Полный текст (990 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وأما «لا» إذا كانت تبرئة فقوله: ﴿الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ١، ٢] الوقف على «لا» قبيح لأنها مع المنصوب بمنزلة شيء واحد، ولا يتم الكلام على «ريب» لأن «فيه» خبر التبرئة. وكذلك: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧] الوقف «على لا» قبيح لأنها مع ما بعدها بمنزلة حرف واحد. ومن قرأ: «فلا رفث ولا فسوق» بالرفع صلح له أن يقف على «لا» إذا كان مضطرًا لا مختارًا، لأن «الرفث» مرفوع بمضمر كأنه قال: «فلا ثم رفث ولا فسوق». وكذلك: ﴿لا شية فيها﴾ [البقرة: ٧٩] الوقف على «لا» قبيح لأنها مع المنصوب بمنزلة شيء واحد. والوقف على (شية) قبيح لأن «فيها» خبر التبرئة.
وأما «لا» إذا كانت توكيدًا فقوله: ﴿قال ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] لا يتم الوقف على «لا» لأن معناه: «ما منعك أن تسجد». وكذلك: ﴿وحرام على قرية
стр. 142
أهلكنا ما أنهم لا يرجعون﴾ [الأنبياء: ٩٥] معناه: «أنهم يرجعون» و «لا» توكيد للكلام. وقوله ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١] حكي عن الكسائي أنه قال: «لا» صلة. والمعنى: أقسم بيوم القيامة. فعلى مذهبه لا يجوز الوقف على «لا» لأنها صلة لما بعدها وبهذا القول قال محمد بن سعدان. وأنكر الفراء هذا القول. وقال: إنما تكون «لا» صلة إذا تقدم الجحد كقوله: ﴿لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ [الأنبياء: ٦٦] وكقول جرير:
ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر
стр. 143
معناه: والطيبان أبو بكر وعمر. و «لا» توكيد للكلام لتقدم الجحد، فاحتج بعض من قال بالمذهب الأول بقول الشاعر:
في بئر لا حورٍ سرى وما شعر
قال فمعناه: في بئر حور أي في بئر هلاك، و «لا» صلة. وأنكر الفراء أن تكون «لا» في هذا البيت صلة، وقال: هي جحد محض، كأنه قال: في بئر ما لا تحير عليه شيئًا أي لا ترد عليه شيئًا. والغرب تقول: طحنت الطاحنة فما أحارت شيئًا أي لم يتبين لها أثر عمل. وقال الفراء في قوله: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ «لا» رد لكلام متقدم، كأنه قال: لا ليس
стр. 144
الأمر كما يقولون، ثم قال: أقسم بيوم القيامة، فعلى مذهبه يحسن الوقف على «لا».
وأما «لا» إذا كان الحرف الذي قبلها عاملاً في الذي بعدها فقوله: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ [التوبة: ٣٩] لا يحسن الوقف على «لا» لأن «إن» عاملة فيما بعدها و «لا» مع الفعل بمنزلة شيء واحد. ولا يحسن الوقف أيضًا على «إن» لأنها جازمة للفعل الذي بعدها والجازم والمجزوم بمنزلة شيء واحد. وكذلك: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ [التوبة: ٤٠] ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ [الأنفال: ٧٢] لا تقف على (إلا) دون المجزوم، ولا على (إن) دون «لا». وكذلك: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله﴾ [الحديد: ٢٩] الوقف على (ألا) قبيح لأن لا مع الفعل بمنزلة شيء واحد. والوقف على «أن»
стр. 145
قبيح لأنها ناصبة للفعل، والناصب والمنصوب بمنزلة حرف واحد. وكذلك: ﴿حقيق علي أن لا أقول﴾ [الأعراف: ١٠٥] لا تقف على (لا) لأنها مع الفعل بمنزلة حرف واحد، ولا على (أن) دون (لا) لأنها ناصبة، والناصب والمنصوب بمنزلة حرف واحد.
