من هذه الأخلاق التي يجب أن نتخلص منها أننا لا نعرف التعاون ولا نقدر أن نعمل مجتمعين. فالفرد منا عامل منتج، ولكن الجماعة عاجزة عقيمة، ومن نظر إلى انتشار الشركات في الغرب على اختلاف أنواعها، والجمعيات على تنوع غاياتها، والأحزاب والنوادي، ورأى ما عندنا من ذلك رأى أنه ليس إلى المفاضلة من سبيل ... وعلة ذلك (الأنانية) المفرطة، والأثرة الجامحة، وحب الذات الطاغي، فالرجل منا يريد أن يكون هو كل شيء في الجمعية أو الشركة، رئيسها إن كان لها رئيس، أو ناموسها (سكرتيرها) إن لم يكن رئيس، وعضو الإدارة إن كان مجلس إدارة، وأن يكون له الرأي إن أخذت الآراء ... بل إنا نرى كلاما يعطل أعمال الآخرين ويبطلها، ويعمل على هدمها، بينما نراه مؤمناً بلزومها، معتقداً بالحاجة إليها، ساعياً إلى القيام بمثلها، فهو يعرف الحاجة إلى ناد أدبي ولكنه يحارب النادي لأنك أنشأته أنت؛ وهو يعلم الحاجة إلى مدرسة دينية ويدعو إليها، ولكنه إذا رآها قد فتحت ونالت قسطاً من النجاح أصلاها حرباً حامية، وجعل أكبر همه هدمها وتخريبها. ذلك إن دعوته الأولى لم تكن عن إخلاص ولم يكن يريد بها وجه الله والمصلحة، ولكنه يريد الفخر والشهرة والنفع واللذة، فلما رآك أنت السابق إليها والذاهب بفخرها، خان المصلحة وعصى الله ليرضي أثرته ويستجيب لأنانيته ... وهو شاعر بالحاجة إلى جمعية خيرية يسعى إلى تأليفها بحماسة وجد ودأب قد ملأت فكرتها نفسه وحياته فهو لا يتحدث إلا بحديثها، ولا يشتغل إلا لتأسيسها، فإذا تم له الفلاح بعد التعب والكفاح وقامت الجمعية ولم يكن هو الرئيس أو هو الناموس انفصل عنها وحاربها حرباً لا هوادة فيها وسعى إلى هدم ما بناه بيده ...
هذا داء من أشد أدوائنا الخلقية، إن لم نعالجه فشت جرثومته في جسم الأمة، فشلّت أعضاءها وعطلت أعمالها:
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟
وأين هو الإخلاص، وأين هو الصدق، فيمن يدعو إلى الخير أو الدين
стр. 107
أو الفضيلة، وغايته استغلال الدين والخير والفضيلة لمصلحة نفسه وإطاعة هواه؟.
...
ومن هذه الأخلاق أننا لا نعرف قيمة الوقت، وأنا نضيع أوقاتنا سدى، ونذهب أعمارنا عبثاً لا نعرف لها قيمة وهي أثمن ما نملك. وإذا كان فينا من يحسن الاستفادة من وقته، وينفقه في علم أو أدب أو شيء مما ينفع الناس، لم يعدم من الثقلاء من يضيع عليه وقته، ويسرق عمره ولا يتوهم أنه أساء، وما أظن أن في القراء من لا يذكر حادثة في هذا الباب ... كنت ذاهباً إلى المدرسة ذات مرة، وكان عليّ محاضرة لم يبق دون موعدها إلا مسافة الطريق، وكنت مسرعاً لا أكاد أبصر طريقي فاعترضني رجل كبير كان ناظر المدرسة الثانوية التي كنت فيها وله في البلد حرمة ومقام، فأقبلت عليه أحييه وأفهمته برفق أن عليّ محاضرة قد حان موعدها فقال: طيب ... لحظة. وانطلق يتكلم، فلا والله ما سكت إلا بعد ما مضت نصف ساعة ألقى هو فيها المحاضرة عليّ، وأنا أتململ وأتحرك ويربدّ وجهي وأحس النار تشتعل في عروقي. فلما انتهى قال:
- أظن أننا وقفناك ... عدم المؤاخذة!.
...
هذه علة أخرى من عللنا الأخلاقية ... لا شك في أنها من أشدها وأدواها لأن حفظ الوقت آكد وسيلة إلى النجاح، وخير طريقة لرفعة الفرد والمجموع. أذكر أن الدكتور نمر تحدث إلى قراء المقتطف في العدد الخاص بعيد المقتطف بين لهم أن أثمن ما استفاده من الأمريكان في كليتهم هو تقدير الوقت، وأن ذلك هو الذي أعانه وزميله الدكتور صروف على النجاح وأتاح لهما تحقيق هذا المشروع العظيم، والأمريكان خاصة والغربيون على التعميم يعرفون كيف يستفيدون من أوقاتهم، فيقوم أحدهم في اليوم بأعمال لا تقوم بمثلها الجماعة منا في أسبوع. وكذلك كان أجدادنا الذين تركوا هذه الآثار العلمية الضخمة، وكان فيهم من بلغت تصانيفه الثلاثمئة فما فوقها .. كانوا يحسنون الاستفادة من
стр. 108
أوقاتهم، ولا يدعون دقيقة واحدة تمرّ إلا في عمل مفيد، أو راحة واجبة، أو قضاء حق لله أو للجسم أو للعيال .. والوقت لا يضيق بعمل إذا عرفنا طريق استغلاله والانتفاع به. ولو أحصى الواحد منا ما يذهب من عمره هدراً في (المقاهي) أو دور اللهو، وفي الأحاديث الفارغة، ومطالعة الصحف الجوفاء، والمجلات المؤذية، وقدر ما يمكن أن يعمل في مثل هذا الوقت من جليل الأعمال ونافعها لهاله الأمر ورأى شيئاً عظيماً.
وانظر إلى التلميذ إذا دهمه الامتحان كيف يقرأ الكتاب في ليال ويحفظه كله، والموظف إذا اضطر إلى العمل، أو الصحفي إذا كان موسم من مواسم الصحافة، والمؤلف إذا طمع في الجائزة الكبرى؛ انظر إلى هؤلاء كلهم، وانظر إلى هؤلاء الأفراد الممتازين الذين يشتغلون بالسياسة ويبرزون فيها، ويؤلفون في الأدب وينبغون فيه، ويطالعون كثيراً من الكتب، ولا يقصرون في حقوق أنفسهم وأهليهم، وحقوق الناس، تعلم أن الوقت واسع جداً، ولكن الجاهل المهمل يضيقه على نفسه.
...
ومن الأخلاق التي يجب أن نتعلمها تقدير المصلحة العامة وإهمالنا هذه المصلحة باب آخر من أبواب الأثرة (الأنانية) منشؤه أن أكثر الحكومات التي تتالت على بلدان الشرق الإسلامي في هذه القرون الأخيرة لم تكن من الشعب ولا إلى الشعب، ولم تكن تحرص على مصلحته، فزالت ثقته بها، ونظر إليها نظره إلى عدو مقاتل، وغدا يرى كل أذى يلحقه بها، أو مال يستلبها إياه، أو حق لها يضيعه، يرى كل ذلك بطولة وفخراً، وغدا كل واحد منا يسعى جهده ليفرَّ من الخدمة العسكرية أو يحتال بحيلة تنجيه من دفع الضرائب، أو يتوسل بوسيلة إلى اختلاس مال الخزينة. ولعل له في ذلك عذراً، هو أن الخدمة العسكرية كانت لحماية الحكومة دون الشعب، والضرائب لحياتها هي؛ وكان مال الخزينة مالها ينفق على أفرادها. ولا تزال الموازنة عندنا إلى الآن مصروفاً ثلثاها على الموظفين رواتب لهم وأجوراً، والثلث أو ما دونه على المصلحة التي أنشئت من أجلها الحكومة.
стр. 109
ونحن في حاجة إلى التخلص من هذا المرض. نحن في حاجة إلى الإيمان بأن مصلحة الفرد في مصلحة المجموع وأن رفعته في رفعة الأمة ... يجب أن تسأل الأم ابنها كل ليلة: ماذا عملت لأمتك؟ بماذا خدمت اليوم دينك؟ هل راقبت ربك في عملك؟ هل أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر؟ هل أحسنت إلى سائل؟ هل تبرعت بقرش لجمعية خيرية؟ هل تعلمت مسألة نافعة؟ هل كنت مهذباً مع رفاقك؟ ويجب أن يسأل كل منا نفسه هذا السؤال عندما يضع رأسه على الوسادة قبل أن يستسلم إلى النوم.
...
ومن هذا الباب إطاعة القوانين واحترام النظام، ذلك الذي لم نتعلمه بعد ولا نعرفه أبداً لأن زماناً غبر (ولم يتبدل بعد) كانت القوانين والأنظمة توضع فيه لغير مصلحتنا وتفرض علينا فرضاً فتعودنا ألا نطيعها وألا نحترمها، ولكنا دخلنا اليوم في طريق الاستقلال (أو كأن قد) وصرنا نضع قوانيننا (إلى حد ما) بأنفسنا فيجب أن يتبدل ذلك كله وأن يرسخ في نفوسنا احترام القوانين وإطاعتها ما دام فيها طاعة الله ومصلحة الناس.
...
ومن هذا الباب أو ما هو شبيه به احترام الراحة العامة. نمت ليلة في فندق كبير في بيروت، فنزل في الغرفة اللاصقة بغرفتي جماعة من أكابر حلب حلّوا بعد نصف الليل فبعثوا أحدهم بحاجة لهم إلى السوق، فلما بلغ الشارع ذكروا حاجة أخرى يأمرونه بقضائها فأطل أحدهم من شرفة الطبقة الخامسة وناداه وكلمه بصوت يوقظ الموتى، فلم يبق حيّ في الفندق إلا قام. ولما عاتبوه ولاموه لم يستطع أبداً أن يفهم أو يتصوّر أنه أتى أمراً نكراً.
وانحدرت مرة من الأعظمية إلى بغداد في سيارة عامة من هذه السيارات التي يسمونها هناك (الباص) فركب معنا جزار معه خروف مسلوخ وضعه على ركبته وألقى برقبته على ثيابي، ورأيت الناس ينظرون إليه نظر المقرّ الموافق فاضطررت إلى النزول من غير أن أشتبك معه بقتال.
وكثيراً ما نسمع رجلاً أو جماعة يمرون في الشارع قبيل الصبح فيأخذهم
стр. 110
الطرب فيغنون بمثل الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب، ولا يقدّرون أو يتصورون أنهم يسيئون إلى أحد.
ولا يمضي على الواحد منا يوم لا يرى فيه ما يسوء ويزعج من بصاق في الترام أو المقهى، أو حديث في المكتبة العامة، أو خصومة في المسجد، أو غير ذلك من المزعجات المنغصات التي لا يزيلها إلا عناية المدرسة بتعليم الطلاب احترام الراحة العامة، وحث الصحف الشعب على ذلك.
...
