Полный текст (157 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يَقْبَلُوْنَ في مَعَالمَ وقَوَاعِدَ وأسُس عُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ نَصْيبًا دَانِيًا، ولا تَفَاضُلًا شَائِنًا، بَلْ تَرَاهُمْ قَدْ أخَذُوا مِنَ العُلوْمِ الشَّرْعِيَّةِ القَدْرَ الوَاجِبَ (الغَائِي مِنْها والآلِي)، مَعَ تَوَسُّعٍ في بَعْضِها، أو كُلِّها لا سِيَّما المُجْتَهِدونَ مِنْهُم.
ومِنْه تَعْلَمُ قَوْلَ المتقَدِّمِينَ: فُلانٌ أُصُوْلِيٌّ، فَقِيهٌ، نَحْوِيٌّ، لُغَوِيٌّ، مفَسِّرٌ، مُحَدِّث، قَارِئٌ، مُشَارِك (١) ... ! لَخْ.
* * *
* وأمَّا التَّخَصُّصُ المَذْمُوْمُ: فَهُوَ مَنْ لم يَجْمَعْ صَاحِبُه بَينَ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، اللَّهُمَّ إنَّه تَوَسَّعَ وتَفَنَّنَ في عِلْمِ ما (الغَائِي مِنْها أو الآلِي)، دُوْنَ غَيرِه مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَتَرَاهُ إذا كَانَ فَقِيهًا (مَثَلًا): لَمْ يَأْخُذْ مِنْ عُلُوْمِ الآلَةِ، وعُلُوْمِ الغَايَةِ: القَدْرَ الوَاجِبَ الَّذِي يُسَاعِدُه عَلَى فَهْمِ دِينه بِعَامَّة، وبالفِقْهِ بِخَاصَّةٍ؛ بَلْ غَايَةُ مَا عِنْدَه أنه يُحْسِنُ مَسَائِلَ الفِقْهِ! стр. 107
ومِنْه تَعْلَمُ قَوْلَ المتأخِّرِينَ: فُلانٌ أصُوْلي فَقِيه، مُحَدِّث، نَحْوِي، مفَسِّرٌ، قَارِئ، دَعَوِي، وَاعِظٌ ... إلخ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَانَ كَلامِي هُنَا عَنْ أصْحَابِ هَذَا التَّخَصُّصِ، فكُنْ عَلَى ذُكْرٍ!
* * *
ومنْ بَعْدُ، فإنَّ أصْحَابَ التَّخَصُّصِ العِلْمِيِّ (المَذْمُوْمِ) لَمْ يَنْفَكُّوا عَنْ أخْطَاءَ شَرْعِيَّةٍ وآثَارٍ سيِّئةٍ، قَدْ دَفَعَتِ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ (لاسِيَّما هَذِه الأيام) إلى مَفَاوِزَ مُهْلِكَةٍ، ومَزَالِقَ عِلْمِيَّةٍ، يَكْفي بَعْضُها لمِسْخِ مَا بَقِيَ مِنْ تراثِ أمَّتِنا الإسْلامِيَّةِ، فمِنْ ذَلِكَ:
أوَّلًا: أنَّ التَّخَصُّصَ العِلْمِيَّ الحادِثَ بِقِسْمَيهِ (الغَائِي والآلِي)، كَمَا هُوَ جَارٍ في خِطَّةِ تَعْلِيمِ بِلادِ المُسْلِمِينَ الآنَ، قَدْ أخَذَ مُنْحىً خَطِيرًا في تَقْطِيعِ أوَاصِرِ التَّرَابُطِ بَينَ عُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ، وتَقْسِيمِها إلى أجْزَاءَ عِلْمِيَّةٍ ومُتَفَرِّقَاتٍ مُتَنَاثِرة هُنَا وهُنَاكَ، لا يَجْمَعُها جَامِعٌ بَتةً؛ فَعِنْدَها كَانَ الأثَرُ السَّيِّئُ عَلَى الحيَاةِ العِلْمِيَّةِ والأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَدَى طُلابِ العِلْمِ هَذِه الأيامَ.
يُوَضِّحُهُ؛ أنه لما أزِفَتِ الآزِفَةُ، وأقْبَلَتِ الفِتَنُ في مَسَارِبَ مُهْلِكَةٍ، مُنْقَادَة لتُعِيدَها حَرْبًا صَلِيبِيَّةً يهوْدِيَّةً عَلَى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ في بِلادِ فِلِسْطِينَ وأفْغَانِسْتَانَ والعِرَاقِ وغَيرِها، وكَذَا مَا هُنَاكَ مِنْ هُجُوْمٍ سَافِرٍ عَلَى أخْلاقِ
стр. 108
المُسْلِمِينَ، ومَنَاهِجِهِم الشَّرْعِيَّةِ، إلِى غَيرِ ذَلِكَ مِنْ قَضَايا الأمَّةِ العَصْرِيَّةِ ... ونَحْنُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ نَزَلْ نرى كَثِيرًا مِنْ أرْبَابِ التَّخَصُّصِ يَعْتَذِرُوْنَ عَنْ تَخَاذُلهِم وتراجُعِهِم عَنْ عَدَمِ المُشَارَكَةِ في الذَّبِّ عَنْ قضايا أمَّتِهِم بِحُجَّةِ النَّزْعَةِ البَائِسَةِ الَّتِي رَاجَتْ في سُوْقِ أهْلِ العِلْمِ باسْمِ: التَّخَصُّصِ العِلْمِيِّ!
يُوَضِّحُه: أنَّ الفَقِيه مِنْهُم (مَثَلًا) مِمَّنْ لَهُ مُجْمُوْعَةٌ مِنَ التَّآلِيفِ الفِقْهِيَّةِ، والتَّحْقِيقَاتِ الجَامِعِيَّةِ الَّتِي نَالَتْ مَرْتبةَ الشَّرَفِ ... مَا زَالَ يَعْتَذِرُ عَنِ المُشَارَكَةِ في قَضَايا أمَّتِه الإسْلامِيَّة: بأنَّ مَا يَدُوْرُ هُنَا لَيسَ مِنْ تَخَصُّصِهِ، وهَذَا مَا نَجِدُه في الأعَمِّ الأغْلَبِ مِنْهُم!
هَذَا إذَا عَلِمْتَ (للأسَفِ) إنَّ أمْثَالَ هَذَا الفَقِيهِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنا قَدْ تجاوَزَتْ أعْدَادُهُم المِئَاتِ.
وقِسْ عَلَى هَذَا: صَاحِبَ العَقِيدَةِ، والتَّفْسِيرِ والحَدِيثِ، واللُّغَةِ وغَيرِهِم.
* * *
ومَهْمَا يَكُنْ؛ فَلا تَعْجَبْ يَا طَالِبَ العِلْمِ إذَا عَلِمْتَ أنَّ القَوْمَ كَانُوا صَرْعَى التَّخَصُّصَاتِ العِلْمِيَّةِ، ونَتَاجَ الوَافِدِ الغَرْبِيِّ، واللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا يَصِفُوْنَ!
стр. 109
كَمَا كَانَ مِنْ آخِرِ سَوَالِبِ التَّخَصُّصِ الجَامِعِيِّ هَذِه الشَّارَاتُ والألْقَابُ (الجَامِعِيَّةُ!) (١)؛ الَّتِي دَفَعَتْ طَائِفَةً مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلِى قَبِيلِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، مِمَّنْ تَشَاغَلُوا بِهَذِه الأسْمَاءِ، وانْسَاقُوا جَرْيًا وَرَاءها السِّنِينَ الخَوَالِيا، إلى دُخُوْلاتِ العَطَالَةِ المُغَلَّفَةِ باسْمِ: (الحَصَانَةِ الجَامِعِيَّةِ)، فَماذَا كَانَ؟!
وَيَكْأَنَّ القَوْمَ؛ لَمْ يَنْصُرُوا حَقًّا، ولَمْ يَكْسِرُوْا بَاطِلًا: فَلا أمْرًا بِمَعْرُوْفٍ ولا نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، ولا جِهَادًا ولا اجْتِهَادًا؛ بَلْ رَأينا مِنْ بَعْضِهِم مَنْ كَانَ مجُدًّا في الطَّلَبِ والطَّاعَةِ؛ حَتَّى إذا أوْحَى إلَيه شَيَاطِينُ الإنْسِ والجِنِّ بأهَمِّيَةِ هَذِه الشَّارَاتِ والألْقَابِ ... إذا بِهِ يُصْبِحُ فَاتِرَ العَزِيمَةِ، ذَابِلَ الطَّاعَةِ، قَلِيلَ الاجْتِهَادِ والمُجَاهَدَةِ؛ أمَّا إذا سَألْتَ عَنْ الزهد وجَلَدِ الطَّاعَةِ، وهَيبَةِ أهْلِ العِلْمِ ووَرَعِهِم: فَلا تَسْأَلْ؟ فتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، وقَلِيلٌ مَا هُم!
وهَكَذَا حَتَّى أصبَحَ أهْلُ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ في هَامِشِ الذَّاكِرَةِ الإعْلامِيَّةِ، وفي زَوَايا الجَامِعَاتِ العِلْمِيَّةِ، وذَلِكَ (للأسَفِ) باسْمِ: التَّخَصُّصِ الجَامِعِيِّ!
* * * стр. 110
ثَانيًا: اعْلَمْ أنَّ فَهْمَ عُلُوْمِ الآلَةِ عَلَى قِسْمَينِ:
القِسْمُ الأوَّلُ: فَهْمٌ وَاجِب، وهُوَ مَا يَسْقُطُ بِه الطَّلَبُ وتَبْرَأُ بِه الذِّمَّةُ، وهُوَ القَدْرُ الَّذِي يَشْتَرِكُ فيهِ عَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ، وهَذَا القِسْمُ لا يجوْزُ لطَالِبِ العِلْمِ القُصُوْرُ فيه ... كما أنَّه سِلاحُ طُلابِ العِلْمِ في التَّعَامُلِ مَعَ كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ الفِقْهِيَّةِ مِنْهَا والعَقِيدَةِ والحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ وغَيرِها، فبِهَذا القَدْرِ مِنْها يَسْتَطِيعُ مَعْرِفَةَ لُغَةِ واصْطِلاحِ القَوْمِ في فُنُوْنِهِم، ومَا زَادَ عَلَى هَذا الحَدِّ فَهُو فُضْلَةٌ لا يَحْتَاجُه إلَّا مَنْ رَامَ مَرَاتِبَ الاجْتِهَادِ!