وكل ما في كتاب الله تعالى من ذكر «إلا» فهو في المصحف حرف واحد إلا عشرة أحرف في سورة الأعراف: ﴿حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق﴾ [١٠٥] وفيها أيضًا: ﴿أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾ [١٦٩] وفي التوبة: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [١١٨] وفي هود: ﴿وأن لا إله إلا هو﴾ [١٤] وفيها ﴿أن لا تعبدوا إلا الله﴾ [٢٦] وفي الحج: ﴿أن لا تشرك بي شيئا﴾ [٢٦] وفي يس: ﴿أن لا تعبدوا الشيطان﴾ [٦٠] وفي الدخان: ﴿وأن
стр. 146
لا تغلوا على الله﴾ [١٩] وفي الممتحنة: ﴿أن لا يشركن بي شيئا﴾ [١٢] وفي ن: ﴿أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين﴾ [٢٤] هؤلاء العشرة الأحرف مقطوعة باسواها موصول، فالمواضع التي كتبت فيها مقطوعة تثبت على الأصل لأن الأصل فيه «أن لا» والمواضع التي ليست فيها موصولة بني الخط فيها على الوصل لأن الأصل به: «أن لا» فأدغمت النون في اللام لقرب مخرجها منها، .... أن من الفم أحد عشر مخرجًا، المخرج الخامس منها للام والسادس للنون، فلما اندغمت النون في اللام صارتا ما مشددة وبُني الخط على اللفظ. ولا ينبغي أن تقف على
стр. 147
«أن» قطعت في الخط أو وصلت لأنها ناصبة للذي بعدها. والناصب والمنصوب بمنزلة حرف واحد. وقوله تعالى: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ [المائدة: ٧١] يقرأ (ألا تكون) و (ألا تكون)، فمن قرأ بالنصب لم يقف على «لا» ولا على (أن). ومن قرأه بالرفع صلح له إذا كان مضطرًا لا مختارًا أن يقف على «لا» لأن الذي قبلها غير عامل في الذي بعدها، ويصلح له أيضًا أن يقف على «أن» لأنها غير عاملة في الفعل. وكذلك: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠]. يجوز للمضطر أن يقف على «لا» لأنها غير عاملة.
وأما الحكاية دون المحكي فقوله تعالى: ﴿قال الله هذا
стр. 148
يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ [المائدة: ١١٩] لا يتم الوقف في (قال الله) لأن قوله: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ قوله: ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ هو الكلام المحكي. وكذلك: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت﴾ [ق: ٣٠] لا يتم الوقف على جهنم لأن قوله: (هل امتلأت) هو الكلامي المحكي.
وأما «قد وسف ولما وثم» فإنهن كثيرات في القرآن، من ذلك قوله: ﴿كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون﴾ [التكاثر: ٣، ٤] لا يوقف على (سوف) لأنها تشهد على الذي بما بالاستقبال، والفائدة فيما بعدها. وكذلك قوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ [التوبة: ١١٤] لا يتم الكلام على (فلما) لأنها مع الفعل الذي بعدها بمنزلة شيء واحد. وكذلك قوله: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾ لا يتم الكلام على
стр. 149
(ألا) لأنها افتتاح اللكلام. وإذا وصلت الفعل بصلة لم يتم الكلام عليه دونها كقوله: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] لا يتم الكلام على (مطويات) لأن الباء من صلة (مطويات). وإن قدمت صلة الفعل عليه لم يتم الوقف عليها دونه كقوله: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ [البقرة: ٤] لا يتم الكلام على «الآخرة» لأن الباء من صلة (يوقنون).
واعلم أن الوقف على ثلاثة أوجه: وقف تام، ووقف حسن ليس بتام، ووقف قبيح ليس بحسن ولا تام. فالوقف التام هو الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ولا يكون بعده ما يتعلق به كقول الله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة: ٥] فهذا وقف تام لأنه يحسن أن تقف على «المفلحين»، ويحسن
стр. 150
الابتداء بقوله: ﴿إن الذين كفروا﴾ [البقرة: ٦] وكذلك: ﴿أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ٦] وقف تام.
والوقف الحسن هو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده كقوله (الحمد لله) الوقف على هاذ حسن لأنك إذا قلت: (الحمد لله) عُقِلَ عنك ما أردت وليس بتام لأنك إذا ابتدأتك ﴿رب العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] قبح الابتداء المفخوض. وكذلك الوقف على (بسم الله) حسن وليس بتام لأنك تبتدئ: (الرحمن الرحيم) بالخفض.
والوقف القبيح الذي ليس بتام ولا حسن قوله: (بسم الله) الوقف على (بسم) قبيح لأنه لا يعلم إلى أي شيء أضفته. وكذلك الوقف على: (مالك) والابتداء (يوم الدين) قبيح، يُقاس على هذا كل ما يرد مما يشاكله.
стр. 151
باب ذكر الألفات اللاتي يكن في أوائل الأفعال
وإنما بدأنا بها من قبل ألفات الأسماء لأن الأصول فيها أبين وأقرب على المتعلمين من ألفات الأسماء.
اعلم أن ألفات الأفعال تنقسم على ستة أقسام: ألف وصل وألف أصل وألف قطع وألف المخبر عن نفسه وألف الاستفهام وألف ما لم يسم فاعله.
فأما ألف الأصل فإنها تبتدأ في الماضي بالفتح وتعرفها بأن تجدها فاء من الفعل ثابتة في المستقبل.
