وهذه الآراء كذلك واضح فيها الجهل، وعدم العلم، والفهم للقرآن، وعدم الإلمام بالسنة، ويصدق عليهم بهذا قول الرسول ﷺ : (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (١).
رابعاً: الأباضية (٢).
هم أتباع عبد الله بن أباض التميمي، ونسبت إليه (٣).
- الأباضية بين فرق الخوارج:
يدعي الأباضيون أنهم ليسوا خوارج، وينفون عن أنفسهم هذه النسبة، والحقيقة أنهم ليسوا من غلاة الخوارج كالأزارقة، مثلاً، لكنهم يتفقون مع الخوارج في مسائل عديدة منها:
١ - أن عبد الله بن إباض يعتبر نفسه امتداداً للمحكمة الأولى من الخوارج.
٢ - كما يتفقون مع الخوارج في تعطيل الصفات.
٣ - والقول بخلق القرآن.
٤ - وتجويز الخروج على أئمة الجور (٤).
إذا عرفنا أن الأباضية فرق من فرق الخوارج الكبرى، بإجماع المؤرخين الذين عاصروهم ومن بعدهم، فإنه من الضروري أن نتعرف على موقع الأباضية بين فرق
стр. 632
الخوارج؛ فالأباضية لا تخالف سائر الخوارج في غالب أصولهم، وأشهر مسألة اختلفوا فيها مع غيرهم من فرق الخوارج بعد أن فارقوا ابن الزبير، حيث لم يبرأ من عثمان ﵃، وهي:
مسألة الموقف من المخالفين، أي حكمهم على بقية المسلمين، فأغلب الخوارج يرون ما عداهم من المسلمين كفاراً مشركين، يجب قتالهم ولا يجوز مناكحتهم ولا إرثهم ولا أكل ذبائحهم، ودارهم دار حرب.
أما الأباضية، فإنها وإن رأت جواز قتال المسلمين أحياناً، إلا أنها تقول: بأنهم كفار نعمة، ويجرون عليهم أحكام الموحدين من حيث النكاح والإرث والسبي والغنائم، وجواز معايشتهم والإقامة بينهم.
وهذه المسألة من المسائل التي أجمع كُتاب الفرق على أن الأباضية خالفت فيها سائر الخوارج، وأنها تعد من الفوارق الرئيسية، بل هي الميزة التي أضفت على الأباضية سمة الاعتدال تجاه المخالفين، والتي جعلت الأباضية تعايش بقية المسلمين وتسالمهم حتى اليوم (١).
- بعض الفرق الأباضية (٢).
بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بعض الفرق الأباضية (٣)، وهي:
١ - الحفصية (٤).
стр. 633
٢ - الحارثية (١).
وقد اندثرت هذه الفرق التي انشقت عن الإباضية، وقد تبرأ سائر الإباضية من أفكارهم وكفروهم لشططهم وابتعادهم عن الخط الإباضي الأصلي، الذي لا يزال إلى يومنا هذا (٢).
موقف الصحابة والسلف من الخوارج وحكمهم فيهم .
كان موقف الصحابة ﵃ والسلف من بعدهم، من الخوارج قوياً وحازماً، وقد تجلى في التحذير منهم ومن بدعهم ومقالاتهم الفاسدة، كما كانوا يناظرونهم ويعلمونهم كما فعل علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄.
وكانوا يرونهم شرار الخلق.
وكانوا يقاتلونهم إذا حدث منهم قتال أو بغي أو قطعوا السبل وتعرضوا لمصالح المسلمين.
وإليك نماذج من مواقف السلف من الخوارج:
١ - أخرج الآجري في الشريعة عن ابن طاووس، عن أبيه قال: ذكر لابن عباس ﵁: "يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به" (٣). يعني بما يصيبهم عند قراءة القرآن من الصعق والغشي.
٢ - قال الآجري: " فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام - عدلاً كان الإمام أو جائراً- فخرج وجمع جماعة وسل سيفه واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ولا بطول قيامه في الصلاة ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في
стр. 634
العلم، إذا كان مذهبه مذهب الخوارج، وقد روي عن رسول الله ﷺ أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمة المسلمين" (١).
٣ - وأخرج ابن بطة (٢): عن قتادة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ آل عمران: ٧ قال: إن لم يكن الحرورية والسبئية فلا أدري من هم؟ ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع ولكنه كان ضلالة فتفرق، وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافاً كثيراً، فوالله إن الحرورية لبدعة وإن السبئية لبدعة ما أنزلت في كتاب ولا سنّهن نبي ... والحرورية والسبئية والروافض أصحاب عبد الله بن سبأ، الذين حرقهم عليّ بن أبي طالب ﵁ بالنار وبقي بعضهم (٣).
ورغم شدة موقف الصحابة والأئمة من بعدهم منَ الخوارج وقتالهم لهم، إلا أنهم توقفوا في تكفيرهم.
قال شيخ الإسلام ﵀: " ومما يدل على أن الصحابة لم يكفّروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر ﵁ وغيره من الصحابة يصلون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضاً يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلم المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري، لما أرسل إليه يسأله عن مسائل، وحديثه في البخاري، وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة، وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن كما يتناظر المسلمان، وما زالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق" (٤).
стр. 635
وقال كذلك ﵀: " والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع" (١).
стр. 636
المبحث الثاني
الشيعة .
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في التعريف بهذا المصطلح في اللغة: " الشياع: القوة والانتشار، يقال: شَاعَ الخبر إذا انتشر، وكَثُرَ التكلُّم به. وشيعة الرجل: خواصُّه، وجماعته الذين ينتشرون، ويتقوَّى بهم؛ لنسب يجمعهم، أو لأتباعهم إياه في مذهبه، وسيرهم على منهاجه وسننه، وتجمع الشيعة على (شيع)، وتجمع شيع على (أشياع) " (١).
ويبين الشيخ ﵀ معناها في الاصطلاح، بقوله: " والمراد بالشيعة هنا: كل من شايع علي بن أبي طالب خاصة، وقال بالنصِّ على إمامته، وقصر الإمامة على آل البيت، وقال بعصمة الأئمة من الكبائر، والصغائر، والخطأ. وقال: لا ولاء لعلي إلا ببراء من غيره من الخلفاء الذين في عصره قولاً، وفعلاً، وعقيدةً، إلاَّ في حال التقية. وقد يثبت بعض الزيدية الولاء دون البراء. فهذه أصول الشيعة التي يشترك فيها جميع فرقهم، وإن اختلفت كل فرقة عن الأخرى في بعض المسائل -فمن قال ممن ينتسب إلى الإسلام- بهذه الأصول، فهو شيعيٌّ، وإن خالفهم فيما سواها. ومن قال بشيء منها، ففيه من التشيع بحسبه" (٢).
