Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
المسألة السادسة
إذا تناول الخطاب حكمه على وجه المجاز
قوله: (وإذا كان المجاز مرادًا لا تكون الحقيقة مرادة، لامتناع استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته).
قلنا: هذا يتخرج على الخلاف في استعمال المشترك في مفهوميه؛ لأن الخلاف في الجمع واحد كما بيّن هنالك.
(سؤال)
قال النقشواني: لفظ الملامسة يتناول الجماع وغيره بالمعنى العام لغة، فإذا جرى على عمومه في الصورتين لا يحتاج إلى دليل آخر، ولا يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز، فاندفعت الأسئلة.
جوابه: أن هذا السؤال نشأ عن خصوص المادة، وتمثيل المسألة بالملامسة أما على المسألة فلا، ولا يلزم من فساد المثال فساد المسألة، ولا اندفاع تلك الوجوه عنها وأمثلتها بقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكحوا آباؤكم) [النساء:٢٢]، فإن الحكم ثابت في صورة المجاز الذي هو العقد، فإن بالعقد على المرأة تحرم على الولد، والنكاح حقيقة في التداخل، ولا يتناول اللفظ العقد لغة أصلا، فتتأتى البحوث بكمالها هاهنا، ولا يرد السؤال.
стр. 1017
الكلام في الأوامر والنواهي
وهو مرتب على مقدمة وثلاثة أقسام
أما المقدمة ففيها مسائل:
قال الرازي: المسألة الأولى: اتفقوا على أن لفظة الأمر حقيقة في القول المخصوص، واختلفوا في كونه حقيقة في غيره؛ فزعم بعض الفقهاء أنه حقيقة في الفعل أيضا، والجمهور على أنه مجاز فيه.
وزعم أبو الحسين البصري: أنه مشترك بين القول المخصوص، وبين الشيء، وبين الصفة، وبين الشأن والطريق، والمختار: أنه حقيقة في القول المخصوص فقط.
لنا: أنا أجمعنا على أنه حقيقة في القول المخصوص؛ فوجب ألا يكون حقيقة في غيره؛ دفعا للاشتراك.
ومن الناس من استدل على أنه ليس حقيقة في الفعل بأمور:
أحدها: لو كان لفظ الأمر حقيقة في الفعل، لاطرد؛ فكان يسمى الأكل أمرا؛ والشرب أمرًا.
وثانيها: ولكان يشتق للفاعل اسم الآمر، وليس كذلك؛ لأن من قام أو قعد، لا يسمى آمرًا
وثالثها: أن للأمر لوازم، ولم يوجد شيء منها في الفعل؛ فوجب ألا يكون الأمر حقيقة في الفعل.
стр. 1018
بيان الأول: أن الأمر يدخل في الوصف بالمطيع والعاصي، وضده النهي، ويمنع منه الخرس والسكوت؛ لأنهم يستهجنون في الأخرس والساكت أن يقال: وقع منه أمر.
وعدوا الأمر مطلقا من أقسام الكلام، كما عدوا الخبر مطلقا منه، وكل ذلك ينافي كون الأمر حقيقة إلا في القول.
ورابعها: أنه يصح نفي الأمر عن الفعل فيقال: إنه ما أمر به، ولكن فعله.
وهذه الوجوه ضعيفة.
أما الأول: فلأنا لا نسلم أن من شأن الحقيقة الاطّراد، وقد تقدم بيان هذا المقام، سلمناه؛ لكن لا نسلم أنه لا يصح أن يقال للأكل والشرب أمر.
وعن الثاني: ما تقدم في باب المجاز؛ أن الاشتقاق غير واجب في كل الحقائق.
وعن الثالث: أن العرب إنما حكم، بتلك الصفات في الأمر، بمعنى القول؛ فإن ادعيتهم: أنهم حكموا به في كل ما يسمى أمرًا فهو ممنوع.
وعن الرابع: لا نسلم أنهم جوزوا نفيه مطلقاً
واحتج القائلون بأنه حقيقة في الفعل بوجهين:
أحدهما: أن أهل اللغة يستعملون لفظة الأمر في الفعل، وظاهر الاستعمال الحقيقة
بيان الاستعمال: القرآن، والشعر، والعرف:
أما القرآن: قوله : (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) [هود:
стр. 1019
٤٠] والمراد منه: العجائب التي فعلها الله تعالى، وقوله تعالى: (أتعجبين من أمر الله) [هود:٧٣] وأراد به الفعل، وقوله: (وما أمر فرعون برشيد) [هود:٩٧]، (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) [القمر:٥٠] وقوله: (تجري في البحر بأمره) [الحج: ٦٥] وقوله: (مسخرات بأمره) [الأعراف:٥٤].
وأما الشعر فقوله [الوافر]:
(لأمر ما يسود من يسود)
وأما العرف: فقول العرب في خبر الزباء:
(لأمر ما جدع قصير أنفه)
ويقولون: (أمر فلان مستقيم، وأمره غير مستقيم) وإنما يريدون: طرائقه وأفعاله، وأحواله، ويقولون: (هذا أمر عظيم)، كما يقولون: (خطب عظيم ورأيت من فلان أمر هالني) وأما أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، فقد تقدم.
وثانيهما: أنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول، وبين جمعه بمعنى الفعل؛ فيقال في الأول: أوامر، وفي الثاني: أمور، والاشتقاق علامة الحقيقة.
واحتج أبو الحسين على قوله بأن من قال: (هذا أمر) لم يدر السامع أي هذه الأمور أراد!!
فإذا قال: (هذا أمر بالفعل، أو أمر فلان مستقيم، أو تحرك هذا الجسم لأمر، أو جاء زيد لأمر) عقل السامع من الأول القول، ومن الثاني الشأن، ومن الثالث: أن الجسم تحرك الشيء، ومن الرابع: أن زيدا جاء لغرض من الأغراض، وتوقف الذهن عند السماع يدل على أنه متردد بين الكل.
стр. 1020
والجواب عن الأول: أنا لا نسلم استعمال هذا اللفظ في الفعل من حيث إنه فعل.
أما قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا) [هود:٤٠] فلم لا يجوز أن يكون المراد منه القول أو الشأن؟ والفعل يطلق عليه اسم الأمر؛ لعموم كونه شأناً، لا لخصوص كونه فعلا، وكذا الجواب عن الآية الثانية.