وأما ألف الوصل فإنك تعرفها بسقوطها من الدرج وبفتح أول المستقبل وهي مبنية على ثالث المستقبل إن كان الثالث مكسورًا كسرت، وإن كان مضمومًا ضمت وإن كانت مفتوحًا كسرت [أيضًا].
стр. 152
وأما ألف القطع فإنك تعرفها بضم أول المستقبل.
وأما ألف المخبر عن نفسه فإنك تعرفها إذا حسُن بعد الفعل الذي هي فيه «أنا» وكان مستقبلاً.
وأما ألف الاستفهام فإنك تعرفها بمحنتين إذا جاءت بعدها «أم» أو حسن في موضعها «هل».
وأما ألف ما لم يسم فاعله فإنها تكون في أربعة أمثلة: في «افعل واستفعل وافتعل وانفعل» وقد تكون في «فعل» كقولك: «أخذ وأمر وأكل» وليست لازمة لجميع هذا البناء، تقول في ألف الأصل: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل: ١] فتبتدئها في الماضي [بالفتح] وتجدها فاء من الفعل، وذلك أن وزن أتى من الفعل «فعل» فالألف بحذاء الفاء. وتقول في المستقبل «يأتي» فتجدها ثابتة فيه. وكذلك «أكل وأمر وأبق» الألف فيهن أصلية لأنها فاء من الفعل، وذلك أن «أكل» على وزن «فعل» فالألف بحذاء الفاء.
стр. 153
وتقول في المستقبل «يأكل ويأمر ويأبق» فتجد الألف ثابتة في المستقبل.
وأما ألف الوصل فهي الألف في قوله: ﴿اهدنا الصراط﴾ [الفاتحة: ٦] تستدل على أنها ألف وصل بسقوطها في الدرج، وذلك أنك تقول في الدرج: (نستعين اهدنا) فلا تجد ألفًا. فإن قال قائل: فما الضمة التي في النون في (نستعين)؟ فقل: هي علامة الرفع، وذلك أن الفعل المستقبل مرفوع بالحرف الذي في أوله في قول الكسائي فـ «نستعين» مرفوع بالنون التي في أوله، والضمة علامة الرفع. وتقول في المستقبل «يهدي» فتجد أوله مفتوحًا، فهذا يدلك على أن الألف في «اهدنا» ألف وصل. فإن قال قائل: لم أدخلتها في الابتداء وأسقطتها في الدرج فقل: وجدت الحرف الذي بعدها ساكنًا وهو الهاء في «اهدنا» والضاد في «اضرب» والعرب لا تبتدئ بساكن فأدخلت ألفًا
стр. 154
يقع بها الابتداء، وحذفتها في الدرج لأن الذي بعدها اتصل لدي قبلها فلم تكن بي حاجة إلى إدخالها. وكذلك إن قال قائل: لم سميتها ألف وصل؟ فقل: لأني إذا وصلت الكلام قبل ما بعدها بما قبلها وسقطت من اللفظ. فإن قال: لم أثبتها في الخط وأسقطتها من اللفظ؟ فقل أثبتها في الخط لأن الكتاب وضع على السكوت على كل حرف، والابتداء بما بعده تثبت في الخط كما ثبتت إذا ابتدئ بها. فإن قال قائل: أي شيء تلقب ألف الوصل، أتلقبها ألفا أم همزة؟ فقل: اختلف النحويون في هذا، فقال الكسائي والفراء وسيبويه: في ألف وصل، والحجة لهم في هذا أن صورتها صورة الألف
стр. 155
فلقيت ألفًا لهذا المعنى، وقال الأخفش: هي ألف ساكنة لا حركة لها كسرت في قوله: (اهدنا الصراط) وما أشبهه لسكونها وسكون الحرف الذي بعدها وقال: ضموها في قوله: ﴿اقتلوا يوسف﴾ [يوسف: ٩] وفي قوله: ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾ [المائدة: ٢٣] لأنهم كرهوا أن يكسروها وبعدها التاء في قوله: (اقتلوا) مضمومة، والخاء في (ادخلوا) مضمومة فينتقلوا من كسر إلى ضم، فضموها بضم الذي بعدها. قال أبو بكر: وهذا غلط لأنها إذا كانت عنده ساكنة لا حركة لها فمحال أن يدخلها الابتداء لأن العرب لا تبتدئ بساكن، فلا يجوز أن يدخل الابتداء حرفًا ينوي به السكون. وقال قطرب في ألف ﴿اهدنا
стр. 156
