Полный текст (157 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
البَابُ الرَّابِعُ العَوَائِقُ والعَلائِقُ
وفيهِ خَمْسُ عَوَائِقَ وعَلائقَ
стр. 72
العَوَائِقُ والعَلائِقُ
إنَّ العِلْمَ الشَّرْعِيَّ، لا يَكُوْنُ شَرْعِيًّا مَقْبُوْلًا إلَّا إذا خَلُصَ مِنَ العَوَائِقِ والعَلائِقِ، وسَلِمَ مِنَ الدَّسَائِسِ والحوَائِلِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ؛ فلْيَعْلَمِ الجمِيعُ: بأنَّ العِلْمَ الشرْعِيَّ لَهُ عَوَائِقُ كَثِيرَةٌ تَقْطَعُ السَّيرَ عَلَى طَالِبِ العِلْمِ، وتُفْسِدُ عَلَيه الطَّلَبَ والقَصْدَ، كَمَا أنَّها مُحْبِطَةٌ لصَالِحِ الأعْمَالِ، ومُجْلِبَةٌ للحِرْمَانِ والخُسْرَانِ، ومَنْ أحَاطَتْ بِهِ فَقَدْ أوْبَقَتْ دِينَهُ ودُنْيَاهُ؛ فَنَعُوْذُ باللهِ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، ومنْ عَمَلٍ لا يُرْفَعُ.
* * *
ومَهْمَا قِيلَ؛ فإنَّ العَوَائِقَ كَثِيرَةٌ لا تَنتهِي إلى حَدٍّ ولا عَدٍّ، فمِنْها:
الكِبْرُ، بَطَرُ الحَقِّ، غَمْطُ النَّاسِ، حَسَدُ الأقْرَانِ، الرِّياءُ، العُجْبُ، تَزكِيَةُ النَّفْسِ، سُوْءُ الخُلُقِ، العِلْمُ بِلا عَمَل، التَّرَفُ، العَجْزُ والكَسَلُ، سُوْءُ الظَّنِّ، تَصْنِيفُ النَّاسَ بالظَّنِّ والتَّشَهِّي، غَيرَةُ الأقْرَانِ، تَلَقِّي العِلْمَ عَنِ المُبْتَدِعَةُ، أخْذُهِ عَنِ الأصَاغِرِ، تَتَبُّعُ الرُّخَصِ والشُّذُوْذَاتِ العِلْمِيَّةِ، نَشْرُ أُغْلُوْطَاتِ المَسَائِلِ، حُبُّ الشُّهْرَةِ، التَّعَالُمُ، التَّصَدُّرُ قَبْلَ التَّأهُّلِ، التَّنَمُّرُ بالعِلْمِ، تَعْظِيمُ عُلُوْمِ الدُّنْيَا وألْقَابِها، التَّخَصُّصُ (الجامِعِيُّ)، التَّقْليدُ المَذْهَبِيُّ، التَّعَصُّبُ العِلْمِيُّ، التَّحَزُّبُ المقِيتُ، الانْهِزَامُ العِلْمِيُّ (الدَّعَوِيُّ)، رِقُّ الوَظَائِفِ، كَثْرَةُ المِزَاحِ، فُضُوْلُ المُبَاحَاتِ،
стр. 73
خَوَارِمُ المُرُوْءةِ، الإصْرَارُ عَلَى الصَّغَائِرِ، ارْتِكَابُ الكَبَائِرِ، المُجَاهَرَةُ بالمَعَاصِي، حُبُّ الدُّنْيَا، الدُّخُوْلُ عَلَى السَّلاطِينِ. . . إلخ.
* * *
فأمَّا إنْ سَألْتَ يَا طَالِبَ العِلْمِ عَنْ جَامِعِ الغَوَائِلِ وأصْلِها، فَهُمَا أمْرَانِ (مُرَّانِ)، مَا ابْتُلي بِهِمَا أحَدٌ إلَّا هُتِكَ سِتْرُه، وافْتُضِحَ أمْرُه، ورَقَّ دِينُه، وحُرِمَ خَيرُه، (نُعُوْذُ باللهِ مِنْ كُلِّ سُوْءٍ)!
الأوَّلُ: حُبُّ الدُّنْيا.
والثَّانِي: الدُّخُوْلُ عَلَى السَّلاطِينِ، وهُمَا عَائِقَانِ مُهْلِكَانِ (١).
يَقُوْلُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بأَفْسَدَ لَهَا: مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ، والشَّرَفِ لدِينِهِ" (٢) أحمَدُ.
فأصْلُ مَحَبَّةِ المَالِ والشَّرَفِ حُبُّ الدُّنْيا، وأصْلُ حُبِّ الدُّنْيا بَلاطُ стр. 74
السَّلاطِينِ، وفيها اسْتِحْكَامُ الهُلْكَةِ؛ فَنَعُوْذُ باللهِ مِنَ الهَوَى والدُّنْيَا!
يَقُوْلُ ابنُ وَهْب ﵀: "إنَّ جَمْعَ المَالِ وغِشْيَانَ السُّلْطَانِ، لا يُبْقِيَانِ مِنْ حَسَنَاتِ المَرْءِ إلَّا كَمَا يُبْقِي ذِئْبَانِ جَائِعَانِ سَقَطَا في حَظَارٍ فيه غَنَمٌ؛ فَبَاتا يَجُوْسَانِ حَتَّى أصْبَحَا" (١).
* * *
* فأمَّا العَائِقُ الأوَّلُ: فَهُوَ حُبُّ الدُّنْيا وزِينَتِها، فَهَذَا (واللهِ!) بَيتُ الدَّاءِ، ونَامُوْسُ السِّفْلَةِ والرَّعَاعِ، ومَبْلَغُ رَأسِ عِلْمِ الخَالِفينَ، وسُوْقُ المُتعَالِمينَ، فَعَيَاذًا باللهِ مِنْها!
فيَا طَالِبَ العِلْمِ، الحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ حُبِّ الدُّنْيا، "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أكْبَرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا" (٢) آمِينَ!
فَقَدْ قَالَ تَعَالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠].
وقَالَ ﷺ : "إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ الله مُستخْلِفُكُم فيها، فيَنْظُرُ كَيفَ стр. 75
تَعْمَلُوْنَ؟ فاتَّقُوا الدُّنْيا واتَّقُوا النِّسَاءَ، فإِنَّ أوَّلَ فِتنةِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ" (١) مُسْلِمٌ.
وقَالَ ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبتغَى بِه وَجْهَ اللهِ لا يَتَعَلَّمَهُ إلَّا لِيُصِيبَ بِه عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القيامَةِ" (٢) أحمَدُ، يَعْنِي: رِيحَهَا.
* * *
قِيلَ للإمَامِ أحْمَدَ ﵀: إنَّ ابنَ المُبَارَكِ قِيلَ لَهُ: كَيفَ يُعْرَفُ العَالمُ الصَّادِقُ؟ فَقَالَ: الَّذِي يَزْهَد في الدُّنْيا، ويُقْبِلُ عَلَى أمْرِ الآخِرَةِ، فَقَالَ أحْمَدُ: كَذَا يَنْبَغِي أنْ يَكُوْنَ، وكَانَ أحْمَدُ يُنْكِرُ عَلَى أهْلِ العِلْمِ حُبَّ الدُّنْيا، والحِرَصَ عَلَيها! " (٣).
* * *
قَالَ الإمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀: "لا عَيبَ في العُلَمَاءِ أقْبَحُ مِنْ رَغْبَتِهم стр. 76
فيمَا زَهَّدَهُم اللهُ فيه! " (١)، أي: حُبَّ الدُّنْيَا.
قَالَ الفُضيلُ بنُ عِيَاضٍ ﵀: "لَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِكِم زِيُّهُ، أشْبَهُ بِزِيِّ كِسْرَى وقَيصَرَ مِنْهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، ولا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، ولَكِنْ رُفِعَ لَه عِلْمٌ فَشَمَّرَ إلَيه" (٢).
وقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀ "إذَا فَسَدَ العُلَمَاءُ، فَمَنْ يُصْلِحُهُم؟ وفَسَادُهُم مَيلُهُم عَلَى الدُّنْيا، وإذَا جَرَّ الطَّبِيبُ الدَّاءَ إلى نَفْسِه فَكَيفَ يُدَاوِي غَيرَه؟! " (٣).
وقَالَ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ ﵀: "إذَا رَأيتُم العَالمَ مُحِبًّا لدُنْيَاه، فاتَّهِمُوْهُ عَلَى دِينِكِم، فإنَّ كُلَّ محُبٍّ لشَيءٍ يَحُوْطُ ما أحَبَّ" (٤)، أمَّا قَوْلُه: "فاتَّهِمُوْهُ عَلَى стр. 77
دِينِكِم"، أي: لا تَأخُذُوا مِنْه شَيئًا مِنْ أمُوْرِ الدِّينِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فَتْوَى أو عِلمًا؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في دِينِه، وقَدْ قِيلَ: العِلْمُ دِينٌ، فانْظُرُوا عَمَّنْ تَأخُذُوْنَ دينكم، واللهُ أعْلَمُ.
وقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ ﵀ "مِنْ شَرْطِ العَالمِ أنْ لا تَخْطُرَ محَبَّةُ الدُّنْيا عَلَى بَالِه!، وقِيلَ لَهُ: مَنْ سِفْلَةُ النَّاسِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَتَعَيَّشُوْنَ بِدِينِهِم! " (١).
كَانَ يُقَالُ: "أشْرَفُ العُلَمَاءِ مَنْ هَرَبَ بدِينِهِ عَنِ الدُّنْيا، واسْتَصْعَبَ قِيَادُهُ عَلَى الهَوَى" (٢).
نَعَمْ؛ فإنَّ طَلَبَ العِلْمِ يَدُلُّ عَلَى الهَرَبِ مِنَ الدُّنْيا، لا عَلَى حُبِّها، أمَّا أهْلُ زَمَانِنا فَشَيءٌ آخَرُ، فإلى الله المُشْتكى، وعَلَيهِ التُّكْلانُ!