وأما قوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) [هود:٩٧] فلم لا يجوز أن يكون المراد هو القول؟ بل الأظهر ذلك؛ لما تقدم من قوله: (فاتبعوا أمر فرعون) [هود:٩٧]، أي: أطاعوه فيما أمرهم به!!
سلمنا أنه ليس المراد منه القول، لم لا يجوز أن يكون المراد شأنه وطريقه؟!
وأما قوله تعالى: (وما أمرنا إلا كواحدة) [القمر:٥٠] فنقول:
لا يجوز رجراء اللفظ على ظاهره: أما أولا، فلأنه يلزم زن يكون فعل الله تعالى واحدا، وهو باطل.
وأما ثانيا: فلأنه يقتضي أن يكون كل فعل الله تعالى لا يحدث إلا كلمح البصر في السرعة، ومعلوم أنه ليس كذلك، وإذا وجب صرفه عن الظاهر، سلمنا أن المراد منه تعالى: من شزنه إذا أراد شيئا، وقع كلمح البصر.
وأما قوله: (تجري في البحر بأمره) [الحج:٦٥] (مسخرات بأمره) [الأعراف:٥٤] فلا يجوز حمل الأمر هنا على الفعل، لأن (الجري) و (التسخير) إنما حصلا بقدرته، لا بفعله، فوجب حمله على الشأن والطريق. سلمنا أن لفظ الأمر مستعمل في الفعل، فلم قلت: إنه حقيقة فيه؟!
стр. 1021
فإن قلتم: لأن الأصل في الكلام الحقيقة، قلنا: والأصل عدم الاشتراك، على ما تقدم.
وقد تقدم بيان أنه إذا دار اللفظ بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولى.
والجواب عن الثاني: لم لا يجوز أن تكون الأمور جمعا للأمر بمعنى الشأن لا بمعنى الفعل؟!
سلمناه؛ لكن لا نسلم أن الجمع من علامات الحقيقة؛ علي ماتقدم بيانه.
فأما ما احتج به أبو الحسين، فهو بناء على تردد الذهن عند سماع تلك اللفظة بين تلك المعاني، وذلك ممنوع، فرن الذي يزعم أنه حقيقة في القول يمنع من ذلك التردد، اللهم إلا إذا وجدت قرينة مانعة من حمل اللفظ علي القول، كما إذا استعمل في موضع لا يليق به القول؛ فحينئذ يصير ذلك قرينة في أن المراد منه غير القول والله أعلم.
قال القرافي: على هاتين الصيغتين إشكال وهو:
أنهما على وزن فواعل، وفواعل جمع فاعلة نحو: كوافر جمع كافرة، وصواحب جمع صاحبة، ومفردهما (فَعلٌ)، (أمر) و (نهى)، ولا يجمع على فواعل.
مع أن الفقهاء والأدباء اتفقوا على هذين الجمعين، فيلزم اجتماعهما على الخطأ. عنه أجوبة:
أحدها: أن يمتنع (أوامر) فواعل، بل (أفاعل)، فإن جمع (أمر) (أُمُر) على وزن (فُعُل)، ثم يجمع على (أفاعل) نحو كَلب وأكلب.
стр. 1022
وأكالب، فيكون (أوامر) جمع الجمع، وهذا لا يتم في نواهي، فإن النون في الكلمة، فتجعله من باب التغليب، نحو: الغدايا، والعشايا، فإن الأصل في (فعائل): أن تكون جمع (فعيلة) نحو زكية وزكايا، وسرية وسرايا، فتكون هذه الصيغة أصلا في (عشية)، وأما (غدايا) فجمع (غدوة) وليس جمع فعلة على فعائل، بل جمعوه جمع (عشايا) لأنه ضده، ومقابله.
والعرب تحمل اللفظ على ضده كما تحمله على مثله، كذلك تكون (نواهي) محمولا على أوامر، لأن الأمر ضد النهي، وكذلك قالوا: (أخذ
стр. 1023
ماحدث وما قدم)، فضموا الدال من (حدث) وهي مفتوحة، لأنها مع قدم وهي ضدها فسووا بينهما في ضم العين من الكلمة، وكذلك حملوا (لا) النافية على (أنَّ) المؤكدة فنصبوا بها تشبيها لها (بأنَّ) لأنها ضدها وهو كثير في لسانهم.
وثانيها: أنه نقل عن العرب: (أمرته آمرة، ونهته ناهية) فيكون هذان اللفظان جمع (آمرة وناهية)
قال أبو الحسين في (المعتمد): قال أئمة: (أوامر) جمع آمرة، و (أمر) لم يجمع أصلا.
وقال سيف الدين الآمدي: وقال الأيباري في (شرح البرهان): هو عند الأصوليين جمع (آمر).
وسيبويه، وأبو عليّ، وغيرهما من النحاة يمنعون ذلك، ويقولون: لايجمع (فعل) على (فواعل).
غير أن الجوهري في (الصحاح) قال: يقول أمرته أمرًا وجمعه (أوامر) وهذا غير معروف عند أئمة العربية.
وقال بعض الناس: هو جمع (أوامر) اسم فاعل، وفاعل لو كان اسما لمذكر جمع على (فواعل) نحو خاتم وخواتم، وقابل وقوابل، أو صفة لمذكر لم يجمعه على فواعل، وقد شذّ: فارس وفوارس، وهالك وهوالك، أما (فارس) فلعدم الللبس؛ لأنه لا يتصف به مؤنث، وأما (هالك) فقصدت النفس وهي مؤنثة.
стр. 1024
وقيل: المراد الصيغة، فقد سمي الصيغة (أمر) يجوز، أو المؤنث جمع فواعل نحو فاطمة وفواطم في الأسماء، وكاتبه وكواتب في الصفات.
قال: والظاهر أن الأصوليين قصدوا ما ذكره صالحب (صاحب)
قال: والأمر مصدر لا يثنى، ولا يجمع إلا يجمع إلا إذا اختلفت أنواعه، وإلا تميزت عند النحاة بتعدد المحال.
فقد منع سيبويه جمع (العلم) ولم ينظر إلي معتقداته، فلا يصح جمع (الأمر) إلا إذا تحقق اختلاف أنواعه، ولا يكفي تعدد التعلق، وإنما جمع لأن (أمر) الوجوب يباين (أمر) الندب باعتباره لا باعتبار متعلقاته.
