Полный текст (990 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
لأنها مبنية على الكسر لفتح الثالث، وذلك أنك تقول: «يصنع» فتجد النون مفتوحة. وكذلك: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ [الأعراف: ٨٩] تبتدئ (افتح) بكسر الألف لأن الثالث مفتوح، وهو التاء في «يفتح». وكذلك: ﴿اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١] كسرت الألف لأن الثالث مفتوح وهو الكاف في «يركب». وكذلك ﴿ائذن لي ولا تفتني﴾ [التوبة: ٤٩]، ﴿اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ [الفرقان: ٣٦]، ﴿اذهبوا بقيمصي هذا﴾ [يوسف: ٩٣]، ﴿اجعل على كل جبل منهن جزءا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ [يوسف: ٥٥]، ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ [الأنعام: ١٣٥]، ﴿يا أرض ابلعي ماءك﴾ [هود: ٤٤] بالكسر لأن الثالث مفتوح وهو اللام في «يبلع»، والماضي «بلع» بكسر
стр. 177
اللام. وكذلك: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] تبتدئ (اقرأ) بالكسر لأن الثالث مفتوح وهو الراء في «يقرأ».
فإن قال قائل: هلا فتحت اللام إذا كان الثالث مفتوحًا كما تكسرها إذا كان الثالث مكسورًا وتضمها إذا كان الثالث مضمومًا؟ فقل: كرهت أن أفتحها فيلتبس الأمر بالخبر، وذلك أني لو قلت في الأمر: اذهب يا رجل، أصنع يا رجل، لالتبس بقولي في الخبر: أنا أذهب، أنا أصنع، فكسرناها لما بطل فيها الفتح لأن الكسر أخو الفتح، وذلك أن الحركات ثلاث: فتحة وكسرة وضمة. فالفتحة أخف الحركات ثم الكسرة تليها. والضمة أثقل الحركات، فحركت الألف بالكسر لما كانت الكسرة تقرب من الفتحة، وتبتدئ أيضًا بالكسر قوله: ﴿اثاقلتم إلى الأرض﴾ [التوبة: ٣٨] ﴿اداركوا
стр. 178
فيها جميعا﴾ [الأعراف: ٢٨] لأن عين الفعل مفتوحة وهي القاف في «يثاقل» والراء في «يدارك». وذلك أن وزن يثاقل ويدارك يتفاعل، فالقاف في يثاقل بحذاء العين، والراء في يدارك بحذاء العين. وكذلك: ﴿قالوا اطيرنا بك وبمن معك﴾ [النمل: ٤٧] تبتدئ: (اطيرنا) بكسر الألف لأن عين الفعل مفتوحة وهي الياء في «يطير» ومثله: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة﴾ [النمل: ٦٦] تبتدئ (ادارك) بكسر الألف لأن عين الفعل مفتوحة وهي الراء في «يدارك». وكان الأصل في هذا «حتى إذا تداركوا» فأدغموا التاء في الدال، فصارت دالاً ساكنة، فلم يصلح الابتداء بساكن فأدخلوا ألفًا يقع بها الابتداء. وكذلك (قالوا اطيرنا) كان الأصل فيه: «قالوا تطيرنا» (في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) كان الأصل فيه «تثاقلتم» (بل ادارك) كان الأصل فيه «تدارك».
стр. 179
١٢٨ - حدثني أبي قال: حدثنا أبو منصور قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن هارون قال: في حرف أبي بن كعب: (أم تدارك علمهم) وقال الفراء: أنشدني الكسائي:
تولي الضجيع إذا ما استاقها خصرا ... عذب المذاق إذا ما اتابع القبل
أرادك إذا ما تتابع القبل، فأدغم التاء الأولى في الثانية فسكنت فلم يصلح الابتداء بساكن فأدخل ألفًا يقع الابتداء بها.
وقال الفراء: روي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: (قالوا
стр. 180
اطيرنا بك)، (حتى إذا اداركوا فيها جميعا) بالجمع بين ساكنين، والحجة له في هذا أن الطاء والدال الأوليين أصلهما الحركة، وذلك أن الأصل فيهما: «قالوا تطيرنا، حتى إذا تداركوا» فلما كان أصلهما الحركة لم يعاملا معاملة الساكن الحقيقي السكون.
