Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
والستر دون الفاحشات، وما ... يلقاك، دون الخير، من ستر
وعلى هذه الطريقة يكون المراد بهذا الحديث: أهل النفوس الشريفة الكريمة التي شزنها أن تستحي من القبائح، أما اللئيمون الخبيثون الذين لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا فلا يقام لهم ذلك، لأنهم لا يستحون من شيء. (تنبيه)
ويتعارض في هذا المقام المجاز والتخصيص، فعلى رأي المصنف يلزم المجاز، وعلى رأي غيره يلزم التخصيص، وهو أولى لما تقدم في مسائل التعارض.
قوله: (والخبر القائم مقام الأمر، كقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) [البقرة:٢٣٣]:
تقريره: أن الأمر للغائب إنما يكون باللام، نحو ليقم زيد،، ليخرج عمرو، وإنما يكون الزمر بغير لام المخاطب نحو (صم)، (صل)، ولفظ الوالدات لفظ غيبة، فلما وجد بدون اللام دل على أنه خبر أريد به الأمر، وإلا لزم الخلف، لأن بعض الوالدات لا يرضع ذلك، وخبر الله تعالى يجب أن يكون صدقا، فلذلك تعين صرفه للأمر، وهو القاعدة في كل خبر، ويتعذر فيه إجراؤه على الخبرية يتعين صرفه لغيرها.
قوله: (يجوز إقامة النهي مقام الخبر وبالعكس).
أما الأول: فقوله ﵇: (لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر).
стр. 1087
و (لا تنكح المرأة المرأة)
قلت: كشفت عدة نسخ فوجدتها هكذا.
أما (الأولى) واللائق أن يقول: (أما الثاني)، فإن هذه المثل وردت في الأحاديث المرفوعة الأواخر لا مجزومة الأواخر، والرفع لا يكون في النهي، لأن النهي مجزوم، فتكون هذه المثل مثلا لإقامة الخبر مقام النهي، لا إقامة النهي مقام الخبر فتأمل ذلك، ثم إنه مثل لأحد القسمين دون الآخر.
ومثال النهي القائم مقام الخبر، الذي تركه، وإن كان لفظه يقتضي غير ذلك قولنا: إن لم يكن الفعل قبيحا فلا تستح منه، أي: أنت لا تستحي منه حينئذ، وإن علمت زنه خائن فلا تطمئن إليه، أي هذا شأنك معه، ومن هذه المسألة قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم] [العنكبوت:١٢]، وهم لا يأمرون أنفسهم، فيكون ذلك خبرا تقديره: نحن نحمل خطاياكم.
وكذلك قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) [مريم:٧٥]، أي مد له الرحمن مدا لأن الله تعالى لا يأمر نفسه وهذا المثل أصرح من المتقدمة.
стр. 1088
(فائدة)
ذكر المصنف العلاقة المصححة للتجوز بأحد هذه الأقسام إلى الأخرى، ثم عدل عن الحقيقة إلي المجاز.،سبب ذلك هو غير العلاقة كما نقول العلاقة بين زيد والأسد الشجاعة.
وسبب العدول: تقوية المعني في نفس السامع، فإن قولنا: (هو أسد) أبلغ من قولنا: (هو شجاع)، والسبب هاهنا أن التعبير بالخبر عن الأمر أو النهي أن الخبر مدلوله واقع جزما، فاستعارته للطلب ليدل على تأكيد المطلوب عند الطالب حتى إنه من قوة طلبه له هو عنده بمنزلة الواقع عيانا.
وسبب التجوز بالأمر والنهي إلى الخبر: أن الطلب للطالب فيه داعية.
стр. 1089
ورغبة، وقد يخبر الإنسان بما لا رغبة له فيه، فاستعارة ما فيه رغبة تدل على قوة عناية المخبر بذلك الخبر، فيكون ذلك واقعا في نفس السامع.
قوله: (كما في قوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون) [آلواقعة:٧٩].
يعني: زن هذا الخبر، ومراده النهي عن المسيس إلا بطاهرة، وهذه الآية فيها أقوال:
أحدها: أنها خبر على ما قلناه، والمراد الملائكة لقوله تعالى: (بأيدي سفرة*كرام بررة) [عبس:١٥،١٦].
قيل: هي نهي مجزوم، والحركة فيه لأجل التضعيق، لأن الفعل المشدد الآخر فيه ثلاث لغات. يقول: شده بضم الدال، لأنه الأصل في المضارع، ويفتحها طلبا للخفة، وبكشرها لالتقاء الساكنين.
وقيل: الضمة في (لا يمسه) لاتباع الهاء التي بعد السين، لأن الهاء مضمومة، فضمت السين لذلك إتباعاً.
стр. 1090
القسم الأول
في المباحث اللفظية، وفيه مسائل:
قال الرازي: المسألة الأولى: قال الأصوليون: صيغة (افعل) مستعملة في خمسة عشر وجها:
الأول: الإيجاب كقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) [البقرة:٤٣]
الثاني: الندب، كقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) [البقرة:١٩٥]. (واحسنوا) [آلنور:٣٣]
ويقرب منه (التأديب)، كقوله ﵊:
(كل مما يليك) فإن الأدب مندوب إليه، وإن كان قد جعله بعضهم قسما مغايرا للمندوب.
الثالث: الإرشاد: مقوله تعالى (واستشهدوا شهدين)، (فاكتبوه) [البقرة:٢٨٢] والفرق بين الندب والإرشاد: أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، فإنه لا ينتقص الثواب بترك الاسترشاد في المداينات ولا يزيد بفعله.
الرابع: الإباحة، مقوله تعالى: (كلوا واشربوا) [الحاقة:٢٤].
والخامس: التهديد، كقوله تعالى (اعلموا ما شئتم) [فصلت: ٤٠]
(واستفزز من استطعت منهم صوتك) [الإسراء:٦٤]
ويقرب منه الإنذار، كقوله تعالى: (قل تمتعوا) [إبراهيم:٣٠] وإن كانوا قد جعلوه قسما آخر.
стр. 1091
السادس الامتنان، (فكلوا مما رزقكم الله) [النحل:١١٤]
السابع: الإكرام: (ادخلوها بسلام آمنين) [الحجر:٤٦]
الثامن: التسخير: كقوله: (كونوا قردة) [آلبقرة:٦٥]
التاسع: التعجيز، (فأتوا بسورة) [البقرة:٢٣].
العاشر: الرهانة، (ذق إنك أنت العزيز الكريم) [آلدخان:٤٩]
الحادي عشر: التسوية (فاصبروا أو لا تصبروا) [الطور:١٦]
الثاني عشر: الدعاء (رب اغفر لي) [الأعراف: ١٥١]
الثالث عشر: التمني، كقوله [الطويل]:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ...........
