Полный текст (4 032 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وقول طرفة [الرجز]:
(وقد رفع الفخ فماذا تحذري)
فحذف النون.
وقول الأسدي [السريع]:
(كنا نرقعها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع)
فسكن ترقع.
وقول الفرزدق [الطويل]:
(وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف)
قضم (مجلف).
وقول ذي الخرق الطهوي [الطويل:
(يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع)
فأدخل الألف واللام على الفعل.
وقول رؤبة [الرجز]:
(أقفرت الوعثاء والعثائث من بعدهم والبرق والبرارث)
وإنما هي البراث جمع برث وهي: الأماكن السهلة من الأرض.
وقوله أيضا [الرجز]:
(قد شفها اللوح بما زول ضيق)
ففتح الياء فهذه وأمثالها كثيرة.
стр. 982
وجري بين الفرزدق وبين عبدالله بن اسحاق الحضرمي في إفوائه وفي لحنه في قوله [الطويل]:
(فلو كان عبدالله مولى هجوته ... ولكن عبداللع مولى مواليا)
ففتح الياء من (موالي) في حال الجر.
وجرى له مع عنبسة الفيل النحوي؛ حتى قال فيه [آلطويل]:
(لقد كان في معدان للفيل شاغل لعنبسة الراوي على القصائدا)
وكان القدماء يتبعون أشعار الأوائل من لحن وغلط، وإحالة وفساد معنىً
وقال الأصمعي في الميت: إنه جرمقاني من جرامقة الشام، لا يحتج بشعره، وأنكر من شعر الطرماح ولحن ذا الرمة.
ثم إن القاضي علي بن عبدالعزيز طوّل في هذا المعنى وفي هذا القدر كفاية ومن أراد الاستقصاء، فليطالع ذلك الكتاب.
وعند هذا نقول: المرجع في صحة اللغاة، والنحو التصريف إلى هؤلاء الأدباء، واعتمادهم على تصحيح الصحيح منها، وإفساد الفاسد على أقوال هؤلاء الأكابر من شعراء الجاهلية والمخضرمين وإذا كان الأدباء قد قدحوا فيهم، وبينوا لحنهم وخطأهم في اللفظ، والمعنى والإعراب؛ فمع هذا كيف يمكن الرجوع إلي قولهم، والاستدلال بشعدهم؟
أقصى ما في الباب أن يقال: هذه الأغلاط نادرة، والنادر لا عبرة به، لكنا نقول: النادر لا يقدح فيه في الظن، لكن لا شك أنه يقدح في اليقين؛ لقيام الاحتمال في كل واحد من تلك الألفاظ والإعرابات؛ أنه من ذلك اللحن النادر.
стр. 983
فثبت أن المقصد الأقصى في صحة اللغة والنحو والتصريف الظن
الظن الثاني: عدم الاشراك؛ فإن بتقدير الاشراك يجوز أن يكون مراد الله تعالى من هذا الكلام غير هذا المعنى الذي اعتقدناه لكن نفي الاشتراك ظني.
الظن الثالث: عدم المجاز؛ فإن حمل اللفظ على حقيقته، رنما يتعين، لولم يكن محمولا على مجازه، لكن عدم المجاز مظنون.
الظن الرابع: أنه لا بد من عدم النقل، فإن بتقدير أن يقال: الشرع، أو العرف نقله من معناه اللغوي إلى معنى آخر، وكأن المراد هو المنقول إليه، لا ذلك الأصل.
الظن الخامس: أنه لا بد من عدم الإضمار، فإنه لو كان الحق هو، لكان المراد الذي يدل عليه اللفظ بعد الإضمار، لا هذا الظاهر
الظن السادس: عدم التخصيص، وتقريره ظاهر.
الظن السابع: عدم الناسخ، ولا شكل في كونه محتملا في الجملة وبتقدير وقوعه؛ لم يكن الحكم ثابتا
الظن الثامن: عدم التقديم والتأخير، ووجهه ظاهر.
الظن التاسع: نفي المعارض العقلي؛ فإنه لو قام دليل قاطع عقلي على نفي ما أشعر به ظاهر النقل، فالقول بهما محال؛ لا ستحالة وقول النفي والإثبات؛ والقول بارتفاعهما محال؛ لاستحالة عدم النفي والإثبات.
والقول بترجيح النقل على العقل محال؛ لأن العقل أصل النقل، فلو كذبنا العقل، لكنا كذبنا أصل النقل، ومتى كذبنا أصل النقل، فقد كذبنا النقل.
стр. 984
فتصحيح النقل بتكذيب العقل يستلزم تكذيب النقل؛ فعلمنا أنه لا بد من ترجيح دليل العقل.
فإذا رأينا دليلا نقليا. فإنما يبقى دليلا عند السلامة عن هذه الوجوه التسعة، ولا يمكن العلم بحصول السلامة عنها إلا إذا قيل: بحثنا واجتهدنا، فلم نجدها؛ لكنا نعلم أن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود لا يفيد إلا الظن
فثبت أن التمسك بالأدلة النقلية مبني على مقدمات ظنية، والمبني على الظنيّ ظنيّ
وذلك لا شكل فيه؛ فالتمسك بالدلائل النقلية لا يفيد إلا الظن.
فإن قلت: المكلف إذا سمع دليلا نقليا، فلو حصل فيه شيء من هذه المطاعن، لوجب في حكمة الله أن يطلعه على ذلك.
قلت: القول بالوجوب على الله تعالى مبني على قاعدة الحسن والقبح العقليين، وقد تقدم القول فيهما.
سلمنا ولكننا نقطع بأنه لا يجب على الله تعالى أن يطلعه على ذلك، لما أنّا نجد كثيرا من العلماء يسمعون آية أو خبرا، مع أنهم لايعرفون ما في نجوها ولغتها وتصريفها من الاحتمالات التسعة التي ذكرناها، وإنكار ذلك مكابرة ولو كان ذلك واجبا، لما كان الزمر كذلك، فعلمنا ضعف هذا العذر وفيه وجوه أخر من الفساد، ذكرناها في الكتب الكلامية.
واعلم أن الانصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية، إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين، سواء كانت تلك القرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا بالتواتر.
стр. 985
المسألة الثالثة
(في أن الاستدلال لالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية، والمبني على المقدمات الظنية لا يفيد إلا بالظن)
قلنا على هذه العبارة مناقشة، فإن الموقوف على المقدمات الظنية قد يكون قطعيا، بل الموقوف على الشكل قد يكون قطعيا فضلا عن الظن.
يدل على ذلك صور.
أحدها: ما تقدم أول الكتاب من أن الأحكام الشرعية كلها قطعية مع أنها موقوفة على مقدمات ظنية، ولكن إذا قال: الإجتماع عند ظن المجتهد هذا حكم الله تعالى، قطعنا بأنه حكم الله تعالى لإخبار المعصوم به
وثانيها: إذا قال الله تعالى: متى ظننتم وجود زيد في الدار، فاعلموا أني قد أوجبت عليكم ركعتين، فمتى حصل ذلك الظن قطعنا بوجوب الركعتين علينا، لإخبارا لله تعالى بذلك.
