← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

كان جعله حقيقة في الوجوب، ليكون مجازا في أصل الترجيح أولى من جعله حقيقة في أصل الترجيح، مع أنه لا يكون حقيقة في الوجوب، ولا مجاز فيه. والثاني: وهو أن يجعل حقيقة في الوجوب والندب، لا بحسب معنى مشترك بينهما، فهذا يقتضي كون اللفظ مشتركا، وقد عرفت أن ذلك خلاف الأصل. وإنما قلنا: إنها لا يجوز أن يقال: إنه لا يتناول الواجب ولا المنوب أصلا، لأن ذلك على خلاف الإجماع. ولما ثبت فساد هذه الأقسام الثلاثة، تعين القول بالوجوب والله أعلم. الدليل الحادي عشر: أن العبد إذا لم يفعل ما أمره به سيده، اقتصر العقلاء من أهل اللغة في تعليل حسن ذمه على أن يقولوا: (أمر سيده، بكذا فلم، فلم يفعله) فدل كون ذلك علة في حسن ذمه على أن تركه لما أمره به ترك للواجب. فإن قيل: لا نسلم أنهم إنما ذموه لمجرد الترك بل لأجل أمور أخر: أحدها: أنهم علموا من سيده أنه كره ترك ذلك الفعل. وثانيها: أن الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده وثالثها: أن السيد لا يأمر إلا بما فيه نفعه ودفع مضرته، والعبد أيضا يلزمه ايصال المنافع إلى السيد، ودفع المضار عنه. سلّمنا أنهم ذموه، لمجرد الترك، لكن لا نسلم أن فعلهم صواب، ويدل عليه أمران:

стр. 1122

أحدهما: أنه لو كان المأمور به معصية، لما استحق العبد الذم بتركه، فدل على زن مجرد الترك ليس بعلة للذم. وثانيهما: أن كثيرا من الأوامر ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بمعنى الندب، فلو كان ترك المأمور به علة للذم، لكان المندوب واجبا وهو محال. فثبت بهذين الوجهين: أن مجرد ترك المأمور به، لا يمكن جعله علة للذم، وإذا ثبت ذلك، علمنا ما ذكرتموه، من أن العقلاء يعللون حسن ذمه بمجرد ترك المأمور والجواب: أن السيد إذا عاتب عبده عدم الامتثال، فالعقلاء يقولون: (إنما عاتبه، لأنه لم يمتثل الأمر) ولولا أن علة حسن العتاب نفس مخالفة الأمر، وإلا لما صح هذا الكلام، وبهذا يظهر أن كراهية الترك، لا مدخل لها في هذا الباب. أما قوله: (الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده): قلنا: الشريعة إنما أوجبت على العبد طاعة السيد فيما أوجبه السيد على العبد، ألا ترى أن سيده لو قال له: (الأولى أن تفعل كذا، ولك ألا تفعله) لما ألزمته الشريعة فعله؟ والأمر عند المخالف يجري مجرى هذا القول، فينبغي ألا يجب به على العبد شيء وأما قوله (السيد لا يأمر عبده بما فيه جر نفع، أو دفع مضرة، وذلك واجب.

стр. 1123

قلنا: مجرد هذا القدر لا يفيد الوجوب، إلا إذا أوجبه السيد، ولم يرخص في تركه. ألا ترى أنه لو قال له: (الأولى أن تفعل كذا، ويجوز ألا تفعله) جاز له ألا يفعل؟ وكذلك لو علم أن غيره يقوم مقامه في دفع المضرة. قوله: (يشترط في جواز هذا التعليل ألا يكون المأمور به معصية) قلنا: هب أن هذا الشرط معتبر، ولكن يجب فيما وراءه إجراء اللفظ على ظاهره. قوله: (لو كان ترك المأمور به علة للذم، لما جاز ترك المندوب) قلنا: هذا إنما يصح، لو كان المندوب مأمورا به، وهذا أول المسألة، والله أعلم. الدليل الثاني عشر: لفظ (افعل) دال على اقتضاء الفعل ووجوده فوجب أن يكون مانعا من نقيضه قياسا على الخبر فإنه لما دل على المعنى كان مانعا من نقيضه. والجامع بين الصورتين أن اللفظ لما وضع لأفادة معنى فلا بد أن يكون مانعا من النقيض، تكميلا لذلك المقصود، وتقوية لحصوله. فإن قيل: لا نزاع في أن ما دل على شيء، فإنه يمنع من نقضيه لكن لم لا يجوز أن يقال: مدلول قوله: (افعل) هو: أن الأولى إدخاله في الوجود، فلا جرم يمنع من عدم هذه الأولوية؟ والجواب: أن الفعل مشتق من المصدر، فإشعاره لا يكون إلا بالمصدر.

стр. 1124

والمصدر في قولنا: (ضرب، يضرب، اضرب) هو: الضرب لا أولوية الضرب، فإشعار لفظ الخبر والأمر بالضرب، لا بأولوية الضرب. وإذا كان إشعار الأمر والخبر ليس بأولوية الضرب، بل بنفس الضرب، وثبت أن المشعر بالشيء مانع من نقيضه وجب أن يكون لفظ اضرب مانعا من عدم الضرب، لا من عدم أولوية الضرب، ولأجل هذا كان الخبر مانعا من النقيض، والله أعلم. الدليل الثالث عشر: الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعا من الترك. وإن قلنا: إنه يفيد الرجحان، لأن المأموربه إن لم تكن مصلحته راجحة، لكان إما أن يكون خاليا عن المصلحة أو تكون مصلحته مرجوحة أو تكون مساوية للمفسدة. فإن كان خاليا عن المصلحة كان محض المفسدة. فلا يجوز ورورد الأمر به وإن كان مصلحته مرجوحة، لذلك القدر من المصلحة يصير معارضا بمثله من المفسدة، فيبقى القدر الزائد من المفسدة خاليا عن المعارض، فيكون ورود الزمر به أمرا بالمفسدة الخالصة، فيعود إلى القسم الأول. وإن كانت مصلحته معادلة لمفسدته، كان ذلك عبثا، وهو غير لا ئق بالحكيم. وإذا بطلت هذه الأقسام، لم يبق إلا أن تكون مصلحة خالية من المفسدة، وإن كان فيه شيء من المفاسد، ولكن تكون مصلحته زائدة.