القِسْمُ الثانِي: فَهْمٌ مُسْتَحَبٌّ، وهُو الإحَاطَةُ بَغَالِبِ عُلُوْمِ الآلَةِ المُخْتَصَرَاتِ مِنْها والمُطَوَّلاتِ؛ بِحَيثُ لا يَتْرُكُ مِنْها شَارِدَةً ولا وَارِدَةً إلَّا وَقَدْ أحَاطَ بِها في الجُمْلَةِ، وهَذا القِسْمُ في حَقِيقَتِه هُوَ مِنْ مَسَالِكِ طُلابِ مَنَازِلِ الاجْتِهَادِ، مِمَّنْ عَلَتْ هِمَّتُهُم وتَاقَتْ نُفُوْسُهُم لِيقِفُوا في مَصَافِ أئِمَّةِ الاجْتِهَادِ، كالأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وغَيرِهِم.
* * *
يَقُوْلُ ابنُ القَيَّمِ ﵀ فيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ والكَلامِ عَنْه، مَا ذَكَرَهُ في كِتَابِهِ "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (١/ ٤٨٥): "ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُوْلُ: إنَّ عُلُوْمَ
стр. 111
العَرَبِيَّةِ مِنَ التَّصْرِيفِ، والنَّحْوِ، واللُّغَةِ، والمَعَاني، والبَيَانِ، ونَحْوِها تَعَلُّمُها فَرْضُ كِفَايَةٍ لِتَوَقُّفِ فَهْمِ كَلامِ اللهِ ورَسُوْلِه عَلَيها؟!
ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُوْلُ: تَعَلُّمُ أصُوْل، الفِقْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لأنه العِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ به الدَّلِيلُ ومَرْتبتُه، وكَيفيةُ الاسْتِدَلالِ؟!
ثُمَّ قَالَ ﵀: إنَّ الفَرْضَ الَّذِي يَعُمُّ وُجُوبه كُلَّ أحَدٍ: هُوَ عِلْمُ الإيمانِ وشَرَائِعِ الإسْلامِ، فَهَذا هُوَ الوَاجِبُ، وأمَّا مَا عَدَاهُ فإنْ تَوَقَّفَتْ مَعْرِفته عَلَيه فَهُو مِنْ بَابِ مَا لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إلَّا بِه، ويَكُوْنُ الوَاجِبُ مِنْه القَدْرَ المُوْصِلَ إلَيه دُوْنَ المسَائِلِ الَّتِي هِيَ فَضْلَةٌ لا يَفْتَقِرُ مَعْرِفَةُ الخِطَابِ وفَهْمُه إلَيها.
فَلا يُطْلَقُ القَوْلُ بأنَّ عِلْمَ العَرَبِيَّةِ وَاجِبٌ عَلى الإطْلاقِ؛ إذْ الكَثِيرُ مِنْه، ومِنْ مَسَائِلِه وبُحُوْثِه لا يَتَوَقَّفُ فَهْمُ كَلامِ اللهِ ورَسُوْلِه عَلَيها، وكَذا أُصُوْلُ الفِقْهِ؛ القَدْرُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الخِطَابِ عَلَيهِ مِنْه تَجِبُ مَعْرِفَتُه دُوْنَ المسَائِلِ المُقَرَّر والأبْحَاثِ الَّتِي هِيَ فَضْلَةٌ؛ فَكَيفَ يُقَالُ إنَّ تَعَلُّمَها وَاجِبٌ؟!
وبالجُمْلَةِ؛ فالمطْلُوْبُ الوَاجِبُ مِنَ العَبْدِ مِنَ العُلُوْمِ والأعْمالِ مَا إذا تَوَقَّفَ عَلى شَيءٍ مِنْهَا؛ كَانَ ذَلِكَ الشَّيءُ وَاجِبًا وُجُوْبَ الوَسَائِلِ، ومَعْلُوْمٌ أنَّ
стр. 112
ذَلِكَ التَّوَقُّفَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأشْخَاصِ والأزْمَانِ والألْسِنَةِ والأذْهَانِ، فَلَيسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مُقَدَّرٌ، واللهُ أعْلَمُ" انْتَهَى.
ويَقُوْلُ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀ أيضًا في كِتَابِهِ "زَغَلِ العِلْمِ" (٤١) مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ والكَلامِ عَنْه: "أُصُوْلُ الفِقْهِ لا حَاجَةَ لَكَ بِه يَا مُقَلِّدُ، ويَا مَنْ يَزْعُمُ أنَّ الاجْتِهَادَ قَدْ انْقَطَعَ!
ومَا بَقِيَ مُجْتهِدٌ ولا فَائِدَةَ في أُصُوْلِ الفِقْهِ، إلَّا أنْ يَصِيرَ مُحَصِّلُهُ مُجُتهِدًا بِه، فإذَا عَرَفَه ولَمْ يَفُكَّ تَقْلِيدَ إمَامِهِ لَمْ يَصْنَعْ شَيئًا؛ بَلْ أتْعَبَ نَفْسَه ورَكَّبَ عَلَى نَفْسِه الحُجَّةَ في مَسَائِلَ، وإنْ كَانَ يَقْرَأُ لِتَحْصِيلِ الوَظَائِفِ وليقالَ، فَهَذَا مِنَ الوَبَالِ، وهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الخَبَالِ" انْتَهَى.
* * *
فانْظُرْ يَا رَعَاكَ اللهُ إلى قَوْلِه: "ومَا بَقِيَ مُجْتهِدٌ ولا فَائِدَةَ في أُصُوْلِ الفِقْهِ، إلَّا أنْ يَصِيرَ مُحَصِّلُهُ مُجْتهِدًا بِه"، لتَعْلَمَ أنَّ كَثِيرًا مِنْ أهْلِ التَّخَصُّصِ في أُصُوْلِ الفِقْهِ قَدْ غَالَوْا وكَابَرُوا هَذَا العِلْمَ، وهَمْ مَعَ هَذَا لا يَتَجَاوَزُنَ في قِرَاءاتهم كُتُبَ الفِقْهِ المُدَوَّنَةِ، هَذَا إذَا عَلِمْنا أنَّ الاجْتِهَادَ المُطْلَقَ في زَمَانِنا مُنْدَثِرٌ بَينَ أهْلِه مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ؛ فَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله!
стр. 113
ومِنْ خِلالِ مَا مَضى؛ نَسْتَطِيعُ أنْ نَقِفَ عَلَى بَعْضِ الأخْطَاءِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ حَصِيلَةَ المتخَصِّصِينَ في عُلُوْمِ الآلَةِ باخْتِصَارٍ:
١ - أنَّ التَّخَصُّصَ والتَّفَنُّنَ في عُلُوْمِ الآلَةِ لا يَكُوْنُ إلَّا لمِنْ رَامَ دَرَجَةَ الاجْتِهَادِ، وإلَّا وَقَعْنَا في حَيصَ بَيصَ، وهَذَا لا نَجِدُه عِنْدَ أهْلِ التَّخَصُّصِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنا!
٢ - أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُتخَصِّصِينَ في أُصُوْلِ الفِقْهِ (مَثَلًا) مِنْ أهْلِ مِصْرِنا في هَذِه البِلادِ (حَفِظَها اللهُ مِنْ كُلِّ سُوْءٍ) نرَاهُم لا يَقْرَؤُوْنَ مِنْ كُتُبِ الفِقْهِ غَالِبًا إلَّا كُتُبَ الفِقْهِ الحَنْبَلِيَّةِ ابْتِدَاءً مِنْ "زَادِ المُسْتَقْنِعِ"، وانْتِهَاءً بـ "المُغْنِي"، ومَهْمَا اتَّسَعَتْ قِرَاءتهم لكُتُبِ الفِقْهِ الأُخْرَى، فإنَّهم أبْعَدُ مَا يَكُوْنُوْنَ عَنْ مَرَاتِبِ الاجْتِهَادِ.
* * *
وهَذَا في حَدِّ ذَاتِه يُعْتبر تَضْيِيعًا للأوْقَاتِ، وتَبْدِيدًا للطَّاقَةِ لَدَى طُلابِ التَّخَصصِ؛ حَيثُ نَجِدُهُم يَسْتكْثِرُوْنَ مِنْ قِرَاءةِ كُتُبِ "أُصُوْلِ الفِقْهِ" سَوَاءٌ عِنْدَ الأحْنَافِ، أو المَالِكِيَّةِ، أو الشَّافِعِيَّةِ، أو الحَنَابِلَةِ، ورُبَّما جَمَعُوْا بَينَها، كُلُّ هَذَا (للأسَفِ) عَلَى حِسَابِ الفِقْهِ الشَّرْعِيِّ العَامِّ، والخِلافِ العَالِي!
стр. 114
ثَالثًا: إذَا عَلِمْنا أنَّ عُلُوْمَ الغَايَةِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وأنَّ عُلُوْمَ الآلَةِ مِنْ الوَسَائِلِ، والحَالَةُ هَذِه كَانَ مِنَ الخَطأ البَيِّن، والفَسَادِ الوَاضِحِ أنْ نُغَلِّبَ جَانِبَ الوَسَائِلِ عَلَى المَقَاصِدِ، وإلَّا كنَّا مُغَالِينَ مُتكلِّفينَ!
* * *
ومَا أحْسَنَ مَا ذَكَرَهُ العَلامَةُ ابنُ خُلْدُون ﵀ في كِتَابِهِ "المُقَدِّمةِ" (١/ ٦٢٢): "وأمَّا العُلُوْمُ الَّتِي هِيَ آلَةٌ لِغَيرِها: مِثْلُ العَرَبِيَّةِ والمَنْطِقِ وأمْثَالهِما؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ فيها إلَّا مِنْ حَيثُ هِي آلَةٌ لِذَلِكَ الغَيرِ فَقَطُ، ولا يُوَسَّعُ فيها الكَلامُ، ولا تُفَرَّعُ المَسَائِلُ؛ لأنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ بها عَنِ المَقْصُوْدِ، فكُلَّمَا خَرَجَتْ عَنِ المَقْصُوْدِ، صَارَ الاشْتِغَالُ بِهَا لَغْوًا، ورُبَّمَا يَكُوْنُ ذَلِكَ عَائِقًا عَنْ تَحْصيلِ العُلُوْمِ المَقْصُوْدَةِ بالذَّاتِ لِطُوْلِ وَسَائِلِها؛ مَعَ أنَّ شَأنَها أهَمُّ، والعُمُرُ يَقْصُرُ عَنْ تَحْصِيلِ الجَمِيعِ عَلَى هَذِه الصوْرة، فَيَكُوْنُ الاشْتِغَالُ بِهَذِه العُلُوْمِ الآلِيَّةِ تَضْيِيعًا للعُمُرِ وشُغُلًا بِمَا لا يُغْنِي!
