Полный текст (4 032 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تقريره: أن الحقائق في نفس الأمر، صفات نسبتها إليهما كنسبة صفات لنفوس إليها، مثال: العقرب من صفاتها تأليف الجسمية، ويمتنع أن يكون عقربا بدون ذلك، فنسبة هذا المعنى إليه كنسبة العلم إلى النفس من جهة أنه لايجوز خلافي، ومن صفاتها غلبة الأذى عليها، فنسبه هذا المعنى إليه كنسبة الظن للنفس من جهة أن فيه طرفا راجحا وطرفا مرجوحا، ومن صفاتها أن نسبة ذاتها إلى حصولها في البقعة المعينة، ولا حصولها على السواء، فنسبة هذا إليها كنسبة الشك إلى النفس من جهة الاستواء، وكذلك الغيم الرطب يوصف بالجسمية، فلا يجوز خلافها، ونقله للأمطار فيكون راجحا كالظن في النفس، ونسبته إلى نفعه من الأرض نسبة واحدة، وكذلك جميع الحقائق، وظهر بهذا أن الرجحان والغلبة قد يكون في المعتقد كالمطر ونحوه، وقد يكون في الاعتقاد، وهو الطرف الراجح المسمى ظنا، فعلى هذا الاعتقاد المتعلق برجحان المعتقد قد يكون علما، كما نعقتد نحن في رجحان أذى العقرب وغلبته، فإنه معلوم لنا، وقد يكون ظنا في حق من لم يرها قط، نظرا إلى شوكها وسرعة حركتها، فيغلب على ظنه أنه حيوان مؤذ، وقد يكون شكا، كما إذا استوى عنده الأمران، أو تقليدا كما إذا سألنا وقلدنا، أو جهلا مركبا، بأن يكون في أرضه حيوان شائك شبها، فظن أنها ذلك الحيوان، واعتقد انها عظيمة النفع عديمة الضرر، كذلك الحيوان الذي بأرضه؛ لأنه لم يرها إلا لآن، فهذا جهل مركب، فظهر أن الاعتقاد المتعلق بالرجحان الكائن في الحقائق التى هي المعتقدات تنقسم إلى خمسة:
العلم، والظن، التقليد، والجهل المركب، والشك على ما تقدم له في التقسيم، وإلا فالشك ليس اعتقادا.
وأما رجحان الاعتقاد فهو الاحتمال الراجح الكائن في النفس، فيتعذر أن
стр. 107
يكون علما لأجل الاحتمال المرجوح، وأن يكون شكا لأجل الاحتمال الراجح، ويتعين أن يكون ظنا ليس إلا، والذي هو ظن ليس إلا مغايرا لما ينقسم إلى خمسة أجزاء. أحدها: الظن فظهر قوله: إن اعتقاد رجحان الوقوع مغاير لرجحان اعتقاد الوقوع، فالثانى هو الظن، والأول هو المنقسم للخمسة.
((تنبيه))
قال في ((المنتخب)): ((الظن رجحان الاعتقاد)) ، وهو مغاير لاعتقاد الرجحان، وهو معنى ما في ((المحصول)) ولفظه، وهاهنا تقريب للمتعلم، وهو أن لارجحان متى كان أول الكلام فهو أقرب إليه، فهو في نفسك وهو الظن، كقولنا: رجحان الاعتقاد، فإن قدمت الرجحان على الاعتقاد، ومتى تأخر الرجحان عن الاعتقاد فقد بعد عنك، فهو في المعتقد كقولك: اعتقاد الرجحان، فإن الرجحان فيى رجحان الاعتقاد في النفس، والرجحان في اعتقاد الرجحان في المعتقد لا في النفس، والإعتقاد في رجحان الاعتقاد هو غير المقسم إلى الخمسة، والاعتقاد في اعقتاد الرجحان هو المنقسم إلى الخمسة، بهذه التنويعات يتضح هذا المشكل، ويقال: لما وصل هذا الكلام إلى ((إفريقية)) من المغرب قالوا: هذه عبارة متكررة، لا فرق
стр. 108
بينها ولا فائدة فيها، وأشكل ذلك عليه، ثم اتضح بعد طول وهو موضوع العذر في الإشكال على من أشكل عليه، وفـ ((الحاصل)) فرق بن الاعتقاد الراجح بأحد النقيضين، اعتقاد الراجح من أحد النقيضين، فالأول هو الظن والثانى هو المنقسم إلى الخمسة، وهذا الكلام يحتاج تقريرا آخر؛ لأنه غير العبارة، فتقول: إنما قال في الأول بـ ((الباء)) وفي الثانى بـ ((من))؛ لأن ((الباء)) للتعلق، كما تقول: العلم متعلق بالمعولم، فمعنى كلامه الاعتقاد الراجح المتعلق بأحد النقيضين هو الظن، فـ ((الباء)) متعلقة بصفة محذوفة، ولا شك أن الظن والعلم وغيرهما إنما يتعلق باحد النقيضين، ضرورة انحصار المعلومات كلها في النقيضين، ومن المحال أن يقعا معا، فالمعولم الوقوع أو المظنون هو أحدهما، والمعلق به دون الآخر، ومعنى قوله: ((من أحد النقيضين)): أن ((من)) للتبعيض أى: لنا اعتقادات ذات علم أو ظن أو غيرهما من الخمسة متعلقة بواحد من النقيضين، فنحن نعتقد الراجح منها هو الوجود أو العدم على قدر الواقع في ذلك في نفوسنا، فالرجحان في الاعتقاد الراجح في النفس، والرجحان في اعتقاد الرجح في المعتقد دون النفس، فظهر معنى كلام ((ألحاصل)) أيضا.