ومن الأخلاق التي يجب أن نسرع إلى تعلمها احترام الواجب والاستقامة والإصغاء إلى صوت الضمير. إن المعلم لا يتورع إذا أمره رئيس أو رجاه صديق أو نالته منفعة، أن ينجح التلميذ الذي يستحق السقوط في الامتحان وأن يزيد في الدرجات وأن يفعل كل شيء؛ والقاضي لا يمتنع محن تبرئة الظالم وعقاب المظلوم؛ والوزير لا يتقاعس عن إيثار الشفاعات والوساطات على الكفايات والشهادات؛ والطبيب لا يبالي بأن يجهض أو يأتي كل أمر يستطيعه ما دام في ذلك لذة له أو فائدة؛ والموظفون يقبلون الرشوة والناس يعطونها ولا تكاد تجد من عرف الواجب عليه وأكبره إكباراً، وضحى في سبيل القيام به بكل شيء ولا أعني أن كل المعلمين أو القضاة أو الوزراء أو الأطباء متنكبون سبيل الشرف مضيعون للواجب، ولكن الذي أعنيه أن فيهم من هذا شأنه، وأن احترام الواجب لم يذع فينا ولم يصبح شعاراً دائماً لنا، وأن المدرسة والصحافة والقانون وواضعه، كل أولئك مقصّرون لا يولون هذا الأمر ما يستحق من العناية والاهتمام في حين أنه من الأسس الثابتة والدعائم الكبرى في بناء الأمم.
ونحن في حاجة إلى تعلم الصدق، لأن الكذب قد فشا فينا وعم وأصبح أسهل شيء علينا، فنحن نكذب في الأمور الهينة ونكذب في الجليلة، ونعلم أولادنا الكذب. من منا لا يقرع بابه فيقول لابنه: قل له إن أبى ليس هنا! ومن منا يلقى رفيقاً له أو رجلاً يعرفه فيقول له: كيف حالك أو زيك؟ فلا يقول له: بغاية الشوق، وهو لا يشتاقه ولا يفكر فيه، وقد يكون مبغضاً له يرى البعد عنه غنيمة ... فمجاملاتنا وحياتنا الاجتماعية كلها قائمة على الكذب. ومن
стр. 111
جرب أن يصدق يوماً كاملاً رأى العجائب، وقد أدرك ذلك العامة فجاء في أمثالهم (الصادقة): الكذب ملح الرجال، والعيب على الذي يصدق.
...
هذا وشبهه (وما أكثر أشباهه) روح النهضة وقوامها، فإذا لم تعتن به الحكومات والأحزاب والجمعيات والمدارس، ومن يشتغل بالوطنية، ويبث في نفس الأطفال، ويوضع في نظم التربية والتعليم، كانت نهضتنا جسماً لا روح فيه!
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
***
стр. 112
يا أيها الأغنياء
نشرت سنة ١٩٣٩
ألم يأنِ لكم أن تخشع قلوبكم، وتلين أفئدتكم أفَقُدّت من حجر؟ ألا تكلفون نفوسكم تحريك أجفانكم وفتح عيونكم لتروا صرعى البؤس، وضحايا الفاقة، ماثلين لكم في كل سبيل. فتأخذكم بهم رحمة الإنسان، وتعرو قلوبكم لهم رقّة المؤمن؟ إني لأحاول أن أفهم كيف تزينون لأنفسكم حالكم، وتبررون إهمالكم، فلا أستطيع .... لا أستطيع أن أتخيَّل كيف يهنأ صاحب القصر بطعامه وشرابه، وكيف يدلل صبيته، ويضاحك عياله وعلى عتبة قصره وتحت شبابيكه صبية مثلهم برءاء ما جنوا ذنباً، أطهار ما كسبت أيديهم إثماً، يبكون من الجوع ويشتهون قطعة من الرغيف الذي يلقيه الغني لكلبه السمين، يتمنون ويتمنى آباؤهم قرشاً من الجنيه الذي يرميه الغني في الهاوية الخضراء التي يسمونها (مائدة القمار) أو يذيبه في كأس السمّ التي يدعونها (الشمبانيا) ثم يخرج جنيهاً غيره بعد لحظة ليتبعه الأول، ويتبع به عشرات ... يتمنون هذا القرش الواحد ليعيشوا به يوماً، ويملؤوا به بطونهم خبزاً، فكيف تضنون على الإنسان المسكين بالقرش، وتنفقون الألوف على الشيطان، وعلى خراب الأبدان والأوطان والأديان؟.
إننا نقرأ في الصحف من أنباء أوروبة وأميركة أدت أغنياء القوم لهم مآثر وعطايا ولهم في كل مكرمة السهم الراجح والقِدْح الأعلى، ونسمع فيهم من يعطي العطيّة وهو مستتر مستحٍ لا يحب أن يدعى باسمه، وإنما يتسمى من التواضع والحياء بـ (تفاعل الخير) ... فما لأغنيائنا الذين يقلدونهم في عيونهم ومثالبهم، لا يتشبهون بهم في مزاياهم وفَعالهم؟ وما لأغنيائنا (١) دون أهل
стр. 113
الأرض قد اختصوا (بفضيلة) الترفع عن الفقراء، والتعالي على أبناء هذه الأمة التي منها انحدروا وبفضلها عاشوا، وإنكارها إنكاراً ظنوا معه أنهم من طينة غير طينتها، وأنهم أبناء ماء السماء والناس بنو (ماء الأرض ... ؟).
أكانت علّة ذلك أنهم شرقيون، وكان السبب هذا الشرق المظلوم، المتهم بكل نقيصة؟.
قد يقول ذلك المفتونون بالغرب من ضعاف الأحلام ومرضى العقول، في حين أن الكرم والإيثار بضاعة شرقية، من الشرق قد صدرت ... ولقد بلغ بالعرب حبّ الكرم مبلغ الإفراط، وزاد حتى كاد ينقلب مذمة يؤخذون بها، فكيف يستقيم في المنطق (مع هذا) أن يكون هؤلاء الأغنياء بخلاء لأنهم شرقيون، أو لأنهم عرب؟ وهذه عادات العرب، وهذا دينهم وهو القانون الأوحد الذي يحلّ مشكلة الغني والفقير، والذي يردّ عن العالم هذا الوحش الكاسر الذي جاء يحتويه بين فكيه اللذين هما الشيوعية و (الرأسمالية) ويدعه أثراً من الآثار، فكيف تظهر مشكلة الغني والفقير في البلد الذي يدين أهله بهذا الدين؟.
...
لا. ليست الشرقية علّة هذه المشكلة، ولكن العلّة كفر هؤلاء القوم بالشرقية ودينها وعاداتها كفراً لا يصلح معه تنبيه ولا بيان، وإنما يصلحه أن ينشأ أبناء هؤلاء الأغنياء الأشحّة على الخير، الأسخياء على الشر، نشأة أخرى ينقلبون معها ناساً آخرين، ولا يكون ذلك إلا بالمدارس والأدب. ولقد كان عندي في إحدى مدارس دمشق (١) فصل (صف) فيه أبناء أفقر الفقراء، وأبناء أغنى الأغنياء، وكانوا في الفصل منفصلين كأنهم في معسكرين، وكان هؤلاء يأتون إلى المدرسة بالسيارات ويوصلهم إلى بابها الخدم يحملون لهم كتبهم كيلا تتعب بها أيديهم الناعمة، ويدخلون الفصل مزهوين بثيابهم الجديدة، وأولئك ينظرون
стр. 114
محسورين. فما زلت (والله) بهم أبينّ لهم أن الفضل بالعلم والخلق والجد لا بالمال والثياب والمظاهر، وأضرب لهم الأمثلة بعمر وعلي وابن عبدالعزيز ولنكولن والشيخ طاهر، وأنزل بالأغنياء لأعلمهم فضيلة التواضع، وأرتفع بأولئك لألقنهم فضيلة العزّة، حتى صار بنو الأغنياء يستحيون أن يأتوا بالسيارات ويتوارون حياء وخجلاً إذا جاءتهم عند منصرف التلاميذ لتحملهم إلى دورهم وقد كانوا لا يستحيون ولا يخجلون. وكانت النتيجة أن المعسكرين قد انقلبا إخواناً متصافين وظهر في كليهما تلاميذ نابغون ما كانوا لينبغوا أبداً لولا أن ألقوا من نفوسهم مذلة الفقر وكبرياء الغني واستبدلوا بها عزّة الكرامة وعظمة التواضع!.
فيا ليت أن المدرسين ينتبهون جميعاً إلى هذا الأمر فيسدون إلى الأمة يداً ويكسبون من الله أجراً، فإنه لا شيء أشد على نفس الفقير من أن يتحكم فيه أو يسمو عليه ابن الغني. وأنا (قد) أحمل ما أرى من صلف الغني وأوهم نفسي أنه قد كسب ماله بيده وجده فحق له أن يستمتع بثمرته، أما أن أرى الصلف من ابنه فلا ... فيا أيها الأغنياء ليتحملوا أبناءكم على رقاب الناس، فإنكم لا تدرون كم عدواً تكسبون لهم، وماذا تفسدون من طبائعهم حين تأبون إلا أن تدللوهم هذا الدلال، وتترفعوا بهم إلى حيث تبلغ أيديكم وأموالكم، وحين تمكنونهم من أولئك الذين ساقهم الفقر إليكم، واضطرهم فكانوا لكم خولاً أو أجراء، فيشمخون عليهم بآنافهم الصغيرة ويذيقونهم ألوان الأذى، والطفل (في الطبع) لا يعرف الرحمة، ولا يدري ما العقل فكيف وهو ابن الغني؟ قد ورث القسوة وتطبع عليها وقلد فيها أباه؟ وإنا لنرى نحن المدرسين من ذلك العجب ... هذا تلميذ يأخذ كل يوم من أبيه ما يقيم أود أسرة من هذه الأسر الجائعة فلا ينفقه إلا في الشر، والمال يذهب من حيث أتى ... رأيته يضنّ على رفيق له فقير بقرش يقرضه إياه قرضاً ليشتري به رغيفاً يتغذى به، ويشتري بسبعة عشر قرشاً فرنيّة (كاتو) يطعمها على مرأى منه لكلب له صغير مدلل يسوقه معه إلى باب المدرسة ثم يعود به الخادم في السيارة. وأبوه الغني يسمع بهذا فلا ينكره ولا يأباه، كأن الله قد خلق الناس بقلوب، وخلق هؤلاء
стр. 115
بجيوب (١)، فأبدلهم بالعواطف المال، فهم لا يحسون ولا يشعرون ولا يدركون أن الله ما نقص من مال الفقير إلا ليتخذ له في الآخرة إن صبر ذخراً، ولا زاد في مال الغني إلا لينظر أأعطى وشكر، أم بخل واستكبر، ثم لا يكون الغني إلا خازناً لهذا المال يحاسب به يوم القيامة فيشدد عليه الحساب. أفرأيت خازناً في مصرف أو شركة يظن أن المال ماله فيخالف فيه أمر أصحابه، ويمنعه عمن هو حق لهم؟.
