← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وأيضا: فهنا لفظ دال على أصل الترجيح، ولفظ دال على الترجيح المانع من النقيض، وعلى التقديرين: فالمعتبر: إما اللفظ الدال عليه، كيف كان اللفظ، وإما اللفظة العربية، فها هنا أقسام ستة: أحدها: أصل الترجيح، وثانيها: الترجيح المانع من النقيض. وثالثها ورابعها: مطلق اللفظ الدال على الأول أو الثاني. وخامسها وسادسها: اللفظة العربية الدالة على الأول أو الثاني. ثم أن بالخيار في إطلاق لفظ الأمر على أيها شئت، أو عليها بأسرها، أو علي طائفة منها، بحسب الاشتراك، فهذا حظ البحث العقلي. وأما البحث اللغوي، فهو أن نقول: جعل الأمر اسما للصيغة الدالة على الترجيح أولى من جعله اسما لنفس الترجيح، ويدل عليه وجوه: أحدها أن أهل اللغة قالوا: الزمر من الضرب: اضرب، ومن النصر: انصر، جعلوا نفس الصيغة أمرا، وثانيها: لو قال: (إن أمرت فلانا، فعبدي حر) ثم أشار بما يفهم منه مدلول هذه الصيغة، فإنه لا يعتق، ولو كان حقيقة الزمر ما ذكرتم، لزم العتق، ولا يعارض هذا الحكم بما إذا خرس وأشار، فإنه لا يعتق، لأنا نمنع هذه المسألة. وثالثها: أنا لو جعلناه حقيقة في الصيغة، كان مجازا في المدلول، تسمية للمدلول باسم الدليل، ولو جعلناه حقيقة في المدلول، كان مجازا في الدليل؛

стр. 1052

تسمية للدليل باسم المدلول، والأول أولى، لأنه يلزم من فهم الدليل فهم المدلول، ولا يلزم من فهم المدلول فهم الدليل، بل فهم دليل معين. ورابعها: أن الإنسان الذي قام بقلبه ذلك المعنى ولم ينطق بشيء لا يقال: إنه أمر ألبتة بشيء. وإذا قيل: (أمر فلان بكذا) تبادر الذهن إلى اللفظ دون ما في القلب، وذلك يدل على أن لفظ الأمر اسم للصيغة، لا للمدلول. احتج المخالف بالآية، والأثر والشعر، والمعقول: أما الآية: فقوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) [المافقون:١] الله تعالى كذبهم في شهادتهم، ومعلوم أنهم كانوا صادقين في النطق اللساني، فلا بد من إثبات كلام في النفس، ليكون الكذب عائدا إليه. وأما الأثر، فقول عمر بن الخطاب ﵁: (زورت في نفسي كلاما، فسبقني إليه أبو بكر) وأما الشعر: فقول الأخطل [الكامل]: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا وأما المعقول: فهو: أن هذه الألفاظ مفردات، فلو سميت كلاما، لكانت: إنما سميت بذلك، لكونها معرفات للمعنى النفساني، فكان يجب تسمية الكتابة والإشارة كلاما، وإنه باطل. والجواب عن الأول: أن الشهادة هي الإخبار عن الشيء مع العلم به، فلمّا لم يكونوا عالمين به، فلا جرم كذبهم الله تعالى في ادعائهم كونهم شاهدين.

стр. 1053

وعن الثاني أن قوله: (زورت في نفسي كلاما) أي: خمرته، كما يقال قدرت في نفسي دارا وبناء. وعن الثالث: أنا لا نسلم كون الشعر عربيا محضا، ولو سلمناه، فمعناه: أن المقصود من الكلام ما حصل في القلب. وعن الرابع: أنه قياس في اللغة، فلا يقبل. فرع: الأمر اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب، أو اللفظ العربي الدال على مطلق الطلب ؟ والحق هو الأول، لأن الفارسي؛ إذا طلب من عبده شيئا بلغته، فإن العربيّ يسميه أمرًا، ولو حلف، لا يأمر، فأمر بالفارسية: يحنث في يمينه. وأما أنه اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب، أو لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض: فالحق هو الثاني؛ وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب. المسألة الثالثة: دلالة الصيغة المخصوصة على ماهية الطلب، يكفي في حققها الوضع، من غير حاجة إلى إرادة أخرى، وهو قول الكعبي. لنا وجهان: أحدهما: أن هذه الصيغة لفظ وضعت لمعنى، فلا تفتقر في إفادتها لما هي موضوعة له إلى الإرادة، كسائر الألفاظ، مثل دلالة السبع والحمار على البهيمة المخصوصة، فإنه لا حاجة فيها إلى الإرادة.

стр. 1054

وثانيهما: أن الطلب النفساني أمر باطن، فلا بد من الاستدلال عليه بأمر ظاهر، والإرادة أمر باطن مفتقرة إلي المعرف، كافتقار الطلب إليه فلو توقفت دلالة الصيغة على الطلب على تلك الإرادة، لما أمكن الاستدلال بالصيغة على ذلك الطلب ألبتة. احتج المخالف: بأنا نميز بين ما إذا كانت الصيغة طلبا، وبين ما إذا كانت تهديدا، ولا مميز إلا الإرادة. والجواب: أنها حقيقة في الطلب، مجاز في التهديد، فكما أن الأصل في كل الألفاظ إجراؤها على حقائقها إلا عند قيام دلالة صارفة، فكذا هاهنا. المسألة الرابعة: ذهب أبو علي وأبو هشام، إلى أن إرادة المأمور به تؤثر في صيرورة صيغة افعل أمرا، وهذا خطر من وجهين: الأول: أن الأمرية، لو كانت صفة للصيغة، لكانت: إما أن تكون حاصلة لمجموع الحروف، وهو محال، لأنه لا وجود لذلك المجموع. وإما لآحداها: فيلزم أن يكون كل واحد من الحروف، التي ائتلفت صيغة الأمر منها، أمرا على الاستقلال، وهو محال. الثاني: أن صيغة (افعل) دالة بالوضع على معنى، وذلك المعنى هو إرادة المأمور، فإذا كانت الإرادة نفس المدلول، وجب ألا تفيد الصيغة الدالة عليها صفة، قياسا على سائر المسميات والأسماء المسألة الخامسة: قال جمهور المعتزلة: الآمر يجب أن يكون أعلى رتبة من المأمور، حتى يسمى الطلب أمرًا.