وفي ((التحصيل)) الظن للاعتقاد الراجح من اعتقادى الطرفين، مغياره اعتقاد الراجح منا لطرفين، وقد لا يكون معه اعتقاد آخر، ويحتمل الأمور الخمسة، والأول الظن فهو نحو كلام ((الحاصل))، غير أن عليه سؤلا يخصه في قوله: ((الراجح من اعتقاد الطرفين))، فجعل الطرف
стр. 109
الراجح اعتقادا والمرجوع اعتقادا، والمرجوح لا يصدق عليه أنه اعتقاد، لأن الاعتقاد هو عقد القلب على القضية، والحكم المرجوح يتسحيل أن يعتقده القلب؛ لأنه اعتقد النقيض الآخر، واعتقاد وقوع النقيضين محال، فذكر الجائزين في ((المحصول)) أولى لاندفاع هذا السؤال عنه.
وقال التبرزى: الظن السكون إلى مجوز مع تجويز نقيضه فعلا، احترازا من التجويز العقلى في نفس الأمر، والمحكوم به قد يكون في نفس الأمر الرجحان كرجحان وقوع المطر، وليس بظن، فإن ذلك قد يكون علما، أي معلوما، والرجحان في الحكم الذهنى هو الظن لا الرجحان المحكوم به، فقوله: فعلا يريد وقوعا في العادة؛ لأن العلوم العادية كجزمنا بأن البحر ماء، وأنه لم ينقلب زيتا؛ علما قطعيا مع تجويز العقل انقلاب البحر زيتا.
((تنبيه))
قول الإمام في الأصل: ((ظاهرى التجويز)) احترازا عن العلوم العادية
стр. 110
فإنها تغليب لأحد الجائزين عقلا، فإنا نجزم ببقاء البحر ماء، وهو أحد الجائزين، فلولا قوله: ((ظاهرى التجويز)) لدخلت العلوم العادية في حد الظن، وبقوله: ((ظاهرى التجويز)) خرجت العلوم العادة؛ لأن الاحتمال المرجوح الذي في الظن إذا قيس إلى الاحتمال الحاصل مع العلوم العادةكان ظاهرا جدا، فإن عدم انزل المطر من الغيم الرطب قربب، من مجارى العادات، فصار الاحتمالان والظن كل واحد منهما ظاهر، أما الراجح فبالقياس إلى ما يقابله، وأما المرجوح فبالقيسا إلى الاحتمال العقلى الكائن في العلوم العادية، فهذا معنى ظهور التجويز في الاحتمالين، وإلا فكلامه يقتضى اجتماع النقيضين، لأن أحدهما إذا كان ظارها لم يكن الآخر ظاهرا، فجعله ظاهرها يقتضى أن يكون ظارها وألا يكون ذلك باعتبارين، هو مرجوح باعتبار ماقبله، وراجح باعتبار مقابل العولم العادية، فلا محال حينئذ.
((فائدة))
وقع في بعض نسخ ((المنتخب)) كالغيم الرطب المسف - بالسين المهملة- ومعناه: القريب من الأرض.
تقول العرب: اسف الطائر إذا قارب الأرض في طيرانه، والسحاب إذا أثقل بحمل الماء تدلى وقرب من الأرض، فلذلك كان لقربه من الأرض فدخل في ظن الأمطار.
***
стр. 111
الفصل الرابع
في النظر والدليل والأمارة
قال الرازي: أما النظر فهو ترتيب تصديقات في الذهن؛ ليتوصل بها إلى تصديقات أخر،
والمراد من التصديق: إسناد الذهن أمرا إلى أمر بالنفي أو بالإثبات إسنادا جازما، أو ظاهرا
ثم تلك التصديقات التي هي الوسائل، إن كانت مطابقة لمتعلقاتها، فهو النظر الصحيح وإلا فهو النظر الفاسد.
ثم تلك التصديقات المطابقة: إما أن تكون بأسرها علوما؛ فيكون اللازم عنها أيضا علما، وإما أن تكون بأسرها ظنونا، فيكون اللازم عنها أيضا ظنا، وإما أن يكون بعضها ظنونا، وبعضها علوما؛ فيكون اللازم عنها أيضا ظنا؛ لأن حصول النتيجة موقوف على حصول جميع المقدمات، فإذا كان بعضها ظنا، كانت النتيجة موقوفة على الظن، والموقوف على الظن ظن، فالنتيجة ظنية؛ لا محالة.
وأما الدليل، فهو الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم.
وأما: الأمارة، فهي التي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيها، إلى الظن.
قال القرافي: تقريره: يتحصل بالإيراد عليه ، فلا حاجة للتَكرا وعليه تسعة أسئلة:
الأول: على قوله: ((ترتيب تصديقات)) هو صيغة جمع، مع أن البرهان
стр. 112
القاطع قد قام على أن الدليل يستحيل أن يتركب من أكثر من مقدمتين تامتين، وحيث احتاج الدليل أو المطلوب إلى مقدمات كثيرة فإنما ذلك لعدم تمام المقدمتين أو إحداهما، والمقدمات الزائدة لتمامها أو لتمام إحداهما.
