المشركين لا ينازع في ذلك إلا ملحد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجد؛ لأن الوجود نوعان، وجود ذاتي ... ، ووجود حادث" (٣)؛ ومن ذلك أيضاً، رده ﵀ على من أنكرت أركان الإسلام، فقال: " من أنكر وجحد شيئاً من أركان الإسلام أو من واجبات الدين المعلومة بالضرورة فهو كافر ومارق من دين الإسلام" (٤).

стр. 605

ثالثاً: التواضع وخفض الجناح وعدم الاستعلاء والتكبر والترفع في مخاطبة المخطئ، فلم يُحفظ عن الشيخ عبد الرزاق ﵀ شيء من قبيل الاستعلاء والتكبر. رابعاً: الرحمة والشفقة بالخلق، ومحبة الخير والنصح لهم، ومن ذلك قوله ﵀: "لا يغترَ إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وحصيلة في العلم، فيجعل عقله أصلاً، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعاً، فما وافق منهما عقله قبله واتخذه ديناً وما خالفه منهما لوى به لسانه وحرفه عن موقعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره ... ثقة بعقله ... واتهاماً لرسول الله ﷺ ... إلخ" (١). خامساً: القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح للخلق، وعدم المجاملة أو المحاباة في ذلك، ومما يذكر في ذلك، ردهُ ﵀ على من لا يرى اتباع الشريعة الإسلامية، بقوله: " من اعتقد أن هناك أحداً يسعه الخروج من اتباع شريعة محمد ﷺ فهو كافر يخرج من ملة الإسلام، وشريعته هي القرآن الذي أوحاه الله إليه، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ الإسراء: ١٠٦، ومن الشريعة: السنة النبوية التي هي تبيين وتفصيل للقرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ النحل: ٦٤" (٢). سادساً: إحياؤه لسنة الرد على المخالفين ﵀، مع تقيده بالأدب النبوي الكريم، فجمع في ذلك بين هدي السلف في الردود على المخالف وبين التأدب بآداب السنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، إذ المراد هو التصويب، وإرشاد ذلك المخطئ وليس التشفي وإسقاط الآخرين، وهذا يتضح في جهوده في بيان الفرق والمذاهب المعاصرة بجلاء (٣).

стр. 606

سابعاً: في معرض رد الشيخ ﵀ على الخطأ يعقبه بذكر مذهب السلف الصحيح فيه، ومن ذلك قوله ﵀ في رده على من قال بتناسخ الأرواح: "ما ذكر من أن الروح تنتقل من إنسان إلى آخر ليس بصحيح، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ الأعراف: ١٧٢، وجاء تفسير هذه الآية فيما رواه مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب ﵁ سُئل عن هذه الآية السابقة، فقال عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يُسال عنها، فقال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون) (١)، قال ابن عبد البر: معنى هذا الحديث، قد صح عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵃ أجمعين وغيرهم. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك وذكروا: أن القول بانتقال الروح من جسم إلى آخر هو قول أهل التناسخ وهم من أكفر الناس، وقولهم هذا من أبطل الباطل" (٢). ويتضح مما سبق أن منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ واضحاً في التحقيق العلمي والأسلوب الرفيع المقنع.

стр. 607

الفصل الثاني: جهوده في بيان الفرق والمذاهب المعاصرة

стр. 608

التمهيد بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي سبب ضلال الفرق، فقال ﵀ محذراً: " لا يغترَ إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل وسعة في التفكير، وحصيلة في العلم، فيجعل عقله أصلاً، ونصوص الكتاب والسنة الثابتة فرعاً، فما وافق منهما عقله قبله واتخذه ديناً وما خالفه منهما لوى به لسانه وحرفه عن موقعه، وأوله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره ... ثقة بعقله ... واتهاماً لرسول الله ﷺ ... واتهاماً لثقات الأمة وعدولها، الذين نقلوا إلينا نصوص الشريعة ووصلت إلينا عن طريقهم قولاً وعملاً ... فأي عقل من العقول يجعل أصلاً يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلاً، أعقل الخوارج في الخروج على الولاة، وإشاعة الفوضى وإباحة الدماء، أم عقل الجهمية في تأويل نصوص الأسماء والصفات وتحريفها عن مواضعها وفي القول بالجبر، أم عقل المعتزلة ومن وافقهم في تأويل نصوص أسماء الله وصفاته ونصوص القضاء والقدر وإنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، أم عقل الغلاة في إثبات الأسماء والصفات والغلاة في سلب المكلفين المشيئة والقدرة على الأعمال، أم عقل من قالوا بوحدة الوجود ... إلخ" (١). لا شك أن سبب ضلال الفرق على وجه العموم هو عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣. قال ابن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطّاً وقال: (هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه)، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ...﴾ الأنعام: ١٥٣ (٢).