قال: والقول في النواهي كما تقول في الأوامر
وثالثها: أن فواعل قد ورد في غير المؤنث، فقالوا (فوارس) و (هوالك) جمع (فارس) و (هالك) فيكون هذا مثله، وترك على الزول.
هب أنه صح ما ذكرتموه لكنه ينبغي أن يسمع من العرب الجمع الذي هو جمعه كما سمع في (أكلب)
وعلى الثاني: أنهم كما قالوا (أمره) قالوا: (أمرا)، فكما جمعوا (أمرا) ينبغي أن يجمعوا (أمرا) بطريق الأولى فإنه المشهور.
وعلى الثالث: أنه شاذ، بل المشهور (فرسان) و (هلكى) هو الجمع المعتبر.
(المسألة الأولى)
قال القرافي: قوله: (الأمر حقيقة في القول المخصوص)
معنى هذه المسألة: أن لفظ (أمر) [ألف، ميم، راء] موضوع للقدر المشترك بين سائر صيغ الأوامر من صل، وصم، وسافر، ونحوها
стр. 1025
فمسمى هذا اللفظ (لفظ)، ومسمى ذلك اللفظ الذي هو المسمى: (الوجوب أو الندب) على الخلاف، فمسمى الأمر لفظ، ومسمى مسماه معني لا لفظ.
(أمثلة)
نحو الأكل، يقال: (كنا في أمر) أي: نأكل أو نجاهد
والشيء: نحو قولك: اذتني بأمر، يشهد لك بأي شيء من الأشياء.
والصفة: كقول الشاعر [الوافر]:
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود
стр. 1026
أي لصفة توجب السيادة لمن هو أهل لها: وقابل لوقوعها فيه
والشأن: كقوله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه) [النحل:٤] أي شأننا فيما نريده أنه لا يتأخر عن الوقت الذي أريد فيه.
والطريق: كقولك: أمر خرسان إظهار الخيلاء، أي عادتهم، والطريق العادة، ولكل بلد طريق وعادة.
قوله: (لو كان حقيقة في الفعل، لأطرد، فيقال للأكل أمرا)
قلنا: وإنه كذلك، وكيف لا يجوز ذلك، وكل فعل يسمى أمرا
قوله: (لو كان حقيقة في الفعل، لأطرد فيقال للأكل أمرا)
تقريره: أن الأصل في الفعل المتعدى أن يشتق منه اسم الفاعل، واسم المفعول، فكما تقول: ضرب زيد عمرا، فزيد ضارب، وعمرو مضروب، كذلك إذا أكل زيد الخبز، تقول: زيد آمر، والخبز مأمور إن كان الأمر حقيقة في الفعل، وكذلك جميع الأفعال، ولكنهم لم يقولوا ذلك، فلا يكون حقيقة في الفعل.
قوله: (الأمر له لوازم لم توجد في الفعل)
قلنا: القاعدة: أن اللفظ المشترك يجوز، بل يجب أن يكون لكل مسمى من مسمياته لوازم ليست لغيره، فمن لوازم (الحدقة) الإبصار دون الذهب، ومن لوازم (الذهب) الاصفرار، ومن لوازم (عين الماء) الإرواء، ولم تقع الشركة بينهما في ذلك مع أن لفظ (العين) حقيقة في الجميع على سبيل الاشتراك، كذلك هاهنا لكل مسمى لوازم لا يلزم وجودها في الآخر، ولا يلزم من ذلك كون لفظ الأمر غير مشترك، ولذلك عندهم الأمر من أقسام
стр. 1027
الكلام لا يمنع كون لفظ الأمر مشتركا، فيكون أحد مسمياته من الكلام وبقيتها ليست منه.
قوله: (يصح نفي الأمر عن الفعل، فيقال: ما أمرته لكنه فعله)
قلنا: إذا كان اللفظ مشتركا بين مسميات، صح سلب كل واحد منهما عن الاخر، ولا يلزم من ذلك عدم الاشتراك في اللفظ، كما يقول: الحدقة ليست بعين، ويريد الذهب، ويقول: الذهب ليس بعين ويريد الحدقة.
قوله: (لان نسلم أن شأن الحقيقة الاطراد)
قلنا: الأصل والغالب ذلك، والأصل إلحاق الأحكام بالغالب، وأما كون (الأبلق) لا يقال لغير الفرس، ونحو ذلك فقليل.
قوله: (الاشتاق غير واجب)
قلنا: لكنه الغالب، وغيره في غاية الندرة، فجعل محل النزاع من قبيل الغالب أولى، وكون الرائحة لا يشتق منها في غاية الندرة مع زنهم قد اشتقوا منها، وقد تقدم بيانه في باب المجاز والحقيقة.
قوله: (استعمل الأمر في الفعل، والأصل في الاستعمال الحقيقة)
قلنا: معنى قوله (الأصل في الكلام الحقيقة) أي: هي المتبادرة في الذهن، الراجحة عند العقل، والرجحان إنما يكون مع الانفراد، فلم قلتم إن الرجحان والمبادرة مع الاشتراك، بل الإجمال هو الواقع، وعدم الفهم بالكلية، فظهر أن قول القائل: الأصل في الكلام الحقيقة لا يتم على إطلاقه، بل يشترط الانفراد، وعلى ظهور المنع في هذه المقدمة متيّسر، وهو أولى من المعارضة التي ذكرها الإمام في الجواب؛ لأن المنع أبدًا مقدم؛ لأنه إفساد لنفس الدليل، والمعارضة تسليم له.
стр. 1028
قوله: (خولف بين جمع الأمر بمعنى القول، وبين بمعنى الفعل، فقالوا في الأول: (آوامر)، وفي الثاني: (أمور، والاشتقاق علامة الحقيقة)
(فائدة)
قال أبو الحسين في (المعتمد): قال أئمة اللغة: (أمر) لا يجمع على (أوامر) لا في القول، ولا في الفعل، (وأوامر) جمع (آمرة) لأن العرب تقول: أمرته آمرة، ونهته ناهية.