ويبين الشيخ ﵀ رءوسهم، فيقول: " ورءوس فرق الشيعة خمسة: الزيدية، والإمامية، والكيسانية، والغلاة، والإسماعيلية. ومن العلماء من لم يجعل الإسماعيلية فرقة رئيسة" (٣).
الشيعة: من حيث مدلولها اللغوي تعني القوم، والصحب، والأتباع، والأعوان (٤).
ولكن كلمة "شيعة" اتخذت معناً اصطلاحيا، خلال التاريخ الإسلامي، واستخدمت للدلالة على جماعة اعتقدت بأن الإمامة ليست من المصالح العامة، التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن الدين، وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله، ولا تفويضه
стр. 637
إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم؛ فأصبح الاعتقاد بالنص والوصية في الإمامة معيار التمييز بين الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام، مع القول بعصمة الأئمة وغيرها من العقائد الباطلة (١).
وهذه الجماعة هي من فضّلت إمامة علي بن أبي طالب وبنيه على الخليفة عثمان بن عفان، ومن بعده من الأئمة، مع تفضيلهم إمامة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع؛ وفي وقتها لم يكن الخلاف دينياً ولا النزاع قبلياً فكان أبناء علي ﵃ يفدون إلى الحكام ويصلون خلفهم، ومع ذلك لم تتميز به طائفة مخصوصة بأصول تخالف بها جماعة المسلمين.
إلى أن تطورت عقائد الشيعة إلى حد إنكار الكثير من المسلمات والأسس التي قام عليها الإسلام. ولذلك أطلق عليهم علماء السلف روافض تمييزاً لهم عن الشيعة الأوائل. ومن أبرز سمات الشيعة بفرقهم أنهم من أسرع الناس سعياً إلى الفتن في تاريخ الأمة قديماً وحديثاً. ولذلك انقسمت الشيعة إلى فرق كثيرة، من أشهرها الرافضة الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية، وإسماعيلية وغيرها (٢).
стр. 638
تنسب إلى الشيعة فرق متعددة تطرف بعضها، فرفعت علياً وذريته إلى مرتبة الألوهية، أو النبوة، وجعلت منزلة "علي" أعلى من منزلة النبي ﷺ ، ومرتبته. وبعضها لم يصل إلى هذا المستوى من الغلو والانحراف. وقد أنكر الشيعة أنفسهم نسبة تلك الفرق الغالية إليهم، أو إلى الإسلام (١)، ولكن كُتَّاب الفرق الإسلامية جميعاً يثبتون علاقة وطيدة بين هذه الفرق الغالية، وبين التيار الشيعي العام. وإذا لم يكن لهؤلاء الغلاة صلة بالتشيع في صورته العامة، فإنهم، ولا شك، اتخذوا من التشيع ستاراً، ومن حب آل البيت وسيلة إلى نشر أفكارهم المنحرفة وعقائدهم الباطلة (٢).
وسأذكر هنا إن شاء الله فرق الشيعة التي تناولها الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، معدداً لها، متجنباً الإسهاب في تعريفها ونشأتها، خشية الإطالة وإثقال كاهل الرسالة، محيلاً إلى كلام الشيخ عن كل فرقة في موطنه (٣):
١ - الشيعة الإمامية الاثنا عشرية (٤)(٥).
المبحث الثالث
أهل الكلام .
تمهيد
ذكر الشيخ ﵀ كلام ابن القيم:، والذي قال فيه: " وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى ومكابرة، ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ الذاريات: ٢١، فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب ، ونعوته، وأسمائه؛ وهي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها، وتنادي بها، تدل عليها، وتخبر بها بلسان الحال، كما قيل:
تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطاً ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
تشير بإثبات الصفات لربها ... فصامتها يهدي ومن هو قائل (١)
فلست ترى شيئاً أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله، وحقائق أسمائه. وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها؛ فهي تدل عقلاً، وحساً، وفطرةً، ونظراً، واعتباراً. ا. هـ " (٢).
بين الشيخ ﵀ طريقة المتكلمين، ثم رد عليهم؛ بقوله: " مقابلة العقلي بالشرعي تشعر بأن رؤية الله وتنزيهه عن الشريك ونحوهما إنما ثبت بالدليل العقلي لا بدليل الشرع، وهذه طريقة كثير من المتكلمين؛ فإنهم يرون أن أدلة النصوص خطابية لا برهانية لا تكفي لإثبات القضايا العقلية والمسائل الأصولية، اللهم إلا في طريق الخبر كتاباً وسنة بعد الاستقراء، وبعد ثبوت أصل الشرع بالعقل" (٣).
стр. 642
ويرد الشيخ ﵀ على هذه الطريقة، فيقول: " وهذا غير صحيح؛ فإن نصوص الشرع كما جاءت بالخبر الصادق في القضايا العقلية وغيرها جاءت بتقرير الحق في ذلك بأوضح حجة وأقوى برهان لكنها لم تجيء على أسلوب الصناعة المنطقية المتكلفة بل على أسلوب من نزل القرآن بلغتهم بأفصح عبارة وأعلى بيان وأقرب طريق إلى الفهم وأيسره لأخذ الأحكام، ومن تتبع أدلة القرآن في إثبات التوحيد والرسالة والبعث وغير ذلك من أصول التشريع واستقرأ السنة في ذلك تبين له خطأ أولئك الذين وصموا ربهم وكتابه ونبيه وسنته بما لا يصدر إلا من عدو للمسلمين يريد الكيد لهم في أصول دينهم ومصادر تشريعهم ليردهم بذلك إلى ما يزعمه أصولاً عقلية وغالبها شكوك ومحارات، وإن كان فيها شيء من الأدلة الحقة؛ فقد جاء به الشرع، فاللهم أغننا بكتابك وسنة نبيك عن موارد الوهم ومزالق الضلال" (١)(٢).اللهم آمين.
