← Фатава

Фатава · id 14260

مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

أحمد بن محمد الشنقيطي

Полный текст (312 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولم تعطهِ بكرًا فيرضى سمينةً ... فكيفَ تُجازى بالمودةِ والفضلِ ومن إطلاق العرب الفارض على ما تقادم عهدُهُ قول الراجز: يا رُبَّ ذي ضِغْنٍ علي فارضِ ... لهُ قروءٌ كقروءِ الحائضِ يعني بالضغن الفارض أنه تقادم وطالت سنُّهُ، قال بعض العلماء: ومنه قول الآخر: شَيبَ أصداغي فَرأسي أبيضُ ... محافلٌ فيها رجالٌ فُرَّضُ أي طاعنون في السِّن، والأظهر أن قول هذا الراجز: بها رجال فرض؛ أي: ضخامُ الأبدان؛ لأن العرب تطلق الفارض أيضًا على الضخم العظيم جدًا. وقوله: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ البكر هي التي لم يفتحلها الفحل لصغرها، وقال بعض العلماء: البكر التي وَلَدت مرة، ولكن المراد هنا التي لم يفتحلها الفحل لصغر سنها، والمعنى: ليست هذه البقرة التي أُمرتم بذبحها بطاعنة في السن فارض ولا بصغيرة جدًا لم يفتحلها الفحل، بل هي عوانٌ بين ذلك. والعوان النصَف؛ أي: لا طاعنة في السن ولا صغيرة جدًّا، والعوان النصَف، وأصل النّصف التي انتصف عمرها وهي

стр. 212

متوسطة في السن ليست كبيرة جدًا ولا صغيرة جدًا، وكل متوسطة في السن نصف تسميها العرب عوانًا، وهذا معنى معروف في كلام العرب ومنه قول الطرِمَّاح: قال: حَصَانُ مواضعِ النُّقبِ الأعالي ... مواعنُ بينَ أبكارٍ وعُونِ يعني بالأبكار جمع بكر، وهي الصغيرة التي لم تتزوج، والعون جمع عوان وهي النصف، والنصف التي انتصف عمرها فهي في وسط سنها ليست بكبيرة جدًا ولا بصغيرة جدًا، ومنه قول كعب بن زهير: شَدَّ النهارُ ذراعا عيطلِ نصفٍ ... قامتْ فجاوبها نُكْدٌ مثاكيلُ وفَسَّرَ بعض الأدباء في شعره النصف بالتي انتصف عمرها حيث قال: وإنْ أتوكَ وقالوا إنها نَصَفٌ ... فإن أطيبَ نصفَيها الذي ذَهَبا وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فيه سؤالٌ معروف، وهو أن (ذلك) إشارةٌ إلى مفردٍ مذكرِ كما قال في الخلاصة: بذا لمفردٍ مذكرِ أشرْ ... . . . . . و ﴿بَيْنَ﴾ لا تضاف للمفرد إلَّا إذا أُريدت أجزاؤه، والجواب: أنَّ ذلك وإنْ كان لفظه مفردًا فمعناه مثنّى؛ لأنَّ الإشارة راجعة إلى ما

стр. 213

ذكر من الفارض والبكر أي بين ذلك المذكور من فارض وبكر: لأنَّ العوان أصْغر من الفارض وأكبر من البكر، ونظير هذا من كلام العرب قول ابن الزبعرى كما تقدم: إنَّ للشَّرِّ وللخيرِ مَدىً ... وكلا ذلك وجهٌ وقَبَلْ أي: وكلا ذلك المذكور من خير وشر؛ لأن كلا لا تضاف إلا لمثنى لفظًا أو معنى وهذا معنى قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ الأصل ما تؤمرون به فحذف الباء فوصل الفعل إلى الضمير فحُذف. وهذا الذي يؤمرون به هو ذبح البقرة فيضرب القتيل ببعضها فيحيا، وهذا معنى قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ فزادوا تعنُّتًا وسؤالًا وتشديدًا فشدَّد اللهُ عليهم أيضًا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ ادع لنا ربك يُبَيِن، ﴿يُبَيِّنْ﴾ بهذه المواضع مجزومٌ بجزاء الأمر، والفعل المضارع المجزوم بجزاء الطلب يقول المحققون من علماء العربية: إنَّه مجزوم بشرط مقدر دَلَّ عليه الأمر، وتقرير المعنى: إنْ تدع لنا ربك يبين لنا ما لونها، اللون: هي إحدى الكيفيات التي يكون عليها الجِرْمُ كالسَّواد والبَياض، يعني ما اللون الذي هي متلَوِّنَةٌ به.

стр. 214

﴿قَالَ إِنَّهُ﴾؛ أي: ربكم جلَّ وعلا يقول: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾؛ أي: متلونة بلون الصُّفرة، والتحقيق أنَّ المراد بالصُّفرة هنا: الصفرة المعروفة، وما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنَّ المراد بالصفرة: السَّواد؛ مردودٌ من وجهين: أحدهما: أئه أكَّدَ الصفرة بقوله: فاقعٌ لونُها والفُقوع لا يوصف به إلّا الصفرة الخالصة تمامًا. ثانيهما: أنَّ العرب لا تطلق الصُّفرة وتُريد السَّواد إلَّا في الإبل خاصة دون غيرها كما يأتي في تفسير قوله: ﴿أنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢ - ٣٣] والجمالة جمع جمل، والمراد بالصفر هناك السود؛ لأن شَرَرَ نار الآخرة أسود، والعرب إنَّما تطلق الصفرة على السَّواد في الإبل خاصة دون غيرها من سائر الحيوانات، ومن إطلاق العرب الصفرة على سواد الإبل قول الأعشى: تلك خَيلي منهُ وتلك ركابي ... هُن صفرٌ أولادها كالزَّبيبِ يعني بقوله: (صفر) سودًا، والتحقيق أنَّ المراد بالصفرة هنا هو الصفرة المعروفة.

стр. 215

وقوله: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ هذا نعتٌ سببي، والتحقيق في إعراب ﴿لَوْنُهَا﴾ أنه فاعل لقوله: فاقعٌ، وأنَّ فاقعٌ نعتٌ سببي لقوله: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾، ولونها فاعلٌ لقوله: فاقع، وقال بعض العلماء: لونها مبتدأ مؤخر، وفاقع خبرٌ مقدم، وجملة المبتدأ والخبر في محل النعت؛ أي: بقرة صفراء لونها فاقع؛ أي: صفرتها خالصة جدًا. وقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أي يدخل السرور على من نظر إليها لكمالِ حُسنها، وذكروا في قصتها أنَّ الشمس تتوضح في جلدها لشدة حسنها، وعادةً إذا نظر الإنسان إلى شيء جميل سَرَّهُ النظر إلى ذلك الشيء الجميل، ولذا قال جلَّ وعلا: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. وقوله: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ فالسؤال الأول: عن سنها وهل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة، والسؤال الثاني: عن لونها وقد تقدم الجواب فيهما، والسؤال الثَّالث: عن صفتها هل هي مُذَلَّلَة مُرَوَّضة عاملة، أو هي صعبة غير مروضة، وهل فيها لون يخالف لون جلدها الآخر، ولذا أجابه بما يأتي: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ يعنون: هذه الأوصاف كثيرةٌ في البقر، فيكثر في البقر الصفرة والفقوع والتوسط في السِّن، فلم تتميز لنا هذه البقرة من غيرها من البقر للاشتراك في الصفات.