الصراط﴾ و ﴿اضرب بعصاك﴾ [الأعراف: ١٦٠]. وما أشبهها هي همة كثرت فتركت. قال أبو بكر: وهذا غلط أيضًا لأن الهمزة إذا كانت في أول حرف ثم وصلت بشيء قبلها كان مهموزة في الوصل كما تهمز في الابتداء، من ذلك قوله تعالى: ﴿وأخذتم على ذلكم إصري﴾ [آل عمران: ٨١] فالهمزة في (إصري) ثابتة في الابتداء والوصل، فيجب عليه أن يهمز ألف (اهدنا) في الوصل والابتداء إن كانت عنده همزة، فإن قال قائل: لم كسرت الألف في (اهدنا)؟ فقل: لأنها مبنية على ثالث المستقبل وهو الدال في «يهدي». فإن قال: لم بنيتها على الثالث ولم تبنها على الأول ولا على الثاني ولا على الرابع؟ فقل: لأن الأول زائد، والزائد لا يبني عليه،
стр. 157
والثاني ساكن، والساكن لا يبتدأ به، والرابع لا يثبت على إعراب واحد لأنه يكون في الرفع مضمومًا وفي النصب مفتوحًا وفي الجزم ساكنًا. وذلك أنك تقول في الرفع: أنت تضرب، فتضم الباء، وتقول في النصب أنت لن تضرب فتفتح الباء. وتقول في الجزم: أنت لم تضرب، فتسكن الباء، فلما يثبت الرابع على إعراب واحد لم تبن الألف عليه وبنيت على الثالث إذ كان إعرابه لا يتغير. وكذلك تبتدئ بالكسر قوله: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ [البقرة: ٧٢] ﴿اضربوه﴾، ﴿أن اضرب بعصاك الحجر﴾ [الشعراء: ٦٣] (اضرب)، ﴿بالذي هو خير اهبطوا مصرا﴾ [البقرة: ٦١] (اهبطوا)، ﴿ربنا اكشف عنا العذاب﴾ [الدخان: ١٢] تبتدئ، (اكشف)، ﴿ربنا اطمس على
стр. 158
أموالهم﴾ [يونس: ٨٨] تبتدئ (اطمس) ومثل ﴿اكشف عنا العذاب﴾، ﴿اصرف عنا عذاب جهنم﴾ [الفرقان: ٦٥] ﴿ابن لي صرحا﴾ [غافر: ٣٦]، ﴿اقذفيه في اليم﴾ [طه: ٣٩] تبتدئ هذا وما أشبهه بالكسر لأن ثالث المستقبل مكسور. وذلك أنك تقول: ضرب يضرب، هبط يهبط، صرف يصرف بني يبني، طمس يطمس، فتجد الثالث مكسورًا.
وتبتدئ أيضًا بالكسر قوله: ﴿استعينوا بالله واصبروا﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ١٥٣] وكذلك: ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ [المجادلة: ١٩] وكذلك: ﴿استكبروا﴾ [الأعراف: ٧٥] لأن الألف مبنية على عين الفعل وهي الباء في (يستكبر)، والواو في «يستحوذ» وذلك
стр. 159
أنك تقول: يستكبر ويستحوذ، فتجد الباء والواو مكسورتين وهما بحذاء العين في يستفعل، فكسرت الألف بناء على عين الفعل، فإن قال قائل: كيف جاز للألف في «استكبر»، و «استحوذ» أن تُبنى على الباء في «يستكبر» والواو في «يستحوذ» وهما خامستان؟ وال: قد زعمت أن الألف تُبنى على الثالث. فيقال له: الباء في يستكبر وإن كانت خامسة في اللفظ فهي ثانية في التقدير، وذلك أن أصول الحروف الفاء والعين واللام، وما سوى هؤلاء الثلاثة الأحرف فزائد لا يلتفت إليه، فلما قلنا: «يستكبر» و «يستحوذ» وجدنا وزنه من الفعل «يستفعل» فالكاف في
стр. 160
«يستكبر» والحاء في «يستحوذ» بحذاء الفاء، والباء في «يستكبر» والواو في «يستحوذ» بحذاء العين، فعليهما يقع البناء، ولا يلتفت إلى السين والتاء لأنهما زائدتان. فكل ما أتاك من هذا الجنس فابن الألف فيه على عين الفعل ولا تلتفت إلى الزائد، من ذلك قوله تعالى: ﴿اعتدوا منكم في السبت﴾ [البقرة: ٦٥] كسرت الألف بناء على عين الفعل وهي الدال في «يعتدي» ولم يلتفت إلى الياء لأنها زائدة. وكذلك ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] بكسر الألف بناء على العين وهي الراء في «اقترب». وكذلك ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ [الأنبياء: ١] ﴿انبعث أشقاها﴾ [الشمس: ١٢] بكسر الألف بناء على العين وهي العين في «ينبعث» فإن قال قائل: على أي شيء تبني ألف في قوله: (واستعينوا) [البقرة: ٤٥] قيل له: على العين