وقَالَ حَسَنُ بنُ صالِحٍ ﵀: "إنَّكَ لا تَفْقَهُ حَتَّى لا وتُبَالِي في يَدَي مَنْ كَانَتِ الدُّنْيا" (٣). стр. 78
ومَا أبْلَغَ مَا هُنَا!، إذْ يَقُوْلُ الآجُرِّيُّ ﵀ في "أخْلاقِ العُلَمَاءِ" (٨٩): "فإذَا كَانَ يُخَافُ عَلَى العُلَمَاءِ في ذَلِكَ الزَّمَانِ أنْ تَفْتِنَهُم الدُّنْيا!، فَمَا ظَنُّكَ بِه في زَمَانِنَا هَذَا؟ اللهُ المُسْتَعَانُ. مَا أعْظَمَ مَا قَدْ حَلَّ بالعُلَمَاءِ مِنَ الفِتَنِ وَهُم عَنْهُ في غَفْلَةِ! " انْتَهَى.
قُلْتُ: وَكَأنِّي بالآجُرِّيِّ ﵀ يَصِفُ أكْثَرَ عُلَمَاءِ زَمَانِنا مِمَّنْ فتنَتهُمُ الدُّنْيَا بقُصُوْرِهَا ومَرَاكِبِهَا! وهُمْ حَتَّى سَاعَتِي هَذِه مَا بَينَ غَفْلَةٍ أو تَغَافُلٍ، وجَهْلٍ أو تَجَاهُلٍ بالفِتَنِ العَاصِفَةِ بالعِبَادِ والبِلادِ، فاللهُ المُسْتَعَانُ!
* * *
* وأمَّا العَائِقُ الثَّانِي: فَهُوَ الدُّخُوْلُ عَلَى السَّلاطِينِ، وأهْلِ الدُّنْيا، فَهَذَا (واللهِ!) المَوْتُ الأسْوَدُ، والحَوْرُ بَعْدَ الكَوْرِ، إلَّا مَنْ سَلَّمَهُ اللهُ، وقَلِيلٌ مَا هُم، فعِيَاذًا باللهِ مِنْه!
فيَا طَالِبَ العِلْمِ؛ الحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ الدُّخُوْلِ عَلَى السَّلاطِينِ، وأهْلِ الدُّنْيا!
فَقَدْ قَالَ ﷺ : "مَنْ بَدَا جَفَا، ومَنْ اتَّبَعَ الصَّيدَ غَفَلَ، ومَنْ أتَى أبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتَتَنْ، ومَا زَادَ أحَدٌ مِنَ السُّلْطَانِ قُرْبًا إلَّا ازْدَادَ مِنَ اللهِ بُعْدًا" (١) أحمَدُ. стр. 79
وقَالَ ﷺ : "إيَّاكُم وأبْوَابَ السُّلْطَانِ، فإنَّه قَدْ أصْبَحَ صَعْبًا هَبُوْطًا" (١)، الدَّيلَمِيُّ، (هَبُوْطًا: ذُلًّا).
* * *
قَالَ أبُو حَازِمٍ ﵀ "لَقَدْ أتَتْ عَلَينا بُرْهَةٌ مِنْ دَهْرِنا ومَا عَالِمٌ يَطْلُبُ أمَيرًا، وكَانَ الرَّجُلُ إذا عَلِمَ اكْتَفَى بالعِلْمِ عَمَّا سِوَاه، فَكَانَ في ذَلِكَ صَلاحٌ للفَرِيقَينِ (للوَالِي والمَوَلَّى عَلَيه)، فَلَمَّا رَأتِ الأمَرَاءُ أنَّ العُلَمَاءَ قَدْ غَشَوْهُم وجَالَسُوْهُم وسَألُوْهُم مَا في أيدِيهِم هَانُوا عَلَيهم وتَرَكُوا الأخْذَ عَنَهُم والاقْتِبَاسَ مِنْهُم، فكَانَ ذَلِكَ هَلاكٌ للفَرِيقَينِ" (٢) انْتَهَى.
واجْتَازَ الحسَنُ البَصْرِيُّ ﵀ يَوْمًا ببَعْضِ القُرَّاءِ عَلَى أبْوَابِ السَّلاطِينِ.
فَقَالَ: "أقْرَحْتُمْ جِبَاهَكُم، وفَرْطَحْتُمْ نِعَالَكَمُ، وجِئْتُمْ بالعِلْمِ تَحْمِلُوْنَه عَلَى رِقَابِكِم إلى أبْوَابِهِم؟ فَزَهِدُوا فيكُم، أمَّا إنَّكُم لَوْ جَلَسْتُم في стр. 80
بِيُوْتِكِم حَتَّى يَكُوْنُوا هُمُ الَّذِينَ يُرْسِلُوْنَ إلَيكُم؟ لَكَانَ أعْظَمَ لَكُمْ في أعْيُنِهِمْ، تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللهُ بَينَ أضْلاعِكِمُ! " (١) انْتَهَى.
وقَالَ كَعْبُ الأحْبَارِ ﵀ "يُوْشِكُ أنْ تَرَوْا جُهَّالَ النَّاسِ يَتبَاهَوْنَ بالعِلْمِ، ويَتَغَايَرُوْنَ عَلَى التَّقَدُّمِ بِه عِنْدَ الأمَرَاءِ، كَمَا يَتَغَايَرُ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ، فَذَلِكَ حَظَّهُم مِنْ عِلْمِهِم" (٢).
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ "إذَا رَأيتُم العَالِمَ (القارئ) يَلُوْذُ ببَابِ السَّلاطِينِ فاعْلَمُوا أنَّه لِصٌّ، وإذا رَأيتُمُوْهُ يَلُوْذُ ببَابِ الأغْنِيَاءِ فاعْلَمُوا أنَّه مُرَاءٍ" (٣)، وبِمِثْلِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀ (٤).
وقِيلَ لسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ﵀: "ألا تَدْخُلُ عَلَى الأمَرَاءِ فَتَتَحَفَّظُ وتَعِظَهُم وتَنْهَاهُم؟ فَقَالَ: تَأمُرُوْنِي أنْ أسْبَحَ في البَحْرِ ولا تَبْتَلَّ قَدَمَاي؟ إنِّي стр. 81
أخَافُ أنْ يُرَحِّبُوا بِي فأمِيلُ إليهِم فَيَحْبَطَ عَمَلي! " (١) انْتَهَى.
ومِنْ دَقِيقِ الخَوْفِ؛ مَا ذَكَرَهُ سُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ ﵀ بقَوْلِهِ: "كُنْتُ قَدْ أُوْتيتُ فَهْمَ القَرْآنِ، فلَمّا قَبِلْتُ الصُّرَّةَ مِنْ أبِي جَعْفَرٍ؛ سُلِبْتُه، فنَسْألُ اللهَ تَعَالَى المُسَامَحةَ! " (٢).
ومَا أجْمَلَ مَا هُنَا؛ وذَلِكَ عِنْدَمَا كَتَبَ إمَامُ أهْلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ إلِى سِعِيدِ بنِ يَعْقُوْبَ: "أمَّا بَعْدُ: فإنَّ الدُّنْيا دَاءٌ، والسُّلْطَانَ دَاءٌ، والعَالِمَ طَبِيبٌ، فإذَا رَأيتَ الطَّبِيبَ يجرُّ الدَّاءَ إلى نَفْسِه فاحْذَره، والسَّلامُ عَلَيكَ! " (٣) انْتَهَى.
وقَدْ قِيلَ: "إنَّ خَيرَ الأمَرَاءِ مَنْ أحَبَّ العُلَمَاءَ، وإنَّ شَرَّ العُلَمَاءِ مَنْ أحَبَّ الأمَرَاءَ! " (٤).
وحَسْبُكَ أنَّ هَذَا هُوَ القَانُوْنُ الَّذِي يُوْزَنُ بِه العُلَمَاءُ والأمَرَاءُ: خَيرًا وشَرًّا! стр. 82
ورَحِمَ اللهُ أبا الحسَنِ عَلَيَّ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ الجُرْجَانِيَّ إذْ يَقُوْلُ (١):
ولَوْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ صَانُوْهُ صَانَهُم ... ولَوْ عَظَّمُوْهُ في النُّفُوْسِ لَعُظِّمَا
ولَكِنْ أهَانُوْهُ فَهَانُوا ودَنَّسُوْا ... مُحَيَّاهُ بالأطْمَاعِ حَتَّى تجَهَّمَا
* * *
ومَهْمَا يَكُنْ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ يا طَالِبَ العِلْمِ عَلَيهِم حَسَرَاتٍ؛ فإنَّه لمَّا مَاتَ شَيخُ الإسْلامِ وقُدْوَةُ العُلَمَاءِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀، قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: "مَعْشَرَ أهْلِ الَهَوى كُلُوا الدُّنْيا بالدِّينِ، فَقَدْ مَاتَ سفْيَانُ! " (٢)، يَعْنِي: مَا بَقِي بَعْدَهُ أحَدٌ يُسْتَحْيَا مِنْه!، قُلْتُ: فإنْ لَمْ يَكُنْ سُفْيَانُ، فاللهُ أحقُّ أنْ يُسْتَحْيَ مِنْه! стр. 83
ولا يَهُوْلنَّكَ يا طَالِبَ العِلْمِ مَا هُنَالِكَ مِنْ نَوَابِتَ نكدَةٍ لَم تَزَلْ تَسْعَى جَاهِدَةً في إحْيَاءِ مُخَالَفَةِ مَسَالِكِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ في الدُّخُوْلِ عَلَى السَّلاطِينِ والأمَرَاءِ، وذَلِكَ بدَفْعِ طُلابِ العِلْمِ إلى مَرَاتِعِ الشَّهَوَاتِ، ومَهَالِكِ الشُّبُهَاتِ؛ ليَهِيمُوا في "وَادِي تُضُلِّلَ"، مِمَّا قَدْ تَعْصِفُ بِمَا بَقِيَ مِنْ عِزَّةِ أهْلِ العِلْمِ!
وذَلِكَ مِنْ خِلالِ دَعَوَاتٍ عَرِيضَةٍ (مَرِيضَةٍ!)، وتَصَانِيفَ بَتراءَ دَاعِيَةً مَضَامِينُها وعَنَاوِينُها إلى الدُّخُوْلِ عَلَى الأمَرَاءِ والسلاطِينِ، ولَوْ بِشَرْطِ: الأمْرِ بالمَعْرُوْفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنكرِ!، فاحْذَرْ يا طَالِبَ العِلْمِ، وانْجُ بِعِلْمِكَ، وفِرَّ بدِينِكَ فإنَّه رَأسُ مَالِكَ، واعْلَمْ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ كَانَ عِنْدَ السَّلَفِ عَزِيزًا عَسِيرًا، أمَّا اليَوْمَ فأدْعِيَاءُ الشَّرْطِ كَثِيرٌ، والعَامِلُوْنَ بِه نَزْرٌ يَسِيرٌ، لا يَتَجَاوَزُوْنَ أصَابع اليَدِ الوَاحِدَةِ!