المال أيها الأغنياء مال الله فإن زاد لم يمكن إنفاقه إلا على الخلق (عيال الله)، فأروني كيف تأكلون الذهب، وتلبسون (البنكنوت)، وتسكنون صناديق الحديد؟ إن هي إلا معدة تمتلئ بما يقذف فيها والجوع يحسّن لصاحبها كل أدام، وجسد يستقر بما يلقى عليه والنظافة له أحسن حلية، وبيت يُكِن من الحر والقر ولذائذ محللة ميسورة، وما وراء هذا إلا أكل يفسد الهضم، أو سِمَن يهد الجسم وخمر تحرق الأحشاء، وبلايا معها بلايا أخرى من عذاب الضمير والغفلة وضياع الإيمان، أو مآثر تنفع الناس وترضي الله، ويجد صاحبها مكافأتها الاطمئنان والمجد في الدنيا، والثواب من الله في الآخرة، وهذه حكمة واحدة من حكم الله في الغنى والفقر لو تدبرتموها لفتحت آذانكم فسمعتم كلمة الحق، وكشفت الغشاوة عن عيونكم فقرأتم في خلق الله وفي كتابه آيات الهدى، ولكن اللذاذات قد شغلتكم يا أيها الأغبياء من الأغنياء.
...
على أنه ليس أشدّ على الفقراء من منع الغني المترف صاحب الأطيان والمتاجر وبخله وصلفه وتبذيره ... إلا الموظف الكبير الذي ينال وهو قاعد على كرسيّه لا عمل له إلا تشريف أوراق الدولة بتوقيعه الكريم ينال الثمرة التي يتعب فيها الفلاحون، يجدون ويشتغلون في وقدة الضحى تحت الشمس المتسعرة، وفي زمهرير الليل تحت النجوم التي ترتجف أشعتها من البرد، ليقدموا لهذا الموظف الكبير ثمن سيارته التي يسوقها ابنه خلال الحقول تياهاً مستكبراً وقصره الذي
стр. 116
يلوح بين بيوت القرية كالجبار العابس الباسر، وثمن كأسه المحرّمة ولذاته المنكرة، ويذهبون فيأكلون خبز الشعير وينامون على الحصير. هذا الموظف الذي لا يكفيه وحده ما يدفعه أربعون من صغار (المكلفين) تباع فرشهم من تحتهم وقدورهم وثيابهم لتؤدي من ثمنها الضريبة. هذا الموظف يستعلي ويستكبر ويقبض يده عن الإحسان ويبسطها في سبل السوء، ويتشبه بأولئك الأغنياء الأغبياء وقد يسبقهم في ذلك أشواطاً، ومن كان في شك مما أقول فليذهب إلى القرى والدساكر.
ولسنا والله شيوعيين ولا اشتراكيين ولا يرانا الله ندعو إلى هذه اللعنة (الحمراء) ولا نؤلب الناس بعضهم على بعض، ولكنا ندعو إلى (الشعور) الذي لا يكون الإنسان إلا به إنساناً، والإحسان هو شعبة من شعب دين الإسلام ... فمن اختار من الأغنياء وأرباب المرتبات الضخام ألاّ يكون إنساناً ولا مسلماً فليفعل فإن في جهنم مثوىً ومتسعاً للمتكبرين.
***
стр. 117
حقّ الضيافة
نشرت سنة ١٩٤١
قد أكون على موعد يفوتني بفواته خير عظيم، ولا يبقى بيني وبينه إلا مقدار ما ألبس ثيابي وأمشي إليه، فيجيئني ضيف لا حاجة له عندي، ولا خير له في زيارتي، ولا يبتغي مني إلا أن يدفع الملل عن نفسه بالبقاء ساعتين أو ثلاثاً عندي، فيسقط في يدي، وأحار في أمري (١): إن استقبلته ضيعت موعدي، وإن رددته أضعت «حق الضيافة» وتعرضت لسوء الأحدوثة؛ ثم أختار أهون الشرين فأرحب به وأدعوه، وآمل أن أفهمه حقيقة حالي وأعجل له بالقهوة فينصرف ... وأجلس بين يديه متململاً متضايقاً، وأتلطف في إفهامه والاعتذار إليه، فلا يحفل بي ولا بموعدي، ولا ينظر إلا إلى نفسه ورغبته في قطع الوقت بهذه الزيارة، فيقعد آمناً مطمئناً، يحدثني حديث السياسة، ويسألني عن الروس واليابان، والصين وتركستان، ويعرض عليَّ رأيه في الأنظمة التي ستعم العالم بعد الحرب ... ويفيض ويسهب، وأنا أتقلّب على النار، ويبقى على ذلك حتى لا يبقى لي منفعة من الذهاب، ولا يمكن تدارك ما فات، فينصرف ليتحدث عني بأني لقيته بجفاء وخشونة، وكلمته باقتضاب وإيجاز، ولم أوفّه «حقوق الضيافة»!
وقد أكون مستغرقاً في مطالعة، أو منصرفاً إلى كتابة قد جمعتُ لها ذهني ... فيجيئني ضيف، فأنزل إليه لأسمع منه لغو الحديث، فيتفرق ما اجتمع من ذهني، وتفسد عليّ مطالعتي، وإن أنا بعثت من يقول له: «ليس هنا» أكون قد كذبت، وإذا اعتذرت إليه بمطالعتي أو كتابتي أكون قد قصّرت في «حقوق الضيافة»!.
стр. 118
وقد يأتي الضيف ومعه ولده، فيعبث بالكراسي والمناضد ويكسر الكأس، وربما أمره أبوه بأن يتسلى باللعب مع أولاد الدار، فينطلق كالجنّ فيفسد كل ما يمر عليه ويزعج الأهل ويأتي كل كريهة، فإذا زجرته أو كففته أو أفهمت أباه أنه ليس من الذوق ولا من التهذيب أن يحمل ابنه -أعني عفريته- إلى بيوت الناس، أكون قد فرطت في «حقوق الضيافة»!.
وإن كانت وليمة أو عقد ودعوت عشرين رجلاً، جاؤوك ومعهم عشرون ولداً فتنقلب الدار إلى مدرسة أو إلى مارستان ويتحول المضيف إلى معلم أو قاضي أولاد، وقديماً قال المثل العامي: «قاضي الأولاد شنق نفسه» ... فإذا وقفت على الباب خادماً يمنع دخول الأولاد، غضب الآباء المدعوون، وانصرفوا ساخطين على هذا الذي لا يعرف «حقوق الضيافة»!.
وقد يكون لك عدو تعرَّض لك بأنواع الأذى، وأراك فنون العدوان ثم نشأت له حاجة عندك، فزارك في دارك، وأبى أن يشرب قهوتك حتى تقضي حاجته، وربما كانت حاجته أن تنجح ابنه في الامتحان ... فإذا قضيتها خنت أمانتك .. وإن أبيت عليه وأعرضت عنه، وأفهمته أن الامتحان أمانة، وأن ابنه ضعيف كسلان لا يجوز نجاحه، كنت الملوم المعاتب، لأنك لم تحفل «بحقوق الضيافة»!.
...
والضيف يزورك حينما يحلو له لا حين يحلو لك، ويبقى ما طاب له البقاء عندك، ولا شأن له بفراغك ولا بشغلك، ولا بضيق وقتك ولا بتعب أهلك ففي الغداة تجوز الزيارة، وفي الضحى وعند الزوال ساعة الغداء وفي الظل وقد الراحة، وفي الأصيل وفي الليل. وقد يصل الزائر هذه الأوقات كلها بعضها ببعض، فيشرفك بزيارته من الصباح ويلبث (يؤنسك) إلى وقت المنام، وقت منامه هو لا منامك أنت، وربما زارك أقرباؤك، أو أقرباء أقربائك بنسائهم ورجالهم وأطفالهم؛ وأقاموا عندك (صلة للرحم) أياماً وليالي، ونغّصوا عليك عيشك، وأفسدوا نظام دارك، وأنت مضطر إلى السكوت لا تستطيع أن تقول
стр. 119
شيئاً يمسّ (حق الضيافة). وربما زارك الزائرون في محل عملك، فشغلوك عنه وأكسبوك غضب رؤسائك، وسخط زملائك.
...
ولقد كان الكرم والشجاعة عماد الأخلاق عند العرب وشعارها وجماع أمرها، لمكان البداوة من حياتهم، فقد كانوا يعيشون في قفار قاحلة وقرى كالقفار، لا فندق فيها ولا مطعم ولا خان، وما للنازح فيها عن داره إلا أن ينزل ضيفاً على كريم يؤويه ويقريه، ولم يكن في بلادهم شرطة ولا نيابة ولا سجن فلم يكن للرجل إلا سيفه يعتصم به، فتعودوا الشجاعة والكرم حتى صار ذلك طبعاً لهم وخلقاً، وبالغوا فيهما وجانبوا القصد، فبلغوا التبذير وقاربوا التهور، وكان عذرهم في ذلك أن الرجل منهم يُطعِم حتى يطعَم، ويقري الطارق الغريب كي يُقرَى هو طارقاً غريباً، واستمر ذلك إلى الإسلام بل لقد بولغ فيه بعده حتى أتى القوم بهذه العجائب التي نقرأ أخبارها في الكتب وانتهى ذلك إلينا فنشأنا على تقديس (حق الضيافة) وتقديمه على سائر الحقوق، ورفعه مكاناً علياً لا يناله النقد ولا التقويم، واتهام من يقول فيه مثل مقالتي باللؤم والبخل. لذلك أقدمت عليها متردداً يدفعني إليها أننا في مطلع حياة جديدة يجب في مثلها تمحيص الأخلاق والعادات وتقويمها والإبقاء على النافع منها وطرح ما لا فائدة منه بعد ما تغير الزمان، ولا يكون ذلك إلا بالخروج من ربقة التقليد الذي لا يفيد. ومنه تقليد أجدادنا الأولين في هذا الكرم القبيح الذي ذمه الله وسماه تبذيراً، وجعل أهله إخوان الشياطين، والقصد في الأمر والتوسط فيه، ووضع الأمور في مطارحها ولو أن حاسباً مستقرياً نظر فيما ينفق عندنا في كل سنة على الولائم والأعراس والمآتم من الأموال لهاله الحساب، ولرأى أن هذه الأموال التي تنفق فيما لا طائل تحته، ولا موجب له إلا التقليد الضار،! يمكن أن ينشأ بها من المدارس والمصانع ما يرفع أمتنا درجات في سلم الارتقاء في آن قريب، فضلاً عما يكون فيه من راحة البال، واضطراد الأعمال، ودفع المكاره التي ذكرت أمثلة عليها في مطلع هذا المقال.
وإذا كانت هذه الحاجة هي التي علمت أجدادنا هذا الكرم، فان حاجة
стр. 120
تدفعنا إلى الاستمرار عليه؟ وما هو الضرر الذي ينال الضيف إن قلت له: أنا الآن مشغول فزرني إن شئت في وقت آخر؟ ولم تخاف من ذلك وهو من آداب ديننا، وقد كان من خلائقنا قبل أن يتخلق به الإفرنج؟ وماذا يضمر الأهل والأقربين أن يهنئوا بالمولود فلا يشربوا (الكراوية)، وأن يحضروا (العرس) فلا يأكلوا الرز واللحم والبقلاوة، وما هم في صحراء كصحراء العرب يحتاج فيها إلى القرى، ولا هم جياع قد حضروا للطعام، وليس المقصد إلا الاجتماع وقد حصل؟ لقد خبرني صديق صادق مطلع أن نفقات عشر ولائم فقط من أوسط ما يكون في الأعراس أو المآتم تكفي لفتح مدرسة ابتدائية. تتسع لمائتي تلميذ، فما قولك بنفقات الولائم كلها وسكاكر الأعياد وهدايا الولادة والعرس؟
...