وبين الشيخ ﵀ في معرض الرد على من رد السنة لمخالفتها للعقل، فقال: " فيجب على الإنسان أن يتهم عقله وتفكيره بدلاً من أن يتهم رسوله، أو الرواة العدول، أو أن يتهم ربه في وحيه، وليثق بربه وبرسوله ﷺ أكثر من ثقته في تفكيره، فإن العقل قاصر، وجُرب عليه الخطأ كثيراً، ومداه محدود، وما يجهله أكثر مما يعلمه.
فعليه أن يعتقد في تفكيره القصور، وأن يعتقد في وحي الله الكمال والصدق، وأن يعتقد في الرواة الذين استوفوا شروط النقل المضبوطة المعروفة عند المحدثين الثقة بهم أكثر من ثقته بتفكيره" (٣).
قال ابن القيم ﵀: " الواقع حقيقة أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه فالآفة من الذهن العليل لا في نفس الدليل وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنزا من كنوز العلم ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك؛ وأما بالنسبة إلى
стр. 643
غيرك فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص فإن لم تفعل ذلك فلست على شيء" (١).
стр. 644
المطلب الأول
قول بعض الفرق في الصفات ورد الشيخ عبد الرزاق ﵀ عليهم (١).
تطرق الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ لبعض انحرافات الفرق في صفات الله ، ومنها ما يلي:
١ - الجهمية .
بين الشيخ ﵀ في معرض رده على الجهمية أخطاءهم ومخالفتهم لأهل السنة؛ فمنها:
١ - مخالفتهم لما تتوارد النصوص على إثباته من غير دليل يرشد إلى ذلك؛ معتمدين في ذلك على ما أودعه الله عباده من القول؛ ومن ذلك نفيهم صفة العلو ذاتاً ومنزلة عن الله (٢)، وزعمهم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء (٣).
٢ - قيام الجهمية بتحريف آيات الكتاب وتفسيرها بغير ما قصد منها، وهم يزعمون أنهم اضطروا إليه فرارا من تشبيه الله بخلقه، وهذا مثل التكذيب بها ومعارضتها بالشبه؛ والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن تثبت هذه الصفات على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. كما أن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ثابتة على ما يليق به فلا يلزم التشبيه (٤).
٣ - إنكارهم لصفات الله على الحقيقة ومن ذلك صفة الرضا والمحبة لله ، فهذه الصفات تثبت لله بما يليق بجلاله سبحانه (٥).
٤ - إرجاعهم بعض الصفات لبعضها الآخر، تأويلاً منهم، فيثبتون لازمها الذي فسروها به، فيدل عقلاً على ثبوتها، فلزمهم ما فروا منه؛ أما أهل السنة والجماعة فيثبتون هذه الصفات التي يرد بها الدليل لله حقيقة على ما يليق بجلاله (٦).
стр. 645
٥ - نفيهم صفة الكلام عن الله ؛ أما أهل السنة والجماعة فيثبتون الكلام لله حقيقة على ما يليق به، ومنه أن الله تعالى نادى موسى حقيقة بكلام سمعه موسى في حينه (١).
الجهمية إحدى الفرق الكلامية التي تنتسب إلى الإسلام، بنت مذهبها على مقالات كلامية، ولها ثلاثة إطلاقات (٢).
الأول: الجهمية الأولى الغلاة، الذين ينكرون أسماء الله وصفاته وأفعاله، ويردون النصوص المتعلقة بها، أو يؤولونها، ويقولون بالإرجاء والجبر، ويسمون أيضاً بالجهمية الخالصة، أو المحضة.
الثاني: المثبتون للأسماء دون الصفات من المعتزلة ومن وافقهم، من الرافضة، والزيدية، والخوارج، والنجارية (٣)، والضرارية (٤)،
ونحوهم.
الثالث: الصفاتية، وهم الفرق الكلامية التي تثبت الأسماء الحسنى وبعض
الصفات على اختلاف بينهم فيما يثبت وما ينفى، كالكلابية (٥) والأشاعرة (٦)،
стр. 646
والماتريدية (١)، ومن وافقه.
نسبة الجهمية ينتسبون إلى الجهم بن صفوان السمرقندي أبي محرز الراسبي، ضال مبتدع، زرع شراً عظيماً، كان صاحب خصومات وكلام، قتله سَلَم بن أَحْوَز (٢)
سنة ١٢٨ هـ (٣)، من بدعهم: القول بنفي الأسماء والصفات عن الله تعالى، وأن العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، وأن الإيمان إنما هو المعرفة، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وغيرها (٤).
بدع الجهمية:
١ - الإرجاء في أبواب الإيمان، فقالوا: إن الإيمان هو المعرفة فقط، وأن الكفر هو الجهل فقط، فكانوا بذلك أشد الطوائف غلواً في الإرجاء.
٢ - الجبر في أبواب القدر، فهم جبرية خالصة، ينكرون قدرة العبد على أفعاله.
٣ - القول بفناء الجنة والنار، وإنكار بعض السمعيات: كالصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة.
٤ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمقصود به عند أهل البدع: جواز الخروج على الحاكم الجائر (٥).
стр. 647
كانت للسلف الصالح ﵏ مواقف وجهود بارزة في محاربة البدع وأهلها عموماً، وجهود متميزة في محاربة بدعة الجهمية وأهلها خصوصاً، وذلك لخطورة هذه المقالة وكونها أول مقالة تعارض الوحي بالرأي (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فأما الرد على الجهمية القائلين بنفي الصفات وخلق القرآن، ففي كلام التابعين وتابعيهم والأئمة المشاهير من ذلك شيء كثير، وفي مسألة القرآن من ذلك آثار كثيرة جداً، مثل ما روى ابن أبي حاتم، وابن شاهين واللالكائي، وغيرهم من غير وجه" (٢).
وقد نُقل الإجماع عن السلف الصالح على تكفير الجهمية (٣).
стр. 648
٢ - المعتزلة .
سبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم:
قال كذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " واعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن وجلس إلى اسطوانة يقرئ مذهبه واجتمع إليه تلاميذ فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمي من تبعه في ذلك المعتزلة، وقيل: سموا بذلك لاعتزالهم رأي الفريقين الخوارج والمرجئة وليس صحيحاً فإن أهل السنة توسطوا بين الفريقين ولا يسمون بذلك" (١)(٢).
وقد بين الشيخ ﵀ أصول المعتزلة في معرض رده على بعض مخالفاتهم لمنهج أهل السنة والجماعة؛ فمن أصولهم (٣):
١ - قال الشيخ ﵀: " استفاد المعتزلة من الفلسفة اليونانية وتمكنوا منها وصبغوها بصبغة دينية واستغلوها في الجدل والحجاج والرد على الملحدين الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا وقلوبهم تفيض كفراً فأثاروا الفتن وولدوا الشكوك في المسائل الدينية" (٤).