وتبتدئ ألف القطع بالفتح كقوله تعالى: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرا﴾ [البقرة: ٢٥٠] تبتدئ: (أفرغ) بالفتح لأن الألف فيه ألف قطع، والدليل على هذا أنك تقول: «أفرغ يفرع» فتجد أول المستقبل مضمومًا. وكذلك: ﴿أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ [الإسراء: ٨٠] والدليل على أنها ألف قطع أنك تقول: «أدخل يدخل»، «وأخرج يخرج» فتجد أول المستقبل مضمومًا. وكذلك:
стр. 181
﴿يا سماء أقلعي﴾ [هود: ٤٤] تبتبديء: (أقلعي) بالقطع والفتح لأنك تقول: «أقلع يقلع» وكذلك: ﴿أنزل علينا مائدة من السماء﴾ [المائدة: ١١٤] ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [مريم: ٣٨] ﴿أمسك عليك زوجك﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿ألهاكم التكاثر﴾ [التكاثر: ١] هؤلاء ألفات القطع لأنك تقول «أنزل ينزل وأسمع يُسمع، وأبصر يُبصر، وألهى يُلهي». وكذلك: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر: ١١] (أكرمن) و (أهانن) [الفجر: ١٥ ن ١٦]، ﴿أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] هؤلاء ألفات القطع أيضًا لأنك تقول أحيا يحيي، أمات يُميت، أكرم يُكرم، أهان يُهين، أنعم يُنعم.
وكان أبو جعفر محمد بن سعدان وغيره يقولون: هؤلاء ألفات أصل. قال أبو بكر: وهذا غلط لأن أصول الأسماء والأفعال ثلاثة: فاء وعين ولام. وكل ما زاد على هؤلاء الثلاثة فهو زائد ليس بأصلي. فإذا قلنا: أفرغ وأكرم،
стр. 182
فوزنه من الفعل «أفعل» فالألف ليست فاء ولا عينًا ولا لامصا. ولا ينبغي أن تسمى أصلية. وتبتدئ ﴿رب أرني﴾ [الأعراف: ١٤٢] بالفتح (أرني) لأنها ألف قطع، والدليل على ذلك أنك تقول: «أرى يُري» فتجد أول المستقبل مضمومًا.
وقوله ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون﴾ [غافر: ٤٦] اختلف القراء فيه فكان أبو جعفر وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي يقرؤونها: (أدخلوا) بفتح الألف في الوصل والابتداء، فمن قرأ بهذه القراءة ابتدأ: (أدخلوا) بفتح الألف لأنها ألف قطع، الدليل على هذا أنك تقول: «أدخل يُدخل» فتجد أول المستقبل مضمومًا، وتنصب
стр. 183
(آل فرعون) بوقوع الفعل عليهم، كما تقول «أدخل زيدًا الدار». وكان عاصم وأبو عمرو يقرآن: (ويوم تقوم الساعة ادخلوا) بحذف الألف في الوصل، فمن قرأ بهذه القراءة ابتدأ: (ادخلوا) بضم الألف بناء على ثالث المستقبل، وهو الخاء في «يدخل» وتنصب (آل فرعون) على النداء كأنك قلت: «ادخلوا يا آل فرعون».
واعلم أن ألف القطع إذا كانت في المصادر ابتدئت بالكسر كقوله ﴿ويخرجكم إخراجا﴾ [نوح: ١٨] الألف في «إخراج» ألف قطع لأنك تقول: «أخرج يخرج» فتجد أول المستقبل مضمومًا. وكذلك: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾ [الحج: ٢٥] الألف في «إلحاد» ألف قطع لأنك تقول: «ألحد يلحد» فتجد أول المستقبل مضمومًا.
فإن قال قائل: لم صارت ألف القطع مكسورة في المصدر؟ فقل: كرهوا أن يفتحوها فيلتبس المصدر بالجمع وذلك أنهم لو قالوا في المصدر: «أخراج وألحاد» لالتبس الجمع
стр. 184
كقولك «أبيات وأثواب وأجمال». والدليل على هذا أيضًا أنهم لو ابتدؤوا [فقالوا]: «أخراج» لالتبس بجمع «خرج» فكسروا الألف ليفرقوا بين المصدر والجمع.
وأما ألف المخبر عن نفسه فإنك تعرفها بأن يحسن بعد الفعل الذي هي فيه «أنا» ويكون الفعل مستقبلاً كقوله تعالى: ﴿قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرة﴾ [يوسف: ١٠٨] هذه ألف المخبر عن نفسه لأنك تقول: «أدعو أنا غدا» فتجد الفعل يحسن بعده «أنا» وهو مستقبل. وكذلك: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣] الألف في (أنظر) ألف المخبر عن نفسه لأنك تقول: «أنظر أنا غدا» فتجده يحسن بعده «أنا» وهو مستقبل. وكذلك ﴿آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ [الكهف: ٩٦] الألف في (أفرغ) ألف المخبر عن نفسه لأنك تقول «أفرغ أنا غدا».