стр. 1125

وعلى التقديرين يثبت رجحان المصلحة. وإذا ثبت هذا، فنقول: وجب ألا يرد الإذن بالترك، لأن الإذن في تفويت المصلحة الراجحة إذن في تفويت المصلحة الخالصة، لأنه إن وجدت مفسدة مرجوحة، فتصير هي معارضة بما يعادلها من المصلحة، فيبقى الزائد من المصلحة مصلحة خالصة. وإن لم يوجد مفسدة أصلًا، كانت المصلحة خالصة، فيكون الإذن في تفويته إذنا في تفويت المصلحة الخالصة عن شوائب المفسدة، وذلك غير جائز عرفا، فوجب ألا يجوز شرعاً، لقوله ﵊: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح)، فمقتضى هذه الدلالة ألا يوجد شيء من المندوبات ألبتة ترك العمل به حق البعض، تخفيفا من الله تعالى على العباة، فوجب أن يبقى أن يبقى الباقي على حكم الأصل. فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بوجه آخر، وهو: أنه كما أن الإذن في تفويت المصلحة الخالصة قبيح عرفا، فكذا إلزام المكلف استيفاء المصلحة، بحيث لو لم يستوفيها، لاستحق العقاب قبيح أيضًا، لأنه يصير حاصل الأمر: أن يقول الشرع: (استوف هذه المنافع لنفسك، وإلا عاقبتك) وهذا قبيح. والجواب: ماذكرتموه قائم في كل تكاليف، فلو كان ذلك معتبرا، لما ثبت شيء من التكاليف. الدليل الرابع عشر: لا شك أن الأمر يدل على رجحان طرف الوجود على طرف العدم، فنقول: هذا الرجحان لا ينفك عن قيدين: أحدهما: المنع من اتلرك، والآخر: الإذن في الترك.

стр. 1126

ولا شك أن إفضاء المنع من الترك إلي الوجود أكثر من إفضائه إلى العدم، ولا شك أن إفضاء الإذن في الترك إلى العدم أكثر من إفضائه إلى الوجود. ولا شك أن الذي يكون أكثر إفضاء إلى الشيء الراجح، راجح في الظن على ما يكون أكثر إفضاء إلى المرجوح، فإذن شرعية المنع من الترك، راجح في الظن على شرعية الإذن في الترك. والراجح في الظن واجب العمل به، بالنص والمعقول. أما النص: فقوله ﵊: (أنا أقضى بالظاهر). وأما المعقول: فمن وجهين: الأول: أن أحد النقيضين: إذا كان راجحا على الآخر في الظن، فلم يعمل بالراجح، لوجب العمل بالمرجوح فيكون ذلك ترجيحا للمرجوح على الراجح، وإنه غير جائز بالضرورة. الثاني: أنه وجب العمل بالفتوى، والشهادة، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، وتعيين القبلة، عند حصول الظن. وإنما وجب العمل به، ترجيحا للراجح على المرجوح وذلك المعنى حاصل هاهنا، فوجب العمل به. الدليل الخامس عشر: الوجوب: ينبغي أن تكون له صيغة مفردة في اللغة، وتلك الصيغة هي (أفعل) فوجب أن تكون (افعل) للوجوب. إنما قلنا: إن الوجوب له صيغة مفردة في اللغة، لأن الوجوب معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه، والناس قادرون على الوضع، والمانع زائل ظاهرًا،

стр. 1127

والقادر: إذا دعاه الداعي إلى الفعل حال عدم المانع، وجب حصول الفعل منه، فثبت أن الوجوب له صيغة مفردة في اللغة. وإنما قلنا: إن تلك الصيغة هي صيغة (افعل) لأن تلك الصيغة: إما أن تكون صيغة (افعل) أو غيرها، والثاني باطل بالإجماع. أما عند الخصم، فلأنه ينكر ذلك على الإطلاق، وأما عندنا: فلأنا لا نقول به في غير صيغة (افعل). وإذا بطل هذا القسم، ثبت القسم الأول، وإلا لكانت اللغة خالية عن لفظة مفردات دالة علي الوجوب مع أن الدليل قد دل على وجودهما. فإن قيل: لا نسلم أن الوجوب له صيغة في اللغة. قوله: (الداعي قائم): قلنا: لا نسلم أن الداعي قائم. قوله: (الوجوب معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه): قلنا: لا نسلم. سلمناه لكن لم قلت: إنه لا بد من تعريفه باللفظ، ولم لا تكفي فيه قرينة الحال؟ سلمنا شدة الحاجة إلى لفظ يدل عليه، لكنه قد وجد، وهو قوله: أوجبت، وألزمت، وحتمت. فإن ادعيت: أنه لا بد من اللفظ المفرد، طالبناك بالدلالة عليه.

стр. 1128

سلّمنا قيام الدلالة وحصول الداعي، فلم قلت: إنه لا مانع؟ ثم نقول: المانع هو أن اللغات توقيفية، لا اصطلاحية، وإذا كان كذلك كانوا ممنوعين من وضع الألفاظ للمعاني. سلّمنا قيام الداعي، وزوال المانع، فلم قلت بأنه يجب الفعل؟ ثم نقول: ما ذكرتموه من الدليل منقوض، ومعارض. أما النقض: فلأن الحاجة إلى الحاجة إلى وضع لفظ يدل على الحال، ولفظ آخر يدل على الاستقبال على التعيين شديدة مع أنه لم يوجد ذلك في اللغة، وأيضا فأصناف الروائح مختلفة، والحاجة إلى تعريفها شديدة، مع أنه لم توضع لها ألفاظ مفردة، وكذا أصناف الاعتمادات متميزة، مع أنه لم توضع لها ألفاظ مفردة. وأما المعارضة: فمن وجهين: أحدهما: أن الوجوب، كما أنه معنى تشتد الحاجة إلى التعبير، عنه فكذا أصل الترجيح، أعني القدر المشترك بين الوجوب والندب. والندب: معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه، فوجب أن يضعوا له لفظا، ولا لفظ له سوى (افعل) فوجب كونه موضوعا له. ومن قال: إنه للندب وحده، قال: الندبية معنى تشتد الحاجة إلى تعريفها، فلا بد من لفظ، ولا لفظ سوى هذا، فوجب كونه للندب. ومن قال بالاشتراك قال: قد يحتاج الإنسان إلى التعبير عن أحد هذين