أنا لا أرتقب من الأمة أن تقرأ هذه المقالة وتنام ليلتها فتصبح وقد نبذت هذه العادات وحددت آداب الزيارة، وتنكبت سبيل التبذير، فإن هذا ما لا يكون، وإنما أرتقب أن أجد من القراء من وهبه الله الجرأة في الحق، والرغبة في الإصلاح فيسن للناس سنة (في هذا الباب) حسنة يكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما صنع في دمشق شيخها الشيخ طاهر الجزائري ﵀. وعادات الإفرنج في الزيارات والولائم أصلح في الجملة مما نحن عليه اليوم، وتقديرهم للوقت أشد، وهذا كله من آداب الإسلام، والسلف كلهم كانوا على مثله، فلنقتبسه عن الإفرنج إذا كنا لا نتبع فيه سلفنا الصالح، ولنجعل للزيارة آداباً وأوقاتاً، ولنعلم أن (حق الضيافة) لا يقدم على حق المواعيد، ولا حق العمل، ولا حق الأهل؛ وإن ردَّ الضيف أهون من احتمال الأذى، وإخلاص الوعد، وترك العلم، وإضاعة الأشغال ولنجعل إمامنا قول الله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ صدق الله العظيم.
***
стр. 121
العربية والإسلاميّة
نشرت سنة ١٩٤٦
سيقول القراء من المصريين: ما العربية وما الإسلامية، وهما شيء واحد؟ ومن قال بالعربية قال بالإسلام؛ لأن العربية لم تكن شيئاً مذكوراً لولا الإسلام. ومن قال بالإسلام قال بالعربية؛ لأن الإسلام دين، نبيُّه عربي، وقرآنه عربي، وقبلته في بلاد العرب. والنداء إلى التوجه إليها بلسان العرب؟!
لا يدري القراء من المصريين أن هذا حديث المجالس في الشام والأندية والمدارس، لا يمر يوم دون مناظرة فيه بين الشباب المسلمين الذين يحسبون أن من الإسلام محاربة الفكرة العربية وترك قيادها لغيرهم، والشباب القوميين الذين يظنون أنهم يستطيعون تجريد العربية من الإسلام والدعوة إليها على أنها قومية من القوميات.
وكذلك كانت الحال لما كنا ندرّس في مدارس العراق حين اشتدت الدعوة القومية على عهد سامي شوكت (في وكالة وزارة المعارف) واستجاب لها المدرسون خوفاً وطمعاً. ومنهم من استجاب لها عن إيمان بها، ولم يبق ثابتاً على إسلاميته إلا ثلاثة: عبدالمنعم خلاف، ومظهر العظمة، وعلي الطنطاوي، نقلوا جميعاً إلى شمال العراق، إلى مناطق الأكراد. فاستقال الأول وعاد إلى مصر؛ وعاد الثالث إلى الشام بعد شهور؛ وثبت الثاني إلى نهاية حركة رشيد عالي الكيلاني.
غير أن الفرق بيننا وبين العراق، أن الدعوة القومية هي الغالبة على شبابه والقوميون الملحدون قلة في الشام. وأكثر أهل الشام يقولون بالإسلام وبالعربية. والكلمتان على لساني أنا وكتاباتي من أكثر من ربع قرن، كالمترادفين؛ أقول الإسلام وأريد العربية، وأكتب العربية وأقصد الإسلام.
стр. 122
لذلك أجهدت ذهني، وكددت فكري، حتى استطعت إدراك جوهر الخلاف بين الفريقين. وما ذاك عن جهل مني بحجج الطرفين وأقوالهما، فلقد حفظتها من كثرة ما سمعتها وناظرت فيها، بل لغموض صورة الدعوة العربية حتى في أذهان أصحابها، وأنهم حين يكتبون فيها، أو يجادلون عنها، يأتون بشيء هو إلى الفلسفة الغامضة، والخطابيات الفارغة، أدنى منه إلى التعريف العلمي الواضح. حتى عند فيلسوفهم ومفكرهم الأول ساطع الحصري.
جوهر الخلاف:
وجوهر الخلاف إنما كان على بناء الدولة. هل تكون إسلامية، ويكون الإسلام هو الرابطة بين أفرادها فيدخل فيها المسلمون جميعاً ويكونون أمة واحدة، أم تكون عربية، وتكون الرابطة رابطة الجنس، فكل عربي هو منا ولو لم يكن مسلماً، وكل أعجمي ليس منا ولو كان مسلماً؟
أي أن ثمرة الخلاف كما يقول الفقهاء، في العربي غير المسلم، والمسلم غير العربي، أيهما الذي يجب أن نتولاه نحن العرب المسلمين؟
الرابطة الإسلامية أقوى من القومية:
والحقيقة، أنه ليس بين الإسلام والعربية تناف ولا تباين، وأن المسلمين أمة واحدة وأنها أشد تماسكاً، وأدنى إلى الوحدة من مجموع العرب، وأن هذا الخلاف ليس له ثمرة، لأن العرب غير المسلمين، عاشوا معنا، وسيعيشون معنا، ما ضقنا بهم ولا ضاقوا بنا، وما ظلمناهم ولا شكوا من ظلمنا، وإن هم ظلمونا وكانوا مع كل عدوّ لنا معه علينا، وأن الشباب المسلمين هم أحق الناس بحمل لواء العربية المسلمة، والدفاع عنها، والعمل على تمجيدها، وفيما يلي تفصيل هذا الإجمال:
من الوجهة النظرية:
إن في (نظرية الدولة) آراء كثيرة يدرسها طلاب كليات الحقوق أشهرها رأي رينان. ونحن نطبقه على هذا البحث، لا لأننا نجد لزاماً علينا أن نتبع
стр. 123
الغربيين حتماً في مذاهبهم، ونفكر برؤوسهم، بل مجاراة لمن يقول بذلك من الشباب وقلباً لدليلهم عليهم، وإلا فنحن نعلم أن لدينا من رأي الإسلام في إقامة الدولة ما هو أصح من رأي رينان صحة، وأكثر نفعاً لنا، وتحقيقاً لمصلحتنا، وإن كان رأي رينان هذا لا يبعد كثيراً، ولعله أخذه من رأي الإسلام الذي كان على إلمام بأحكامه.
الدولة عند رينان لا يبنى على الأرض وحدها، فرب دولة معترف بها تكون أرضها محتلة فيها أعداؤها. ولقد شاهدناها في الحرب الأخيرة دولاً كثيرة بلا أرض، وكان في مصر طائفة منها، كل دولة في جناح من فندق شبرد. ونشاهد الآن دولة عموم فلسطين. ولا تبنى على اللسان فإن أمامنا دولاً فيها أكثر من لسان كسويسرة، ودولاً لها لسان واحد كإنكلترا أو أمريكا؛ ولا على الدين (كما يفهم الغربيون: من حيث هو صلة بين العبد وربه)، فقد تتعدد الأديان في الدولة وتتعدد الدول في الدين، بل على ما سماه (الإرادة المشتركة) فكل كتلة جمع بين أفرادها تاريخ واحد وأمل واحد، وكانت موحيات تاريخها، وكانت مطامحها في مستقبلها، متشابهة في نفوس أفرادها، كانت هذه الكتلة أمة وحق لها أن تنشئ دولة. وشرح هذا المتن الموجز معروف مشهور.
فلنبحث عن هذه الإدارة المشتركة في الكتلة العربية وفي الكتلة الإسلامية؟ هل للعرب إرادة مشتركة؟ هل تتحد موحيات الماضي ومطامح المستقبل في نفوس العرب جميعاً؟ إذا قرأت أنا وعربي من جبل لبنان الماروني تاريخ الغزوات الصليبية. فهل يكون أثر هذا التاريخ في نفسي مثل أثره في نفسه؟ هل يطمح مثلي إلى الوحدة، ويشاركني في المثل الأعلى الذي أتمثل المستقبل عليه؟
من الوجهة الواقعية:
بل تعالوا ننظر إلى الواقع، هل استطاعت جامعة الدول العربية بعد هذه السنين الطويلة والمحاولات الكثيرة، أن تجد لها هذه (الإرادة المشتركة)؟ الجواب: لا.
стр. 124
من وجهة المصلحة:
وقد مضى عهد القوميات وأصبح تاريخاً يدرس في المدارس، وانقسم العالم اليوم إلى قسمين كبيرين مختلفين: قسم في شرق الأرض وقسم في غربها. وما اختلفا في الحقيقة على عقيدة ولا مبدأ! وما اختلفا إلا علينا نحن الأمم الضعيفة. وما استعدا إلا للحرب في سبيلنا أيهما يفوز غنيمة باردة أوسخنة بنا. فهل من المصلحة أن نبقى متفرقين منقسمين أو أن نتحد ونتقارب ونقيم من أنفسنا قسماً ثالثاً محايداً، لا يقاتل على غنيمة ولا يدع أحداً يجعل منه غنيمة؟
وإذا ثبت أن المصلحة في الاتحاد (وذلك ثابت قطعاً) فهل تؤلف كتلة من ثمانين مليوناً مشكوكاً في اتحاد أبنائها في الذكريات والآمال والإرادة العامة؟ أم كتلة من خمسمئة مليون (١)؟
هذا ومن المفهوم المعلوم من الدين ومن العقل ومن الماضي بالضرورة أننا لا نتخلى عن هؤلاء العرب غير المسلمين ولا نعدهم غرباء عنا، بل هم إخواننا في العيش ما أحبوا إخوتنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا. وهذه نصوص ديننا وهذي وقائع تاريخنا، شاهدة على دعوانا. فلا مجال لإثارة العصبيات، والإفساد من الإخوان من هذه الناحية، فلا يطمع في ذلك المفرقون المفسدون ..