وبيانه: أن المحكوم به إذا كان مجهول الثبوت للمحكوم عليه فلا بد من واسطة بينهما، يكون ثبوتها لأحدهما معلوما، وثبوت الآخر لها معلوما، فيلزم ثبوت المجهول للمعلوم، كما إذا جهلنا ثبوت الحدوث للعالم، فيتوسط بينهما التغير.
فنقول التغير ثابت للعالم، والحدوث ثابت للمتغير، فالحدوث ثابت للعالم؛ لأن لازم اللازم لازم، فمن المحال أن تعلم هاتان الملازمتان ولا
стр. 113
.......................................................................
стр. 114
......................................................................
стр. 115
..................................................................
стр. 116
..................................................................
стр. 117
....................................................................
стр. 118
..................................................................
стр. 119
............................................................................
стр. 120
............................................................................
стр. 121
...........................................................................
стр. 122
يحصل العلم، نعم قد لا تعلمان، فنحتاج في كل مقدمة إلى دليل مركب من مقدمتين، وقد يحتاج الدليل الثاني لذلك أيضا، فتكثر المقدمات، فظهر أنه يستحيل الزيادة في الديل على مقدمتين تامتين، ويستحيل أن تحصل النتيجة بأقل منهما، فإنه لو انقطعت الواسطة عن المحكوم عليه أو المحكون به لم يحصل ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه، ونقل عن بعض الفضلاء أنه أنكر هذا، وقال: بل تكفي مقدمة واحدة فإنا نقول:
الحكم ثابت بالإجماع، ولقوله تعالى كذا، والإجماع مقدمة واحدة، وحكاية النص كذلك.
وجوابه: أن إحدى المقدمتين قد تكون معلومة فسكت عنها؛ لأنها معلومة.
وتقريره هاهنا: هذا ثابت بالإجماع، وكل ما ثبت بالإجماع، فهو حق فهذا حق.
فقولنا: ((وكل ما ثبت بالإجماع حق)) أمر معلوم لنا فسكتنا عنه، إنما الذي نشك فيه وجود الإجماع في هذه الصورة فذكرناه، وكذلك أصل المثال الآخر هذا ورد فيه القرآن، وكل ما ورد فيه القرآن فهو حق، وهذه الثانية معلومة، إنما المجهول الأول، فذكرنا المجهول دون المعلوم لعدم الفائدة في ذكره، فظهر أنه لا بد من مقدمتين، وأنهما كافيتان، فاشتراط الجمع لا يصح، فإن قلت: هذا بناء على أن الجمع اثنان، فلا يرد السؤال.
стр. 123
قلت: سلمنا أنها مسألة خلاف، لكن المتبارد إلى الفهم من حقيقة الجمع الثلاث، والبيان بالحدود لايكون بالخفيات وإن كانت حقائق، وهذا السؤال قال بعضهم: ترتب تصديقين.
الثاني: على قوله: ((ترتيب تصديقات)) فإن الترتيب قد يكون صحيحا، وقد يكون فاسدا مختل الشروط، فإنا لو قلنا: كل إنسان حيوان، وكل حجر جماد، صدق أنه ترتيب، ولكنه فاسد، ولا يقع مثل هذا في النظر لعدم اتحاد الوسط بين المقدمتين، أو يتحد الوسط لكن تفقد بعض الشروط الأشكال الأربعة المقررة في المنطق، ننحو قولنا: لا شيء من الإنسان بفرس، وكل فرس حيوان، فإن النتيجة لاشيء من الإنسان بحيوان، وهي باطلة؛ لأن من شرط الشكل الأول أن صغراه موجبة وهذه سالبة، وكذلك: كل إنسان حيوان، وبعض الحيوان فرس، لاينتج بعض الإنسان فرس، لأن من شرط كبراه أن تكون كلية، وهذه جزئية، وهذا كثير لا يضبطه إلا المنطق، فعلم أن الترتيب لا بد وأن يكون على صورة خاصة في النظر، وهو أحد مطلق الترتيب فلا يستقيم.
فإن قلت: قصد أن يكون الحد جماعا للنظر الصحيح والفاسد.
قلت: ليس كذلك؛ لأنه قد خصص الفاسد بعدم مطابقة المقدمات، فلم يرد الفاسد من جهة الترتيب.
الثالث: أن النظر كما يقع في ترتيب التصديقات في البراهين لاكتساب التصديقات يقع أيصا في ترتيب التصورات في الحدود لاكتساب التصورات، فقد خرج من الحد بعض النظر، فلهذا السؤال قال بعضهم: ترتيب معلومات ليعم التصديقات والتصورات.
الرابع: أن النظر قد لا يفضي إلى ترتيب ألبتة، كما إذا كان في طلب التصورات ولم يوجد تعريفها إلا بالرسم الناقص، وهو لازم واحد خارجي مساو للماهية، كقولنا في الإنسان: الضاحك أو الكاتب، فإن الترتيب فرع
стр. 124
التعدد، والمعرف به واحد، فلهذا السؤال قال إمام الحرمين: النظر الفكر، ولم يرد على هذا الوصف.
الخامس: على قوله: ((ليتوصل بها إلى تصديقات أخر)) من أن ماهية النظر من حيث هي هي إنما تفضي في البراهين إلى تصديق واحد، فاشتراط التصديقات يخرج حقيقة النظر من الحد.
فإن قلت: النظر له أفراد، ويقع في كل فرد تصديق، ففي أفراد النظر تصديقات.