وهَذَا كَمَا فَعَلَهُ المُتَأخِّرُوْنَ في صِنَاعَةِ النَّحْوِ، وصِنَاعَةِ المَنْطِقِ، لا بَلْ وأُصُوْلِ الفِقْهِ؛ لأنَّهُم أوْسَعُوا دَائِرَةَ الكَلامِ فيها نَقْلًا واسْتِدْلالًا، وأكْثَرُوا مِنَ التَّفَارِيعِ والمَسَائِلِ بِمَا أخْرَجَها عَنْ كُوْنِها آلَةً، ورُبَّما ذَكَرُوا مَسَائِلَ لا حَاجَةَ بِها في العُلُوْمِ المَقْصُوْدَةِ بالذَّاتِ، فإذَا قَطَعُوا العُمُرَ في تَحْصِيلِ الوَسَائِلِ
стр. 115
فَمَتَى يَظْفَرُوْنَ بالمَقَاصِدِ؟ فلِهَذَا يَجِبُ عَلَى المُعَلِّمِينَ لِهَذِه العُلُوْمِ الآلِيَّةِ أنْ لا يَسْتَبْحِرُوا في شَأنِهَا، ولا يَسْتكثِرُوا مِنْ مَسَائِلِها، ويُنبِّهُ المُتَعَلِّمَ عَلَى الغَرَضِ مِنْها" انْتَهَى بتَصَرُّفٍ واخْتِصَارِ.
* * *
رَابعًا: أنَّ العُلاقَةَ بَينَ عُلُوْمِ الغَايَةِ والآلَةِ عُلاقَةٌ طَرْدِيَّة، لا سِيَّما مِنْ جِهَةِ الوَسَائِلِ، فعِنْدَئِذٍ كُلَّمَا ازْدَادَ طَالِبُ العِلْمِ مِنْ عُلُوْمِ الآلَةِ، كَانَ عَلَيه أنْ يَزْدَادَ مِنْ عُلُوْمِ الغَايَةِ ضَرُوْرَةً، وإلَّا كَانَ هَذَا تَنَاقُضًا بَيِّنًا، وخَلَلًا وَاضِحًا في الطَّلَبِ والقَصْدِ.
ومِنْه نَعْرِفُ حِينَئِذٍ: الحِنْثَ العَظِيمَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَتَنَاقَلْهُ أهْلُ التَّخَصُّصِ العِلْمِيِّ هَذِه الأيَّامِ، يَوْمَ نَرَاهُم لا يَتَقَيَّدُوْنَ بِهَذِه القَاعِدَةِ الطَّرْدِيَّةِ بَينَ عُلُوْمِ الغَايَةِ والآلَةِ، فتجِدُ أحَدَهُم قَدْ طَالَ بِهِ العُمُرُ في تَحْصِيلِ: أُصُوْلِ الفِقْهِ (مَثَلًا) وهُوَ لا يُحْسِنُ مِنَ الفِقْهِ إلَّا مَا يُحْسِنُه طُلابُ العِلْمِ المُبْتَدِئِينَ، أو مُقَلِّدُو المَذْهَبِ.
وهَذَا الصَّنِيع مِنْهُم مِمَّا يَزِيدُنا يَقِينًا بأنَّ التَّخَصُّصَ العِلْمِيَّ: زَغَلٌ في العِلْمِ، ودَسِيسَةٌ في الطَّلَبِ، واللهُ المُوَفِّقُ والهادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيلِ!
* * *
стр. 116
وآخَرُوْنَ مِنْ وَرَائِهِم قَدْ تَخصَّصُوا في التَّخَصُّصِ (؟!)، حَيثُ تَجِدُ بعْضَهَم قَدْ تَخصَّصَ في عُلُوْمِ القُرانِ مَثْلًا، إلَّا أنَّه لا يُحسِنُ مِنْ عُلُومِ القُرْانِ إلَّا: دِرَاسَةَ مَنَاهِجِ المؤلِّفِينَ في التَّفْسِيرِ، وطَرَائِقِ التَّفْسير الصَّحِيحِ مِنْها والبَاطِلِ، وعِلْمِ القِرَاءاتِ، وإعْجَازِ القُرآنِ، ولرُبَّما لَيسَ لبَعْضِهِم مِنَ العِلْمِ إلَّا تحْقِيقَ مَخْطُوْطَةٍ لبَعْضِ عُلُوْمِ القُرانِ ... كُلُّ ذَلِكَ للأسَفِ كَانَ مِنْهم عَلى حِسَابِ فَهْمِهِم وعِلْمِهِم لتَفْسِيرِ القُرآنِ بخَاصَّةٍ، نَاهِيكَ عَلى حِسَابِ عُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ بعَامَّةٍ!
* * *
أمَّا محُدِّثُو زَمَانِنا فَأمرٌ لا يُنَادَى وَليدُه، فَأكثرهُم للأسَفِ إلَّا مَا رَحِمَ اللهُ، لا يُحسِنُ مِنْ عُلُومِ الحدِيثِ إلَّا: مُصْطَلَحَ الحَدِيثِ، ابتِدَاءً بالبَيقُونيَّةِ، ومُرُورًا بنُخْبةِ الفِكْرِ، وانتِهَاءً بمُقَدِّمَةِ ابنِ الصَّلاحِ، ومَا حَامَ في حِماهَا، مِنْ شَرْحٍ، واخْتِصَارٍ، وتَقْييدٍ وتَوضِيحٍ، ونُكتٍ، واسْتِدْرَاكٍ، ونَظْمٍ ... ! إلَخْ.
وقَدْ زَادَ الطِّينَ بِلَّةً، أنَّ أكثَرَ مُحَدِّثِي زَمَانِنا (زَعَمُوا) لَيسَ لهُم مِنْ عُلُوْمِ الحدِيثِ: إلَّا تَخرِيجَ الحدِيثِ، ودِرَاسَةَ مَنَاهِجِ المُحَدِّثِينَ في كُتُبِهِم، ولرُبَّما لَيسَ لبَعْضِهِم مِنَ العِلْمِ إلَّا تحْقِيقَ مَخْطُوْطَةٍ لبَعْض عُلُوْمِ الحَدِيثِ ...
стр. 117
كُلُّ ذَلِكَ للأسَفِ كَانَ مِنْهم عَلى حِسَابِ فَهْمِهِم وعِلْمِهِم وحِفْظِهِم للحَدِيثِ النَّبويِّ بخَاصَّةٍ، نَاهِيكَ عَلى حِسَابِ عُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ بعَامَّةٍ!
ونَفَرٌ آخَرُ مِنْهُم ممَّنْ مَسَّتْهُ وَخْزَاتُ التَّخَصُّصِ: قَدْ أشْغَلَ نَفْسَه وطُلابَه ببَعْضِ الدَّوْرَاتِ الإدَارِيَّةِ، والبَرامِجِ العَصِبيَّةِ، واللهُ المُسْتَعَانُ عَلى مَا يَصفُوْنَ!
* * *
* أما العائِقُ الخامِسُ: فَهُوَ فُضُوْلُ المُبَاحَاتِ، ومَا أدْرَاكَ مَا فُضُوْلُ المُبَاحَاتِ؟ إنَّهَا المُهْلِكَاتُ، فإذَا كَانَ المَاءُ والنَّارُ لا يَجْتَمِعَانِ، فكَذِلَكَ طَلَبُ العِلْمِ لا يَجْتَمِعُ مَعَ فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ، ولا يَكَادُ!
وحَسْبُكَ مِنْها: فُضُوْلُ النَّظَرِ، والكَلامِ، والطَّعامِ، والنوْمِ، ومُخَالَطَةِ النَّاسِ، فإنَّ التَّوَسُّع في هَذِه المُبَاحَاتِ بَرِيدُكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ إلى الانْقِطَاعِ أو الفُتُوْرِ، كَما أنَّها مَجْلَبَةٌ للمَعَاصِي!
فَيَا للأَسَفِ!؛ لَقَدْ تَوَسَّع كَثِيرٌ مِنْ طُلابِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنا في فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ؛ مِمَّا أبْعَدَهُم عَنِ التَّحْصِيلِ، ورُبَّمَا انْقَطَعَ بِهِم الطَّلَبُ، وهُم بَعْدُ لَمْ يَتَغَرْغَرُوا بالعِلْمِ!
стр. 118
فالحذَرَ الحذَرَ يَا طَالِبَ العِلْمِ مِنْ فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ، يَقُوْلُ ابنُ الجوْزِي ﵀ في "صَيدِ الخاطِرِ" (٢١٤): "واعْلَمْ أنَّ فَتْحَ بَابِ المُبَاحَاتِ رُبما جَرَّ أذَىً كَثِيرًا في الدِّينِ! ".
وَيقُوْلُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ في "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ" (٢/ ٢٢٩): "إمْسَاكُ فُضُوْلِ النَّظَرِ، والكَلامِ، والطَّعامِ، ومُخَالَطَةِ النَّاسِ؛ فإنَّ الشَّيطَانَ إنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى ابنِ آدَمَ، وَينَالُ غَرَضَه مِنْه مِنْ هَذِه الأبوَابِ الأرْبَعَةِ! ".
وقَالَ أيضًا ﵀ في "الفَوَائِدِ" (١٤٦): "قَسْوَةُ القَلْبِ في أرْبَعَةِ أشْيَاءٍ إذَا جَاوَزَتْ قَدْرَ الحاجَةِ: الأكْلُ، والنَّوْمُ، والكَلامُ، والمُخَالَطَةُ! ".
* * *
فكَانَ مْنَ خَالِصَةِ الذِّكْرَى أنْ يَحْذَرَ طَالِبُ العِلْمِ مِنْ فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ، وأنْ يَطْوِيَ بِسَاطَهَا طَيًّا، لا سِيَّما ممَّنْ رَامَ مَرَاتِبَ العُلَماءِ، ومَنَازِلَ الحُكَماءِ!