وثالثها: قوله ﵇: (إذا شكل أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، ثلاثا، أو أربعا؟ فليجعلها ثلاثا، وليضف إليها ركعة أخرى)
стр. 986
قطعنا عند الشك بوجوب الركعة علينا، وكذلك إذا شككنا هل طلع هلال شوال أم لا؟ وجب علينا الصوم، لأجل هذا الشك، وإن كنا في نفس الأمر قد أكملنا الشهر، وكذلك إذا اختلطت أخته من الرضاع بأجنبية، أو طعام نجس بطاهر، أو ميتة بمذكاة فرنا نقطع بتحريم ذلك عند الشك.
ورابعها: إذا أشهدت البينة عند الحاكم، وانتفت الريبة، وجميع الموانع الشرعية، وحصل له الظن المعتبر قطعا، وقطع بوجوب الحكم عليه حتي لو جحد وجوبه كفرناه، ففي هذه الصور كلها القطع متوقف على غير قطعي، وما لزم من ذلك عدم القطع بالمطلوب، وإنما الذي [نذكره] مخصوص بما يتوقف علي ظن ليس له مدرك غيره، أو يكون الدليل جزؤه ظني، وجزؤه قطعي فيكون ظنيا، وقد تقدم في إثبات كون الأحكام معلومة الفرق بين المطلوب يتوقف على مقدمتين ظنية وقطعية، وبين المطلوب يدل عليه دليلان قطعي وظني أنه يكون قطعيا.
قوله: (اللغوي قد يلحن)
قلنا: لا نسلم، وجميع ما وقع لهم قد خرّجه الأدباء على قواعد صحيحة
قوله: (نصب (بلغ) مع أنه فعل أمر يتعين جزمه)
قلنا: من قواعد العرب أن ضرورة الشعر (تبيح ما لا تبيحه سعة الكلام فإذا فعل الشاعر ما أجازته العرب في الضرورة لا يقال: إن ذلك الشاعر
стр. 987
أخطأ، بل فعل ما هو جائز له صواب، فلا حرج حينئذ ولا انتقاد، والتحريك هاهنا وقع لضرورة وأن البيت.
وقد نص جماعة من النحاة علي أن الذي يجوز للشاعر نحو ثلاثين موضعا مسطورة هناك، منها تحريك الساكن، وتسكين المتحرك وهذا منه.
قوله [السريع]:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
قال القرافي: قال سيبويه، وأبو علي الفارسي: القاعدة العربية جواز تسكين وسط الكلمة، وكان أولها مضموما نحو (أسد)، أو مفتوحا نحو (عضد) وأو مكسورا نحو (إبل)، فيقولون: (أسد)، (وعضد)، و (إبل)، وكذلك وأول أخرى أن الجميع كلمة واحدة فيفعلون ذلك، فيأخذون (آلراء) و (الباء) من (أشرب)، والعين من (غير) فيصير (ربع)، لذلك سكن الباء المتحركة متوسطة في كلمة واحدة، فهذه قواعد عربية لم يخرج الشاعر عنها.
وقوله: (غير مستحقب) أي: غير واضع في حقب إثما، والحقيبة: ما يوضع خلف الراكب يوضع فيه حوائجه.
стр. 988
وقوله: (ولا واغل) أي ولا داخل عليّ، فكثر (الواغل) الداخل.
قوله: (فسكن يرتبط)
قلنا: هو مثل ما تقدم في (أشرب)، فتحل (الباء)، من (بعض النفوس) مع (الباء) وال (طاء) من يرتبط)، فسكن الوسط على القاعدة المتقدمة.
قوله [الرجز]:
قد رفع الفخ فماذا تحذري؟
فحذف النون
قلنا: قد نقل ابن خروف في (شرح سيبويه) أن حرف النون التي هي علامة الإعراب في المفردة، والتثنية والجمع يجوز في سعة الكلام.
ونقل: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرسول الله ﷺ في قتلي بدر لما ناداهم: كيف يسمعوا وقد أفنوا، وأصله (يسمعون)، وإذا جار الحذف في السعة فأولى في الشعر، فلا لحن حينئذ.
стр. 989
قوله [السريع]:
كنا نرقعها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع
قلنا: سكن العين من (نرقعها) كما تقدم في تسكين الباء في (أشرب) وأجرى المنفصل مجرى المتصل.
قوله [آلطويل]:
وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف
قلنا: ذكر النحاة في رفع (مجلف) وجوها:
стр. 990
أحدها: أنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ، أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره (لم يبق)، أو فاعل بفعل مضمر تقديره لم يبق مجلف دل على ذلك لم يدع
قوله [الطويل]:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
قلنا: الألف واللام تكون في المصنفات بمعنى (الذي)، و (التي) نحو القائم والقائمة، أي الذي قام، والتي قامت.
والقاعدة: أن الصلة في الموصول قد تكون جملة فعلية، فلما دعت الضرورة لوزن البيت مع هذا التخيل جاز ذلك في الشعر، ففي هذه المواضع قاعدتان:
أن اللام موصولة، وأن الصلة تكون فعلا.
وضرورة الشعر
و (الخنا) الكلام القبيح، فهو يصف رجلا بأنه يقول الكلام القبيح، وشبهه بالحمار المجدع.
قوله [الرجز]:
أقفرت الوعثاء والعثاعث ... من بعدهم والبرق البوارث.
стр. 991
قلنا: (أقفرت) صارت قفارا أي خالية، و (الوعثاء) اسلم أرض، وفيها يقول غيلان [آلطويل]:
أيا ظبية الوعثاء بين خلاخل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم؟
وقد وقع في كثير من النسخ (الوعثاء) بالسين وإنما هو (الوعساء) كذلك أكده صاحب (الصحاح) وغيره و (العثاعث)
قال الجوهري: جمع عثعث، وهو للكثيب من الرمل الخالي من
стр. 992
النبات، و (البرق) جمع (برقة)، قال في (المجمل): (البرقة) الأرض ذات حجارة مختلفة الألوان
و (البرق) الأرض السهلة، أي هذه المواضع كلما أقفرت، وزاد الراء للوزن، كما نقص الحركة للوزن في (أشرب) فهو عكسه، وكلاهما منصوص فيما يجوز للشاعر للضرورة
قوله [الرجز]
قد شفها اللوح بما زول ضيق
قلنا: قد وقع في بعض النسخ (قد شفها) وإنما هو في قصيدته المشهورة بالواو، (شفها) أي بلغ منها مبلغا عظيما، و (اللوح) بفتح اللام، وعو للعطش، وبعضهم يصحفه بضم اللام، و (اللوح بالضم ما بين السماء والأرض، ومنه قول ابن دريد [الرجز]:
واستترل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتمى
و (المازول): المكان الصعب، و (ضيق) هاهنا بفتح الضاد والياء، وأصله: ضيق بفتح الضاد، وسكون الياء مثل: هين، ولين، وميت من غير تشديد، فحرك الياء ليزن البيت بزيادتها كما وزنه بزيادة الراء في (البوارث)، واللام في (اليجدع].