* * *
ويَكْفي هُنَا مَا ذَكَرَه ابنُ رَجَبٍ ﵀: "فَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ يَنْهَوْنَ عَنِ الدُّخُوْلِ عَلَى المُلُوْكِ لمَنْ أرَادَ أمْرَهُم بالمَعْرُوْفِ ونَهْيَهُم عَنِ المُنْكَرِ أيضًا، ومِمَّنْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ: عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابنُ المُبَارَكِ، والثَّوْرِيُّ، وغَيرُهُم مِنَ الأئِمَّةِ.
стр. 84
وقَالَ ابنُ المُبَارَكِ: لَيسَ الآمِرُ النَّاهِي عِنْدَنا مَنْ دَخَلَ عَلَيهِم (السَّلاطِينِ) فأمَرَهُم ونَهَاهُم، إنَّمَا الآمِرُ النَّاهِي مَنِ اعْتَزَلهم!
وسَبَبُ مَا يُخْشَى مِنْ فِتْنَةِ الدُّخُوْلِ عَلَيهِم، فإنَّ النَّفْسَ قَدْ تُخَيِّلُ للإنْسَانِ إذَا كَانَ بَعِيدًا أنَّه يَأمُرُهُم ويَنْهاهُم ويُغْلِظُ عَلَيهِم، فإذَا شَاهَدَهُم قَرِيبًا مَالَتْ النَّفْسُ إلَيهِم، لأنَّ مَحبَّةَ الشَّرَفِ كَامِنَةٌ في النَّفْسِ لَهُ، ولِذَلِكَ يُدَاهِنُهُم ويُلاطِفُهُم، ورُبَّمَا مَالَ إلَيهِم وأحَبَّهُم، ولا سِيما إنْ لاطَفُوْه وأكْرَمُوْه، وقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُم، وقَدَ جَرَى ذَلِكَ لعَبْدِ اللهِ بنِ طَاوُوْسٍ مَعَ بَعْضِ الأمَرَاءِ بِحَضْرَةِ أبِيه طَاوُوْسَ فَوَبَّخَهُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ.
وكَتَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إلى عَبَّادِ بنِ عَبَّادٍ، وكَانَ في كِتَابِهِ: "إيَّاكَ والأُمَراءَ أنْ تَدْنُو مِنْهُم، أو تُخَالِطَهُم في شَيءٍ مِنَ الأشْيَاءِ.
وإيَّاكَ أنْ تُخْدَعَ ويُقَالُ لَكَ: لتَشْفَعَ وتَدْرَأ عَنْ مَظْلُوْمٍ أو تَرُدَّ مَظْلَمَةً، فإنَّ ذَلِكَ خَدِيعَةُ إبْلِيسَ، وإنَّمَا اتَّخَذَها فُجَّارُ القُرَّاءِ سُلَّمًا، ومَا كُفيتَ عَنِ المَسْألَةِ والفُتْيا فاغْتَنِمْ ذَلِكَ، ولا تُنَافِسْهُم" (١) انْتَهَى. стр. 85
وقَالَ سُفْيَانُ أيضًا: "مَا أخَافُ مِنْ عُقُوْبَتِهِم، إنَّما أخَافُ مِنْ كَرَامَتِهِم! " (١).
ولِهَذَا قَالَ الإمَامُ أحْمَدُ ﵀: "فِتْنَتِي بالمتوَكِّلِ أعْظَمُ مِنْ فِتْنَتِي بالمُعْتَصِمِ! " يُشِيرُ إلى الإكْرَامِ (٢).
ورَحِمَ اللهُ ابنَ عَبْدِ البَرِّ إذْ يَقُوْلُ في "جَامِعَ بَيَانِ العِلْمِ" (١/ ٦٤٤) عَنْ مَجَالِسِ أمَرَاءِ العَدْلِ والفَضْلِ: "الفِتْنَةُ فيها أغْلَبُ، والسَّلامَةُ مِنْها تَرْكُ مَا فيها".
ومَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا؛ مِنْ عَدَمِ الدُّخُوْلِ عَلى السُّلْطَانِ فَلَيسَ بِدَعًا مِنَ القَوْلِ ولا هُجْرًا، ومَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرى، بَلْ هُوَ مِنْ جَادَّةِ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ وأئِمَّةِ الدِّينِ، وإنْ كَانَ للدُّخُوْلِ عَلَيهِم مِنْ حَتْمٍ أو مَنْدُوْحَةٍ عَلى بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ؛ فكَما يَلي:
أوَّلًا: أنْ يَكُوْنَ الدُّخُوْلُ عَلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَابِ أمْرِه بالمَعْرُوْفِ، ونَهيِهِ عَنِ المُنْكَرِ، وإلَّا. стр. 86
ثَانِيًا: أنْ يَكُوْنَ الدُّخُوْلُ عَلَيهِ مِنْ بَابِ التَّذْكِيرِ والموْعِظَةِ، وإلَّا.
ثالثًا: أنْ يَكُوْنَ الدُّخُوْلُ عَلَيهِ مِنْ بَابِ إجَابَةِ دَعْوَةِ السُّلْطَانِ، وذَلِكَ فيما لَوْ أمَرَهُ وَليُّ الأمْرِ بالدُّخُوْلِ والمَجِيءِ، وإلَّا حَسْبُكَ!
فإنَّا وإيَّاكَ؛ لَنْ نَنْسَ "ومَنْ أتَى أبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتَتَنْ"، و"إيَّاكُم وأبْوَابَ السُّلْطَانِ؛ فإنه قَدْ أصْبَحَ صَعْبًا هَبُوْطًا"، "وإيَّاكَ أنْ تُخْدع فإنَّ ذَلِكَ خَدِيعَةُ إبْلِيسِ"، و"السُّلْطَانُ دَاءٌ، والعَالِمُ طَبِيبٌ، فإذَا رَأيتَ الطَّبِيبَ يَجُرُّ الدَّاءَ إلى نَفْسِه فاحْذَرْهُ"، فاحْذَرَ أنْ يُرَحِّبُوا بِكَ فتمِيلَ إليهِم مَيلًا عَظِيمًا، والسَّلامُ عَلَيكَ يا طَالِبَ العِلْمِ والعزَّةِ!
* * *
* أمَّا العائقُ الثالِثُ: أنْ تَحْذَرَ يَا طَالِبَ العِلْمِ مِنَ الاشْتِغَالِ والنَّظَرِ في دَرَكَاتِ الهُوْنِ والدُّوْنِ، مِنْ عُلُوْمِ أهْلِ زَمَانِنَا، ومَا هُمْ فيه مِنْ شَارَاتٍ وضْعِيَّةٍ (١)، وألْقَابٍ جَوْفَاءَ، مَا أنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ أو بُرْهَانٍ، اللَّهُمَّ هَوَىً وظُنُوْنًا يَتَغَشَّوْنَ بِهَا مَجَالِسَ العِلْمِ، ليَسْتَبِيحُوا بِهَا زَهْرَةَ الحيَاةِ الدُّنْيا، إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي! стр. 87
واعْلَمْ يَا رَعَاكَ اللهُ: إنَّ العِلْمَ مَا جَاءَ عَنِ الكِتَابِ، والسُّنَّةِ، وأصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وهَذَا مَا أجْمَعَ عَلَيه سَلَفُ الأمَّةِ.
قَالَ الإمَامُ الأوْزَاعِيُّ ﵀: "العِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ، ومَا لَمْ يَجِيء عَنْهُم فَلَيسَ بِعِلْمٍ" (١).
* * *
وهَاكَ يا طَالِبَ العِلْمِ هَذِه القَاعِد السَّلَفيةَ في وِزَانِ عُلُوْمِ السَّلَفِ وعُلُوْمِ الخَلَفِ، وهُوَ مَا ذَكَرَهُ شَيخُ الإسْلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀ بِقَوْلِهِ في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى" (١٠/ ٦٦٤): "العِلْمُ المَوْرُوْثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ فإنَّه هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمَّى عِلْمًا، وما سِوَاهُ إمَّا أنْ يَكُوْنَ عِلْمًا فَلا يَكُوْنُ نَافِعًا.
وإمّا أنْ لا يَكُوْنَ عِلْمًا وإنْ سُمِّيَ بِه، ولئِنْ كَانَ عِلْمًا نَافِعًا فَلابُدَّ أنْ يَكُوْنَ في مِيرَاثِ مُحَمَّدٍ ﷺ ما يُغْنِي عَنْه مِمَّا هُوَ مِثْلُه وخَير مِنْه! ".
وقَالَ أيضا ﵀ في أهَمِيَّةِ مخالَفَةِ أعْمَالِ الكُفَّارِ؛ ولَوْ كَانَ فِيهِ إتْقَانٌ، مَا ذَكَرَهُ في "اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ" (١/ ١٧٢): "فإذًا المُخَالَفَةُ стр. 88
لهم (أي: مُخَالَفةُ الكُفَّارِ) فيها مَنْفَعَةٌ وصَلاحٌ لَنا في كُلِّ أمُوْرِنا؛ حَتَّى مَا هُم عَلَيه مِنْ اتْقَانِ بَعْضِ أمُوْرِ دُنْيَاهُم؛ قَدْ يَكُوْنُ مُضِرًّا بأمْرِ الآخِرَةِ، أو بِمَا هُوَ أهَمُّ مِنْهُ مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا، فالمُخَالَفَةُ فيه صَلاحٌ لَنَا".
* * *
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، ويَنْقُصُ العِلْمُ، وتَظْهَرُ الفِتَنُ، ويَكثرُ الهَرْجُ، قِيلَ يَا رَسُوْلَ اللهِ: أيْمُ هُوَ؟ قَالَ: القَتْلُ القَتْلُ" (١) البُخَارِيُّ.