فاحْذَرْ يا طَالِبَ العِلْمِ: أنْ يَمَسَّكَ قَرْحُ التَّرفِ والسَّرَفِ؛ فَإنَّهُما مَذْمُوْمَانِ شَرْعًا وعُرْفًا، وإيَّاكَ والتَّنَعُّمَ؛ فَإنَّه يوْرِثُ التَّخَنُّثَ (عَيَاذًا بالله!)، فَإنِّي رَأيتُ ثَلاثتَهَا مجَامِعَ الفُضُوْلِ والتَّبَسُّطِ، ومَنَابعَ التَّرهُّلِ والرِّقَّةِ، فاحْذَرْ،
стр. 119
وإلّا فالطَّرِيقُ مَسْدُوْدَةٌ والبُلْغَةُ مَفْقُوْدَةٌ، فَدْوْنَ ما تَتَمَنَّى خَرْطُ القَتَادِ!
* * *
فَهَذِه انْتِقَاءَاتٌ مختصَرَاتٌ مِنْ مَأثُوْرَاتِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، تَأخُذُ بحُجَزِ طُلابِ العِلْمِ مِنْ مُوَاقَعَةِ: فُضُوْلِ الكَلامِ، والطَّعامِ، والنَّظَرِ، والنَّوْمِ، والمُخَالَطَةِ، فتأمَّلها فإنَّها عَزِيزَة!
* فأما فُضُوْلُ الكَلامِ:
فَقَدْ قَالَ تَعَالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
وقَدْ نَصَّ كَثِير مِنَ السَّلَفِ عَلى أنَّ المَلَكَ يَكْتُبُ كُلَّ شَيءٍ مما يَقُوْلُهُ العَبْدُ: خَيرًا كَانَ أو شَرًّا أو مُبَاحًا!
وإلَيهِ ذَهَبَ ابنُ عَبَّاسٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وقَتَادَةُ السُّدُوْسِيُّ وغَيرُهُم.
يَقُوْلُ ابنُ عَبَّاسِ ﵄ في مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ: "يُكْتَبُ كُلُّ مَا تكلَّمَ بِه مِنْ خَيرٍ أو شَرٍّ؛ حَتَّى إنَّه ليُكْتَبُ قَوْلُهُ: أكَلْتُ، شَرِبْتُ، ذَهَبْتُ، جِئْتُ رَأيتُ".
стр. 120
وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الإمَامَ أحمَدَ ﵀ كَانَ يَئِنُّ في مَرَضِهِ، فَبَلَغَهُ عَنْ طَاوُوْسَ أنه قَالَ: يَكْتُبُ المَلَكُ كُل شَيءٍ حَتَّى الأنينَ، فَلَمْ يَئِنْ أحمْدُ، حَتَّى مَاتَ ﵀" (١).
وقَالَ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فلْيَقُلْ خَيرًا، أو ليَصْمُتْ" (٢) مُتَّفَق عَلَيهِ.
وقَالَ ﷺ : "كَفَى بالمرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (٣) مُسْلِم في المُقَدِّمَةِ.
وقَالَ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ" (٤) أحمَدُ والتِّرمذِيُّ.
وهَذَا ابنُ رَجَبٍ ﵀ يَسُوْقُ لَنَا في شَرْحِ هَذَا الحَدِيثِ دُرَرًا غَوَالي، إذْ يَقُوْلُ في "جَامِعِ العُلُوْمِ والحِكَمِ" (١/ ٢٨٧): "ومَعْنَى هَذَا стр. 121
الحدِيثِ أنَّ مِنْ حُسْنِ إسْلامِهِ تَرْكَ ما لا يعْنيهِ: مِنْ قَوْلٍ أو فِعْلٍ، واقْتَصَرَ عَلى مَا يَعْنيهِ مِنَ الأقْوَالِ والأفْعَالِ.
ومَعْنَى: يَعْنيهِ أنَّه تَتَعَلَّقُ عِنَايَتُهُ بِه، ويَكُوْنُ مِنْ مَقْصدِه ومَطْلُوْبِهِ، والعِنَايَةُ شِدَّةُ الاهْتِمامِ بالشَّيءِ؛ يُقَالُ: عَنَاهُ يَعْنيهِ إذَا اهْتَمَّ بِهِ وطَلَبَهُ، ولَيسَ المُرَادُ أنَّه يَتْرُكُ مَا لا عِنَايَةَ لَه بِه ولا إرَادَةً بحُكْمِ الهَوَى وطَلَبِ النَّفْسِ؟!
بَلْ بِحُكْمِ الشَّرْعِ والإسْلامِ، ولهذَا جَعَلَهُ مِنْ حُسْنِ الإسْلامِ" انْتَهَى.
* * *
ومِنْ بَابَةِ الحذَرِ مِنْ فُضُوْلِ الكَلامِ؛ مَا ذَكَرَتْهُ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيسٍ الأنصَارِيَّةُ ﵂، قَالَتْ: جَاءنَا رَسُوْلُ الله ﷺ يَوْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ الله، بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ تُحَدِّثُ أنَّ لَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَوْضًا مَا بَينَ كَذَا إلى كَذَا؟
قَالَ: "أجَلْ، وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ أنْ يَرْوَى مِنْهُ قَوْمُكِ"، قَالَتْ: فَقَدَّمْتُ إلَيْهِ بُرْمَةً (قِدْرٌ مِنْ حَجَرٍ) فِيهَا خُبْرَةٌ -أو خَزِيرَةٌ- (طَعَامٌ مِنْ لحْمٍ) فَوَضَعَ رَسُوْلُ الله ﷺ يَدَهُ في البُرْمَةِ ليَأكُلَ، فاحْتَرَقَتْ أصَابِعُهُ، فَقَالَ: "حَسِّ"،
стр. 122
(كَلِمَةُ تَوَجُّعٍ مما أصَابَهُ)، ثُمَّ قَالَ: "ابنُ آدَمَ إنْ أصَابَهُ البَرْدُ، قَالَ حَسِّ، وإنْ أصَابَهُ الحَرُّ، قَالَ: حَسِّ" (١) أحمَدُ.
فَانْظُرْ؛ إلى كَرَاهَةِ النَّبِيِّ ﷺ منْ فُضُوْلِ الكَلامِ، ومَا لا فَائِدَةَ فِيهِ، ولَوْ كَانَ تَأفُّفًا في تَوَجُّعٍ!
بَلْ مَا فَائِدَةُ قَوْلِكَ يا طَالِبَ العِلْمِ: "حَسّ"، عِنْدَ قَرْصِ بَرْدٍ، أو إزْعَاج حرٍّ؟ فاللَّهُمَّ ارْحَمْنَا، آمِينَ!
* * *
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: "رَحِمَ الله امْرَأً أمْسَكَ فَضْلَ القَوْلِ، وقَدَّمَ فَضْلَ العَمَلِ" (٢).
وقَدْ كَانَ مَالِكُ بنُ آنسٍ ﵀ يُعِيبُ كَثْرَةَ الكَلامِ، ويَقُوْلُ: "لا يُوْجَدُ (فُضُوْلُ الكَلامِ) إلَّا في النِّسَاءِ، والضُّعَفَاءِ! " (٣)، أي: ضُعَفَاءَ الرِّجَالِ في الدِّينِ، أو العَقْلِ. стр. 123
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ فُضُوْلَ الكَلامِ في قَانُوْنِ السَّلَفِ: هُوَ كُلُّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِنَ العَبْدِ لَيسَتْ مِنَ الفَائِدَةِ في شَيءٍ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ ﵀، إذْ يَقُوْلُ: "كَانُوا (السَّلَفُ) يَكْرَهُوْنَ فُضُوْلَ الكَلامِ، وكَانُوا يَعُدُّوْنَ فُضُوْلَ الكَلامِ: مَا عَدَا كِتَابَ الله أنْ تَقْرَأهُ، أو أمْرًا بالمعْرُوْفِ أو نَهيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أو أنْ تَنْطِقَ في مَعِيشَتِكَ بِما لابُدَّ لَكَ مِنْه! " (١).
* * *
ومِنْ محَاسِنَ غُبَّارَاتِ الزَّمَنِ الأوَّلِ: أنَّ الرَّبِيع بنَ خُثيمٍ ﵀؛ حِينَما جَاءتْهُ ابْنَتُهُ وعِنْدَهُ أصْحَابُه، فَقَالَتْ: يا أبتَاهُ أذْهَبُ ألْعَبُ؟ فَقَالَ: لا!
فَقَالَ القَوْمُ: يَا أبا يَزِيدَ ائْذَنْ لها تَلْعَبُ! قَالَ: يُوْجَدُ ذَلِكَ في صَحِيفَتِي أنِّي قُلْتُ لها: الْعَبِي، ولَكِنْ اذْهَبِي فَقُوْلي خَيرًا! (٢) انْتَهَى.
قُلْتُ: هَذَا سَنَدٌ عَالٍ، ووَرَعٌ عَالٍ، لكِنَّ الله عَفُوٌّ كَرِيم!
* * *
أمَّا إنْ سَألْتَ عَنْ هَلاكِ النَّاسِ، فَهُو ما ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ﵀: стр. 124
"إنَّما أهْلَكَ النَّاسَ: فُضُوْلُ الكَلامِ، وفُضُوْلُ المَالِ! " (١).
أمَّا عَنْ قَسْوَةُ القَلْبِ، فكَما ذَكَرَهُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ ﵀؛ أنَّه قَالَ:
"شَيئَانِ يُقَسِّيَانِ القَلْبَ: كَثْرَةُ الكَلامِ، وكَثْرَةُ الأكْلِ! " (٢).
* * *
* أمَّا فُضُوْلُ الطعَامِ:
فكَما قَالَ تَعَالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جَمَعَ الله الطِّبَّ كُلَّهُ في نِصْفِ آيَةٍ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
فأمَّا الإسْرَافُ المَذْمُوْمُ في الآيَةِ فَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ في "تَفْسِيره" (٢٤٩)، إذْ يَقُوْلُ: " ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾: أي ممَّا رَزَقَكُمُ الله مِنَ الطَّيَباتِ، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: في ذَلِكَ، والإسْرَافُ: إمَّا أنْ يَكُوْنَ بالزِّيَادَةِ стр. 125
عَلى القَدْرِ الكَافي والشَّرَه في المأكُوْلاتِ الَّتِي تَضُرُّ بالجِسْمِ، وإمَّا يَكُوْنَ بزِيَادَةِ التَّرَفُّهِ والتَّنَوُّعِ في المأكَلِ والمَشْرَبِ واللِّبَاسِ، وإمَّا بتَجَاوُزِ الحَلالِ إلى الحَرَامِ" انْتَهَى.