٢ - قولهم في مرتكب الكبيرة أنه في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وقد خالفوا بذلك أهل السنة والجماعة من السلف فإنهم لا يحكمون بخروج المؤمن من الإيمان بارتكابه الكبيرة.
٣ - قولهم أن أخص أوصاف الله القدم وبذلك نفوا عنه الصفات، خشية تعدد القدماء، فقالوا: الله عالم لذاته قادر لذاته إلى آخره، أو عالم بعلم هو عين ذاته قادر بقدرة هي ذاته لا معنى قائم بالذات؛ وخالفوا أهل السنة الذين قالوا: إن
стр. 649
صفات الله تعالى قائمة بالذات ملازمة لها، وليست هناك ذات مجردة عن الصفات (١).
٤ - وقالوا: إن كلام الله مخلوق في كل.
٥ - وقالوا: بأن الله لا يُرى بالأبصار يوم القيامة وتأولوا كل النصوص في ذلك.
٦ - أخضعوا العقل في ردهم لما ثبت من صفات لله قائمة بذاته مثل الرؤية وغيرها وكأنهم أخذوا ذلك من الفلاسفة.
٧ - نفوا القدر بمعنى إنكار عموم مشيئته وشمول قدرته ، وقالوا: بأن العبد مريد لفعل نفسه الاختياري خالق له بقدرته التي أودعها الله فيه، وقالوا: بأن الله أراد -كونا- الخير والناس هم الذين أرادوا لأنفسهم الشر، وقد خالفوا أهل السنة في ذلك فقد أثبتوا لله عموم قدرة ومشيئته الكونية خلافاً للمعتزلة ومن ذهب مذهبهم، إذ لا يكون من الله فعل إلا بإرادته (٢).
٨ - أوجبوا على الله عقلاً أن يدخل من مات على الإيمان والطاعة والتوبة الجنة، كما يجب عليه عقلاً أن يدخل من ارتكب كبيرة النار ويخلد فيها وسموا هذا وعداً ووعيداً وكأنهم أخذوا هذا من الخوارج.
٩ - ومن أصولهم التحسين والتقبيح العقليان، وقالوا: بأن العقل يدرك حسن الحسن وقبح القبيح فتمكينه معرفة، وقالوا: بأنه لو لم يرد الشرع ببيان الحسن والقبيح لوجب بالعقل فعل الحسن وترك القبيح؛ وهذا أصل فاسد.
١٠ - قالوا: بأن الله حكيم فلا يفعل إلا الصلاح، وأوجبوا عليه بالعقل رعايته ذلك، أما الأصلح فقد اختلفوا في وجوبه وسموا ذلك عدلاً وكأنهم أخذوا هذا الأصل من زعماء القدرية، وهذا مبني على ما ذهبوا إليه من قولهم في التحسين والتقبيح العقليين (٣)؛ وبذلك خالفوا أهل السنة والجماعة الذين يثبتون القدر بجميع مراتبه.
стр. 650
من أهم الفرق الكلامية التي نشأت بالتزامن تقريباً مع نشأة الجهمية، أو بعدها بقليل، فرقة المعتزلة، وهي من أكبر الفرق الكلامية التي عُرفت بآرائها المستقلة.
المعتزلة من الفرق الكلامية العقلانية المنتسبة للإسلام، ظهرت في عصر التابعين، أواخر العصر الأموي، وانتشرت في العصر العباسي، اعتمدت النظر العقلي المجرَّد أساساً لعقائدها وأفكارها، فخلطوا بين الشرعيات والفلسفة والعقليات في كثير من مسائل العقيدة، وهم فرق وطوائف يجمعهم غالباً القول بالأصول الخمسة المعروفة عنهم، وهي: التوحيد (١)، والعدل (٢)، والوعد والوعيد (٣)، والمنزلة بين المنزلتين (٤)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٥)(٦).
إن نشأة الاعتزال كان نتيجة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرّد في النصوص الدينية، وذلك نتيجة التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية، والعقائد اليهودية والنصرانية (٧).
وقد ارتبط هذا التطور في أصل منشئه بقصة واصل بن عطاء (٨)، مع شيخه الحسن البصري حين دخل رجل على مجلسه فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون
стр. 651
أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة (١).
وقد كان السلف يردّون على أقوالهم، وما المواقف التي اتخذها السلف أيام محنة القول بخلق القرآن إلا صورة عظيمة من صور التحدي والوقوف في وجه ترويج هذه الفرقة لمذهبها بين الناس، وبخاصة موقف الإمام أحمد: الذي كان موقفه حقيقاً بأن يجعله إماماً لأهل السنة والجماعة في ذلك العصر وبعده (٢).
стр. 652
٣ - الأشعرية .
بين الشيخ ﵀ أصول الأشعرية في معرض رده على بعض مخالفاتهم لمنهج أهل السنة والجماعة؛ فمن أصولهم:
١ - ذهب الأشعرية في صفة الكلام لله بأنها صفة نفسية ذاتية قديمة قائمة بذات الله تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ووافقوا في ذلك مذهب الكلابية (١).
٢ - نفت الأشعرية حدوث الكونيات بأنها محل للحوادث، فلزمهم بذلك نفي قيام الصفات الفعلية بالله والتزموا تأويل النصوص المثبتة لصفات الأفعال بما يسمونه قديماً (٢).
٣ - قولهم بالجبر وسموه كسباً (٣).
٤ - قولهم إن المسببات توجد عند وجود الأسباب لا بها، والنتائج توجد عند وجود الأدلة لا بها، ومذهب أهل السنة والجماعة أنها توجد بها لكن لا بذاتها بل بجعل الله لها أسباباً لمسبباتها، ودلائل على نتائجها (٤).
٥ - الأشعرية يرون أن أحكام الله خطابه، وأنها قديمة غير مخلوقة، وأنها شيء واحد في نفسه، وإن تعددت باعتبار متعلقاتها وتعلقاتها (٥).
إن الحديث عن الأشعرية والأشاعرة يُعَدُّ من أصعب الأمور التي تواجه الباحث في العقيدة وفي باب الصفات خصوصاً؛ للانتشار الواسع لهذا المذهب، مما يستوجب اهتماماً خاصاً به؛ ولقربه أيضاً من معتقد أهل السنة والجماعة في العديد من أبواب المعتقد (٦)، مما
стр. 653
أوجد خلطاً عند الكثير ممن كتبوا عن هذا المذهب، بينه وبين مذهب أهل السنة والجماعة، فكان من الواجب الوقوف عند هذه الأمور (١).