стр. 216

وأفرد الضمير في ﴿تَشَابَهَ﴾ وذلك يدل على أن أسماء الأجناس يجوز تذكيرها وتأنيثها، وقراءة الجمهور هنا ﴿تَشَابَهَ﴾ هو أي: البقر بصيغة الماضي وتذكير الضمير لأن البقر جنسٌ يجوز تذكيره وتأنيثه، وفي بعض القراءات: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾، وأصله تتشابه هي؛ أي: البقر فأَدغم التاء في التاء، وهذه قراءةُ شاذة، والبقر يجوز تذكيره وتأنيثه، وهو اسم جنسٍ يقال فيه باقر، وبيقور، وفيه لغاتٌ غير ذلك ومن إطلاقه على البَيْقور قول الشاعر: أجاعلٌ أنت بيقورًا مسلَّعة ... ذريعة لك بينَ اللهِ والمَطَرِ قيل سُمِّيَ البقر بقرًا لأنه يبقر الأرض يعني بحيث يشقها للحرث. وهذا معنى قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ مفعول المشيئة محذوف، وتقرير المعنى: وإنَّا لمهتدون إنْ شاء الله هدايتنا، ففصل بين اسم إن وخبرها، وحذف مفعول (إنْ شاء) لدلالة المقام عليه، وتقرير المعنى: وإنا لمهتدون إلى نفس البقرة المطلوبة إنْ شاء اللهُ هدايتنا إليها، وذكر عن ابن عباس أنَه قال: لو لم يقولوا إنْ شاء الله لما اهتدوا إليها أبدًا. ﴿قَالَ إِنَّهُ﴾ أي: ربكم جَلَّ وعلا يقول: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾

стр. 217

الذلول هي التي ذُلِّلَت بالرياضة حتى صار يعمل عليها؛ أي: يحرث عليها ويُستقى، تقول العرب مثلًا: هذه دابة ذلول بينة الذِّل بالكسر، ورجلٌ ذليل بيِّنُ الذُّل بالضم، إنَّها بقرة لا ذلول؛ أي: لم تذلل بالرياضة بلْ هي صعبة متوحِّشة. وقوله: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ يعني لم تذلل ليست بذلول مُرَوَّضة، ولا تثير الأرض أي لا يحرث عليها لأن البقر تثارُ عليها الأرض للحرث، وهذه البقرة لم تذلل بالرياضة ولم تثر أرض الحرث لصعوبتها وتوحشها، فليست مروضة يعني ليست ممَّا يحرث عليه ولا مما يُستنى عليه لسقي الزرع لأنها صعبة متوحشة، وهذا هو التحقيق أن تثير وتَسقي كلها معطوفاتٌ على النفي فهي منتفية، والمعنى لا ذلول ليست مذلَّلة مروَّضة تثير الأرض للحرث، ولا تسقي الحرث أيضًا لأنها صعبةٌ متوحشة، خلافًا لمن زعم أنَّ تثير الأرض مستأنفٌ، والذين قالوا تثير الأرض يرد قولهم أنَّه قال: لا ذلول، والمروضة للحرث ذلول. وأجاب بعضهم: أن المراد بتثير الحرث تثير الأرض؛ أي: تثيرها بشدة وطء أظلافها لنشاطها وقوتها، وهذا خلاف الظاهر بل معنى الآية أن من صفات هذه البقرة: أنها غير مروضة وغير مذللة فليست تثير الأرض لأنها لم تذلل لذلك ولا تسقي الحرث ولا

стр. 218

يُستنى عليها لأنها لم تُروَّض، ولم تذلَّل لذلك، وهذا معنى الآية. وقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أي: من جميع العيوب ليس بها عَرَجٌ ولا عَوَرٌ ولا كسر قرن، ولا أي عيب: أي: مسلمةٌ من جميع العيوب. وقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ وزن الشِّيَة علة، وأصل مادتها: وَشَى، والمعروف أن المثال -أعني: واويَّ الفاء- يَطَّردُ حذفُ فائه في المصدر إذا كان على علَةِ، وكذلك في المضارع، والأمر كما عقده في الخلاصة بقوله: فا أمرٍ أوْ مُضارع مِنْ كَوَعَدْ ... أحْذف وفي كعِدةٍ ذاك اطَّردْ فأصل الشِّيَة وشْيَة من الوَشْي، والوشيُ هو مثلًا أن يكون في الشيء لونانِ مختلفان، فكلُّ شيء فيه لونان مختلفان تقول العرب: فيه وشيٌ، وإذا كان مثلًا حمار الوحش أو الثور فيه خطوطٌ تخالف لونه في أرجله يقولون له: موشى، ومن هذا قول نابغة ذبيان: كأنَّ رحلي وقد زالَ النهارُ بنا ... بذي الجليلِ على مستأنسٍ وَحَدِ من وحشِ وجرةَ موشىًّ أكارعُهُ ... طاوي المصيرِ كسيفِ الصَّيقلِ الفَرَدِ موشى أكارعه يعني أنها فيها شيٌ؛ أي: خطوط تخالف لونه، فمعنى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾؛ أي: لا وَشْيَ للخطوط المخالفة

стр. 219

للونها، بل لونها كله أصفر فاقع على وتيرة واحدة، حتى قال بعض العلماء: إن أظلافها وقرونها صفر، وهذا معنى قوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ الألف واللام زائدتان لزومًا في ﴿الْآنَ﴾ ويعَبَّرُ عنها بالوقت الحاضر، وبعض العلماء يقول: هو مبني على الفتح لأنه خولفت به نظائره، وعلى كل حال فالمراد بالآن الوقت الحاضر، في هذا الوقت الحاضر جئتَ في صفات هذه البقرة المطلوبة بالحق، ويتعيَّن هنا حذف الصفة لأنَّه لو لم تقدَّر الصفة لكانوا كفارًا؛ لأنهم لو قالوا: لم يأت بالحق إلا في هذا الوقت -فقبل هذا الوقت لم يكن آتيًا بالحق-، كانوا مكذبين لنبي كريم، ومن كذَّب نبيًا كريمًا فهو كافر، ولذلك يتعين تقديم النعت هنا، والمعنى جئتَ بالحق الذي لا يترك في هذه البقرة لبْسًا لإيضاحها بصفاتها الكاشفة تمامًا، وتقرَّرَ في علم العربية أنَّ حذف الصفة إذا دَلَّ المقام عليه موجودٌ في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] حُذف نعتها؛ أي: كل سفينة صحيحة، إذ لو كان يأخذ المعيبة لما كان في خرق الخضر للسفينة فائدةٌ ولما قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾.

стр. 220

قال بعض العلماء: ومنه: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ [الإسراء: ٥٨] قالوا حذف وصفهُ؛ أي: وإن من قرية ظالمة بدليل قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]. ومن شواهد حذف النعت في لغة العرب قول الشاعر وهو المرقّش الأكبر: ورُبَّ أسيلةِ الخدَّينِ بكرٍ ... مُهَفْهَفَةٍ لها فرعٌ وجيدُ أي: لها فرع فاحِمْ وجيدٌ طويل، ومن هذا القبيل قول عَبيد بنِ الأبرص الأسدي: مَنْ قولُهُ قولٌ ومَنْ فعلُهُ ... فعلٌ ومَنْ نائلُهُ نائلُ يعني: مَن قولُهُ قولٌ فَصْلٌ، ومَن فعله فعل جميلٌ، ومن نائلُهُ نائلٌ جزلٌ، فحذف النعوت بدلالة المقام عليها، وهذا كثير في كلام العرب، وإنْ ذكر ابن مالك في الخلاصة أنَّ حذف النعت قليلٌ حيث قال: وما من المنعوتِ والنَّعتِ عُقِلْ ... يجوزُ حذفُهُ وفي النَّعتِ يَقِلْ وهذا معنى قوله: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: جئت في الوقت الأخير بالحق الذي لا يترك في هذه البقرة لبسًا، ولا