стр. 185
فإن قال [قائل]: فلم فتحت الألف في قوله: (أدعو إلى الله) وضمتها في (أفرغ) وكلتاهما ألف المخبر عن نفسه؟ فقل: إذا كان الماضي على أقل من أربعة أحرف أو أكثر من أربعة أحرف، فألف المخبر [عن نفسه] مفتوحة، وإذا كان الماضي على أربعة أحرف فألف المخبر مضمومة. فالذي تفتح فيه الألف لأن الماضي على أقل من أربعة [أحرف] قوله: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ [الأنعام: ١٥١] الألف في (أتل) ألف المخبر عن نفسه لأنك تقول: «أتلو أنا غدا» وفتحتها لأن الماضي «تلا» فهو أقل من أربعة [أحرف]. وكذل: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢] الألف في «أذكر» ألف المخبر عن نفسه لأنك
стр. 186
تقول: «أذكر أنا غدا». وفتحتها لأن الماضي «ذكر». فهو أقل من أربعة [أحرف]. وكذلك: ﴿وأن أتلو القرآن﴾ [النمل: ٩٢] الألف في (أتلو) ألف المخبر عن نفسه. وكذلك: ﴿أجعل بينكم وبينهم ردما﴾ [الكهف: ٩٥]، ﴿حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي﴾ [الكهف: ٦٠]
والذي تفتح فيه ألف المخبر عن نفسه لأن الماضي أكثر من أربعة [أحرف] قوله : ﴿استخلصه لنفسي﴾ [يوسف: ٥٤] فتحت الألف لأن الماضي «استخلص» وهو أكثر من أربعة أحرف. وكذلك: ﴿أستجب لكم إن الذين يستكبرون﴾ [غافر: ٦٠] فتحت الألف لأن الماضي «استجاب» فهو أكثر من أربعة.
والذي تضم فيه ألف المخبر عن نفسه لأن الماضي على أربعة
стр. 187
[أحرف] قوله: ﴿أفرغ عليه قطرا﴾ [الكهف: ٩٦] ألا ترى أنك تقول في الماضي «أفرغ» فتجده على أربعة أحرف.
١٢٩ - وقوله: ﴿قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ٢٥٩] اختلف القراء فيه فحدثني أبي قال: حدثنا أبو منصور قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج عن هارون قال: في قراءة عبد الله: (قيل اعلم أن الله) على وجه الأمر، وبالجزم قرأ حمزة والكسائي. فمن قرأ بهذه القراءة ابتدأ: (اعلم) بكسر الألف لأنها ألف وصل كسرت لأن ثالث المستقبل مفتوح وهو اللام في «يعلم».
وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وأبو عمرو: (قال أعلم) بفتح الألف وقطعها لأنها ألف المخبر عن نفسه.
стр. 188
وذلك أنك تقول: «أعلم أنا غدا» فتجد الفعل يحسن بعده «أنا» وهو مستقبل وتقول في الماضي «علم» فتجده على أقل أربعة. فهذا يدلك على فتحها، وألف المخبر عن نفسه في ما لم يسم فاعله لا تكون إلا مضمومة قلت حروف الماضي أو كثرت كقولك: «أكرم، وأضرب، واستخلص».
وقوله تعالى ﴿قال أتوني﴾ [الكهف: ٩٦] اختلف الفراء فيه. فكان أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو والكسائي يقرؤون: (آتوني) بالمد، على معنى أعطوني، فعلى هذا المذهب تبتدئ (آتوني) بالمد لأنها ألف قطع، الدليل على ذلك أنك تقول «آتي يؤتي» فتجد أول المستقبل مضمومًا.
وكان عاصم والأعمش وحمزة يقرؤون: (قال ائتوني) بلا
стр. 189
مد. ففي هذا وجهان: أحدهما أن يكون من «المجيء» فتبتدئ: «ايتوني» بكسر الألف لأنها ألف وصل مبنية على ثالث المستقبل وهو التاء في «يأتي» فيكون المعنى: «ايتوني بقطر»، أي: جيئوني به، فتسقط الباء من «القطر» كما تقول: «تعلقت الخطام» بمعنى: تعلقت بالخطام، أنشد الفراء قال: أنشدني الكسائي:
تعلقت هندا ناشئا ذات مئزر ... وأنت قد فارقت لم تدر ما الحلم
أراد: تعلقت بهند فأسقط الباء، وأنشد الفراء:
نغالي اللحم للأضياف نيئا ... ونرخصه إذا نضج القدور
أراد: نغالي باللحم فأسقط الباء. وقال الله جل وعلا، وهو
стр. 190
أدق قليلا، ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم﴾ [المطففين: ٣] فمعناه: وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، فأسقط اللام، وقال أسراء: أنشدني القاسم، يعني ابن معن:
قالت حذام فأنصتوها ... فإن القول ما قالت حذام
أراد: فأنصتوا لها، فحذف اللام. قال الفراء: وأنشدني المفضل
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
أراد: إن كنت أزمعت على الفراق، فحذف «على».