стр. 1055

وقال أبو الحسين البصري: المعتبر هو الاستعلاء، لا العلو. وقال أصحابنا: لا يعتبر العلو، ولا الاستعلاء لنا: قوله تعالى: حكاية عن فرعون: أنه قال لقومه: (ماذا تأمرون) [الشعراء:٣٥] مع أنه كان أعلى رتبة منهم. وقال عمرو بن العاص لمعاوية [الطويل]: (أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم) وقال دريد بن الصمة لنظرائه، ولمن هو فوقه [الطويل]: أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد وقال حباب بن المنذر يخاطب يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق [آلطويل]: أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فهذه الوجوه دالة على أن العلو غير معتبر. وأما أن الاستعلاء غير معتبر، فلأنهم يقولون: فلان أمر فلانا على وجه الرفق واللين، نعم، إذا بالغ ف يالتواضع، يمتنع إطلاق الاسم عرفا، وإن ثبت ذلك لغة. واحتج المخالف علي أن العلو معتبر، بأنه يستقبح في العرف أن يقول القائل: أمرت الأمير أو نهيته، ولا يستقبحون أن يقال: سألته أو طلبت منه، ولولا أن الرتبة معتبرة وإلا لما كان كذلك.

стр. 1056

وأما أبو الحسين، فقال: اعتبارالاستعلاء أولى من اعتبار العلو، لأن من قال لغيره: (افعل) على سبيل التضرع إليه لا يقال: إنه أمره، وإن كان أعلى رتبة من المقول إليه. ومن قال لغيره: (افعل) على سبيل الاستعلاء، لا على سبيل التذلل يقال: إنه أمره، وإن كان المقول له أعلى رتبة منه، ولهذا يصفون من هذا سبيله، بالجهل والحمق، من حيث أمر من هو أعلى رتبة منه. واعلم: أن مدار هذا الكلام على صحة الاستعلاء، وأصحابنا يمنعون منه، والله أعلم. المسألة السادسة: لفظ الأمر قد يقام مقام الخبر، وبالعكس: أما أن الأمر قد يقام مقام الخبر، فكما في قوله ﵊: (إذا لم تستح، فاصنع ما شئت) معناه: صنعت ما شئت. وأما أن الخبر يقام مقام الأمر، فكما في قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) [البقرة:٢٣٣] (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) [البقرة:٢٢٨] والسبب في جواز هذا المجاز: أن الأمر يدل على وجود الفعل، كما أن الخبر يدل عليه أيضا، فينهما مشابهة من هذا الوجه، فصح المجاز، وأيضا يجوز إقامة النهي مقام الخبر، وبالعكس: أما الأول: فكقوله ﵊: (لا يتنكح اليتيمة حتى تستأمر) معناه: لاتنكحوها إلى غاية استئمارها.

стр. 1057

وأما الثاني، فكقوله ﷺ : (لا تنكح المرأة المرأة، ولاتنكح المرأة نفسها) وكما في قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) [الواقعة:٧٩] ووجه المجاز: أن النهي يدل على عدم الفعل، كما أن هذا الخبر يدل على عدمه، فبينهما مشابهة من هذا الوجه والله أعلم. المسألة الثالثة تصور ماهية الطلب حاصل لكل العقلاء ضرورة قال القرافي: قوله: (يعلم كل زحد زن ما يصلح جوابا للأمر لا يصلح جوابا للنهي، ولا للخبر وبالعكس):

стр. 1058

قلنا: الجواب: إنما في الاستفهام، فيقال: سأله فأجابه، وأما الأمر والنهي فيقال: امتثل الأمر، واجتنب النهي، لكن المصنف توسع في العبارة، فسمي كل ما يترتب على هذا جوابا، والعلاقة الترتيب. قوله: (الطلب قائم بقلب المتكلم) يريد به: الكلام النفساني، فإن أحد أقسامه الطلب. المسألة الأولى من المفرعات على هذه المسألة في أن الطلب غير الإرادة قوله: (إن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان ولم يرده منه):

стр. 1059

................................

стр. 1060

...................................

стр. 1061

........................................

стр. 1062

قلنا: اتفقنا نحن والمعتزلة على أنه مأمور، غير أنا نقول بطلب نفساني، وهو يقولون بلفظ لساني دال على أن الله تعالى أراد منه ذلك الفعل، فلا يفيد بحث المصنف، إلا المغايرة بين الأمر والإرادة. وهم يسلمونه بناء على اللساني، فلا يحصل المطلوب. قوله: (علم من الكافر أنه لا يؤمن فلا يريد منه الإيمان، لأن خلاف المعلوم محال) قلنا: علم الله تعالى بعدم صدور الإيمان منه معناه: الإيمان الواجب لم يصدر منه، وكونه لم يفعل، والإيمان الواجب فرع من إيجابه، وإيجابه معناه: إرادته منه عندهم، فصار علم الله تعالى بعدم إيمانه الواجب فرع تركه للإيمان الذي هو فرع إيجابه عليه، فيكون علم اللع بعدم إيمانه متأخرا عن أمره بالإيمان في الرتبة الثالثة، ومشروطا به. أما تأخره فلما تقدم، وأما كونه مشروطا به فلأن العلم الخاص المتعلق.