стр. 993
قوله: (عبدالله بن [أبي] إسحاق الخضرمي)، هذا نحوي مشهور و (الفرزدق) الشاعر المشهور قوله [الطويل]:
فلو كان عبدالله مولى هجوته ... ولكن عبدالله مولى مواليا
قلنا: هذا الجمع المنقوص الذي هو على وزن ما لا ينصرف، للعرب فيه لغتان: منهم من يجري المعتل مجرى الصحيح.
قال سيبويه: فتكون الفتحة فيه علامة خفض، وهذه اللغة هي التي اعتمدها الفرزدق في هذا البيت، واللغة المشهورة: أن المنقوص تسكن ياؤه في الخفض، فنقول: مررت بالموالي وبالقاضي، استثقالا للكثرة تحت الياء، ولم يثبتوا الفتحة على (الياء) وإن كانت حقيقة؛ لأن أصلها كسرة؛ لأنها بدل عنها، فلوحظ فيها من الثقل ما لوحظ في الكسرة من الثقل.
стр. 994
قوله [الطويل]:
لقد كان في معدان والفيل راحر لعبسة الراوي على القصائد
قال القرافي (معدان) هو جد (عبسة)
وقوله: (قال الأصمعي في الكميت أنه جرمقاني)
стр. 995
قال القرافي: قال صاحب (الصحاح): لا تجتمع الجيم والقاف في لسان العرب، فالجرمقاني، والجرموق عجميان، والجرامقة: قوم من العجم سكنوا (الموصل)، كما تقول: (آلأكراد)، والأتراك).
قوله: (وليكن شعر الطرماح)
قال القرافي: هو بتشديد الميم.
قوله: (ومع تلحين الأدباء لهم في اللفظ، والمعنى، والإعراب كيف يمكن الرجوع إلى قولهم).
قلنا: قد بينا أن ذلك كله على قواعد عربية، فلا يقدح ذلك في الاعتماد على قولهم، ثم إنا نقول: يكفي في صحة التمسك بأقوالهم أن جميع ما وقع علي اللغات الشاذة، ولوضع الضرورة أنه معلوم عند الناس مثل الشمس من غير لبس، وما ذلك إلا أن المادة معلومة، منضبطة، وعليها المعوّل في الأحكام والتمسكات، ولولا أنها معلومة لتعذر على الأدباء إنكار هذه المواضع، فعين هذا الإشكال هو عين الجواب عنه، والدفع له.
(فائدة)
لما أنكر بعض النحاة قول [الطويل]:
وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف
قال له: بما رفعت (مجلف)، فقال له ما يسوءك، ويتوعد، ثم هجا
стр. 996
الفرزدق ذلك النحوي، فقال النحوي: أخبروا الفرزدق أنه لحن في هجائه، فقال له الفرزدق: والله لأهجونك ببيت يستشهد به إلى قيام الساعة وأنشد [الطويل]:
أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا
فمد (الزنا) ومالشهور فيه القصر، و (الخرطوم): اسم الخمر، فكان الناس يستشهدون بهذا البيت على أن الزنا يمد.
قوله: (التقديم والتأخير).
قلنا: مثاله: قوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما فتحرير رقبة) [التحرير:٣] اختلف العلماء ﵃ هل العود شرط في الكفارة أم لا؟
فظاهر الآية أنه شرط، لتقديمه قبل ذكر الكفارة فكان داخلا فيما هو معتبر في الموجب.
وقال بعض العلماء: ليس شرطا، وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: (والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ثم يعودون) يعني: سبب الكفارة يعودون كما كانوا قبل الحلف؛ لأن كفارة تذهب أثر العصيان، فعلى هذا لا يكون العود شرطا.
стр. 997
قوله: (إذا أهملنا النقل والعقل وقع النفي والإثبات، أو لا نقول بهما يرتفع النفي والإثبات)
قال القرافي تقريره: إن آيات الصفات دلت بظواهرها على الجسمية، و، العقل دل على نفيها، فإن أعملناهما ثبتت الجسمية وانتفت، وإن أبطلناهما أبطلتا الجسمية وعدمها، وهو ارتفاع النقيضين
قوله: (العقل أصل النقل)
قال القرافي: تقريره أن كلام النبوة مبني على المعجزة، وهي لا تعلم إلا بالعقل، فصار العقل أصل النقل، فلو قدحنا في العقل تطرق القدح في المعجز، فيحصل القدح في النقل.
قوله: (الاستدلال بعدم الوجدان على الوجود لا يفيد إلا الظن) قلنا: ليس ذلك مطلقا، فإن عدم وجداننا قبلا في البيت الصغير، والوضع المحصور كيف كان المطلوب يدل قطعا على عدم وجوده، وإنما ذلك في غير المنحصر أو المنحصر ظنا.
قوله: (لا تفيد الألفاظ اليقين إلا بالقرائن)
قال القرافي: تقريره: أن الوضع بما هو وضع تتطرق إليه هذه الاحتمالات، ومع القرائن يقطع بأن المراد ظاهر اللفظ، ثم القرائن تكون بتكرر تلك الألفاظ إلي حد يقبل القطع، أو سياق الكلام، أو بحال المخبر الذي هو رسول الله ﷺ ، والقرائن لا تفي بها العبارات، ولا تنحصر تحت ضابط، ولذلك قطعنا بقواعد الشرائع، وقواعد الوعد والوعيد، وغيرها بقراذن الأحوال والمقال، وهو كثير في الكتاب والسنة، فلو قائل في قوله تعالى: (محمد رسول الله) [الفتح:٢٩] أو (شهر رمضان) [البقرة:١٨٥] (يابني إسرائيل) [البقرة:٤]
стр. 998
المراد غير محمد بن عبد الله، أو غير الشهر المخصوص، أو غير إسرائيل الذي هو يعقوب، ولم يعرج أحد على ذلك، وقطع ببطلانه، بسبب قرائن التكرار وقرائن الأحوال، وكذلك بقية القواعد الدينية.
(فائدة)
قال النحاة ونصوا عليه في عدة من كتبهم: إن الذي يجوز للشاعر نحو ثلاثين موضعا، قصر الممدود عند البصريين دون العكس؛ لأن الهمزة زائدة في الغالب بعد الألف وحذف الزائد هو الأصل.
وقال الكوفيون: يجوز له مد المقصور دون العكس؛ لأنه الأصل دون العكس.،ج، ز الكوفيون العكس أيضا لقول العرب [المتقارب]:
وماكان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
فلم يصرف (مرداس) لحاجته لعدم تنوين في الوزن، وليس فيه إلا العلمية وهي وحدها لا تمنع في سعة الكلام.