وأنشد الفراء أيضًا:
وأيقنت التفرق يوم قالوا ... تقسم مال أربد بالسهام
стр. 191
أراد: بالتفرق فحذف الباء. وقال الفراء: أنشدني أبو الجراح:
لقد طرقت رحال القوم ليلى ... فأبعد دار مرتحل مزارا
أراد: فأبعد بدار مرتحل، فحذف الباء. والحجة الأخرى لمن قرأ: (قال أتوني) بالقصر أن يكون أراد «قال آتوني» بالمد فترك الهمزة الأولى فرجعت الهمزة الثانية. فعلى هذا يكون المعنى: أعطوني قطرًا. ويكون الابتداء: (آتوني) بالمد، على مذهب القراءة الأولى.
وألف الاستفهام التي تعرف بمجيء «أم» بعدها. قوله تعالى: ﴿أفترى على الله كذبا أم به جنة﴾ [سبأ: ٨] هذه ألف الاستفهام، الدليل على ذلك مجيء «أم» بعدها. وكذلك: ﴿أصطفى البنات على البنين﴾ [الصافات: ١٥٣] هذه ألف
стр. 192
الاستفهام، الدليل على ذلك قوله: ﴿أم لكم سلطان مبين﴾ [الصافات: ١٥٦]
وكذلك: «﴿اتخذتم عند الله عهدا﴾ [البقرة: ٨٠] الألف ألف استفهام، الدليل على ذلك: ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٨٠] وكذلك: ﴿أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم﴾ [المنافقون: ٦] وكذلك: ﴿أستكبرت أم كنت من العالين﴾ [ص: ٧٥] وكان الأصل في هذا «أاستكبرت، أافترى على الله، أاصطفى البنات على البنين، أاستغفرت» فحذف الألف الثانية لأنها ألف وصل.
فإن قال قائل: هلا أتوا بمدة بعد الألف فقالوا: «آفترى، آصطفى» كما قالا: ﴿آلله خير﴾ [النمل: ٥٩]، ﴿الذكرين حرم أم الأنثيين﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿الآن وقد عصيت قبل﴾ [يونس: ٩١]؟ فيقال له: كان الأصل في هذا: «أألذكرين،
стр. 193
أله خير، أالآن، فأبدلوا من الألف الثانية مدة ليفرقوا بين الاستفهام والخبر، وذلك أنهم لو قالوا: الله خير بلا مد لالتبس الاستفهام بالخبر». أنشد الفراء:
آلحق أن دار الرباب تباعدت ... أو انبت حبل أن قلبك طائر
ولم يحتاجوا إلى هذه المدة في قوله: ﴿افترى على الله﴾ [سبأ: ٨] لأن ألف الاستفهام مفتوحة، وألف الخبر مكسورة، وذلك أنك تقول في الاستفهام: «أفترى، أصطفى، أستغفرت» بفتح الألف. وتقول في الخبر: «اصطفى، افترى، استغفرت» فجعلوا الفرق بالفتح والكسر، ولم يحتاجوا إلى فرق آخر.
وقوله: ﴿من الأشرار. أتخذناهم﴾ [ص: ٦٢، ٦٣]
стр. 194
اختلف القراء فيه، فكان ابن كثير والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي يقرؤونها: (من الأشرار اتخذناهم) بإذهاب الألف في الوصل. فعلى هذا المذهب تبتدئ: (اتخذناهم) بكسر الألف لأنها مبنية على عين الفعل وهي الخاء في «يتخذ».
فإن قال قائل: إذا كانت الألف في (اتخذناهم) ألف وصل على أي شيء ترد «أم»؟ فقل: في هذا وجهان: أحدهما أن تكون «أم» مردودة على قوله: ﴿ما لنا لا نرى رجالا﴾ [ص: ٦٢]. والوجه الآخر أن تكون «أم» نفسها هي الاستفهام، ولا تكون مردودة على شيء، لأن العرب فرقت بين الاستفهام الذي سبقه كلام وبين الاستفهام الذي لم يسبقه كلام، فجعلوا للاستفهام المبتدأ: هل والألف
стр. 195
وما أشبه ذلك. وجعلوا للاستفهام المتوسط «أم» ليفرقوا بين الاستفهام المتقدم والمتوسط الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿الم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه﴾ [السجدة: ١، ٣]. أتى بـ «أم» ولم يسبقها استفهام لما وصفناه، ومن ذلك قول امرئ القيس:
تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضيرك لو تنتظر
أتى بـ «أم» ولم يسبقها استفهام، فجعلها هي الاستفهام ليفرق بين المتقدم والمتوسط، وكذلك قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا
стр. 196
قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر الشامي وعاصم: (أتخذناهم) بقطع الألف. فمن قرأ بهذه القراءة ابتدأ: (أتخذناهم) بفتح الألف لأنها ألف الاستفهام وتكون «أم» مردودة عليها، والموضع الذي تعرفها فيه تحسُن «هل» في موضعها قوله تعالى: ﴿الم. أحسب الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت: ١، ٢] هذه ألف الاستفهام لأنك لو أتيت بـ «هل» لصلح أن تقول: «الم، حل حسب الناس».