стр. 1063

بالمعلوم الخاص مشروطا بكون ذلك المعلوم كذلك، فلا يكون العلم منافيا للأمر بالإيمان، إما لأنه متأخر، والمتأخر لا ينافي وقوع المتقدم، وإما لأن المشروط لا ينافي شرطه. قوله: (والداعي مخلوقه لله تعالى دفعا للتسلسل)

стр. 1064

قلنا: قد تقدم في مسألة الحسن والقبح الكلام على هذه المواضع، ثم التسلسل لازم في صدور الدواعي من غير العبد، أو يقال غير العبد له مرجح مستغن عن الترجيح، فلم لا يجوز أن يقال: وكذلك العبد؟ لأن ذلك المستغني عن المرجح لذاته هو الإرادة، لأنها لذاتها ترجح من غير افتقار منها لمرجح، وذلك غير معلل كما أن العلم يكشف لذاته غير معلل، فحينئذ إما ألا يلزم التسلسل في حق العبد، أو يلزم فيه، وفي غيره فلا يحصل المطلوب. قوله: (الله تعالى خلق في قلب الكافر ما يوجب الكفر، فلو أراد منه في هذه الحالة الإيمان لكان مريدا للضدين):

стр. 1065

تقريره: أن الموجد لما يوجب الشيء مريدا لأثره المترتب عليه، لأنه تعالى بكل شيء عليم، فهو يعلم جميع ما يترتب على كل شيء، فحينئذ هو مريد للكفر، فلو أراد الإيمان لأراد الكفر والإيمان وهما ضدان. وهذا هو بعض فوائد قول الشافعي ﵁: إذا سلم القدرية العلم خصموا، فتنهدم بقاعدة العلم على المعتزلة قواعد كثيرة. قوله: (إن عنيتم بالأمر غير الإرادة فبينوه): قلنا: مرادنا الكلام النفساني، وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. قوله: (الإرادة جنس الطلب): قلنا: لا نسلم، بل مخالفة له مخالفة شديدة، ولذلك إن الإرادة ترجح أحد طرفي الممكن والكلام لا يرجحه، والإرادة يجب وقوع متعلقها، والأمر لا يجب فيه ذلك، والطلب لا يتعلق إلا بالأفعال، والإرادة تتعلق بالأفعال والذوات الممكنة، وفروق كثبرة بينهما فلا يكون من جنسه. لوله: (لو كان الأمر للإخبار عن إرادة العقاب لتطرق التصديق والتكذيب إليه) قلنا: يعني بأن الأمر إخبار أنه من باب التعريف باللوازم، كما يقول: الإنسان عبارة عن الضحاك بالقوة أي الضحك بالقوة لازم له، والخبر الحاصل بطريق اللزوم لا يلزم أن يثبت له أحكام الخبر الأصلي المطابق، بل التصديق والتكذيب عندنا من لوازم الخبر الأصلي دون اللزومي، كما أن نقول: النهي يفيد التكرار إذا كان أصليًا، بخلاف النهي الذي هو لازم للأمر، لأن الأمر بالشيء عن جميع أضداده، وهذا النهي لا يفيد التكرار، بل إن كان الفعل المأمور به مرة واحدة كان الاجتناب مرة واحدة، أو مرارا كان النهي كذلك،،كذلك يقول: الإنشاءات لا تقبل التصديق

стр. 1066

والتكذيب، وإن لزمها الإخبار عن الحكم المنشأ به، ففرق بين الحقائق إذا وقعت مقصودة، وبين إذا وقعت تابعة كما قال الفقهاء: إذا قال لعزيمه: والله لا أملك إلا درهمين، فوجد يملك درهما فقط لا يحنث، لأن المقصود بالاستثناء من النفي ليس إثبات الدرهمين، بل نفي الزائد، فإثباتهما لم يكن مقصودا فلا تثبت له أحكام المقصود كما نفى الزائد، فإثباتهما لم يكن مقصودا فلا تثبت له أحكام المقصود كما إذا قال: والله إن معي درهمين، فإنه يحنث بالنقصان عنهما، وهذه قاعدة في الأصول والفروع، وبهذا التقرير يمكن العفو عن العصاة، ولا ينافي ذلك كون الطلب مفسرا بهذا التفسير، ولا يعتقد أن المعتزلي أراد أن الأمر هبر صرف ألبتة، بل أراد أنه خبر لزومي كما تقدم، ولذلك اتفق الناس على قبول الخبر للصدق والكذب، ولم يقل به المعتزلي في الطلب قطو فظهر أن ما ذكرته هو تحقيق مذهبه. قوله: ولأن العفو جائز فيلزم الحلف، أما عندنا مطلقا، وأما عندكم فبالتوبة): قلنا: أما إذا تاب، أو اجتنب الصغائر، فقد فات الشرط الذي يخلق الله تعالى الإخبار عن العقوبة عليه فلا يلزم الخلف، ولأن إرادة الله تعالى غير واجبة النفوذ عندهم، فالإرادة للعقاب حاصلة، وإنه لم يقع العقاب، فلا خلف على التفسيرين. قوله: (وقد يقول الإنسان لغيره: أنا أريد منك هذا الفعل، ولكن لا آمرك به، فيكون الأمر غير الإرادة): قلنا: معنى لا أمرك به: أي لا آتي بالصيغة الدالة على الإرادة، فتكون الصيغة غير الإرادة، وهو متفق عليه، إنما النزاع في المغايرة بين الكلام النفسي والإرادة.