стр. 161
وهي الواو المكسورة في الأصل، وذلك أن الأصل في «نستعين» نستعون، فاستثقلوا الكسرة في الواو فنقلوها إلى العين فصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فالألف مبنية على الواو المكسورة التي صارت ياء. وكذلك ﴿استكبارًا في الأرض﴾ [فاطر: ٤٣] تبتدئ الألف بالكسر بناء على العين وهي الباء في «يستكبر». وكذلك ﴿فما اسطاعوا أن يظهروه﴾ [الكهف: ٩٧] تبتدئ (اسطاعوا) بكسر الألف بناء على العين وهي الواو المكسورة في الأصل، وذلك أن الأصل في المستقبل «يستطوع» فاستثقلوا الكسرة في الواو فنقلوها إلى الطاء فصارت الواو ياء الانكسار ما قبلها وحذفوا التاء من «يستطيع» كما حذفوها من «استطاع»، قال الحطيئة:
والشعر لا يسطيعه من يظلمه ... يريد أن يعربه فيعجمه
стр. 162
فكسرت الألف في «استطاعوا» بناء على الواو المكسورة التي صارت ياء. وكذلك: ﴿استغفروا ربكم﴾ [هود: ٣] تُبنى الألف على الفاء في يستغفر وكذلك: ﴿إذا السماء انفطرت﴾ [الانفطار: ١] تبتدئ (انفطرت) بالكسر لأن الألف مبنية على العين وهي الطاء في تنفطر. وكذلك: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١] تبتدئ (انشقت) بالكسر. وتبتدئ أيضًا بالكسر: ﴿اقضوا إلي ولا تنظرون﴾ [يونس: ٧١] وكذلك: ﴿وقال الملك ائتوني به﴾ [يوسف: ٥٠] تبتدئ ﴿ائتوني به﴾. ﴿ثم ائتوا صفا﴾ [طه: ٦٤] (ائتوا صفا) بكسر الألف لأنها مبنية على العين وهي التاء في «يأتي» والضاد في «يقضي» فإن قال [قائل] لم ابتدأتها بالكسر والضاد مضمومة في (اقضوا) وهي الثالث. والتاء مضمومة في
стр. 163
(ائتوا) وهي الثالث؟ قيل له: الأصل في التاء الكسر، والدليل على ذلك أنا نقول للرجل: أنت يا رجل، اقضي يا رجل، ونقول للاثنين ائتيا يا رجلان، اقضيا يا رجلان، فتجد التاء والضاد مكسورتين في فعل الواحد والاثنين فبنينا الألف عليها، وكان الأصل في الجمع «ائتيوا اقضيوا» فاستثقلوا الضمة في الياء فنقلوها إلى التاء والضاد وأسقطوا الياء لسكونها وسكون واو الجمع. فإن قال: فلم ابتدأت الألف في (انشقت) بالكسر ونحن نقول في المستقبل «تنشق» فلا تجد فيه حرفًا مكسورًا؟ قيل له: كان الأصل في «تنشق» تنشقق، على وزن تنفعل، فاستثقلوا الجمع بين قافين متحركتين لأن العرب لا تجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد فأسقطوا حركة القاف الأولى وأدغموها في القاف الثانية فصارتا قافًا مشددة. وكان الأصل في قولهم: ايت يا رجل إات يا رجل
стр. 164
إاتوا يا رجال، فجعلوا الهمزة الساكنة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وذلك أن العرب تجعل الهمزة ياء إذا انكسر ما قبلها وكانت ساكنة، ويجعلونها ألفًا إذا سكنت وانفتح ما قبلها ويجعلونها واوًا إذا سكنت وانضم ما قبلها. فأما الهمزة التي سكنت وانكسر ما قبلها فقولك: الذيب، كان الأصل فيه: الذئب فأبدلوا من الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وإنما حكمنا على الذئب بالهمز لأنه مأخوذ من تذآب الريح وهو مجيئها من كله وجه قال ذو الرمة:
نبات يشئزه ثأد ويسهره ... تذؤب الريح والوسواس والهضب
فمعنى «يشئزه» يشخصه ويقلقه، والثأد الندى، وتذؤب الريح تجيئها من كل وجه، والهضب الدفعات من المطر، وقال ذو الرمة أيضًا:
стр. 165
غدا كأن به جنا تذاءبه ... من كل أقطاره يخشى ويرتقب
فمعناه: كأنه به جنا تأخذه من كل وجه.