واتفقوا على أنه لا يجوز له المقصور المؤنث نحو (لين) فإنه إذا صرف إنما يستفيد التنوين، وهو حرف ساكن، ومع التنوين يذهب الألف وهي حرف ساكن فقد عوض ساكن بساكن فلم يستفد بالصرف شيئا فيمتنع وكذلك المدغم وعكسه، وإلحاق المعتل بالصحيح وعكسه، نحو قوله [الوافر]:
إذا ما عد أربعة قسال ... فزوجك خامس وأبوك سادي
стр. 999
أي سادس، وحذف التنوين المصادف للساكن، وحذف الواو، والباء من وسط الكلام، والاكتفاء بالكسرة والضمة وواو (هو) وياء (هي) وتذكير المؤنث وعكسه، وتخفيف المشدد وعكسه وحذف (فاء) الشرط، وحذف الهمزة، وتحفيفها وقلبها ووصل المقطوع وقطع الهمزة الموصولوة وإبدال الحروف الصحيحة بحروف العلة، وقد جاء في القرآن الكريم، فيكون ليس برخصة نحو قوله تعالى: (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) [القيامة:٣٣]، (قد خاب من دساها) [الشمس:١٠]، أي يتمطط، ودسها، وإسكان هاء الضمير، وحذف ما بعدها، ونفي الفعل المضارع كقوله [الوافر]:
سأترك منزلي لبني تميم ... والحق بالحجاز فأستريحا
وقوله [الطويل]:
стр. 1000
لها هضبة لا يترك الذل وسطها ... ويأوى إليها المستجير فيعصما
لضرورة الروي المنصوب، وتسكين حرف العلة في النصب والجزم، وتسكين الهمزة التي أصلها حرف مد نحو: كساء، ورداء، وترخيم غير المنادى، وإلحاق لا التعريف الفعل المضارع، وزيادة حرف في الكلمة كما تقدم في بحث (المحصول) كثير منه في هذه المسألة، فهذه رخص في لغة العرب كرخص الشريعة التي على خلاف قواعدها، فكما أنه لا يجوز أن يقال في الرخص الشرعية: إنها ليست من الشريعة لا يقال في رخص العربية: إنها ليست من العربية، ويتعين أن يكون معنى تلحين الفضلاء للشعراء: أن معناه خروجهم عن الجادة، لأنهم ارتكبوا ما لا يجوز في الضرورة، ولو كانت هذه الأمور لحنا لم تختص بثلاثين ولا بألف، ولما حسن أن يقال: الشيء الفلاني لا يجوز للشاعر، والشيء الفلاني يجوز، وذلك الذي منع مطلقا لم يقع منهم، فلا لحن حينئذ إلا بالتفسير الذي ذكرناه
стр. 1001
المسألة الرابعة
في كيفية الاستدلال بالخطاب
الخطاب: إما أن يدل على الحكم بلفظه، أو بمعناه، أو لا يكون كذلك، ولكنه بحيث لو ضم إليه شيء آخر، لصار المجموع دليلا على الحكم:
القسم الأول: ما يدل عليه بلفظه، وقد عرفت أنه يجب حمل اللفظ على الحقيقة، وعرفت أن الحقيقة ضربان: أصلية: وهي اللغوية، وطارئة: وهي العرفية، والشرعية.
فإن كان الخطاب مستعملا في اللغة في شيء وفي العرف في شيء آخر، ولك يخرج بالعرف عن أن يكون حقيقة في المعنى اللغوي، فإنه يكون مشتركا بينهما.
وإن صار مجازا في المعنى اللغوي، وجب حمله على العرفي؛ لأنه هو المتبادر إلى الفهم، ويجب مثل هذا في الاسم المنقول إلى معنى شرعي
فالحاصل أن الخطاب يجب حمله على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم المعنى اللغوي الحقيقي، ثم المجاز
فإن خاطب الله تعالى طائفتين بخطاب، هو حقيقة عند إحداهما في شي، وعند الأخرى في شيء آخر وجب أن تحمله كل واحدة منهما على ما تتعارفه؛ وإلا لزم أن يقال: إن الله تعالى خاطبه بغير ما هو ظاهر عنده مع عدم القرينة، والله أعلم بالصواب.
стр. 1002
القسم الثاني: ما يدل عليه بمعناه، وهو: الدلالة الالتزامية، وقد ذكرنا في الباب الثاني أقسام الدلالة الالتزامية.
القسم الثالث: ما يكون بحيث لو ضم إليه شيء آخر، لصار المجموع دليلا على الحكم، فنقول: ذلك الذي يضم إليه: إما أن يكون دليلا شرعيا، وهو نص، أو إجماع> أو قياس، أو يكون ذلك بشهادة حال المتكلم، فبهذه وجوه أربعة:
أحدها: أن ينضم إلى النص آخر؛ فيصير مجموعهما دليلا على الحكم، وله مثالان:
الأول: أن يدل أحد النصين على إحدى المقدمتين، والثاني على الثانية؛ فيحصل المطلوب؛ كقولنا: تارك المأمور عاص، لقوله تعالى: (أفعصيت أمري) [طه:٩٣] والعاصي يستحق العقاب؛ لقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدود الله يدخله نارا خالدا فيها) [النساء:١٤]
الثاني: أن يدل أحد النصين على ثبوت الحكم لشيئين، ويدل النص الآخر على زن بعض ذلك لأحدهما؛ فوجب القطع بأن باقي الحكم ثابت للثاني؛ كقوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا) [الأحقاف:١٥] فهذا يدل على أن مدة الحمل والرضاع، ثلاثون شهرا، وقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) [البقرة:٢٢٣] فهذا يدل على أن مدة الرضاع سنتان؛ فيلزم أن تكون مدة الحمل ستة أشهر.
وثانيها: أن يضم إلى النص إجماع؛ كما إذا دل النص على أن الخال لا يرث ودل الإجماع على أن الخالة بمثابته.
стр. 1003
وثالثها: أن يضم إلى النص قياس؛ كما إذا دل النص على حرمة الربا في البر، ودل القياس على زن التفاح بمثابته.
ورابعها: أن يضم إلى النص شهادته حال المتكلم؛ كما إذا كان كلام الشرع مترددا بين الحكم العقلي وال والشرعي، فحمله على الشرعي أولى؛ لأن النبي ﵌ بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان ما يستقل العقل بأدراكه، هذا إذا كان الخطاب مترددا بينهما؛ أما إذا كان ظاهره مع زحدهما، لم يصح الترجيح بذلك، والله أعلم.
المسألة الرابعة: كيفيك الاستدلال
قوله: (إذا لم يخرج بالعرف عن أن يكون حقيقة في المعنى اللغوي كان مشتركا بينهما).
قلنا: هذا مشكل من وجهين:
أحدهما: أنه لا يخرج عن كونه حقيقة في المعنى اللغوي اشتهر في العرفي أم لا؟
وثانيهما: كيف يكون مشتركا بينهما، وما اشتهر في العرفي؛ لأنه إذا لم يشتهر يكون ماجزا مرجوحا أو مساويا، والمجاز المساوي نقول له: مجاز لغوي، ولا يكون مشتركا إلا إذا استويا في الفهم، ولم يعلم أنه منقول عن أحدهما، أما مع العلم باتحاد الموضع له أولا فلا.