الأشعرية فرقة كلامية واسعة الانتشار، تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري، ظهرت في القرن الرابع الهجري وما بعده.
بدأت أصولها بنَزَعات كلامية خفيفة، تلقفها الأشعري عن ابن كلاب تدور حول نفي الصفات الاختيارية، مع القول بالجبر والإرجاء، ثم تطورت وتوسعت في المناهج الكلامية حتى أصبحت في القرون المتأخرة -الثامن وما بعده- فرقة كلامية محضة، ذات منهج عقلاني فلسفي، مع خلط ذلك بالصوفية والقبورية، فاتخذت البراهين العقلية الكلامية وسيلة في محاجة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم (٢).
والأشاعرة: هم أتباع المذهب الأشعري الذين حادوا عن منهج السلف أهل السنة والجماعة في العقيدة (٣).
أهم معتقداتهم:
١ - يعتمد الأشاعرة في مصادر التلقي للعقيدة -إضافة إلى مصادر التلقي المعروفة لدى أهل السنة والجماعة وهي: القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع- على العقل، بل هو المصدر الأساس لديهم، وهو المعوّل عليه والمقدَّم إذا وجد إيهام التعارض بينه وبين النصوص الشرعية (٤).
٢ - يقولون بأن أول واجب على المكلف هو النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك (٥).
стр. 654
٣ - لا يجعلون النصوص الشرعية هي العمدة في تلقي العقائد، بل إنهم يسلطون عليها قواعدهم العقلية ويخضعونها للتأويل والتحريف أو الرد بحجة ظنيتها عما دلالة أو ثبوتاً، إذا خالفت معقولاتهم الفاسدة، ولا يوردون النصوص إلا اعتضاداً لما قرروه سلفاً بقواعدهم العقلية (١).
٤ - التوحيد عندهم يشمل ثلاثة أمور هي: -أن الله واحد في ذاته لا قسيم له. -أن الله واحد في صفاته لا شبيه له. - أن الله واحد في أفعاله لا شريك له (٢). ولا إله إلا الله عندهم معناها: لا خالق إلا الله، ويفسرون الألوهية بأنها القدرة على الاختراع (٣).
٥ - الأشاعرة مرجئة في أبواب الإيمان ومذهبهم أقرب إلى مذهب الجهمية، إذ يقولون بأنه التصديق القلبي فقط، واختلفوا في النطق بالشهادتين، أيكفي عنه التصديق القلبي أم لا بد منه؛ ولا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، كما أنهم يوجبون الاستثناء في الإيمان (٤).
٦ - يعتمدون في باب القدر على نظرية الكسب، في محاولة للتوفيق بين مذهب القدرية والجبرية، وهي تؤول في آخرها إلى الجبر، ويعجز التعبير عن تفسيرها (٥).
٧ - قالوا بأن إرسال الرسل راجع إلى المشيئة المحضة، أي: خالية من الحكمة، ولا دليل على صدق النبي إلا المعجزة؛ وينكرون صدور جميع الذنوب من الأنبياء، صغيرها وكبيرها، لمنافاتها العصمة (٦)، وغير ذلك من المسائل التي خالفوا فيها منهج أهل السنة والجماعة (٧).
стр. 655
موقف أهل السنة والجماعة ممن خالفهم في بعض مسائل أصول الدين:
قال الشيخ ﵀: " وهؤلاء الذين خرجوا عن أهل السنة والجماعة في مسائل من أصول الدين، ففيهم من السنة بقدر ما بقي لديهم مما وافقوا فيه الصحابة ن وأئمة الهدى من مسائل أصول الإسلام، وفيهم من البدع والخطأ بقدر ما خالفوهم فيه من ذلك قليلاً كان أو كثيراً، وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري ومن تبعه عقيدة واستدلالاً" (١).
قال الشيخ ﵀: " وموقفنا من أبي بكر الباقلاني (٢) والبيهقي (٣)
وأبي الفرج ابن الجوزي (٤) وأبي زكريا النووي وابن حجر العسقلاني، وأمثالهم ممن تأول بعض نصوص صفات الله تعالى أو فوضوا في أصل معناها، أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم فرحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة ن وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي ﷺ بالخير،
стр. 656
وأنهم أخطؤوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة ﵏ سواء تأولوا الصفات الذاتية وصفات الأفعال أم بعض ذلك" (١)(٢).
سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: حكم الترحم على من مات وعنده خطأ عقدي، فأجاب بقوله: " ... هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع؛ لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل ابن حجر العسقلاني والنووي رحمهما الله فإن بعض السفهاء من الناس قدحوا فيهما قدحاً تاماً مطلقاً من كل وجه، حتى قيل لي: إن بعض الناس يقول: يجب أن يُحْرَقَ فتح الباري؛ لأن ابن حجر أشعري، وهذا غير صحيح. فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحداً قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله بحوله وقوته -ولا أَتَأَلَّى على الله- قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة، فالآن كتاب رياض الصالحين يُقرأ في كل مجلس, ويقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعاً عظيماً، وأتمنى أن يجعل الله لي كتاباً مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته وفي مسجده. فكيف يقال عن هذين: إنهما مبتِدعان ضالان، لا يجوز الترحُّم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما! ويجب إحراق فتح الباري، وشرح صحيح مسلم؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال وبلسان المقال:
أَقِلُّوا عليهمُ لا أبا لأبيكمُ ... مِن اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا
من كان يستطيع أن يقدم للإسلام والمسلمين مثلما قدَّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله. فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين. وأمِّنوا على ذلك" (٣).
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: " من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره، كابن حجر، والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات: لا يُحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال: هذا الذي حصل منهما خطأ، ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من
стр. 657
خدمة عظيمة لسنَّة رسول الله ﷺ ، فهما إمامان جليلان، موثوقان عند أهل العلم" (١).
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀: " مثل النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهم، من الظلم أن يقال عنهم: إنهم من أهل البدع، أنا أعرف أنهما من "الأشاعرة"، لكنهما ما قصدوا مخالفة الكتاب والسنَّة، وإنما وهِموا، وظنُّوا أنما ورثوه من العقيدة الأشعرية: ظنوا شيئين اثنين:
أولاً: أن الإمام الأشعري يقول ذلك، وهو لا يقول ذلك إلاَّ قديماً؛ لأنه رجع عنه.