وألف ما لم يسم فاعله التي في أول الفعل قوله: ﴿وقد أخرجنا من ديارنا﴾ [البقرة: ٢٤٦] الألف في «أخرج» ما لم يسم فاعله، ووزن «أخرج» من الفعل
стр. 197
«أفعل». وكذلك: ﴿أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾ [الحشر: ٨].
وأما ألف «استفعل» فقوله: ﴿استجيب له حجتهم داحضة﴾ [الشورى: ١٦] وكذلك: ﴿استحفظوا من كتاب الله﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿استخلف الذين من قبلهم﴾ [النور: ٥٥]، ﴿استحق عليهم الأوليان﴾ [المائدة: ١٠٧] من قرأ: (استحق) ابتدأ بالضم لأنها ألف ما لم يسم فاعله، وهي ألف «استفعل». ومن قرأ: (من الذين استحق) بحذف الألف في الوصل ابتدأ: (استحق) بالكسر لأنها ألف وصل مبنية على عين الفعل وهي القاف المكسورة، وذلك أن الأصل في المستقبل «يستحق» فاستثقلوا الجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد فأسقطوا كسرة القاف الأولى بنقلها إلى الحاء، وأدغموها في القاف الثانية فصارتا قافًا مشددة، ومثل هذه المسألة قوله: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾
стр. 198
[الحج: ٥] هذه الهمزة همزة الماء، وألف (اهتزت) ساقطة في الوصل. وإذا ابتدأت (اهتزت) ابتدأت بكسر الألف لأنها مبنية على عين الفعل وهي الزاي المكسورة، وذلك أن الأصل في المستقبل «يهتزز» فأسقطت كسرة الزاي الأولى وأدغمت في الزاي الثانية فصارتا زايا مشددة.
وأما ألف «افتعل» فقوله : ﴿ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿اضطر غير باغ﴾ [البقرة: ١٧٣] كان في الأصل فيه: «اضطر» فأسقطوا حركة الراء الأولى وأدغموها في الراء الثانية وكذلك: ﴿اجتثت من فوق الأرض﴾ [إبراهيم: ٢٦] ألف (اجتثت) ألف «افتعل» كان الأصل فيها: «اجتثت» فأسقطت حركة التاء الأولى وأدغمت
стр. 199
في التاء التي بعدها فصارتا تاء مشددة. وكذلك: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣] تبتدئ: (اؤتمن) لأنها ألف «افتعل» وكان الأصل فيه: «أأتمن» فجعلت الهمزة الساكنة واوًا لانضمام ما قبلها، وأجاز الكسائي أن يبتدأ: «أأتمن» بهمزتين.
وأما ألف «انفعل» فقولك في الكلام: «انقطع بالرجل». وقد تكون في سوى هؤلاء الأمثلة الأربعة في غير القرآن، فلم نذكره إشفاقًا من الإطالة.
فإن قال قائل: لم صارت ألف ما لم يسم فاعله مضمومة؟ فقل: لأن فعل ما لم يسم فاعله يقتضي اثنين: فاعلاً ومفعولاً. وذلك أنك إذا قلت: «ضرب وشتم» كان الفعل يدل على ضارب ومضروب وشاتم ومشتوم. فضموا أوله لتكون الضمة دالة على اثنين كما قالوا: زيد حيث عمرو. فأعطوا «حيث» الضمة في كل حال لأنها تدل على محلين. وذلك أنك إذا
стр. 200
قلت: زيد حيث عمرو، فمعناه: زيد في مكان فيه عمرو. وما تضمنت معنى محلين أعطيت الضمة في كل حال. الدليل على قوله تعالى: ﴿ومن حيث خرجت﴾ [البقرة: ١٤٩] وقوله: ﴿من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢] دخل الخافض على «حيث» ولم يزل عنها ضمها للعلة التي ذكرناها. وكذلك قالوا: «نحن قمنا» فجعلوا النون في «نحن» مضمومة في كل حال لأن «نحن» تتضمن معنى التثنية والجمع. وذلك أنك تقول «نحن قمنا» مخبرًا عنك وعن آخر قام معك. وتقول نحن قمنا مخبرًا عنك وعن جمع قاموا معك. فلما تضمن معنيين أعطي الضمة.