وقَالَ ﷺ : "مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أكَلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كَانَ لا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لطَعامِهِ، وثُلُث لشَرَابِهِ، وثُلُث لنَفَسِهِ" (١) أحمَدُ والتِّرمذِيُّ.
* * *
ولا تَحْسِبَنَّ يَا رَعَاكَ الله أنَّ مَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُه في حَيَاتهمْ مِنْ طُوْلِ جُوْعٍ، وقِلَّةِ زَادٍ: بأنَّهُم أقَلُّ فَضْلٍ مِنْ غَيرِهِم، وأنْقَصٌ حَالٍ ممَنْ دُوْنَهُم؟! كَلَّا!
بَلْ كَانُوا في أفْضَلِ حَالٍ، وأكْمَلِ مَالٍ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابنُ رَجَبٍ ﵀ في "جَامِعِ العُلُوْمِ والحِكَمِ" (٢/ ٤٧٥)، إذْ يَقُوْلُ عَنْهُم: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُه يجوْعُوْنَ كَثِيرًا، ويَتَقَلَّلُوْنَ مِنْ أكْلِ الشَّهَوَاتِ، وإنْ كَانَ ذَلِكَ لعَدَمِ وُجُوْدِ الطَّعَامِ؛ إلَّا أنَّ الله لا يخْتَارُ لرَسُوْلِهِ إلَّا أكْمَلَ الأحْوَالِ стр. 126
وأفْضَلِها؛ ولهذَا كَانَ ابنُ عُمَرَ يَتَشَبَّهُ بِهِم في ذَلِكَ مَعْ قُدْرَتهِ عَلى الطَّعَامِ، وكَذَلِكَ أبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ" انْتَهَى.
وقَالَ ﷺ : "خَيرُ القُرُوْنِ قَرْني، ثُمَّ الْذِينَ يَلُونهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوْنَهُم، ثُمَّ يَأتي قَوْمٌ يَشْهَدُوْنَ ولا يُسْتَشْهَدُوْنَ، ويَنْذُرُوْنَ ولا يُوْفُوْنَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمنُ" (١) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
لِذَا كَانَ السَّلَفُ يحذِّرُوْنَ مِنَ السِّمْنَةِ والبِطْنَةِ، وهَذَا مَا ذَكَرَه ابنُ رَجَبٍ نَفْسُه (ص ٤٧١) عَنْ سَلَمَةَ بنِ سَعِيدٍ قَالَ: "إنْ كَانَ الرَّجُلُ ليُعيَّرُ بالبِطْنَةِ، كَما يُعَيَّرُ بالذَّنْبِ يَعْمَلُهُ".
قُلْتُ: هَذا التَّعْيِيرُ فِيما إذَا كَانَ الرَّجُلُ سَبَبًا في سِمْنَتِه؛ لا سِيَّما إذَا كَانَ أكُوْلًا ذَا شَرَهٍ، وإلَّا: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا!
* * *
كَما كَانَ السَّلَفُ يَكْرَهُوْنَ أنْ يُرْسِلَ المُسْلِمُ عَنَانَ بَطْنِهِ وَرَاءَ ما يَشْتَهِي ويَهْوَى!
وهَذَا مَا ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، أنَّه لمَّا دَخَلَ عَلى ابْنِهِ стр. 127
عَبْدِ الله، وإذَا عِنْدَهُ لحْمٌ، فَقَالَ لَه: مَا هَذَا اللَّحْمُ؟ فَقَالَ: اشْتَهَيتُهُ، قَالَ: أوَ كُلمَّا اشْتَهيتَ شَيئًا أكَلْتَهُ؟ كَفَى بالمرْءِ سَرَفًا أنْ يَأكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَاهُ! (١) انْتَهَى.
وأبْلَغُ مِنْهُ مَا قَالَهُ أيضًا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁؛ حِينَ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: "إيَّاكُمْ والبِطْنَةَ، فإنَّها مَكْسَلَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، مُؤذِيَةٌ للجِسْمِ، وعَلَيكُم بالقَصدِ في قُوْتِكِم، فإنَّه أبْعَدُ مِنَ الأشَرِ، وأصَحُّ للبَدَنِ، وأقْوَى عَلى العِبَادَةِ، وأنَّ امْرأً لَنْ يُهْلَكَ حَتَّى يُؤثِرَ شَهْوَتَهُ عَلى دِينهِ! " (٢).
وقَالَ أيضًا عَمْرُو بنُ قَيسٍ ﵀: "إيَّاكُم والبِطْنَةَ؛ فَإنَّها تُقَسِّي القَلْبَ" (٣).
* * *
وهَذَا مَا يُؤكِّدُهُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ في كِتَابِهِ البَدِيعِ "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ" (٢/ ٨٢٠) إذْ يَقُوْلُ: "وأمَّا فُضُوْلُ الطَّعَامِ فَهْوَ دَاعٍ إلى أنْوَاعٍ كَثِيرةٍ مِنَ الشَّرِّ؛ فإنَّه يحرِّكُ الجوَارِحَ إلى المَعَاصِي، ويُثْقِلُهَا عَنِ الطَّاعَاتِ -وحَسْبُكَ стр. 128
بهَذَينَ شَرًّا- فَكَمْ مِنْ مَعْصِيَةٍ جَلَبَهَا الشِّبَعُ وفُضُوْلُ الطَّعَامِ، وكَمْ مِنْ طَاعَة حَالَ دُوْنَها، فَمَنْ وُقِيَ شَرَّ بَطْنِهِ فَقَدْ وُقِيَ شَرًّا عَظِيمًا، والشَّيطَانُ أعْظَمُ مَا يَتَحَكَّمُ مِنَ الإنْسَانِ إذَا مَلأ بَطْنَهُ مِنَ الطَّعَامِ!
ثُمَّ قَالَ: ولَوْ لم يَكُنْ في التَّملِّي مِنَ الطَّعَامِ إلَّا أنَّه يَدْعُو إلى الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ الله ، وإذَا غَفَلَ القَلْبُ عَنِ الذِّكْرِ سَاعَةً وَاحِدَةً جَثَمَ عَلَيهِ الشَّيطَانُ ووَعَدَهُ ومَنَّاهُ وشَهَّاهُ، وهَامَ بِه في كُلِّ وَادٍ، فإنَّ النَّفْسَ إذا شَبِعَتْ تحَرَّكَتْ وجَالَتْ وطَافَتْ عَلى أبْوَابِ الشَّهَوَاتِ، وإذَا جَاعَتْ سَكَنَتْ وخَشَعَتْ وذَلَّتْ! " انْتَهَى.
وكَذَا يَقُوْلُ ابنُ الجَوْزِيُّ ﵀ في "صَيدِ الخَاطِرِ" (٤٥١): "فأمَّا التَّوَسُّع في المطَاعِمِ؛ فإنَّه سَبَبُ النَّوْمِ، والشِّبَعُ يُعْمِي القَلْبَ، ويُهْزِلُ البَدَنَ ويُضْعِفُهُ".
* * *
ومِنْ طَرِيفِ حَبْسِ النَّفْسِ عَنْ فُضُوْلِ الطَّعَامِ، وحَبْسِها عَلى مُلازَمَةِ العِلْمِ، مَا ذَكَرَهُ ابنُ الجَوْزِيُّ ﵀ في "صَيدِ الخَاطِرِ" (٢٧٨): أنَّ بَعْضَ الفُقَهَاءِ قَالَ: بَقِيتُ سِنِينَ اشْتَهِي الهَرِيسَةَ لا أقْدِرُ عَلَيها؛ لأنَّ وَقْتَ بَيعِهَا وَقْتَ سَماعِ الدَّرْسِ! " انْتَهَى.
стр. 129
اللَّهُمَّ؛ ارْحَمْ ضَعْفَنَا، وأجْبِرْ كَسْرَنَا، ومَنْ يُطِيقُ هَذَا؟ لكنَّنا نَعْلَمُ يَقِينًا أنَّ القَوْمَ في صِدْقٍ مَعَ الله، وحَالٍ مَعَ العِلْمِ مَا يَعْجَبُ المرْءُ مِنْهُ؛ حتَّى إنَّ الرَّجُلَ الصَّادِقَ مِنْ أهْلِ زَمَانِنَا في طَلَبِ العِلْمِ ليَتَصَاغَرُ أمَامَهُمْ، فَكَيفَ السَّبِيلُ والحَالَةُ هَذِه لمَنْ يَطْلُبُ العِلْمَ عَلى فَتْرةٍ في دِرَاسَةٍ، أو جَاهٍ في شُهْرَةٍ، أو مُمارَاةٍ في تَعَالمٍ؟!
* * *
ومَهْما جَاءَ مِنْ أثر هُنَا؛ إلَّا أنَّ الاعْتِدَالَ والقَصْدَ في الأكْلِ: هُوَ مَطْلَبٌ شَرعِيٌّ، ومَأرَبٌ صِحِّيٌّ، فالغُلُوُّ والتَّفْرِيطُ لَيسَ مِنْ جَادَّةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، وخَيرُ الأمُوْرِ أوْسَاطُهَا، كَما ذَكَرَه عُمَرُ ﵁ وغَيرُهُ.
أمَّا مَنِ ابْتُليَ بِشَيءٍ مِنَ البِطْنَةِ أو السِّمْنَةِ؛ فَعَلَيهِ بالحِمْيَةِ الشَّرعِيَّةِ، وذَلِكَ بالصِّيَامِ، أو التَّدَرُّجِ في تَقْلِيلِ الطَّعَامِ والشَّرابِ، وعَدَمِ التَّرسُّلِ في كُلِّ ما تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وتَهوَاهُ!
* * *
ومَا أخْرَجَهُ الطَّبرانيُّ في "المُعْجَمِ الأوْسَطِ" وغَيرِه: "صُوْمُوا تَصِحُّوا" لا يَصِحُّ بِمَرَّةٍ!