стр. 1129

الأمرين، على سبيل الإبهام، فلا بد من لفظ، ولا لفظ له إلا هذا، فوجب كونه موضوعا لهما بالاشتراك. وثانيهما: أن الوجوب: معنى تشتد الحاجة إلي التعبير عنه، فلو كانت صيغة (افعل) موضوعة له، لوجب أن يعرف ذلك كل أحد، ولو عرفه كل أحد، لزال الخلاف، فلما لم يزل، علمنا أنه غير موضوع له سلمنا أنه لا بد من لفظ، وأن ذلك اللفظ هو: (افعل) فلم لا يجوز أن يكون موضوعا للندب أيضًا بالاشتراك؟ ثم نقول: الدليل الذي ذكرتموه يقتضي إثبات اللغة بالقياس، وهو غير جائز. والجواب: قوله: لا نسلم شدة الحاجة إلى التعبير عن معنى الوجوب، قلنا: الدليل عليه أن الإنسان الواحد لا يستقل بإصلاح كل ما يحتاج إليه، بل لا بد من الجمع العظيم، حتي يتعين كل واحد منهم صاحبه في مهامه، لتنتظم مصلحة الكل، وإذا احتاج الإنسان إلى فعل يفعله الغير، لا محالة، وأن ذلك الغير لا يعلم منه ذلك إلا إذا عرفه، فحينئذ يحتاج إلى أن يعرفه أنه لا بد وأن يأتي بذلك الفعل، وأنه لا يجوز له الإخلال به، فثبت أن هذا المعنى، مما تشتد الحاجة إلى تعريفه. قوله: (هب أنه لا بد من تعريفه، فلم قلت: إن ذلك التعريف لا يحصل إلا باللفظ). قلنا: (هب أنه لا بد من تعريفه، فلم قلت: إن ذلك التعريف لا يحصل إلا باللفظ؟) قلنا: لأنهم إنما اتخذوا العبارات معرفات لما في الضمائر دون غيرها، لأجل أن الإتيان بالعابرات أسهل من الإتيان بغيرها، وهذا المعنى قائم في مسألتنا فوجب القول به.

стр. 1130

قوله: (لم لا يكفي فيه قوله: أوجبت، وألزمت؟) قلنا: لأن اللفظ أخف على اللسان من المركب، فيغلب على الظن أن الواضع وضع لفظا مفردا لهذا المعنى قياسا على سائر الألفاظ المفردة. قوله: (لم قلت: إنه لا مانع؟) قلنا: لأن الموانع بأسرها كانت معدومة والأصل بقاء ذلك العدم، فيحصل من هذا ظن أنه لا مانع، والدليل الذي ذكرناه ظني، فيكون ذلك كافيا في تقريره. قوله: (اللغات توقيفية، فلعلهم منعوا عن الوضع): قلنا: الأصل في كل أمر بقاؤه على ماكان، والأصل عدم التوقيف، وعدم المنع من الوضع، فيحصل ظن بقاء ذلك. قوله: لم قلت: إنه إذا وجد الداعي في حق القادر، وانتفى الصارف وقع الفعل؟ قلنا: الدليل عليه أن القادر على الفعل، إن لم يكن متمكنا من الترك، فقد تعين الفعل رن لم يكن متمكنا من الترك، فقد تعين الفعل وإن كان متمكنا من الترك، فعند الداعي، إما أن يترجح أو لا يترجح: فإن لم يترجح ألبتة، لم يكن الداعي داعيا، وذلك محال، وإن ترجح، وجب الوقع، وتمام تقرير هذا الكلام في كتبنا العقلية. وأما النقوض: فهي مندفعة، لأنا لا نسلم أن اشتداد الحاجة إلى اشتداد الحاجة إلى تعيين الحال، والاستقبال، والروائح المخصوصة، والاعتمادات المخصوصة مساوية.

стр. 1131

لاشتداد الحاجة إلى التعبير عن معنى الإلزام، فإن الإنسان في تمر عليه مدة طويلة، ولا يحتاج إلى التعبير عن تلك الأشياء مع أنه في كل لحظة يحتاج إلى التعبير عن معنى الوجوب. وأما المعارضة الأولى: فجوابها: أنا لو جعلنا اللفظ حقيقة في الوجوب، كان الترجيح لا زما للمسمى، فأمكن جعله مجازا عن الترجيح. أما لو جعلناه حقيقة في الترجيح، لم يكن الوجوب لا زما للمسمى، فلا يمكن جعله مجازا عنه، فكان ذلك أولى. قوله: (الحاجة إلى التعبير عن الندبية شديدة): قلنا: لكن الوجوب أولى، لأن الواجب لا يجوز الإخلال به، والمندوب يجوز الإخلال به، والإخلال ببيان ما يجوز الإخلال به أولى من الإخلال ببيان ما لا يجوز الإخلال به. وأما المعارضة الثانية: فهي: (أن اللفظ، لو كان للوجوب، لاشتهر): قلنا: هذا إنما يلزم، لم سلم عن المعارض، أما إذا كان له معارض، ولم يظهر الفرق بينه، وبين معارضه إلا على وجه مخصوص غامض، لم يلزم ذلك. قوله: (هب أن لفظ (افعل) موضوع للوجوب، فلم لا يجوز أن يكون موضوعا للندب أيضا بالاشتراك): قلنا: لما تقدم، أن الاشتراك على خلاف الأصل. قوله: (هذا إثبات اللغة بالقياس): قلنا: سنبين في كتاب القياس- إن شاء الله تعالى أنه جائز.

стр. 1132

الدليل السادس عشر: حمله علي الوجوب يفيد القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر، وحمله علي الندب يقتضي الشك فيه، فوجب حمله على الوجوب، وإنما قلنا: إن حمله علي الوجوب يفيد القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر، لأن المأمور به: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا: فإن كان واجبا: فحمله على الوجوب يقتضي القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر. وإن كان مندوبا: فالقول بوجوبه سعي في تحصيل ذلك المندوب بأبلغ الوجوه، وذلك يفيد القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر، فإذن على كلا التقديرين: هو غير مقدم على مخالفة الأمر. أما لو كان واجبا، ونحن قد جوزنا له الترك: كان ذلك الترك مخالفة للأمر، فثبت زن حمله على الندب يقتضي الشك في كونه مخالفا للأمر. وإذا ثبت هذا، فنقول: وجب حمله على الوجوب، للنص والمعقول.: أما النص: فقوله ﵊: (دع ما يريبك إلي ما لا يريبك) وأما المعقول: فهو: أنه إذا تعارض طريقان: أحدهما آمن قطعا، والآخر مخوف كان ترجيح الآمن على المخوف من موجبات العقول. فإن قيل: لا نسلم أن حمله على المندوب يقتضي الشك في الإقدام على المحظور.