وقال سيف الدين الآمدي: قلنا: هذا يقتضي أن الجمع مشتق من المفرد؛ ولذلك ذكره في باب المجاز في قوله: يقولون: البليد جمار، وللجمع: حمر، وهو يأتي على ما قاله الميداني في حد الاشتقاق: أن تجد بين اللفظتين مشاركة في المعنى والتركيب، وبين الجمع والمفرد ذلك، فيصدق عليه الاشتقاق.
أما على الاصطلاح النحاة في الاشتقاق الأصغر من المضاد فلا، وإنما يشبه هذا أن يكون من الاشتقاق الأكبر.
قوله: (الجري والتسخير إنما حصلا بقدرة الله تعالى لا يفعله)
قلنا: لا بد أن يخلق الله تعالى في الريح حركة توجب جرى السفينة أو في المقاديف، أو نحو ذلك.
وهذه أفعال بها حصل الجرى في مجرى العادة، وأما نفس القدرة، فهي السبب الأول الفعلي، وهذه الأفعال للسبب العادي.
стр. 1029
قوله: (لا نسلم أن الجمع من علامات الحقيقة)
تقريره: أن الجمع قد يختلف في شيئين، واللفظ حقيقة فيهما، كقولهم في جمع: اليد، بمعنى الجارحة، أيد، وبمعنى النعمة: أيادي، واللفظ مشترك بينهما
وقد يكون اللفظ حقيقة في أحدهما، والجمع واحد، كقولهم في البليد (حمار) وفي الحيوان (البهيم): (حمر)
(تنبيه)
زاد التبريزي: والمختار أنه مجاز في الكل ، واستدلوا على كونه حقيقة في الفعل بعدم اشتقاق اسم الفاعل مع تطرقه إليه، وعدم منع سمعي، ثم هذا دليل لا علة فلا يلزم عليه العكس، والاعتماد فيه على لزوم الاشتراك، فإنها على خلاف الدليل، فيجب نفيه ما أمكن، وقد استدل المخالف على كونه حقيقة فيها بالإطلاق، فإنه دليل الحقيقة ظاهرا وهو معارض للزوم الاشتراك وعند التعارض التزام المجاز في الإطلاق أولى لأنه في الرتبة الثانية من مخالفة الدليل والاشتراك في أقصى المراتب على أربع درجات بعد كما سبق.
يريد: أن الاشتقاق دليل الحقيقة، ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فإنه لا يلزم من عدم الصنعة الدالة على الصانع عدم الصانع بخلاف العلة يلزم من عدمها عدم المعلول، كما يلزم من عدم العلم عدم العالمية والاشتراك يقدم عليه المجاز، والفعل، والإضمار، والتخصيص، فهو في
стр. 1030
الرتبة الخامسة بعد هذه الأربعة كما تقدم في المسائل العشرة في باب التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ.
ثم قال التبريزي: ومن أبلغ ما يستدل به على كونه حقيقة في جميع مجاري الإطلاق أن الإطلاق صحيح، ولا علاقة بينهما وبين محل الحقيقة المتفق عليه، ولا بد للمجاز من علاقة.
وجوابه: أن العلاقة موجودة، أما في العقل؛ فلأنه متعلق الأمر، والتعبير بالمتعلق مجاز حسن كقوله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه) [البقرة:٢٥٥] أي معلومة، وقد تقدم ذلك في أقسام المجاز، والشيء أعم من الفعل، والقول، وجميع الموجودات، والتعبير بالأعم عن الأخص مجاز حسن، وكذلك الشأن، والصفة، والعادة أعم من القول، فيكون من باب التعبير بالأعم بلفظ الأعم عن الأخص.
стр. 1031
(تنبيه)
لم يخل هاهنا أن الأمر حقيقة في الكلام النفساني مع أن العلماء قد قالوا: إن لفظ (الكلام)، و (الخبر)، و (الأمر)، و (النهي) و (التصديق)، و (التكذيب)، وجميع الأنواع المتعلقة بالكلام فيها ثلاثة مذاهب:
قيل: حقيقة في النفساني، مجاز في اللساني.
وقيل: العكس.
وقيل: مشترك بينهما، وهو المشهور بينهم، وهاهنا سكت عن هذا التنبيه، وينبغي ذكره.
стр. 1032
المسألة الثانية
قال الرازي: ذكروا في حد الأمر بمعنى القول وجهين:
أحدهما: ماقاله القاضي أبو بكر، وارتضاه جمهور الأصحاب، أنه هو: (القول المقتضى طاعة المأمور بفعل المأمور به) وهذا خطز:
أما أولا: فلأن لفظتي (المأمور) و (المأمور به) مشتقان من الأمر، فيمتنع تعريفها إلا بالأمر، فلو عرفنا الأمر، بهما لزم الدور.
وأما ثانيا: فلأن الطاعة عند أصحابنا موافقة الأمر، وعند المعتزلة: موافقة الإرادة، فالطاعة على قول أصحابنا: لا يمكن تعريفها إلا بالأمر، فلو عرفنا الأمر بها، لزم الدور.
وثانيهما: ما ذكره أكثر المعتزلة، وهو: أن الأمر هو قول القائل لمن دونه: (افعل) أو ما يقوم مقامه.
وهذا خطأ من وجوه:
الأول: أنا لو قدرنا أن الواضع ما وضع لفظة (افعل) لشيء أصلا، حتى كانت هذه اللفظة من المهملات، ففي تلك الحالة: لو تلفظ الإنسان بها مع من دونه، لا يقال فيه: إنه أمر.
ولو أنها صدرت عن النائم والساهي، أو على سبيل انطلاق اللسان بها اتفاقا، أو على سبيل الحكاية، لا يقال فيه إنه أمر.
стр. 1033
ولو أنا قدّرنا أن الواضع وضع بإزاء معنى الأمر لفظ (افعل) وبإزاء معنى الخبر لفظ (افعل) لكان المتكلم بلفظ (افعل) آمراً، والمتكلم بلفظ (افعل) مخبرا.
فعلمنا أن تحديد ماهية الأمر بالصيغة المخصوصة باطل.
الثاني: أن المطلوب تحديد ماهية الأمر من حيث إنه الأمر، وهي حقيقة لا تختلف باختلاف اللغات، فإن التركي قد يأمر وينهى، وما ذكروه لا يتناول إلا الألفاظ العربية.
فإن قلت: قوله: (أو ما يقوم مقامه): احتراز عن هذين الإشكالين اللذين ذكرتهما.