وفي هَذَا الحدِيثِ نكتَةٌ عِلْمِيَّةٌ نَفيسَةٌ ذَكَرَها الإمِامُ الحَافِظُ أبو حَاتِمٍ ﵀ بِقَوْلِه في "مُقَدِّمَةِ المَجْرُوْحِينِ" (١٢): "في هَذَا الخبرِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ مَا لم يَنْقُصْ مِنَ العِلْمِ لَيسَ بعِلْمِ الدِّينِ في الحَقِيقَةِ!
وفيه دَلِيلٌ عَلَى أنَّ ضِدَّ العِلْمِ يَزِيدُ، وكُلَّ شَيءٍ زَادَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَرْجِعُه إلى الكِتَابِ والسُّنَّةِ فَهُوَ ضِدُّ العِلْمِ" انْتَهَى.
* * *
وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ الله بِه خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيه.
ومِنْه نَعْلَمُ قَطْعًا؛ أنَّ كُلَّ عِلْمٍ لم يَكُنْ مِنَ الدِّينِ فَلَيسَ بفِقْهٍ، ومَنِ اشْتَغَلَ стр. 89
بغَيرِه فَلَيسَ مِمَّنْ أرَادَ اللهُ بِه خَيرًا أصَالَةً لا حِوالَةً (١)!
* * *
وعَلَيه؛ فاعْلَمْ إنَّ هَذِه العُلُوْمَ الطَّبِيعِيَّةَ وغَيرَها مِمَّا هِيَ مِنْ عُلُوْمِ الدُّنْيا (الطَّبِيعَيَّةَ، الهَيئَةَ، الرِّياضِيَّةَ، الهندَسَةَ، الطِّبَّ وغَيرَها) (٢) الَّتِي لم تَزَلْ تَزْدَادُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمِ؛ بأنَّهَا لَيسَتْ مِنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ بِشَيءٍ، كَمَا أنَّه لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِها، ولا يَنْفَعُ العِلْمُ بِها، بَلْ هِي عُلُوْمٌ دِنْيَوِيَّة؛ المَقْصُوْدُ مِنْهَا عِمَارَةُ الدُّنْيَا!
يَقُوْلُ ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀ في "مَجْمُوْعِ الفَتَاوَى" (٢٧/ ٣٩٤):
"لَكِنَّ المَقْصُوْدَ أنْ يُعْرَفَ أنَّ الصَّحَابَةَ خَيرُ القُرُوْنِ، وأفْضَلُ الخَلْقِ بَعْدَ الأنْبِيَاءِ!
فَمَا ظَهَرَ (مِنَ العُلُوْمِ) فيمَنْ بَعْدَهُم مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّها فَضِيلَةٌ للمُتَأخِّرِينَ، ولَمْ تَكُنْ فيهِم فإنَّها مِنْ الشَّيطَانِ، وهِي نَقِيصَةٌ لا فَضيلَةٌ سَواءٌ كَانَتْ مِنْ стр. 90
جِنْسِ العُلُوْمِ، أو مِنْ جِنْسِ العِبَادَاتِ، أو مِنْ جِنْسِ الخَوَارِقِ والآياتِ، أو مِنْ جِنْسِ السِّيَاسَةِ والمُلْكِ؛ بَلْ خَيرُ النَّاسِ بَعْدَهُم أتْبَعَهُم لهم".
وقَالَ أيضًا ﵀ في "المَجْمُوْعِ" (٩/ ١٢٦) في مَعْرَضِ رَدِّه عَلَى أرْبَابِ العُلُوْمِ الدِّنْيِوَيَّةِ، لا سِيَّما أرْبَابُ الفَلْسَفَةِ مِنْهُم: "فإنَّ عِلْمَ الحِسَابِ الَّذِي هُوَ عِلْمٌ بالكَمِّ المُنْفَصِلِ، والهندَسَةِ الَّتِي هِيَ عِلْمٌ بالكَمِّ المُتَّصِلِ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ البَتَّةَ: مِثْلُ جَمْعِ الأعْدَادِ وقِسْمَتِها وضَرْبِها، ونسْبَةِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ ... والمَقْصُوْدُ أنَّ هَذا العِلْمَ الَّذِي تَقُوْمُ عَلَيه بَرَاهِينُ صَادِقَة لَكِنْ لا تَكْمُلُ بِذَلِكَ نَفْسٌ، ولا تَنْجُو مِنْ عَذَابٍ، ولا تُنَالُ بِه سَعَادَةٌ" انْتَهى.
* * *
يَقُوْلُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ في بَيَانِ أنواعِ العُلُوْمِ، مَا جَاءَ في كِتَابِه "الفَوَائِدِ" (١٦٠): "نَوْعٌ تَكْمُلُ النَّفْسُ بإدْرَاكِهِ والعِلْمِ بِه، وهُوَ العِلْمُ باللهِ وأسْمَائِه وصِفَاتِه وأفْعَالِه وكُتُبِه وأمْرِه ونَهْيِه.
ونَوْعٌ لا يَحْصُلُ للنَّفْسِ بِه كَمَالٌ: وهُوَ كُلُّ عِلْمٍ لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِه، فإنَّه لا يَنْفَعُ العِلْمُ بِها في الآخِرَةِ.
стр. 91
وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِيذُ باللهِ مِنْ عِلم لا يَنْفَعُ، وهَذَا حَالُ أكْثَرِ العُلُوْمِ الصَّحِيحَةِ المُطَابِقَةِ الَّتِي لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِها شَيئا: كالعِلْمِ بالفَلَكِ ودَقَائِقِه ودَرَجَاتِه، وعَدَدِ الكَوَاكِبِ ومَقَادِيرِها، والعِلْمِ بعَدَدِ الجِبَالِ وألْوَانِها ومَسَاحَتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَشرَفُ العِلْمِ بِحَسَبِ شَرَفِ مَعْلُوْمِه، وشِدَّةِ الحَاجَةِ إلَيه، ولَيسَ ذَاكَ إلَّا العِلْمُ باللهِ وتَوَابع ذَلِكَ" انْتَهَى.
* * *
وقَالَ أيضًا في مَعْرَضِ الرَّدِّ عَلَى عُلَمَاءِ الفَلْسَفَةِ، مَا ذَكَرَهُ في "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (٢/ ١٢٢): "وإمَّا عِلْمٌ طَبِيعِيٌّ صحِيحٌ غَايِتُه مَعْرِفَةُ العَنَاصِرِ، وبَعْضِ خَوَاصِهَا وطَبَائِعَها، ومَعْرِفَةُ بَعْضِ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْها، ومَا يَسْتَحِيلُ مِنَ المُوْجِبَاتِ إلَيها، وبَعْضِ مَا يَقَعُ في العَالَمِ مِنَ الآثارِ بامْتِزَاجِها واخْتِلاطِها ... وأيُّ كَمَالٍ للنَّفْسِ في هَذِا؟ وأيُّ سَعَادَةٍ لَهَا فيه؟! "انْتَهَى.
وقَالَ أيضًا في مَعْرَضِ الرَّدِّ عَلَى أهْلِ الطِّبِّ، مَا بَيَّنَهُ في "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (٢/ ٣١٨ - ٣١٩) بِقَوْلِهِ: "وحَاجَةُ النَّاسِ إلى الشَّرِيعَةِ ضَرُوْرَةٌ فَوْقَ حَاجَتِهم إلى أيِّ شَيءٍ، ولا نِسْبَةَ لحاجَتِهِم إلى عِلْمِ الطِّبِّ إلَيها، ألا تَرَى
стр. 92
أكْثَرَ العَالمِ، يَعِيشُوْنَ بغَيرِ طَبِيبٍ؟ ولا يَكُوْنُ الطَّبِيبُ إلَّا في المُدُنِ الجَامِعَةِ، وأمَّا أهْلُ البَدْوِ كُلُّهُم، وأهْلُ الكَفُوْرِ (القَرْيَةِ الصغِيرة) كُلّهُم، وعَامَّةُ بَنِي آدَمَ، فَلا يَحْتَاجوْنَ إلى طَبِيبٍ، وهُمْ أصَحّ أبْدَانًا وأقْوَى طَبِيعَةً ممَّنْ هُوَ مُتَقَيِّد بالطَّبِيبِ، ولَعَلَّ أعْمَارَهُم مُتَقَارِبَة ... إلخ.
وأمَّا مَا يُقَدَّرُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرِيعَةِ ففَسَادُ الرّوْحِ والقَلْبِ جُمْلَةً، وهَلاكُ الأبدِ، وشَتَّانَ بَينَ هَذَا وهَلاكِ البَدَنِ بالموتِ: فَلَيسَ النَّاسُ قَطُّ إلى شَيءٍ أحْوَجَ مِنْهُم إلى مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بهِ الرَّسُوْلُ ﷺ ، والقِيَامِ بِه، والدَّعْوَةِ إلَيه، والصَّبْرِ عَلَيه، وجِهَادِ مَنْ خَرَجَ عَنْه حَتَّى يَرْجِعَ إلَيهِ، ولَيسَ للعَالَمِ صَلاح بِدُوْنَ ذَلِكَ البَتَّةَ" انْتَهَى.
* * *
وهَذَا الذَّهَبِيُّ ﵀ أيضًا نَجِدُه يُعِيبُ عِلْمَ النَّحْوِ الَّذِي هُوَ أفْضَلُ وأكْمَلُ مِنْ عُلُوْمِ (القَوْمِ!) لا سِيما إذَا خَرَجَ عَنْ حَدِّه المَقْصُوْدِ، وذَلِكَ بِقَوْلِه في كِتَابِهِ "زَغَلِ العِلْمِ" (٣٩): "النَّحْوِيُّوْنَ لا بَأسَ بِهِم، وعِلْمُهُم حَسَنٌ مُحتاجٌ إلَيه، لَكِن النَّحْوِيَّ إذا أمْعَنَ في العَرَبِيَّةِ، وعَرِيَ عَنْ عِلْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ بَقِيَ فَارِغًا بَطَّالًا لَعَّابًا، ولا يَسْألُه اللهُ والحَالَةُ هَذِه عَنْ عِلْمِه في الآخِرَةِ؛ بَلْ هُوَ كَصِنْعَةٍ مِنَ الصَّنَائِعِ: كالطَّبِّ والحِسَابِ، والهندَسَةِ لا
стр. 93
يُثَابُ عَلَيها، ولا يُعَاقَبُ إذَا لَمْ يَتكبَّرْ عَلَى النَّاسِ، ولا يتَحَامَقْ عَلَيهم، واتَّقَى اللهَ تَعَالَى، وتَوَاضَعْ وَصَانَ نَفْسَهُ" انْتَهَى.