стр. 1133

قوله: (لأنه بتقدير أن يكون المأمور به واجبا كان حمله على الندب سعيا في الترك وأنه محظور): قلنا: لا نسلم أنه يمكن زن يكون المأمور به واجبا، فإنا لو علمنا بدلالة لغوية: أن الأمر ما وضع للوجوب، وعلمنا أن الحكيم لا يجوز أن يجرده عن قرينة إلا والمأمور به غير واجب، فإذا حملته على الندب، أمنت الضرر. سلمنا قيام هذا الاحتمال، ولكن حمله على الوجوب فيه أيضا احتمال للضرر، لأن بتقدير ألا يكون الحق هو الوجوب، كان اعتقاد كونه واجبا، جهلا، وتكون نية الوجوب قبيحة، وكراهة أضداده قبيحة. والجواب: إذا علمنا أن لفظ (افعل) لا يجوز استعماله إلا في أحد المعنيين: إما الوجوب، أو الندب، فقبل أن يعلم ما يدل على كونه للوجوب فقط، أو للندب فقط، أولهما معا فإنا إذا حملنا على الوجوب، قطعنا بأنا ما خالفنا الأمر، وإذا حملناه على الندب، لم تقطع بذلك. فإذن: قبل أن يعلم ما يدل على كونه للوجوب فقط، أو للندب فقط، يقتضي العقل حمله على الوجوب، ليحصل القطع بعدم المخالفة. ثم بعد ذلك: قيام الدليل على أنه للندب إشارة إلى المعارض، من ادعاه، فعليه الدليل قوله: (حمله على الوجوب يقتضي احتمال الجهل): قلنا: ما ذكرتموه إشارة إلى احتمال الخطأ في الاعتقاد، وهو قائم في الطرفين، وما ذكرناه، فهو احتمال الخطأ في العمل، وهو حاصل على تقدير

стр. 1134

الندب، دون تقدير الوجوب، وإذا اشترك الطرفان في أحد نوعي الخطأ، واختص أحدهما بمزيد خطأ، كان الجانب الخالي عن هذا الخطأ الزائد، أولى بالاعتبار، والله زعلم. واحتج من أنكر كون الأمر للوجوب، بأمر: أحدها: أن العلم بكون الأمر للوجوب: إما أن يكون عقليا، أو نقليا: فالأول: باطل، لأن العقل لا مجال له في اللغات. وأمّا النقل: فإما أن يكون تواترا، أو آحادا: والتواتر باطل، وإلا لعرف كل واحد بالضرورة أنه للوجوب. والاحاد باطل، لأن المسألة علمية، ورواية الاحاد لا تفيد العلم. وهذه الحجة يحتج بها من يقول: لا أدري أن اللفظ موضوع للوجوب فقط، أو للندب فقط، أولهما معا، لأنه لو ادعى الاشتراك، أو الندبية، لزمه أن يقال: العلم بالاشتراك أو الندبية، إنما يستفاد من العقل أو النقل، إلى اخر التقسيم. وثانيها: أن أهل اللغة قالوا: لافرق بين الأمر والسؤال إلا من حيث الرتبة، وذلك يقتضي اشتراكهما في جميع الصفات سوى الرتبة، فكما أن السؤال لا يدل على الإيجاب، بل يفيد الندبية، فكذلك الأمر. وثالثها: أن لفظ (افعل) وارد في كتاب الله وسنة رسوله في الوجوب والندب، والاشتراك والمجاز على خلاف الأصل، فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك، وهو أصل الترجيح، والدال على ما به الاشتراك غير الدال على مابه الامتياز، لا بالوضع، ولا بالاستلزام، فلا يكون لهذه الصيغة إشعار ألبتة.

стр. 1135

بالوجوب، بل لا دلالة فيها إلا على ترجيح جانب الفعل، وأما جواز الترك، فقد كان معلوما بالعقل، ولم يوجد ما يزيل ذلك الجواز. فإذن: وجب الحكم بأنذلك الفعل راجح الوجود على العدم، مع كونه جائز الترك، ولامعنى للندب إلا ذلك. والجواب عن الأول: أن نقول: لم لا يجوز أن يعرف ذلك بدليل مركب من النقل والعقل، مثل قولنا: تارك المأمور به عاص، والعاصي يستحق العقاب، فيستلزم العقل من تركيب هاتين المقدمتين النقليتين، أن الأمر للوجب. سلمناه، فلم لا يجوز أن يثبت بالاحاد، ولا نسلم أن المسألة قطعية؟ وقد بينا أنه لا يقين في المباحث اللغوية. وعن الثاني: أن عندنا أن السؤال يدل على الإيجاب، وإن كان لا يلزم منه الوجوب، فإن السائل قد يقول للمسئول منه: (لا تخل بمقصودي، ولا تتركه، ولا تخيب رجائي) فهذه الألفاظ صريحة في الإيجاب، وإن كان لا يلزم من هذا الإيجاب الوجوب. وعن الثالث: أن المجاز، وإن كان على خلاف الأصل، لكنه قد يوجد، إذا دل الدليل عليه، وقد ذكرنا أن الدليل دل على كونها للوجوب، فوجب المصير إليه، والله أعلم. المسألة الثانية قال القرافي: قوله: (لنا قوله تعالى لإبليس: (مامنعم ألا تسجد إذ أمرتك ([الأعراف: ١٢].

стр. 1136

............................................

стр. 1137

...............................................................

стр. 1138

.....................................................

стр. 1139

......................................................

стр. 1140

قلنا هاهنا مزاحم يقتضي الوجوب غير الأمر، وهو قوله تعالى قبل ذلك (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [الحجر:٢٩]

стр. 1141

والقاعدة: أن التعاليق اللغوية أسباب، فيكون حصول آدم وتسويته سببا للسجود، والسبب واجب الترتيب على سببه، وهذا معنى يقتضي الوجوب غير الأمر مما يتعلق إضافة الوجوب للأمر. (سؤال) قال التبريزي: الآية دالة على الأمر للوجوب لا (افعل) فيحتاج إلى بيان أن المندوب ليس مأمورا به وهذا هو أول المسألة، وإذا ثبت ذلك استغنى عن الاية.