стр. 221

يتركها تتشابه مع غيرها من البقر لأنها بُيِّنَتْ بصفاتها الكاشفة التي تفصلها وتميزها عن غيرها. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة جواز السَّلَم في الحيوانات؛ لأنَّها تنضبط بصفاتها الكاشفة حتى تصير كالمرئية؛ لأنَّ هؤلاء الناس لا يوجد ناس أشدُّ منهم تعنتًا فاضطرتهم الصفات الكاشفة إلى أن اعترفوا بأن هذه البقرة ظهرت صفاتها، وتميَّزت عن غيرها، ويدلُّ لهذا قول النبي ﷺ : "لا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" فبيَّن ﷺ أن الصفات الكاشفة تقوم مقام النظر لأنها تُعَين الموصوف. وهذا دليلٌ واضحٌ لما ذهب إليه جمهور العلماء من السَّلَف في الحيوانات إذا بُيِّنَت صفاتها؛ لأنَّ الوصف يجعلها كالمرئية ويثبتها؛ خلافًا للإمام أبي حنيفة ﵀ الذي منع السَّلَم في الحيوانات بناءً على أنها لا تنضبط صفاتها، ومما يؤيد السلم فيها خلافًا لأبي حنيفة ﵀، ما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه استسلف بكرًا وردَّ رَباعيًا، وكما دلت عليه هذه النصوص. قال بعض العلماء: ويؤخذ من هذه القصة أيضًا جواز النسخ قبل التمكن من الفعل لأن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ نكرة

стр. 222

في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات إطلاقٌ، فلو ذبحوا أيَّ بقرة كانت لصدقت باسم تلك البقرة المطلقة ولأجزأتهم، ولمّا شدَّدوا نَسَخَ اللهُ الاكتفاء ببقرة مجرَّدة أيَّة كانت إلى بقرة موصوفة بصفاتٍ منعوتةٍ بنعوتِ كثيرة شديدة، ومن هنا قال بعض العلماء: هذه من الأدلة على النسخ قبل التمكن من الفعل، وقال بعض العلماء: هذا لا يصلح مثالًا لجواز النسخ قبل التمكن من الفعل؛ لأنَّ هذا حكم زيدت فيه صفات ولم ينسخ ذبح البقرة بالكليَّة بل بقي محكمًا، وإنما زيدت في البقرة صفات، وأجاب القائلون بأنَّه نسخ قالوا: زيادة هذه الصفات تضمَّن نسخًا في الجملة، لأن مضمون النصِّ الأول يدل على أن كل بقرة ذُبِحَتْ كائنة ما كانت ولو مجردة عن تلك الصفات لأجزأت، فوصْفُها بالصفات الجديدة نسخٌ للاكتفاء بأي بقرة كانت. وعلى كل حال فهذه مسألة أصولية هي مثلًا: هل يجوز النسخ قبل التمكن من الفعل أو لا يجوز؟ والجماهير من العلماء على أنَّه جائز وواقع، ومن أمثلته نسخ خمس وأربعين صلاة ليلة الإسراء بعد أنْ فرضت خمسين، ونُسخ منها خمس وأربعون بينما أُقرت خمسًا، ومن أمثلته قوله جل وعلا في قصة ذبح إبراهيم لولده: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]؛ لأنَّه

стр. 223

أمره أنْ يذبح ولده، ونسخ هذا الأمر قبل التمكن من الفعل، والتحقيق أنَّ هذا جائز وواقع، ولا شك أن فيه سؤالا معروفًا وهو أن يقول طالب العلم: إذا كان الحكم يشرع ويُنسخ قبل العمل فما الحكمة في تشريعه الأول إذا كان ينسخ قبل العمل به؟ فالجواب: أنَّ التحقيق أن حكمة التشريع منقسمة قسمة ثنائية فهي دائرة بين الامتثال والابتلاء، فإذا نسخ الحكم بعد العمل به فحكمته الامتثال، وقد امتُثِل، وإذا نسخ قبل العمل به فحكمة تشريعه الأول الابتلاء، وهو اختبار الخلق هل يتهيَّؤون للامتثال وقد وقع الابتلاء، وقد نص اللَّه في قصة إبراهيم على أن الحكمة في أمره بذبح ولده -مع أنَّ الله يعلم أنه لا يمكِّنُهُ من ذلك- هي الابتلاء هل يتهيَّأ ويطيع ربَّه فيذبح ثمرة قلبه كما قال جلَّ وعلا: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾؛ أي: تَلَّه للجبين لينفذ فيه الذبح حتى قال له ربه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، وقال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، ثم إنَ الله نصَّ على أنَّ الحكمة الابتلاء بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]. وقوله : ﴿فَذَبَحُوهَا﴾؛ أي: فذبحوا البقرة وضربوه بجزء منها، فحيي وأخبرهم بقاتله كما يأتي، وقوله: ﴿وَمَا كَادُوا

стр. 224

يَفْعَلُونَ﴾ يعني وما كادوا يذبحونها إلا بعد جهد جهيدٍ لِمَا جاءوا به دون ذبحها من السؤالات والتعنتات. وقول بعض العلماء: إن ﴿كَادَ﴾ إذا كانت في الإثبات دلت على النفي وإذا كانت في النفي دلت على الإثبات، وأن هذا يلغز به هو في الواقع غير صحيح، وإذا نُفيت نفيت المقاربة، يعني ما قاربوا أنْ يذبحوا يعني زمن التعنت والأسئلة حتى انقضى زمن التعنت والأسئلة في آخر الأمر ذبحوها، والقرينة على أن هذا هو المراد أنه صَرَّحَ بأنَّهم ذبحوها أي فذبحوها في الآونة الأخيرة، وما كادوا قبل ذلك يفعلون لتعنتهم وكثرة سؤالاتهم وعدم امتثالهم، وهذا معنى قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ وإذ قتلتم معطوف على قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ هو أول القصة في الوقوع ولكنه متأخر في النزول وترتيب القرآن، هذا هو الظاهر؛ أي: واذكروا إذ قتلتم نفسًا، هو القتيل المتقدم، قيل اسمه (عامي) والعرب تعبِّر عن الشخص بالنفس تقول قتل نفسًا أي شخصًا ذكرًا كان أو أنثى، والظاهر أن هذا القتيل كان ذكرًا بدليل تذكير الضمير العائد عليه في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾؛ أي: القتيل الذي فيه النِّزاع،

стр. 225

وهنا سؤال: هو أنْ يقال ما المُسَوِّغ في إسناد قَتْلِ هذا القتيل إلى جميعهم في قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾. والجواب: أن القرآن نزل بلسان عربيٍّ مبين، ومن أساليب اللغة العربية إسناد الأمر إلى جميع القبيلة إذا فعله واحد منها، ونظيره في القرآن قراءة حمزة والكسائي: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، لأنَّه ليس من المعقول أمر مَنْ قُتِلَ بالفعل أن يَقْتُلَ قاتله، ولكن إنْ قتلوا بعضكم فليقتلهم البعض الآخر، أسند الفعل إلى الجميع وهو واقع من البعض، وهذا أسلوبٌ معروفُ في لغة العرب، ومنه قول الشاعر: فإنْ تقتلونا عندَ حَرّةِ واقم ... فإنَّا على الإسلامِ أولُ من قُتِلْ ونحنُ قتلناكمْ ببدرِ أذلَّةً ... وجئنا بأسلابٍ لنا منكمُ نفلْ أي تقتلوا بعضنا. وقوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ أصله فتدارأتم فيها وهو تفاعل من الدَّرء بمعنى الدَّفع، والقاعدة المقرّرة في علم العربية أن تَفاعَل وتفعَّل. مثلًا إذا أريد فيهما الإدغام استبدلت همزة الوصل إذ لم يمكن النطق بالسّاكن؛ لأنَّ العرب لا تبدأ بالساكن.