وثانياً: توهموه صواباً، وليس بصواب" (٢).
٤ - الملحدون .
رد الشيخ ﵀ على ما يعتقده الملحدون، فيقول: " وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء حتى المشركين لا ينازع في ذلك إلا ملحد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجد؛ لأن الوجود نوعان، وجود ذاتي ... ، ووجود حادث" (٣).
الإلحاد في اللغة: هو الميل، وورود هذه اللفظة يقترن بأسماء الله وآياته كما قال : ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الأعراف: ١٨٠.
فالإلحاد في الاصطلاح: الميل عما يجب اعتقاده أو عمله وهو قسمان:
أحدهما: في أسماء الله.
الثاني: في آياته.
في أسمائه: وهو العدول عن الحق الواجب فيها وهو أربعة أنواع:
١ - أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه الصفات كما فعلت المعطلة.
стр. 658
٢ - أن يجعلها دالة على تشبيه الله لخلقه كما فعل المشبهة.
٣ - أن يسمى الله بما لم يسم به نفسه لأن أسماء الله توقيفية كتسمية النصارى له "أبا" وتسمية الفلاسفة له " علة فاعلة" ونحو ذلك.
٤ - أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كاشتقاق اللات من الإله والعزى من العزيز.
وأما الإلحاد في آياته فيكون في الآيات الشرعية -وهي ما جاءت به الرسل من الأحكام والأخبار-، وفي الآيات الكونية -وهي ما خلقه الله ويخلقه في السموات والأرض-.
فأما الإلحاد في الآيات الشرعية فهو تحريفها أو تكذيب أخبارها أو عصيان أحكامها، أما الإلحاد في الآيات الكونية فهو نسبتها إلى غير الله أو اعتقاد شريك أو معين له فيها (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "قال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ الأنعام: ١٢٦، وقال عن إبليس ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ ...﴾ الأعراف: ١٦ - ١٧ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ سبأ: ٢٠. وهؤلاء الملحدون من أكابر متبعيه فإنه قعد لهم على صراط الله المستقيم فصدهم عنه حتى كفروا بربهم وآمنوا أن نفوسهم هي معبودهم وإلههم" (٢).
وقال شيخ الإسلام في معرض رده على المتكلمين (٣): " صار أهل السنة يصفون الله بالوجود وكمال الوجود، وأولئك يصفون بعدم كمال الوجود، أو بعدم الوجود بالكلية؛ فهم ممثلة معطلة؛ ممثلة في العقل والشرع، معطلة في العقل والشرع" أ. هـ.
٥ - الحلولية.
يبين الشيخ ﵀ مذهب الحلولية، فيقول: "من اعتقد أن الله بذاته في الأرض فهذا مخالف للكتاب والسنة والإجماع وهو مذهب الحلولية الذين يقولون: إن الله حال في
стр. 659
كل مكان فمن قال بذلك عن جهل بُيِّن له الحكم، فإن أصر أو كان يقول ذلك لا عن جهل فهو كافر بالله فلا تصح الصلاة خلفه" (١).
عقيدة الحلول لا ترتبط بفرقة أو طائفة معينة بل هي معتقد طوائف عدة وفرق كثيرة أولها النصارى الذين قالوا بحلول اللاهوت -أي الله- في الناسوت -أي عيسى ابن مريم-، ثم تبعهم غلاة الروافض الذين يقولون بحلول الذات الإلهية بعلي بن أبي طالب، وجاء بعدهم طوائف من المعتزلة والجهمية سلكوا مسلك حلول الذات الإلهية في من يشاء من البشر (٢)(٣).
والحلول نوعان:
حلول خاص: وهو قول النسطورية (٤) من النصارى ونحوهم ممن يقولون إن اللاهوت حل في الناسوت كحلول الماء في الإناء وهو قول الرافضة الذين يقولون إنه حل في علي بن أبي طالب.
والحلول العام: وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والجماعة عن طائفة الجهمية المتقدمين الذين يقولون إن الله بذاته في كل مكان (٥)(٦).
стр. 660
قال شيخ الإسلام ﵀: " وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به وإن البشر يكون إلها وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم" (١).
قال كذلك: " ليس هناك ثمة كفر أعظم من هذا الكفر, ولا إلحاد أعظم من هذا الإلحاد؛ لأن هذا الكلام, أو هذا الاعتقاد يلزم عليه .. أنه ليس هناك ثمة شرك على وجه الأرض, فكل ما عبد من دون الله فهو عبادة لله على حد قول هؤلاء, فالذين عبدوا العجل قالوا: ما عبدوا إلا الله, الذين عبدوا الأصنام, الذين عبدوا عزير, الذين عبدوا المسيح, الذين عبدوا الأشجار, والذين عبدوا الأحجار, وأي شرك أعظم من هذا الشرك؟ وأي كفر أعظم من هذا الكفر؟ يقول: وقد نزغ بذلك بعض أهل الضلال فزعموا أن الله -تعالى- في كل شيء بنفسه كائنا كما هو في العرش. يزعمون أن الله فوق العرش وفي كل مكان, في هذا المسجد, في السوق, في السيارة -كما سيأتي-؛ حتى في الحشوش -تعالى الله عن ذلك-" (٢).
стр. 661
المطلب الثاني
قول بعض الفرق في القدر .
موضوع "القضاء والقدر" من الموضوعات الكبرى التي خاض فيها الناس، مؤمنهم وكافرهم، على مر العصور والأزمان، وقد تكلم فيها الجميع، وشغلت أذهان الفلاسفة والمتكلمين وأتباع الطوائف من أهل الملل من غيرهم.
والسبب في ذلك واضح وهو ارتباط القدر بحياة الناس وأحوالهم اليومية وما فيها من أحداث وتقلبات.
والأقوال في القدر -بإجمال- لم تتغير قبل الإسلام أو بعده، فهي ترجع دائماً إلى ثلاثة أقوال:
١ - قول أهل الجبر، الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على أفعاله وليس له إرادة ولا قدرة، ويمثل هذا في الفرق الإسلامية مذهب الجهمية ومن وافقهم، وهو ما يسمى في العصور المتأخرة بالمذهب الحتمي.