الرابع عشر: الاحتقار، كقوله (ألقوا ما أنتم ملقون) [الشعراء:٤٣]
الخامس عشر: التكوين كقوله (كن فيكون) [يس:٨٢]
إذا عرفت هذا، فنقول: اتفقوا على أن صيغة (افعل) ليست حقيقة في جميع هذه الوجوه، لأن خصوصية التسخير والتعجيز والتسوية غير مستفادة من مجرد هذه الصيغة، بل إنما تفهم تلك من القرائن.
إنما الذي وقع فيه الخلاف أمور خمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والتنزيه، والتحريم:
فمن الناس من جعل هذه الصيغة مشتركة بين هذه الخمسة، ومنهم من
стр. 1092
جعلها مشتركة بين الوجوب، والندب، والإباحة، ومنهم من جعلها حقيقة لأقل المراتب، وهو الإباحة. والحق: أنها ليست حقيقة في هذه الأمور.
لنا: أنا ندرك التفرقة في اللغات كلها بين قوله: (افعل) وبين قوله: (إن شئت فافعل)، وإن شئت فلا تفعل) حتي إذا قّدرنا انتفاء القرائن كلها، وقدرنا هذه الصيغة منقولة على سبيل الحكاية عن ميت أو غائب، لا في فعل معين، حتى يتوهم فيه قرينة دالة، بل في الفعل مطلقا سبق إلى فهمنا اختلاف معاني هذه الصيغ، وعلمنا أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد.
كما ندرك التفرقة بين قولهم: (قام زيد، ويقوم زيد) في أن الزول للماضي والثاني للمستقبل، وإن كان قد يعبر عن الماضي بالمستقبل، وبالعكس، لقرائن تدل عليه.
فكذلك ميزوا الأمر عن النهي فقالوا: (الأمر أن تقول: (افعل) والنهي أن تقول: (لاتفعل) فهذا أمر معلوم بالضرورة من اللغات، لا يشككنا فيه إطلاقه مع قرينة علي الإباحة أو التهديد.
فرن قيل: تدعى الفرق بين (افعل)، و (لا تفعل) في حق من يعتقد كون اللفظ موضوعا للكل حقيقة، أو في حق من لا يعتقد ذلك؟!
الأول ممنوع، والثاني مسلم.
بيانه: أن كل من اعتقد كون هذه اللفظة موضوعة لهذه المعاني، فرنه يحصل في ذهنه الاستواء.
أما من لا يعتقد ذلك، فإنه لا يحصل عنده الرجحان.
стр. 1093
سلمنا الرجحان، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك، للعرف الطارئ، لا في أصل الوضع، كما في الألفاظ العرفية؟!
سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك، لكنه معارض بما يدل على نقيضه:
وهو: أن الصيغة قد جاءت بمعنى التهديد، والإباحة، والأصل في الكلام الحقيقة.
والجواب عن الأول: أنه مكابرة، فإنا نعلم عند انتفاء كل القرائن بأسرها: أنه يكون فهم الطلب من لفظ (افعل) راجحا على قولهم فهم التهديد والإباحة.
وعن الثاني: أن الأصل عدم التغيير.
وعن الثالث: أنك قد عرفت أن المجاز أولى من الاشتراك، ووجه المجاز: أن هذه الأمور الخمسة، أعني: الوجوب، والندب، والإباحة، والتنزيه، والتحريم أضداد، وإطلاق اسم الضد، على الضد أحد وجوه المجاز، والله أعلم.
стр. 1094
المسألة الأولى
صيغة الأمر تستعمل في خمسة عشر وجها
قال القرافي: قوله (ويقرب من الندب التأديب نحو قوله ﵇: (كل مما يليك)
стр. 1095
والفرق بينهما
أن التأديب يختص بإصلاح الأخلاق النفسية، فهو أخص من المندوب، لأن الندب يكون في غير ذلك، فإن صلاة النافلة مندوبة، وليست من هذا الباب.
قوله: (التهديد نحو قوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) [فصلت:٤] ويقرب من هذا الإنذار كقوله تعالى: (قل تمتعوا) [إبراهيم:٣٠]
قلت: الفرق بينهما
أن التهديد في عرف الاستعمال أبلغ في الوعيد والغضب، والإنذار قد يكون بفعل الغير، وكذلك الرسل، ﵈، منذورون بعقاب الله تعالى ولا يقال لهم: مهددون، لأن التهديد يختص بفعل المهدد نفسه، قوله: (التسخير) كقوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين) [الأعراف: ١٦٦]
стр. 1096
قلنا: اللائق بهذا القسم أن يسمى سخرية لا تسخير، لأن السخرية الهزو، كقوله تعالى: (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) [الزخرف:٣٢]
(وإن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) [هود:٣٨]
فأما التسخير: فهو نعمة وإكرام، لقوله تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار) [إبراهيم:٣٣]، (وسخر لكم الأنهار) [إبراهيم:٣٢] و (سخر لكم الشمس والقمر) [إبراهيم:٣٣] ونحو ذلك
ووقع في (المستصفى) وغيره عبارة (المحصول) بعينها، ومنه نقل والله أعلم
قوله: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) [الدخان:٤٩]
قال جماعة: هذا يسمى التهكم، وضابطه: أن يؤتى بلفظ داال على الخير والكرامة، واملراد ضد ذلك، كقوله تعالى: (هذا نزلهم يوم
стр. 1097
الدين) [الواقعة:٥٦]، والنزل ما يصنع للضيف عند نزوله، وقوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) [آل عمران:٢١]، والبشارة في العرف: إنما تكون بالمسار لا بالعذاب، ومنه قول الشاعر [الوافر]:
قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرادة طحونا
أي صخرة عظيمة، ففي هذه الصور كلها أطلق لفظ الخير، وأريد به ضده لذلك المراد، ذق إنك أنت الذليل اللئيم، فعبر بلفظ ضد ذلك عنه.
قوله: (التسوية، كقوله تعالى: (اصبروا أو لا تصبروا) [الطور:١٦].
стр. 1098
قلنا: المستعمل ها هنا في التسوية هو المجموع المركب من صيغتين:
من الزمر مع صيغة، أو فهذا المجموع هو المستعمل في التسوية، فلا يصدق عليه أن المستعمل ههو صيغة الأمر من حيث الأمر، وهكذا.
قوله: التمني كقوله [الطويل]:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ..............
المستعمل في التمني هو صيغة الأمر مع صيغة ألا، لا الصيغة وحدها.
قوله: (التكوين، كقوله تعالى: (كن فيكون) [البقرة:٢١٧ّ]
قلنا: ليس المراد هاهنا التكوين، فإن الله تعالى لا يكون الممكنات بكلامه، بل بقدرته، واملعدوم لا يؤمر بأن يكون نفسه، بل الصحيح في هذه الآية أنها من باب مجاز التشبيه.
تقديره: إنما شأننا في إيجاد الشيء إذا أردناه أن نقول له: كن فيكون، أي لا يتأخر عن إرادتنا طرفة عين، بخلاف البشر قد يتأخر مراده عن إرادته.