فكذلك فعل ما لم يُسم فاعله، لما تضمن معنى الفاعل والمفعول جعل أوله مضمومًا في كل حال. فإن قال قائل: لم صار يتضمن معنيين يعطي الضم؟ فقل لأنه يقوى فيُعطى أثقل
стр. 201
الحركات. فإن قال لك قائل: زعمت أن ألف المخبر عن نفسه تعرف بأن يحسن «أنا» بعد الفعل وقد وجدنا الألف مكسورة في قوله: ﴿اصطفيتك على الناس﴾ [الأعراف: ١٤٤] و «أنا» يحسن بعده، لأنك تقول: اصطفيت أنا؟ فيقال له: إنما تعرف ألف المتكلم بأن يحسن بعد الفعل «أنا» ويكون الفعل مستقبلاً و «اصطفيتك» فعل ماض لا يصلح أن تقول فيه: اصطفيت غدا، فلما كان فعلاً ماضيًا بطل أن تكون الألف فيه ألف المخبر عن نفسه. والألف في «اصطفى» ألف وصل، وهي مكسورة لأنها مبنية على عين الفعل، وهي الفاء في «يصطفي» يُقاس على هذا كل ما يرد من ألفات الأفعال إن شاء الله.
стр. 202
باب ذكر الألفات اللاتي يكن في أوائل الأسماء
اعلم أن ألفات الأسماء تنقسم على أربعة أقسام: ألف أصل وألف قطع وألف وصل وألف الاستفهام.
فألف الأصل تعرفها بمحنتين، بأن تجدها فاء من الفعل ثابتة في التصغير، من ذلك قوله تعالى: ﴿وأخذتكم على ذلكم إصري﴾ [آل عمران: ٨١] هذه ألف أصل لأن (إصري) مثاله من الفعل «فعلي» فالألف بحذاء الفاء، وتقول في تصغيره «أصير» - كما ترى - فتجد الألف ثابتة في الصغير.
واعلم أن ألف الأصل في الأسماء تكون مضمومة ومفتوحة ومكسورة، فالمضمومة قوله تعالى: ﴿قل أذن خير لكم﴾ [التوبة: ٦١] الألف في (أذن) أصلية، لأنك تقول في مثالها «فُعُل» فالألف بحذاء الفاء، وتقول في تصغيرها
стр. 203
«أذينة» فتجد الألف ثابتة في التصغير. وكذلك: ﴿يا أخت هارون﴾ [مريم: ٢٨] الألف في (أخت) أصلية لأنها فاء من الفعل، وهي ثابتة في التصغير، ألا ترى أنك تقول في التصغير «أخية».
والمفتوحة قوله: ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ [الأعراف: ١٥٠] الألف في (أمر) أصلية لأنك تقول في مثاله «فعل» فتجد الألف بحذاء الفاء، وتقول في تصغيره «أمير» فتجد الألف ثابتة في التصغير. وكذلك: ﴿ما كان أبوك امرأ سوء﴾ [مريم: ٢٨] الألف في «الأب» ألف أصل لأنك تقول في تصغيره «أبي» وتقول في مثاله «فعيل» فالألف بحذاء الفاء.
والمكسورة قوله: ﴿وأخذتم على ذلكم إصري﴾ [آل عمران: ٨١].
والابتداء فيها بمثل الوصل، إذا وجدتها مكسورة في
стр. 204
الوصل كسرتها في الابتداء، وإذا وجدتها مضمومة في الوصل ضممتها في الابتداء، وإذا وجدتها مفتوحة في الوصل فتحتها في الابتداء.
وألف القطع في الأسماء على وجهين: أحدهما أن يكون في أوائل الأسماء المفردة. والوجه الآخر أن تكون في أوائل الجمع.
فالتي تكون في أول الأسماء المفردة تعرفها بثباتها في التصغير وبأن تمتحن الألف فلا تجدها فاء ولا عينا ولا لامًا، من ذلك قوله: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] الألف في (أحسن) ألف قطع لأنك تقول في تصغيره «أحيسن»
стр. 205
فتجد الألف ثابتة في التصغير، وتقول في مثاله من الفعل «أفعل» فتجد الألف ليست فاء ولا عينًا ولا لامًا. وكذلك: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها﴾ [النساء: ٨٦] الألف في «أحسن» ألف قطع لما ذكرنا.
فإن قال لك قائل: قد زعمت أن ألف الأصل تعرف بثباتها في التصغير، وزعمت أيضًا أن ألف القطع تعرف بثباتها في التصغير، فما الفرق بينهما؟ فقل: الفرق بينهما أن ألف الأصل فاء من الفعل وألف القطع ليست فاء ولا عينًا ولا لامًا.