وبعد فما هي حدود الاتصال بين العربية والإسلامية؟
من الوجهة المبدئية:
أما الإسلامية فمعروفة واضحة، وللمسلم تعريف شامل وحدٌّ منطقي، فما هو حد العربي الذي يشمل الأفراد ويخرج الأضداد؟
إني لم أجد لدعاة العربية إلى اليوم هذا التعريف الجامع المانع للعربي. من هو العربي؟ أما من عرفنا من قوميي العراق، فإن العربي عندهم وعند عرب نجد والحجاز هو عربي النسب، أي أنهم على مذهب
стр. 125
العنصرية (Racisme) ومقتضى ذلك أن يكون بشار مثلاً شاعراً فارسياً، وابن الرومي شاعراً يونانياً، بل إننا لو ذهبنا هذا المذهب لكان ملك الإنكليز غير إنكليزي. ولكان من الواجب الحجر عليه خلال الحرب الماضية لأنه من رعايا الألمان؟
ومن منا اليوم يستطيع أن يرتفع بنسبه إلى ربيعة أو إلى مضر، أو إلى أي فرع من فروع الشجرة العربية بدليل ثابت لا بمجرد القول والتسامح. وإذا أمكن ذلك فكل من العرب يثبت نسبه على هذا الشكل؟
وأما من عرفنا من قوميي الشام فإن لهم أقوالاً أشهرها أن العربي هو من يتكلم العربية لغة أصلية له، ويعيش في بلاد العرب، ويشارك العرب آمالهم وآلامهم. وهذا التعريف كالنحاس المطلي بالذهب، إن مسسته برفق كان ذهباً له وميضه ولمعانه، ولكنك إن وضعته على المحك خرج نحاساً! لأن من غير العرب الذين عاشوا في بلاد العرب، كالأرمن في الشام والأروام في مصر من ينشئ أولاده على الكلام بالعربية كأهل البلاد من العرب، ثم إنه يعيش بينهم! أما المشاركة في الآمال والآلام فشيء خفي لا يعلمه إلا الله، ولا تظهره إلا التجربة، ولا يصح أن يكون مقياساً منطقياً. وإذا أردنا أن نحصي سكان بلدة ما من العرب، فكيف نقيم الامتحان العام لمعرفة آمالهم وآلامهم وما يشاركون فيه وما يخالفون؟
ثم إن من العرب من يتكلم في بيته تطرفاً أو تقليداً بالفرنسية، ويقيم في غير بلاد العرب، وليس في نفسه أمل لأمته، ولا ألم عليها. لا يهتم إلا بخاصة أمره وجوالب لذته وراحته. فهل نعد هذا من غير العرب؟ وماذا يكون: فرنسياً أو إنكليزياً أو ماذا؟
أما الإسلام فعقيدة يعبر عنها قول معين، وعبادة وخلق، فمن نطق بالكلمة المعبرة عن العقيدة، وأدى فروض هذه العبادة، وتخلق بهذه الأخلاق، فهو واحد من المسلمين، مهما كان لونه وجنسه ولسانه.
стр. 126
من الوجهة الإسلامية:
والإسلام لم يكتف بإسقاط الجنسية من حسابه، بل لقد حاربها، ومنع كل دعوة إلى عصبية جنسية أو قبلية، وسماها دعوة الجاهلية. وجاء منذ أربعة عشر قرناً بما انتهى إليه العالم اليوم، حين أسقط حواجز القوميات وأقام كلاً من كتلتيه على عقيدة ومبدأ، فقسم الإسلام الناس إلى قسمين: الذين آمنوا، والذين كفروا. ووجه الخطاب إليهم، بهذا العنوان؛ فكان من الذين آمنوا -وهم أفراد الدولة الإسلامية- رجل رومي (١) هو صهيب، ورجل حبشي هو بلال، ورجل فارسي هو سلمان، ثلاثة رموز للدول الكبرى يومئذ. وكان من الذين كفروا العربي القرشي الهاشمي عم محمد وأخو أبيه وابن جده أبو لهب. وكان لهؤلاء الثلاثة منزلة رفيعة في الدولة الإسلامية، فكان بلال وزير الدعاية يعلن مبادئ الإسلام (بالأذان) خمس مرات كل يوم. وكان سلمان معدوداً على لسان النبي من أهل بيت النبوة. ونزل في شتم أبي لهب قرآن فنحن نقرأ في صلاتنا ذم أبي لهب.
ولكن الإسلام لم يطمس الوقائع التي تجعل للعروبة مكاناً ظاهراً في دولته فالنبي عربي، والعرب قومه ومنهم أصحابه الأولون الذين نشروا الدين، وأبلغوه أهل المشرق والمغرب. والقرآن كتاب عربي، والحج إلى بلد عربي، فكل مسلم مضطر بذلك إلى حب العرب وتقديرهم، وتعلم لسانهم، وزيارة أرضهم.
ولولا الإسلام ما انتشرت لغة العرب، ولا أقبل الناس عليها، حتى أن مسلمي الصين اليوم يتكلمون العربية. وعرّب الإسلام آلاف المدن، فهل يستطيع شباب الدعوة العربية اليوم أن يعربوا قرية واحدة تركية أو كردية باسم العربية؟
ولما نقلت إلى شمال العراق: إلى كركوك، كان الطلاب كارهين لدرس العربية ومدرسها لما كان يسوؤهم به من الدعوة إلى القومية العربية وهم أكراد وأتراك. فلما دخلت أحسست هذه الكراهية في نفوسهم، فخطبتهم خطبة قلت
стр. 127
لهم فيها إن العرب كانوا أضل أمة فهداهم الله بهذا الدين الذي نتشرف جميعاً بالانتساب إليه، والذي منع دعوة الجاهلية، وحرم العصبية ... إلى أن قلت لهم: فتعلموا العربية لا من أجل هؤلاء القوميين من العرب، بل من أجل محمد الذي تحبونه، والقرآن الذي تقرؤونه، واللُه الذي تعبدونه.
ففاضت العيون بالدمع، وخشعت القلوب، وامحت الكراهية من الوجوه وصار درس العربية أحب الدروس إليهم.
وذهبت مرة إلى السليمانية سنة ١٩٣٨ وهي قصبة الأكراد، فمررت في آخر السهرة على مسجد فيه عين ماء لنشرب منها، وكانت ليلة صيف، وكان معي شباب يجادلونني في العربية والإسلامية، فوجدنا على بساط في أرض الجامع شابين كرديين من طلبة العلم الديني منبطحين على وجهيهما وأمام عيونهما مصباح وكتاب في أصول الفقه، فيه عبارة معقدة، فهما يحاولان فهمها وتفسيرها، ويستعينان بإعرابها ورد ضمائرها إلى مكانها ...
فقلت: ألا ترون؟ إن هذين يشتغلان بلغتكم العربية أكثر من اشتغالكم أنتم بها، لأنها عندهما دين، فهل تستطيعون أن تجعلوا فتى كردياً غير متدين يقبل باسم قوميتكم هذه على العربية؟ فسكتوا.
من الوجهة التاريخية:
ثم إني أحب أن أسأل من هم هؤلاء العرب الذي تفخرون بهم، وتعتزون بأمجادهم. هل هم عرب الجاهلية والعهود التي كانت قبلها، والتي لم يدركها نور التاريخ، ولم يصل إليها علم المؤرخين إلا قليلاً؟ أم عرب دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة، وهاتين المدن والمدارس والمكتبات والمؤلفات، وذلك العلم والأدب؟
أما الجاهلية، فإنا لا نعرف شاعراً واحداً فيها ذكر العرب أمة، وافتخر بالعروبة جنساً. إنما كان فخر كل شاعر بقبيلته، ببكر أو بتغلب أو بعبس أو بكندة، وهذي هي المعلقات، وهذه أشعار الجاهلية، فهل فيها فخر بالعرب؟
стр. 128
إن الذي جعل العرب كتلة واحدة من الكتل التي اندمجت في الوحدة الإسلامية، هو الإسلام.
وكل ما كان للعرب بعد من مجد وعظم وعلم وسلطان وحضارة وفخار إنما صنعه الإسلام، فكيف يتفق في منطق هؤلاء القوميين أن نفخر بالفعل وننكر الفاعل، وأن نمجد أثر الإسلام ولا نقر بالإسلام.
يقول بعض المتحمسين من شباب القوميين إن في العرب قوة كامنة انتفضت مرة فكانت الإسلام. وستكون لها انتفاضة جديدة تخرج بمظهر آخر، ولكن لا هم ولا نحن ولا أنتم تعرفون ما هو المظهر الآخر!
وهم يعظمون محمداً ويكبرونه، ولكنهم لفرط الحماسة (وحماسة الشباب أحياناً تقوى على حساب العقل) يسيئون إلى محمد الذي يعظمونه ويصمونه بأكبر ما يوصم به رجل وهم لا يشعرون. يصمونه بالكذب: هو يقول لهم إنه رسول من الله، وإن هذا القرآن ليس من عند نفسه، وهم يقولون لا بل إنه هو الذي ألف من عبقريته ونبوغه هذا القرآن.
أفرأيت إلى أين تصل حماسة الشباب (وكدت أقول حماقة الشباب) بأصحابها؟
ويأتون بكلام له رنة ودوي كدوي الطبل، وإن كان فارغاً من المعنى فراغ الطبل من الشحم واللحم. يقولون (وهذا شعار حزبهم): أمة واحدة ذات رسالة خالدة.
وما زالوا يهتفون بذلك ويرددونه حتى اقتنعوا بأنه من كلام النبوة الأولى مع أنه لامعنى له. لأن العرب كما بينا من قبل، ليسوا بحالهم الحاضرة أمة واحدة، بل المسلمون هم الأمة الواحدة. ولأن هذه الرسالة إن لم تكن الإسلام كانت مجرد كلام.
من الوجهة التطبيقية:
والقومية (كل قومية في الدنيا) إنما تقوم على دعائم ثلاث: اللغة، والعادات، والتاريخ.
стр. 129
أما اللغة فإنها بعلومها وفنونها، كالفلك الذي يدور على قطب واحد، وقطبها القرآن، وما أنشئت هذه العلوم كلها إلا خدمة له، النحو لمنع اللحن فيه، واللغة لتحقيق عربيته، والبلاغة لإثبات إعجازه، والتفسير لشرح معانيه إلى غير ذلك مما هو معروف.
ودعاة الإسلامية كانوا ولا يزالون، وسيكونون أبداً هما أئمة اللغة وفرسان بلاغتها، وأرباب البيان فيها. وما عهدنا للآخرين كاتباً بيّناً ولا راوية ولا عالماً معترفاً بإمامته وتقدمه في علوم اللغة (١).
وأما العادات العربية (على أنه ينبغي الإبقاء على حسنها، والتخلص من سيئها) فما رأينا في دعاة العربية من يتمسك بها! ولقد رأينا أكثرهم يعيش عيش الإفرنج، ويأخذ أوضاعهم في طعامهم وشرابهم ولباسهم، بل ربما تزوج من نسائهم وكَلّم أهله (طبعاً) بلسانهم.
وأما التاريخ فواحد. تاريخ العرب هو تاريخ الإسلام. لو حذفنا منه الإسلام وما نشأ عنه لم يبق للعرب شيء، فالعرب ولد مجدهم وتاريخهم يوم مولد محمد.
...
الخلاصة أن العربية والإسلامية كدائرتين: صغيرة وكبيرة، إحداهما وسط الأخرى إلا هلالاً دقيقاً، هو موضع الاختلاف بينهما. أي أن بينهما باصطلاح أهل المنطق عموماً وخصوصاً عاماً إلا من وجه واحد، هو مسألة المليونين من العرب غير المسلمين، والخمسمئة مليون من المسلمين غير العرب، أيهما أحق بأن نتولاه؟
وكل ما يقول به دعاة العربية (فيما عدا إنكار الوحي وقطع الأخوة في الإسلام) يقول به دعاة الإسلامية، بل نحن أحق به وأولى، نحن أعلم بالعربية وبتاريخها وأمجادها، ونحن نعمل أكثر منهم على تمجيدها بالإسلام وإعلاء شأنها،
стр. 130
ونحن أصدق منهم إن قلنا عن أمة محمد (أمة واحدهم ذات رسالة خالدة). والعجيب أن يظن أحد أننا تخلينا عن القيام بالدعوة إلى العربية، لا ... ما تخلينا عنها ولكن ندعو إليها تحت راية القرآن التي عز بها العرب وشرفوا وصار لهم في التاريخ ذكر، وفي الدنيا مقام.