стр. 1099
فمعنى الآية: أرأيتم إذا أمر أحدكم فلا يتأخر مأموره عن أمره ذرة، كذلك مقدوري مع قدرتي وإرادتي، لقول الله تعالى، فهو مجاز شبه
وأضاف الأمر إليه بعده ليكون ذلك أبلغ في ألا يتأخر المأمور عن الأمر، فصار هذا المركب إخبارا عن هذا المعنى من عدم التأخير عن القدرة والإرادة.
ولذلك صرح سيف الدين بهذا المعنى، فلم يقل: (التكوين)، بل قال:،يرد لكما القدرة كقوله تعالى: (كن فيكون)
стр. 1100
(سؤال)
أورد عليه بعض الفضلاء (التعجب)، نحو قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) [مريم:٣٨] وقول العرب: أكرم بزيد
(والخبر) نحو قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) [مريم:٧٥] وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) [العنكبوت:١٢] أي مد له الرحمن مدا ونحن نحمل خطاياكم، فإن الآمر لا يأمر نفسه، فتعين الخبر.
وقد ذكره الإمام مسألة مستقلة، فبقي عليه من الاستقراء هذان النوعان فيكون سبعة عشر، وزاد الإمام في (البرهان): (التفويض) كقوله تعالى (فاقض ما أنت قاض) [طه:٧٢]
وقال في قوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين) [الأعراف:١٦٦]: هو التكوين، ولم يذكر التسخير ألبتة، فيصير ثمانية عشر.
стр. 1101
سؤال
المجاز لا بد له من علاقة، ولا علاقة في هذه المعاني، بل بعضها في غاية البعد عن الحقيقة نحو التهديد، فإنه بعيد من الإيجاب .
جوابه: أنها من مجازات التشبيه
وتقريره: أن الندب والتأديب والإرشاد فيها معنى الرجحان، وهو مشابه للوجوب، لوجوده في الوجوب والإباحة جواز الإقدام، وهو صفة الوجوب، لأن كل ما وجب جاز فعله.
(والتهديد، كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) [فصلت:٤٠]
معناه: أنتم بصفة من بعد عن الخير والانضباط، فشأنكم أن تؤمروا بالمفاسد لقبح ما أنتم عليه، كقوله ﵇: (من شرب الخمر فليشقص الخنازير) أي من وصل هذه الغاية فينبغي أن يكون جزارا للخنازير.
وهذا الكلام من الرسول ﷺ في غاية التهديد الدال على تمكن الغضب، وهو أمر لهم على تقديره كونهم موضوفين بهذه الصفة، والأمر المقدر مشابه المحقق في كونه أمرا، والإلزام بضد هذا، أي: أنتم بصفة من يؤمر بأكل السيبات، ويلزم دار الكرامات، فهو يشبه الإيجاب، والتعجيز والسخرية فيه طلب إظهار العجز والامتهان بهم، ففيه طلب حصل به التشبيه للوجوب، لأن الأمر طلب لمصلحة الفعل، وهذه أوامر لمصالح أخرى غير مصلحة الفعل، فاشتركا في مفهوم الطلب، وإن اختلفت مقاصده، والرهانة لأجل الإهانة، والتسوية طلب لمقصود.
стр. 1102
التسوية، والدعاء أمر محقق، لأنه طلب جازم لمصلحة الفعل، وإنما يمتنع إطلاقه أدبا مع الله تعالى، والنهي طلب في طرق العدم، فهو يشابه الأمر في مفهوم الطلب الجازم والاحتقار طلب لإظهار الحقارة، والتعجب والخبر فيهما مشابهة صورة التركيب اللفظي كما قلنا في المجاز في التركيب وإن العلاقة فيه مشابهة صورة اللفظ
والفرق بينه وبين مجاز الاستعارة: أن المستعار اعتبر فيه اللفظ والمعنى أيضا بالتخيل في محل المجاز، وفي التركيب اعتبر اللفظ فقط.
قوله: (يدعى الفرق بين (افعل) و (لا تفعل) عند من يعتقد أن اللفظ موضوع للكل حقيقة أم لا؟)
الأول: ممنوع، والثاني، مسلم، ولا يحصل المقصود)
قلنا: نحن ندعى ذلك عند أهل العرف، والعرف حجة على الفريقين، لأن الأصل عدم النقل والتغيير.
стр. 1103
المسألة الثانية
قال الرازي: الحق عندنا أن لفظة (افعل) حقيقة في الترجيح المانع من النقيض، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وقال أبو هاشم: إنه يفيد الندب ومنهم من قال بالوقف، وهو فرق ثلاث:
الفرقة الأولى: الذين يقولون: إنه حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو ترجيح الفعل على الترك، ثم الوجوب يمتاز عن الندب، بامتناع الترك، والندب يمتاز عن الوجوب، بجواز الترك، وليس في الصيغة إشعار بهذين القيدين.
ويليق بمذهب هؤلاء أن يقولوا: إنه يجب حمله على الندب، لأن اللفظ يفيد رجحان الفعل على الترك، وليس فيه ما يدل على المنع من الترك، وقد كان جواز الترك معلوما بحكم الاستصحاب، وإذا كان كذلك، كان جواز الترك بحكم الاستصحاب، ورجحان الفعل بدلالة اللفظ، ولا معنى للندب إلا ذلك.
الفرقة الثانية: الذين قالوا: إن صيغة (افعل) موضوعة للوجوب والندب على سبيل الاشتراك اللفظي، وهو قول المرتضي من الشيعة.
الفرقة الثالثة: الذين قالوا: إنها حقيقة: إما في الوجوب فقط، أو في الندب فقط أو فيهما معا بالاشتراك، لكنا لا ندري، ماهو الحق من هذه الأقسام الثلاثة، فلا جرم توقفنا في الكل، وهو قول الغزالي منّا
стр. 1104
لنا وجوه:
الدليل الأول: التمسك بقوله تعالى لإبليس: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) [الأعراف:١٢] وليس المراد منه الاستفهام بالاتفاق، بل الذم، فإنه لا عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الزمر به، هذا هو المفهوم من قول السيد لعبده: (ما منعك من دخول الدار، إذ أمرتك) إذا لم يكن مستفهما، ولو لم يكن الأمر دالا على الوجوب، لما ذمه الله تعالى على الترك، ولكان لإبليس أن يقول: إنك ما ألزمتني السجود.
فإن قلت: لعل الأمر في تلك اللغة كان يفيد الوجوب، فلم قلتم: إنه في هذه اللغة للوجوب؟!
قلنا: الظاهر يقتضي ترتيب الذم على مخالفة الأمر فتخصيصه بأمر خاص خلاف الظاهر.