٢ - ويقابلهم قول أهل حرية الإرادة، واستقلال الإنسان في أفعاله عن خالقه، وأن الإنسان له إرادة مستقلة عن إرادة الله، كما أنه هو الذي يخلق أفعاله، ويمثل هذا المذهب المعتزلة (القدرية)، ومن وافقهم.
٣ - وهناك قول وسط بين هؤلاء وهؤلاء، يثبتون القدر وأن الله خالق كل شيء، ويقولون أيضاً: إن للإنسان إرادة ومشيئة ولكنها خاضعة لمشيئة الله، كما أن له قدرة يفعل بها فعله، لكنه هو وأفعاله مخلوق لله تعالى. وهذا مذهب السلف وأتباع الأنبياء.
وبين هذه الطوائف - الثلاث- قد تنشأ فرق أخرى، تميل في بعض المسائل إلى طائفة، وفي المسائل الأخرى إلى طائفة ثانية، ويكون الحكم عليها حسب ما يغلب على مذهبها (١).
ونعرض لبعضهم فيما يلي:-
стр. 662
١ - الجبرية والمعتزلة .
قال الشيخ ﵀: " القدرة نوعان: الأولى: بمعنى توفر الأسباب والآلات، وهي مناط التكليف، فيها يتمكن العبد من القيام بما كلف به، وهي موجودة في كل مكلف مسلم أو كافر مطيع أو عاص، وتكون مقارنة للفعل وقد تتقدم عليه، وبذلك يتبين أن التكليف بالفعل لا يتقدم عليها. والثانية: بمعنى التوفيق وهذه مقارنة للفعل وموجودة فيمن أطاع دون من عصى وليست مناطاً للتكليف.
وقد أثبت الجبرية القدرة بمعنى التوفيق ونفوا القدرة بمعنى توفر الأسباب والآلات، وذهب المعتزلة إلى العكس" (١).
القدرة التي يتمكن بها العبد من الفعل، تسمى بالاستطاعة، وقد عُرفت بأنها: "عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية" (٢)، وهي في عرف المتكلمين: "عبارة عن صفة بها يتمكن الحيوان من الفعل والترك" (٣).
وقد وقع الخلاف فيها على أقوال:
١ - قول الجهمية، وهو أنه ليس للعبد أي استطاعة، لا قبل الفعل ولا معه، بل له قدرة شكلية غير مؤثرة في الفعل أصلاً، وتسمى فعلا له تجوزاً (٤).
٢ - قول المعتزلة ومن وافقهم: وهو أن الله تعالى قد مكن الإنسان من الاستطاعة، وهذه الاستطاعة قبل الفعل، وهي قدرة عليه وعلى ضده، وهي موجبة للفعل (٥).
стр. 663
٣ - قول الأشاعرة ومن وافقهم: وهو أن الاستطاعة مع الفعل لا تجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه، بل هي مقارنة له، وهي من الله تعالى، وما يفعله الإنسان بها فهو كسب له (١).
٤ - قول أهل السنة -وهو الذي عليه محققو المتكلمون وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم- وهو التفصيل:
أ- فهناك استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل، فهذا لا يجب أن تقارن الفعل، بل تكون قبله متقدمة عليه، وهذه الاستطاعة المتقدمة صالحة للضدين ومثالها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ آل عمران: ٩٧، فهذه الاستطاعة قبل الفعل ولو لم تكن إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج، ولما عصى أحد بترك الحج.
وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر والنهي، وهي التي يتكلم فيها الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس.
ب- وهناك الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل، وهذه هي الاستطاعة المقارنة، الموجبة له، ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ هود: ٢٠، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ الكهف: ١٠١، "فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم، فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه، وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك، وهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة له" (٢)، وهي الاستطاعة الكونية التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل (٣).
стр. 664
وقد توسط أهل السنة والجماعة في مسألة القدر وقدرة العباد بين المعتزلة المسمّون بـ"القدرية"، الذين انتشر على أيديهم القول بنفي القدر، وإنكار علم الله السابق بالأمور؛ وبين الجبرية الذين نفوا الفعل عن العبد وأضافوه إلى الله وقالوا بأن الله يجبر العباد على أعمالهم، والعباد مجبورون على أفعالهم وإنما تضاف الأعمال إلى العباد على جهة المجاز فقط كما تنسب للشمس ضوؤها فيقال: إنها مضيئة لأن الله جعلها كذلك؛ ومن أهم فرق الجبرية الجهمية (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: "إن التأثير إذا فسر بوجود شرط الحادث أو سبب يتوقف حدوث الحادث به على سبب آخر، وانتفاء موانع - وكل ذلك بخلق الله تعالى- فهذا حق، وتأثير قدرة العبد في مقدورها ثابت بهذا الاعتبار، وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا معاوق مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرا، بل الله وحده خالق كل شيء لا شريك له ولا ند له، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ... فإذا عرف ما في لفظ التأثير من الإجمال والاشتراك ارتفعت الشبهة، وعرف العدل المتوسط بين الطائفتين" (٢)(٣).
وقال شيخ الإسلام ﵀: " الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب في الكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافياً في حصول النبات، بل لا بد من ريح مربية بإذن الله ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يولد بمجرد
стр. 665
إنزال الماء في الفرج، بل كم من أنزل ولم يولد له، بل لا بد من أن الله شاء خلقه، فتحبل المرأة وتربيه في الرحم، وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع" (١).
قال ابن عبد البر: " قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ القمر: ٤٩، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٩. فليس لأحد مشيئة تنفذ إلا أن تنفذ منها مشيئة الله تعالى، وإنما يجري الخلق فيما سبق من علم الله، والقدر سر الله لا يدرك بجدال ولا يشفي منه مقال، والحجاج فيه مرتجة، لا يفتح شيء منها إلا بكسر شيء وغلقه، وقد تظاهرت الآثار وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار بالاستسلام والانقياد والإقرار بأن علم الله سابق، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ فصلت: ٤٦" (٢).
стр. 666
٢ - الأشعرية .
وقال الشيخ ﵀: " متعلق القدرة الحادثة الأخذ بالأسباب وهي مؤثرة فيها بتمكين الله لها وإقداره لعبده عليها، أما ترتيب المسببات عليها فمن الله، فهو وحده سبحانه الذي يوجد المسببات بأسبابها لا عندها كما يقول الأشعرية، فمثلاً حز إبراهيم الخليل بالسكين في رقبة ولده، وضرب موسى الكليم البحر بعصاه، ورمى محمد الخليل الحصى، كل ذلك من فعل المخلوق، أما أن تنقطع الرقبة أو ينفلق البحر أو يصيب الحصى من رمي به فإلى الله إن شاء رتب ذلك فحصل كما في الأخيرين، وإن شاء لم يحصل كما في قصة الذبيح مع أبيه إبراهيم عليهم الصلاة والسلام" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر، إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخرى تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصاد عن السبيل كالعدو وغيره" (٢).