стр. 130
ودع عَنْكَ مَا يُسَمَّى: (بالرِّجِيمِ) الَّذِي تَبَارَى في حَلَبَتِهِ أكْثَرُ أهْلِ زَمَانِنا مَا بَينَ: جَرِيح وطَرِيحٍ، وبَينَ كَالٍ ومُعْتَلٍّ؛ حَيثُ أخَذَ مِنْهُم مَآخِذَ وطَرَائِقَ شَتَّى: سَوَاءٌ في طَرِيقَةِ تَوْظِيفِهِ، أو تَنْوِيعِ أسْمائِهِ؛ حَتَّى إنَّه صَرَفَ كَثِيرًا مِنْ أهْلِ السِّمْنَةِ عَنِ الحِمْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، كَما أنَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ نَصِيبٌ، ونَعُوْذُ بالله مِنَ الشَّيطَانِ (الرَّجِيمِ)!
* * *
وقَدْ نَصَّ ابنُ قُدَامَةَ المَقْدِسيُّ في كِتَابِه "مُخْتَصَرِ مِنْهَاجِ القَاصِدِينَ" (١٧٧) عَلى طَرِيقَةِ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ؛ إذْ يَقُوْلُ ﵀: "وطَرِيقُ الرِّيَاضَةِ في كَسْرِ شَهْوَةِ البَطْنِ أنَّ مَنْ تَعَوَّدَ اسْتِدَامَةَ الشِّبَعِ؛ فَيَنْبَغِي لَه أنْ يُقَلِّلَ مِنْ مَطْعَمِهِ يَسِيرًا يَسِيرًا مَعَ الزَّمَانِ إلى أنْ يَقِفَ عَلى حَدِّ التَّوَسُّطِ الَّذِي أشرْنَا إلَيهِ، وخَيرُ الأمُوْرِ أوْسَاطُها.
فالأوْلى تَنَاوُلُ مَا لا يَمْنَعُ مِنَ العِبَادَاتِ، ويَكُوْنُ سَببًا لبَقَاءِ القُوَّةِ، فَلا يُحِسُّ المُتَنَاوِلُ بجُوْعٍ ولا شِبَعٍ؛ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ البَدَنُ، وتَجْتَمِعُ الهِمَّةُ، ويَصْفُو الفِكْرُ، ومَتَى زَادَ الأكْلُ أوْرَثَهُ كَثْرَةَ النَّوْمِ، وبَلادَةَ الذِّهْنِ" انْتَهَى.
* * *
стр. 131
* أمَّا فُضُوْلُ النَّظَرِ:
قَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
قَالَ ابنُ كَثِير ﵀ في "تَفْسِيره" (٥/ ٣٢٦): "يَقُوْلُ تَعَالى لنَبِيّهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ: لا تَنْظُرْ إلى هَؤلاءِ المُتْرَفِينَ، وأشْبَاهِهِم ونُظَرائِهِم، ومَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، فَإنَّما هُوَ زَهْرَةٌ زَائِلَةٌ، ونعْمَةٌ حَائِلَةٌ، لنَخْتَبِرَهُم بذَلِكَ، وقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُوْرُ" انْتَهَى.
ويَقُوْلُ ابنُ سَعْدِي ﵀ في "تَفْسِيرِه" (٤٦٦) في مَعْنَى هَذِهِ الآيةِ: "أي: ولا تَمُدَّ عَينيكَ مُعْجَبًا، ولا تكرِّرَ النَّظَرَ مُسْتَحْسِنًا إلى أحْوَالِ الدُّنْيَا والمُمَتَّعِينَ بِها مِنَ المآكِلِ والمَشَارِبِ اللَّذِيذَةِ، والمَلابِسِ الفَاخِرَةِ، والبُيُوْتِ الُمزخْرَفَةِ، والنِّسَاءِ المُجَمَّلَةِ؛ فإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ زَهْرَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا تَبْتَهِجُ بها نُفُوْسُ المُغْتَرِّينَ، وتَأخُذُ إعْجَابًا بأبْصَارِ المُعْرِضِينَ، ويَتَمَتَّعُ بها -بقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الآخِرَةِ- القَوْمُ الظَّالمُوْنَ، ثُمَّ تَذْهَبُ سَرِيعًا وتَمْضِي جَمِيعًا، وتَقْتُلُ مُحِبِّيهَا وعُشَّاقَهَا؛ فَيَنْدَمُوْنَ حَيثَ لا تَنْفَعُ النَّدَامَةُ، ويَعْلَمُوْنَ مَا هُم عَلَيهِ إذَا قَامُوْا يَوْمَ القِيَامَةِ؟
стр. 132
وإنَّما جَعَلَهَا الله فِتْنَةً واخْتِبَارًا ليَعْلَمَ مَنْ يَقِفَ عِنْدَهَا ويَغْتَرَّ بِها، ومَنْ هُوَ أحْسَنُ عَمَلًا" انْتَهَى.
* * *
وقَالَ ابنُ تَيمِيَةَ ﵀ في كِتَابِ "مختصَرِ الفَتَاوَى المِصْرِيَّةِ" (٣٥) في مَعْنَى هَذِه الآيةِ: "النَّظَرُ إلى الأشْجَارِ والخيلِ والبَهَائِمِ إذَا كَانَ عَلى وَجْهِ اسْتِحْسَانِ الدُّنْيَا والرِّيَاسَةِ والمَالِ فَهُوَ مَذْمُوْمٌ.
لَقَوْلِ الله تَعَالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾.
وأمَّا إذَا كَانَ عَلى وَجْهٍ لا يُنقِصُ الدِّينَ، وإنَّما فِيهِ رَاحَةٌ للنَّفْسِ فَقَطُ، كالنَّظَرِ إلى الأزْهَارِ، فَهَذَا مِنَ البَاطِلِ الَّذِي يُسْتَعَانُ بِه عَلى الحقِّ" انْتَهَى.
* * *
وهَذَا ابنُ القَيِّمِ ﵀ نَجِدُهُ في "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ" (٢/ ٨١٧)، يُحذِّرُ مِنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ مُبيِّنًا غَوَائِلَهُ، وآثَارَهَ السَّيَئةِ، بقَوْلِهِ: "فُضُوْلُ النَّظَرِ يَدْعُو إلى الاسْتِحْسَانِ، ووُقُوْعِ صُوْرَةِ المَنْظُوْرِ إلَيهِ في القَلْبِ، والاشْتِغَالِ بِهِ، والفِكْرِ في الظَّفَرِ بِهِ، فَمَبْدَأُ الفِتْنَةِ مِنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ ... فالحَوَادِثُ العِظَامُ إنَّما
стр. 133
كُلُّهَا مِنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ، فَكَمْ نَظْرَةٍ أعْقَبَتْ حَسَرَاتٍ لا حَسْرَةً، كَما قَالَ الشَّاعِرُ:
كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَأُهَا مِنَ النَّظَرِ ... ومُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ فَتكَتْ في قَلْبِ صَاحِبِهَا ... فَتْكَ السِّهَامِ بَلا قَوْسٍ ولا وَتَرِ
وقَالَ الآخَرُ:
وكُنْتَ مَتَى أرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا ... لقَلْبِكَ يَوْمًا أتْعَبَتْكَ المَنَاظِرُ
رَأيتُ الَّذِي لا كُلُّهُ أنْتَ قَادِرٌ ... عَلَيهِ ولا عَنْ بَعْضِهِ أنْتَ صَابِرُ
* * *
وهَذَا أبو الدَّرْدَاءِ ﵁ يحذِّرُ مَوَاطِنَ النَّظَرِ بِقْوْلِهِ: "إيَّاكُمْ والسُّوْقَ، فإنَّها تُلْغِي وتُلْهِي" (١)، نَعَمْ؛ لأنَّ السُّوْقَ مَوْرِدُ النَّظَرِ إلى الصُّوَرِ، ومَثَارَةُ التَّلَفُّتِ إلى الزِّينَةِ والفِتْنَةِ!
وقَدْ عَدَّ بَعْضُ السَّلَفِ كَثْرَةَ الالْتِفَاتِ مِنْ خَوَارِمِ المُروْءَةِ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ﵀: "لَيسَ مِنَ المُروْءَةِ كَثْرَةُ الالْتِفَاتِ في الطَّرِيقِ! " (٢). стр. 134
ومِثْلُهُ أيضًا كَثْرَةُ الالْتِفَاتِ بَعْدَ الانْصَرَافِ مِنَ الصَّلاةِ؛ حَيثُ نَجِدُ بَعْضًا مِنَ المُصَلِّينَ (للأسَفِ!) إذا سَلَّمَ مِنْ صَلاتِه؛ لا يَسْأمُ مِنَ الالْتِفَاتِ يَمِينًا وشِمَالًا، ويُقَلِّبُ نَاظِرَيهِ في وُجُوْهِ المُصَلِّينَ!
* * *
وهُنَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ نَوَادِرِ التَّوَرُّعِ وغَضِّ البَصَرِ، وهُوَ أنَّ رَجُلًا سَألَ دَاوُدَ الطَّائيَّ ﵀، فَقَالَ: لَوْ أمَرْتَ بِما في سَقْفِ البَيتِ مِنَ العَنْكَبُوْتِ فنُظِّفْ؟!
فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ الطَّائيُّ: أمَّا عَلِمْتَ أنَّ مُجَاهِدًا كَانَ العَنْكَبُوْتُ في دَارهِ ثَلاثِينَ سَنَةً لم يَشْعُرْ بِهِ (١)؟!
قُلْتُ: أي: مَا زَالَتِ العَنَاكِبُ تَنْسِجُ بِيُوْتَها وتَعِيشُ عَلى سَقْفِ بَيتهِ مُنْذُ ثَلاثِينَ، وهُوَ لا يَعْلَمُ ولا يَنْظُرُ!