الدليل الثاني: التمسك بقوله تعالى (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) [المرسلات:٤٨] ذمهم على أنهم تركوا فعل ما قيل لهم: افعلوه ولو كان الأمر يفيد الندب، لما حسن هذا الكلام، كما إذا قيل لهم:] الأولى أن تفعلوه، ويجوز لكم تركه) فإنه ليس لنا أن نذمهم على تركه.
فإن قلت: إنما ذمهم لا لأنهم تركوا المأمور به، بل لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر، والدليل عليه: قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين) [المرسلات:٤٧]
وأيضا: فصيغة (افعل) قد تفيد الوجوب عند اقتران بعض القرائن بها، فلعله تعالى إنما ذمهم لأنه كان قد وجدت قرينة دالة على الوجوب.
стр. 1105
والجواب عن الأول: أن المكذبين في قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين) [المرسلات:٤٧] إما أن يكونوا هو الذين تركوا الركوع، لما قيل لهم: (اركعوا) أو غيرهم:
فإن كان الأول: جاز أن يستحقوا الذم بترك الركوع، والويل، بسبب التكذيب، فإن عندنا الكافر كما يستحق العقاب، بترك الإيمان، يستحق الذم والعقاب أيضا، بترك العبادات.
وإن كان الثاني: لم يكن إثبات الويل لإنسان بسبب التكذيب منافيا ثبوت الذم لإنسان آخر، بسبب ترك المأمور به
وعن الثاني: أنه تعالى إنما ذمهم لمجرد أنهم تركوا الركوع، لما قيل لهم: (اركعوا) فدل على أن منشأ الذم هذا القدر لا القرنة.
الدليل الثالث: لو لم يكن الأمر ملزما للفعل، لما كان إلزام الأمر سببا للزوم المأمور به، لكنه سبب للزوم المزمور به، فوجب أن يكون الزمر ملزما للغعل.
بيان الشرطية: أن بتقدير ألا يكون الأمر ملزما للفعل، كان إلزام الأمر إلزاما لشيء، وذلك الشيء لا يوجب فعل المأمور به، فوجب ألا يكون هذا القدر سببا للزوم المأمور به
وبيان أن إلزام الأمر سبب للزوم المأمور به قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) [الأحزاب: ٣٦].
والقضاء هو الإلزام فقوله تعالي: (إذا قضى الله ورسوله أمرا) معناه إذا ألزم الله ورسوله أمرا فإنه لا خيرة للمؤمنين في المأمور به
стр. 1106
ويجب هاهنا حمل لفظ الأمر على المأمور به، إذ لو أجريناه على ظاهره لصار المعنى: زنه لا خيرة للمؤمنين في صفة الله تعالى، وذلك كلام عير مفيد
وإذا تعذر حمله على نفس الأمر، وجب حمله على المأمور به، فيصير التقدير أن الله تعالى، إذا ألزم المكلف أمرا، فإنه لا خيرة له في المأموربه وإذا انتفت الخيرة بقي: رما الحظر، وإما الوجوب والحظر منتف بالإجماع، فتعين الوجوب.
فإن قيل القضاء: هو الإلزام، والأمر: قد يرد بمعنى شيء فقوله: (إذا قضى الله ورسوله أمرا) [الزحزاب:٣٦] أي: إذا ألزم الله ورسوله شيئا.
ونحن نعترف بأن الله تعالى، إذا ألزمنا شيئا، فإنه يكون واجب علينا، ولكن لم قلت إنه بمجرد أن يأمرنا بالشيء فقد ألزمنا؟ فإن ذلك عين المتنازع فيه
والجواب: قد بينا أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، وليس حقيقة في الشيء دفعا للاشتراك ولا ضرورة هاهنا في صرفه عن ظاهره.
إذا ثبت هذا، فقوله: إذا قى الله ورسوله أمرا) معناه: إذا ألزم الله أمرا وإلزام الأمر هو توجيهه على المكلف شاء أم أبى.
وإلزام الأمر غير إلزام المأمور به، فرن القاضي، إذا قضى بإباحة شيء، فقد ثبت إلزام الحكم، ولو لم يثبت المحكوم به، فكذا هاهنا: إلزام الأمر عبارة عن: توجيهه على المكلف، والقطع بوقوع ذلك الأمر.
ثم الأمر إن لم يقتض الوجوب، لم يكن إلزام الأمر إلزاما للمأمور به وإن كان مقتضيا للوجوب، فهو الذي قلناه.
الدليل الرابع: تارك ما أمر الله أو رسوله به، مخالف لذلك الأمر ومخالف.
стр. 1107
ذلك الأمر مستحق للعقاب، فتارك ما أمر الله ورسوله به مستحق للعقاب ولا معنى لقولنا: الأمر للوجوب إلا ذلك.
وإنما قلنا: إن تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالفة لذلك الأمر، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الرخلال بمقتضاه، فثبت أن تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالف لذلك الأمر.
وإنما قلنا: إن مخالف ذلك الأمر يستحق العقاب، لقوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره> أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليك) [النور:٦٣].
أمر مخالف هذا الزمر بالحذر عن العذاب، والأمر بالحذر عن العذاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب، فدل على أن مخالف أمر الله أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب به.
فإن قيل: لانسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر.
قوله: (موافقة الأمر: عبارة عن الإتيان بمقتضاه):
قلنا: لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، ومالدليل عليه؟
ثم إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين آخرين:
أحدهما أن موافقة الأمر عبارة هن الإتيان بما يقتضيه الأمر، على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر، لو اقتضاه على سبيل الندب، وأنت تأتي به على سبيل الوجوب، كان هذا مخالفة للأمر
стр. 1108
وثانيهما: أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقا واجب القبول، مخالفته عبارة عن إنكاره كونه حقا واجب القبول.
سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكن هاهنا ما يدل على أنه ليس كذلك.
فإنه لو كان ترك المأمور به عبارة عن مخالفة الأمر لكن ترك المندوب مخالفة لأمر الله تعالى، وذلك باطل، لأن وصف الإنسان بأنه مخالف لأمر الله تعالى اسم ذم، فلا يجوز إطلاقه على تارك المندوب.
سلمنا أن تارك المندوب مخالف للأمر، فلم قلت: إن مخالف الأمر مستحق للعقاب؟
أما قوله تعالى: (فليحذر الدين يخالفون عن أمره) [النور:٦٣] الآية.
قلنا: لا نسلّم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفا للأمر بالحذر، بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالف الأمر، فلم لا يجوز أن تكون كذلك؟
سلّمنا ذلك، ولكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر.
فلم قلت: إن مخالف الأمر يلزمه الحذر؟
فإن قلت: لفظة (عن) صلة زائدة، قلت: الأصل في الكلام الاعتبار لا سيما في كلام الله سلّمنا دلالة الآية على أن مخالف الأمر مأمور بالحذر عن العذاب، فلم قلت: يجب عليه الحذر عن العذاب؟
стр. 1109
أقصى ما في الباب: أنه ورد الزمر به، لكن لم قلت: إن الأمر للوجوب؟ فرن ذلك أول المسألة!!