стр. 609

وعموماً فإن الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم تشعبت بهم الطرق، فهناك أهل الوهم (١) والتخييل (٢) (الفلاسفة)، وهناك أهل التحريف والتأويل كالمعتزلة وغيرهم من علماء الكلام، وهناك أهل التجهيل (٣) والتضليل (٤) الذين ادعوا أن النصوص الشرعية من قرآن وسنة يراد بها خلاف مدلولها الظاهر وأن المراد الخفي لا يعلمه غيرهم وإلى هذا الصنف تنتمي الباطنية، وما كل ذلك إلا أنهم أقحموا العقل فيما ليس له. ولقد اعتبر الإسلام العقل ولم يلغه، فمن مظاهر اعتباره للعقل وعدم إلغائه له أن أطلق له العنان في التفكير فيما يدركه ويشاهده، ومنعه من التفكير والتخبط فيما لا يدركه ولا يقع تحت حسه من المغيبات التي لا يمكن أن يصل في تفكيره فيها إلى نتيجة (٥). وقد جاء عن السلف ﵏ قولهم: " العقل نوعان: عقل أعين بالتوفيق، وعقل كيد بالخذلان. فالعقل الذي أعين بالتوفيق: يدعو صاحبه إلى موافقة أمر الأمر المفترض الطاعة، والانقياد لحكمه، والتسليم لما جاء عنه ... والعقل الذي كيد: يطلب بتعمقه الوصول إلى علم ما

стр. 610

استأثر الله بعلمه، وحجب أسرار الخلق عن فهمه، حكمة منه بالغة؛ ليعرفوا عجزهم عن درك غيبه، ويسلموا لأمره طائعين ... " (١). فللعقول حد، إن وقفت عنده نجت وسلمت، وإن تعدته ضلت وعطبت. يقول السفاريني ﵀: " إن الله تعالى خلق العقول وأعطاها قوة التفكير، وجعل لها حداً تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدها، ووفت النظر حقه أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها، ووراء حدها الذي حده الله لها، ركبت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء ... " (٢). وإذا جعلنا العقل هو الأصل فأي عقل من العقول يجعل أصلاً يحكم في نصوص الشريعة فترد أو تنزل على مقتضاه فهما وتأويلاً. ولقد أحسن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قوله: " ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج، فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدّعي الآخر أن العقل أحاله فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد لجدل هؤلاء. وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه: أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك.

стр. 611

والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل. والثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول جاء بها بالاضطرار كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات. الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل وإنما يعلمه مجملا إلى غير ذلك من الوجوه على أن الوجوه الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا" (١). ومن البدهي لدى كل مسلم أن الإسلام - عقيدة وسلوكا - هو الميزان الصحيح الحكم، والحكم العدل في تقويم الأديان والمذاهب، والحكم على مدى استقامة الأمم والشعوب أو انحرافها. وعلى هذا فإن المتأمل لحال البشرية الدينية اليوم يرى أن الناس على أربعة أصناف: الصنف الأول: مسلم متمسك بدينه معتصم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يؤمن بالله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على هدى من دين الله وبصيرة. وهؤلاء رغم قلتهم منتشرون - بحمد لله - في سائر المعمورة يربطهم رباط العقيدة الصحيح وأخوة الإيمان، وهم الطائفة التي عناها رسول ﷺ بقوله في الحديث الصحيح عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) (٢).والمقصود بأمر الله هنا: قيام الساعة كما هو صريح في أحاديث أخرى: (حتى تقوم الساعة) (٣).

стр. 612

ومن كان من هذه الطائفة؛ سَعُد في الدنيا والآخرة بنعمة الإسلام والإيمان ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الكهف: ٢٨. الصنف الثاني: المنتمون للإسلام وهم على شيء من الانحراف والضلال أو على الكفر أو الجهل، وهم مع الأسف كثير ممن يدعي الإسلام من الصوفية، والرافضة، والباطنية، والنصيرية، وأصحاب المبادئ والاتجاهات الهدامة: كالاشتراكية، والبعثية، والقومية، والعلمانية، وسواهم من ذوي الانحراف العقدي والعملي. وهؤلاء هم الذين استثنى منهم رسول الله ﷺ تلك الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق رغم قلتها. وهؤلاء دعاة شر على أبواب جهنم، ويملكون من الأساليب والوسائل الجذابة والخادعة ما يشكل خطرا على شباب المسلمين الذين لم يتسلحوا بالعقيدة الإسلامية الصافية التي تحصنهم. الصنف الثالث: أتباع الديانات الضالة: وهؤلاء: إما كتابيون، وهم الذين ينتمون إلى الأديان المنزلة من الله في أصلها ولكن دخلها التحريف والشرك ثم نسخت، وهم اليهود والنصارى. وإما وثنيون يتبعون دينا مبتدعا يقوم في أصله على الشرك والوثنية وتقديس المخلوقات، كالبراهمة والبوذيين والكنفوشسيين والمجوس وأكثر الفلاسفة، وهذا الصنف كافر صريح الكفر، وعلى المسلم أن لا يرتبط معهم بأخوة أو مودة أو ولاء؛ لأنهم محادون لله ورسوله. الصنف الرابع: الملاحدة: وهم الذين لا يدينون بدين، أو يتبعون مذاهب تجحد وجود الخالق ، وهم بعض الفلاسفة والدهريون والشيوعيون وبعض العلمانيين ونحوهم، وهم كفار ملاحدة (١).