قلت: قوله: (أو ما يقوم مقامه) يعني به كونه قائما مقامه في الدلالة على كونه طالبا للفعل، أو يعني به شيئا آخر؟!
فإن كان المراد هو الثاني: فلا بد من بيانه؛ وإن كان المراد هو الأول، صار معنى حد الأمر هو قول القائل لمن دونه: (افعل) أو ما يقوم مقامه في الدلالة على طلب الفعل.
وإذا ذكرناه على هذا الوجه، كأن قولنا: (الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل) كافيا؛ وحينئذ يقع التعرض لخصوص صيغة (افعل) ضائعًا.
الثالث: أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن الرتبة غير معتبرة؛ وإذا ثبت فساد هذين الحدين، فنقول: الصحيح أن يقال: (الأمر: طلب الفعل بالقول؛ على سبيل الاستعلاء) ومن الناس من لم يعتبر ها القيد الأخير.
стр. 1034
المسألة الثانية
في حد الأمر
قال القرافي: قوله: (الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به)
هذا الحد إنما يأتي على قولنا: إنه موضوع لرجحان الفعل فقط
стр. 1035
أما على القول بأنه موضوع للإباحة، أو التحريم فلا يتأتى هذا الحد؛ لعدم الطاعة بالفعل في المحرم، وعدمها مطلقا في المباح.
قوله: (المزمور به يمتنع تعريفهما إلا بالأمر، فلو عرفا الأمر بهما لزم الدور)
قلنا: قد تقدم أن الحد: هو شرح ما دل اللفظ الأول عليه بطريق الإجمال؛ فإنا إذا قلنا في حد الإنسان: هو الحيوان الناطق يجب أن يكون السامع عالما بحقيقة الحيوان والناطق، وحينئذ يكون عالما بحقيقة الإنسان قطعا، فلم يبق التعريف إلا في بيان نسبة اللفظ لمسماه، كأنه سمع لفظ الإنسان فعلم أن له مسمى ما، ولم يعلم تفصيله، فبسطنا ذلك الإجمال، وقلنا له: هو الحيوان الناطق، ولو كان جاهلا بالحيوان، أو بالناطق لبطل حدنا لوقوع المجهول فيه، وكذلك جميع الحدود، فإذا تقرر أن الحدود كلها إنما توضع لبيان نسب الألفاظ، فجاز أن يكون السامع يعلم لفظ المأمور، ولفظ المأمور به لأي شيء هما موضوعان، ولا يعلم لفظ الأمر لأي شيء هو موضوع فيسأل عنه، فبسطنا له مسماه بهذا الحد، وعلى هذا لاتقدير يمنع أنه يمتنع تعريفهما إلا بالأمر، ويمنع لزوم الدور، وإنما تخيل لزوم الدور من وجهة أنهما مشتقان، والمشتق لا يعرف إلا بعد معرفة المشتق منه، وهو غير لازم، لإمكان أن يكون السامع لا يعلم حقيقة الاشتقاق ألبتة، أو يعلمه ولا يعلم أن هذه الصيغ من قبيل المشتقات، بل يقول: هي من أسماء الأجناس، ومتى فرض عارفا بجميع ذلك، وأنهما مشتقان من الأمر منعنا أن مثل هذا يحتاج للحد، بل هذا عالم مطلق، والحد إنما وضع لمن يجهل، فنحن بين أمرين حينئذ، إما زن نمنع الدور، أو نمنع جواز التحديد لمثل هذا السامع. وبهذا نجيب عن الطاعة بأن يكون السامع يعلم مدلول لفظ الطاعة، ولا يعلم مدلول لفظ الأمر، وآخر يعرف مدلول لفظ الزمر ولا يعلم مدلول لفظ
стр. 1036
الطاعة، فالعالم بالطاعة يعرف له الأمر بها، والجاهل بها يعرفها له بلفظ الزمر ولا دور، وكذلك نقول في الرسوم وهو التعريف باللوازم إن من جهل لا زما معلوما لغيره لا يعرف له بذلك اللازم، ويعرف لغيره به فالتعريف في حق إنسان قد يمنع في حق غيره.
وكذلك المقدمات في البراهين يركب لكل إنسان من المقدمات ما يتأتى له العلم بها دون التعذر عليه، وقد يكون ذلك المتعذر متيسرا على غيره.
(تنبيه)
ماذكره من حد الطاعة بموافقة الآمر يقتضي أن الطاعة لا تدخل في ترك النواهي ، وهو ظاهر الاصطلاح، ولذلك في أول الكتاب جعل هذا اللفظ مع المندوب، ولم يذكره في غيره، وها لا ينافي أن ترك المحرمات قربات فإن هذا يرجع إلى اصطلاح وتسمية فقط
قوله: (لو وضع لفظ الأمر للخبر، والخبر للأمر، كان أمرًا)
قلنا: هذا السؤال إنما يجئ إذا فهمنا عن المعتزلة أنهم آرادوا بقولهم: (أو ما يقوم مقامه) صيغ الأوامر خاصة، وحينئذ يرد السؤال
وظاهر كلامهم يشمل سائر الصيغ العربية، والعجمية، وجميع الأوضاع الممكنة، لأنه مندرج في قولهم: (أو ما يقوم مقامه) ولذلك: فإن صيغ الأوامر قد تكون (فاعل) نحو ضارب، وقد تكون (فل) نحو صم، و (فعلل) نحو (دحرج) وهي كثيرة جدا، وإنما (أفعل) واحد منها نحو (أسمع) و (أعلم)
قوله: (الأمر? طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء، ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخير):
стр. 1037
تقريره قوله (بالقول) احتراز من الكام النفساني، فإنه يصدق عليه أنه طلب الفعل، وقوله: (من الناس من لم يعتبر القيد الأخير) عدم اعتباره هو مذهب جمهود أصحابنا الأشعريين محتجين بأن الخبر يسمى خبرا صدر من أعلى أو أدنى مع استعلاء أو بدونه فكذلك الأمر، فإن أحوال المتكلمين لا تتغير في أنواع الكلام، وصدقها على مسمياتها.
стр. 1038
(تنبيه)
الفرق بين الاستعلاء والعلو .
أن الاستعلاء: هيئة للأمر، نحو رفعت الصوت، وإظهار الترفع، وغير ذلك مما سلكه أرباب الحماقات.