стр. 1142

(فائدة) وردت هذه اللفظة في القرآن مع (لا) وبدونها، فحيث وردت فهي زائدة مؤكدة قائمة مقام إعادة الجملة مرتين، كما تقدم بيانه في باب التأكيد. قوله: (الظاهر يقتضي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علّية ذلك الوصف لذلك الحكم، وهاهنا ترتب الذمّ على ترك ما يسمى أمرًا، فيكون هذا المسمى حيث وجد سبب الذم والأمر في سائر اللغات موجود، لأن سائر العجم إذا طلبت من غيرها شيئا طلبا جازما، وعلمت العرب صدور ذلك منها سمته أمرًا، فاستوت حينئذ اللغات في أن ترك الأمر يوجب الذم.

стр. 1143

قوله في المسألة الثانية: (إنما ذمهم لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر). قلنا: هذه العبارة غير متجهة، بل كانوا يعتقدون حقيقة الأمر، وأن هذه الصيغة أمر، بل المتجه أن تقول: لأنهم لم يصدقوا وروده من عند الله تعالى. قوله: (لعله إنما ذمهم لأنهم كذبوا بقوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين) [المرسلات:١٥]. قلنا: القاعدة: أن ترتيب الحكم على الوصف دليل عليّة ذلك الوصف لذلك الحكم، والترتيب إنما وقع هاهنا على ترك الروع لا التكذيب، فدل على أنه المستقل بالذم. قوله: (القضاء إلزام). قلنا: هذا غير متجه، بل القضاء الفعل، قال الله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) [الجمعة:١٠] أي فعلت، وقال الشاعر [آلكامل]: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع أي: فعلهما، يشير إلى مسرودتين. والقضاء: الحكم ومنه قوله تعالى: (وقضى ربك) [الإسراء:٢٣] أي: حكم، ومنه قضاء القاضي، ومما يبطل أنه الإلزام، هاهنا أن قوله

стр. 1144

تعالى: (إذا قضى الله ورسوله أمرًا) [الأحزاب:٣٦] لو كان معناه الإلزام، لكان الله تعالى ألزم عباده أن يأتمروا بأمر الله ويصدرونه، فإن الإلزام لا يتعلق إلا بالأفعال، وألزم الله تعالى الصلاة، أي ألزم فعلها بل يتعين أن يكون الأمر هاهنا معناه: المأمور هو الذي يأتي إلزامه، أما نفس الأمر فلا، ولا شك أن الله تعالى إذا ألزم مأمورا وجب بالإلزام لا بالأمر. (سؤال) سلمنا هذا الدليل، لكنه يقتضي أن أوامر الله تعالى ورسوله لا خيرة فيهما بهذا الوضع الشرعي، والنزاع في هذه المسألة إنما هو في الوضع اللغوي، هل وضعت العرب الصيغة للوجوب أم لا؟ فجاز أن يكون العرب ما وضعت الصيغة للوجوب، ويقول صاحب الشرع: احملوا أوامري على الوجوب، ولا تناقض، بل لو قال الشرع: أوجبت عليكم حمل صيغة الإباحة على الوجوب صح ذلك، ولا يناقض ذلك وضع اللغة، فإن للشرع أن يكلف ما شاء. قوله: (إذا انتفت الخيرة تعين الحظر أو الوجوب) ممنوع بل يبقى الندب والكراهة، فإن الخيرة ظاهرة في التسوية. قال التبريزي: عليه أسئلة. الأول: أن المراد بالأمر: الفعل: والإلزام إنما يأتي فيه، والخيرة إنما تكون فيه. الثاني: أن الآية دلت على أن الأمر إذا اتصل به القضاء كان للوجوب، فلم قلتم: إن الأمر بمجرده يكون للوجوب؟ الثالث: أنها دلت على أن أمر الله ورسوله للوجوب، والنزاع في مطلق الأمر.

стр. 1145

قوله: (تارك المأمور به مخالفة لذلك الأمر، والمخالف يستحق العقاب، ولا معنى بأن الأمر للوجوب إلا ذلك): قلنا: هذا الدليل مركب من الشكل الأول، ومن شرطه أن تكون صغراه موجبة، وكبراه كلية، والكبرى هاهنا جزئية. (بيان) أنه لم يقم الدليل إلا على أن مخالف أمر الله تعالى وأمر رسوله، ﷺ ، ينبغي أن يحذر العذاب وهؤلاء بعض المخالفين، وإنما تكون كلية إذا قام الدليل على أن كل مخالف يستحق العقاب، أو ينبغي أن يحذر العقاب، [بل الذي في الآية ينزل منزلة قول القائل: (وبعض المخالفين)] وذلك غير منتج إجماعا. سلّمنا إنتاجه، لكن قوله: (مخالفة الأمر ترك مقتضاه): قلنا: لا نسلم، ولم لا يجوز أن تكون المخالفة فعل ضد المأموربه، ويكون الترك نقيضا لا ضدا؟ وهو الحق، لأن الفعل وعدمه لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأما الموافقة والمخالفة قد يرتفعان. فإن قيل: وجود العالم لا موافقة ولا مخالفة، والضد أخص من النقيض، ولا يلزم من اولعيد على الأخص الوعيد على الأعم، كالوعيد على شرب الخمر، ولحم الخنزير دون مطلق اللحم ومطلق الشراب، سلّمنا إنتاجه لكن هذا يفيد أن أوامر الشرع جعلها صاحب الشرع كذلك، فلم قلتم: إن أصل اللغة كذلك؟ بل هذه الآية ونحوها يمكن أن يستدل بها على أن الأمر في اللغة ليس للوجوب، لأنه لو كان للوجوب لاكتفى بذلك