стр. 613

المبحث الأول الخوارج . تمهيد تعريف الخوارج الخوارج: هم الذين يكفرون بالمعاصي، ويَخْرُجون على أئمة المسلمين وجماعتهم. ويشمل ذلك: الخوارج الأولين (المحكمة الحرورية)، ومن تفرع عنهم من الأزارقة والصفرية والنجدات، (وهذه الثلاث قد انقرضت)، والأباضية (وهم الباقون إلى اليوم). كما يشمل اسم الخوارج كل من أخذ بأصولهم وسلك سبيلهم، كجماعات التكفير والهجرة في هذا العصر ونحوهم، وعلى هذا فإن الخوارج قد يخرجون في كل زمان، وسيظهرون في آخر الزمان، وكما أخبر النبي ﷺ عن الخوارج الأولين، فقد أخبر ﷺ كذلك عن المتأخرين، وأنهم يخرجون في آخر الزمن، قال ﷺ : (سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم جناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة) (١) (٢). وقد عرف الشهرستاني في كتابه (٣)؛ الخوارج تعريفاً سياسياً عاماً، اعتبر فيه الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجاً في أي زمن كان حيث يقول: " كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان".

стр. 614

- نشأة الخوارج: قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ معلقاً على قول الرسول ﷺ : (سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة) (١): " هذا الحديث وما في معناه قاله النبي ﷺ في الطائفة المسماة بـ: الخوارج؛ لأنهم يغلون في الدين ويكفرون المسلمين بالذنوب التي لم يجعلها الإسلام مكفرة، وقد خرجوا في زمن علي بن أبي طالب ﵁ وأنكروا عليه أشياء فدعاهم إلى الحق وناظرهم في ذلك فرجع كثير منهم إلى الصواب وبقي آخرون، فلما تعدوا على المسلمين قاتلهم علي ﵁ وقاتلهم الأئمة بعده؛ عملاً بالحديث المذكور وما جاء في معناه من الأحاديث، ولهم بقايا إلى الآن، والحكم عام في كل من اعتقد عقيدتهم في كل زمان ومكان" (٢). يختلف المؤرخون في تحديد بدء نشأة الخوارج هل كان ذلك في عهد النبي ﷺ أو في عهد عثمان أو في عهد علي ﵃، أو أن نشأتهم لم تبدأ إلا بظهور نافع بن الأزرق وخروجه عام ٦٤ هـ؛ واختار الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ القول بأن نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام علي ﵁ وخروجهم عليه، وهذا الرأي هو الذي عليه الكثرة الغالبة من العلماء إذ يعرفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على علي بعد التحكيم، ومن هؤلاء الأشعري فقد أرخ للخوارج، وأقدم من أرخ لهم منهم هم الخارجون على الإمام علي وقال عنهم: " والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب" (٣). وبسط هذه الأقوال يطول، وعلينا أن نفرق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراؤها الخاصة، ولها تجمعها الذي تحافظ عليه وتعمل به على نصرة هذه الآراء.

стр. 615

والواقع أن بدء نزعة الخروج قد بدأت بذرتها الأولى على عهد رسول الله ﷺ باعتراض ذي الخويصرة عليه؛ أما خروجها كطائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة، فهو خروج الذين خرجوا على علي ﵁ منذ وقعة صفين، وهم الذين ينطبق عليهم مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة (١). - أوصاف الخوارج: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وتشير الأحاديث التي ورد فيها ذكر الخوارج إلى أوصافهم، والأمر بقتالهم، وذمهم. وقد صحت هذه الأحاديث بأوجه عديدة بلغت عشرة أوجه، كما ذكر الإمام أحمد بن حنبل، وقد خرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري طائفة منها" (٢). وقال شيخ الإسلام ﵀: " والخوارج هم أول من كفَّر المسلمين، يكفِّرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله" (٣). وقال: " وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرّق غاليتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه، وأمر بجلد من يفضّله على أبي بكر وعمر" (٤). فصار هؤلاء هم "الخوارج المارقين (٥) الذين أمر الرسول ﷺ بقتالهم، قاتلهم علي، واتفق أئمة الدين على قتالهم - من الصحابة والتابعين ومن بعدهم-، ولم يكفّرهم علي

стр. 616

وسعد، وغيرهما، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقتلهم علي حتى سفكوا الدماء الحرام، ولم يغنم أموالهم" (١). ثم بين شيخ الإسلام ﵀ أنه: إذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك (٢). وقال شيخ الإسلام أيضاً: " ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع، الخوارج المارقون" (٣).