وألف القطع في الجمع تعرفها بأن تجد الألف واللام يحسن
стр. 206
دخولهما عليها وتمتحنها فلا تجدها فاءً ولا عينًا ولا لامًا كقوله تعالى: ﴿وحمر مختلف ألوانها﴾ [فاطر: ٢٧] الألف في (ألوان) ألف قطع لأنك تدخل عليها الألف واللام فتقول «الألوان» ومثالها من الفعل «أفعال»، فالألف ليست فاءً ولا عينًا ولا لامًا. وكذلك: ﴿فأخرجنا به أزواجًا﴾ [طه: ٥٣] الألف في «أزواج» ألف قطع لأنك تدخل عليها الألف واللام فتقول: «الأزواج» و «أزواج» مثاله من الفعل «أفعال» فالألف ليست فاء. وكذلك: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب﴾ [النحل: ١١٦] الألف في «الألسنة» ألف قطع لأنك تدخل عليها الألف واللام فتقول: «الألسنة» وليست فاء من الفعل.
وألف الاستفهام مع الأسماء تمتحن بمثل ما امتحنت به
стр. 207
مع الأفعال.
وألفات الوصل في الأسماء تسعة: ألف ابن وابنة اثنين واثنين واثنتين وامريء وامرأة واسم واست. فهؤلاء الثمانية تكسر الألف في الابتداء فيهن وتحذف في الوصل. والتاسعة التي تدخل مع اللام للتعريف، وهي مفتوحة في الابتداء ساقطة في الوصل.
فأما الثمانية فإنك تعرفهن بالتصغير إذا وجدت الألف ثابتة في التكبير ساقطة من التصغير علمت أنها زائدة، من ذلك قوله: ﴿يا عيسى ابن مريم﴾ [المائدة: ١١٦] إذا وقفت على (عيسى) ابتدأت (ابن مريم) بكسر الألف لأنها ألف وصل. الدليل على ذلك أنها لا تثبت في التصغير. وذلك أنك تقول في التصغير «بُني» كما ترى. وكذلك: ﴿إن ابني من أهلي﴾ [هود: ٤٥]
стр. 208
إذا اضطررت إلى الوقف على (إن) ابتدأت (ابني) بكسر الألف لما ذكرنا. وكذلك: ﴿ومريم ابنت عمران﴾ [التحريم: ١٢] تبتدئ (ابنة) بكسر الألف لأنها ألف وصل، الدليل على ذلك أنك تقول في التصغير «بنية» فتجدها غير ثابتة في التصغير.
فإن قال قائل: لم صارت ألف «ابن» تبتدأ بالكسر؟ فقل: لأن أصله أمر من «بنيت» كان الأصل فيه «ابن» على وزن «اقض، ارم» ثم عربوه بتعريب الأسماء فرفعوه ونصبوه وخفضوه ونونوه، وكسروا الألف في «ابنة». لأن الأنثى مبنية على الذكر.
وتبتدئ أيضًا بالكسر قوله: ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ [المائدة: ١٢] تبتدئ (اثنى) بالكسر لأن الألف فيه ألف وصل، الدليل على ذلك أنك تقول في التصغير «ثني عشر»
стр. 209
فتجدها غير ثابتة فيه. وكذلك: ﴿حين الوصية اثنان﴾ [المائدة: ١٠٦] تبتدئ: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ بالكسر. وكذلك: ﴿فانفجرت منه اثنتا عشر عينا﴾ [البقرة: ٦٠] تبتدئ (اثنتا عشرة) بالكسر لأنك تقول في التصغير «ثنيتا عشرة» فتجد الألف غير ثابتة فيه. وكذلك: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾ [النساء: ١٧٦] تقف (كانتا) وتبتدئ (اثنتين) بكسر الألف لما ذكرنا.
فإن قال قائل: لم صارت الألف في اثنين واثنتين مكسورة؟ فقل: لأن أصله أمر من «ثنيت» كان الأصل فيه «اثن يا رجل» على وزن «اقض يا رجل، ارم يا رجل» ثم عربت بتعريب الأسماء فدخلت عليه ألف التثنية، وكسرت ألف اثنتين لأن الأنثى مبنية على الذكر
стр. 210
وتبتدئ أيضًا بالكسر قوله: ﴿إن امرؤ هلك﴾ [النساء: ١٧٦] إذا اضطررت إلى الوقف على (إن) ابتدأت (امرؤ هلك) بكسر الألف لأنك تقول في التصغير «مريء» كما ترى، فتجدها غير ثابتة فيه فيستدل بهذا على أنها ألف وصل. وكذلك: ﴿ما كان أبوك امرأ سوء﴾ [مريم: ٢٨] تبديء: (امرأ سوء) بكسر الألف لما ذكرنا. وكذلك: ﴿كل امريء بما كسب رهين﴾ [الطور: ٢١] من اضطر إلى الوقف على (كل) ابتدأ: (امرئ) بالكسر لما ذكرنا. وكذلك: ﴿إذا قالت امرأت عمران﴾ [آل عمران: ٣٥] تبتدئ: (امرأ) بكسر الألف لأنك تقول في التصغير «مريئة»، كما ترى، فتجدها غير ثابتة فيه. وكذلك: ﴿امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه﴾ [يوسف: ٣٠]، ﴿امرأة فرعون﴾
стр. 211
[القصص: ٩] تبتدئ بالكسر لما ذكرنا.