стр. 1146

عن إبداء نصوص في الشريعة تقتضي العقاب، فلما وردت الآيات بالوعيد دلّ على خلو اللغة عن ذلك، لأن الأصل عدم المرادف في الأدلة. قوله: (الآية دلت على أن الأمر بالحذر عن المخالفة، ولا على أمر المخالف بالحذر): قلنا: والمقصود حاصل على هذا التقدير أيضا، فإنا إذا قلنا: احذر المخالف لزيد، فإن ذلك يدل على أن مخالفة زيد سبب يوجب الضرر، ولانعني بأن الأمر للوجوب إلا ذلك، ثم الفاعل هاهنا إذا لم يكن (المخالفين) فإما أن يعود على المتسللين أو غيرهم، والأول باطل، وإلا لزم أن يظهر (بالواو) لأنه حينئذ ضمير جماعة، وإن عاد على غيرهم فهو محال لعدم ذكره، وحذف الفاعل مطلقا لا سبيل إليه، فيتعين أن يكون (الذين) هو الفاعل، وهو المطلوب. وهذا يتجه أكثر من جواب الكتاب. قوله: (الآية دالة على الأمر بالحذر للمخالف عن الأمر لا مخالف الأمر، وتزاعنا إنما هو فيمن خالف أمر الله تعالى، لا في المخالف عن أمر الله تعالى). قلنا: (عن) هاهنا للمجاوزة، لأن الفعل تضمن معنى المجاوزة واستعمل في المجاوزة من غير تضمين، وقد تقدم الفرق بينهما، وهو أن التضمين هو الجمع بين الحقيقة والمجاز، والمجاز إعراض عن الحقيقة بالكلية. ووجه تعلق الغرض بالمجاوزة أن أمر الله تعالى إذا أورد على المكلف، ومات في الزمان الذي يلي ورود الأمر لا يكون عاصيا، لأن زمن الموت حينئذ يكون أول أزمنة الإمكان، فلا بد أن يتجاوز الأمر في ذلك الزمان فما

стр. 1147

بعده، ولا يفعل فيها شيئا، فدل ذلك على أن المجاوزة مقصودة في الأوضاع الشرعية، فذلك أتى بـ (عن)، فليست زائدة، ومعناها صحيح مقصود. قوله: (قلنا: المراد مخالف كل أمر أو أمر واحد، وعندنا أمر واحد للوجوب، يعني الأمر بالإيمان ونحوه مما اتفق على وجوبه): قلنا: الآية شاملة لمل أمر، لأن القاعدة أن اسم الجنس إذا أضيف عمّ، وإن كان مفردا كقوله ﵇: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، والأمر هاهنا مضاف للضمير فيعم. (تنبيه) النكرات قسمان: منها ما يصدق اسم قليلها، ومفردها على الكثير منها. ومنها ما لا يصدق مفردها على كثيرها. فالأول: نحو (الماء) و (المال)، يقال للكثير: (ماء) كما يقال للقليل. والثاني: نحو (رجل)، فإنه لا يقال للكثير رجال بل رجال.

стр. 1148

فإن أضيف الأول، فالعموم فيه ظاهر، وإضافة الثاني فيه تظهر. ففرق بين قول الإنسان: عبيدي أحرار، وبين قوله: عبدي حر أن التعميم في الأول دون الثاني، وسيأتي تحريره في (باب العموم) إن شاء الله تعالى. فهل (أمر) مما يصدق على الكثير، فيقال للأوامر الكثيرة: أمر أم لا؟ إن لم يمنع استقام البحث. قوله: (لما لم تحصل موافقة الأمر حصلت مخالفته): قلنا: الخصم قد قال: موافقة الأمر اتيان بمقتضاه على الوجه الذي اقتضاه، فإذا اقتضى ندبا، ففعلناه وجوبا لا نكون موافقين له، ثم إن الموافقة والمخالفة ضدان، لا نقيضان، والضدان يمكن ارتفاعهما، ألا ترى أنه قبل ورود الأمر لا موافقة ولا مخالفة؟ وكذلك قبل وجود العالم لم يوجد طائع ولا عاص، ولا موافق لأمر الله تعالى ولا مخالف، فإن الموافقة عند الخصم الإتيان به على وجه الوجوب مخالفة الأمر، فلا يتجه المدرك من الآية على هذا التقدير على أن الأمر للوجوب، وهي إنما دلت على أن المخالف يحذر، فالخصم يقول بموجب الآية، ويقول: المخالف عندي هو الآتي بالفعل على سبيل الوجوب. قوله: (هذا يكون لموافقة الدليل الدال على كون ذلك الأمر حقا، لا موافقة الأمر): قلنا: تقريره: أن اعتقاد أن هذا الأمر حق إنما نشأ عن المعجزة الدالة على النبوة لا عن الأمر. فالمعجزة: هي الدليل الدال على أن الأمر حقّ.

стр. 1149

والاعتقاد: موافقة، والإتيان بالفعل موافقة الأمر. قوله: (فإذا دل الدليل على حقيقة ذلك الأمر): قلنا: لا تتجه هذه العبارة، بل المتجه أن نقول: إذا دل الدليل على أن ذلك الأمر صادر من جهة الله تعالى، أما حقيقة الأمر فقد تقدم أن الحق هو الموجود فنقول: الكلام إلي ذلك الأمر موجود، وكونه موجودا لا يحتاج للمعجزة، بل كونه من قبل الله تعالى فقط قوله: (قال النحاة: تعلق الفعل بفاعله أقوى من تعلقه بمفعوله): قلنا: مسلم، لكناّ في هذا المقام لم نقدم مفعولا على فاعل حتى يتجه مثل هذا الكلام، بل قلنا: يجعل غير (الذين) فاعلا، والنحاة لم تقل: إن (الذين) بالفاعلية أولى من غيره، ففرق بين تقديم المفعول على الفاعل، وبين تقديم أحد الاسمين على الآخر في أن يجعل فاعلًا، هذا ليس مورد ذلك النقل عن النحاة، فلا يحتج به علينا. قوله: (النسللون هو المخالفون، فلو كانوا هم المأمورين بالحذر لكانوا مأمورين بالحذر عن أنفسهم، وإنه لا يجوز): قلنا: عليه سؤلان: الأول: أنهم ليسوا المخالفين بل بعضهم، لأن الذين يخالفون صيغة عموم تتناولهم وغيرهم. وثانيهما: سلمنا أنهم المخالفون، لكن لم قلتم: إن الإنسان لا يؤمر بالحذر عن نفسه، فقد ﵇: (شر أعدائك نفسك التي بين جنبيك) وإنما قصد ﵇ بذلك التحذير، وأنه لا شيء يحذر