стр. 226

أصله تدارأتم فأريد إدغام تاء التفاعل في الدّال التي هي فاءُ الكلمة، فسكن لأجل الإدغام، واستبدلت همزة الوصل توصُّلًا للنطق بالساكن، وهذا كثيرٌ في القرآن في تفاعل وتفعَّل نحو: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، أصله تثاقلتم، ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ [النمل: ٤٧]، أصله تطيَّرنا، ﴿وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ [يونس: ٢٤]، أصله تزينت إلى غير ذلك، ونظير هذا الإدغام في تفاعل ونحوها من كلام العرب قول الشاعر: تُولي الضجيعَ إذا ما التذَّها خَصِرًا ... عَذْبَ المذاقِ إذا ما اتَّابعَ القُبَلُ يعني إذا ما تتابع القبل. ومعنى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ تدارأتم من الدَّرء، والدَّرء معناه الدفع، والمعنى تدافعتم قتل القتيل؛ أي: كلٌّ منكم يَدْفع قتله عن نفسه إلى صاحبه، بأنْ يقول هؤلاء: قتلهُ هؤلاء، وهؤلاء يقولون: بل أنتم الذين قتلتموه ونحن لم نقتله، واختلاف العلماء في معنى فادَّارأتم؛ أي: تنازعتم، وقول بعضهم: فادارأتم اختلفتم، كلُّهُ عائدُ إلى ما ذكرنا. وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أنَّث الضمير لأنه راجعٌ إلى النفس من قوله: ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في النفس المقتولة كلُّكم يدفع قتلها عن نفسه إلى صاحبه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مخرجٌ

стр. 227

اسم فاعل أخرج؛ أي: مظهرٌ ما كنتم تكتمون، وما موصولة، والعائد محذوف لأنه منصوب بفعل على حدِّ قوله في الخلاصة: . . . . . . ... والحذفُ عندهم كثيرٌ مُنْجل في عائدٍ متصل إن انتصبْ ... بفعل أو وصْفٍ كمَنْ نرجو يهبْ وتقريره: والله مخرج الذي كنتم تكتمونه من أمر القتيل، وكذلك أسند الكتم هنا للجميع والكاتم هو القاتل، وقال بعض العلماء: القتلة جماعة تمالؤوا على قتله فقتلوه ليرثوه. ومعنى قوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: مخرج الذي كنتم تكتمونه، أسند الكتم إلى الكل، وأراد بعضهم سواء قلنا إنَّ القاتل واحد أو جماعة. وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي وهو أنَّ ﴿مَا﴾ مفعول به لاسم الفاعل الذي هو مخرج، والقصة التي هي هذه قصة ماضية قبل نزول الآية الكريمة لأنها واقعة في زمن موسى، فهي في وقت نزول الآية ماضية مضتْ لها أزمان كثيرة، والمقرَّر في علم العربية أن اسم الفاعل إذا لم يُحَلَّ بالألف واللام لا يعمل إلا إذا كان مقترنًا بالحال أو الاستقبال، فلا يعمل مقترنًا بالماضي، وهنا

стр. 228

عَمِلَ وهو مقترنٌ بزمن الماضي، هذا وجه السؤال. والجواب: أنَّه إنَّما أعمل اسم الفاعل في هذا المفعول لأن هذه حكاية حال ماضية في وقتها، وإنَّما حكيتْ الحال في وقتها فكأنها في وقتها؛ لأن الحكاية تحكى فيها الأحوال في حال وقتها، ونظيرُ هذا يُجاب به عن قوله جَلَّ وعلا: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] لأنها أيضًا حكايهُ حالٍ ماضيةٌ، وهي في وقتها حالية مطابقة للزمن الحالي. والآية تدل على أنَّ مَنْ فعل سوءًا وكتمه أنَّ الله يظهره، وغالبًا لا يُسِرُّ الإنسان سريرةٌ إلا ألبسَهُ الله رداءَها، وكان بعض العلماء يقول: لو عمل الإنسان الشرَّ في غاية الخفاء لابد أن يظهره الله كما يفهم من قوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ صيغة الجمع للتعظيم، والفاء عاطفة للجملة على ما قبلها، أعني: تدارأتم في القتيل فقلنا لكم اضربوه ببعض البقرة لنبين لكم الواقع، وتعرفون القاتل، وينتهي النزاع، ﴿فَقُلْنَا﴾ صيغة الجمع للتعظيم، ﴿اضْرِبُوهُ﴾؛ أي: القتيل، فالضمير راجع للقتيل المفهوم من النفس في قوله: ﴿نَفْسًا﴾ فأنَّثَ الضمير باعتباره لفظ النفس، وذكَّرهُ باعتبار معناها

стр. 229

لأن القتيل ذكر، وقد يكون الذكر يُعَبَّرُ عنه بلفظ المؤنث ليكون التأنيث مراعاةً للفظ، والتذكير مراعاةً للمعنى ومنه في كلام العرب قولُ الشاعر: أبوكَ خليفةٌ ولدَتْهُ أخرى ... وأنتَ خليفةٌ ذاكَ الكمالُ فأنَّثَ خليفة، وأطلق عليه لفظ أخرى نظرًا إلى تأنيث لفظه، مع أنه يجوز تذكيره لأنَّهُ رجل، فقلنا لهم: اضربوا القتيل ببعض هذه البقرة، فضربوه ببعضها فحيي، وهذا البعض الذي ضربوه به منها اختلف فيه المفسِّرون منهم مَنْ يقول هو لسانها، ومنهم مَنْ يقول فخذها، ومنهم مَنْ يقول عجب ذنبها، ومنهم مَنْ يقول غضروف أذنها. والحق أن هذا البعض الذي ضربوه به منها لا دليل عليه ولا جدوى في تعيينه وكثيرًا ما يولع المفسِّرون بالتعيين لأشياء لم يرد فيها دليل من كتاب ولا سنة، ولا جدوى تحت تعيينها، فيتعبون بما لا طائل تحته، كاختلافهم في خشب سفينة نوح من أي شجر هو، وكم كان عرض السفينة وطولها، وكم فيها من الطبقات، وكاختلافهم في الشجرة التي نُهِيَ عنها آدم وحواء أيُّ شجرة هي، وكاختلافهم في كلب أصحاب الكهف ما لونه هل هو أسود أو أصفر، وكثيرًا من هذه الأمور التي يختلفون فيها، ولا طائل

стр. 230

تحتها، ولا دليل عليها من كتابٍ أو سنة، وغاية ما دلَّ عليه القرآن أنهم ضربوه ببعض تلك البقرة غير معين، ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾؛ أي: ضربوه ببعضها فحيي بإذن الله فأخبرهم بقاتله ثم عاد ميتًا، ولم يرثه قاتله الذي قتله. قال بعض العلماء: ومن ذلك اليوم لم يرث قاتل عمدًا، وعامة العلماء على أن القاتل لا يرث سواء كان القتل عمدًا أو خطأً لا من المال ولا من الدية، وعن مالك بن أنس ﵀ التفصيل بين الدِّية والمال في خصوص القتل خطأ، قال: إنَّ القاتل خطأ يرث من المال، ولا يرث من الدِّية، والجمهور على خلافه، وشذَّ قوم فوَرَّثوه من المال والدية في القتل خطأً. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ يعني كما أحيا الله هذا القتيل، وهذا الجمُّ الغفير من النّاس ينظرون، كذلك الإحياء المشاهَد يحيي الله الموتى يوم القيامة، فهو دليل قرآني على البعث؛ لأنَّ مَنْ أحيا نفسًا واحدة فهو قادر على إحياء جميع النُّفوس؛ لأن ما جاز على المثل يجوز على مماثله، فاللَّه جلَّ وعلا يقول: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وهذه الآية الكريمة تؤخذ منها فوائد:

стр. 231

منها أن الخالق الفاعل كيف يشاء هو رب السماوات والأرض، وأنَّ الأسباب لا تأثير لها إلا بمشيئة الله، وأن الله يسبِّب ما شاء من الأسباب، ولو لم تكن بين السَّبَب والمسبَّب مناسبة، وهذا القتيل لو ضرب بالبقرة وهي حية لقال قائل جاهل اكتسب الحياة من حياتها، فالله -جلَّ وعَلا- أمرهم أنْ يذبحوها فتكون ميتة، وأنْ يأخذوا قطعة ميتة منها لا حياة فيها فيضربوا بها هذا القتيل فيحيا، فضربُهُ بهذه القطعة الميتة من هذه البقرة المذبوحة كان سببًا لوجود حياته، وهذا السَّبب لا مناسبة بينه وبين المسبَّب، فدلَّ على أن خالق السماوات والأرض يفعل ما يشاء كيف يشاء، ويرتِّب ما شاء من الأسباب باختياره وقدرته ومشيئته، ولو لم تكن هناك مناسبة بين السَّبَب والمسبَّب. أخذ مالك ﵀ دون عامَّة العلماء من هذه الآية حكمًا هو أنَّه يُثبت القَسامة بقول المقتول: دَمي عند فلان؛ لأنَّ هذا المقتول لما حيي أخبرهم أن قاتله فلان، وأنَّهم عملوا بقوله، قال مالك: فعملهم بقوله الذي دلَّ عليه القرآن دليلٌ على أنَّ مَنْ قال قتلني فلان أنَّه يعمل بقوله، ومن هنا جَعَلَ قول المقتول إذا أُدرك وبه رَمَقٌ وقيل له مَنْ ضربك؟ فقال لهم: قتلني فلان، أو دمي عند فلان، فهذا لوث عند مالك تُحلف معه أيمان القسامة، ويستحق

стр. 232

به الدَّم أو الدية على التفصيل المعروف فيما يستحق به القسامة من عمد أو خطأ. وخالف مالكًا في هذا الفرع عامَّةُ العلماء، فقالوا: قول القتيل دمي عند فلان لا يمكن أن يُسوِّغ القسامة؛ لأنَّه لو قال: لي درهم على فلان، أو أطالب فلانًا بكذا لا يثبت بذلك شيءٌ فكيف يثبت به القَتْل والدَّم المعصوم، ومالك استدل بهذه القصة، واستدل أيضًا بأن الإنسان إذا كان في آخر عَهْد من الدُّنيا زال غرضه من الكذب، وصار منتقلًا إلى دار الآخرة، وصارت الدَّواعي إلى الكذب بعيدة جدًا في حقه، فالذي يغلب على الظن أنَّه لا يخبر إلا بواقع. وأجاب الجمهور عن هذه القصة قالوا: لا يُقاس عليها غيرها؛ لأنَ هذا قتيل أحياهُ الله معجزةً لنبي أخبرهم مثلًا أنه يحييه، وأنَّه يخبرهم بمن قتله، وهذا الإخبار مستندٌ إلى دليل قطعي، فليس كإخبار قتيل آخر، وأجاب ابن العربي في أحكامه عن هذا قال: المعجزة إنما هي في إحياء القتيل أمّا كلام القتيل، فهو كسائر كلام الناس يجوز في حقه أنْ يكون حقًا، وأنْ يكون كذبًا، وعلى كل حال فهذا الفرع خالف فيه مالكًا جمهورُ العلماء.

стр. 233

وقوله جل وعلا: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ فيه دليل على أنَّ قصَّة إحياء هذا القتيل من الأدلة على البعث، وقد بينا فيما مضى خمسة أمثله منها في هذه السُّورة الكريمة. وقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يريكم مضارعُ أرى أصلها يُرْئيكم آياته؛ أي: يبينها لكم حتى ترونها. ﴿آيَاتِهِ﴾: الآية تطلق في اللغة إطلاقين، وتطلق في القرآن إطلاقين، وجمهور علماء العربية أنَّ أصل وزن الآية أيية فهي وَزْنُها فَعَلَة فاؤها همزة، وعينها ياء، ولامها ياء، اجتمع فيها موجبًا إعلال على القاعدة المقرَّرة في التَّصريف التي عقدها في الخلاصة بقوله: من واوٍ أو ياءٍ بتحريكٍ أصلْ ... ألفًا ابْدلْ بعد فتحٍ متَّصِلْ والأصل المشهور أنْ يكون الإعلال في الأخير، فالجاري على القياس أنْ يُقال: أياه، فتبدل الياء الأخيرِة ألفًا إلا أنّه أبدلت هنا الياء الأولى. وإعلال الأول من الحرفين اللذين اجتمعا فيهما موجبا إعلال موجود في القرآن، وفي كلام العَرَب كآية وغاية، والآية تطلق في لغة العرب إطلاقين؛ تطلق الآية على العلامة، وهذا إطلاقها المشهور، ومنه قول نابغة ذبيان:

стр. 234

توهَّمتُ آياتٍ لها فعرفتُها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ ثمَّ صَرَّحَ بأنَّ مراده بالآيات علامات الدَّار بقوله: رمادٌ ككُحلِ العينِ لَأْيًا أبينُهُ ... ونؤيٌ كجذمِ الحوضِ أثلمُ خاشعُ ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾؛ أي: علامة مُلْكِهِ ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. وتطلق الآية على الجماعة، تقول العرب: جاء القوم بآيتهم أي بجماعتهم، ومنه قول البرج بن مُسَهَّر: خرجنا من النِّقبين لا حيَّ مثلنا ... بآيتنا نُزجي اللِّقاحَ المطافِلا والآية تطلق في القرآن إطلاقين: آية كونية قدرية كقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وهذه الآية الكونية القدرية من الآية بمعنى العلامة بالاتفاق؛ أي: لعلامات على كمال قدرة مَن وضعها، وأنَّه الربُّ وحده المعبودُ وحده، وتطلق الآية في القرآن بمعناها الشرعي الدِّيني كقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الطلاق: ١١]؛ أي: آياته الدِّينية الشرعية، والآية الدِّينية الشرعية قيل من العلامة؛ لأنَّها علامات على صدق من جاء بها بما فيها من الإعجاز، ولأن لها مبادئ ومقاطع علامات على انتهاء هذه الآية وابتداء

стр. 235

الأخرى، وقال بعض العلماء: هي من الآية بمعنى الجماعة، لأنَّ الآية كأنَّها نبذة وجماعة من كلمات القرآن تتضمن بعض ما في القرآن من الإعجاز، والأحكام، والعقائد، والحلال، والحرام، وعلى هذا ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يعني: يجعلكم ترونها واضحة؛ أي: علامات واضحة على كمال قدرته، وإحيائه للموتى، وأنه يبعث الناس بعد أنْ يموتوا. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني لأجل أنْ تدركوا بعقولكم أنه جلَّ وعلا يُحيي النَّاسَ بعد الموت، ويبعثهم من قبورهم، وأنَّه القادر على كل شيء، وأنَّه المعبود وحده، وتعقلون: معناه: تدركون بعقولكم. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قال بعض العلماء: ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ للاستبعاد؛ لأنَّ هذا الذي نظروه من آيات الله وعبره، وإحيائه للقتيل سببٌ عظيمٌ لإحياء القلوب، فقسوة القلوب بعد المشاهدة من الأمر المستبعَد، ولذا قال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الأمر الذي عاينتموه، وهو إحياء القتيل الذي هو أعظمُ سببٍ