стр. 617

تسمية الخوارج بهذا الاسم: وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " وحديث العلماء في الفرق الإسلامية عن الخوارج؛ إنما هو عن هؤلاء الذين خرجوا على علي ﵁ من أجل التحكيم. أما طلحة، والزبير، ومعاوية، ومن تبعهم، فلم يُعْرَفُوا عند علماء المسلمين بهذا الاسم" (١). ثم استرسل ﵀ على إطلاق كلمة الخوارج، فقال: " صارت كلمة (الخوارج) تطلق على كل من خرج على إمام من أئمة المسلمين، اتفقت الجماعة على إمامته في أي عصر من العصور، دون أن يأتي ذلك الإمام بكفر ظاهر ليس له عليه حجة. وإذن فأول من أحدث هذه البدعة في هذه الأمة؛ الجماعة التي خرجت على علي بن أبي طالب سنة (٣٩ هـ) ... " (٢). إن كلمة (خوارج) أطلقت على أولئك النفر الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁ بعد قبوله التحكيم عقب معركة "صفين" إذ اعتبر هؤلاء التحكيم خطيئة تؤدي إلى الكفر، ومن ثم طلبوا من "علي" أن يتوب من هذا الذنب، وانتهى الأمر بأن خرجوا من معسكره. وقد قبل الخوارج هذه التسمية، ولكنهم فسروا الخروج بأنه خروج من بيوتهم جهاداً في سبيل الله، وفقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ النساء: ١٠٠. وقد أطلق على الخوارج أيضاً اسم (الشُّراة) وربما يكونون هم الذين وصفوا أنفسهم بذلك؛ لأنهم يزعمون أنهم باعوا أنفسهم لله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ التوبة: ١١١. وسموا أيضاً بـ (الحرورية)؛ لانحيازهم في أول أمرهم إلى قرية "حروراء" بالقرب من الكوفة. كما سموا أيضاً بـ (المحكمة)؛ لرفعهم شعار "لا حكم إلا لله" والتفافهم حوله. وسموا كذلك بـ (النواصب)؛ لمناصبتهم علياً ومن والاه

стр. 618

العداوة والبغضاء، وبراءتهم من كثير من الصحابة. وسموا بـ (الوعيدية)؛ لقولهم بتخليد من ارتكب كبيرة في النار. ومهما يكن من شيء، فإن اسم (الخوارج) في معناه الأول الذي يشير إلى الانشقاق، ومفارقة الجماعة، أصبح الاسم السائر على هذه الجماعة (١). وسموا بذلك لأن النبي ﷺ وصفهم بأنهم (يخرجون على حين فرقة من المسلمين) (٢)، ولأنهم يخرجون على أئمة المسلمين، وعلى جماعتهم بالاعتقاد والسيف، وهذا وصف عام لكل من سلك سبيلهم إلى يوم القيامة (٣).

стр. 619

- أصول الخوارج: قال الشيخ ﵀ في بيان بعض أصولهم: "ومن أصولهم التي اشتركت فيها فرقهم: البراءة من علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وابن عباس ﵃ وتكفيرهم. والقول بأن الخلافة ليست في بني هاشم فقط -كما تقول الشيعة- ولا في قريش فقط- كما تقول أهل السنة-؛ بل في الأمة عربها وعجمها، فمن كان أهلاً لها، علماً، واستقامة في نفسه، وعدالة في الأمة؛ جاز أن يختار إماماً للمسلمين، والخروج على أئمة الجور، وكل من ارتكب منهم كبيرة؛ ولذلك سموا (الخوارج). والإيمان عندهم: عقيدة، وقول، وعمل. وقد وافقوا في هذا أهل السنة والجماعة، وخالفوا غيرهم من الطوائف. ومن أصولهم أيضاً: التكفير بالكبائر، فمن ارتكب كبيرة فهو كافر. وتخليد من ارتكب كبيرة في النار إلا النجدات في الأخيرين؛ ولذا سموا (وعيدية). ومن أصولهم أيضاً: القول بخلق القرآن. وإنكار أن يكون الله قادراً على أن يظلم. وتوقف التشريع والتكليف على إرسال الرسل. وتقديم السمع والطاعة على العقل، على تقدير التعارض؛ فمن وافقهم في هذه الأصول فهو منهم، وإن خالفهم في غيرها. ومن وافقهم في بعضها، ففيه منهم بقدر ذلك" (١). نستطيع القول بأن منهجهم وأصولهم وسماتهم العامة كالتالي (٢): ١ - التكفير بالمعاصي (الكبائر)، وإلحاق أهلها (المسلمين) بالكفار في الأحكام والدار والمعاملة والقتال.

стр. 620

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والفرق .. في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب، ودارهم هي دار الإيمان. وكذلك يقول جمهور الرافضة، وجمهور المعتزلة، والجهمية، وطائفة من غلاة المنتسبة إلى أهل الحديث والفقه ومتكلميهم (١). فهذا أصل البدع التي ثبت بنص سنّة الرسول ﷺ وإجماع السلف أنها بدعة، وهو جعل العفو سيئة وجعل السيئة كفراً" (٢). وقال: " وأما التكفير بذنب أو اعتقاد سُنِّيٍّ فهو مذهب الخوارج، والتكفير باعتقاد سُنِّيٍّ مذهب الرافضة والمعتزلة وكثير من غيرهم" (٣). من أصول الخوارج اعتبار مرتكب الكبيرة كافراً فقد بنى الخوارج رأيهم فيه على قولهم: إن العمل بأوامر الدين والانتهاء عما نهى عنه جزء من الإيمان، فمن عطل الأوامر، وارتكب النواهي لا يكون مؤمناَ، بل كافراً إذ الإيمان لا يتجزأ ولا يتبعض. ولم يقف الخوارج عند هذا الحد، بل اعتبروا الخطأ في الرأي ذنباً، واتخذوا هذا مبدأ للتبرؤ والولاية، فمن ارتكب خطأ تبرؤوا منه وعدوه كافراً، ومن اتبع رأيهم، وسلم من الذنوب في ظنهم تولوه، وبناء على ذلك تولوا أبا بكر، وعمر، وعثمان في سنيه الأولى، وعلياً قبل التحكيم، وتبرؤوا من عثمان في سنيه الأخيرة لأنه -في زعمهم- غير وبدل، ولم يسر سيرة أبي بكر وعمر، وحكموا بكفره، وتبرؤوا من علي حينما قبل التحكيم وحكموا أيضاً بكفره، كما تبرؤوا وكفروا كلاً من طلحة، والزبير، وأم المؤمنين عائشة، وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وحكام بني أمية (٤). قال الأشعري: " أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب أن حكَّم، وهم مختلفون هل كفره: شرك أم لا؟ وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، إلا النجدات، فإنها لا تقول