стр. 1067

قوله: (الحكيم قد يزمر عبده بشيء في الشاهد، ولا يريده منه لإظهار تمرده): قلنا: هذا إنما هو إيهام الأمر، لا نفس الطلب الحقيقي، لأنهم صوروره في رجل ضرب عبده، فبلغ ذلك الأمير، فقال له الأمير: إنك تضرب عبدك عدوانا؟ فقال: بل هو يتمرد عليّ وها أنا آمره بين يديك فلا يمتثل، فإذا أحضره زمام الأمير، وقال له: اخرج غداً السوق، فقد أمره بالخروج، وهو يريد منه في هذه الحالة أن يخالفه ليظهر عذره عن الزمير، فهذا إيهام الأمر لا نفس الزمر النفساني الذي هو مطلوبكم. وقوله: (التجربة رنما تحصل بالأمر) قال القرافي: إن أراد النفس فممنوع لأن مجرد سماع العبد للأمر اللساني تحصل التجربة، وإن أراد اللساني، فالفرق مسلم بينه وبين الإرادة قوله: (يجوز النسخ قبل مضي مدة الامتثال): قلنا: هذا ممنوع عند الخصم، فلا يستدل به عليه. قوله: (لو لم تكن الإرادة معتبرة في الأمر لصح الأمر بالماضي كالخبر): تقريره: أن عشرة حقائق لا تتعلق إلا بالمستقبل: الأمر، والنهي، والدعاء، والشرط، وجزاؤه، والوعد، والوعيد، والترجي، والتمني، والإباحة، والخبر يتعلق بالماضي، والحال، والمستقبل، والواجب، والممكن، والمستحيل، الإرادة لا تتعلق بالماضي، فإذا لم تكن الإرادة شرطا في الأمر ساوى الأمر في عدم اشتراط الإرادة، فقاس الخصم أحدهما على الآخر بهذا الجامع.

стр. 1068

ويرد عليه: أن الاشتراك في الصفات الثبوتية يقع بين الأضداد، والمختلفات، ولا يوجب ذلك قياس أحدهما على الآخر فضلا عن الاشتراك في الصفات السلبية، كما يقول: السواد شارك البياض في كونهما عرضين، ولونين ومرئيين وغير ذلك، ومع ذلك لا يمكن زن يقاس البياض على السواد في كونه جامعا للبصر، فإن المختلفات قد تشترك في بعض اللوازم، ويجب اختلافها في بعض اللوازم، فلعل الحكم النفسي هو من اللوازم التي يجب الافتراق فيها، فمن زراد القياس فلا بد أن يتبين أن المقيس والمقيس عليه مثلان، أو يبين أن الاشتراك وقع في موجب الحكم، ولا يضره وقوع الاختلاف في الحقائق، كما تقيس الغائب على الشاهد بجوامع هي موجبات الأحكام من إثبات الصفات وغيرها، أمّا مجرد إثبات جامع كيف كان في المختلفات، فذلك لا يقبل شيئًا. قوله: (وعن الثاني لا بد من الجامع): قلنا: قد جمعوا بعدم اشتراط الإرادة في كل واحد منهما، بل كان الجواب أن يقول: لا نسلم اعتبار الجامع المذكور، فإنه لا يلزم من الجماع بما ليس معتبرا أن يثبت الحكم، وهذا هو غاية ما جمعوا به، فقالوا: إذا لم تكن الإرادة معتبرة، وعدم المعتبر لا يكون معتبرا في الحكم. (فائدة) قد تقدم في أول الكتاب أن حكم الذهن بأمر على أمر قد يكون مع الجزم وبدونه ، وقسمه إلى عدة أقسام، فذلك الإسناد الذي في الزحكام هو الخبر، وكل خبر كلام، فيكون الخبر والكلام قد يقع في الواجبات والمستحيلات التي لا يتصور فيها الإرادة، فيكون الكلام غير الإرادة، ويتصور في الفروض المقدورة، كقولنا: لو كان الواحد نصف العشرة لكانت العشرة اثنين مع أناّ لا نعتقد ذلك، فوقوع الكلام والخبر ها هنا وفي

стр. 1069

القضايا المظنونة يدل على أنه غير العلم، فيكون الكلام النفساني غير العلم والإرادة، وهو قائم بالنفس، لأن هذه الأحكام قائمة بالنفوس، أو نقول: كل من علم أن الحيوان جسم فلا بد أن يسند الجسمية للحيوان، وإسناده الجسمية إليه خبر عنه، فنقول حينئذ: كل عالم بإسناد أمر إلى أمر [هو مخبر بثبوت ذلك الأمر إليه ضرورة وكل مخبر متكلم، فكل عالم بإسناد أمر إلى أمر متكلم]، وكذلك نقول: الله عالم بإسناد أمر إلى أمر باتفاقنا، وكل عالم مخبر، وكل مخبر متكلم، فالله تعالى متكلم بكلام نفساني قائم بذاته، لأن هذه الإسنادات نفسانية قائمة بالذات، وكل متكلم يصح منه الأمر، والنهي، والخبر، ومن ذلك الكلام، فالله يصح منه الزمر النفساني وهو غير الإرادة والعلم، لما تقدم، فيكون فيكون أمر الله تعالى غير إرادته وعلمه، وهو معنى قائم بذاته تعالى، فظهر أن إثبات الكلام من أسهل الأشياء طريقا بهذا التقرير، مع أن المشهور أن أصعب شيء في علم الكلام إثبات الكلام، فقد تيسر ثبوته، والفرق بينه وبين غيره، بأيسر سعي، ولله الحمد، ومن العجب أنه شيء لم يقل به إلا أصحابنا، ولا غرو في أنه واحد وهو أمر، ونهي، وخبر، كما أن الخبر [واحد، وهو] بشارة ونذارة، ووعد ووعيد، وهو واحد، والسر في ذلك أن الواحد قد يتعدد باعتبار متعلقاته، فالكلام باعتبار كونه متعلقا برجحان الفعل أمرا، ويرجحان الترك نهائيا، وبالتسوية بين الأمرين إباحة، وعلي طريق البيع للوقوع يكون خبرا، وتعدد الواحد بنفسه بسبب إضافات تعرض له جائز. المسألة الثانية قال القرافي: قوله: (أنت بالخيار في إطلاق لفظ الأمر على أيها شئت). التخيير هاهنا باعتبار الإمكان العقلي لا باعتبار الجواز اللغوي، وقد تقدم حكاية التبريزي فيها ثلاثة مذاهب:

стр. 1070

أنها للنفساني. أو اللساني. أو مشتركة. قوله: (أهل اللغة قالوا: الأمر من الضرب (اضرب): قلنا: هذا لا يأبى الاشتراك، فإنه يكون حقيقة في اللفظ، والطلب النفساني، وإنما يأبى هذا كونه موضوعا للنفساني فقط مع أن إطلاق النحاة اللفظ، وترتيب الحكم عليه لا يقتضي حقيقة ولا مجازا، بدليل ما قالوا في اسم الفاعل: إن كان بمعنى المستقبل يعمل مع أنه حينئذ مجاز إجماعا، فلعل مرادهم هاهنا إذا أطلق لفظ الأمر على الصيغة قيل فيه هذا القول. قوله: (لو حلف لا يأمر عبده فأشار نحوه بما يفهم منه الطلب لم يحنث): قلنا: لا نسلم، فقد حنثه ماله ﵁ وجماعة من العلماء. قوله: (يلزم من فهم الدليل فهم المدلول بخلاف العكس) تقريره: أن فهم الصنعة يدل على فهم الصانع لا من جهة زنه صانع لا يدل على صنعته، كما أن البناء يدل على أن ثمّ بانيا قطعا، وإذا علمنا أن زيدا بن لا يلزم أن يكون بانيا شيئا، وكذلك الإتقان دليل العلم، وعلمنا بالعلم لا يلزم منه أنه ذلك العالم أتقن شيئا، لجواز عدم مباشرته لشيء ألبتة. قوله: (إذا قام به ذلك المعنى النفساني، ولم لا يقال: إنه أمر بشيء): قلنا لا نسلم، بل هذا كمن قالم به العلم، ولم يدل دليل على قيام العلم به، فإذا سألناه عن هذه الصورة قلنا: هو عالم، وإن لم يعلم

стр. 1071

بعلمه، كذلك هنا نقول: هو أمر، وإن لم نعلم بأمره، وكذلك جميع أحوال النفس إذا لم يدل عليها دليل تثبت أحكامها لمحالها في نفس الأمر. قوله: (أثبت الله تعالى كذب المنافقين، وليس باعتبار اللساني فتعين النفساني) ?

стр. 1072

.............................

стр. 1073

قلنا هذا يقتضي أن الكذب يطلق على ما في النفس، والمدعي ليس هو الكذب، إنما هو الأمر، فأين أحدهما من الاخر؟ وجوابه: أن المحسن لهذا الاستدلال أن النزاع في جميع هذه الأنواع واحد: الكلام، والأمر، والنهي، والخبر، والدعاء، والتكذيب، والتصذيق، فمتى ثبت أن بعضها لما في النفس لزم أن يكون الباقي لما في النفس، فهذا هو المحسن لهذا الاستدلال، ويسمونه النظار بالغرض والبناء، وهو أن يكون الدليل يأتي في بعض صور النزاع دون بقيتها، فتتبين صورة الذي يقوم فيه الدليل، ثم يثبتون الباقي عليه لكونه لا قائل بالفرق، فيكون البعض بالدليل، والبعض بالإجماع المركب قوله: (لو سميت الألفاظ كلاما لكان لكونها معرفة لما في النفس، فيلزم ذلك في الإشارة وغيرها، وهو باطل): تقريره: أن هذه الألفاظ ينبغي ألا تسمى كلاما، لأنها لو سميت بذلك لكان لمكان دلالتها المشتركة بينها وبين الكتابة، فيلزم تسمية الجميع كلاما حقيقة، وهو باطل إجماعا. ويرد عليه: زنها تسمى كلاما لا للمشترك بينها وبين غيرها من الكتابة والإشارة، بل لأن ذلك غير معلل بمشترك ولا غيره، أو معلل بمشابهة الكلوم التي هي الجراح من جهة أن بعضها يؤلم، ويكثر ضرره كالجراح المؤذية، وبعضها يعظم نفعه كالفصادة ونحوها لدفع الأمراض المهلكة، فالكلام من الكلام، وكذلك نص عليه النحاة. وهذه المشابهة في الألفاظ أقوى من غيرها، إما لسهولة النطق بها كما تقدم في باب الكلام، وإما لكونها أوصل للنفس؟ قوله: (الشهادة: الإخبار عن الشيء مع العلم به).

стр. 1074

إن أبا علي الفارسي قال: (شهد) له ثلاثة معان: أحدها: شهد بمعنى حضر، ومنه شهد بدرا، وشهد العيد. وشهد بمعني علم، ومنه قوله تعالى: (والله على كل شيء شهيد) [البروج:٩]. وشهد بمعنى أخبر عن اعتقاده، ومنه قول الشاهد للحاكم: أشهد عندة بكذا أي أخبرك عن اعتقادي. فالشهادة في الآية من هذا القبيل، فعلى هذا يكون التكذيب عائدا إلى الكلام اللساني دون الكلام النفساني، كما لو قالوا: نعتقد أنك رسول الله، فكانوا كذبة في ذلك، فإن المنافقين يعتقدون خلاف ذلك، إنما الذي يعتقده من الكفار نبيا المعاند، وهو ضد المنافق، وسيأتي بسطه في تكليف الكفار بالفروع إن شاء الله تعالى. (فائدة) قال بعض العلماء: قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا الله) (آل عمران:١٨] يحتمل الإخبار ، لأنه تعالى أخبر عباده بذلك، ويحتمل العلم، لأنه تعالى يعلم ذلك، وكذلك الملائكة، وأولو العلم حصل في حقهم القسمان، فيحتاج إلى الترجيح. وقوله: (زورت في نفسي كلاما): أي خمرته، كما تقول: (قدرت في نفسي دارا). قلنا: لم لا يجوز أن يكون الإطلاق في الكل حقيقة، وقد تقدم أن الألفاذ إنما وضعت للمعاني الذهنية، فعلى هذا لفظ الدار وغيرها حقيقة في المعاني النفسانية، وقد تقدم هناك أن التبريزي حصل له تردد في هذا المعنى.