قوله: (وإن صار مجازا في المعنى اللغوي حمل على العرفي)
قلنا: إذا اشتهر في العرفي يصير مجازا في اللغوي باعتبار الحقيقة العرفية، ومع ذلك لا يخرج عن كونه حقيقة لغوية.
قوله: (يجب الحمل على الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي)
стр. 1004
قلنا: تقرير ذلك: أن العرف ناسخ لـ (للغة)، والناسخ مقدم، وكذلك الشرائع ناسخة باستعمالها اللغات، والعوائد.
(سؤال)
إنما يتقدم الشرعي على العرفي إذا كان المتكلم هو صاحب الشرع ؛ لأن القاعدة أن كل متكلم له عرف في لفظه، فإنما يحمل لفظه على عرفه، أما إذا صدر اللفظ ممن خالف أو وافق، أو مقر فإنما يحمل على عرفه الذي عادته يتكلم به هو خاصة، أو أهل بلده عامة، بناء على القاعدة: أن من له عرف فإنه يتبع في حقه، وكذلك إذا اختلف العوائد النقالة للغة حمل أهل كل عادة على عادتهم دون عادة غيرهم.
(سؤال)
إنما يحمل لفظ صاحب الشرع على العرفي دون اللغوي إذا علم مقارنة تلك العادة لزمن الخطاب ، أما لو تأخرت فلا، بل تتعين اللغة، فإن الصارف عنها منتف حالة المتكلم، وكذلك القول في كل متكلم: يشترط في حمل لفظه على العادة مقارنة تلك العادة لتلفظه.
(سؤال)
كلامه هاهنا يناقض قوله في مسألة الحقيقة المرجوحة والمجاز .
الراجح: أنهما يتعادلان، ولا يحمل اللفظ على أحدهما إلا بمرجح.
جوابه: أنه لم يفرع على ذلك المذهب، بل على مذهب أبي يوسف في تلك المسألة؛ لأنه مذهب الجمهور.
قوله: (إذا خاطب الله تعالى طائفتين بخطاب هو حقيقة عند إحديهما في شيء، وعند الطائفة الأخرى في شيء آخر حملته كل واحدة منها على ما تعرفه).
стр. 1005
قلنا: هذا إذا لم تطلع كل واحدة منهما على أن وضع الأخرى مخالف لوضعمها؛ لأنها حينئذ تعلم أن اللفظ مشترك مجمل، وأن نسبة المتكلم إلى لغتيهما نسبة واحدة، فيجب عليهما معا الوقف.
قوله: (المضموم إما النص، أو الإجماع، أو القياس، أو شهادة حال المتكلم).
قلنا: لا نسلم حصر نفي جميع القرائن، فإنها لا تنحصر في الحالية، بل للسياق الواقع في ذلك الأسلوب وقرينة حال المخاطب، والاستحسان، والاستصحاب، والمقيدات، والمعينات كثيرة غير الأربعة المذكورة.
قوله في المثال الأول: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) [الجن:٢٣].
قلنا: هذا المثال دليل مركب من الشكل الأول، ومن شروط الشكل الأول أن تكون كبراه كلية، ولا يصح ذلك حتى يتبين أن كل عاص يستحق العقاب، ولم تجد ذلك بل أقام الدليل على الجزئية فقط، وهو (ومن يعص الله ورسوله) وهو بعض العصاة، فلا ينتج لفقدان الشرط، ثم يؤكد كونها جزئية بقوله تعالى: (ويتعد حدوده)، فإن هذا اقتداء آخر يقتضي أنه إذا لم يتعد حدوده لا يستحق العقاب لذكر الحدود بصيغة الجمع، بل بصيغة العموم؛ لأن اسم الجنس إذا أضيف أضيف عم، فلا يصدق ذلك حينئذ إلا على من تعدى جميع الحدود.
قوله: (فيلزم أن تكون مدة جمله ستة أشهر)
قلنا: هذا النوع من الاستدلال إنما يتجه إذا كان النصاب أمرين، نحو: اعط زيدا أو عمرًا الدار اعط زيدا ثلثها، فيتعين لعمرو ثلثها، أو خبرين نحو الدار لزيد وعمرو، ولزيد ثلثها، فيتعين أن يكون لعمرو ثلثها، أما إذا
стр. 1006
كان أحدهما أما والآخر خبرا- كما في هذا المثال فلا يتجه؛ لأن الأمر قد يكون شيئا، ولا يفعل كله، والخبر يتبع الواقع، وكان طاعة أو معصية كما أمر الله تعالى الناس كلهم بالإيمان.
وقال تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف:١٠٣] فأخبر عن الواقع، وهو على خلاف الأمر.
كذلك هاهنا جاز أن يكون الرضاع الواقع أحدا وعشرين شهرا، ولا يكون الأمر وقع مقتضاه من قوله تعالى (والوالدات يرضعن) [آلبقرة:٣٣] الآية، فيقع الإخبار بأن حمله وفصاله ثلاثون شهرًا، أي تسعة حمل وأحد وعشرون رضاعا بناء على الواقع الغالب دون المأمور به، لا يأتي الاستدلال بهاتين الآيتين على أن أقل الحمل ستة أشهر، ولا سيما وقد عكس الحقيقة هذا الاستدلال، وقالوا: الستة أشهر هي الرضاع، وقالوا أقضى مدة الحمل سنتان مع الرضاعة، ولا يلحق الولد بعد ذلك بالواطيء، وإذا قام في بطن أمه سنتين كفاه من الرضاع سته أشهر، لاستقلاله وشدة أعضائه بطول بقائه في بطن أمه، وجعلوا هذا الموضع دليلا على هذا المطلوب، وبالجملة إنما يتأتى الاستدلال إذا كانا خبرين، أو أمرين، أما إذا تنوعا فلا، لأن الخبر يتبع الواقع، والأمر لا يتبعه، فلا ينتظم الاستدلال.
قوله: (لأنه ﵇ بعث لبيان الشرعيات دون العقليات)
قال القرافي: مثاله: (قوله ﵇: (من كلم في سبيل الله واله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم، والريح ريح المسك)
стр. 1007
فقوله: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) دائر بين أن يكون المراد الإخبار به عمن تعلق علم الله تعالى بهذا المعلوم وهو عقلي، أو أمر بالإخلاص في الجهاد وهو شرعي، فيحمل على طلب الإخلاص دون الأمر المعقول.
قوله: (أما إذا كان ظاهره مع أحدهما لم يصح الترجيح)
قلنا: ولم لا يصرف عن ظاهره لظاهر حال المتكلم؛ لأنه أخص منه، والخاص مقدم على العام؛ لأن ظهور اللفظ عام بالنسبة إلى كل متكلم، وحال المتكلم خاص بهذه الصورة، ولأن ظاهر الحال يصرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز مع ظهوره في الحقيقة، فعلمنا أن الظهور لا يمنع الحمل الشرعي.