стр. 1150

أعظم ضررا من النفس، وبه جاءت السنة، واكلتاب العزيز: (إن النفس لأمارة بالسوء) [يوسف:٥٣] ونحوه. وثالثها: أن الجواب الصحيح قد تركتموه، وهو أن الفعل لو كان (المتسللون) لظهر الضمير في الفعل بالواو، فقال تعالى: (فليحذروا) [المائدة:٤١] بالواو إجماعا، لأن فعل الجماعة إذا تأخر عنها وجب جمع الضمير، وإذا تقدم (وجد إلا ما قل وروده) من ذلك قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) [الأنبياء:٣] وعن العرب: ألكوني البراغيث، واتحاده هو الذي تقدم، ونصوص النحاة متظافرة عليه. قوله: (ويبقى قوله [أن تصيبيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم] [النور:٦٣] ضائعا). تقريره: أن فعل الحذر إنما يتعدى لمفعول واحد، تقول: حذرت زيدا كما تقول: أكرمت زيدا، وضربت زيدا، فيكون الذين مفعولا له، فيكون قد استوفى مفعوله، ولم يبق فيه عمل لنصب مفعول آخر، كما إذا قلت: ضربت زيدا ألا يمكن أن تنصب به مفعولا آخر على أنه مفعول به؟ بل على المصدر، أو الحال، أو المفعول معه، أو غير ذلك من زنواع المنصوبات غير المفعول به. أما المفعول به فلا يمكن ذلك في لغة العرب، فلا يبقى لقوله: (أن تصيبيهم فتنة) عامل يعمل فيه، أما أذا جعلنا (الذين) فاعلا يكون (أن تصيبهم فتنة) عامل يعمل فيه، أما إذا جعلنا (آلذين) فاعلا يكون تصيبهم فتنة) مفعولا [فلا يلغو كلام صاحب الشرع. ويرد عليه: أنا إذا جعلنا (الذين) مفعولا يبقى (أن تصيبهم فتنة) مفعولا] من أجله، فلا يلغو، كقولك: حذرت زيدًآ أن يسرق مالي.

стр. 1151

قوله: (لا ندعي وجوب الحذر بل حسنه، وحسنه موقوف على قيام المقتضى للحذر، وإلا لكان ذلك عبثا): تقريره: أن الحائط المائل يحسن التحذير منه لوجود المقتضي للحذر، أما الحائط القوي فلا يحسن التحذير منه لعدم المقتضي للحذر، والتحذير عن مثل هذا عبث في العادة واللغة، فإذا حسن الحذر، وكان المقتضى موجودا، فالمقتضى هو موقع الذم الشرعي، ولا معنى بالوجوب إلا ذلك. (سؤال) قال التبريزي: التردد بين الضرر وعدمه على نحو من التقارب، أو التنازع في كونه كذلك يحسن التحذير منه عرفا، والأمر متردد بين الوجوب وعدمه، والنزاع فيه، فيحسن التحذير منه . قوله: (يجوز استثناء كل واحد من أنواع المخالفات، فيقال: فليحذر الذين يخالفون إلا مخالفة الأمر الفلاني): قلنا دخول الاستثناء في المخالفات يفيد العموم في المخالفات لا في الأوامر، فجاز أن يكون الأمر واحدًا، وجميع مخالفاته على العموم ممنوعة، فهذا غير متجه، بل المتجه أن نقول: يصح استثناء كل أمر من هذه الصفة، فيكون للعموم. سلمنا صحة العبارة، لكن الاستثناء أربعة أقسام: ما لولاه لعلم دخوله، كالاستثناء من النصوص نحو: له عندي عشرة إلا اثنين. وما لولاه لظن دخوله، مالاستثناء من العمومات نحو: اقتلوا المشركين إلا زيدا، فلو كان تناوله لزيد مظنون بخلاف تناول العشرة للاثنين. وما لولاه لجاز دخوله، وهو أربعة أقسام:

стр. 1152

الاستثناء من المحال نحو أكرم رجالا إلا زيدا وخالدا، وعمرا، فإن أخص فهو محل لأعمه، وكان للمكلف أن يعين المحل قبل ذلك الاستثناء. ومن الأزمنة، نحو صل إلا بعد العصر. ومن البقاع، نحو صل إلا في المواضع السبعة. ومن الأحوال، نحو قوله تعالى: (لتأتنني به إلا أن يحاط) [يوسف:٦٦]، أي: في كل حالة من الأحوال إلا في هذه الحالة. وإذا كان الاستثناء على هذا التفصيل، فلعل هذا من قبيل ما يجوز لا من قبيل ما يجب، فلا يحصل المقصود. قوله: (رتب الله تعالى استحقاق العقاب على مخالفة الأمر، وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلّية): قلنا: هذا قياس، والسائل إنما منع العموم، ولا تنافي بين عدم العموم، وثبوت الحكم في كل الأفراد بالقياس، فلم يحسن جوابه ألبتة. وهذا ال سؤال يرد على الوجه الثالث أيضًا. (سؤال) جملة هذا الدليل يقتضي أن أمر الله تعالى يجب حمله على الوجوب، ولا يفيد ذلك أنه في اللغة كذلك، والنزاع إنما هو في اللغة، وأما أوامر الشرع فهي تتبع القرائن عند الخصم. (تنبيه) ينبغي أن يعلم: (أن (المنتخب) أدمج سؤلا في سؤال هذه الآية سهوًا، فأجاب عن أحدهما، وترك الآخر، فقال الآية دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر، أما أمر المخاالف بالحذر فلا، ثم قال: فإن قلت: كلمة (عن) صلة زائدة.

стр. 1153

قلت: الأصل ألا تكون كذلك. فهذا جواب عن سؤال لم يذكره، وهو أن المأمور المخالف عن الأمر لا يخالف الأمر، فشرع يجيب عن سؤآل لم يذكره، وترك الجواب عن الذي أورده بالكلية، فتأمله. قوله: (تارك المأمور به عاص، والعاصي يستحق العقاب): قلنا: هذا الدليل من الشكل الأول، وشرطه أن تكون صغراه موجبة، وكبراع كلية وهي هاهنا جزئية، لأنه لم يثبت إلا أن الذي يعصي الله ورسوله يستحق العقاب، وهؤلاء بعض العصاة، فيصير معنى النظم: تارك المأمور به عاص، وبعض العصاة يستحق العقاب، وذلك غير مفيد بإجماع أهل النظر، بل لا ينتج حتى يثبت بالدليل أن كل عاص كيف كان يستحق العقاب. قوله: (يلزم التكرار في قوله تعالى: (لا يعصون الله ما زمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم:٦]). قلنا: لا نسلم التكرار في قوله تعالى، بل قال بعض العلماء قوله: (لا يعصون الله ما أمرهم) إخبار عن الواقع منهم، أي عدم المعصية دائماً، وقوله تعالى: (ويفعلون ما يؤمرون) إخبار عن سجياتهم، أي الذين طبعوا عليه هو الطاعة، كما أنهم يلهمون التسبيح كما يلهم أحدكم النفس، وإذا كان أحدهما إخبارا عن الواقع والآخر إخبار عن السجية والفكرة التي فطروا عليها فلا تكرار. قوله: (الآية حكاية حال، فيكفي في تحقيقها صورة واحدة): قلنا: لفظ (ما) من صيغ العموم، لأنها لمعنى الذي، أو مصدرية فيكون معناه: في أمره، وهو أيضا عام، أو زمانية فيكون معناه: لا يعصون