إننا نحب العرب لأنهم قوم محمد، واللسان العربي لأنه لسان القرآن، وموطن العروبة لأن فيه مشاعر الحج والقبلة التي يتوجه إليها المسلمون من أقطار الأرض، ويدعون إلى الصلاة إليها بلسان العرب الذين نزل بلسانهم القرآن: حي على الصلاة، حي على الفلاح. ولكنا لا ندعو إلى عصبية، ولا نعدل بأخوة الإسلام أخوة.
ونحن ندعو إلى الوحدة العربية، لكن على أن تكون طريقاً إلى الوحدة الإسلامية، ولا ننكر إخواننا في الوطن واللسان من النصارى، لكنا نسألهم ألا يطلبوا منا وهم مليونان أن نقطع لأجلهم روابط إخوتنا بخمسمئة مليون مسلم غير عربي، يحبوننا ونحبهم، ويشاركوننا عقائدنا وعبادتنا.
***
стр. 131
عربيّة إسلامية
نشرت سنة ١٩٥٦
دعتني من أشهر جمعية الإصلاح في الكويت إلى إلقاء محاضرات وكانت المحاضرات في بهو صلاح الدين، الذي يتسع لثلاثة آلاف وكان منها محاضرة عنوانها بين العربية والإسلامية، احتشد لها الفريقان: الإسلاميون والقوميون وجمعوا جموعهم، وجاؤوا وعيونهم محمرة، وقد استعدوا للمعركة، والقوميون جميعاً (وتوقعت أنا) الشر، ثم فكرت، وقلت في نفسي -أنا من أكثر من عشرين سنة في معارك متصلة «بين العربية والإسلامية» أجادل القوميين، وأنكر عليهم دعوتهم إلى العربية، وهم يأبون عليَّ دعوتي إلى الإسلام، وكتبت في ذلك ما يجيء إن جمع في كتاب كبير، ولم يخطر لي أن أنظر يوماً في العربية والإسلامية، ما حقيقة أمرهما، وهل بينهما تناقض كالتناقض بين الوجود والعدم، بحيث لا تجتمعان ولا تنعدمان، فلا يكون المرء عربياً مسلماً، ولا يكوسن إلا عربياً أو مسلماً؟.
هل بينهما تضاد كالتضاد بين السواد والبياض، بحيث ينعدمان جميعاً، ولكن لا يجتمعان؟ ما حقيقة الصلة بينهما؟.
وجعلت هذا موضوع المحاضرة، فلما انتهت نظر كلّ من الفريقين في وجوه الآخرين يفتشون عما كانوا يتوهمونه من العداوة والخلاف فلم يجدوه، وخرجوا كالأخوة المتضامنين.
فأحببت أن أعود اليوم إلى هذا الموضوع، رغبة مني في تصحيح رأي الإسلاميين في العربية، والقوميين في الإسلام وفي إحلال السلام بينهما محل هذا الخصام.
***
стр. 132
إنه ليس بن العربية والإسلامية تناقض ولا تضاد، بدليل أني (أنا نفسي) عربي وأني مسلم، وأن الصفتين قد اجتمعتا فيّ، فلو كان بينهما تناقض أو تضاد، لكنت مناقضاً نفسي وهذا محال. وأكثر القراء يجمعون في أنفسهم بين الصفتين فهم عرب، وهم مسلمون. والرسول صلوات الله عليه وصحبه كانوا عرباً وكانوا مسلمين. والقرآن كتاب الإسلام وكتاب العربية، فهو الدين لمن أراد الدين، وهو البيان والبلاغة لمن أراد البلاغة والبيان.
وإذا شئت تحديد الرابطة بين العربية والإسلامية، وجدت بينهما باصطلاح أهل المنطق عموماً وخصوصاً من وجه، ولا أحب أن أكون رقيعاً فأخاطب جمهرة القراء باصطلاحات المنطق، بل أحب أن أقرب الأمر إليهم، فأصوره لهم دائرتين كبيرة وصغيرة، والصغيرة وسط الكبيرة، إلا هلال منها خارجاً عنها، فإذا رمزنا بالكبيرة للإسلام، وبالصغيرة للعربية، أن العربية تنطوي في الإسلام إلا جانباً منها، فهناك ما هو عربي إسلامي، وما هو إسلامي غير عربي، وما هو عربي غير إسلامي، وإذا لم يكن بد من الاختلاف والتنازع، فبين المسلم العربي وغير العربي غير المسلم، أما نحن المسلمين العرب، فإننا نناقض أنفسنا حين نفرق بين صفتين قائمتين بنا، ونحن قائمون بها، ونجعل للتناقض سبيلاً إلى الدخول بينهما.
والفكرتان من التداخل بحيث لا يكاد يظهر الخلاف بينهما، وبحيث أن أشد الناس بعداً عن الإسلام من غلاة القوميين، أعني من النصارى وممن لا يدين بالإسلام، لا يستطيع أن يجرد العربية من الإسلام، وماذا يبقى له من العربية إذا لم يكن فيها محمد ﷺ وصحبه وأتباعه الذين فتحوا الأرض، وشادوا المدائن، وأقاموا هذه الحضارة، وإذا لم يكن فيها القرآن، الذي وضع هذه العلوم كلها.
ما الذي يبقى من العربية إن لم يكن فيها محمد والقرآن؟.
هل تبقى إلا المعلقات وبطولات حرب البسوس التي لم تزد على (خناقة) في حي، وموقعة ذي قار التي طار العرب فرحاً بها، حين غلبوا فيها فصيلة جند
стр. 133
كسرى؟ وغمدان والخورنق والسرير؟ أين هذا من الحضارة التي أقامها محمد ﷺ وأتباعه، والبطولات التي أظهروها، والمجد الذي بنوا، فأرسوا أسسه على الصخر وساموا بشرفاته النجم، وتركوه يزاحم بمنكبه في ميدان الخلود الدهر.
إن غير المسلمين من القوميين لا ينكرون، إن الذي أخذ بيد العرب حتى دلهم على طريق المجد، وسلك بهم مسالك الفتح، ووضع في رؤوسهم فكر العالم، وبين أصابعهم قلم الكاتب، وألبسهم تاج السيادة في الدنيا، وأقعدهم مقعد الأستاذية من البشر جميعاً، هو محمد ﷺ .
فلننظر إلى أشد المسلمين بعداً عن العربية، أعني الأعاجم، هل يستطيع أحد منهم أن ينكر أن محمداً عربي، وأن القرآن عربي، وأن الله كان أعلم حيث يجعل رسالته، ولو كان في الأرض أولى بها من العرب لجعلها فيهم، إنه لم يختر لها المتمدينين الذين يعيشون في المدائن في ظلال الإيوان، ولا في القسطنطينية بجوار الأبراج والقباب، ولم يختر لها رجلاً من بلاد الكروم والأعناب، ما اختار إلا هذا الشعب الصحراوي القوي العبقري الذي لم يتعفن برطوبة المدن الموبوءة، ولم يتلوث بأوضار الحضارة المزورة، بل بقي على الفطرة، على خلال الخير وسلائق الطهر، وأنه هو الذي حمل المصباح الذي أوقده محمد ﵊، فضوأ به للدنيا كلها طريق الحق والعدل والخير، وأن القرآن الذي يتلونه في صلاتهم عربي، لا يفهم إلا بتعلم العربية، وأن الكعبة التي يتوجهون إليها، ولا يرون أمنية تعدل الحج إليها والتعلق بأستارها، هي بنية عربية في بلدة عربية، وأن الأرض التي انبثق هواءها ووطئ حصاها، ثم ثوي بين أحشائها هي أرض عربية؟.
لذلك ترى المسلمين في كل بلد يحبون العربي، ويتبركون به، ولقد رأيت العجائب من ذلك، رأيتها بعيني لما ذهبت إلى باكستان والهند والملايا وأندنوسيا.
ولذلك جعل الإسلام كله بلد فتحها، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب بلداً عربياً بلسانه، عربياً بقلبه، وجعل من غير العرب من هم اليوم
стр. 134
أئمتنا وأساتذتنا نحن العرب في لغتنا، في اللغة والنحو والصرف والبلاغة، وجعل منهم كبار شعرائنا وكتابنا، ولا أحب أن أمثل بأبي عبيدة وسيبويه والزمخشري وبشار وأبي نواس وابن الرومي، فإن المسألة أشهر وأعرف من أن يمثل عليها، وما ثَمّ متعلم إلا وهو يعرفها ويسوق عشرات الأسماء شاهداً عليها.
ونحن اليوم لا نرى جماعة من المسلمين إلا وهم يعرفون العربية أو يعرفها علماؤهم على الأقل معرفة فقه بها وفهم لها وتوسع فيها، في الصين وتركستان وبخارى والهند وجاوه. وهذا كله من أثر الإسلام.
...
فليس بين العربية والإسلامية ما يدعو إلى هذا الخلاف المستمر بين الدعاة إليهما، إنما الخلاف بيننا وبين من يحاول أن يجعل من القومية ديناً يناوئ به الإسلام، أو يجعل من العربية أخوة يستغني بها عن أخوة الإسلام، يريد أن بفك بأصابعه العقدة التي عقدها الله من فوق سبع سماوات، حين قرر أن المؤمنين أخوة، وأن الأخوّة هي أخوة الإيمان، لا أخوّة اللغة والجنس واللون والبلد. وأن نقطع صلتنا بأربعمائة مليون من إخواننا المسلمين غير العرب لنسترضي بهم مليونين من العرب غير المسلمين، وهؤلاء العرب غير المسلمين عاشوا معنا، راضين عنا، ألفا وثلاثمئة سنة ما قالوا شيئاً، حتى جاءت بدعة القومية، وجاء القوميون منا يقولون عنهم ما لم يقولوا هم أنفسهم.
الخلاف بيننا وبين من يخالف أحكام ديننا، وكتاب ربنا. وأذن يكون خلافاً بين كفر وإيمان، لا بين عربية وإسلامية ونحن نأبى الكفر سواء أكان صاحبه أعجمياً أو كان عربياً قرشياً هاشمياً.
وكان أول من نبهني إلى هذا الغلو منا في النفور من كل دعوة عربية، خالي الأستاذ محب الدين الخطيب أول دعاة العربية في مطلع هذا القرن، وأول دعاة الإسلام بعد ذلك، وقال لي، إنكم تخليتم عن قيادة الدعوة العربية، وتركتموها لهؤلاء فصبغوها بهذه الصبغة الجاهلية، وأنتم في الحقيقة أهلها وأنتم أحق بها.