стр. 1008
المسألة الخامسة
في الخطاب الذي لا يمكن حمله على ظاهره:
هذا الخطاب: إما أن يكون خاصا أو عاما:
فإن كان خاصا، وكان حقيقة في شيء، ثم وجدت قرينة تصرفه عنه: فإما أن تدل القرينة علي أن المراد ظاهره، أو تدل على أن المراد غير ظاهره، أو على أن المراد ظاهره، وغير ظاهره معًا:
فإن دل على أن المراد ليس ظاهره، خرج الظاهر عن أن يكون مرادا؛ فيجب حمله على المجاز.
ثم إن المجاز: إما أن يكون واحدا، زو أكثر:
فإن كان واحدا: حمل اللفظ عليه، من غير افتقار إلي دلالة أخرى؛ صونا للكلام عن الإلغاء.
وإن كان أكثر من واحد: فإما أن يدل دليل في واحد معين على أنه مراد، أو على أنه ليس بمراد، أو لا يدل الدليل في واحد معين، لا يكونه مرادا، ولا بكونه غير مراد:
فرن دل الدليل على أنه مراد، قضى به، وإن دل الدليل على أنه غير مراد، فإن لم يبق إلا وجه واحد، حمل عليه، وإن بقي أكثر من واحد، كان القول فيه كما إذا لم يوجد الدليل على كونه مرادا، ولا على كونه غير مراد؛ وهذا هو القسم الثالث
стр. 1009
فنقول: وجوه المجاز: إما أن تكوت محصورة، أو غير محصورة:
فإن لم تكن محصورة:
فقال القاضي عبدالجبار: لا بد من دلالة على المراد؛ لأنه لا يجوز أن يريدها أجمع، مع تعذر حصرها علينا.
قال أبو الحسن: ولقائل أن يقول: إنه أرادها كلها على البدل؛ لأن ذلك ممكن مع فقد الدلالة، ومع فقد الحصر؛ فإنه تعالى لو أوجب علينا ذبح بقرة، فإنا نكون مخيرين في ذبح أي بقرة شئنا، وإن لم يمكنا حصر البقر.
فأما من لا يجيز أن المراد بالكلمة الواحدة معنيان مختلفان، فيجئ على مذهبه أنه لا بد من دلالة تدل على المراد بعينه؛ لأن اللفظ ما وضع للتخيير.
وأما إن كانت وجوه المجاز محصورة:
فإن كان البعض أقوى من الباقي، حمل على الأقوى، رعاية لزيادة القوة.
وإن تساوت، حمل اللفظ عليها بأسرها؛ على البدل
أما على الكل؛ ليس حمل الخطاب على البعض أولى من الباقي.
وأما على البدل، فلأن الخطاب ليس بعام؛ حتى يحمل على الجميع.
هذا علي قول من يجوز، استعمال اللفظ المشترك في مفهومه.
فأما من لا يجوزه، فإنه قول: لا بد من البيان:
القسم الأول: وهو أن يدل الدليل على أن غير الظاهر مراد، فذلك الدليل:
إما أن يعين ذلك الغير، أو لا يعينه:
فإن عينه، وجب حمله عليه، وإن لم يعينه، فالقول فيه كما في القسم الأول.
стр. 1010
القسم الثاني: وهو أن يدل دليل على ظاهر الخطاب مراد، وغير ظاهره مراد:
فإن كان ذلك الغير معنيا، وجب الحمل عليه؛ فيكون اللفظ موضوعا لهما من جهة اللغة، أو من جهة الشرع، أو تكلم بالكلمة مرتين.
وإن لم يتعين ذلك الغير، فالكلام فيه كما في القسم الأول.
أما إن كان الخطاب عاما: فإن تجرد عن القرينة، حمل على العموم، وإن لم يتجرد، فهذا يقع على وجوه.
أحدها: أن تدل القرينة على أن المراد ظاهره، وغير ظاهره معا، فإن كان كذلك الغير معنيا، حمل اللفظ عليه على التفصيل المذكور، وإن لم يكن معنيا، فالكلام فيه كما في الخاص، إذا دلت الدلالة على أن المراد غير ظاهره.
وثانيها: أن يدل على أن المراد ظاهره، جاز أن يكون المراد بعض ما يتناوله، وجاز أن يكون المراد شيئا آخر لم يتناوله الخطاب، فإذا لم يصح اجتماعهما، فلا بد من دليل يعين المراد.
وثالثها: أن يدل الدليل على أن بعضه مراد، وهذا لا يقتضي خروج البعض الآخر عن أن يكون مرادا؛ لأنه لا ينافي ذلك، فإن دل على أن المراد هو البعض، خدج البعض الآخر عن كونه مراداً؛ لأن ذلك إخبارا بأن ذلك البعض هو كمال المراد.
ورابعها: أن يدل الدليل على أن بعضه ليس بمراد، وحينئذ يخرج عن كونه مرادا، ويبقى ما عداه تحت ذلك الخطاب، والله أعلم.
стр. 1011
المسألة الخامسة
الخطاب الذي لا يمكن حمله على ظاهره
قوله: (إما أن تدل القرينة على أن المراد ليس ظاهره، أو على أن المراد غير ظاهره).
قلنا: هذه العبارة فيها إجمال، بل يقول: إما أن تدل على أن الظاهر غير مراد، أو أن المراد غير الظاهر، فإنها إذا دلت على أن الظاهر غير مراد احتمل أن يكون الظاهر غير مراد أيضا، ويكون اللفظ لم يرد به شيء، وإذا دلت على زن المراد غير الظاهر تعين أن يكون اللفظ مراداً.
وأما عبارته في قوله: (دلت على أن المراد ليس ظاهره) فقد أثبت مرادا هو غير الظاهر، وهذا هو المفهوم من قوله: (المراد غير ظاهره) فيبقى تكرارا بغير فائدة.
قوله: (قال القاضي عبدالجبار: لا يجوز أن يريدها كلها مع تعذر حصرها)
قال القرافي: الفرق عنده بين هذه المجازات التي هي غير محصورة، وبين أفراد اللفظ العام - نح، المشركين فإنها أيضا غير محصورة مع صحة إرادتها إجماعا أن صيغ المعلوم تتناول الأفراد التي لا نهاية لها بوجه واحد. وهو مفهوم الشرك مثلا فيتبع في جميع محاله بذلك الحكم، والمجازات مختلفة الحقائق، فلا يجد السامع حقيقة واحدة يعتمد عليها في التتبع، فيضل.
(وقول أبي الحسين: يصح أن يريدها على البدل)
قال القرافي: تشهد له خصال الكفارة في اليمين، فإنها مختلفة الأنواع:
стр. 1012
عتق، وكسوة، وإطعام، وأراد الله تعالى أحدها لا بعينه، فهي كلها مرادة على البدل.