стр. 1075

وقال: الأمر محتمل، ومع هذا لا يتم الاستدلال والاستشهاد بالدار على المجاز، لا نسلم أن الشاعر عربي: قلنا هذا الشاعر هو الأخطل، وكان نصرانيا من نصارى العرب، ولم يزل النحاة تستشهد بشعره، كقوله [الخفيف]: إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جاذرا وظباء وغير ذلك من أبياته الموضوعة في كتب النحو. قوله: (المقصود من الكلام ما حصل في الفؤاد):

стр. 1076

قلنا: يريد بذلك أنه من باب إطلاق الدليل على المدلول مجازا، والأصل في الكلام الحقيقة. (سؤال) نصبه هاهنا الحجاج لمن يقول: إنها حقيقة في النفساني فقط يبطل عليه قوله: اتفقوا أنها حقيقة في القول المخصوص، والاتفاق حينئذ، ثم إنه عند تقرير الكلام، فيما تقدم قال: الصحيح عند المحققين منا أنه مشترك بين الأصوات، وبين المعنى القائم بالنفس، وارتضاه هنالك، وهنا أبطل ذلك، واختار أنه للنفساني فقط. (فائدة) استدل جماعة من العلماء على أن الكلام موضوع لما في النفس بقوله تعالى: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) [ المجادلة:٨]، وبقوله تعالى: (استكبروا في أنفسهم) [آلفرقان:٢١]، أي طلبوا الكبرياء، وبقوله تعالى: (وأسروا قولكم زو اجهروا به رنه عليم بذات الصدور) [آلملك:١٣] فجعله في الصدور، وبقوله تعالى: (ونعلم ما توسوس به نفسه) [سورة ق:١٦]، والوسوسة من الكلام، وهو كثير في الكتاب والسنة، فجعل تعالى القول وغيره في النفس، والأصل في الكلام الحقيقة، وهذه الوجوه أقوى من الوجوه التي ذكرها المصنف. المسألة الثالثة قوله: (دلالة الصيغة يكفي فيها اللفظ دون الإرادة): قال سيف الدين: منهم من قال: صيغة أمر بشرط ثلاثة إرادات:

стр. 1077

..................................

стр. 1078

إرادة إحداث الصيغة وإرادة الدلالة بها على الأمر وإرادة الامتثال فالأولى: احتراز عن النائم إذا صدرت منه والثانية: عما أريد بها التهديد، أو غيره من المحامل. والثالثة: احتراز عن الرسول الحاكي آمر الأمر، فإن الرسل ﵈ مبلغون لا آمرون، والأولى متفق عليه، والثانية هي التي أراد بها المصنف، والثالثة هي التي عملها مسألة أخرى، وسماها: إرداة المأمور به. وقال الغزالي في (المستصفى): لمنكري كلام النفس خمسة أقوال: أحدهما: قال البلخي من المعتزلة وغيره: الأمر حروف نحو (افعل) وما في معناه، وهو أمر لذاته وجنسه، ولا يتصور إلا أن يكون أمرا، وما ورد في التهديد وغيره جنس آخر، قال: وقوله: جنس آخر مكابرة. وثانيها: قول جماعة من الفقهاء: الصيغة ليست أمراً، بل مع التجرد عن القرائن الصارفة إلى التهديد وغيره، وكذلك إذا صدرت من النائم والمجنون لم يكن أمرا وثالثها: هذه الصيغة ليست أمرا حتى تصرفها القرينة للأمر. ورابعها: لمحققي المعتزلة: لا يكون صيغة [الكامل أمرا] إلا بالإادات الثلاثة المتقدمة.

стр. 1079

وخامسها: لبعضهم: يكفي إرادة واحدة وهو إرادة المأمور به. قوله: (لفظة وضعت لمعنى فلا تفتقر في إرادتها لذلك المعنى لغيرها، كدلالة (السبع) على البهيمة وغيره من الألفاظ): قلنا: هذا عليه سؤال: وهو أنه إثبات اللغة بالقياس، فللخصم منع ذلك بناء على الخلاف فيه. جوابه: أن مثل هذا الكلام تارة يذكر للقياس، وتارة يذكر للتمثيل والتنبيه، فلا يكون قياسا، وهو المراد هاهنا كقولنا في الفروع المشتقة: متي عظمت أسقطها الشرع كما في الجنب إذا خاف الموت على نفسه من الغُسل، والصائم إذا خشى الهلاك من الصوم، فالمقصود التنبيه حتى يتفطن السامع فيجزم، بذلك لما حصل له من التفطن بسبب المثل لتلك القاعدة لا بالقياس على تلك الصور، وكذلك يقول: التواتر يفيد اليقين بليل الإخبار عن وجود (بغداد)، والقرائن تفيد العلم وتمثل صورة، والعلوم العادية تكون مع الجواز، العقلي بدليل أنا نجزم بأن النيل لم ينقلب عسلاً أو زيتاً،