قلت: نحن إنما نقصد بالحدود الماهيات الكليات من حيث هي هي، فإذا حددنا الحيوان بأنه الجسم الحساس، لا نتعرض لأنواعه ولا لأفراده، بل للماهية من حيث هي هي، وماهية النظر من حيث هي هي لا تستلزم عددا في النتائج، بل تصديق نتيجة واحدة، فاشتراطه العدد في الناتج يخرج كل صورة ليس فيها إلا نتيجة واحدة.
السادس: سلمنا صحة القيود، لكنه ينتقض بنظر العين، فإنه نظر وليس فيه ما ذكره، ولفظ النظر صالح لنظر العين كما هو صالح لنظر العقل، فإذا قلنا: ((فلان ينظر)) احتمل الأمرين، فكان يجب أن يقول: النظر العقلي ترتيب تصديقات إلى آخره، حتى يخرج نظر العين.
السابع: على قوله: ((إن كانت التصديقات مطابقة لمتعلقاتها فهو النظر الصحيح)) إنه لا يكفي في صحة النظر المطابقة، كقولنا: كل إنسان حيوان، وبعض الحيوان فرس، ينتج بعض الإنسان فرس، وهو باطل، لأنه نظر فاسد مع الطابقة وصدق المقدمات، فحينئذ الفساد قد يكون لعدم المطابقة، وقد يكون لفوات شرط من شرائط الإنتاج، فإن شرط الشكل الأول كلية المقدمة الثانية، وها هنا هي جزئية، وقد يكون الفساد لطرق كثيرة غير عدم المطابقة في المقدمات وتجويز ذلك في علم المنطق؛ فلا يكون تقييده للنظر الصحيح مانعا لدخول بعض الفاسد فيه.
стр. 125
الثامن: على قوله: ((وإن لم تكن مطابقة فهو الفاسد)) يشكل بقولنا: كل إنسان حجر، وكل حجر حيوان، فإن نتيجته: كل إنسان حيوان، وهو حق مع عدم المطابق في المقدمتين.
وجوابه: أن النتيجة هذه حق، لهاتين المقدمتين، بل علمنا أنها حق من جهة أن الواقع كذلك، بل هذا نظر فاسد، ومن سلم صحته لزمه أن هذه النتجية نتيجة، فإن الإنتاج فرع التسليم.
التاسع: أن المطابقة قد تكون مفسرة لموافقة ما في الذهن لوقوعه في المخارج، وقد تكون مفسرة لوقوع ملزوم صحة حكم العقل كما في النسب، وقد تقدم بسطه في أسئلة التقيسم في حكم الذهن بأمر على أمر، وهذا التقسيم الذي هو أعلم من الوقوع في الخارج إن أراده - مع أنه في غاية الخفاء بحيث لا يعرفه أكثر الفضلاء- فقد عرف بما هو أخفي من العرف، فلا يصح التعريف، وإن أراد أحد نوعيه الذي هو الوقوع في الخارج، أشكل عليه بقولنا: زيد بن عمر، وكل من يتولد من نطفة أبيه، فزيد متولد من نطفة أبيه، فهذا نظر صحيح، ومقدماته غير مطابقة، بمعنى أن البنوة ليست موجودة في الخارج لكونها نسبة، فصار ضابط النظر الفاسد غير مانع لدخول بعض النظر الصحيح فيه.
((تنبيه))
في تعريف النظر سبعة مذاهب المتقدم، وفي ((الحاصل)) ترتيب تصديقين ليتوصل بهما إلى استعلام مجهول، وقيل: ترتيب
стр. 126
معلومات ليتوصل بها إلى معلوم آخر، وقيل: ترتيب معلومين لتيوصل بهما إلى معلوم، وقيل: الفكر.
وقال القاضي: هو تردد الذهن بين أنحاء الضروريات.
وقال الأستاذ الإسفراييني: هو تحديق الذهن إلى جهة الضروريات.
((فائدة))
التصديق هو الخبر ، ولما كان يقال لقائله، صدقت أو كذبت سمى بأحسن عارضيه لفظا، وكان يمكن أن يسما تكذيبا، والتصور مشتق من الصورة لأن للحقائق أشكالا في الذهن، كما لها أشكال وصور في الخارج، والصورة مشتقة من التصيير، لأن الصورة لا تكون صورة حتى تصير إلى حال بعد حال بالنجر أو البناء أوا لخرط، أو نوع من الصناعات، أو بالخلق الرباني بتنقلها في الأطوار.
стр. 127
((فائدة))
فعيل يكون بمعنى فاعل ، نحو: ((رحيم)) بمعنى ((راحم))، وبمعنى مفعول نحو: قتيل بمعنى مقتول، ومحتمل لهما نحو: ولى، فإنه تولى الله - تعالى - بطاعته فهو فاعل، أو تولاه الله بطلفه فهو مفعول، و ((دليل)) فعليل بمعنى فاعل؛ لأنه مرشد، والبرهان مرادف له، وهما ما أفادا علما، والأمارة ما أفادت ظنا، والطريق يصدق عليهما بطريق التواطؤ، لأن الأول طريق العلم، والثاني طريق الظن.
مثال: لامقدمات كلها علمية، قولنا: كل عشرة مثلا زوج، وكل زوج منقسم بمتساويين، فكل عشرة منقسمة بمتساويين، ومثالها كلها ظينة قولنا:
كأس الحجام نجس عملا بالغالب، وكل نجس لا تصح به الصلاة، لقوله تبارك وتعال: (وثيابك فطر) المدثر: ٤ وكأس الحجام لا تصح به الصلاة.
ومثال البعض ظني قولنا: في الدار جيوان، عملا بالغالب وكل حيوان جسن، ففي الدار جسم.