стр. 236

للين القلوب، فثُم هنا للاستبعاد كما قاله بعض العلماء، ونظيره من إتيان ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعاد قوله تعالى في أول سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ لأن مَنْ خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور يُستبعَد جدًّا أنْ يُجعَل له عديلٌ ونظير. ونظير ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعاد من كلام العرب قولُ الشاعر: ولا يكشفُ الغمَّاءَ إلا ابنُ حُرَّةٍ ... يرى غمراتِ الموتِ ثم يَزُورها لأنَّ مَنْ رأى غمرات الموت تُستبعد منه زيارتها. والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ عائدة إلى ما ذكر من إحياء القتيل لمَّا ضُرب بالجزء من البقرة الميتة، ومعنى قسوة القلوب: شِدَّتها وصلابتها حتى لا يدخلها خير؛ لأن الشيءَ القاسي ليس بقابلٍ لدخول شيء فيه، فقلوبهم صلبة شديدة نابية عن الخير لا يدخلها وعظ ولا ينجح فيها خير، والسَّبب الذي قست به قلوبُهُم نَهَى الله عن ارتكابه المسلمين في قوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].

стр. 237

وقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾؛ أي: في شدَّة القسوة والصلابة، فكما أنك لو أردت أن تدخل ماءً أو دهنًا في جوف حجر صلب أصم لا يمكن لك ذلك، أي: لا يمكن أنْ تدخل في قلوبهم خيرًا، ولا موعظة، ولا شيئًا ينفعهم لقساوتها عياذًا بالله. وقوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ أو أشد: مرفوعٌ عطفًا على الكاف من قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ أي: فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة؛ لأن الكاف بمعنى مثل، وقيل عطف على محلِّ الجار والمجرور لأنَّه محل رفع خبر مبتدأ؛ أي: فهي كالحجارة أو فهي أشد قسوة، وقسوة تمييز محوَّل عن الفاعل؛ لأنَّه بعد صيغة التفضيل على حدِّ قوله في الخلاصة: والفاعلَ المعنى انصبنْ بأَفعلا ... مفضلًا كانتَ أعلى منزلًا لأنَّ قسوةً تمييز فاعل في المعنى، فنصب بأفعل مفضَّلا تمييزًا محوَّلًا عن الفاعل. ثم الله جلَّ وعلا بَيَّنَ أنَّ قلوبهم أشد قسوةً من الحجارة قال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ يعني: أنَّ بعض الحجارة ربما لانَ: بعضها يتفجَّر منه الماء، وبعضها ربما لانَ فتشقق فخرج منه الماء، وقلوبهم لا تلين ولا ينفجر منها خير لا قليل ولا كثير.

стр. 238

وفي هذه الآية الكريمة سؤالٌ معروفُ وهو أنْ يقول طالب العلم: ما معنى ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، والمخبر بهذا الكلام جلَّ وعَلا يستحيل في حقِّهِ الشك، فما معنى ﴿أَو﴾ في قوله: كالحجارة أو أشد قسوة؟. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفةٌ أظهرها أنَّ "أوْ" للتنويع، و"أوْ" التي هي للتَّنويع تدلُّ على نوع، والمعنى أن منهم نوعًا قلوبهم كالحجارة، وهنالك نوع آخر دَلَّت عليه "أوْ" التَّنويعية أقسى قلوبًا من هؤلاء. قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ كان النبي ﷺ حريصًا على إيمان اليهود وغيرهم من أهل الكتاب؛ لأنَّ عندهم علمًا من الكتب السَّماوية المتقدِّمة، ولو آمنوا لكان ذلك داعيًا إلى إيمان غيرهم لما عندهم من العلم فقنَّطه الله في هذه الآية الكريمة من إيمان اليهود، وأنكر عليه أنْ يعلِّقَ طَمَعَهُ بشيء لا مَطْمَع فيه قال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي أتعلِّقون الطمع بما لا طمع فيه، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أَنْ يتَّصفوا بالإيمان لكم؛ أي: لأجل دعوتكم وطلبكم منهم الإيمان، والعادة في القرآن أن الإيمان إذا كان تصديقًا بالله جلَّ وعلا عُدِّيَ بالباء، فنقول: يؤمنون بالله،

стр. 239

آمنت بالله، وإذا كان تصديقًا للبشر عُدِّيَ باللَّام، وهذا معروفٌ من استقراء القرآن كقوله هنا: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾؛ أي: يصدقوكم، ويتبعوكم في هذا الدين الحنيف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أي: بمصدِّقنا في أن يوسف أكله الذئب: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وجمَعَ المثالين قوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]، والمعنى أنَّ الله أنكر عليهم الطَّمع بإيمانهم؛ لأنَّهم لا مطمع في إيمانهم، ثم بيَّن صعوبة الإيمان عليهم وبُعدَهُم منه، قال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني أتطمعون بإيمان قوم هم بهذه المثابة من العناد، واللَّجاج، وعدم امتثال الأوامر، والحال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الفريق: الطائفة من الناس، ويجوز انقسام النَّاس إلى جماعات متعدِّدَة، ولا يلزم أنْ يكونوا فريقين فقط، بل يجوز أنْ يكونوا فريقين أو أكثر، ومن هذا المعنى قول نُصيب: وقال فريقُ القومِ لا وفريقُهُمْ ... نعمْ وفريقٌ قالَ ويحكَ لا نَدْري اختلف العلماء في المراد بهذا الفريق الذين سمعوا كلام الله،

стр. 240

وحرَّفوه بعدما عقلوه، قال جماعة: هذا الفريق هم علماؤهم، ومعنى يسمعون كلام الله: يسمعون كلام الله يُتلى في كتابه التوراة، ويفهمونه، ثُم يُحَرِّفونه من بعد ما عقلوه، أي: من بعد ما أدركوه بعقولهم، فيجدون فيه من صفات النبي ﷺ أبيض فيحرِّفونها إلى أسمر، ويجدون من صفاته رَبْعة فيحرِّفونها إلى أنَّه طويل مشذّب، ونحو ذلك من تغيير الصفات. وعلى هذا الوجه فالفريق الذين يسمعون كلام الله هم العلماء؛ يسمعون كتاب الله التوراةَ يُتلى: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ يعني: يبدلونه ويُحَرِّفونه، ويجعلون فيه ما ليس فيه؛ لأنَهم يحلُّون حرامه، ويُحرِّمون حلاله، ويُغيِّرون فيه صفات النبي ﷺ ، وينكرون بعض آياته كآية الرجم وما جرى مجرى ذلك من التحريف، وعلى هذا القول فالفريق: العلماء منهم بالتوراة، وتحريفهم له معروف. فإذا كان خيارهم وعلماؤهم يعقلون عن الله كلامَهُ في كتابه ثم يُغيرونه، ويُحرِّفونه، ويحملونه على غير محمله فما بالكم تطمعون في أنَّ مثل هؤلاء يؤمنون لكم ويهتدون إلى خير. الوجه الثَّاني: أن هذا الفريق هم السَّبعون الذين اختارهم موسى؛