والعَجَبُ مَوْصُولًا لا يَنْقَطِعُ؛ إذَا عَلِمْنَا أنَّ القَوْمَ في حَالٍ مَعَ الله تَعَالى، وفي انْقِطَاعٍ عَنِ الدُّنْيَا ممَّا كَانَ سَبَبًا في صَرْفِ هِمَمِهِم عَنْ فُضُوْلِ النَّظَرِ، فإنْ فَهِمْتَ هَذَا مِنْهُم، وإلَّا تجَاوَزْهُ إلى مَا تَسْتَطِيعُ؟! стр. 135
وهَذَا لَوْنٌ آخَرُ في وَرَعِ القَوْمِ وعُلُوِّ هِمَمِهِم، وهو أنَّ يَحْيَى بنَ يَحْيَى اللَّيثيَّ فَقِيهَ الأنْدَلُسِ ﵀ لمَّا رَحَلَ إلى المَدِينَةِ النَّبوِيَّةِ ليَطْلُبَ العِلْمَ عِنْدَ الإمَامِ مَالِكٍ ﵀، فَبَينَما هُوَ جَالِسٌ إذْ مَرَّ عَلى بَابِ مَالِكٍ الفِيلُ!
فَخَرَجَ كُلُّ مَنْ كَانَ في مَجْلِسِهِ لِرُؤْيَةِ الفِيلِ، سِوَى يَحْيَى بنِ يَحْيَى، وبَقِيَ مَكَانَهُ!
فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لِمَ لا تَخْرُجُ فَتَرَى الفِيلَ؛ لأنَّه لا يَكُوْنُ في الأنْدَلُسِ؟
فَقَالَ يَحْيَى: إنَّما جِئْتُ مِنْ بَلَدِي لأنْظُرَ إلَيكَ، وأتعَلَّمَ مِنْ هَدْيِكَ وعِلْمِكَ، ولم أجِئ لأنْظُرَ إلى الفِيلِ، فأُعْجِبَ بِهِ مَالِكٌ، وسَمَّاهُ: عَاقِلَ الأنْدَلُسِ (١)!
فافَهَمْ هَذَا أيضًا، وإلَّا تجاوَزْهُ، فالعُقُوْلُ قَاصِرَةٌ، والِهمَمُ مُتَقَاصِرَةٌ، والله المُسْتَعَانُ وعَلَيهِ التُّكلانُ!
* * * стр. 136
* أمَّا فُضُوْلُ النَّوْمِ:
فَقَدْ قَالَ الله تَعَالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨].
أي: كَانُوا يُكَابِدُوْنَ قِيَامَ اللَّيلِ فَلا يَنَامُوْنَ مِنَ اللَّيلِ إلَّا أقَلَّهُ، بَلْ لا تمَرُّ عَلَيهِم لَيلَةٌ إلَّا أخَذُوْا حَظَّهُمْ مِنَ الصَّلاةِ، لِذَا كَانَ طُوْلُ النَّوْمِ وفُضُوْلُهُ مَانِعًا عَنِ القِيَامِ، وقَاطِعًا لتَحْصِيلِ الخَيرِ!
قَالَ وَهْبُ بنُ مُنبِّهٍ ﵀: "لَيسَ مِنْ بَنِي آدَمَ أحَبُّ إلى شَيطَانِهِ مِنَ الأكُوْلِ النَّوَامِ! " (١).
وفَوْقَ ذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ ﵏: يَرَوْنَ كَثْرَةَ النَّوْمِ والطَّعَامِ ذَنْبًا مُتَوَقِّفٌ عَلى التَّوْبَةِ، وهَذَا مَا قَالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ﵀: "تُوبوا إلى الله مِنْ كَثْرَةِ النَّوْمِ والطَّعَامِ! ".
* * *
أمَّا مَنْهَجُ السَّلَفِ في النَّوْمِ فكَانَ قَصْدًا في اعْتِدَالٍ، فَلا يَنَامُوْنَ تَكَثُّرًا ولا تَشَهِّيًا، بَلْ يَنَامُوْنَ إذَا غَلَبَهُمُ النُّوْمُ وجَثَمَ، وإذَا نَامُوا أخَذُوا حَظًّا مِنَ стр. 137
الكِفَايَةَ بِقَدْرِ مَا يُعِينَهُم عَلى عَمَلِ الدِّينِ والدُّنْيَا!
وهَذَا مَا نصَّ عَلَيهِ ابنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ ﵀ في "مخُتصَرِ مِنْهَاجِ القَاصِدِينَ" (٥٩)، إذْ يَقُوْلُ: "ويَنْبَغِي أنْ لا يَنَامَ حَتَّى يَغْلِبَهُ النَّوْمُ، فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ لا يَنَامُوْنَ إلَّا غَلَبَةً".
* * *
* أمَّا فُضُوْلُ المُخَالَطَةِ:
لا شَكَّ أنَّ العُزْلَةَ والخَلْوَةَ بذِكْرِ الله تَعَالى، ومُحَاسَبَةَ النَّفْسِ في الخَلَوَاتِ مِنَ العُبُوْدِيَّةِ الَّتِي أمَرَنَا الله بِها، فَفِي القُرْآنِ والسُّنَّةِ الشَّيءُ الكَثِيرُ مِنَ الأوَامِرِ والشَّوَاهِدِ الدَّاعِيَةِ إلى ذِكْرِ الله تَعَالى، والتَّفَكُّرِ في خَلْقِهِ وآلائِهِ، ومُحَاسَبَةِ النَّفْسِ!
* * *
فَقَدَ ذَكَرَ ابنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ ﵀ في "مخُتصَرِ مِنْهَاجِ القَاصِدِينَ" (١١٤)، أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: "خُذُوا حَظَّكُم مِنَ العُزْلَةِ".
وكَذَا قَالَ مَسْرُوْقٌ ﵀: "إنَّ المرْءَ لحقِيقٌ أنْ يَكُوْنَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا
стр. 138
فَيذْكُرَ فِيهَا ذُنُوْبَهُ، فَيَسْتَغْفِرَ منْها" (١).
* * *
وهَذَا شَيخُ الإسْلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀، يَقُوْلُ في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى" (١٠/ ٤٠٥، ٤٢٦): "وأمَّا اعْتِزَالُ النَّاسِ في فُضُوْلِ المُبَاحَاتِ ومَا لا يَنْفَعُ -وذَلِكَ بالزُّهْدِ فِيهِ- فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ".
وقَالَ أيضًا: "ولا بُدَّ للعَبْدِ مِنْ أوْقَاتٍ يَنْفَرِدُ بها بنَفْسِهِ في دُعَائِه وذِكْرِه، وصَلاتِه وتَفَكُّرِه، ومُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وإصْلاحِ قَلْبِهِ" انْتَهَى.
* * *
لِذَا كَانَ فُضُوْلُ المُخَالَطَةِ بَريدًا لقَسْوَةِ القَلْبِ، وقَاطِعًا لطَرِيقِ الخَيرِ والتَّفَكُّرِ، وطَلَبِ التَّوْبَةِ، نَاهِيكَ مَطَالِبَ العِلْمِ ومَدَارِجَ العُلَماءِ!
وهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ في "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ" (٢/ ٨٢١) بِقَوْلِهِ: "إنَّ فُضُوْلَ المُخَالَطَةِ: هِيَ الدَّاءُ العُضَالُ الجالِبُ لِكُلِّ شَر، وكَمْ سَلَبَتِ المُخَالَطَةُ والمُعَاشَرَةُ مِنْ نِعْمَةٍ؟ وكَمْ زَرَعَتْ مِنْ عَدَاوَةٍ؟ وكَمْ غَرَسَتْ في القُلْبِ مِنْ حَزَازَاتٍ تَزُولُ الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ وهِيَ في القُلُوْبِ لا تَزُوْلُ؟! стр. 139
فَفُضُوْلُ المُخَالَطَةِ فِيهِ خَسَارَةُ الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وإنَّما يَنْبَغِي للعَبْدِ أنْ يَأخُذَ مِنَ المُخَالَطَةِ بمِقْدَارِ الحَاجَةِ" انْتَهَى.
* * *
ثُمَّ؛ إيَّاكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ: أنَّ تَظُنَّ بأنَّ الجُلُوْسَ مَعَ الصَّالحِينَ خَيرٌ كُلُّهُ، وفَضْلٌ جُلُّهُ، دُوْنَ تَقْيِيدٍ بحَالٍ أو اعْتِبَارٍ بمَقَالٍ؟!
وهَذَا مَا قَرَّرَهُ ابنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ "الفَوَائِدِ" (٨٠)، إذْ ذَكَرَ بَعْضَ آفَاتِ الاجْتِماعِ مَعَ الصَّالحِينَ مَا يَعِزُّ وُجُوْدُهُ عِنْدَ غَيرِهِ ﵀؛ إذْ يَقُوْلُ: "الاجْتِماعُ بالإخْوَانِ قِسْمانِ:
أحَدُهُمَا: اجْتِماعٌ عَلى مُؤانَسَةِ الطَّبع، وشُغْلِ الوَقْتِ؛ فَهَذَا مَضَرَّتُه أرْجَحُ مِنْ مَنْفَعَتِه، وأقَلُّ مَا فِيهِ أنْ يُفْسِدَ القَلْبَ، ويُضيِّعَ الوَقْتَ.
الثاني: الاجْتِماعُ بِهِم عَلى التَّعَاوُنِ عَلى أسْبَابِ النَّجَاةِ، والتَّوَاصِي بالحَقِّ والصَّبْرِ؛ فَهَذَا أعْظَمُ الغَنِيمَةِ وأنْفَعِهَا؛ ولَكِنْ فِيهِ ثَلاثُ آفَاتٍ:
أحَدُهَا: تَزَيُّنُ بَعْضِهِم لبَعْضٍ.
الثانِيَةُ: الكَلامُ والخُلْطَةُ أكْثَرَ مِنَ الحَاجَةِ.
стр. 140
والثَّالِثَةُ: أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ شَهْوَةً وعَادَةً يَنْقَطِعُ بِها عَنِ المَقْصوْدِ" انْتَهى.
قُلْتُ: إذَا لم يُفَتِّشْ طَالِبُ العِلْمِ عَنْ مَوَاطِنِ جُلُوْسِهِ، ومَبَاغِي جُلَسَائِهِ، كَما ذَكَرَ ابنُ القَيِّمِ ﵀، وإلَّا كَانَتْ مُخَالَطتهُ بالصَّالحِينَ آفةً قَدْ تَأخُذُهُ إلى أوْدِيَةِ غَفْلةٍ عَنْ طلَبِ العِلْمِ الَّذِي يُرِيدُ، وهُوَ لا يَعْلَمُ، والله أعْلَمُ.