((فائدة))
قال أبو الحسين في ((المعتمد)): ((قال المتكلمون: لكل ما أفاد النظر فيه الظن فهو أمارة كان عقليا أو شرعيا)).
وقال الفقهاء: القياس وخبر الواحد أدلة، ولا يسمون الأمارات العقيلة أدلة، كالنظر في القِبْلَة وقيم المُتلفات.
((تنبيه))
النتجية تتبع أخس المقدمات، والخسات ثلاثة: الظن والسلب والجزئي،
стр. 128
فظنية وقطعية النتيجة ظنية، وسالبة وموجبة النتيجة سالبة، كل إنسان ناطق، ولا شيء من الناطق بفرس، فلا شيء من الإنسان بفرس، وجزئية وكلية النتيجة جزئية، نحو بعض الحيوان إنسان، ولك إنسان نطاق، فبعض الحيوان ناطق.
((تنبيه))
تقدم في كون الحكم الشرعي معلوما أنه إذا اجتمع مقدمتان ظنية وقطعية ، النتيجة ظنية وإذا اجتمع دليلان ظني وقطعي المطلوب قطعي، والفرق توقف المقدمات بعضها على بعض، بخلاف الأدلة، وأن الظن إنما يقدح في النتيجة إذا كان أحد جزئي الدليل.
أما إذا كان خارجا عن الديلل، بل بعض أجزاء الدليل، أو كل جزء منه متعلقا بالظن، فلا يقدح، تقدم بسطه هناك.
стр. 129
الفصل الخامس
في الحكم الشرعي
قال الرازي: قال أصحابنا: إنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالإقتضاء أو التخيير.
أما الإقتضاء، فإنه يتناول اقتضاء الوجود، واقتضاء العدم، إما مع الجزم أو مع جواز الترك؛ فيتناول الواجب والمحظور والمندوب والمكروه.
وأما التخيير، فهو: الإباحة.
فإن قيل هذا التعريف فاسد من أربعة أوجه:
أحدها: أن حكم الله تعالى على هذا التقدير خطابه، وخطاب الله تعالى كلامه، وكلامه عندكم قديم، فيلزم أن يكون حكم الله تعالى بالحل والحرمة قديما.
وهذا باطل من ثلاثة أوجه:
الأول: أن حل الوطء في المنكوحة وحرمته في الأجنبية صفة فعل العبد؛ ولهذا يقال: هذا الوطء حلال، أو حرام، وفعل العبد محدث وصفة المحدث لا تكون قديمة.
الثاني: أنه يقال هذه المرأة حلَّت لزيدٍ بعدما لم تكن كذلك، وهذا مشعر بحدوث هذه الأحكام.
стр. 130
الثالث: أنا نقول: المقتضى لحل الوطء هو النكاح، أو ملك اليمين، وما كان معللا بأمر حادث يستحيل أن يكون قديما، فثبت أن الحكم يمتنع أن يكون قديما، والخطاب قديم، فالحكم لا يكون عين الخطاب.
وثانيها: أن الأحكام خارج عن هذا الحد، وهو كون الشيء سببا وشرطا ومانعا وصحيحا وفاسدا.
وثالثها: أن الحكم الشرعي قد يوجد في غير المكلف؛ وذلك كجعل إتلاف الصبي سببا لوجوب الضمان، وجعل الدلوك سببا لوجوب الصلاة.
ورابعها: أنك أدخلت كلمة ((أو)) في الحد، وهو غير جائز لأنها للترديد، والحد للإيضاح وبينهما مباينة.
والجواب: قوله: ((الحل والحرمة من صفات الأفعال)).
قلنا: لا نسلم؛ فإن عندنا: لا معنى لكون الفعل حلالا إلا مجرد كونه مقولا فيه: ((رفعت الحرج عن فاعله)) ولا معنى لكونه حراما إلا كونه مقولا فيه: ((لو فعلته لعاقبتك))) فحكم الله تعالى هو قوله، والفعل متعلق القول، وليس لمتعلق القول من القول صفة، وإلا، لحصل للمعدوم صفة ثبوتية بكونه مذكورا، ومخبرا عنه، ومسمى بالاسم المخصوص.
قوله: ((إنا نقول: هذه المرأة حلت لزيد، بعدما لم تكن كذلك))
قلنا: حكم الله تعالى هو قوله في الأزل: ((أذنت للرجل الفلاني حين وجوده في كذا)) فحكمه قديم، ومتعلق حكمه محدث.
قوله: ((الحكم يعلل بالأسباب)):
стр. 131
قلنا: المراد من السبب عندنا المعرف لا الموجب.
قوله: ((هذا التحديد يخرج عنه كون الشيء سببا وشرطا ومانعا وصحيحا وفاسدا)).
قلنا: المراد من كون الدلوك سببا: أنا متى شاهدنا الدلوك، علمنا أن الله تعالى أمرنا بالصلاة، فلا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب.
وإذا قلنا: ((هذا العقد صحيح)) لم نعن به إلا أن الشرع إذن له في الانتفاع به ولا معنى لذلك إلا الإباحة.
قوله: ((هذا التحديد يخرج عنه إتلاف الصبي، ودلوك الشمس))
قلنا: معنى قولنا: ((إتلاف الصبي سبب لوجوب الضمان)) أن الولي مكلف بإخراج الضمان من ماله، والرجل مكلف ب أداء الصلاة عند الدلوك.
قوله: ((كلمة أو للترديد)).