والعلو: هيئة الآمر، كالأب مع ابنه، والسلطان مع رعيته، والسيد مع عبده، وهذا يظهر لك أن الاستعلاء ليس معتبرصا لأن أوامر الله تعالى في مواطن كثيرة في غاية التلطف، وتذكر النعم كقوله تعالى: (اتقوا ربكم الذي خلقكم) [البقرة:٢١] وفي موضع آخر: (الذي جعل لكم الأرض فراشا) [البقرة:٢٢] إلى غير ذلك من زنواع تآلف القلوب والإحسان منه لعباده وأجمع الناس على أنها أوامر القلوب.
(تنبيه)
هذا الحدود إنما تجئ على القول بأن حقيقة الكلام، وأنواعه ليست بديهية ، أما على القول بأنها بديهية، فلا يتصور التحديد، لأن الكسب فيما لا يقبل الكسب محال، وسنذكر بعد هذا أن حقيقته ضرورية، فتمتنع الحدود.
قوله: (الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل).
يشكل عليه بما إذا قال: (عسى أن يأتيني زيد أو ليت فلانا يعطيني كذا)
فإنه لفظ دال على الطلب ولا يسمى أمرا، وكذلك قول القائل لغيره: أوجبت عليك كذا يبطل به هذا الحد، وحدّ القاضي المتقدم أول المسألة لأنه يقتضي الطاعة، وليس بأمر، لأنه خبر فينبغي أن نقول: يدل على طلب الفعل في الرتبة الأولى، أو طلبا أوليا.
стр. 1039
(تنبيه)
قال التبريزي: من لا يقول بكلام النفس يتعين عنده جمل الأمر على العبارات والقائلون بكلام النفس منهم من جعله حقيقة في العبارة مجازا في المعنى، [ومنهم من عكس، مجاز في العبارة] لأنه حيث فهم المعنى صح الإطلاق، وإن كان التعبير عنه قد يكون بتحريك الرأس، ولمح الطرف، ولو قال لعبده: مهما نظرت إلى السماء فقد أمرتك بالكلام، فنظر، ولم يقم استحق العتب، ولو كان الأمر العبارة لكان خلفا ومحالا، ولا يمكن أن يقال: إن قوله في التعليق: (فقد أمرتك)، أمر عام بالقيام في كل حال ينظر فيها إلى السماء وقد خالفه، لأنا نقول: ذلك مفهوم من قوله: أمرتك بالقيام عند نظري إلى السماء، وبينهما فرق؛ لأن الأول: تعليق الأمر، والثاني: تقييد المأمور به، والكلام فيما إذا أرد المعنى الأول
ويشهد له: قول بريرة للنبي ﵇: (أتأمررني يا رسول الله)، وإنما صدر عنه ﵇: (لو راجعته)، وأين هو من صيغة الأمر ليشتبه.
(سؤال)
قال سراج الدين: (في النائم، والساهي، ونحوهما: لا نسلم أنه صدق أنه قال لغيره حتى يوجد الحد، فلا يرد النقض) يريد: أنه إنما يصدق
стр. 1040
أنه قال لغيره إذا قصد ذلك الغير بالقول، وهو لم يقصده، فلا يصدق الحد فلا نقض.
стр. 1041
.....................................
стр. 1042
..................................
стр. 1043
..................................
стр. 1044
.................................
стр. 1045
................................
стр. 1046
المسألة الثالثة: في ماهية الطلب
قال الرازي: اعلم أن تصور ماهية الطلب حاصل لكل العقلاء على سبيل الاضطرار، فإن لم يمارس شيئا من الصنائع العلمية، ولم يعرف الحدود والرسوم قد يأمر وينهي، ويدرك تفرقة بديهية بين طلب الفعل، وبين طلب الترك، وبينهما وبين المفهوم من الخبر، ويعلم زن ما يصلح جوابا لأحدهما، لا يصلح جوابا للآخر، ولولا أن ماهية الطلب متصورة تصورا بديهيا وإلا لما صح ذلك.
ثم نقول: معنى الطلب ليس نفس الصيغة، لأن ماهية الطلب لا تختلف.
стр. 1047
باختلاف النواحي والأمم، وكان يحتمل في الصيغة التي وضعوها للخبر، زن يضعوها للأمر، وبالعكس، فماهية الطلب ليست نفس الصيغة، ولا شيئا من صفاتها، بل هي ماهية قائمة بقلب المتكلم تجري مجرى علمه وقدرته وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليها.
ويتفرع على هذه القاعدة مسائل:
المسألة الأولى: أن تلك الماهية عندنا شيء غير الإرادة، وقالت المعتزلة: هي إدارة المأمور به.
لنا وجوه:
أولها: زن الله تعالى ما أراد من الكافر الإيمان، وقد أمره به، فدل على أن حقيقة الأمر غير حقيقة الإدارة، وغير مشروطة بها، وإنما قلنا: إنه تعالى ما أراد منه الإيمان، لوجهين:
أحدهما: أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن، فلو آمن، لزم انقلاب علمه جهلا، وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، والله تعالى عالم بكونه محالا، والعالم بكون الشيء محال الوجود، لا يكون مريدا له بالإتفاق، فثبت أن الله تعالى لا يريد الإيمانمن الكافر.
وتمام الأسئلة والأجوبة على هذا الوجه سيأتي في مسألة (تكليف ما لا يطاق) إن شاء الله تعالى.
الثاني: هو أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على وجود الداعي، والداعي مخلوق لله تعالى، دفعا للتسلسل، وعند حصول الداعي، يجب وقوع الفعل،
стр. 1048
وإلا لزم وقوع الممكن لا عن مرجح، أو افتقاره إلى داعية أخرى، وإلا لزم التسلسل، إذا كانت الداعية مخلوقة لله تعالى، وعند وجود الداعي يجب حصول الفعل، فالله تعالى خلق في الكافر ما يوجب الكفر، فلو أراد في هذه الحالة وجود الإيمان، لزم كونه مريدا للضدين، وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا.
فثبت بهذين الوجهين أن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر، وأما أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان فذلك مجمع عليه بين المسلمين.