وأما الهمزة التي جعلت ألفا لانفتاح ما قبلها فقوله: ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥] كان الأصل فيه «أأمن الرسول» فجعلوا الهمزة الساكنة ألفًا لانفتاح ما قبلها، وذلك أنها إذا سكنت ضعفت فتغلب الحركة عليها. وكذلك: ﴿يا بني آدم﴾ [الأعراف: ٢٦] كان الأصل فيه «أأدم» فجعلوا الهمزة الساكنة ألفًا لانفتاح ما قبلها.
وأما الهمزة التي سكنت وانضم ما قبلها فقولك «هو يومن» كان الأصل فيه «يؤمن» فجعلت الهمزة الساكنة واوًا لانضمام ما قبلها.
فإن قال قائل: إذا قلنا في الدرج (لقاءنا ائت) [يونس: ١٥] فما هذه الهمزة؟ قيل له: هذه الهمزة هي الساكنة التي في
стр. 166
«إلت» وهي عين الفعل وألف الوصل ساقطة. وقد أجاز الكسائي أن تثبت الهمزتين في الابتداء، فأجاز للمبتديء أن يقول: ﴿إئت بقرآن﴾ [يونس: ١٥] بهمزتين أخبرنا بها إدريس عن خلف عن الكسائي. قلت: وهذا قبيح لأن العرب لا تجمع بين همزتين، الثانية منهما ساكنة، ومع هذا فإن أبا العباس حدثنا عن سلمة بن عاصم عن الفراء أنه قال العرب لا تنطق بهمزة ساكنة إلا بنو تميم فإنهم يهمزون ... الذئب والكأس والرأس وقوله : ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾ [المزمل: ١٩] هذه الهمزة هي همزة ... وألف «اتخذ» ساقطة لأنها ألف وصل، وكان الأصل
стр. 167
في «شاء» «شيأ» فجعلوا الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وكذلك: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت﴾ [فصلت: ٣٩] هذه الهمزة همزة الماء، وألف «اهتزت» ساقطة لأنها ألف وصل، وكان الأصل فيه «فإذا أنزلنا عليها الموه» فجعلوا الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأبدلوا من الهاء همزة لقرب مخرجها منها وذلك أن أقصى مخارج الحلق للهاء والهمزة. وقوله : ﴿إذا شاء أنشره﴾ [عس: ٢٢] قرأ أبو عمرو: (ثم إذا شا أنشره) بهمزة واحدة، والهمزة الثانية في قراءة أبي عمرو همزة «أنشره» وهمزة «شاء» ساقطة اكتفاءً بالهمزة الثانية منها. وإنما ثبتت الألف في «أنشره» لأنها ألف قطع، والدليل على هذا أنك تقول: أنشر
стр. 168
ينشر، فتجد أول المستقبل مضمومًا، وسنبين ألف القطع بعد هذا إن شاء الله.
وإذا كان ثالث المستقبل مضمومًا ضممت الألف في الابتداء كقوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١] تبتدئ: اعبدوا، بالضم لأنها مبنية على ثالث المستقبل وهو الباء في «يعبد» وكذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله﴾ [الأحزاب: ٤١] تبتدئ: اُذكروا، بالضم بناء على الثالث وهو الكاف في «يذكر»، وكذلك: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا﴾ [البقرة: ٣٤] تبتدئ اُسجدوا. وكذلك: ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾ [المائدة: ٢٣] ﴿ادع لنا ربك﴾ [البقرة: ٦٩] ﴿اقتلوا يوسف﴾ [يوسف: ٩] ﴿انقص منه قليلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿اسكن أنت وزوجك﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤] ﴿احشروا الذين ظلموا﴾ [الصافات: ٢٢]
стр. 169
﴿انظر أنى يؤفكون﴾ [المائدة: ٧٥] ﴿اركض برجلك﴾ [ص: ٤٢] ﴿اخلفني في قومي﴾ [الأعراف: ١٤٢] ﴿ادخلي الصرح﴾ [النمل: ٤٤] ﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾ [المائدة: ٢١]، ﴿انصرني بما كذبون﴾ [المؤمنون: ٢٦] ﴿انفخوا حتى إذا جعله نارا﴾ [الكهف: ٩٦]
وقوله جل ثناؤه: ﴿ألا يسجدوا﴾ [النمل: ٢٥] اختلف القراء فيها، فكان نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة يقرؤن: (ألا يسجدوا) بتثقيل «ألا». وكان أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وأبو جعفر وحميد والكسائي يقرؤون: (ألا يا اسجدوا) بتخفيف «ألا». فمن قرأ (ألا يسجدوا) بتثقيل «ألا» وقف «ألا». فمن قرأ (ألا يسجدوا) بتثقيل «ألا» وقف «ألا» وابتدأ: (يسجدوا). ومن قرأ «ألا» بالتخفيف وقف «ألا يا» وابتدأ: (اسجدوا) بالضم لأن الألف مبنية على الثالث وهو الجيم في «يسجدوا» ومعنى هذه القراءة: «ألا يا هؤلاء اسجدوا» فحذفوا هؤلاء وأبقوا
стр. 170
«يا» كما قال المرقش:
ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما ... ولا أبدًا ما دام وصلك دائما
وقال الأخطل:
ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر
وقال الآخر: أنشدني المفضل: قال أبو بكر: وأنشدناه
أبو العباس:
ألا يا اسلمي قبل الفراق ظعينا ... تحية من أمسى إليك حزينا