فإن قال قائل: لم صارت الألف في «امرئ» تبتدأ بالكسر؟ فقل: كان ينبغي أن تُبنى على الثالث فبطل ذلك لأن الثالث لا يثبت على إعراب واحد؛ لأنه يكون في الرفع مضمومًا وفي النصب مفتوحًا، وفي الخفض مكسورًا، كما قال جل ثناؤه في الرفع: (إن امرؤ هلك) فضم الراء. وقال في النصب: (ما كان أبوك امرأ سوء) ففتح الراء، وقال في الخفض: (كل امرئ) فكسر الراء. فلما بطل أن يبنى على الثالث شبهت بأخواتها فكسرت فيه كما كسرت في «ابن وابنة واثنين واثنتين».
وقال الكسائي والفراء: «امرؤ» معرب من مكانين: عرب من الراء والهمزة. وإنما دعاهم إلى أن يعربوه من مكانين، والإعراب الواحد يكفي من الإعرابين، أن آخره
стр. 212
همزة، والهمز قد يترك في كثير من الكلام فكرهوا أن يفتحوا الراء ويتركوا الهمز فيقولوا «امرو» فتكون الراء مفتوحة والواو ساكنة فلا تكون في الكلمة علامة للرفع فعربوه من الراء ليكونوا إذا تركوا الهمز آمنين من سقوط الإعراب من الكلمة. وقال الفراء: من العرب من يعربه من الهمزة وحدها ويدع الراء مفتوحة فيقولك «قام امرؤ، وضربت امرأ، ومررت بامرئ» وأنشد
بأبي امرؤ والشام بيني وبينه ... أتتني ببشرى برده ورسائله
وأنشد الفراء أيضًا:
أنت امرؤ من خيار الناس قد علموا ... تغطي الجزيل وتغلي الحمد بالثمن
стр. 213
وإذا أسقطت العرب الألف من «امرئ» كان لها فيه مذهبان: التعريب من مكانين، والتعريب من مكان واحد. فإذا عربوه من مكانين قالوا: «قام مرؤ، وضربت مرأ، ومررت بمرئ» وبهذه اللغة نزل القرآن، أعني بالتعريب من مكان واحد. قال الله تعالى: ﴿بين المرء وزوجه﴾ [البقرة: ١٠٢] فاجتمع أكثر القراء على فتح الميم.
١٣١ - وحدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي قال: حدثني العباس بن الفضل قال: سألت أبا عمرو عن قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال: ٢٤] فقال: أما أهل مكة فيقولون: جاءني المرء يا هذا، ومررت بالمرء
стр. 214
يا هذا، ورأيت المرأ يا هذا. قال العباس: وسألت أبا الأشهب العقيلي فقرأ: (يحول بين المرء وقلبه) بالخفض. تبتدئ أيضًا بالكسر قوله: ﴿بكلمة منه اسمه المسيح﴾ [آل عمران: ٤٥]، تبتدئ: (اسمه) بكسر الألف لأنك تقول في التصغير «سمى»، كما ترى، فلا تجد الألف ثابتة فيه.
فإن قال قائل: فلم كسرت الألف؟ فقل: لأن أصله أمر من «سميت» حذفت لامه ثم عربت بتعريب الأسماء، ومن العرب من يقول: «اسم» بضم الألف، ولا نعلم أحدًا قرأ بها. فسألت أبا العباس عن هذا فقال: من قال: «اسم» بكسر الألف أخذه من «سميت، أسمي» ومن قال: «اسم» بضم الألف أخذه من «سموت، أسمو». ومن العرب من
стр. 215
يقول في الاسم: «سم وسم» أنشد الفراء:
وعامنا أعجبنا مقدمه ... يكني أبا السمح وقرضاب سمه
مبتركًا لكل عظم يلحمه
وأنشد الفراء أيضًا:
والله أسماك سما مباركا ... آثرك الله به إيثاركا
وأنشدني أبي قال: أنشدني أبو عكرمة الضبي:
بسم الذي في كل سورة سمه ... قد وردت على طريق تعلمه
قال: ويروى «سمه» بضم السين.
فأما «است» فإن الألف فيها ألف وصل، الدليل على هذا أنك تقول في تصغيرها «ستيهة» كما ترى فتجد الألف غير ثابتة في التصغير وإنما كسرت ألفها لأنها ألحقت بسائر أخواتها.
следующие страницы →