стр. 621

ذلك، وأجمعوا على أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً إلا النجدات أصحاب نجدة" (١). ٢ - الخروج على أئمة المسلمين اعتقاداً وعملاً -غالباً-، أو أحدهما أحياناً. قال الشيخ ﵀: " أما الخوارج فقد أبغضوا عثمان وعلياً وعمرو بن العاص ومعاوية وكثيراً من الصحابة ن وتبرؤوا منهم، ولهذا سموا النواصب لمناصبتهم عليا ومن والاه العداوة والبغضاء، وبراءتهم من كثير من الصحابة" (٢). ٣ - الخروج على جماعة المسلمين ومعاملتهم معاملة الكفار في الدار والأحكام، والبراء منهم وامتحانهم، واستحلال دمائهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: - في معرض ذكره لصفات الخوارج-: " فهؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفراً، ثم يرتبون على الكفر أحكاماً ابتدعوها" (٣). ٤ - صرف نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منازعة الأئمة والخروج عليهم، وقتال المخالفين. ٥ - كثرة القراء الجهلة فيهم والأعراب، وأغلبهم كما وصفهم النبي ﷺ : (حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام) (٤). ٦ - ظهور سيما الصالحين عليهم، وكثرة العبادة كالصلاة والصيام، وأثر السجود، وتشمير الثياب، ومسهمة وجوههم من السهر، ويكثر فيهم الورع (على غير

стр. 622

فقه)، والصدق والزهد، مع التشدد والتنطع في الدين كما وصفهم النبي ﷺ : (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم ...) (١). ٧ - ضعف الفقه في الدين، وقلة الحصيلة من العلم الشرعي، كما وصفهم النبي ﷺ : (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (٢). ٨ - ليس فيهم من الصحابة ولا الأئمة والعلماء وأهل الفقه في الدين أحد، كما قال ابن عباس: " وليس فيكم منهم أحد" (٣) -يعني الصحابة-. ٩ - الغرور والتعالم والتعالي على العلماء، حتى زعموا أنهم أعلم من علي وابن عباس وسائر الصحابة، والتفّوا على الأحداث الصغار والجهلة قليلي العلم من رؤوسهم. ١٠ - الخلل في منهج الاستدلال؛ حيث أخذوا بآيات الوعيد وتركوا آيات الوعد، واستدلوا بالآيات الواردة في الكفار، وجعلوها في المخالفين لهم من المسلمين؛ كما قال فيهم ابن عمر ﵄: " انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" (٤). قال شيخ الإسلام ﵀: " ولهم خاصتان مشهورتان فارقوا بها جملة المسلمين وأئمتهم، إحداهما: خروجهم عن السنة، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة، أو ما ليس بحسنة حسنة، هذا هو الذي أظهروه في وجه النبي ﷺ حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعدل، فإنك لم تعدل، حتى قال له النبي ﷺ : (ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل، لقد خبت

стр. 623

وخسرت إن لم أعدل) (١)، فقوله: فإنك لم تعدل، جعل منه لفعل النبي ﷺ سفهاً وترك عدل، وقوله: "اعدل"أمر له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح، وهذا وصف تشترك فيه البدع المخالفة للسنة، فقائلها لا بد أن يثبت ما نفته السنة، وينفي ما أثبتته السنة، يحسن ما قبحته السنة، ويقبح ما حسنته السنة، وإلا لم يكن بدعة، وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل، لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة. وثانيها: أن الخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن. وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا؛ فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه " (٢). ١١ - الجهل بالسنة واقتصارهم على الاستدلال بالقرآن غالباً. قال شيخ الإسلام ﵀: " والخوارج جوزوا على الرسول ﷺ نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدَّقوه فيما بلغه من القرآن؛ دون ما شرعه من السنة التي تخالف - بزعمهم- ظاهر القرآن؛ وغالب أهل البدع والخوارج يتابعونهم في الحقيقة على هذا، فإنهم يرون أن الرسول لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه، كما يحكى عن عمرو بن عبيد (٣) في حديث الصادق المصدوق (٤)، وإنما يدفعون عن نفسهم الحجة؛ إما برد النقل، وإما بتأويل المنقول. فيطعنون تارة في الإسناد، وتارة في المتن، وإلا فهم ليسوا