فإن قلت: هب أنه لا يدل على وجوب الحذر، لكن لا بد وأن يدل على حسن الحذر، وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب!!
قلت: لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام ما يقتضي نزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب
وعندنا مجرد الاحتنال قائم، لأن هذه المسألة اجتهادية، لا قطعية.
سملنا دلالة الآية على قيام ما يقتضي نزول العذاب، لكن لا في كل أمر، بل في أمر واحد، لأن قوله: (عن أمره) لا يفيد إلا أمرا واحدا.
وعندنا: أن أمرا واحدا يفيد الوجوب، فلم قلت: إن كل أمر كذلك؟ َ
سلّمنا أن كل أمر كذلك، لكن الضمير في قوله: (عن أمره) يحتمل عوده إلى الله تعالى، وعوده إلى رسوله، فالآية لا تدل على أن الأمر للوجوب إلا في حق أحدهما، فلم قلت: إن حق الاخر كذلك؟
والجواب: قوله: (لم قلت: إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه؟))
قلنا: الدليل عليه أن العبد، إذا امتثل أمر السيد، حسن أن يقال:) هذا العبد موافق للسيد، ويجري على وفق أمره) ولو لم يمتثل أمره، يقال: (إنه ما وافقه، بل خالفه) وحسن هذا الإطلاق من أهل اللغة معلوم بالضرورة. فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه.
قوله: (الموافقة: عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر، على الوجه الذي يقتضيه الأمر)
стр. 1110
قلنا لما سلّمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر،
فنقول: لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل، لأن قوله (افعل) لا يدل إلا على اقتضاء الفعل، فإذا لم يوجد الفعل، لم يوجد مقتضى الأمر، وإذا لم يوجد مقتضى الأمر لم توجد الموافقة، وإذا لم توجد موافقة الأمر، حصلت مخالفته، لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة.
قوله: (الموافقة) عبارة عن اعتقاد كون ذلك الأمر حقا واجب القبول)
قلنا? هذا لا يمون موافقة للأمر، بل موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، فإن موافقة الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه، فإذا دل الدليل علي حقيقة الأمر، كان الاعتراف بحقيته مستلزما تقرير مقتضى ذلك الدليل.
أما الأمر: فلما اقتضى دخول ذلك الفعل في الوجود، كانت موافقته عبارة عما تقرردخوله في الوجود، وإدخاله في الوجود يقرر دخوله الوجود، فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه.
قوله: (لو كانت مخالفة الأمر عبارة عن ترك المأمور به، لكنا إذا تركنا المندوب، فقد خالفنا الأمر):
قلنا: هذا الإلزام إنما يصح، لو كان المندوب مأمورا به، وإنما يكون المندوب مأمور به، لو ثبت أن الأمر ليس للوجوب، وهذا عين المتنازع فيه،
قوله: (لم يجوز أن يكون قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون أمره) [آلنور:٦٣] أمرا بالحذر عن المخالف، لاأمرًا للمخالف بالحذر؟
قلنا: الدليل عليه وجوه.
стр. 1111
أحدها: أن النحويين اتفقوا على أن تعلق الفعل بفاعله أقوى من تعلقه بمفعوله، فلو جعلناه أمرًا للمخالف بالحذر، لكنا قد أسندنا الفعل إلى الفاعل، ولو جعلناه أمرا بالحذر عن المخالف لكنا قد أسندنا الفعل إلى المفعول، فيكون الأول أولى.
وثانيها: لو جعلناه أمرا بالحذر عن المخالف، لم يتعين المأمور به.
فإن قلت: المأمور به، ما تقدم، وهو قوله: (الذين يتسللون منكم لواذاً). [النور:٦٣]
قلت: المتسللون منهم لواذا هم الذين خالفوا، فلو أمروا بالحذر عن المخالف، لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم، وهو لا يجوز.
وثالثها: أنّا لو جعلناه أمرًا بالحذر عن المخالف، لصار التقدير: (فليحذر المتسللون لواذا عن الذين يخالفون أمره) وحينئذ يبقى قوله: (أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور:٦٣] ضائعًا، لأن الحذر ليس فعلا يتعدى إلى مفعولين.
قوله: الآية دالة على وجوب الحذر عمن خالف عن الأمر، لا عمن خالف الأمر:
قلنا: قال النحاة: كلمة (عن) للبعد والمجاورة، يقال: جلس عن يمينه، أي: متراخيا عن بدنه في المكان الذي بحيال يمينه، فلما كانت مخالفة أمر الله تعالى بعدا عن أمر الله تعالى، لا جرم ذكره بلفظ (عن).
قوله: (لم قلت: إن قوله تعالى: (فليحذر): يدل على وجوب الحذر عن العذاب؟).
стр. 1112
قلنا: لا ندعي وجوب الحذر عن العقاب، ولكنه لا أقلّ من زن يدل على جواز الحذر، وجواز الحذر عن الشيء مشروط بوجود ما يقتضي وقوعه، لأنه لو لم يوجد المقتضي لوقوعه، لكان الحذر عنه حذرا عما لم يوجد، ولم يوجد المقتضي لوقوعه، وذلك سفه وعب، فلا يجوز ورود الأمر به.
قوله: دلت الآية على زن مخالف أمر الله يستحق العقاب، أو على أن مخالف كل زمر يستحق العقاب؟):
قلنا: دت على الثاني، لوجوه:
الأول أنه يجوز استثناء كل واحد من أنواع المخالفات، نحو أن يقول: فليحذر: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا مخالفة الأمر الفلاني) والاستثناء يخرج من الكلام ما لو لاه لدخل فيه، وذلك يفيد العموم.
الثاني: أنه تعالى رتب استحقاق العقاب على مخالفة الأمر، وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية
الثالث: أنه لما ثبت أن مخالف الأمر في بعض الصور يستحق العقاب، فنقول: إنما استحق العقاب لأن مخالفة الأمر تقتضي عدم المبالاة بالأمر، وذلك بناسبه الزجر، وهذا المعنى قائم في كل المخالفات، فوجب ترتب العقاب على الكل.
قوله: (هب أن أمر الله، أوامر رسوله للوجب، فلم قلتم: إن أمر الآخر كذلك؟):
قلنا: لأنه لا قائل بالفرق.