стр. 135
وأنا أريد أن نعود إلى حمل لواء العربية، العربية المسلمة، وأن نعيد لها عزها ومجدها، وما عزها ولا مجدها إلا بالإسلام، وأن نكون مسلمين يدعون إلى الإسلام، وأن نكون عرباً نعتز بالعربية، وأن نجمع بينهما في أنفسنا وعلى ألسنتنا وعلى أقلامنا، وأن نعود إلى البيان العربي الذي نزل به القرآن، ونحيي لغة العرب التي جاءت بها الشريعة، وأن نعرف تاريخ العرب لأنه تاريخ الإسلام، وأن نحافظ على علائق العرب وأخلاق العرب التي أقرها وارتضاها الإسلام، وأن نكون مع كل داع إلى هذا قائل به، فإن جاء من ينكر نبوة محمد ﷺ ويراه عبقرياً مجرد عبقري، أو يريد أن نقطع حبل الأخوة الذي يربطنا بإخواننا المسلمين، أو أن يحل أخوة الأرض واللغة والجنس والبلد مكان أخوة الإسلام. قلنا له: لا، لا، ولا كرامة، إن الإسلام قبل كل شيء، ولو أعطينا الدنيا بكنوزها وأمجادها ولذاتها، على أن ننزل عن ذرة واحدة من ديننا، لأبيناها وبصقنا عليها احتقاراً لها، لأن الدنيا كلها لا تعدل في نظر المسلم ذرة من الإسلام.
***
стр. 136
في القهوة
أذيعت سنة ١٩٥٨
ليس هذا بالحديث الذي يعلو بسامعيه إلى سماء الفن والعاطفة والفكر ولكنها قصة من قصص البلد، لا ترتفع بهم عن أرض الواقع، إنه مشهد من مشاهد الحياة، وكذلك تكون أحاديث الإذاعة، يوماً من الماضي ويوماً من الحاضر، ومرّة للاستمتاع بجمال الفن، ومرة للعمل على إصلاح المجتمع، ومن لم يجد فيه ما يبتغي، فليرقب آخر فلعلّه الذي كان يريد.
وهذه القصة أنه حكم عليّ البارحة بلا ذنب أذنبته، ولا جرم ارتكبته، وأبلغت القرار بنفيي وإبعادي عن الدار، التي أنا (ولا فخر) ربّها وصاحبها، وأنذرت بألا أعود إلا إذا مال ميزان الليل، ودنا السحر، ذلك أن الدار كانت تعجّ بالمدعوّات إلى حفلة نسائية (١)، فكأنها الحمام قد انقطع عنه الماء ولو أنه سمح لي لما أطقت البقاء، وكنت امرأ حليف البيت ورفيق الكتاب، أعود إلى بيتي من قبل المغرب، وأن أنا سهرت مرة في الشهر أو الشهرين، فإنما أسهر إلى الساعة العاشرة لا أعدوها، فكيف أمضي أكثر الليل خارج الدار، وإلى أين أذهب؟ حرت في أمري، وضاقت عليّ السبل، ثم أزمعت دخول قهوة من هذه القهوات ...
وقصدت قهوة كنت أعرفها، فدخلتها متردداً مستحيياً، أحسب أن عيون الناس كلهم قد توجهت إليّ، وأنظارهم قد انصبت عليّ، أدور بين المجالس أكاد أتعثر بنارجيلة أو سهوة (طربيزة) حتى وجدت صديقاً لي رآني فقام يستقبلني هاشاً باشاً متعجباً، ودعاني فجلست ...
стр. 137
- قال لي: عجباً، أراك في القهوة؟.
- قلت: هذا حكم القدر.
وضحكت وقصصت عليه القصة، ثم أخذنا نتحدث، فكان عن أيماننا إثنان يلعبان بالنرد (الطاولة) (١)، وكلما نقلا حجراً خبطاه خبطاً منكراً، فأحسّ بصوته (طَخّ) كأنه ضربة على رأسي، وعن شمائلنا آخران، يلعبان الورق وحولهما جماعة من الشباب، وكلما ألقى أحدهما ورقة صرخوا صرخة أشعر كأنها تثقب طبلة أذني، ومن ورائنا حلقة فيها نوادر، فكلما جاءت نادرة قهقهوا قهقهة ترج القهوة رجّاً، وخلال ذلك، ترتفع الصيحات (من عاوز ميّ؟) (واحد قهوة مظبوط)، (شاي خفيف)، (هات بصّة)، (نَفَس عجمي لهون)، (عشّي)، (مين بدو عشّي!) والراديو يزلزل الجوّ بأغنية من أغاني فريد الأخرس - عفواً أقصد الأطرش! وما كان ثمّة إلا من ينفخ من فمه أو من أنفه دخاناً، فكل رجل مدخنة، والهواء فاسد مفسد، فما مرّت عليّ عشر دقائق حتى أحسست كأنْ قد دير بي (دخت)، وأن أعصابي قد تحطمت، فقمت لأذهب.
قال صاحبي: إلى أين!
قلت: إلى حيث ... إلى حيث أجد الهواء، والهدوء، والراحة ...
قال: ألا تشرب شيئاً؟
قلت: قد شربت كأس الأذى حتى الثمالة فدعني أخرج، فما بقي بي طاقة على الاحتمال ...
قال: أخرج معك.
قلت: تفضل.
стр. 138
ولما صرنا في الشارع، ونشقت الهواء، واستراحت أذناي، تشهدت وقلت له: هل تجيء القهوة كل يوم؟
قال: كل يوم!
قلت: أعوذ بالله. وما تجدون فيها؟
قال: نأكل ونشرب ونلعب ونتسلى مع الإخوان.
قلت: ولم؟ أو ليس في دارك ما تأكله وتشربه، أليس لك زوج وأولاد تلاعبهم، وتتسلى بهم؟
قال: طعام القهوة أشهى.
قلت: ولم كان أشهى!
قال: إن معه الفجل والبصل والنعنع والمخللات والمقبلات.
قلت: هذا كله عند الخضري، فلم لا تأتي به إلى الدار، وتأمرهم أن يقدموه إليك مع الطعام؟ وما هو ذنب امرأتك وأولادك حتى تتركهم كل ليلة؟ تهجر بيتك وأنسه وهناءه، وتأوي إلى هذه القهوات التي تصمّ الآذان وتحطم الأعصاب، لا ترجع إلى دارك حتى يكون الأولاد قد ناموا، وربما تأخرت في الصباح فلم تقم من منامك حتى يكونوا قد ذهبوا إلى مدارسهم، فلا يرونك ولا تراهم إلا مرة في الجمعة، فكأن هذه القهوة قد فجعتهم بك، وحرمتهم منك، وصيرتهم أيتاماً وأبوهم حيّ.
وتشكو بعد ذلك أن زاغ الأولاد، أو ساءت أخلاقهم، أو فسدت تربيتهم؟ تترك التعب كله للمرأة المسكينة، فلا يكفيها هم الطبخ والنفخ، والكنس والمسح وهمُّ الأولاد واكتنّ (١) واهدأ، طول النهار، حتى تهجرها في الليل؟
إن المسكينة لا تصل إلى المساء حتى يكون قد انهد جسمها، وضاق
стр. 139
صدرها وطلعت روحها، وهي تأمل أن تجيء لتنفس عنها، فإذا أنت تركض إلى القهوة ...
قال: ما هذا يا أستاذ؟ أنت قاض وتقضي عليّ، قبل أن تسمع مني؟ أو تظن أني أفر من الدار لولا أن الدار صارت عليّ جحيماً؟ أو تحسب أن هؤلاء الذين تمتلئ بهم القهوات يتركون بيوتهم لو كانت بيوتهم جنات، وهل يهرب أحد من الجنة؟ إني أكدح النهار كله، أقاسي هم الكسب، ومعاناة الناس، فلا ينتهي النهار حتى يكون قد نفذ صبري، وضاق صدري، فأمشي إلى الدار أرجو أن أجد فيها الأنس والسلام، فلا أجد إلا الحرب والخصام، إن أبدت المرأة للضيوف لطفها ورقتها كان حظي منها غلظتها وشدتها، وإن أرت الأجانب عندما تخرج جمالها، لم أر منها أنا زوجَها إلا قبحها وابتذالها، كان كل خير فيها لغيري وكل شرّ فيها لي، فمن ذلك أفرّ؟
- قلت: لو فررت إلى أنس وطيب لعذرتك، أما هذا المكان الفظيع الشنيع ...
- قال: ثق أني لو اضطررت إلى ما هو أفظع وأشنع، لما ترددت في الإقدام عليه على أن أخلص من البيت ونكد البيت.
- قلت: عجيب والله، أما أنا فلو دعيت إلى أبهى السهرات، وأعظم الحفلات، لما آثرت ذلك على بيتي.
- قال: لعلك مستريح في بيتك فلا تبغي منه بديلاً.
- قلت: اي والله، أنا مستريح، ولله الحمد.
- قال: أفتظن أن الناس كلهم أمثالك، أو تحسب أن كل أهل كأهلك توفر لزوجها الراحة والهناء.
- قلت: وأنت هل تريح امرأتك وتهنيها؟ ألا تشكو هي منك مثل الذي تشكوه أنت منها؟ وإذا كنت تفتقد الحب والعطف، فإن أقرب طريق يوصلك إلى الحب والعطف، أن تبدأ أنت فتحب وتعطف، فهل جربت هذا مرة؟
- قال: وماذا أصنع سألتك بالله؟
стр. 140
- قلت: أن تعرف أن لزوجك عليك حقاً، وإن لولدك عليك حقاً، وأن تؤدي لكل ذي حق حقه.
صحيح أنك تروح العشية إلى دارك تعبان ضجران، وأن لك أن تستريح وتهدأ، ولكن لا تنسَ أن المرأة في تعب كتعبك وضجر كضجرك، وأنها ترقب مجيئك لتأنس بك، وتلجأ إلى كنفك، وتتخلص بك من هم العفاريت فاعطها ما تطلب منك تعطك ما ترجوه منها.
لا تعطها المال، ولا الهدايا، بل الوجه الطلق، والثغر الباسم، والتحية الحلوة، إنك مهما كنت في تعب، وجاءك ضيف عزيز فإنك تتلقاه بالسلام والابتسام، فلم يكون هذا الضيف أحق ببرّك وخيرك من امرأتك؟
فإذا انتهيت من طعامك، تخيّر لها من حديث يومك، مما رأيت وسمعت ما تملأ به وقتها وتملأ به بالحب قلبها، وهي تحدثك بطريف الحديث، بما يسرّ ويمتع، لا بما يزعج ويغضب، ويحفظ كلٌّ متاعبه ساعةً لنفسه، لا ينفضها في وجه صاحبه من أول لحظة، ولا تقعدا ساكتين كأنكما صنمان في متحف، فإن من آفات الحياة الزوجية أن الزوجين لا يتحدثان إلا قليلاً، لا لأن الأحاديث تنفد وتنتهي، بل لأنهما لا يحفلان الحديث ولا يردانه، والأحاديث لا تنتهي أبداً، والدليل أن الزوجين يكونان جالسين ساكتين فإذا جاءهما قريب أو قريبة تدفق كلاهما بالحديث، واستبقا إليه وتزاحما عليه.