لكن هذا لا يمشي على قاعدة أبي الحسين، فإنه يعتقد أن الواجب في خصال الكفارة المجموع، أو واحد معين، لكن هذه المذاهب لم يصح عن المعتزلة نقلها على التحقيق، بل مقصود الفرق واحد في خصال الكفارة على ما يأتي بيانه هنالك، فيصح التنظير، ولو قال الله تعالى: من حنث في يمينه فليقترب إليّ بنوع من القرب، أو يتصدق بمشمول من المشمولات صح مع أنها مختلفات الحقائق، وتكون كلها مرادة علي البدل، فكذلك هاهنا.
قوله: (من لم يجز أن يراد باللفظ معنيان مختلفان، فعنده لا بد من الدلالة علي التعيين)
قلنا: هذا إشارة إلى مسألة أن المشترك لا يستعمل في مفهوماته، ويصرح بأن الخلاف في الجمع بين حقيقتين، أو مجازين، أو مجاز وحقيقة، الكل سواء في الجواز والمنع، وقد تقدم علي هذا هناك.
قوله: (إن كان البعض أقوى حمل على الأقوى)
قال القرافي: يريد بالبعض واحد فقط، وإلا لو كان منها عشرة قوية جاء الخلاف المتقدم، ووجب التوقف عند من يتوقف حتى يأتيه البيان.
قوله: (وإن تساوت حمل اللفظ عليها بأسرها إما على البدل، وإما على الكل).
قال القرافي: فكذا وقع في النسخ الصحيحة (إما)، (وإما) بالواو، وفي بعضها بغير (واو) وهو غلط.
ثم قوله: (فلأنه ليس حمل الخطاب على البعض أولى من الباقي).
стр. 1013
قال القرافي: تعليل لقوله: (يحمل على الكل) الذي هو القسم الأخير، ثم شرع في تعليل القسم الأول بقوله: (لأن الخطاب ليس عاماً).
قوله: (هذا على قول من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهومه)
قلنا: عليه سؤلان:
الأول: أنه لما بحث في تلك المسألة لم يذكر هذا، وكان من المتعين أن ينبه عليه هناك، وأن المجازات داخلة في الخلاف كالحقائق.
الثاني: أن استعمال اللفظ في مجازاته أو حقائقه، معناه: إرادة شمول الحكم، لها من إطلاق واحد، وأما إذا أراد أحدهما فمفهوم أحدهما قدر مشترك بينهما، والقدر المشترك بينهما واحد، فما كان ذلك في الحقائق، بل في مجاز واحد؛ لأن المشترك من مسميات المشترك كلها أعم منها، والأعم من الشيء غيره، فهو غير مسمياتها، فيكون مجازا، وإن كان في المجازات فهو مجاز واحد، فليس هذا من باب الجمع في شيء.
قوله: (إن دل على أن الظاهر مراد، وغير الظاهر أيضا مراد فإن كان غير الظاهر مرادا وجب الحمل عليه)
قلنا: هذا أيضا يتخرج على جواز استعمال المشترك في مفهوميه، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، إلا أن يكون قد تكلم باللفظ مرتين.
قوله: (إن كان عاما ودل الدليل على أن المراد ظاهره وغير ظاهره)
قلنا: هذا يتصور بأن جميع أفراد العموم (.....) والذي يستعمل فيه لفظ العموم قبل دخول موجب التعميم عليه، كما يقول في البيع: إنه مجاز في المساومة، فحمل صيغة قوله تعالى: (وأحل الله البيع) [البقرة:٢٧٥] على البياعات والمساومات حمل له على الظاهر، وغير الظاهر، ولا يمكن فرض غير الظاهر في العموم هو للخصوص؛ لأنه إذا حمل على العموم،
стр. 1014
فقد دخل الخصوص فيه، فالظاهر الذي هو العموم لا يمكن بغير الخصوص ألبتة، فلا يتصور إلا كما تقدم
قوله: (جاز أن يكون المراد بعض ما تناوله، أو شيئا لم يتناوله الخطاب)
قلنا: معناه: البعض الذي تناوله هو الخصوص، والذي لم يتناوله هو المجاز الأجنبي كما تقدم بتمثيله
قوله: (إن دل الدليل على أن المراد هو البعض خرج البعض الآخر عو كونه مراداً)
معناه: إن صيغة هذا التركيب تقتضي الحصر، وإذا انحصر المراد في البعض كان البعض الآخر غير مراد، وهذا لا بد فيه من تعيين البعض المراد، وإلا يصير مجملا يتوقف البيان، بخلاف إذا قال: (البعض مراد) هدا لا يدل إلا بطريق مفهومه على أن البعض الآخر غير مراد من جهة أن ذكر البعض يخرج الكل، أما من جهة منطوقة فلا، بخلاف قولنا: (البعض هو المراد) ذلك يقتضي الحصر لفظا.
قوله: (إن دل الدليل على أن البعض غير مراد بقي ماعداه تحت الخطاب)
قلنا: هذا مشروط بكون البعض المخرج معينا، أما لو كان غير معين كقول المتكلم: بعض هذا العام لم أرده ولم يعينه، يعني النص كله مجملا.
стр. 1015
المسألة السادسة
في أن ثبوت حكم الخطاب، إذا تناوله
على وجه المجاز لا يدل على أنه مراد بالخطاب.
مثاله: قوله تعالى: (أو لامستم النساء) [المائدة:٦] فإن قيام الدلالة علي وجوب التيمم على المجامع، وهو تناوله اسم الملامسة؛ على طريق الكناية، هل يدل على أنه هو المراد بالآية؟
فذهب الكرخي وأبو عبدالله البصري: إلى أنه واجب، وعندنا أنه ليس بواجب:
لنا: المقتضي لإجراد الآية على ظاهرها موجود، والمعارض الموجود، وهو ثبوت حكم الخطاب فيما تناوله على وجه المجاز لا يصلح معارضا له؛ لاحتمال ثبوته بدليل آخر أوجب إجراء الآية على ظاهرها.
واحتجوا بأن ثبوت الحكم في صورة المجاز لا بد له من دليل، ولا دليل سوى هذا الظاهر؛ وإلا لنقل.
وإذا حمل الظاهر على مجازه، وجب ألا يحمل على الحقيقة؛ لامتناع استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته معا.
والجواب: لانسلم أنه لا دليل سوى هذا الظاهر:
قوله: (لو وجد لنقل) قلنا: لعلهم استغنوا بالإجماع عن نقله، والله أعلم.
стр. 1016
المسألة السادسة
إذا تناول الخطاب حكمه على وجه المجاز
قوله: (وإذا كان المجاز مرادًا لا تكون الحقيقة مرادة، لامتناع استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته).
قلنا: هذا يتخرج على الخلاف في استعمال المشترك في مفهوميه؛ لأن الخلاف في الجمع واحد كما بيّن هنالك.
(سؤال)
قال النقشواني: لفظ الملامسة يتناول الجماع وغيره بالمعنى العام لغة، فإذا جرى على عمومه في الصورتين لا يحتاج إلى دليل آخر، ولا يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز، فاندفعت الأسئلة.