стр. 1113
الدليل الخامس: تارك المأمور به عاص، وكل عاص يستحق العقاب، فتارك المأمور به يستحق العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك:
بيان الأول: قوله تعالى: (ولا أعصى لك أمرًا) [الكهف:٦٩]
(أفعصيت أمري) [طه:٩٣] (ولا يعصون الله ما أمرهم) [التحريم:٩]
بيان الثاني: قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده، يدخله نارا خالدا فيها) [النساء]
فإن قيل: لا نسلم أن تارك المأمور به عاص، وبيانه من وجوه:
الأول: قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم:٩] فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأموربه، لكان معنى ق، له: (لا يعصون الله ما أمرهم) زنهم يفعلون ما يؤمنون به، فكان قوله: (ويفعلون ما يؤمرون) تكرارا)
الثاني: أجمع المسلمون على أن الأمر قد يكون أمر إيجاب، وقد يكون أمر استحباب، وتارك المندوب غير عاص، وإلا لاستحق النار، لما ذكرتموه فعلمنا أن المعصية ليست عبارة عن ترك المأمور به.
سلمنا أن المعصية عبارة عن ترك المأموربه لكن إذا كان الأمر أمر إيجاب أو مطلقا؟
الأول: مسلم والثاني ممنوع
بيانه: أن قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم) [التحريم:٩] حكاية حال، فيكفي في تحقيقها تنزيلها على صورة واحدة، فلعل ذلك الأمر كان أمر إيجاب، فلا جرم كان تركه معصية
стр. 1114
سلمنا أن تارك المأمور به عاص مطلقا، فلم قلت: إن العاصي يستحق العقاب، والآية المذكورة مختصة بالكفار، لقرينة الخلود؟
والجواب: قد بينا أن تارك المأمور به عاص.
قوله: (لو كان كذلك) لكان قوله: (ويفعلون ما يؤمرون) تكرارا:
قلنا: لا نسلم، بل معنى الآية والله أعلم: (لا يعصون الله ما أمرهم) به في الماضي، (ويفعلون ما يؤمرون) به في المستقبل.
قوله: (الأمر قد يكون أمر استحباب):
قلنا: لا نسلم كون المستحب مأمورا به حقيقة بل مجازا، لأن الاستحباب لازم للوجوب، وإطلاق اسم السبب على المسبب جا ئز.
فإن قلت:: (ليس الحكم بكون هذه الصفة للوجوب، محافظة على عموم قوله: (ومن يعص الله ورسوله) [النساء:١٤] أولى من القول بأن المستحب مأمور به، محافظة على صيغ الأوامر الواردة في المندوبات (:
قلت: بل ما ذكرناه أولى للاحتياط، ولأنا لو حملناه على الوجوب، لكان أصل الترجيح داخلا فيه، فيكون لازما للمسمى، فيجوز جعله مجازا في أصل الترجيح.
أما لو جعلنا لأصل الترجيح، لم يكن الوجوب لا زماً، فلا يمكن جعله مجازا عن الوجوب، فكان الأول أولى.
قوله: (هذه الآية حكاية حال):
стр. 1115
قلنا: الله تعالى رتب اسم المعصية على مخالفة الأمر، فيكون المقتضي لاستحقاق هذا الاسم هذا المعنى فيعم الاسم لعموم ما يقتضي استحقاقه
قوله: (الآية مختصة بالكفار بقرينة الخلود)
قلنا: الخلود هو المكث الطويل لا الدائم، والله أعلم.
واعلم أن هذا الدليل قد يقرر علي وجه آخر، فيقال:
إنما قلنا: إن تارك المأمور به عاص، لأن بناء لفظة العصيان على الامتناع، ولذلك سميت العصا عصا، لأنه يمتنع بها، وتسمى الجماعة عصا، يقال: شققت عصا المسلمين، أي: جماعتهم، لأنها يمتنع بكثرتها، وهذا كلام مستعص على الحفظ، أي ممتنع وهذا الحطب مستعص على الكسر.
وقال ﵊: (لولا أنا نعصي الله، لما عصانا) أي: لم يمتنع عن إجابتنا.
فثبت أن العصيان عبارة عن الامتناع عما يقتضيه الشيء، وإذا كان لفظ (افعل) مقتضيا للفعل، كان عدم الإتيان به والامتناع منه عصيانا، لا محالة.
وإنما قلنا: إن تسمية تارك المأمور به بالعاصي، تدل على أن الأمر للوجوب، لوجهين:
أحدهما: أن الإنسان إنما يكون عاصيا للأمر وللآمر، إذا أقدم على ما يحظره الآمر، ويمنع منه، ألا ترى أن الله تعالى: لو أوجب علينا فعلا، فلم نفعله.
стр. 1116
لكنّا عصاة، ولو ندبناه إليه، فقال: (الأولى أن تفعلوه، ولكم ألا تفعلوه) فلم نفعله لم نكن عصاة.
ولهذا يوصف تارك الواجب بأنه عاص لله تعالى، ولا يوصف تارك النوافل بذلك.
الثاني: أن العاصي للقول مقدم على مخالفته، وترك موافقته، فليس تخلو مخالفته: إما تكون بالإقدام على ما يمنع الأمر فقط، أو قد تثبت بالإقدام علي ما لا يتعرض له الزمر بمنع ولا إيجاب.
وهذا الثاني باطل، لأنا لو كنّآ عصاة للأمر بفعل ما لم نمنع منه، لوجب إذا أمرنا الله بالصلاة غدا، فتصدقنا اليوم أن نكون عصاة لذلك الأمر، بتصدقنا اليوم فبان أن مخالفة الأمر، إنما تثبت بالإقدام على ما يمنع منه، فإذا كان تارك ما أمر به عاصيا للأمر، والعاصي للأمر هو المقدم على مخالفة مقتضاه، فالمقدم على مخالفة مقتضاه مقدم على ما يحظره الآمر، ويمنع منه فثبت أن ترك المأمور به يحظره الآمر ويمنع منه، وهذا هو معنى الوجوب.
الدليل: أنه ﵊ دعا أبا سعيد الخدري، فلم يجبه، لأنه كان في الصلاة، فقال: ما منعك أن تستجيب، وقد سمعت قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول) [الأنفال:٢٤] فذمه على ترك الاستجابة عند مجرد ورود الأمر، فلولا أن مجرد الأمر للوجوب، وإلا لما جاز ذلك.
فإن قيل: هذا خبر واحد، فلا يجوز التمسك به في مسألة علمية:
стр. 1117
وأيضا فالنبي ﵌ ماذمه، ولكنه أراد أن يبين له أن دعاءه ﵌ مخالف لدعاء غيره.
والجواب عن الأول: أنّا بينّا أن المباحث اللفظية لا يرجى فيها اليقين، وهذه المسألة، وإن لم تكن في نفسها عملية، لكنّها وسيلة إلى العمل، فيجوز التمسك فيها بالظن، لأنه لا فرق في العقل بين أن يحصل ظن الحكم، وبين أن يحصل العلم بوجود ما يقتضي ظن الحكم في جواز التمسك بهما في العمليات.
وعن الثاني: أن بتقدير ألا يدل الأمر على الوجوب، يكون المانع من الإجابة قائما، وهو الصلاة، فإنها تحرم الكلام، وإذا كان المانع الظاهر قائما، لم يجز من الرسول ﵊ أن يسأل عن المانع، بلى، إذا كان قوله تعالى: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) [الأنفال:٢٤] يفيد الوجوب، فحينئذ يصح السؤال.