стр. 241

المذكورون في سورة الأعراف في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ومَنْ قال هذا القول قال: إنَّهم لَمَّا خرجوا مع موسى للميقات، سألوه أنْ يسأل الله أنْ يُسمعهم كلامه، فسأل لهم نبيهم ذلك، وأنَّه أمرهم أنْ يصوموا. ولمَّا أراد الله أن يكلِّم موسى، وألقى عليه الضَّباب سمعوا كلام الله يأمر موسى وينهاه، فبعد أنْ سمعوا كلام الله وعقلوه حَرَّفوه، قالوا: سمعناه يقول في آخر الكلام: إنْ شئتم فافعلوا، وإنْ شئتم لا تفعلوا، فإذا كانوا يسمعون من الله كلامه، هذه السَّبعون المختارة منهم تسمع كلام الله وتُحَرِّفه وتُغَيِّره، فما بالكم تطمعون في إيمان مَنْ هذه صفتُهم، هذان الوجهان في قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وبيَّنا مرارًا أنَّ همزة الاستفهام الإنكاري إذا جاء بعدها حرفُ عطف (كالفاء) كما في قوله هنا: أفتطمعون، و (الواو)، أو (ثمَّ)، أن فيها للعلماء وجهين معروفين: أحدهما: أنَّ همزة الاستفهام تتعلق بمحذوف دلَّ المقامُ عليه، والفاء تعطف الجملة التي بعدها على الجملة المحذوفة التي دلَّ المقام عليها، والمعنى: أتطمعون فيما لا طمع فيه، فتطمعون أنْ

стр. 242

يؤمنوا لكم ونحو هذا، أو ألا تعرفون الحقائق فتطمعون بما لا طمع فيه، والأحوال متقاربة، وإلى هذا الوجه مَيْلُ ابنِ مالكٍ في الخلاصة في قوله: وَحَذْفَ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنا استبِحْ ... وعطفُكَ الفعلَ على الفعلِ يصحْ الوجه الثاني: أنَّ همزة الاستفهام مزحلقةٌ عن محلِّها، وأنَّها متأخرةٌ بعد الفاء إلا أنَّها قُدِّمت عن محلِّها؛ لأن للاستفهام صدر الكلام، وعلى هذا فالمعنى: فأتطمعون، فتكون الجملة معطوفة بالفاء على ما قبلها كأن المعنى: فأعطف على ذلك إنكار طمعكم في ما لا طمع فيه فيكون المعنى: فأتطمعون أنْ يؤمنوا لكم، والحال قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه، التَّحريف يعني: وضعُ الشَيء في غير موضعه يسبقه أنْ يبدلوه بما ليس منه، وأنْ يُغَيِّروه، وأنْ يحملوه على غير محمله إلى غير ذلك من أنواع التَّحريف. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾؛ أي: أدركوه بعقولهم، العَرَب تقول: عقلتُ الأمر أعقله إذا أدركتُهُ بعقلي، والعقل: نورٌ روحاني تُدرك به النفس العلوم الضَّرورية والنظرية، ومحلُّهُ القلب كما نَصَّ عليه الكتاب والسُّنة لا الدِّماغ كما يزعمه الفلاسفة، وبحوث العقل بحوث فلسفية لا طائل تحتها، فللفلاسفة في

стр. 243

بحث العقل ما يزيد على مائة طريق من جهة البحث في العقل هل هو جوهرٌ أو عرضٌ، والكلام على العقول العشرة، والعقل الفَيَّاض كله بحثٌ فلسفي لا طائل تحته. وإنما قال : ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: تدركون بعقولكم؛ لأن العقل نورٌ روحاني تُدْرِكُ به النَّفسُ العلومَ الضَّرورية والنَّظرية، ودلَّ القرآن على أنَّ محله القلب لا الدِّماغ لأن الله يقول: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، ولم يقل: أدمغة يعقلون بها، ويقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، ولم يقل: لمن كان له دماغ، وفي الحديث الصَّحيح عن النبي ﷺ : "إن في الجَسَدِ مضغة إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فَسَدَت فَسد الجسدُ كُلُّهُ، ألا وهي القلب"، ولم يقل: ألا وهي الدِّماغ. وجَمَعَ بعض العلماء بين قول أهل السُّنة وقول الفلاسفة بأنْ قال: إنَّ أصل العقل في القلب كما في الكتاب والسُّنة إلا أن نورَهُ يتَّصل شُعاعُهُ بالدِّماغ، واستدلوا على هذا بدليل استقرائيِّ عاديِّ، قالوا: في العادة المطّردة والاستقراء أنَّك لا تجد رجلا طويلَ العُنُقِ طولًا مفرطًا إلا كان في عقله بعضُ الدَّخَن لبعد ما بين طرفي شعاع نور عقله.

стр. 244

والتحقيق أن العقل في القلب كما دَلَّ عليه الوحي، واستدلوا بأن كلَّ ما يؤثِّر على الدّماغ يُؤثّر على العقل، وهذا لا دليل فيه لإمكان أنْ يكون العقل في القلب كما هو الحق، وسلامتُهُ مشروطة بسلامة الدِّماغ، وهذا لا إشكال فيه، والعقل الصَّحيح هو الذي يعقلُ صاحبَهُ عن الوقوع فيما لا ينبغي، كما قال جلَّ وعلا عن الكفّار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] أمّا العقل الذي لا يزجر عما لا ينبغي فهو عقلٌ دنيويٌّ يعيش به صاحبه، وليس هو العقل بمعنى الكلمة. وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جملة حالية يعني أنَّهم سمعوا كلام الله، وحرَّفوه بعد أنْ أدركوه بعقولهم وفهموه، والحال أنَّهم يعلمون أنَّهم حرَّفوه، وافتروا على الله (١). . . . فمن كان بهذه المثابة لا يطمع أحد في إيمانه. ثم إنَّ الله جلَّ وعلا ذكر طائفةً أخرى من اليهود هم منافقون في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٦ - ٧٧]

стр. 245

إذا: ظرف في معنى الشَّرط، العامل فيه دائمًا جزاءُ الشرط لا فعلُ الشَّرط، وهو من الأسماء الملازمة للإضافة إلى الجمل؛ إلى جمل الأفعال خاصَّة كما قال في الخلاصة: وألزموا إذا إضافةَ إلى ... جُمَلِ الأفعالِ كهنْ إذا اعتلى و ﴿لَقُوا﴾ أصله: لقيوا فَعِلوا، والقاعدة المقرَّرة في التصريف: أن كلَّ فعل ناقص أعني معتلَّ اللَّام سواء كان واويَّ اللَّام أو يائيَّ اللَّام، إذا أُسنِد إلى واو الجماعةِ أو ياء المؤنَّثة المخاطبة، وجب حذفُ لامه المعتلَّة بقياس مطَّرد، فحُذفتْ هذه الياء التي هي لام الكلمة، وأُبدلت كسرةُ القاف ضمَّةً لمجانسةِ الواو، فأصله: لقيوا على وزن فَعِلوا، ووزنه الحالي: ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ فَعُوا؛ لأنَ الياء التي في موضع اللَّام حذفت لإسناد الفعل النَّاقص إلى واو الجماعة كما هو مقرَّرٌ في التّصريف. و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في محل نصب مفعول به لقوا، والمعنى أنَّ هؤلاء الطائفة من المنافقين إذا اجتمعوا بالمؤمنين -النبيِّ ﷺ وأصحابه- قالوا آمنا أي ذكروا لهم أنَّهم آمنوا نفاقًا، وبينوا لهم أنَّ النبيَّ المنتظر والمبشر به أنَّ صفاته في كتبهم منطبقة على هذا النبي الكريم ﷺ هذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.