ويحسن هنا أن أسوق خلاصة اعتقاد أهل السنة والجماعة في القدر ملخصاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
١ - القدر يشمل أربع مراتب في درجتين:
"الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح
стр. 667
المحفوظ مقادير الخلق، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف.
وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.
فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: العلم، والثانية: الكتابة.
الدرجة الثانية: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد.
فهذه الدرجة تشمل مرتبتين: الأولى: الإرادة والمشيئة، والثانية: الخلق والتكوين.
٣ - أما أفعال العباد فهي داخلة في المرتبة الرابعة، ومذهب السلف فيها: أن الله خالق أفعال العباد، والعباد فاعلون حقيقة، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم" (١).
стр. 668
المطلب الثالث.
الإيمان عند بعض المرجئة .
قال الشيخ ﵀: " الإرجاء: التأخير.
والمرجئة من المتكلمين والفقهاء أصناف منهم من قال: الإيمان مجرد التصديق.
ومنهم من قال: الإيمان مجرد النطق بالشهادتين.
ومنهم من قال: التصديق وعمل القلب.
ومنهم من قال: الإيمان التصديق وقول اللسان، وهم المرجئة الفقهاء.
وسموا مرجئة لتأخيرهم بعض مسمى الإيمان عن الدخول في مفهومه، وهناك طوائف أخرى من المرجئة" (١).
وقع الخلاف بين الطوائف في حقيقة الإيمان، وهل الأعمال داخلة فيه وحكم مرتكب الكبيرة- على أقوال:
١ - قول أهل السنة والجماعة وجماهير السلف، إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، قالوا ومرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته وفي الآخرة تحت المشيئة.
٢ - قول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء يقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل، وأما مرتكب الكبيرة:
أ- فحكمه في الدنيا عند المعتزلة أنه ليس بمؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ومن ثم فليس مباح الدم. وأما عند الخوارج فهو كافر مباح الدم والمال.
ب- وأما حكمه في الآخرة فقد اتفق الخوارج والمعتزلة على أنه مخلد في النار كالكفار.
٣ - قول مرجئة الفقهاء -من أتباع أبي حنيفة- أن الإيمان قول واعتقاد، وأما الأعمال فغير داخلة فيه. وأما حكم مرتكب الكبيرة عندهم فهو موافق لمذهب أهل السنة.
٤ - قول الجهمية: أن الإيمان هو المعرفة فقط، وما عداها من تصديق القلب وإقراره، ومن القول والعمل، فغير داخل في الإيمان، وهذا قول الجهم. ولازم قوله أن إبليس وفرعون ومن
стр. 669
شابههم ممن عرف الله وعاند فسب الله ورسوله، وعاداهم، وقتل الأنبياء، وهدم المساجد، وأهان المصاحف- أنه مؤمن كامل الإيمان.
٥ - قول الماتريدية: أن الإيمان هو التصديق، وأما قول اللسان فهو دليل عليه وليس داخلا فيه، وأما العمل فغير داخل فيه.
٦ - قول الكرامية: أن الإيمان قول باللسان فقط. وهذا لإثبات إيمانه في الدنيا، أما في الآخرة فمن لم يرافق قوله ما في قلبه من الاعتقاد الصحيح -كالمنافق- فهو مخلد في النار.
٧ - قول الكلابية والأشعرية: ولهم في الإيمان قولان:
أحدهما: أنه قول واعتقاد وعمل، وهذا قول موافق لأهل السنة والجماعة.
والثاني: أن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، ويختلف تعبير الأشاعرة هنا فتارة يقولون هو المعرفة كقول جهم، وتارة يقولون هو التصديق (١).
أما مذهبهم في مرتكب الكبيرة فهو موافق لقول أهل السنة.
ويلاحظ أن القول الثاني هو الذي اشتهر عند الأشاعرة، وهو الذي نصره أئمتهم ممن جاء بعد الأشعري، وهو الذي استقر عليه المذهب؛ وهذه خلاصة الأقوال في الإيمان (٢).
стр. 670
المبحث الرابع
الباطنية .
تمهيد
الباطنية: نسبة إلى التأويل بالباطن، تصدق على كل من يذهب إلى التأويل بالباطن في القرآن الكريم، أو الحديث الشريف.
ولقد تستروا بفكرة ضالة وخبيثة مؤداها: أن النصوص الشرعية من قرآن وسنة لها ظاهر وباطن.
فالظاهر ما يفهم من النص العربي، والباطن: ما يفهمونه بوساوسهم وأوهامهم الخبيثة دون قاعدة يرجع إليها في فهم هذا الباطن، إلاَّ محض الخرافات التي تساعدهم على تحويل النص الشرعي إلى ألوان كفرهم وتحقيق غايتهم التي يرمون إليها، وهي سلخ المسلمين من عقيدتهم وتحويلهم عن دينهم.
وقد انقسم أهل هذا المذهب الباطني إلى فرق عديدة لكل منها صورة خاصة من الكفر والضلال، ويجمعها كلها هدف واحد هو هدم الإسلام، والنيل من عقيدة المسلمين (١).
وتعتبر الحركات الباطنية من أخطر الحركات في تاريخ العالم الإسلامي، وكذلك الرافضة والطائفتان متداخلتان في المنهج والاعتقاد والموقف من أهل السنة، ولا عجب؛ إذ كلها قائمة على مبدأ التشيع ومنطلقة منه، وإن كان التطور في بعضها قد يصل إلى الغلو أو الإباحة كما حدث للإسماعيلية والقرامطة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو دعوى موالاة أهل البيت والقيام بالواجب نحوهم، واستخلاص حقوقهم المغتصبة- من الإمامة وغيرها- من أعدائهم؛ وهذه الحركات لا تزال -حتى الآن- تقوم بدور خطير في عالمنا الإسلامي وتحظى -كما يحظى من يتبناها من دول وغيرها- بدعم كبير من اليهود والنصارى والملاحدة -من شيوعيين ولا دينيين-؛ إذ أدرك أعداء الإسلام أن حرب المسلمين - ويقصد