стр. 1080

ونحو ذلك، مقصودنا التنبيه دون القياس، وإلا فهذه مواطن لا يدخلها القياس، ومن لم يتفطن لهذه القاعدة يعتقد أن هذا قياس، أو إثبات الدعوى الكلية بالمثل الجزئية، فيمنع على ذلك، وليس كذلك، بل هذا للتنبيه لا للاستدلال. قوله: (ولأن الطلب النفساني أمر باطن، فلا بد من الاستدلال عليه بأمر ظاهر، والإرادة أمر باطن مفتقرة للعرف، كافتقار الطلب إليه، فلو افتقرت دلالة الصيغة على الطلب إلى تلك الإرادة لما أمكن الاستدلال بالصيغة على الطلب). قلنا: هذا الكلام يقتضي أن الطلب غير الإرادة، والخصم لا يساعد عليه، ولا يستدل عليه بما لا يعتقده. (سؤال) الخصم يقول: أثر هذه الإرادة تعيين الصيغة للطلب، لأنها داذرة بين خمسة عشر محملا، فهي عنده كالكناية لا يتعين للمكني عنه إلا بالإدارة في الطلاق وغيره، ولم يقل: إنها توجب فهما للسامع، بل فهم السامع يحصل بأمور خارجية، كما في الكنايات، فالدلالة التي هي فهم السامع غير متوقفة على الإرادة، فلا ينتظم الاستدلال. ويذل على ذلك: حجة الخصم، وجوابه عنها. (تنبيه) إرادة المأمور به وإرادة استعمال اللفظ في الطلب وكون إرادة المأمور به تقييدا للصيغة أمر به . فنحن ننفي الثلاثة، وهم يثبتونها.

стр. 1081

تنبيه قال التبريزي: موضع هذه المسألة كلام آخر: فقال: إذا قلنا: الأمر اسم للصيغة، فهل المسمى الصيغة المجردة؟ أو بشرط زمر زائد وهو الحق بدليل صحة السلب، فمهما فهم منها معنى التهديد أو الدعاء وغيرها فلا يعارض هذا صحة تسميتها أمرا عند الإطلاق والتجرد من القرينة، فإنا وإن سلمنا ذلك نجيب عنه بأن سببه بناء الأمر على الظاهر من استعمالها في موضوعها، لأنها هي المسمى بالأمر، كما يقتضي في سائر الألفاظ أنها حقيقة عند التجرد، فإذا انكشف الغيب رجعنا إليه. وإذا صح أن تجرد الصيغة ليس بأمر، بل باعتبار أمر يتضمنه فالذي يتضمنه ليستحق اسم الأمر هل هو الإرادة أو الطلب؟ قولان. فهذا الكلام من التبريزي يقتضي غير هذه المسألة، بل التي قبلها، وهو أن لفظ الكلام والأمر وغيرهما هل هو موضوعه للنفساني أو اللساني؟ فقوله: هذا يقتضي أنه موضوع لموجموعهما، وهو قول غير محكيّ، فتصير الأقوال أربعة،: النفساني، اللساني، اللفظ المشترك بينهما، هو موضوع لمجموعهما. المسألة الرابعة قوله: (إرادة المأمور به تؤثر في صيرورة الصيغة أمرًا)

стр. 1082

قوله: (إن حصلت الآمرية لكل واحد من الحروف لزم أن يكون كل حرف أمرًا): تقريره: أن كل معنى قائم بمحل أوجب حكمه لذلك المحل، فمن قامت به الحركة فهو متحرك، أو العلم فعالم، ونحوهما، فإذا قام هذا الوصف بحرف سميأمرا، وهو باطل اتفاقا قوله: (لا تفيد الإدارة الصيغة صفة، لأنها مدلولها عند الخصوم قياسا على ساذر المدلولات): قلنا: يرد عليه سؤال: منع القياس في اللغات. ويجاب: بأن المراد التنبيه دون القياس كما تقدم. (سؤال) قال النقشواني: المعنى بأن الإرادة عندهم تؤثر أن السامع إذا فهم من المتكلم أنه أراد منه الفعل اعتقد أن الصيغة للأمر والطلب، وإن لم يفهم ذلك لا يحمله على الطلب، وحينئذ تندفع الأسئلة، والآمرية ليست صفة ثابتة.

стр. 1083

عندهم، بل أمر ذهني اعتباري، وجميع ما قاله ينتفقض بالخبرية في الخبر، وجميع الهيئات الذهنية التي هي نسب وإضافات. المسألة الخامسة لا يشترط في الأمر العلو

стр. 1084

قوله: (وقال عمرو بن العاص لمعاويه ﵄ [آلطويل]: أمرتك أمرا جازما فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم) عجز البيت وقع في بعض النسخ دون بعض. وربما توهم أن هاشم هو: علي بن أبي طالب وليس كذلك، بل

стр. 1085

المنقول في التاريخ أن هاشما خرج بـ (آلعراق) على معاوية ﵁ فأمسكه فأشار عليه عمرو بقتله، لأنه لا يؤمن مخالفة معاوية، فأطلقه، فخرج عليه مرة أخرى، فأنشده عمرو البيت في ذلك لا في علي كرم الله وجهه (تنبيه) تقدم في حد الأمر الفرق بين الاستعلاء والعلو وحقيقتهما المسألة السادسة قوله: (لفظ الأمر مقام الخبر وبالعكس مثال لفظ الأمر للخبر: قوله ﵇: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت): قلنا من العلماء من قال: هو أمر على بابه، ومعناه: اختبر الفعل، فإن كان إذا اطلع الناس عليك إن فعلته، فلم تستح منهم فافعل، حينئذ منه ما شئت، وإن كنت تجد نفسك تستحي منهم، فلا تقدم عليه، كما قال الشاعر [الكامل]:

стр. 1086

والستر دون الفاحشات، وما ... يلقاك، دون الخير، من ستر وعلى هذه الطريقة يكون المراد بهذا الحديث: أهل النفوس الشريفة الكريمة التي شزنها أن تستحي من القبائح، أما اللئيمون الخبيثون الذين لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا فلا يقام لهم ذلك، لأنهم لا يستحون من شيء. (تنبيه) ويتعارض في هذا المقام المجاز والتخصيص، فعلى رأي المصنف يلزم المجاز، وعلى رأي غيره يلزم التخصيص، وهو أولى لما تقدم في مسائل التعارض. قوله: (والخبر القائم مقام الأمر، كقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) [البقرة:٢٣٣]: تقريره: أن الأمر للغائب إنما يكون باللام، نحو ليقم زيد،، ليخرج عمرو، وإنما يكون الزمر بغير لام المخاطب نحو (صم)، (صل)، ولفظ الوالدات لفظ غيبة، فلما وجد بدون اللام دل على أنه خبر أريد به الأمر، وإلا لزم الخلف، لأن بعض الوالدات لا يرضع ذلك، وخبر الله تعالى يجب أن يكون صدقا، فلذلك تعين صرفه للأمر، وهو القاعدة في كل خبر، ويتعذر فيه إجراؤه على الخبرية يتعين صرفه لغيرها. قوله: (يجوز إقامة النهي مقام الخبر وبالعكس). أما الأول: فقوله ﵇: (لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر).

стр. 1087

و (لا تنكح المرأة المرأة) قلت: كشفت عدة نسخ فوجدتها هكذا. أما (الأولى) واللائق أن يقول: (أما الثاني)، فإن هذه المثل وردت في الأحاديث المرفوعة الأواخر لا مجزومة الأواخر، والرفع لا يكون في النهي، لأن النهي مجزوم، فتكون هذه المثل مثلا لإقامة الخبر مقام النهي، لا إقامة النهي مقام الخبر فتأمل ذلك، ثم إنه مثل لأحد القسمين دون الآخر. ومثال النهي القائم مقام الخبر، الذي تركه، وإن كان لفظه يقتضي غير ذلك قولنا: إن لم يكن الفعل قبيحا فلا تستح منه، أي: أنت لا تستحي منه حينئذ، وإن علمت زنه خائن فلا تطمئن إليه، أي هذا شأنك معه، ومن هذه المسألة قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم] [العنكبوت:١٢]، وهم لا يأمرون أنفسهم، فيكون ذلك خبرا تقديره: نحن نحمل خطاياكم. وكذلك قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) [مريم:٧٥]، أي مد له الرحمن مدا لأن الله تعالى لا يأمر نفسه وهذا المثل أصرح من المتقدمة.

стр. 1088

(فائدة) ذكر المصنف العلاقة المصححة للتجوز بأحد هذه الأقسام إلى الأخرى، ثم عدل عن الحقيقة إلي المجاز.،سبب ذلك هو غير العلاقة كما نقول العلاقة بين زيد والأسد الشجاعة. وسبب العدول: تقوية المعني في نفس السامع، فإن قولنا: (هو أسد) أبلغ من قولنا: (هو شجاع)، والسبب هاهنا أن التعبير بالخبر عن الأمر أو النهي أن الخبر مدلوله واقع جزما، فاستعارته للطلب ليدل على تأكيد المطلوب عند الطالب حتى إنه من قوة طلبه له هو عنده بمنزلة الواقع عيانا. وسبب التجوز بالأمر والنهي إلى الخبر: أن الطلب للطالب فيه داعية.

стр. 1089

ورغبة، وقد يخبر الإنسان بما لا رغبة له فيه، فاستعارة ما فيه رغبة تدل على قوة عناية المخبر بذلك الخبر، فيكون ذلك واقعا في نفس السامع. قوله: (كما في قوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون) [آلواقعة:٧٩]. يعني: زن هذا الخبر، ومراده النهي عن المسيس إلا بطاهرة، وهذه الآية فيها أقوال: أحدها: أنها خبر على ما قلناه، والمراد الملائكة لقوله تعالى: (بأيدي سفرة*كرام بررة) [عبس:١٥،١٦]. قيل: هي نهي مجزوم، والحركة فيه لأجل التضعيق، لأن الفعل المشدد الآخر فيه ثلاث لغات. يقول: شده بضم الدال، لأنه الأصل في المضارع، ويفتحها طلبا للخفة، وبكشرها لالتقاء الساكنين. وقيل: الضمة في (لا يمسه) لاتباع الهاء التي بعد السين، لأن الهاء مضمومة، فضمت السين لذلك إتباعاً.

стр. 1090

القسم الأول في المباحث اللفظية، وفيه مسائل: قال الرازي: المسألة الأولى: قال الأصوليون: صيغة (افعل) مستعملة في خمسة عشر وجها: الأول: الإيجاب كقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) [البقرة:٤٣] الثاني: الندب، كقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) [البقرة:١٩٥]. (واحسنوا) [آلنور:٣٣] ويقرب منه (التأديب)، كقوله ﵊: (كل مما يليك) فإن الأدب مندوب إليه، وإن كان قد جعله بعضهم قسما مغايرا للمندوب. الثالث: الإرشاد: مقوله تعالى (واستشهدوا شهدين)، (فاكتبوه) [البقرة:٢٨٢] والفرق بين الندب والإرشاد: أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، فإنه لا ينتقص الثواب بترك الاسترشاد في المداينات ولا يزيد بفعله. الرابع: الإباحة، مقوله تعالى: (كلوا واشربوا) [الحاقة:٢٤]. والخامس: التهديد، كقوله تعالى (اعلموا ما شئتم) [فصلت: ٤٠] (واستفزز من استطعت منهم صوتك) [الإسراء:٦٤] ويقرب منه الإنذار، كقوله تعالى: (قل تمتعوا) [إبراهيم:٣٠] وإن كانوا قد جعلوه قسما آخر.
следующие страницы →