* * *
ومِنْ مَحَاسِنِ النَّصَائِح السَّنِيَّةِ الخَاصَّةِ لطُلابِ العِلْمِ، مَا ذَكَرَهَا ابنُ القَيِّمِ عَنْ شَيخِهِ ابنِ تَيمِيَّةَ في "مَدَارِجِ السَّالِكِينَ" (٢/ ٢٠٢): "قَالَ لِي شَيخُ الإسْلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ - قَدَّسَ اللهُ رُوْحَهُ - في شَيءٍ مِنَ المُبَاحِ: هَذَا يُنَافي المَرَاتِبَ العَالِيَةَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُه شَرطًا في النَّجَاةِ".
* * *
وأخِيرًا؛ فإنَّني أُوْصِي نَفْسِي، وطُلابَ العِلْمِ أنْ يَأخُذُوا حَظَّهُم مِنْ كُتُبِ "الزُّهْدِ" قِرَاءةً وإقْرَاءً، ودَرْسًا ومُدَارَسَةً، هَذَا إذَا عَلِمْنا أنَّ السَّلَفَ كَانَتْ مَجالِسُهُمْ لا تَنْقَطِعُ عنِ رِوَايَاتِ كُتُبِ "الزُّهْدِ" تَألِيفًا وتحْدِيثًا وقِراءةً، بَلْ مَا تجَمَّلَ تَارِيخُهُمْ إلَّا بِما ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ زُهْدِيَّاتٍ وتَقْوَى كَانَتْ مَاثِلَةً: في تألُّهٍ في عِبَادَةٍ، وإيمانٍ في اسْتقَامَةٍ، ووَرَعٍ في خَشْيَةٍ، وصَبْر في يَقِينٍ!
стр. 141
والحَالَةُ هَذِه الَّتِي نَعِيشُ؛ كَانَ لِزَامًا علَينَا أنْ نَأخُذَ حَظًّا مِنَ النَّظَرِ في كُتُبِ "الزُّهْدِ"، لا سِيَّما وأنَّ الدُّنْيَا (هَذِه الأيامَ)، قَدْ أخَذَتْ زُخْرُفَهَا، وتَزَيَّنَتْ لأهْلِهَا، واهْتَزَّتْ ورَبَتْ لِذِي عَينٍ، والله خَيرٌ حَافِظًا!
فَهَيَّا إلى مَوْعُوْدِ قِرَاءةِ كُتُب "الزُّهْدِ"، وأخُصُّ مِنْهَا؛ كِتَابَ "الزُّهْدِ" للإمَامِ أحمَدَ (٢٤١)، ووَكِيع (١٩٧) وغَيرِهِما.
فَيَا طَالِبَ العِلْمِ: لا يَرَاكَ الله في هَذ الدُّنْيَا إلا زَاهِدًا، أو مُقْتَصِدًا، فَما الدُّنْيَا إلَّا كَما قَالَ أحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ ﵀: "طَعَامٌ دُوْنَ طَعَامٍ، وشَرَابٌ دُوْنَ شرَابٍ، ولِبَاسٌ دُوْنَ لِبَاسٍ، وصَبْرُ أيامٍ قَلاِئلَ! "، ذَكَرَه ابنُ تَيمِيَّةَ وغَيرُه.
وجِمَاعُ "الزُّهْدِ" إنْ سَألْتَ، فَهُوَ كَما قالَهُ ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀ في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى" (١٠/ ٢١، ٦٤١): هُوَ تَرْكُ الرَّغْبَةِ فِيما لا يَنْفَعُ في الدَّارِ الآخِرَةِ، وهُوَ فُضُوْلُ المُبَاحَاتِ الَّتي لا يُسْتَعَانُ بِها عَلى طَاعَةِ الله، مَعَ ثِقَةِ القَلْبِ بِما عِنْدَ الله" انْتَهَى.
* * *
وأخْتِمُ بِهَذِه النَّصِيحَةِ مِنْ قَوْلِ الحسَنِ البَصْرِيِّ ﵀: "كَانَ الرَّجُلُ إذَا طَلَبَ العِلْمَ؛ لَمْ يَلْبَثْ أنْ يُرَى ذَلِكَ في تَخَشُّعِهِ، وبَصَرِه، ويَدِه،
стр. 142
وصَلاتِه، وزُهْدِه، وإنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصِيبَ البَابَ مِنْ أبْوَابِ العِلْمِ فَيَعْمَلَ بِه؛ فَيَكُوْنَ خَيرًا لَه مِنَ الدُّنْيا ومَا فيها" (١).
* * *
كَما أضِفْ هُنَا أنَّ بَرنامَجَنا في (المَنْهَجِ العِلْمِيِّ)، كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى طَرِيقة خَاصَّةٍ مَعَ طُلابِنا (لَيسَ إلا!)، لِذَا لمَّا لمَسْنا ثَمَرَتَه عَلَى طُلابِنَا، وتَنَافُسَهُم فيه، أرْتَأينا نَشْرَهَا لعُمُوْمِ الفَائِدَةِ لَدَى أبْنَاءِ المُسْلِمِينَ؛ عَلَّهَا تَنْشُرُ مَوَاتَ أفْئِدَة أُخْرَى رَانَ عَلَيها الجَهْلُ، واسْتَعْبَدَتْهَا لُعَاعَةٌ مِنْ دُنْيا زَائِلَةٍ، واللهُ المُوفِّقُ والهادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وخِتَامًا؛ فَقَدْ ألْقَى القَلَمُ عَصَاهُ، واسْتَقَرَّ بِه النَّوَى، فَمَا أجَادَ بِه فَمِنْ فَضْلِ رَبي، ومَا أخَطأ فيه فَمنِّي والشَيطَانِ، واللهُ ورَسُوْلُه مِنْهُ بَرِيئانِ!
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ، والصلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِه ورَسُوْلِهِ الأمِينِ
* * * стр. 143
الإجَازاتُ العِلْمِيَّةُ
стр. 144
الإجَازَاتُ العِلْمِيَّةُ
الحمْدُ للهِ الَّذِي حمى هَذِه الشَّرِيعَةَ الغَرَّاءَ بِأئِمَّةٍ أمْجَاد، قيدُوا شَوَارِدَهَا، وجَمَعُوا أوَابِدَهَا بِسَلاسِلِ الإسْنَادِ؛ فتمَّتِ الهِدَايَةُ بِاتّصَالِ الرّوَايَةِ، وكَمُلَتِ العِنَايةُ ببِلُوْغِ الغَايَةِ مِنَ الدِّرَايَةِ، وصَارَتِ الأسَانِيدُ المتصِلَةُ لمَعَاهِدِ العُلُوْمِ كَالسّوَارِ، يَرْوِيهَا الأكابِرُ عَنِ الأكَابِرِ، ومنْهُ أضْحَى الإسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وقُرْبَةً إلى رَبِّ العَالمينَ.
والصَّلاةُ والسَّلامُ علَى عَبْده ورَسُوْلِهِ الأمِينِ، وعَلَى آلِهِ، وصَحْبِهِ الغُرّ الميَامِينَ، ومَنْ تَبِعَهُم بِإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدّينِ.
أمَّا بَعْدُ:
فَاعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أن الإجَازَةَ جَائِزَةٌ عَنْدَ فُقَهَاءِ الشَّرْعِ، وعُلَمِاءِ الحَدِيثِ، قَرْنًا فَقَرْنًا، وعَصْرًا فَعَصْرًا إلى زَمَانِنَا هَذَا.
وفي الإجَازة كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي بَصِيرة وبَصَرٍ: دَوَامُ مَا قَدْ رُوِيَ وذُكِرَ، وبَقَاءُ مَا قَدْ كُتِبَ ونُثِرَ؛ فَهِيَ أنْسَابُ الكُتُبِ، ولَوْلَاهَا لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، لِذَا كَانَ يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيهَا، والسُّكَوْنُ إِلَيهَا.
فَإذَا عُلِمَ هَذَا فَقَدْ مَنَّ الله تَعَالَى عَليَّ بلِقَاءِ عَدَدٍ مِنَ المَشَايخِ الأعْلامِ؛ حَيثُ
стр. 145
أخَذْتُ عَنْهُم باللِّقَاءِ والدَّرْسِ والمُلازَمَةِ والإجَازَةِ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ لِكُتُبِ ومُصَنَّفَاتِ أهْلِ الإسْلامِ؛ ووَجَدْتُ روَايَاتِهم قَدْ اتَّصلَتْ بِالمُصَنِّفِينَ، وسُلْسِلَتْ بِعُلمَاءِ الدِّينِ المُحَقِّقِينَ.
* * *
فكَانَتْ هَذِه بَعْضُ أسْماءِ ممَّنْ تَشَرَّفْتُ بأخْذِ الإجَازَةِ عَنْهُم، حَيثُ ذَكَرْتُ طَائِفَة وأرْجَيتُ أخْرَى سَيَأتي ذِكْرُهُا مُفَصَّلا إنْ شَاءَ اللهُ في كِتَابي: "الوَجَازَةِ في الأثْبَاتِ والإجَازَةِ"، فَمِنْ هَؤلاءِ:
١ - الشَّيخُ المُعَمَّرُ، المُسْنِدُ الكَبِيرُ، شَيخُ الحَنَابِلَةِ: عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَقِيلُ، حَيثُ أجَازَني مُنَاوَلةً إجَازَةً عَامَّة، وخَاصَّة في ثَبَتِه: "فَتْحِ الجَلِيلِ فِي تَرْجَمَةِ وثَبَتِ شَيخ الحنابِلَةِ ابنِ عَقِيلٍ".
٢ - وكَذَا الشَّيخ المُحَدِّثُ السَّلَفِيُّ، المُسْنِدُ الكَبِيرُ: أبو خَالِدٍ عَبْدُ الوَكِيلِ ابنُ الشَّيخِ المُحَدِّثِ والمُسْنِدِ الكَبِير عَبْدِ الحقِّ الهَاشِميِّ.
٣ - وكَذَا الشَّيخُ المُحَدِّثُ السَّلَفِيُّ المُعَمَّرُ: عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعِيد الكِنَانيُّ الزَّهْرَانيُّ.
٤ - وكَذَا الشَّيخُ المُسْنِدُ المُعَمَّرُ المُدَرِّسُ بالحَرَمِ المَكِّي: عَبْدُ الفَتْاحِ بنُ حُسَينٍ رَاوَه المَكِّيُّ ﵀، المتوَفَّى سَنَةَ (٥/ ٢ / ١٤٢٤)، حَيثُ أجَازَني
следующие страницы →