стр. 246

﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يعني: إذا رجعوا إلى أصحابهم وكان الموضع خاليًا من المؤمنين بأنْ كان الموجود فيه هم فيما بينهم ﴿قَالُوا﴾ يعني أصحابهم الذين لم ينافقوا منكرين على المنافقين، وموبِّخين لهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾؛ أي: أتحدِّثون المؤمنين النبي ﷺ وأصحابه ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني بما فَتَحَ عليكم علمه في التَّوراة بأن هذا هو النبي المنتظر، وأنَّ هذه صفاته، وأنَّها منطبقة، وأنَّه هو لا شك فيه، وأنكم مؤمنون به لما علمتم أنَّه هو النبي الموعودُ به المنتظر. ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾ بهذا الإقرار ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أنَّكم أقررتم بأنكم تعرفون أنَّه الحقُّ، وأن صفاته منطبقة على صفات النبي المنتظر، فإنَّ هذا يحاجونكم به يوم القيامة، أنكم عرفتم الحقَّ وتركتموه، وهذا يدلُّ على أنَّهم في غاية الجهل، لأنهم لو كتموا أليس اللهُ عالمًا بما في ضمائرهم، وما الفرق بين ما لو أقرُّوا بأنَّهم عرفوا الحقَّ وكتموه، أو كتموه ولم يقولوا، ولذا وبَّخهم اللهُ بقوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. أيقولون مثلَ هذا ولا يعلمون أنَّ الله يعلم ما يُسرونَ وما يعلنون، يُسرُّون: فعل مضارع من الإسرار، ويعلنون: المضارع من الإعلان، والفعل إذا كان ماضيه على وزن أفعل تحذف همزته

стр. 247

في المضارع، واسم الفاعل، واسم المفعول بقياس مطَّردٍ، فالأصل يؤسرون ويؤعلنون إلَّا أنَّ حذف همزة أفعل مطَّردٌ في المضارع، واسم الفاعل، واسم المفعول كما عَقَدَهُ في الخلاصة بقوله: وحَذْفُ هَمْزِ أَفعلَ استمرَّ في ... مضارعٍ وبنْيتي مُتَّصفِ والمعنى أن إسرارهم وإعلانهم عند الله جلَّ وعلا سواءٌ؛ لأنَّ الله يعلم السِّرَّ وأخفى، والسرُّ عنده علانية ويعلم ما تخفيه الضَّمائر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وعلى هذا الذي قرَّرنا فمعنى ﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني عَلَّمكم إيَّاه وأزال عنكم الحجاب دونه من العلم مما في التوراة. وقوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ أصله: ليحاجِجُوكم (يفاعلون) من المُحاجَجَة: يقتضي الطرفين، والحجة كلُّ ما أدلى به الخصم باطلًا كان أو حقا، بدليل قوله: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦]. وقال بعض العلماء: المراد بالفتح في هذه الآية الحكمُ، وذلك أنَّ النبي ﷺ لمَّا قال لهم يوم خيبر (١) ذكرَ لهم القردة، قال

стр. 248

بعضهم: ما علموا أن أوائلكم وقع فيهم المسخ إلا منكم بعضكم أخبرهم بهذا، وعلى هذا فالمراد ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ما حكَمَ اللهُ عليكم به من المسخ، والعرب تطلق الفتح على الحكم، وقد جاء في القرآن العظيم، ومنه على التحقيق: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، يعني إنْ تطلبوا الحكم من الله على الظالم بالهلاك: فقد جاءكم ذلك، وهلك الظالم أبو جهل وأصحابه. ومن هذا المعنى قول الله جلَّ وعَلا حاكيًا عن شعيب: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ أي: احكم بيننا بالحق، وأنت خير الحاكمين، وهذه لغة حِمْيَرِيَّة يُسمُّون الحاكمَ فَتَّاحًا والحكمَ فُتاحة، ومن هذا المعنى قول الشاعر: ألا أبلغْ بني عمرو رسولًا ... بأنِّي عن فُتاحَتِكُمْ غنيُّ أي: عن حكمكم غني، وهذا قيل به في الآية، ولكنَّه قولٌ مرجوحٌ غير ظاهر؛ والتحقيق إنْ شاء الله هو الأول، ثم إنَّهم قالوا لهم: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أتقولون قول مَنْ لا يعقل، فلا تعقلون أنَّه لا ينبغي لكم أنْ تخبروهم وتحدِّثوهم بما فتح الله عليكم من

стр. 249

علم التوراة، ممَّا خَفِي عليهم ليكون حجةً لهم عليكم عند الله يوم القيامة أنَّكم أقررتم بأنَّهم على حق وخالفتموهم ولم تتبعوهم. ثم إن الله ذكر طائفةً ثالثةً، وهي الطائفة الجاهلة التي لا تدري، وإنما تسمع كلامًا فتقلد فيه تقليد الأعمى، قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ الأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، أي: طائفة جاهلية لا يكتبون الكتب، ولا يقرأون ما في الكتب لا يعلمون الكتاب الذي هو التَّوراة ولا غيره من الكتب. وقوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ فيه وجهان معلومان عند أهل التفسير؛ أحدهما: تبعدُهُ قرينةٌ في نفس الآية، أمَّا القولان المعروفان أنَّ المراد بالأماني هنا: جمعُ أمنية بمعنى القراءة، والعرب تطلق الأمنية على القراءة، وهو معنى معروفٌ في كلام العرب، تقول العرب: تمنَّى إذا قرأ، ومنه قول حسَّان: تمنَّى كتابَ اللَّهِ آخرَ ليلهِ ... تَمَنَّيَ داودَ الزَّبورَ على رسْلِ وقول كعب بن مالك أو حَسَّان: تمنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ ليلةٍ ... وآخرَها لاقى حِمامَ المقادرِ فمعنى تمنَّى قرأ، وعلى هذا فالاستثناء متصلٌ، وتقرير المعنى: لا يعلمون من الكتاب إلا قراءةَ ألفاظٍ ليس معها تفهُّمٌ وتدبُّرٌ لما

стр. 250

تحويه الألفاظ من المعاني، ومَنْ لم يكن عنده من علم الكتاب إلا قراءة الألفاظ، لا يفهم ما تحتها من المعاني فهو جاهلٌ لا علم عنده، هذا وجهٌ في الآية وهو الذي قلنا إن في الآية قرينةً تبعده؛ لأنَّ هذا يدل على أنَّهم يقرأون التوراة قراءةَ ألفاظ لا يعلمون ما تحتها من المعاني والعبر، وقوله في أوّل الآية: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ يدلُّ على أنَّهم لا يقرأون فكأن حَمْل التمني على القراءة فيه شِبْهُ تناقض مع قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾. الوجه الثاني في الآية: أنَّ الاستثناء منقطعٌ، وأن الأماني جمعُ أمنية، وهي الأمنية المعروفة وهي أنْ يتمنَّى الإنسان حصولَ ما ليس بحاصل، وعلى هذا القول فتقريرُ المعنى: لا يعلمون الكتاب، لكنْ يتمنَّونَ أمانيَ باطلةً صادرةً عن جَهْل لا مبدأ لها من علم بأنْ يقولوا: ما عليه محمدٌ وأصحابه ليس بحق، ونحن أبناء الله وأحبَّاؤه، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، والدَّليل على أنَّ هذا من أمانيهم الباطلة وأن خير ما يفسَّر به القرآنُ القرآنُ قولُهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١]، فصَرَّح جلَّ وعلا بأن أمانيَّهم، من هذا القبيل، كما قال جلَّ وعلا: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ
следующие страницы →