وأيضا، فظاهر الكلام يقتضي اللوم، وهو في معنى الإخبار عن نفي العذر، وذلك لا يكون إلا والأمر للوجوب.
الدليل السابع: هو قوله ﵊: (لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عن كل صلاة).
وكلمة (لولا) تفيد انتفاء الشيء لوجود غيره، فها هنا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة، فهذا الخبر يدل على
أنه لم يوجد الأمر بالسواك عن كل صلاة، والإجماع قائم على أن ذلك مندوب، فلو كان المندوب مأمورا به، لكان الأمر قائما عند كل صلاة، فلما لم يوجد الأمر، علمنا أن المندوب غير مأمور به.
стр. 1118
فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: هذا الوجه أمارة تدل على أن أراد: لأمرتهم به على وجه يقتضي الوجوب، وليس يمتنع أن يقتضي الأمر الوجوب بدلالة أخرى.
قلت: كلمة (لا) دخلت على الأمر، فوجب ألا يكون الأمر حاصلًا.
الدليل: خبر بريرة فإنها قالت لرسول الله ﷺ : أتأمرني بذلك؟
فقال: (لا) إنما أنا شفيع) نفى الأمر مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب، ونفى الأمر عند ثبوت الندبية يدل على أن المندوب غير مأمور به، وإذا كان كذلك، وجب ألا يتناول الأمر الندب.
الدليل: أن الصحابة تمسكوا بالأمر على الوجوب، ولم يظهر من أحد منهم الإنكار عليه، وذلك يدل على أنهم أجمعوا علي ظاهر الأمر للوجوب.
وإنما قلنا: إنهم تمسكوا بالأمر بالأمر على الوجوب، لأنهم أوجبوا أخذ الجزية من المجوس، لما روى عبد الرحمن أنه ﵊ قال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)
وأجبوا غسل الإناء من ولوغ الكلب، بقوله ﵊: (فليغسله سبعا).
وأوجبوا إعادة الصلاة عند ذكرها، بقوله ﵊: (فليصلها إذا ذكرها).
стр. 1119
وأما أنه لم يظهر من أحد منهم إنكار عليه، وأنه متى كان كذلك، فقد الإجماع، فتمام تقريرهما مذكور في (كتاب القياس).
فإن قيل: كما اعتقدوا الوجوب عند هذه الأوامر، فإنهم لم يعتقدوا عند غيرها، نحو قوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم) [البقرة:٢٨٢] وقوله: (فكاتبوهم، إن علمتم فيهم خيرًا) [النور:٣٣] وقوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) [النساء:٣] وقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا) [المائدة:٢].
وإذا ثبت هذا، فليس القول بأنهم لم يعتقدوا الوجود في هذه الأوامر لدليل متصل.
والجواب: أن نقول: لو لم يكن الأمر للوجوب، لامتنع أن يفيد الوجوب في صورة أصلا، ولو يفد الوجوب في شيء من الصور أصلا، لكان دليلهم على وجوب أخذ الجزية شيئا غير عبدالرحمن، ولو كان كذلك، لوجب اشتهار ذلك الدليل، وحيث لم يشتهر، علمنا أنه لم يوجد، ولما لم يوجد كان دليلهم على وجوب أخذ الجزية ظاهر الأمر.
أما لو قلنا بأن الأمر للوجوب، لم يلزم من عدم الوجوب في بعض الأوامر ألا يفيد الوجوب الذي ذكاناه أولى.
الدليل العاشر: لفظ (افعل): إما أن يكون حقيقة في الوجوب فقط، أو في الندب فقط، أو فيهما معا، أو لا في واحد منهما.
стр. 1120
والأقسام الثلاثة الأخيرة باطلة، فتعين الأول، وهو: أن يكون الوجوب فقط.
وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون للندب فقط، لأنه لو كان للندب فقط، لما كان الواجب مأمور به فيمتنع أن يكون الأمر للندب فقط.
بيان الملازمة: أن المندوب هو: الراجح فعله مع جواز الترك، والواجب هو: الراجح فعله مع المنع من الترك، فالجمع بينهما محال، فلو كان الأمر للندب فقط، لم يكن الواجب مأمورا به.
فإن قلت: (لو كان الأمر للوجوب فقط، لما كان المندوب مأمورا به):
قلت: التزم هذا لأن كثيرا من الأصوليين صرحوا بأن المندوب غير مأمور به، ولا يمكنك أن تلتزم بأن الواجب غير مأمور به، لأن أحدا من الأمة لم يه.
فثبت أن الأمر لا يجوز أن يكون حقيقة في الندب فقط.
وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن حقيقة في الوجوب والندب معا، لأنه لو كان حقيقة فيهما، لكان: إما أن يكون كونه حقيقة فيهما، بحسب معنى مشترك بينهما، كما يقال: إنه حقيقة في ترجيح في ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، من غير إشعار بجوار الترك، وبالمنع منه أو يكون حقيقة فيهما لا بحسب معنى مشترك.
الأول باطل، لأنا لو جعلناه حقيقة في أصل الترجيح، لم يمكن جعله مجازا في الوجوب لأن الوجوب غير ملازم لأصل الترجيح، أعني: القدر المشترك بين الواجب والمندوب، ولو جعلناه حقيقة في الوجوب، كان الترجيح جزاءا من مسماه ولازما له، فيمكن جعله مجازا عن أصل الترجيح، وإذا كان كذلك.
стр. 1121
كان جعله حقيقة في الوجوب، ليكون مجازا في أصل الترجيح أولى من جعله حقيقة في أصل الترجيح، مع أنه لا يكون حقيقة في الوجوب، ولا مجاز فيه.
والثاني: وهو أن يجعل حقيقة في الوجوب والندب، لا بحسب معنى مشترك بينهما، فهذا يقتضي كون اللفظ مشتركا، وقد عرفت أن ذلك خلاف الأصل.
وإنما قلنا: إنها لا يجوز أن يقال: إنه لا يتناول الواجب ولا المنوب أصلا، لأن ذلك على خلاف الإجماع.
ولما ثبت فساد هذه الأقسام الثلاثة، تعين القول بالوجوب والله أعلم.
الدليل الحادي عشر: أن العبد إذا لم يفعل ما أمره به سيده، اقتصر العقلاء من أهل اللغة في تعليل حسن ذمه على أن يقولوا: (أمر سيده، بكذا فلم، فلم يفعله) فدل كون ذلك علة في حسن ذمه على أن تركه لما أمره به ترك للواجب.
فإن قيل: لا نسلم أنهم إنما ذموه لمجرد الترك بل لأجل أمور أخر:
أحدها: أنهم علموا من سيده أنه كره ترك ذلك الفعل.