ولقد قرأت مرة أن زوجين عجوزين كانا كلما قعدا تهامسا بشيء ثم انطلقا يضحكان، فسئلا من أين يجدا دائماً هذا الكلام المضحك، فقال الرجل: إننا اتفقنا على شيء نقطع به حبل السكوت بيننا، هو أننا إذا لم نجد ما نقوله، همست في أذنها: واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة، فقالت: ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة. فنضحك ونجد ما نقول.
لا أطلب من الزوجين أن يلتا ويعجنا (١) طول الليل، لا، بل بأن يتحدثا
стр. 141
ساعة ثم يقبل هو على كتابه أو جريدته وهي على خياطتها وحياكتها.
وخير من ذلك، وأجدى، أن يختار الرجل كتاباً من كتب الحديث كرياض الصالحين للنووي أو كتب السيرة أو الأخلاق أو التاريخ، فيقرأ لزوجته وأولاده كل يوم صفحة ويفسّرها لهم، وكلما مرّ أمر بخير تواصوا بالعمل به، وكلما مر نهي عن شرّ تواصوا بالامتناع عنه، فيجتمع لهم من ذلك العلم والعمل والبيان والألفة والسلام.
- قال: يا أستاذ، أنت في واد، ونحن في واد، إنك تتكلم بالخيالات كأنك لا تعرف الواقع، ولا تدري ما حال الناس، وهل تظن أن نساءنا عاقلات عالمات يخاطبن بالمنطق، ويقدرن النكتة واللطف، إني أكلمها من الشرق فتجيبني من الغرب، وأسوق إليها النادرة اللطيفة فأرى منها الهجمة العنيفة، قلت لامرأتي إذا قرب موعد رجوعي فاتركي شغل الدار على حاله، فإن شغل الدار لا ينتهي وأكثر الرجال لا يهمهم نظافة أرض الدار بقدر ما تهمهم نظافة وجه المرأة ونظافة لسانها، ولا يبالون بحسن الطبخ قدر ما يبالون بحسن الخلق، والبسي خير ثيابك وألبسة الأولاد، وأعدي لزوجك ما يريد، هيئي المائدة ورتبي له المكان على النحو الذي يعجبه ويرضاه، واستقبليه بالبشر والعناية، والابتسام والرضا فيلقاك بمثل ذلك، ولو كان الرجل أغلظ الناس، لما استطاع أن يقابل هذا الخير إلا بخير منه أو بمثله.
ولتثق المرأة أن الرجل إذا استراح في بيته لم يفكر في قهوة ولا ملهى ولو أن كل رجل وجد في بيته الراحة والأنس لأقفرت القهوات وأغلقت أبوابها فالذنب كله ذنب المرأة، هي التي تكرّه الدار إلى الزوج، وتحبب إليه السهر فتجني عليه وعلى نفسها.
- قلت: أما أنا فأرى أن الصلاح من الرجل، والفساد من الرجل، ونساؤنا خاصة من خير نساء الأمم، وأطوعهن وأخلصهن، ولكن الرجال لا يعرفون كيف يستفيدون من طبيعة الخير فيهن، الرجل هو المسؤول، الأب أولاً والزوج ثانياً، وعليه أن يبدأ هو بإصلاح ما أفسد.
стр. 142
- قال: إنك تظلم الرجال، إن البلاء كله من النساء.
...
وبعد فلقد دخلت كثيراً من بلاد الله، فلم أجد في بلد ما نراه في بلادنا العربية، من هذه القهوات، التي يجتمعن فيها الآلاف المؤلفة من البشر يقعدون يمضون الساعات الطوال لا يعملون شيئاً، لا يستفيدون ولا يفيدون، يسيئون إلى صحة أجسادهم، وإلى عواطف زوجاتهم، وإلى تربية أولادهم، ويسيئون إلى أمتهم وبلادهم، هذه الأمة التي هبت اليوم تجدد بناء مجدها، وتستعيد في الأرض مكانها، ولها في عنق كل ابن من أبنائها ألّا يضيع ساعة من وقته، ولا ذرة من جهده، إلا في العمل لها.
فمن المسؤول عن خراب البيوت، وإضاعة الأوقات، وإفساد الأولاد، النساء كما يقول صاحبي، أم الرجال؟
فكّروا أيها القراء!
***
стр. 143
أسئلة
نشرت سنة ١٩٤٧
كان حديثَ الناس في الأسبوع الذي مضى، وحديثَ الصحف، هذه الـ (أربعون ألف جنيه) التي تبرع بها البدراوي باشا وشهد عليه بها الشهود، وجاءته عليها رسائل الشكر وبرقيات التهاني، حتى إذا شبع من الثناء، وروي من المدح، وانتشى من الفخر، ونال ما كان يريده من تبرعه، ولم يبق من ورائه غنم يناله، ما بقي إلا الغرم بالـ (أربعين ألف جنيه) عاد فجحد قوله، وأنكر هبته، وطعن على الشهود، وكذب الناقلين، فعاد المهنئون له يعزونه، والمادحون إياه يهجونه، وانطلقت الألسنة بالوقيعة فيه، والنيل منه، وأذهب هذا القدح لذة المدح الأول، اشتاق إليه لما فقده، ولكن عزّ عليه أن يشتريه بـ (أربعين ألف جنيه)، وأن يؤديها كاملة فيكذب نفسه، ويثبت قول من شهد عليه، فافتداها بعشرة آلاف رفعها إلى السدة الملكية، فردتها عليه، ولم تقبلها منه. وقالوا، إنه سيدعى الشعب إلى اكتتاب عام يشترك فيه الغني والفقير، يحقق به ما كان التبرع له، وهو إنشاء معمل للّقاح، يقي الناس من هذا الوباء الذي يحصد بمنجله النفوس، ويقطع الأعناق، ويودي بالأسر.
...
انتهيت من قراءة هذا الخبر، فنشأت في نفسي أسئلة كثيرة، أحببت إذاعتها لأني أتمنى أن أجد مجيباً عليها:
أولها: السؤال عن هذا التفاوت العجيب بين الناس الذي صار شعار الحياة المصرية، وآيتها ... من أين جاء؟ وكيف تركه العلماء والمصلحون وأصحاب الرأي، وذوو السلطان، ينمو ويمتد حتى يصير كالدوحة العظيمة، ولم يقطعوه وهو بعد غصن طري؟
стр. 144
وكيف انتهت الحال إلى أن يكون في مصر نفر من المصريين والأجانب اجتمعت في أيديهم الملايين، وملايين من المصريين دون الأجانب فرغت أيديهم من كل شيء.
وكيف امتد هذا التفاوت إلى غير المال؛ فكان في مصر نفر هم أكابر أدباء العربية، ونفر هم أئمة علماء الإسلام، ونفر هم أعلام الفلسفة والحقوق وعلوم الطبيعة، وجماهير لا تحصى، (إلا في دفاتر الإحصاء عند الحكومة)، لا تعرف من العربية ولا من الإسلام ولا من هذه العلوم شيئاً، بل هي لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وصارت مصر بحيث لو ذهب منها مئتا رجل فقط، من عشرين مليوناً صارت زعامة مصر الثقافية، بين الأقطار العربية، خبراً بعد عين.
وكان في مصر، بل في القاهرة نفسها العمارة التي تشتمل على خمس عشرة طبقة، والأكواخ التي لا شباك لها ولا ماء فيها ولا مرحاض، وفيها أفخم السيارات تسير بجانب عربات الكارو، تحمل أهل القاهرة من حي إلى حي، وفيها شارع فؤاد وشارع سليمان، وفيها الزمالك وجاردن سيتي، وفيها مقابل ذلك زين العابدين والدراسة وبولاق، وفيها فندق شبرد ووراء حديقته أزقة مسدودة لا تراها الشمس، ولا يمر منها الهواء، ولا ينيرها الكهرباء، ولا تعرف الطريق إليها مصلحة التنظيم ..
إن الناس يتفاوتون في بلدنا، وفي بلاد الناس كلها، ففيهم الغني والفقير، والعالم والجاهل، وعندنا العمارات الكبيرة، والدور الحقيرة، ولكن المسافة بين عالينا ونازلنا قصيرة متحملة فليس في دمشق كلها عمارة كالـ (ايموبليا) ولا كنصفها، إن أعلى عمارة فيها في ست طبقات، ولكن ليس في دمشق أيضاً، بيوت كبيوت مصر القديمة أو عشش الترجمان ..
وعندنا فقراء، ولكن فقراءنا لهم ثياب نظيفة تسترهم، وأحذية تحملهم، وبيوت تكنهم، وعندنا مالكون للأرض، ولكن الناس يملكون معهم، ليسوا عبيداً لهم، ولا أجراء عندهم، ما عندنا هذه (الإقطاعية ...) إلا في حماة وأمثالها، وهي مناطق محدودة، وسائر الأرض مقسمة بين الناس، يملك الواحد
стр. 145
منهم ربع الفدان فما فوقه، ولا يرى نفسه دون مالك الآلاف، ولا يذر له ولا يرى له عليه فضلاً.
لذلك يعجب الشامي عندما يقدم مصر، ويرى هذا التفاوت فيها، ويسأل من أين جاء؟
وثانيها: السؤال عن الكتاب والعلماء، لماذا لا يدعون إلى تخليص البلد من هذا الداء العياء، وتعديل كفتي الميزان وتحقيق طبيعة العرب في المساواة، ومقصد الإسلام في العدالة لا أريد المساواة المطلقة التي لا تبقي غنياً ولا فقيراً، فهذا ما لا يكون ولا ترضاه سنن الكون، ولا طبائع الأشياء. لا يكون إلا في أذهان الفلاسفة والشعراء، وأصحاب الأغراض من الدعاة، يشعبذون به على الناس، ويتخذونه سلماً إلى غاياتهم، ووسيلة إلى أغراضهم، ولكن أريد المساواة المعقولة، التي لا ينزل بها إنسان إلى منزلة البهيمية في طعامه وشرابه ومسكنه، ولا يرتقي إنسان إلى الألوهية، يدعيها كذباً وبهتاناً كما ادعاها فرعون من قبل وأن يكفل لكل مصري (مهما كانت مهنته، وكان عمله) طعامه وشرابه وكسوته ومسكنه، كما يليق بالإنسان أن يأكل ويشرب ويلبس ويسكن، وأن لا يترك في مصر رجل واحد، يعيش كما تعيش السائمة، يأكل قريباً من طعامها، وينام مثل منامها، في الطرقات، والحقول، وعلى الأرصفة، وفي الأكواخ؛ وأناس يطعمون كلابهم الشكولاتة، وينفقون أموالهم في المراقص، ويذيبون ذهبهم في الكؤوس.
فماذا يصنع العلماء والكتاب؟
وثالثها: السؤال ... إذا كان يجوز لمثلي السؤال، عن الحكومة ما لها تقر هذه الحال، في كثير من قوانينها وأنظمتها، فتجعل المدارس الأولية متفاوتة الدرجات، ولا تسوق ابن الغني وابن الفقير بعصا واحدة، وتحشرهم في مدرسة واحدة، كما تفعل وزارة معارفنا في الشام؛ وما لها تعنى بالمشروعات الضخمة الكمالية، قبل إتمام الضروري كأن القصد تنويع الحلوى للأغنياء، قبل تقديم الخبز للفقراء؟!