قلنا: مرادنا أن كل ما وقع على أحد هذه الوجوه كان حكما، وإلا فلا.
قال القرافي: قوله: ((الحكم الشرعي خطاب الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير)).
стр. 132
تقريره: أن الخطاب قد يكون خبرا لا حكم فيه نحو ((نحن خلقناكم)) الواقعة: ٥٧،
فقوله: ((المتعلق بأفعال المكلفين)) احترازا من المتعلق بأفعال الجمادات نحو قوله تعالى: ((ويوم نسير الجبال)) فهذا خطاب متعلق بالجبال، وهي جمادات.
وقوله: ((على وجه الاقتضاء)) احترازا من المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الخبر كقوله تعالى: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)) البقرة: ٣٤ فهذا خطاب متعلق بأفعال الملائكة، فهم مكلفون بالسجود وغيره، لكن هذه الآية لم يطلب - تعالى - من أحد منا، ولا من الملائكة بها شيئا، بل هي خبر عما تقدم من حال الملائكة.
وقوله: ((أو التخيير)) لأن الاقتضاء تدخل فيه أربعة أحكام:
الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم، وتبقى الإباحة فقال: ((أو التخيير)) ليشمل الحد الأحكام الخمسة.
((سؤال))
قوله تعالى ((أقيموا الصلاة)) خطاب الله تعالى وهو متعلق بأفعال الملكفين على وجه الاقتضاء، فيلزم أنه حكم، ولو كان حكما لاتحد الدليل والمدلول، وكذلك جميع نصوص أدلة الأحكام.
((سؤال))
ينتقض الحد بالاستفهام ، لأنه طلب للفهم، والتمنى، والترجى، لأن المتلكم فيهما طالب للمترجى والمتمنى، والقسم؛ لأن المقسم طالب لتعظيم المقسم به، والنداء، لأن المنادى طالب لحضور المنادى له، وليست أحكاما شرعية مع أن مدلولاتها قائمة بالنفس، كلام نفسي.
جوابه أن الإستفهام حقيقة على الله تعالى محال؛ لأنه بكل شيء عليم،
стр. 133
بل هو إمّا نهي محض نحو قوله تعالى: ((فهل ترى لهم من باقية)) الحاقة: ٨ معناه: لا ترى لهم من باقية.
أو ثبوت محض نحو قوله تعالى: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر)) الإنسان: ١ أي: قد أتى، ومنه الامتنان نحو قوله تعالى: ((ألم نشرح لك صدرك)) الشرح: ١ فهي كلها إخبارات حرجت بقوله على وجه الاقتضاء وكذلك التهديد نحو ((ما منعك أن تسجد)) ص: ٧٥ وأما قوله تعالى: (أم له البنات ولكم البنون)) الطور: ٣٩ فوعيد معناه النهي، فيندرج في الحكم لأنه تحريم، فإنا لا نخص التحريم بصيغة النهي، بل بأي دليل كان.
والترجي والتمني محالان على الله تعالى، لأنهاما لا يكونان إلا من جاهل بالعواقب، لأن المعلوم لا يترجى ولا يتمنى، بل هما من الله - تعالى - إما مجاز في الأمر فيندرجان من باب التعبير بالملزوم عن اللازم، لأن الطلب من لوازهما، أو بتصرفات المخاطب، أي: عمل عمل من يرجو، كما في قوله تعالى: ((لعله يتذكر أو يخشى)) طه: ٤٤ أي عظاه موعظة الراجي، أي بالغا في ذلك، فيندرج في الحكم لأنه طلب او مجاز منصرف إلى الله تعالى نحو قوله تعالى: ((ثم بعثناكم من بعد موتكم)) البقرة: ٥٦ أي: بالغنا في هذا مبالغة من يرجو هذا منكم، والضابط: متى كان الفعل من الله - تعالى - فالمبالغة منه، ويكون خبرا عن المبالغة، فيخرج تقيد الطلب، ومتى كان الفعل للعبد كانت المبالغة طلبا من العبد للمبالغة، فيكون حكما، وأما الندائ والقسم فنوقل: إنهما حكمان؛ لأنهما طلبان من الله تعالى.
((سؤال))
المخاطبة مفاعلة لا تكون إلا من اثنين ، فتكون مختصة بالحادث،
стр. 134
فمخاطبة الله - تعالى - حادثة، وكلامه قديم، والحكم عندنا قديم، فتسيره بالحادث لا يصح، فيجب على هذا أن نقول في الحد: ((هو كلام الله القديم ..)) إلى آخره، فالكلام احترازا من الخطاب الحادث، ((والكلام القديم)) احترازا من الكلام الحادث الذي هو آيات القرآن، فإنها أصوات حادثة، وهي الأدلة، وأما الحكم فمدلول قديم قائم بذات الله تعالى.
قوله: ((الحكم صفة فعل العبد تقول: وطء حلال، وصفة الحادثة حادثة، ثم أجاب عنه بأنه متعلق الخطاب)).