стр. 171
تحية من لا قاطع حبل واصل ... ولا صارم قبل الفراق قرينا
وقال العجاج:
يا دار سلمي يا اسلمي ثم اسلمي ... بسمسم أو عن يمين سمسم
وقال ذو الرمة:
ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى ... ولا ال منهلا بجرعانك القطر
وقال الكميت:
ألا يا اسلمي يا ترب أسماء من ترب ... ألا يا اسلمي حييت عني وعن صحبي
أراد في جميع هذه الأبيات: ألا يا هذه اسلمي: فحذف
стр. 172
«هذه» وترك «يا». وقال الآخر:
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار
أراد: يا هؤلاء لعنة الله، فحذف «هؤلاء». وأنشد الفراء:
وقالت ألا يا اسمع نعظك بخطة ... فقلت: سميعا فانطقي وأصيبي
أراد: وقالت ألا يا هذا، فحذف «هذا»، وأنشد الفراء أيضًا:
يا قاتل الله صبيانا تجيء بهم ... أم الهنيبر من زيند لها وارى
стр. 173
أراد: يا هؤلاء قاتل الله، وقال أبو نخيلة:
أمسلم يا اسمع يا ابن كل خليفة ... ويا سائس الدنيا ويا جبل الأرض
أراد: يا هذا اسمع، فحذف «هذا».
قال أبو بكر: فإن قال قائل لم حذفوا ألف «يا» من المصحف في قوله: (ألا يا اسجدوا)؟ قيل له: العرب تحذف ألف «يا» من الكتاب. من ذلك أنهم كتبوا ﴿يقوم اعبدوا﴾ [الأعراف: ٥٩] بحذف الألف وإنما جاز حذف الألف من «يا» لأن «يا» تدعي بها الأسماء ولا تدعي بها الأفعال، فحذفوا الألف لكثرة الاستعمال.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: الاختيار (ألا) بالتشديد لأنها في بعض التفسير: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا. قال:
стр. 174
والتخفيف وجه حسن، إلا أن فيه انقطاع الخبر الذي كان من أمر سبأ وقومها ثم يرجع بعد إلى ذكرهم. قال: والقراءة الأولى خبر يتبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه.
وقال الفراء: الاختيار التخفيف لأنها سجدة أمرنا بها ولو كانت القراءة بالتثقيل لم يكن فيه أمر بسجود لأن المعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا. فهذا خبر عن أولئك وليس فيه دليل على الأمر بالسجود. وهي في قراءة عبد الله: (هلا تسجدوا) بالتاء. وفي قراءة أبي: (ألا تسجدون لله الذي يعلم سركم وما تعلنون). فهذا يدل على التخفيف لأن قولك: «ألا تقوم» بمنزلة قولك: «قم». وقال الفراء: حدثنا الكسائي عن عيسى بن عمر قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر. وحكى الفراء عن العرب: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدقوا علينا، بمعنى: ألا يا هؤلاء افعلوا هذا.
стр. 175
وقوله تعالى: ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ [المجادلة: ١١] اختلف القراء فيها، فكان ابن كثير والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي يقرؤونها: (وإذا قيل انشزوا فانشزوا) بكسر الشين. فمن قرأ بهذه القراءة ابتدأ: (انشزوا) بكسر الألف لأنها مبنية على الثالث، وهو الشين في «ينشز». وكان أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم يقرؤونها: (انشزوا فانشزوا) بضم الشين. فمن قرأ بهذه القراءة ابتدأ: (انشزوا) بالضم لأن الألف مبنية على الثالث وهو الشين في «ينشز». وإذا كان ثالث المستقبل مفتوحا ابتدأت الألف بالكسر كقوله: ﴿اذهب أنت وربك﴾ [المائدة: ٢٤] كسرت الألف لأن الثالث مفتوح وهو الهاء في «يذهب». وكذلك: ﴿أن اصنع الفلك﴾ [المؤمنون: ٢٧] تبتدئ (اصنع) بكسر الألف
стр. 176
لأنها مبنية على الكسر لفتح الثالث، وذلك أنك تقول: «يصنع» فتجد النون مفتوحة. وكذلك: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ [الأعراف: ٨٩] تبتدئ (افتح) بكسر الألف لأن الثالث مفتوح، وهو التاء في «يفتح». وكذلك: ﴿اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١] كسرت الألف لأن الثالث مفتوح وهو الكاف في «يركب». وكذلك ﴿ائذن لي ولا تفتني﴾ [التوبة: ٤٩]، ﴿اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ [الفرقان: ٣٦]، ﴿اذهبوا بقيمصي هذا﴾ [يوسف: ٩٣]، ﴿اجعل على كل جبل منهن جزءا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ [يوسف: ٥٥]، ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ [الأنعام: ١٣٥]، ﴿يا أرض ابلعي ماءك﴾ [هود: ٤٤] بالكسر لأن الثالث مفتوح وهو اللام في «يبلع»، والماضي «بلع» بكسر
стр. 177
اللام. وكذلك: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] تبتدئ (اقرأ) بالكسر لأن الثالث مفتوح وهو الراء في «يقرأ».