وإذا ظهرت المقدمتان، ثبت أنه وجد الأمر بدون الإرادة، وإذا ثبت ذلك، ثبت أن حقيقة الأمر مغايرة لحقيقة الإرادة وغير مشروطة بها.
فإن قيل: مالمراد من قولك: أمر الكافر بالإيمان؟
إن أردت به: أنه أنزل لفظا يدل على كونه مريدا لعقابه في الاخرة، إذا لم يصدر منه الإيمان، فهذا مسلم لكن معناه: نفس إدارة العقاب لا غير، فلا يحصل مطلوبكم من أنه أمر بما لم يرد.
وإن عنيت شيئا آخر، فاذكره، سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أنه ما أراد الإيمان، ولا نسلم أن إيمانه محال، وسيأتي تقرير هذا المقام في مسألة (تكليف ما لا يطاق).
سلمناه؛ لكن لا نسلم أن المحال غير مراد.
بيانه هو: أن الإرادة من جنس الطلب وإذا جوزت طلبت المحال مع العلم بكونه محالا، فلم لا تجوز إرادته مع العلم بكونه محالا؟
والجواب: قوله: (الأمر بالشيء عبارة عن الإخبار عن إرادته عقاب تاركه).
стр. 1049
قلت: لو كان كذلك، لتطرق التصديق والتكذيب إلى قولهك آمنوا، لأن الخبر من شأنه قبول ذلك، ولأن سقوط العقاب جائز، أما عندنا: فبالعفو، وأما عندهم: ففي الصغائر قبل التوبة، وفي الكبائر بعدها، ولو تحقق الخبر عن وقوع العقاب، لما جاز ذلك.
قوله: لم قلت: إن إرادة المحال ممتنعة!؟
قلنا: هذا متفق عليه بيننا وبينكم.
وأيضا: لأن الإرادة صفة من شأنها ترجيح أحد طرفي الجائز على الآخر، وذلك في المحال محال، والعلم به ضروري.
وثانيها: أن الرجل قد يقول لغيره: (إني أريد منك هذا الفعل، لكنني لا آمرك به) ولو كان الأمر هو الإرادة، لكان قوله: (أريد منك الفعل، ولا آمرك به) جاريا مجرى أن يقال: (أريد منك الفعل، ولا أريده منك) وقوله: (آمرك بهذا الفعل، ولا آمرك به) ومعلوم أن ذلك صريح التناقض، دون الأول.
وثالثها: أن الحكيم قد يأمر عبده بشيء في الشاهد، ولا يريد منه أن يأتي بالمأمور به، لإظهار تمرده وسوء أدبه.
فإن قلت: ذلك ليس بأمر، وإنما تصور بصورته!!
قلت: التجربة إنما تحصل بالأمر، فدل على أنه أمر.
ورابعها: أنه سيظهر إن شاء الله تعالى في (باب النسخ) أنه يجوز نسخ ماوجب من الفعل قبل مضى مدة الامتثال، فلو كان الأمر والنهي عبارتين عن الإرادة والكراهة، لزم أن يكون الله تعالى مريدا كارها للفعل الواحد، في الوقت الواحد من الوجه الواحد، وذلك باطل بالاتفاق
стр. 1050
واحتج الخصم بوجهين:
الأول: أن صيغة (أفعل) موضوعة لطلب الفعل، وهذا الطلب:
إما الإرادة، أو غيرها، والثاني باطل، لأن الطلب الذي يغاير الإرادة: لو صح القول به، لكان أمرا خفيا لا يطلع عليه إلا الأذكياء، لكن العقلاء من أهل اللفة وضعوا هذه اللفظة للطلب الذي يعرفه كل واحد، وما ذاك إلا الإرادة، فعلمنا أن هذه الصيغة موضوعة للإرادة.
الثاني: أن إرادة المأمور به، لو لم تكن معتبرة في الأمر، لصح الزمر بالماضي، والواجب، والممتنع، قياسا على الخبر، فإن إرادة المخبر عنه، لما لم تكن معتبرة في الخبر، صح تعلق الخبر بكل هذه الأشياء
والجواب عن الأول: لا نسلم أن الطلب النفساني الذي يغاير الإرادة غير معلوم للعقلاء، فإنهم قد يأمرون بالشيء، ولا يريدونه، كالسيد الذي يأمر عبده بشيء ولا يريده، ليمهد عذره عند السلطان.
وعن الثاني: أنه لا بد من الجامع، وعلى أن القائل بتكليف ما لا يطاق يجوزه، والله أعلم.
المسألة الثانية: أن هذا الطلب معنى يقتضي ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، أو جانب الترك على جانب الفعل.
وعلى التقديرين؛ فالترجيح قد يكون مانعا من الطرف الآخر، كما في الوجوب والحظر، وقد لا يكون؛ كما في الندب والكراهة.
والتفاوت بين أصل الترجيح وبين الترجيح المانع من النقيض تفاوت بالعموم والخصوص.
стр. 1051
وأيضا: فهنا لفظ دال على أصل الترجيح، ولفظ دال على الترجيح المانع من النقيض، وعلى التقديرين: فالمعتبر: إما اللفظ الدال عليه، كيف كان اللفظ، وإما اللفظة العربية، فها هنا أقسام ستة:
أحدها: أصل الترجيح، وثانيها: الترجيح المانع من النقيض.
وثالثها ورابعها: مطلق اللفظ الدال على الأول أو الثاني.
وخامسها وسادسها: اللفظة العربية الدالة على الأول أو الثاني.
ثم أن بالخيار في إطلاق لفظ الأمر على أيها شئت، أو عليها بأسرها، أو علي طائفة منها، بحسب الاشتراك، فهذا حظ البحث العقلي.
وأما البحث اللغوي، فهو أن نقول:
جعل الأمر اسما للصيغة الدالة على الترجيح أولى من جعله اسما لنفس الترجيح، ويدل عليه وجوه:
أحدها أن أهل اللغة قالوا: الزمر من الضرب: اضرب، ومن النصر: انصر، جعلوا نفس الصيغة أمرا،
وثانيها: لو قال: (إن أمرت فلانا، فعبدي حر) ثم أشار بما يفهم منه مدلول هذه الصيغة، فإنه لا يعتق، ولو كان حقيقة الزمر ما ذكرتم، لزم العتق، ولا يعارض هذا الحكم بما إذا خرس وأشار، فإنه لا يعتق، لأنا نمنع هذه المسألة.