стр. 624

متبعين ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول ﷺ ، بل ولا بحقيقة القرآن" (١). وبين شيخ الإسلام: ما يترتب على تعطيل السنة، فقال: " والخوارج لا يتمسكون من السنة إلا بما فسّر مجملها دون ما خالف ظاهر القرآن عندهم، فلا يرجمون الزاني، ولا يرون للسرقة نصاباً، وحينئذٍ فقد يقولون: ليس في القرآن قتل المرتد، فقد يكون المرتد عندهم نوعين ... " (٢). والذي أدى بالخوارج إلى مثل هذه الآراء هو سوء فهمهم للقرآن، فهم لم يقصدوا معارضته، ولكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يُوجب تكفير أرباب الذنوب، وإذا كان المؤمن هو البر التقي، فمن لم يكن براً تقياً، فهو كافر مخلد في النار. ثم قالوا: إن عثمان وعلياً، ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله. فكانت بدعة الخوارج لها مقدمتان -كما يقول ابن تيمية - الأولى أن من خالف القرآن بعمل أو رأي أخطأ فيه فهو كافر. والثانية أن عثمان وعلياً، ومن والاهما كانوا كذلك، وكلا المقدمتين خطأ (٣). ١٢ - سرعة التقلب واختلاف الرأي وتغييره (عواطف بلا علم ولا فقه)، لذلك يكثر تنازعهم وافتراقهم فيما بينهم، وإذا اختلفوا تفاصلوا وتقاتلوا. ١٣ - التعجل في إطلاق الأحكام والمواقف من المخالفين (سرعة إطلاق الحكم على المخالف بلا تثبت). ١٤ - الحكم على القلوب واتهامها، ومنه الحكم باللوازم والظنون. ١٥ - القوة والخشونة والجلد والجفاء والغلظة في الأحكام والتعامل، وفي القتال والجدل.

стр. 625

١٦ - قصر النظر، وضيق العطَنَ (١)، وقلة الصبر، واستعجال النتائج. قال شيخ الإسلام ﵀: " فهم جهال فارقوا السنة والجماعة عن جهل" (٢). ١٧ - يقتلون أهل الإسلام ويخاصمونهم، ويدعون أهل الأوثان كما وصفهم في الحديث (٣). - فرق الخوارج: قال الشيخ ﵀: " ورءوسهم ستة: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والأباضية، والثعالبة، وعنها تتفرع فرقهم" (٤). عند حصر فرق الخوارج الأصلية منها أو الفرعية يظهر كثرة اختلاف العلماء في ذلك، وذلك لأن كتب الفرق الإسلامية لم تتفق أبداً على تقسيم فرقهم الرئيسية أو الفرعية على عدد معين، فنجد بعضهم يعدها أربعاً، وبعضهم يعدها خمساً، وبعضهم يعدها سبعاً، وبعضهم يعدها ثماناً، وآخرون خمساً وعشرين ... (٥) إلخ. وهكذا يتباين عددهم عند علماء الفرق، وهذا يعود بالطبع إلى عوامل هامة ومنها: ١ - أن الخوارج كانوا من الفرق الثائرة المضطهدة من جهة خصومهم وهم عامة الناس، الأمر الذي أدى إلى عدم التمكن من الدراسة الدقيقة لفرقهم في عصر خروجهم. ٢ - أنهم هم أنفسهم ساهموا في إخفاء أمرهم بحيث أخفوا كتبهم عن أعين الناس؛ إما خوفاً

стр. 626

عليها منهم أو ضنا بها عنهم، وهي قليلة جداً قلة فراغ الخوارج الذين وهبوا كل أوقاتهم للحرب أو الإعداد لها على طول حياتهم. قال شيخ الإسلام ﵀: "وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والرافضة، والزيدية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة، والصوفية ونحو هؤلاء" (١). ٣ - أنهم لم ينعموا بالاستقرار والهدوء الذي ينتج عنهما نظرهم في العلوم وتحقيقهم لمذهبهم وتأريخهم لفرقهم المختلفة تأريخا مضبوطا يساعد على حصرها حصراً صحيحا، وقد يعود ذلك لقلة فراغ الخوارج الذين وهبوا كل أوقاتهم للحرب أو الإعداد لها على طول حياتهم. ٤ - أنهم كانوا سريعي التفرق؛ إذ أدنى سبب تافه كافٍ لتفرقهم إلى فرق. ولهذا تشعبت فرقهم واختلط أمرها على المؤرخين (٢). وعلى كلٍ فسوف أقدم هنا -إن شاء الله تعالى- تعريفاً موجزاً عن الفرق التي ذكرها الأشعري (٣)، مركزاً على ذكر مؤسس كل فرقة، وبعض آرائهم التي تميزهم عن غيرهم، مع الإحالة إلى كلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ عند كل فرقة في موطنها، لأن المقام يضيق عن بسط القول في ذلك. قال الأشعري ﵀: " وأول من أحدث الخلاف بينهم نافع بن الأزرق الحنفي، والذي أحدثه البراء من القعدة، والمحنة لمن قصد عسكره، وإكفار من لم يهاجر إليه" (٤). "ويُعدُّ افتراق ابن الأزرق أول انقسام في الخوارج، وكان ذلك سنة ٦٤ هـ حين فاصلوا ابن الزبير، فافترقوا إلى أربع فرق كبرى: ١ - الأزارقة. ٢ - الصفرية.