فإن قال قائل: هلا فتحت اللام إذا كان الثالث مفتوحًا كما تكسرها إذا كان الثالث مكسورًا وتضمها إذا كان الثالث مضمومًا؟ فقل: كرهت أن أفتحها فيلتبس الأمر بالخبر، وذلك أني لو قلت في الأمر: اذهب يا رجل، أصنع يا رجل، لالتبس بقولي في الخبر: أنا أذهب، أنا أصنع، فكسرناها لما بطل فيها الفتح لأن الكسر أخو الفتح، وذلك أن الحركات ثلاث: فتحة وكسرة وضمة. فالفتحة أخف الحركات ثم الكسرة تليها. والضمة أثقل الحركات، فحركت الألف بالكسر لما كانت الكسرة تقرب من الفتحة، وتبتدئ أيضًا بالكسر قوله: ﴿اثاقلتم إلى الأرض﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿اداركوا
стр. 178
فيها جميعا﴾ [الأعراف: ٢٨] لأن عين الفعل مفتوحة وهي القاف في «يثاقل» والراء في «يدارك». وذلك أن وزن يثاقل ويدارك يتفاعل، فالقاف في يثاقل بحذاء العين، والراء في يدارك بحذاء العين. وكذلك: ﴿قالوا اطيرنا بك وبمن معك﴾ [النمل: ٤٧] تبتدئ: (اطيرنا) بكسر الألف لأن عين الفعل مفتوحة وهي الياء في «يطير» ومثله: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة﴾ [النمل: ٦٦] تبتدئ (ادارك) بكسر الألف لأن عين الفعل مفتوحة وهي الراء في «يدارك». وكان الأصل في هذا «حتى إذا تداركوا» فأدغموا التاء في الدال، فصارت دالاً ساكنة، فلم يصلح الابتداء بساكن فأدخلوا ألفًا يقع بها الابتداء. وكذلك (قالوا اطيرنا) كان الأصل فيه: «قالوا تطيرنا» (في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) كان الأصل فيه «تثاقلتم» (بل ادارك) كان الأصل فيه «تدارك».
стр. 179
١٢٨ - حدثني أبي قال: حدثنا أبو منصور قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن هارون قال: في حرف أبي بن كعب: (أم تدارك علمهم) وقال الفراء: أنشدني الكسائي:
تولي الضجيع إذا ما استاقها خصرا ... عذب المذاق إذا ما اتابع القبل
أرادك إذا ما تتابع القبل، فأدغم التاء الأولى في الثانية فسكنت فلم يصلح الابتداء بساكن فأدخل ألفًا يقع الابتداء بها.
وقال الفراء: روي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: (قالوا
стр. 180
اطيرنا بك)، (حتى إذا اداركوا فيها جميعا) بالجمع بين ساكنين، والحجة له في هذا أن الطاء والدال الأوليين أصلهما الحركة، وذلك أن الأصل فيهما: «قالوا تطيرنا، حتى إذا تداركوا» فلما كان أصلهما الحركة لم يعاملا معاملة الساكن الحقيقي السكون.
وتبتدئ ألف القطع بالفتح كقوله تعالى: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرا﴾ [البقرة: ٢٥٠] تبتدئ: (أفرغ) بالفتح لأن الألف فيه ألف قطع، والدليل على هذا أنك تقول: «أفرغ يفرع» فتجد أول المستقبل مضمومًا. وكذلك: ﴿أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ [الإسراء: ٨٠] والدليل على أنها ألف قطع أنك تقول: «أدخل يدخل»، «وأخرج يخرج» فتجد أول المستقبل مضمومًا. وكذلك:
следующие страницы →