* * *
فعَلَيكَ أخِي طَالِبَ العِلْمِ بمَا قَالَه ابنُ رَجَب ﵀ في "بَيَانِ فَضْلِ عِلْمِ السَّلَفِ" (٦٨): "وفي كَلامِهِم (السَّلَفِ) كِفَايَة وزِيَادَة، فَلا يُوْجَدُ في كَلامِ مَنْ بَعْدِهِم مِنْ حَقٍّ إلَّا وهُوَ في كَلامِهِم مَوْجُوْد بأوْجَزِ لَفْظٍ، وأخْصَرِ عِبَارَةٍ، ولا يُوْجَدُ في كَلامِ مَنْ بَعْدِهِم مِنْ بَاطِلٍ إلَّا وفي كَلامِهِم مَا يُبَيِّنُ بُطْلانَه لمَنْ فَهِمَهُ وتَأمَّلَهُ، ويُوْجَدُ في كَلامِهِم مِنَ المعَاني البَدِيعَةِ والمآخِذِ الدَّقِيقَةِ مَا لا يَهْتَدِي إلَيه مَنْ بَعْدَهُم ولا يَلِمُّ بِهِ، فَمَنْ لم يَأخُذْ العِلْمَ مِنْ كَلامِهِم فَاتَهُ ذَلِكَ الخَيرُ كُلُّه مَعَ مَا يَقَعُ في كَثِيرٍ مِنَ البَاطِلِ مُتَابَعَةً لمَنْ تَأخَّرَ عَنْهُم" انْتَهَى.
* * *
واعْلَمْ يا رَعَاكَ اللهُ، أنَّ العِلْمَ إذا أُطْلِقَ، فإنَّه لا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى العِلْمِ الشَّرْعِيّ فَضْلًا وكَمَالًا، أجْرًا ومَآلًا، عِزًّا وحَالًا ... !
ومَا سِوَاهُ مِنْ عُلُوْمِ الدُّنْيا؛ فَهِي عُلُوْمٌ مُقَيَّدَةٌ بِمَا تُضَافُ إلَيه مِنْ: حِرَفٍ ومِهَنٍ وفِكْرٍ ... كعُلُوْمِ الطَّبِيعَةِ، والفَلَكِ، والهَيئَةِ، والحِسَابِ،
стр. 94
والصنَاعَاتِ، والرِّيَاضِيَّاتِ، والهندسَةِ، والأحْيَاءِ، و (الكِيمِيَاءِ)، و (الفيزِيَاءِ)، و (الجُغْرَافيا)، وعِلْمِ الأرْضِ (الجُيُوْلُوْجِيا)، وعِلْمِ التِّجَارَةِ، وعِلْمِ السِّيَاسَةِ، وكَذَا حِرَفِ النِّجَارَةِ، والفِلاحَةِ، والصِّنَاعَةِ، والحِيَاكَةِ إلخ.
* * *
فَعِنْدَ ذَلِكَ؛ كَانَ مِنَ الخَطأ البيِّن رَصْفُ تِلْكَ العَنَاوِينِ الرَّابِضَةِ فَوْقَ بَعْضِ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، والأطَارِيحِ الجَامِعِيَّةِ كَقَوْلهِم: العِلْمُ والإيمَانُ، العِلْمُ والإسْلامُ، الإيمَانُ مِحْرَابُ الطِّبِّ، الدِّينُ والعِلْمُ التَّجْرِيبِيُّ، القُرْآنُ والإعْجَازُ العِلْمِيُّ ... وغَيرُها مِمَّا هُوَ مِنْ زَبَدِ العُلُوْمِ الدَّخِيلَةِ، والانْهِزَامِ الجَاثِمِ عَلَى عُقُوْلِ وأقْلامِ كَثِيرٍ مِنَ كُتَّابِ المُسْلِمِينَ هَذِه الأيامَ!
ومَا ذَاكَ الخَطَأُ الدَّارِجُ هُنَا وهُنَاكَ إلَّا لِكَوْنِ القَوْمِ قَدْ ظَنُّوا بأنَّ العِلْمَ شَيءٌ، والدِّينَ شَيء آخَرَ!
لِذَا نَجِدُهُم يُفَرِّقُوْنَ بَينَ الدِّينِ والعِلْمِ، ومَا عَلِمُوا أنَّ الدِّينَ الإسلامِيَّ هُوَ العِلْمُ، والعِلْمَ دِينٌ؛ فانْظُرُوا عَمَّنْ تَأخُذُوْنَ دِينكُم!
فإنَّ حَالَ هَذِه العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ؛ بَلْ أكْثَرِ العُلُوْمِ الصَّحِيحَةِ المُطَابِقَةِ للعَقْلِ والتَّجْرُبَةِ؛ فإنَّه لا يَضُرُّ الجَهْلُ بِها شَيئًا، كَمَا أنَّه لا يَنْفَعُ العِلْمُ بِها!
стр. 95
لِذَا؛ فلا يَهُوْلَنَّكَ يَا طَالِبَ العِلْمِ مَا يَتَجَارَى بِهِ أهْلُ زَمَانِنَا في تَسْوِيقِ هَذِه العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ، مَعَ زُخْرُفٍ مِنَ الشَّارَاتِ والألْقَابِ في صُرُوْحِ الجَامِعَاتِ، ومَا يَقْذِفُه الإعْلامُ العَائِمُ فَوْقَ بَرَاكِينَ مِنَ الثَّقَافَاتِ الغَرْبِيَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ مُحَاكَاتٌ ومُشَابَهَةٌ لِمُخَلَّفَاتِ الاسْتِعْمَارِ (الدَّمَارِ) الغَرْبِيِّ!
* * *
ومَهْمَا قِيلَ؛ فَلَنْ يَتَعَدَّ أصْحَابُ هَذِه العُلُوْمِ الطَّبِيعِيَّةِ وغَيرِها (مِمَّا هِيَ مِنْ عُلُوْمِ الدُّنْيا) مَكَانَهُم مِنَ العِلْمِ؛ فَهُم لا يَعْلَمُوْنَ إلَّا ظَاهِرًا مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيا؛ بَلْ هَذَا مَبْلَغُهُم مِنَ العِلْمِ، كَمَا أنَّها عُلُوْمٌ يَشْتَرِكُ فيها كُلُّ إنْسَانٍ وجَانٍّ (المُؤْمِنُ مِنْهُم والكَافِرُ)!
ومَعَ هَذَا فَلَيسَ لهم فيها مِنْ الأجْرِ شَيء، اللَّهُمَّ إلَّا إذا جَعَلُوا مِنْ هَذِه العُلُوْمِ والصِّنَاعَاتِ قُرُباتٍ، بَعْدَ اسْتِحْضَارِ قَصدٍ ونيَّاتٍ!
كَنِيّةِ: التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى بَينَ المُسْلِمِينَ، كَمَا يَنْوِيهِ النَّجَّارُ والفَلاحُ وغَيرُهُما مِنْ أهْلِ الحِرَفِ والمِهَنِ، و"إنمَا الأعْمَالُ بالنياتِ، وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (١) مُتَّفَق عَلَيهِ. стр. 96
ومَهْمَا يَكُنْ؛ فالأجْرُ والخَيرُ: في العِلْمِ الشَّرْعِيِّ أصْلٌ وغَايَةٌ، وفي غَيرِه مِنَ عُلُوْمِ الدُّنْيا طَارِئٌ ووَسَيلَةٌ!
* * *
وأخِيرًا؛ فَإنَّنا لا نَقُوْلُ بطَرْحِ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ (الطَّبِيعِيَّةِ والتَّجْرِيبِيَّةِ) جُمْلَة وتَفْصِيلًا؛ كَلَّا!
بَلْ للتَّفْصِيلِ اعْتِبَارٌ ومَأخَذُ، فالنَّاسُ حَوْلها طَرَفَانِ ووَسَطٌ، كَما يَلي:
الطرَفُ الأولُ: مَنْ أفْرَطَ فِيهَا إفْرَاطًا أخْرَجَهَا مِنْ حَدِّهَا ومَنْزِلَتِهَا إلى التَّقْدِيسِ والغُلُوِّ؛ فَرَفَعَهَا فَوْقَ غَيرِها مِنَ العُلُوْمِ، لاسِيَّما العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ، وأهْلُ هَذَا الطَّرَفِ فِيهِمْ غُلُوّ وإسْرَافٌ مَذْمُوْمَانِ!
الطَّرَفُ الثاني: مَنْ عِنْدَهُ تَفْرِيطٌ وتَقْصِيرٌ فِيهَا؛ حَتَّى قَطَعَ بَعْضهُم بحُرْمَتِهَا، ومِنْهُم مَنْ صَرَّحَ بخُلُوِّهَا مِنَ الخَيرِ والفَائِدَةِ رَأسًا، وأهْلُ هَذَا الطَّرَفِ فِيهِم تَفْرِيطٌ وإجْحَاف مَذْمُوْمَانِ!
الوَسَطُ: مَنْ قَالَ بأنَّها عُلُوْم مُبَاحَةٌ: فَمِنْهَا مَا هُوَ حَلالٌ مَقْبُوْلٌ، ومِنْهَا مَا هُوَ حَرَام مَرْدُوْد، فَفِيهَا الخَيرُ والشَّرُّ كَغَيرِهَا مِنَ العُلُوْمِ
стр. 97
الدِّنْيَوِيَّةِ، والنَّاسُ إلى الخَيرِ مِنْهَا في حَاجَةٍ وطَلَبٍ، لا سِيَّما في عِمارة الأرْضِ، وصَلاحِ الدِّينِ والدُّنْيَا، فَهِي مِنْ بَابِ الوَسَائِلِ، و"للوَسَائِلِ أحْكَامُ المَقَاصِدِ".