стр. 627

٣ - النجدات. وقد انقرضت هذه الثلاث. ٤ - الأباضية وهي الباقية إلى اليوم" (١). ويؤيد هذا التقسيم ما ذكره الأشعري من أن أصل قول الخوارج إنما هو قول الأزارقة والإباضية والصفرية والنجدية، وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية والنجدية، فإنما تفرعوا عن الصفرية (٢). أولاً: الأزارقة (٣). هم أتباع أبي راشد نافع ابن الأزرق (٤)، وقد كثر خروجهم وحروبهم للدولة الإسلامية حتى إن المهلب بن أبي صفرة بقي في حربه لهم تسع عشرة سنة إلى أن فرغ من أمرهم أيام الحجاج (٥). -بدع الأزارقة:

стр. 628

١ - أنهم كفروا عليا ﵁ وقالوا إن الله أنزل في شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ البقرة: ٢٠٤، وكذلك كفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبدالله بن عباس ﵃ وقالوا بتخليدهم في النار. ٢ - تكفيرهم القاعد عن القتال. ٣ - إباحة قتل أطفال المخالفين والنساء. ٤ - إسقاط الرجم عن الزاني. ٥ - إسقاط حد المحصنات من النساء. ٦ - أن التقية غير جائزة في قول ولا عمل. ٧ - تجويزهم أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته أو كان كافرا قبل البعثة. ٨ - أنه من ارتكب كبيرة من الكبائر فإنه كافر كفرا يخرج عن الملة ويخلد في النار مع سائر الكفار واستدلوا بكفر إبليس لعنه الله وقالوا ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم فامتنع وإلا فهو عارف بوحدانية الله (١). ٩ - ذهبوا إلى أن مخالفيهم مشركون، وألحقوا بهم في الشرك أطفالهم، وأنهم جميعاً مخلدون في النار، ومن ثم يحل قتلهم وقتالهم. وأن دار مخالفيهم دار حرب يستباح منها ما يستباح في دار الحرب من قتل الأطفال والنساء، وسلب الذراري، وغنيمة الأموال، وأن من خالفهم لا يحفظ له عهد، ولا تؤدى إليه أمانة. ١٠ - أن من أقام في دار الكفر (يقصدون غير معسكرهم) وقعد عن اللحاق بهم، وإن كان على رأيهم، اعتبروه مشركاً. ١١ - وأن من قصدهم لابد من استعراضه، وامتحانه للتأكد من صدق نيته، وذلك يدفع إليه أسير من مخالفيهم، ويأمروه بقتله، فإن قتله صدقوه في أنه منهم، وإن لم يقتله اعتبروه منافقاً ومشركاً وقتلوه (٢).

стр. 629

١٢ - إسقاطهم حد الرجم عن الزاني المحصن بحجة أنه لم يرد في القرآن نص عليه (١). ١٣ - كما أسقطوا أيضا حد القذف عمن قذف المحصن من الرجال مع وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء، تمسكاً أيضا - في زعمهم- بما ورد في القرآن (٢). ١٤ - وذهبوا أيضاً إلى أن يد السارق تقطع في القليل، والكثير من غير اعتبار لنصاب الشيء المسروق، وأن القطع يكون من المنكب، كما أوجبوا على الحائض الصلاة والصوم في حيضها (٣). ١٥ - كما أنهم حرموا قتل النصارى واليهود، وأباحوا قتل المسلمين (٤). وهذه الآراء واضح فيها الجهل، وعدم العلم، والفهم للقرآن، وعدم الإلمام بالسنة، ويصدق عليهم بهذا قول الرسول ﷺ : (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (٥). ثانياً: الصفرية (٦). من فرق الخوارج أتباع زياد بن الأصفر. وقولهم كقول الأزارقة في تكفير أصحاب الذنوب، ولكنهم لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم. وهم ثلاث فرق: ١ - فرقة تزعم أن صاحب كل ذنب مشرك. ٢ - وفرقة تقول إن اسم الكفار واقع على صاحب ذنب ليس فيه حد، والمحدود خارج من الإيمان وغير داخل في الكفر.

стр. 630

٣ - وفرقة تقول إن اسم الكفر يقع على صاحب الذنب إذا حدَّه الوالي على ذنبه (١). ثالثاً: النجدات العاذرية (٢). النجدات فرقة من فرق الخوارج أتباع نجدة بن عامر الحنفي (٣). - بِدع النجدات العاذرية: ١ - الدين عندهم معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، وتحريم دماء المسلمين (ويقصدون موافقيهم في المذهب) (٤)، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع معرفته، ولا عذر في الجهل به؛ ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرم. وتبني النجدات مبدأ العذر بالجهل في أحكام الفروع، حتى سموا العاذرية. ٢ - فرقوا في حكمهم على مرتكب الذنب بين من يأتي الذنوب، ويصر عليها، وبين من يأتيها من غير إصرار. واعتبروا الأول مشركاً، وإن كان الذنب نظرة بسيطة، أو كذبة صغيرة، أو غيرها من الصغائر، وأما الثاني فهو مسلم، وإن اقترف الكبائر كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر. وبناء على هذا يمكن أن يفهم ما نسب إلى نجدة من أنه تولى أصحاب الحدود من موافقيه، وقال: لعل الله يعذبهم بذنوبهم في غير جهنم، ثم يدخلهم الجنة، وزعم أن النار لا يدخلها إلا من خالف في دينه. ٣ - ونسب إلى النجدات أيضاً أنهم أسقطوا حد الخمر، وقالوا بعدم وجوب الإمامة (٥).