تقريره: أن الشيء يوصف بما هو قائم به، نحو: عالم وقادر، وبما ليس قائم به كقولك: الشمس تغرب غدا، فغروب الشمس يصدق عليه أنه معلوم، ولكن بعلم قام بك، وكذلك هو مذكور ومخبر عنه، ولكن بذكر قام بك، وخبر قام بك لا به، وكذلك إذا قلت لعبدك: أسرج الدابة، فالإسراج مأمور به، وواجب على العبد بأمر وإيجاب قام بك، لا بإسراجه، فظهر أن الشيء قد يوصف بما ليس قائما به، ففي القسم الأول، إذا وصف بما هو قائم به يلزم من نحدوث الموصو ف حدوث الصفة، [وفي الثاني إذا وصف بما ليس قائما به لا يلزم من حدوث الموصوف حدوث الصفة لأن الصفة إذا لم] تقم به أمكن تقديمها عليه، فجاز أن تكون قديمة والموصوف حادث، فوصف الأفعال بالأحكام من هذا القبيل، فقولنا: حلال وحرام مثل قولك: في إسراج لادابة وغروب الشمس.
فقوله: ((لا نسلم أن الحرمة من صفات الأفعال)) مراده صفات قائمة بالموصوف، وإلا فهي صفة قطعا كقولك: فعل حلال وحرام، فهذا التفصيل خير من المنع، ثم إنه قال: ((لا معنى لكونه حراما إلا كونه مقولا فيه: لو فعلته لعاقبتك)) مشكل، لأن هذه صيغة خبر، وهو مشكل، وتفسير الحرمة بالخبر لا يصح، لأن الخبر يدخله التصديق والتكذيب،
стр. 135
والأحكام لا يدخلها ذلك، ولأن الخبر لاينسخ على الصحيح، الأحكام تنسخ، فهذا التفسير باطل، بل لا معنى للحرمة إلا طلب قائم بذات الله تعالى، متعلق بدرك العقل لا ما قاله.
قوله: ((المراد من السبب المعرف لا الموجب)).
تقريره: أن الحادث يجوز أن يعرف بالقديم، كما عرفنا الله تعالى بصنعته المحدثة، وأما الموجب فهو المؤثر بالذات، والموجد هو المؤثر بالاختيار، والأثر من الموجد أو م الموجب متأخر عنهما بالضرورة، فإذا كانا حادثين كان حادثا جزما.
قوله: ((المراد من كون الدلوك سببا أنا متى شاهدنا الدلوك علمنا أن الله - تعالى - أمرنا بالصلاة)).
تقريره: أن خطاب الشارع قسمان:
خطاب تكليف أو إذان يشترط فيه علم المخاطب وقدرته، وهو الاحكام المتعلقة بالاقتضاء أو التخيير، فلا بد من علم المكلف بما طلب منه، أو أذن له فيه، ولا بد من كونه مقدورا له، فالنازل من شاهق قهرا لا يؤمر بالنزل، ولا يباح له، بل لاتتعلق به هذه الاحكام، ويكون في هذا الحال كالنائم والجنون.
وخطاب وضع: وهو نصب الأسباب، والشروط، والموانع، والتقديرات.
فالأول: كالنصاب في الزكاة،
стр. 136
........................................................................
стр. 137
............................................................
стр. 138
وأوقات الصلوات.
стр. 139
........................................................
стр. 140
والثانى: كالحول في الزكاة، والطهارة في الصلاة.
والثالث: كالدين في الزكاة، والنجاسة في الصلاة.
والرابع: هو إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود.
стр. 141
فالأول: كالنجاسة المعفو عنها، فإنها موجودة، وهي في حكم الشرع كالمعدومة، وكذلك كل رخصة.
والثاني: كتقدير الملك للمعتق عنه، إذا قال لك: أعتق عبدك عني، فإن الولاء له، فيقدر له الملك حتى يثبت ولاء العتق له، وكذلك تقدير الأعيان في الذمم في السلم وغيره، فإنك تقول: في ذمته جمل أو حنطة، أو دين إلى أجل ونحو ذلك، مع أ، هذه الأشياء معدومة، لكن الشرع يقدرها موجودة لصحة إيراد المعقود، فإن العقد بدون المعقود عليه محال، ولا يكاد باب من أبواب الفقه يعرى عن التقدير، وقد ثبت ذلك في كتاب ((الأمنية في إدراك النية)).
فهذا القسم من الخطاب الذي هو خطاب الوضع للأربعة، لايشترط فيه قدرة المكلف، ولا علمه، فيورث بالنسب، ويطلق بالضرر ونحو ذلك، وإن كان الوارث والمطلق عليه غير عالمين وعاجزين كمالمجنون والغائب وونحوهما، هذا هو الغالب في خطاب الوضع، وقد استنثى صاحب الشرع منه أشياء كالجنايات، فإنها أسباب العقوبات ولا يعاقب عاجز، ولا غير عالم، فمن شرب خمرا يظنه جلابا لا يحد، ومن وطيء أجنبيه يظنها أمته لا يحد، لأن عقوبة العاجز ولاذي لم يقصد الفساد لم يرد به الشرع، وكذلك طلاق الصبي وبيعه لا ينفذان، مع أنهما سببان كالنسب الموجب للإرث، ومقتضى القاعدة أن ينفذا من الصبي، وتخريج هذه المستثنيات مبسوط في الفقه.