стр. 1154

الله في أي زمان أمرهم فيه، وهي أيضا للعموم، كقولك: لا أعصيك ما طرد الليل النهار، أي: في جمع الأمنة. قوله: (معنى الآية: لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي): قلنا: يبعد ذلك من جهة أن النحاة نصوا على أن (لا) لنفي المستقبل،،واستعمالها بمعنى (لم) قليل، نحو قوله تعالى: (فلا صدق ولا صلّى) [القيامة:٣١] أي لم يصدق، فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي (لا) أيضا. فالجواب المتقدم أولى، ويكون: (ويفعلون ما يؤمرون) إخبارا عن السجية التي هم عليها، لا سيما والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة، مقولهم: زيد يعطي ويمنع، ويصل ويقطع. وقالت خديجة ﵂ لرسول الله ﷺ : (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) أي شأنك ذلك في الماضي، والحال، والمستقبل، وهو مجاز واحد في

стр. 1155

المضارع، فيكون أولى من مجازين في الفعل والحرف، لا سيما وهو مجاز مشهور، والأول قليل جدا. قوله: (الاستحباب لازم للوجوب، وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز): قلنا: هذه العبارة غير متجهة، لأنه إنما ادعى الملازمة لا السببية، فكان المتجه أن يقول: وإطلاق اسم الملزوم على اللازم جائز، ولا معنى للسببية هاهنا. قوله: (ليس الحكم بكون هذه الصيغة للوجوب محافظة على عموم قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله) [النساء:١٤] أولى من القول بأن المستحب مأمور به محافظة على صيغ الأوامر الواردة في المندوبات): تقريره: أن أحد التحصيصين لازم، إما تخصيص الآية، أو تخصيص صيغ الأوامر. بيانه: أنك إن أثبت قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله) على عمومه لا تخرج منه شيئا بألا تعتقد أن فيه مندوبا يخرجه لزمك أن تخرج بعض صيغ الأوامر لا تخرج عن أن تكون مستعملة في موضوعها الذي هو الوجوب، وإن ثبتت صيغ الأوامر لا تخرج منها شيئا بأن تعتقد أن صيغة الأمر موضوعة لمطلق الرجحان يلزم إخراج بعض مخالفي الأمر عن الوعيد، وهم الذين خالفوا أمر الندب. وفي التحقيق التخصيص في الآية والمجاز في صيغ الأمر لا التخصيص، لأنه استعمال لما وضع للوجوب في الندب، فتعارض التخصيص والمجاز، والتخصيص أولى تقدم في مسألة التعارض.

стр. 1156

قوله: (لو جعلنا الصيغة لأصل الترجيح لم يكن الوجوب لا زما، فلا يمكن جعله مجازا ممنوع، فإنا نتجوز بالأسد لزيد الشجاع، والأسد لا يلزمه زيد، ونتجوز بلفظ الجزء للكل، والكل غير لازم للجزء، بل هذا الكلام من المصنف نشأ عن اعتقاد أن دلالة اللفظ هي الدلالة باللفظ، وقد تقدم الفرق بينهما من خمسة عشر وجها، ولما كانت دلالة الالتزام شرطها الملازمة الذهنية، جعل هذا الشرط في المجاز الذي هو من الدلالة باللفظ، والشرط إنما هو دلالة اللفظ في نوع منها، فتأمل ذلك. ولهذة المقدمة ادعى في (المعالم) أن من شرط المجاز هو الملازمة الذهنية، وليس كذلك، وتكرر منه هذا الكلام في نحو عشرين موضعا في (المحصول)، وهو غير متجه، لما سمعته الآن وقبل ذلك. قوله: (رتب الله تعالى المعصية على مخالفة الأمر، فيكون المقتضى للاستحقاق هذا المعنى): قلنا: هذا تعميم للحكم بالقياس، والخصم إنما منع عموم اللفظ، فلا يدفع سؤاله العموم بالقياس. قوله: (الخلود هو المكث الطويل لا الدائم): قلنا: الغالب في استعمال صاحب الشرع له في الدائم، وحمل اللفظ على الغالب أولى. قوله: (إنه ﵇ دعا أبا سعيد الخدري فلم يجبه):

стр. 1157

قلنا: الذي نقله البخاري في هذه القصة: أبو سعيد الخدري بن المعلّى، والخذري لا مدخل له في هذه القصة. قال البخاري في (التفسير) في كتابه المعروف بـ (آلبخاري): ثنا إسحاق، ثنا روح،

стр. 1158

ثنا شعبة عن خبيب بن عبدالرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى قال: (كنت أصلي فمرّ رسول الله ﷺ فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: (ما منعك أن تزتي ألم يقل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) [الأنفال:٢٤] ثم قال: (لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج)، فذهب رسول الله ﷺ ، ليخرج فذكرت له، وقال معاذ: ثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن سمع

стр. 1159

حفص بن عاصم سمع أبا سعيد رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال هي: (الحمد لله رب العالمين السبع). وقال أبو داود في الصلاة:

стр. 1160

ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا خالد عن شعبة عن خبيب بن عبدالرحمن، قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي ﷺ مرّ به وهو يصلّي فدعاه، فصليت ثم أتيته، قال: (ما منعك أن تجيبني)، قال: كنت أصلي: قال (ألم يقل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) [الأنفال:٢٤] ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة قبل أن أخرج من المسجد). قال: فقلت: يارسول الله قولك، فقال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني الذي أوتيت في القرآن العظيم). ورواه أيضًا النسائي في (آلتفسير)، وابن ماجه في (النسخ).
следующие страницы →