стр. 631

وهذه الآراء كذلك واضح فيها الجهل، وعدم العلم، والفهم للقرآن، وعدم الإلمام بالسنة، ويصدق عليهم بهذا قول الرسول ﷺ : (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (١). رابعاً: الأباضية (٢). هم أتباع عبد الله بن أباض التميمي، ونسبت إليه (٣). - الأباضية بين فرق الخوارج: يدعي الأباضيون أنهم ليسوا خوارج، وينفون عن أنفسهم هذه النسبة، والحقيقة أنهم ليسوا من غلاة الخوارج كالأزارقة، مثلاً، لكنهم يتفقون مع الخوارج في مسائل عديدة منها: ١ - أن عبد الله بن إباض يعتبر نفسه امتداداً للمحكمة الأولى من الخوارج. ٢ - كما يتفقون مع الخوارج في تعطيل الصفات. ٣ - والقول بخلق القرآن. ٤ - وتجويز الخروج على أئمة الجور (٤). إذا عرفنا أن الأباضية فرق من فرق الخوارج الكبرى، بإجماع المؤرخين الذين عاصروهم ومن بعدهم، فإنه من الضروري أن نتعرف على موقع الأباضية بين فرق

стр. 632

الخوارج؛ فالأباضية لا تخالف سائر الخوارج في غالب أصولهم، وأشهر مسألة اختلفوا فيها مع غيرهم من فرق الخوارج بعد أن فارقوا ابن الزبير، حيث لم يبرأ من عثمان ﵃، وهي: مسألة الموقف من المخالفين، أي حكمهم على بقية المسلمين، فأغلب الخوارج يرون ما عداهم من المسلمين كفاراً مشركين، يجب قتالهم ولا يجوز مناكحتهم ولا إرثهم ولا أكل ذبائحهم، ودارهم دار حرب. أما الأباضية، فإنها وإن رأت جواز قتال المسلمين أحياناً، إلا أنها تقول: بأنهم كفار نعمة، ويجرون عليهم أحكام الموحدين من حيث النكاح والإرث والسبي والغنائم، وجواز معايشتهم والإقامة بينهم. وهذه المسألة من المسائل التي أجمع كُتاب الفرق على أن الأباضية خالفت فيها سائر الخوارج، وأنها تعد من الفوارق الرئيسية، بل هي الميزة التي أضفت على الأباضية سمة الاعتدال تجاه المخالفين، والتي جعلت الأباضية تعايش بقية المسلمين وتسالمهم حتى اليوم (١). - بعض الفرق الأباضية (٢). بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بعض الفرق الأباضية (٣)، وهي: ١ - الحفصية (٤).

стр. 633

٢ - الحارثية (١). وقد اندثرت هذه الفرق التي انشقت عن الإباضية، وقد تبرأ سائر الإباضية من أفكارهم وكفروهم لشططهم وابتعادهم عن الخط الإباضي الأصلي، الذي لا يزال إلى يومنا هذا (٢). موقف الصحابة والسلف من الخوارج وحكمهم فيهم . كان موقف الصحابة ﵃ والسلف من بعدهم، من الخوارج قوياً وحازماً، وقد تجلى في التحذير منهم ومن بدعهم ومقالاتهم الفاسدة، كما كانوا يناظرونهم ويعلمونهم كما فعل علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄. وكانوا يرونهم شرار الخلق. وكانوا يقاتلونهم إذا حدث منهم قتال أو بغي أو قطعوا السبل وتعرضوا لمصالح المسلمين. وإليك نماذج من مواقف السلف من الخوارج: ١ - أخرج الآجري في الشريعة عن ابن طاووس، عن أبيه قال: ذكر لابن عباس ﵁: "يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به" (٣). يعني بما يصيبهم عند قراءة القرآن من الصعق والغشي. ٢ - قال الآجري: " فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام - عدلاً كان الإمام أو جائراً- فخرج وجمع جماعة وسل سيفه واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ولا بطول قيامه في الصلاة ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في

стр. 634

العلم، إذا كان مذهبه مذهب الخوارج، وقد روي عن رسول الله ﷺ أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمة المسلمين" (١). ٣ - وأخرج ابن بطة (٢): عن قتادة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ آل عمران: ٧ قال: إن لم يكن الحرورية والسبئية فلا أدري من هم؟ ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع ولكنه كان ضلالة فتفرق، وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافاً كثيراً، فوالله إن الحرورية لبدعة وإن السبئية لبدعة ما أنزلت في كتاب ولا سنّهن نبي ... والحرورية والسبئية والروافض أصحاب عبد الله بن سبأ، الذين حرقهم عليّ بن أبي طالب ﵁ بالنار وبقي بعضهم (٣). ورغم شدة موقف الصحابة والأئمة من بعدهم منَ الخوارج وقتالهم لهم، إلا أنهم توقفوا في تكفيرهم. قال شيخ الإسلام ﵀: " ومما يدل على أن الصحابة لم يكفّروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر ﵁ وغيره من الصحابة يصلون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضاً يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلم المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري، لما أرسل إليه يسأله عن مسائل، وحديثه في البخاري، وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة، وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن كما يتناظر المسلمان، وما زالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق" (٤).

стр. 635

وقال كذلك ﵀: " والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع" (١).
следующие страницы →