وهُمْ مَعَ هَذَا لا يُخْرُجْوْنَها عَنْ حَدِّهَا وحَجْمِهَا، فَلا يَذْهَبُوْنَ بِها إلى الغُلُوِّ ولا إلى التَّفْرِيطِ، كَما أنَّهم لا يُسَامُوْنَ بِها العُلُوْمَ الشَّرْعِيَّةَ؛ فَضْلًا عَنْ أفْضَلِيَتِّها، فَلَهَا قَدْرُهَا وتَقْدِيرُهَا، واللهُ أعْلَمُ.
* * *
وقد اشْتَرَطَ الإمَامُ الشَّوكَانيُّ ﵀ (١٣٥٠) لتَعَلُّمِ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ شَرْطًا عَزِيرًا، في كِتَابِه "أدَبِ الطَّلَبِ" (١٢٤) حَيثُ قَالَ: "ثُمَّ لا بَأسَ عَلى مَنْ رَسَخَ قَدَمُهُ في العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ أنْ يَأخُذَ بطَرَفٍ مِنْ فُنُوْن هِي مِنْ أعْظَمِ مَا يَصْقِلُ الأفْكَارَ، ويُصَفِّي القَرَائِحَ، ويَزِيدُ القَلْبَ سُرُوْرًا والنَّفْسَ انْشِرَاحًا: كالعِلْمِ الرِّيَاضِيِّ والطَّبِيعِيِّ، والهندَسَةِ والهَيئَةِ والطِّبِّ.
وبالجُمْلَةِ فالعِلْمُ بِكُلِّ فَنٍّ خَيرٌ مِنَ الجَهْلِ بِه بكَثِيرٍ ولا سِيَّما مَنْ رَشَّحَ نَفْسَهُ للطَّبقَةِ العَلِيَّةِ والمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ.
ودَعْ عَنْكَ مَا تَسْمَعُهُ مِنَ التَّشْنِيعَاتِ، فإنَّها كَما قَدَّمْنَا لَكَ شُعْبَةٌ مِنَ التَّقْلِيدِ، وأنْتَ بَعْدَ العِلْمِ بأيِّ عِلْمٍ مِنَ العُلُوْمِ: حَاكِمٌ عَلَيهِ بِما قَدْ يَكُوْنُ
стр. 98
لَدِيكَ مِنَ العِلْمِ، غَيرَ مَحكُوْمٍ عَلَيكَ، واخْتَرْ لنَفْسِكَ مَا يَحلُو!
ولَيسَ يُخْشَى عَلى مَنْ قَدْ ثَبَتَ قَدَمُهُ في عِلْمِ الشَّرْعِ مِنْ شَيءٍ، وإنَّما يُخْشَى عَلى مَنْ كَانَ غَيرَ ثَابِتِ القَدَمِ في عُلُوْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فإنَّهُ رُبَّما يَتَزَلْزَلُ وتحوْلُ ثِقَتُهُ؛ فإذَا قَدَّمْتَ العِلْمَ بِما قَدَّمْنَا لَكَ مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ فاشْتَغِلْ بِما شِئْتَ، واسْتكْثِرْ مِنَ الفُنُوْنِ مَا أرَدْتَ وتبحَّرْ في الدَّقَائِقِ مَا اسْتَطَعْتَ، وجَاوِبْ مَنْ خَالَفَكَ وعَذَلَكَ وشَنَّعَ عَلَيكَ، بقَوْلِ القَائِلِ:
أتانَا أنَّ سَهْلًا ذَمَّ جَهْلًا ... عُلُوْمًا لَيسَ يَعْرِفُهُنَّ سَهْلُ
عُلُوْمًا لَوْ دَرَاهَا مَا تَلاهَا ... ولكِنَّ الرِّضَى بالجَهْلِ سَهْلُ
إلى آخِرِ كَلامِهِ".
قُلْتُ: إنَّ مَا ذَهَبَ إلَيهِ الإمَامُ الشَّوكَانيُّ فِيهِ نَظَر بَيِّن؛ حَيثُ اشْتَرَطَ لتَعَلُّمِ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ شُرُوْطًا لَيسَتْ في كِتَابٍ ولا سُنَّةٍ، بَلِ الوَاقِعُ يَشْهَدُ بخِلافِ مَا ذَهَبَ إلَيهِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنهُ ﵀ مِمَّنْ يُشَنِّعُ عَلى التَّقْلِيدِ وأهْلِهِ، ويحذِّرُ مِنْهُ مَا أمْكَنَ إلَيهِ سَبِيلًا!
فَقَولهُ ﵀: ثُمَّ لا بَأسَ عَلى مَنْ رَسَخَ قَدَمُهُ في العُلُوْمِ الشرْعِيَّةِ أنْ يَأخُذَ بطَرَفٍ مِنَ العِلْمِ الرِّيَاضِيِّ والطَّبِيعِي، والهندَسَةِ والهَيئَةِ والطِّبِّ.
стр. 99
ولَيسَ يُخْشَى عَلى مَنْ قَدْ ثَبَتَ قَدَمُهُ في عِلْمِ الشَّرْعِ مِنْ شَيءٍ، وإنَّما يُخْشَى عَلى مَنْ كَانَ غَيرَ ثَابِتِ القَدَمِ في عُلُوْمِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فإنَّهُ رُبَّما يَتَزَلْزَلُ وتحُوْلُ ثِقَتُهُ .. إلَخْ!
كُلُّ هَذَا مِنْهُ ﵀ مُنْتَقَدٌ وبَعِيدٌ، لأمُوْرٍ:
أوَّلًا: لَيسَ هُنَاكَ دَلِيلًا شرْعِيًّا عَلى اشْتِرَاطِ مَنْ رَامَ تَعَلُّمَ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ أنْ يَكُوْنَ رَاسِخًا في العِلْمِ الشَّرْعِيِّ؟
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ العُلُوْمَ الدِّنْيَوِيَّةَ مِنَ العُلُوْمِ المُبَاحَةِ، والحَالَةُ هَذِه فَهِيَ لا تَحْتَاجُ إلى رُسُوْخٍ في العِلْمِ، بَلْ هِي مِنْ شَأنِ عَامَّةِ النَّاسِ في حَيَاتهم الدِّنْيَوِيَّةِ، بَلْ هُنَالِكَ مِنْ آحَادِ العَامَّةِ مَنْ يُحْسِنُ مِنَ العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ مَا لا يُحْسِنُهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ!
ثَانِيًا: لو أنَّنا لَوْ أخَذْنَا بِما اشْتَرَطَهُ الشَّوكَانيُّ ﵀ لتَعَطَّلَتْ كَثِيرٌ مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وعِمار الأرْضِ!
ثَالثًا: لَيسَ بالضَّرُوْرِي أنَّ كُلَّ مَنْ تَعَلَّمَ العُلُوْمَ الدِّنْيَوِيَّةَ أنْ يَزِلَّ، أو تَتَحَوَّلَ ثِقَتُهُ، لأنَّ دَلِيلَ الشَّاهِدِ والحَالِ قَاضٍ بهَذَا!
* * *
стр. 100
إلَّا أنَّنا مَعَ هَذَا؛ نُحَذِّرُ كَلَّ الحَذَرِ مِنَ النَّظَرِ إلى هَذِه العُلُوْمِ الدِّنْيَوِيَّةِ بعَينِ الإفْرَاطِ والانْبِهَارِ، أو الانْصَرَافِ بِها عَنْ تَعَلُّمِ وَاجِبَاتِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا لا يُعْذَرُ المُسْلِمُ بجَهْلِهَا، وإلَّا وَقَعْنَا فِيما حَذَّرَ مِنْهُ الشَّوكَانيُّ ﵀، وهُوَ كَذَلِكَ!
* * *
ومِنْ آخِرِ نَحِسَاتِ أدْعِيَاءِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ هَذِه الأيام، أنَّ نَابِتَةً مِنْهُم لَمْ تَزَلْ تَنْفُخُ في رَوْعِ شَبَابِ المُسْلِمِينَ بَعْضَ العُلُوْمِ التَّجْرِيبِيَّةِ، الوَافِدَةِ مِنْ مُسْتَنْقَعَاتِ الفِكْرِ الغَرْبِي (الكَافِرِ)، ضَارِبِينَ بِعُلُوْمِ وكُتُبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ عُرْضَ الحَائِطِ، مُزَاحِمِينَ مَا كَانَ عَلَيه المُسْلِمُوْنَ مِنْ الأمْرِ الأوَّلِ: إنَّها العُلُوْمُ الإدارِيَّةُ، والنَّفْسِيَّةُ (البَرْمجةُ العَصَبِيَّةُ اللُّغَوِيَّةُ)، وغَيرُها!
* * *
فَلَيتَ شِعْرِي؛ هَلْ نَسِيَ هُؤلاءِ (المُنْهَزِمُوْنَ) أنَّ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ هَذِه الأيامَ في حَالٍ لا يُنَادَى وَليدُها؟ مِنْ جَهْلٍ بِدِييهِم، وتَفَرُّقٍ بَينَهُم، وضَعْفٍ لَدَيهِم ... ؟! فإنْ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِهَذا؛ فلِمَاذا هَذِه العُلُوْمُ الدَّخِيلَةُ الَّتِي تُرَوَّجُ وتُسَوَّقُ بَينَ شَبَابِ المُسْلِمِينَ؛ حتَّى أخَذَتْ (للأسَفِ!) أخَادِيدَ في قُلُوْبِ بَعْضِ طُلابِ العِلْمِ؟!
стр. 101
قَالَ تَعَالى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، وقَالَ تَعَالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٣ - ١٠٤].
وقَالَ عَبْدُ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ ﵁: "كَيفَ أنْتُم إذا لَبِسَتْكُم فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فيها الكَبِيرُ، ويَرْبُو فيها الصَّغِيرُ، ويَتَّخِذُها النَّاسُ سُنّة، فإذا غُيِّرَتْ قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنّة!
قَالُوا: ومَتَى ذَلِكَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: إذا كَثُرَتْ قُرَّاؤكُم، وقَلَّتْ فُقَهَاؤُكم، وكَثُرَتْ أمَرَاؤُكُم، وقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُم، والْتُمِسَتِ الدُّنْيا بعَمَلِ الآخِرَةِ" (١) الدَّارِميُّ والحَاكِمُ.