وثالثها: أنا لو جعلناه حقيقة في الصيغة، كان مجازا في المدلول، تسمية للمدلول باسم الدليل، ولو جعلناه حقيقة في المدلول، كان مجازا في الدليل؛
стр. 1052
تسمية للدليل باسم المدلول، والأول أولى، لأنه يلزم من فهم الدليل فهم المدلول، ولا يلزم من فهم المدلول فهم الدليل، بل فهم دليل معين.
ورابعها: أن الإنسان الذي قام بقلبه ذلك المعنى ولم ينطق بشيء لا يقال: إنه أمر ألبتة بشيء.
وإذا قيل: (أمر فلان بكذا) تبادر الذهن إلى اللفظ دون ما في القلب، وذلك يدل على أن لفظ الأمر اسم للصيغة، لا للمدلول.
احتج المخالف بالآية، والأثر والشعر، والمعقول:
أما الآية: فقوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) [المافقون:١] الله تعالى كذبهم في شهادتهم، ومعلوم أنهم كانوا صادقين في النطق اللساني، فلا بد من إثبات كلام في النفس، ليكون الكذب عائدا إليه.
وأما الأثر، فقول عمر بن الخطاب ﵁: (زورت في نفسي كلاما، فسبقني إليه أبو بكر)
وأما الشعر: فقول الأخطل [الكامل]:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وأما المعقول: فهو: أن هذه الألفاظ مفردات، فلو سميت كلاما، لكانت: إنما سميت بذلك، لكونها معرفات للمعنى النفساني، فكان يجب تسمية الكتابة والإشارة كلاما، وإنه باطل.
والجواب عن الأول: أن الشهادة هي الإخبار عن الشيء مع العلم به، فلمّا لم يكونوا عالمين به، فلا جرم كذبهم الله تعالى في ادعائهم كونهم شاهدين.
стр. 1053
وعن الثاني أن قوله: (زورت في نفسي كلاما) أي: خمرته، كما يقال قدرت في نفسي دارا وبناء.
وعن الثالث: أنا لا نسلم كون الشعر عربيا محضا، ولو سلمناه، فمعناه: أن المقصود من الكلام ما حصل في القلب.
وعن الرابع: أنه قياس في اللغة، فلا يقبل.
فرع:
الأمر اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب، أو اللفظ العربي الدال على مطلق الطلب ؟
والحق هو الأول، لأن الفارسي؛ إذا طلب من عبده شيئا بلغته، فإن العربيّ يسميه أمرًا، ولو حلف، لا يأمر، فأمر بالفارسية: يحنث في يمينه.
وأما أنه اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب، أو لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض:
فالحق هو الثاني؛ وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب.
المسألة الثالثة: دلالة الصيغة المخصوصة على ماهية الطلب، يكفي في حققها الوضع، من غير حاجة إلى إرادة أخرى، وهو قول الكعبي.
لنا وجهان:
أحدهما: أن هذه الصيغة لفظ وضعت لمعنى، فلا تفتقر في إفادتها لما هي موضوعة له إلى الإرادة، كسائر الألفاظ، مثل دلالة السبع والحمار على البهيمة المخصوصة، فإنه لا حاجة فيها إلى الإرادة.
стр. 1054
وثانيهما: أن الطلب النفساني أمر باطن، فلا بد من الاستدلال عليه بأمر ظاهر، والإرادة أمر باطن مفتقرة إلي المعرف، كافتقار الطلب إليه فلو توقفت دلالة الصيغة على الطلب على تلك الإرادة، لما أمكن الاستدلال بالصيغة على ذلك الطلب ألبتة.
احتج المخالف: بأنا نميز بين ما إذا كانت الصيغة طلبا، وبين ما إذا كانت تهديدا، ولا مميز إلا الإرادة.
والجواب: أنها حقيقة في الطلب، مجاز في التهديد، فكما أن الأصل في كل الألفاظ إجراؤها على حقائقها إلا عند قيام دلالة صارفة، فكذا هاهنا.
المسألة الرابعة: ذهب أبو علي وأبو هشام، إلى أن إرادة المأمور به تؤثر في صيرورة صيغة افعل أمرا، وهذا خطر من وجهين:
الأول: أن الأمرية، لو كانت صفة للصيغة، لكانت: إما أن تكون حاصلة لمجموع الحروف، وهو محال، لأنه لا وجود لذلك المجموع.
وإما لآحداها: فيلزم أن يكون كل واحد من الحروف، التي ائتلفت صيغة الأمر منها، أمرا على الاستقلال، وهو محال.
الثاني: أن صيغة (افعل) دالة بالوضع على معنى، وذلك المعنى هو إرادة المأمور، فإذا كانت الإرادة نفس المدلول، وجب ألا تفيد الصيغة الدالة عليها صفة، قياسا على سائر المسميات والأسماء
المسألة الخامسة: قال جمهور المعتزلة: الآمر يجب أن يكون أعلى رتبة من المأمور، حتى يسمى الطلب أمرًا.
стр. 1055
وقال أبو الحسين البصري: المعتبر هو الاستعلاء، لا العلو.
وقال أصحابنا: لا يعتبر العلو، ولا الاستعلاء
لنا: قوله تعالى: حكاية عن فرعون: أنه قال لقومه: (ماذا تأمرون) [الشعراء:٣٥] مع أنه كان أعلى رتبة منهم.
وقال عمرو بن العاص لمعاوية [الطويل]:
(أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم)
وقال دريد بن الصمة لنظرائه، ولمن هو فوقه [الطويل]:
أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
وقال حباب بن المنذر يخاطب يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق [آلطويل]:
أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فهذه الوجوه دالة على أن العلو غير معتبر.
وأما أن الاستعلاء غير معتبر، فلأنهم يقولون: فلان أمر فلانا على وجه الرفق واللين،
نعم، إذا بالغ ف يالتواضع، يمتنع إطلاق الاسم عرفا، وإن ثبت ذلك لغة.
واحتج المخالف علي أن العلو معتبر، بأنه يستقبح في العرف أن يقول القائل:
أمرت الأمير أو نهيته، ولا يستقبحون أن يقال: سألته أو طلبت منه، ولولا أن الرتبة معتبرة وإلا لما كان كذلك.
следующие страницы →