стр. 142
غير أن هذا هو شأن هذه القاعدة، إذا تقرر هذا، فجعل الشارع الزوال سببا هو نصبه سببا، وإذا جعله سببا ترتب على هذا الجعل علمنا بوجوب الظهر عنده، فتفسير الإمام نصب الأسباب بعلمنا لا يستقيم، وهو كتفسير السرقة بالقطع، وأنه غير مستقيم، ثم قوله: ((لا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب)) لا يصح؛ لأن الإيجاب حقيقة معلومة، وهي أعم من كونها مرتبطة بالزوال، فالزوال بالزوال أمر زائد عليها، والزائد على الشيء لا يكون نفسه، وهذا الارتباط هو السببية، وليس هو حقيقة الإيجاب قطعا، وكذلك الشرطية في المشروط هو ربط عدم الحكم بحالة عدم الشرط، ومانعية المانع هي ربط عدم الحكم بحالة وجود المانع، فإن المعتبر من الشروط عدمه في عدم الحكم، ومن المانع وجوده في عدم الحكم، ومن السبب وجوده وعدمه، وسيأتي بسط هذا إن شاء الله تعالى عند الكلام على الشروط
стр. 143
في تخصيص العام، وكذلك التقديرات ربط الشرع الولاء بتقدير الملك في المحل، وقرر الشرع صحة الصلاة مع وجود النجاسة المعفو عنها، فهذه أحكام سابقة على علمنا، ويترتب عليها علمنا، فلا يستقيم تفسيرها بعلمنا، وما من حكم إلا وله سبب في الشريعة، وتحرير ذلك في الفقه، إذا تقرر هذا ظهر أن خطاب الوضع أحكام، لأنه أمر قرره الشرع، ولم يعلم إلا من قبله، وليس من باب الإخبارات بل إنشاءات كالتكاليف.
وتقريره: أنه ربط بين الحكم التكليفي وغيره من الأسباب، والشروط، والموانع، والتقديرات، وأن ذلك الربط غير علمنا بالثبوت عند حدوث الأسباب ونحوها، وغير الحكم المرتبط، فيتعين حينئذ بطلان جوابه، وصحة السؤال، وبطلان الحد بأنه غير جامع لجميع أنواع الأحكام، وأنه يتعين أن يزيد في الحد نوعا آخر بصيغة أو فيقول: الحكم الشرعي كلام الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو ما يتبعه هذا التعلق وجودا أو عدما، فبقولنا: ((وجودا دخلت الأسباب))، وبقولنا: ((أو عدما)) تندرج الشروط والموانع، فإن الحكم ينعدم عند عدم الشرط ووجود المانع، فيجتمع في الحد لفظة أو ثلاثة لفظات، ويصير الحد جامعا مانعا.
((تنبيه))
قد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف في شيء واحد، كالزنا حرام، وهو سبب الحد، وقد ينفرد خطاب الوضع كأوقات الصلاة، وقد ينفرد التكليف كصلاة الظهر، وإن كان لا بد في كل واحد منهما من وقوع الآخر في الوجود، إلا أنهما قد لا يجتمعان في الشيء الواحد.
((تنبيه))
ينبغي أن يفهم من السبب ما يلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه
стр. 144
عدمه، كزوال الشمس مع وجوب الظهر، ووعلى هذا تندرج الأسباب لأنها يلزم من وجودها وجود الأحكام، ومن عدمها عدهما، وفي الحقيقة السبب هو الظن، أو العلم الناشئان عنها، وكذلك تندرج الحجج المشروعة عند الحكام كالبينة، والإقرار، واليمين، ونحو ذلك، فإنها يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، والسبب في الحقيقة، نشأ في نفس الحاكم من ظن أو علم عندها، كما تقدم في المجتهد.
((تنبيه))
ينبغي أن يعلم أن خطاب التكليف والإباحة يندرج فيه الملك ، لأنه إباحة الانتفاع بالمملوك وصحة العقد؛ لأنه إباحة الانتفاع بالمعقود عليه، والنجاسة لأنها تحريم لملابسة تلك العين في الصلاة أوالغذاء، والطهارة لأنها إباحة الملابسة في الصلاة أو الغذاء، والحدث لأنه تحريم ملابسة الصلاة حتى يتطهر، وعلى هذه الطريقة ترجع إلى الأحكام الخمسة جميع هذه الأمور التي لها عبارات تخصها، ولا تسمى بحرام ولا بمباح، وهي في المعنى راجعة إليهما، ومنه العصمة في الدماء أو الأموال، فإنها راجعة إلى تحريم أحدها عند عدم وجود السبب المبيح، وكثير م هذه الصور إذا سئل أكثر الفقهاء عنها إلى أي الأحكام ترجع؟ لا يدري لأيها ترجع، ويعتقد أنها خارجة
стр. 145
عنها، بل أكثر الفقهاء لا يفهم معنى الحدث والنجاسة والطاهرة، وهي من أول شيء اشتغل به، وما سببه إلا اختلاف الألفاظ.
قوله: ((معنى كون إتلاف الصبي سبب الضمان أن المولى مكلف بإخراج الضمان من ماله)).
قلنا هاهنا أمران:
تكليف الصبي بالإخراج، وجعل إتلاف الصبي سبب هذا التكليف، فهذا الجعل هو غير التكيلف قطعا، لكونه متعلقا بفعل الصبي لا بفعل الولي، ولكونه متقدما على تكليف الولي فهو لغيره قطعا، ولا مخلص من هذه الأمور إلا بأن يذكر في الحد ما يقتضي دخول الأحكام الوضعية مع التكليفية كما تقدم.
قوله في الجواب عن ((أو)) للترديد: أن مرادنا أنه كل ما وقع على أحد هذه الوجوه كان حكما ومالا فلا)).
تقريره: أن ((أو)) لها خمسة معان:
الإباحة نحو: أصحب العلماء أو الزهاد، والتخيير: كقول البائع: خذ الثوب أو الدينار، والفرق بينهما أن لك في الأول الجمع دون الثاني.
والشك: نحو جاءني زيد، أو عمرو.
следующие страницы →