* * *
فإنِّي أُعِيذُكَ باللهِ يا مَنْ تَسْعَى في نَشْرِ هَذِه العُلُوْمِ الدَّخِيلَةِ الهَجِينَةِ في بِلادِ المُسْلِمِينَ، مِمَّا يَلي:
أوَّلًا - أنْ يَنَالَكَ نَصْيِبٌ مِنْ قَوْلِه ﷺ : " ... ومَنْ سَن في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، стр. 102
فَعَلِيه وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ يَعْمَلُ بِها مِنْ غَيرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أوْزَارِهِم شَيئًا" (١) مُسْلم.
وبَعْدَئِذٍ؛ فَلا تَنْسَ يَا رَعَاكَ اللهُ! مَا فَعَلَه المأمُوْنُ يَوْمَ عرِّبَتْ في عَهْدِه عُلُوْمُ اليُوْنانِ، والفَلاسِفَةِ مِنَ اليَهُوْدِ والنَّصَارَى والِهنْدِ: مِثْلُ الطِّبِّ، والحِسَابِ، والطَّبِيعَةِ، والهَيئَةِ، والمَنْطِقِ ... فَلَمّا دَرَسَها النَّاسُ، وتَنَاقَلُوْها فيمَا بَينَهُم؛ ظَهَرَتْ بِسَبَبِها البِدَعُ والأهْوَاءُ، وضَلَّ وابْتَعَدَ النَّاسُ عَنْ عِلْمِ النُّبوَّةِ ... فعِنْدَها كَانَ الضَّلالُ والانْحِرَافُ، والشَّرُّ الكَبِيرُ، والفَسَادُ العَرِيضُ!
* * *
لأجْلِ هَذا؛ كَانَ عَلَيكَ أنْ تَقِفَ بِخَوْفِكَ عِنْدَ هَذَا العِلْمِ، لا سِيَّما إذَا عَلِمْتَ أنَّ الَّذِينَ ضَلُّوا وأضَلُّوا بِهَذِه العُلُوْمِ الوَافِدَةِ وَقْتَئِذٍ: هُمُ مِنَ العُلَمَاءِ!، فَكَيفَ والحَالَةُ هَذِه إذا عَلِمَ الجَمِيعُ أنَّ مُعْظَمَ الَّذِينَ يَتَجَارَوْنَ وَرَاء هَذِه العُلُوْمِ النَّكدَةِ، ويَتَقَاطَرُوْنَ عَلَى دَوْرَاتِها: هُمُ الشَّبَابُ مِنْ أبْنَاءِ المُسْلِمِينَ؛ فاللهَ اللهَ فيهِم! стр. 103
ثَانيًا - لا يَخْفَاكَ يَا رَعَاكَ اللهُ؛ أنَّ الأُمَّةَ بعَامَّة تَعِيشُ هَذِه الأيامَ جَهْلًا بدِينها، لِذَا كَانَ الأوْلَى بِنا أنْ نَسْعَى حَثِيثًا في عَوْدَةِ الأُمَّةِ إلى دِينها أوَّلًا، ثُمَّ إذا كَانَ في الأمْرِ مُتَّسَعٌ فَعِنْدَئِذٍ يَكُوْنُ للكَلامِ في مِثْلِ هَذِه العُلُوْمِ الوَافِدَةِ شَيءٌ مِنَ البَسْطِ والتَّحْرِيرِ!
فَكُلُّ يَدٍّ مُدَّتْ إلَى هَذه العُلُوْمِ الوَافِدَةِ لِتَنْبُشَها بَعْدَ أنْ أُقْبِرَتْ، وأصْبَحَتْ عِظَامًا نَخِرَة، فَلَيسَ لَها أنْ تروِّجَها بَينَ أبْنَاءِ المسْلِمِينَ، ظنًّا مِنْها أنَّ الأسْمَاعَ في صَممٍ، وأنَّ العُيُوْنَ في سُبَات، وأنَّ الأقْلامَ والأنامِلَ لا تَجْتَمِعَانِ (١)؟!
* * *
ثَالثًا - ألَمْ يَأْنِ لَنا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُنا لمِا يَذْكُرُه أهْلُ هَذِه العُلُوْمِ التَّجْرِيبِيَّةِ مِنَ الغَرْبِ والشَّرْقِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؟ فَلَمْ يَزَلْ هم حتَّى سَاعَتِي هَذِه وهُم يَصِيحُونَ بِخُطُوْرة هَذِه العُلُوْمِ في غَيرِ نَدْوَةٍ، أو لِقَاء، أو دَوْرَةٍ تَدْرِيبِيَّةِ!
* * * стр. 104
* أمَّا العائِقُ الرَّابِعُ: فَهُوَ التَّخَصُّصُ (الجَامِعِيُّ!).
ومَا أدْرَاكَ مَا هُوَ؟ إنَّه مِنَ التَّشَبُّهِ المَقِيتِ والمَوْرُوْثِ العِلْمِيِّ الوَافِدِ، يَوْمَ قَضتِ الأقْضِيَةُ في زَمَانِنا؛ بنبوْغِ نَوَابِتَ في صُفُوْفِ أهْلِ العِلْمِ قَدْ ألْبَسُوْهُم ثِيَابَ التَّخَصصِ، وتَوَّجُوْهُم ألْقَابًا وشَارَاتٍ مُهَلِّلَةً؛ فانْتَفَخُوا في العِلْمِ وهُم خَوَاءٌ، ونَابَذُوا التَّعَالَمُ وهُم سَوَاء، يَوْمَ قَصُرَتْ هِمَمُهُم وبَلَغَتْ عُلُوْمُهُم مِنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ جَوَانِبَ ونُتَفًا عِلْمِيَّةً، حَامِلِينَ في شَهَادَاتهمُ الجَامِعِيَّةِ تَجْزِئَةً وتَقْطِيعًا لعُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ، وتَغْيِيبًا لطَائِفَةٍ مِنْها عَنْ أحْكَامِ فِقْهِ الوَاقِعِ، وقَضَايَا الأمَّةِ المَصِيرِيَّةِ؛ فَلا عِلْمَ بَلَغُوْه، ولا عَمَلَ نَالُوْه، ولا وَاقِعَ فَهِمُوْه!
وإمَّا يَنْزِغَنَّكَ يا طَالِبَ العِلْمِ شَيءٌ مِنْ هَذَا الوَافِدِ الغَرْبِيِّ، فاسْتَعِذْ باللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنْه، ولا تَطْرُقَنَّ لَه بَابًا فإنَّه مِنْ أبوْابِ الجُمُوْدِ العِلْمِيِّ!
حَيثُ جَاءَ بتَدَسُّس إلى أمَّتِي بثِيَابِ التَّشْوِيه العِلْمِيِّ ليَلْتَبِطَ بِخُطَاهُ في مَسَارِحِ الجَامِعَاتِ الإسْلامِيَّةِ؛ ليُفْسِدَ حَرْثَ مَا بَقِيَ مِنَ العِلْمِ الشَّامِلِ، ويَهْلِكَ نَسْلَ مَا بَقِيَ مِنَ العَمَلِ الكَامِلِ.
* * *
стр. 105
واعْلَمْ يَا رَعَاكَ اللهُ أنَّ التَّخَصُّصَ العِلْمِيَّ (الجَامِعِيَّ) قِسْمَانِ: مَحْمُوْدٌ، ومَذْمُوْمٌ.
* فأمَّا التخَصُّصُ المَحْمُوْدُ: فَهُو مَنْ جَمَعَ صَاحِبُه بَينَ القَدْرِ الوَاجِبِ مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ (الغَائِي مِنْها والآلِي) (١)، وبَينَ التَّوَسُّعِ والتَّفَنُّنِ في عِلْمٍ مَّا.
وهَذَا؛ هُوَ الَّذِي أُتِيَ صَاحِبُه مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ نَصِيبٌ وَافِرٌ تَبْرَأ بِه الذِّمَّةُ ويَسْقُطُ بِه الطَّلَبُ، مَعَ تَخَصُّصٍ وتَفَنُّنٍ في أحَدِ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَتَرَاهُ إذا كَانَ فَقِيهًا (مَثَلًا): قَدْ أخَذَ مِنْ عُلُوْمِ الغَايَةِ والآلَةِ: القَدْرَ الوَاجِبَ الَّذِي يُسَاعِدُه عَلَى فَهْمِ دِينه بعَامَّةٍ، وبالفِقْهِ بِخَاصَّةٍ، إلَّا أنه مَعَ هَذَا قَدْ اجْتَهَدَ في فَنِّ الفِقْهِ، وبَرَّزَ فيه؛ حَتَّى عُرِفَ بِهِ ولُقِّبَ باسْمِه.
...................... ... فَقِسْ عَلَى قَوْلِي يكنْ عَلامةً!
فعِنْدَهَا؛ كَانَ التَّحْصيلُ العِلْمِيُّ عِنْدَ السَّلَفِ يَأخُذُ بعُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا، مَعَ تَفَاضُلٍ ونبوْغٍ في فَنٍّ دُوْنَ آخَرَ، فَهُمْ لا стр. 106
يَقْبَلُوْنَ في مَعَالمَ وقَوَاعِدَ وأسُس عُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ نَصْيبًا دَانِيًا، ولا تَفَاضُلًا شَائِنًا، بَلْ تَرَاهُمْ قَدْ أخَذُوا مِنَ العُلوْمِ الشَّرْعِيَّةِ القَدْرَ الوَاجِبَ (الغَائِي مِنْها والآلِي)، مَعَ تَوَسُّعٍ في بَعْضِها، أو كُلِّها لا سِيَّما المُجْتَهِدونَ مِنْهُم.
ومِنْه تَعْلَمُ قَوْلَ المتقَدِّمِينَ: فُلانٌ أُصُوْلِيٌّ، فَقِيهٌ، نَحْوِيٌّ، لُغَوِيٌّ، مفَسِّرٌ، مُحَدِّث، قَارِئٌ، مُشَارِك (١) ... ! لَخْ.