جوابه: أن هذا السؤال نشأ عن خصوص المادة، وتمثيل المسألة بالملامسة أما على المسألة فلا، ولا يلزم من فساد المثال فساد المسألة، ولا اندفاع تلك الوجوه عنها وأمثلتها بقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكحوا آباؤكم) [النساء:٢٢]، فإن الحكم ثابت في صورة المجاز الذي هو العقد، فإن بالعقد على المرأة تحرم على الولد، والنكاح حقيقة في التداخل، ولا يتناول اللفظ العقد لغة أصلا، فتتأتى البحوث بكمالها هاهنا، ولا يرد السؤال.
стр. 1017
الكلام في الأوامر والنواهي
وهو مرتب على مقدمة وثلاثة أقسام
أما المقدمة ففيها مسائل:
قال الرازي: المسألة الأولى: اتفقوا على أن لفظة الأمر حقيقة في القول المخصوص، واختلفوا في كونه حقيقة في غيره؛ فزعم بعض الفقهاء أنه حقيقة في الفعل أيضا، والجمهور على أنه مجاز فيه.
وزعم أبو الحسين البصري: أنه مشترك بين القول المخصوص، وبين الشيء، وبين الصفة، وبين الشأن والطريق، والمختار: أنه حقيقة في القول المخصوص فقط.
لنا: أنا أجمعنا على أنه حقيقة في القول المخصوص؛ فوجب ألا يكون حقيقة في غيره؛ دفعا للاشتراك.
ومن الناس من استدل على أنه ليس حقيقة في الفعل بأمور:
أحدها: لو كان لفظ الأمر حقيقة في الفعل، لاطرد؛ فكان يسمى الأكل أمرا؛ والشرب أمرًا.
وثانيها: ولكان يشتق للفاعل اسم الآمر، وليس كذلك؛ لأن من قام أو قعد، لا يسمى آمرًا
وثالثها: أن للأمر لوازم، ولم يوجد شيء منها في الفعل؛ فوجب ألا يكون الأمر حقيقة في الفعل.
стр. 1018
بيان الأول: أن الأمر يدخل في الوصف بالمطيع والعاصي، وضده النهي، ويمنع منه الخرس والسكوت؛ لأنهم يستهجنون في الأخرس والساكت أن يقال: وقع منه أمر.
وعدوا الأمر مطلقا من أقسام الكلام، كما عدوا الخبر مطلقا منه، وكل ذلك ينافي كون الأمر حقيقة إلا في القول.
ورابعها: أنه يصح نفي الأمر عن الفعل فيقال: إنه ما أمر به، ولكن فعله.
وهذه الوجوه ضعيفة.
أما الأول: فلأنا لا نسلم أن من شأن الحقيقة الاطّراد، وقد تقدم بيان هذا المقام، سلمناه؛ لكن لا نسلم أنه لا يصح أن يقال للأكل والشرب أمر.
وعن الثاني: ما تقدم في باب المجاز؛ أن الاشتقاق غير واجب في كل الحقائق.
وعن الثالث: أن العرب إنما حكم، بتلك الصفات في الأمر، بمعنى القول؛ فإن ادعيتهم: أنهم حكموا به في كل ما يسمى أمرًا فهو ممنوع.
وعن الرابع: لا نسلم أنهم جوزوا نفيه مطلقاً
واحتج القائلون بأنه حقيقة في الفعل بوجهين:
أحدهما: أن أهل اللغة يستعملون لفظة الأمر في الفعل، وظاهر الاستعمال الحقيقة
بيان الاستعمال: القرآن، والشعر، والعرف:
أما القرآن: قوله : (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) [هود:
стр. 1019
٤٠] والمراد منه: العجائب التي فعلها الله تعالى، وقوله تعالى: (أتعجبين من أمر الله) [هود:٧٣] وأراد به الفعل، وقوله: (وما أمر فرعون برشيد) [هود:٩٧]، (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) [القمر:٥٠] وقوله: (تجري في البحر بأمره) [الحج: ٦٥] وقوله: (مسخرات بأمره) [الأعراف:٥٤].
وأما الشعر فقوله [الوافر]:
(لأمر ما يسود من يسود)
وأما العرف: فقول العرب في خبر الزباء:
(لأمر ما جدع قصير أنفه)
ويقولون: (أمر فلان مستقيم، وأمره غير مستقيم) وإنما يريدون: طرائقه وأفعاله، وأحواله، ويقولون: (هذا أمر عظيم)، كما يقولون: (خطب عظيم ورأيت من فلان أمر هالني) وأما أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، فقد تقدم.
وثانيهما: أنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول، وبين جمعه بمعنى الفعل؛ فيقال في الأول: أوامر، وفي الثاني: أمور، والاشتقاق علامة الحقيقة.
واحتج أبو الحسين على قوله بأن من قال: (هذا أمر) لم يدر السامع أي هذه الأمور أراد!!
فإذا قال: (هذا أمر بالفعل، أو أمر فلان مستقيم، أو تحرك هذا الجسم لأمر، أو جاء زيد لأمر) عقل السامع من الأول القول، ومن الثاني الشأن، ومن الثالث: أن الجسم تحرك الشيء، ومن الرابع: أن زيدا جاء لغرض من الأغراض، وتوقف الذهن عند السماع يدل على أنه متردد بين الكل.
стр. 1020
والجواب عن الأول: أنا لا نسلم استعمال هذا اللفظ في الفعل من حيث إنه فعل.
أما قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا) [هود:٤٠] فلم لا يجوز أن يكون المراد منه القول أو الشأن؟ والفعل يطلق عليه اسم الأمر؛ لعموم كونه شأناً، لا لخصوص كونه فعلا، وكذا الجواب عن الآية الثانية.
وأما قوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد) [هود:٩٧] فلم لا يجوز أن يكون المراد هو القول؟ بل الأظهر ذلك؛ لما تقدم من قوله: (فاتبعوا أمر فرعون) [هود:٩٧]، أي: أطاعوه فيما أمرهم به!!
سلمنا أنه ليس المراد منه القول، لم لا يجوز أن يكون المراد شأنه وطريقه؟!
وأما قوله تعالى: (وما أمرنا إلا كواحدة) [القمر:٥٠] فنقول:
لا يجوز رجراء اللفظ على ظاهره: أما أولا، فلأنه يلزم زن يكون فعل الله تعالى واحدا، وهو باطل.
وأما ثانيا: فلأنه يقتضي أن يكون كل فعل الله تعالى لا يحدث إلا كلمح البصر في السرعة، ومعلوم أنه ليس كذلك، وإذا وجب صرفه عن الظاهر، سلمنا أن المراد منه تعالى: من شزنه إذا أراد شيئا، وقع كلمح البصر.
وأما قوله: (تجري في البحر بأمره) [الحج:٦٥] (مسخرات بأمره) [الأعراف:٥٤] فلا يجوز حمل الأمر هنا على الفعل، لأن (الجري) و (التسخير) إنما حصلا بقدرته، لا بفعله، فوجب حمله على الشأن والطريق. سلمنا أن لفظ الأمر مستعمل في الفعل، فلم قلت: إنه حقيقة فيه؟!
следующие страницы →