وثانيها: أن الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده
وثالثها: أن السيد لا يأمر إلا بما فيه نفعه ودفع مضرته، والعبد أيضا يلزمه ايصال المنافع إلى السيد، ودفع المضار عنه.
سلّمنا أنهم ذموه، لمجرد الترك، لكن لا نسلم أن فعلهم صواب، ويدل عليه أمران:
стр. 1122
أحدهما: أنه لو كان المأمور به معصية، لما استحق العبد الذم بتركه، فدل على زن مجرد الترك ليس بعلة للذم.
وثانيهما: أن كثيرا من الأوامر ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بمعنى الندب، فلو كان ترك المأمور به علة للذم، لكان المندوب واجبا وهو محال.
فثبت بهذين الوجهين: أن مجرد ترك المأمور به، لا يمكن جعله علة للذم، وإذا ثبت ذلك، علمنا ما ذكرتموه، من أن العقلاء يعللون حسن ذمه بمجرد ترك المأمور
والجواب: أن السيد إذا عاتب عبده عدم الامتثال، فالعقلاء يقولون: (إنما عاتبه، لأنه لم يمتثل الأمر) ولولا أن علة حسن العتاب نفس مخالفة الأمر، وإلا لما صح هذا الكلام، وبهذا يظهر أن كراهية الترك، لا مدخل لها في هذا الباب.
أما قوله: (الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده):
قلنا: الشريعة إنما أوجبت على العبد طاعة السيد فيما أوجبه السيد على العبد، ألا ترى أن سيده لو قال له: (الأولى أن تفعل كذا، ولك ألا تفعله) لما ألزمته الشريعة فعله؟
والأمر عند المخالف يجري مجرى هذا القول، فينبغي ألا يجب به على العبد شيء
وأما قوله (السيد لا يأمر عبده بما فيه جر نفع، أو دفع مضرة، وذلك واجب.
стр. 1123
قلنا: مجرد هذا القدر لا يفيد الوجوب، إلا إذا أوجبه السيد، ولم يرخص في تركه.
ألا ترى أنه لو قال له: (الأولى أن تفعل كذا، ويجوز ألا تفعله) جاز له ألا يفعل؟ وكذلك لو علم أن غيره يقوم مقامه في دفع المضرة.
قوله: (يشترط في جواز هذا التعليل ألا يكون المأمور به معصية)
قلنا: هب أن هذا الشرط معتبر، ولكن يجب فيما وراءه إجراء اللفظ على ظاهره.
قوله: (لو كان ترك المأمور به علة للذم، لما جاز ترك المندوب)
قلنا: هذا إنما يصح، لو كان المندوب مأمورا به، وهذا أول المسألة، والله أعلم.
الدليل الثاني عشر: لفظ (افعل) دال على اقتضاء الفعل ووجوده فوجب أن يكون مانعا من نقيضه قياسا على الخبر فإنه لما دل على المعنى كان مانعا من نقيضه.
والجامع بين الصورتين أن اللفظ لما وضع لأفادة معنى فلا بد أن يكون مانعا من النقيض، تكميلا لذلك المقصود، وتقوية لحصوله.
فإن قيل: لا نزاع في أن ما دل على شيء، فإنه يمنع من نقضيه لكن لم لا يجوز أن يقال: مدلول قوله: (افعل) هو: أن الأولى إدخاله في الوجود، فلا جرم يمنع من عدم هذه الأولوية؟
والجواب: أن الفعل مشتق من المصدر، فإشعاره لا يكون إلا بالمصدر.
стр. 1124
والمصدر في قولنا: (ضرب، يضرب، اضرب) هو: الضرب لا أولوية الضرب، فإشعار لفظ الخبر والأمر بالضرب، لا بأولوية الضرب.
وإذا كان إشعار الأمر والخبر ليس بأولوية الضرب، بل بنفس الضرب، وثبت أن المشعر بالشيء مانع من نقيضه وجب أن يكون لفظ اضرب مانعا من عدم الضرب، لا من عدم أولوية الضرب، ولأجل هذا كان الخبر مانعا من النقيض، والله أعلم.
الدليل الثالث عشر: الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعا من الترك.
وإن قلنا: إنه يفيد الرجحان، لأن المأموربه إن لم تكن مصلحته راجحة، لكان إما أن يكون خاليا عن المصلحة أو تكون مصلحته مرجوحة أو تكون مساوية للمفسدة.
فإن كان خاليا عن المصلحة كان محض المفسدة. فلا يجوز ورورد الأمر به
وإن كان مصلحته مرجوحة، لذلك القدر من المصلحة يصير معارضا بمثله من المفسدة، فيبقى القدر الزائد من المفسدة خاليا عن المعارض، فيكون ورود الزمر به أمرا بالمفسدة الخالصة، فيعود إلى القسم الأول.
وإن كانت مصلحته معادلة لمفسدته، كان ذلك عبثا، وهو غير لا ئق بالحكيم.
وإذا بطلت هذه الأقسام، لم يبق إلا أن تكون مصلحة خالية من المفسدة، وإن كان فيه شيء من المفاسد، ولكن تكون مصلحته زائدة.
стр. 1125
وعلى التقديرين يثبت رجحان المصلحة.
وإذا ثبت هذا، فنقول: وجب ألا يرد الإذن بالترك، لأن الإذن في تفويت المصلحة الراجحة إذن في تفويت المصلحة الخالصة، لأنه إن وجدت مفسدة مرجوحة، فتصير هي معارضة بما يعادلها من المصلحة، فيبقى الزائد من المصلحة مصلحة خالصة.
وإن لم يوجد مفسدة أصلًا، كانت المصلحة خالصة، فيكون الإذن في تفويته إذنا في تفويت المصلحة الخالصة عن شوائب المفسدة، وذلك غير جائز عرفا، فوجب ألا يجوز شرعاً، لقوله ﵊: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح)، فمقتضى هذه الدلالة ألا يوجد شيء من المندوبات ألبتة ترك العمل به حق البعض، تخفيفا من الله تعالى على العباة، فوجب أن يبقى أن يبقى الباقي على حكم الأصل.
فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بوجه آخر، وهو: أنه كما أن الإذن في تفويت المصلحة الخالصة قبيح عرفا، فكذا إلزام المكلف استيفاء المصلحة، بحيث لو لم يستوفيها، لاستحق العقاب قبيح أيضًا، لأنه يصير حاصل الأمر: أن يقول الشرع: (استوف هذه المنافع لنفسك، وإلا عاقبتك) وهذا قبيح.
والجواب: ماذكرتموه قائم في كل تكاليف، فلو كان ذلك معتبرا، لما ثبت شيء من التكاليف.
الدليل الرابع عشر: لا شك أن الأمر يدل على رجحان طرف الوجود على طرف العدم، فنقول: هذا الرجحان لا ينفك عن قيدين:
أحدهما: المنع من اتلرك، والآخر: الإذن في الترك.
следующие страницы →