* * *
* وأمَّا التَّخَصُّصُ المَذْمُوْمُ: فَهُوَ مَنْ لم يَجْمَعْ صَاحِبُه بَينَ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، اللَّهُمَّ إنَّه تَوَسَّعَ وتَفَنَّنَ في عِلْمِ ما (الغَائِي مِنْها أو الآلِي)، دُوْنَ غَيرِه مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَتَرَاهُ إذا كَانَ فَقِيهًا (مَثَلًا): لَمْ يَأْخُذْ مِنْ عُلُوْمِ الآلَةِ، وعُلُوْمِ الغَايَةِ: القَدْرَ الوَاجِبَ الَّذِي يُسَاعِدُه عَلَى فَهْمِ دِينه بِعَامَّة، وبالفِقْهِ بِخَاصَّةٍ؛ بَلْ غَايَةُ مَا عِنْدَه أنه يُحْسِنُ مَسَائِلَ الفِقْهِ! стр. 107
ومِنْه تَعْلَمُ قَوْلَ المتأخِّرِينَ: فُلانٌ أصُوْلي فَقِيه، مُحَدِّث، نَحْوِي، مفَسِّرٌ، قَارِئ، دَعَوِي، وَاعِظٌ ... إلخ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَانَ كَلامِي هُنَا عَنْ أصْحَابِ هَذَا التَّخَصُّصِ، فكُنْ عَلَى ذُكْرٍ!
* * *
ومنْ بَعْدُ، فإنَّ أصْحَابَ التَّخَصُّصِ العِلْمِيِّ (المَذْمُوْمِ) لَمْ يَنْفَكُّوا عَنْ أخْطَاءَ شَرْعِيَّةٍ وآثَارٍ سيِّئةٍ، قَدْ دَفَعَتِ الأمَّةَ الإسْلامِيَّةَ (لاسِيَّما هَذِه الأيام) إلى مَفَاوِزَ مُهْلِكَةٍ، ومَزَالِقَ عِلْمِيَّةٍ، يَكْفي بَعْضُها لمِسْخِ مَا بَقِيَ مِنْ تراثِ أمَّتِنا الإسْلامِيَّةِ، فمِنْ ذَلِكَ:
أوَّلًا: أنَّ التَّخَصُّصَ العِلْمِيَّ الحادِثَ بِقِسْمَيهِ (الغَائِي والآلِي)، كَمَا هُوَ جَارٍ في خِطَّةِ تَعْلِيمِ بِلادِ المُسْلِمِينَ الآنَ، قَدْ أخَذَ مُنْحىً خَطِيرًا في تَقْطِيعِ أوَاصِرِ التَّرَابُطِ بَينَ عُلُوْمِ الشَّرِيعَةِ، وتَقْسِيمِها إلى أجْزَاءَ عِلْمِيَّةٍ ومُتَفَرِّقَاتٍ مُتَنَاثِرة هُنَا وهُنَاكَ، لا يَجْمَعُها جَامِعٌ بَتةً؛ فَعِنْدَها كَانَ الأثَرُ السَّيِّئُ عَلَى الحيَاةِ العِلْمِيَّةِ والأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَدَى طُلابِ العِلْمِ هَذِه الأيامَ.
يُوَضِّحُهُ؛ أنه لما أزِفَتِ الآزِفَةُ، وأقْبَلَتِ الفِتَنُ في مَسَارِبَ مُهْلِكَةٍ، مُنْقَادَة لتُعِيدَها حَرْبًا صَلِيبِيَّةً يهوْدِيَّةً عَلَى الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ في بِلادِ فِلِسْطِينَ وأفْغَانِسْتَانَ والعِرَاقِ وغَيرِها، وكَذَا مَا هُنَاكَ مِنْ هُجُوْمٍ سَافِرٍ عَلَى أخْلاقِ
стр. 108
المُسْلِمِينَ، ومَنَاهِجِهِم الشَّرْعِيَّةِ، إلِى غَيرِ ذَلِكَ مِنْ قَضَايا الأمَّةِ العَصْرِيَّةِ ... ونَحْنُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ نَزَلْ نرى كَثِيرًا مِنْ أرْبَابِ التَّخَصُّصِ يَعْتَذِرُوْنَ عَنْ تَخَاذُلهِم وتراجُعِهِم عَنْ عَدَمِ المُشَارَكَةِ في الذَّبِّ عَنْ قضايا أمَّتِهِم بِحُجَّةِ النَّزْعَةِ البَائِسَةِ الَّتِي رَاجَتْ في سُوْقِ أهْلِ العِلْمِ باسْمِ: التَّخَصُّصِ العِلْمِيِّ!
يُوَضِّحُه: أنَّ الفَقِيه مِنْهُم (مَثَلًا) مِمَّنْ لَهُ مُجْمُوْعَةٌ مِنَ التَّآلِيفِ الفِقْهِيَّةِ، والتَّحْقِيقَاتِ الجَامِعِيَّةِ الَّتِي نَالَتْ مَرْتبةَ الشَّرَفِ ... مَا زَالَ يَعْتَذِرُ عَنِ المُشَارَكَةِ في قَضَايا أمَّتِه الإسْلامِيَّة: بأنَّ مَا يَدُوْرُ هُنَا لَيسَ مِنْ تَخَصُّصِهِ، وهَذَا مَا نَجِدُه في الأعَمِّ الأغْلَبِ مِنْهُم!
هَذَا إذَا عَلِمْتَ (للأسَفِ) إنَّ أمْثَالَ هَذَا الفَقِيهِ مِنْ أهْلِ زَمَانِنا قَدْ تجاوَزَتْ أعْدَادُهُم المِئَاتِ.
وقِسْ عَلَى هَذَا: صَاحِبَ العَقِيدَةِ، والتَّفْسِيرِ والحَدِيثِ، واللُّغَةِ وغَيرِهِم.
* * *
ومَهْمَا يَكُنْ؛ فَلا تَعْجَبْ يَا طَالِبَ العِلْمِ إذَا عَلِمْتَ أنَّ القَوْمَ كَانُوا صَرْعَى التَّخَصُّصَاتِ العِلْمِيَّةِ، ونَتَاجَ الوَافِدِ الغَرْبِيِّ، واللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا يَصِفُوْنَ!
стр. 109
كَمَا كَانَ مِنْ آخِرِ سَوَالِبِ التَّخَصُّصِ الجَامِعِيِّ هَذِه الشَّارَاتُ والألْقَابُ (الجَامِعِيَّةُ!) (١)؛ الَّتِي دَفَعَتْ طَائِفَةً مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلِى قَبِيلِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، مِمَّنْ تَشَاغَلُوا بِهَذِه الأسْمَاءِ، وانْسَاقُوا جَرْيًا وَرَاءها السِّنِينَ الخَوَالِيا، إلى دُخُوْلاتِ العَطَالَةِ المُغَلَّفَةِ باسْمِ: (الحَصَانَةِ الجَامِعِيَّةِ)، فَماذَا كَانَ؟!
وَيَكْأَنَّ القَوْمَ؛ لَمْ يَنْصُرُوا حَقًّا، ولَمْ يَكْسِرُوْا بَاطِلًا: فَلا أمْرًا بِمَعْرُوْفٍ ولا نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، ولا جِهَادًا ولا اجْتِهَادًا؛ بَلْ رَأينا مِنْ بَعْضِهِم مَنْ كَانَ مجُدًّا في الطَّلَبِ والطَّاعَةِ؛ حَتَّى إذا أوْحَى إلَيه شَيَاطِينُ الإنْسِ والجِنِّ بأهَمِّيَةِ هَذِه الشَّارَاتِ والألْقَابِ ... إذا بِهِ يُصْبِحُ فَاتِرَ العَزِيمَةِ، ذَابِلَ الطَّاعَةِ، قَلِيلَ الاجْتِهَادِ والمُجَاهَدَةِ؛ أمَّا إذا سَألْتَ عَنْ الزهد وجَلَدِ الطَّاعَةِ، وهَيبَةِ أهْلِ العِلْمِ ووَرَعِهِم: فَلا تَسْأَلْ؟ فتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، وقَلِيلٌ مَا هُم!
وهَكَذَا حَتَّى أصبَحَ أهْلُ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ في هَامِشِ الذَّاكِرَةِ الإعْلامِيَّةِ، وفي زَوَايا الجَامِعَاتِ العِلْمِيَّةِ، وذَلِكَ (للأسَفِ) باسْمِ: التَّخَصُّصِ الجَامِعِيِّ!
* * * стр. 110
ثَانيًا: اعْلَمْ أنَّ فَهْمَ عُلُوْمِ الآلَةِ عَلَى قِسْمَينِ:
القِسْمُ الأوَّلُ: فَهْمٌ وَاجِب، وهُوَ مَا يَسْقُطُ بِه الطَّلَبُ وتَبْرَأُ بِه الذِّمَّةُ، وهُوَ القَدْرُ الَّذِي يَشْتَرِكُ فيهِ عَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ، وهَذَا القِسْمُ لا يجوْزُ لطَالِبِ العِلْمِ القُصُوْرُ فيه ... كما أنَّه سِلاحُ طُلابِ العِلْمِ في التَّعَامُلِ مَعَ كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ الفِقْهِيَّةِ مِنْهَا والعَقِيدَةِ والحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ وغَيرِها، فبِهَذا القَدْرِ مِنْها يَسْتَطِيعُ مَعْرِفَةَ لُغَةِ واصْطِلاحِ القَوْمِ في فُنُوْنِهِم، ومَا زَادَ عَلَى هَذا الحَدِّ فَهُو فُضْلَةٌ لا يَحْتَاجُه إلَّا مَنْ رَامَ مَرَاتِبَ الاجْتِهَادِ!
القِسْمُ الثانِي: فَهْمٌ مُسْتَحَبٌّ، وهُو الإحَاطَةُ بَغَالِبِ عُلُوْمِ الآلَةِ المُخْتَصَرَاتِ مِنْها والمُطَوَّلاتِ؛ بِحَيثُ لا يَتْرُكُ مِنْها شَارِدَةً ولا وَارِدَةً إلَّا وَقَدْ أحَاطَ بِها في الجُمْلَةِ، وهَذا القِسْمُ في حَقِيقَتِه هُوَ مِنْ مَسَالِكِ طُلابِ مَنَازِلِ الاجْتِهَادِ، مِمَّنْ عَلَتْ هِمَّتُهُم وتَاقَتْ نُفُوْسُهُم لِيقِفُوا في مَصَافِ أئِمَّةِ الاجْتِهَادِ، كالأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وغَيرِهِم.
* * *
يَقُوْلُ ابنُ القَيَّمِ ﵀ فيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ والكَلامِ عَنْه، مَا ذَكَرَهُ في كِتَابِهِ "مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ" (١/ ٤٨٥): "ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُوْلُ: إنَّ عُلُوْمَ
следующие страницы →