← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فالأول: كالنجاسة المعفو عنها، فإنها موجودة، وهي في حكم الشرع كالمعدومة، وكذلك كل رخصة. والثاني: كتقدير الملك للمعتق عنه، إذا قال لك: أعتق عبدك عني، فإن الولاء له، فيقدر له الملك حتى يثبت ولاء العتق له، وكذلك تقدير الأعيان في الذمم في السلم وغيره، فإنك تقول: في ذمته جمل أو حنطة، أو دين إلى أجل ونحو ذلك، مع أ، هذه الأشياء معدومة، لكن الشرع يقدرها موجودة لصحة إيراد المعقود، فإن العقد بدون المعقود عليه محال، ولا يكاد باب من أبواب الفقه يعرى عن التقدير، وقد ثبت ذلك في كتاب ((الأمنية في إدراك النية)). فهذا القسم من الخطاب الذي هو خطاب الوضع للأربعة، لايشترط فيه قدرة المكلف، ولا علمه، فيورث بالنسب، ويطلق بالضرر ونحو ذلك، وإن كان الوارث والمطلق عليه غير عالمين وعاجزين كمالمجنون والغائب وونحوهما، هذا هو الغالب في خطاب الوضع، وقد استنثى صاحب الشرع منه أشياء كالجنايات، فإنها أسباب العقوبات ولا يعاقب عاجز، ولا غير عالم، فمن شرب خمرا يظنه جلابا لا يحد، ومن وطيء أجنبيه يظنها أمته لا يحد، لأن عقوبة العاجز ولاذي لم يقصد الفساد لم يرد به الشرع، وكذلك طلاق الصبي وبيعه لا ينفذان، مع أنهما سببان كالنسب الموجب للإرث، ومقتضى القاعدة أن ينفذا من الصبي، وتخريج هذه المستثنيات مبسوط في الفقه.

стр. 142

غير أن هذا هو شأن هذه القاعدة، إذا تقرر هذا، فجعل الشارع الزوال سببا هو نصبه سببا، وإذا جعله سببا ترتب على هذا الجعل علمنا بوجوب الظهر عنده، فتفسير الإمام نصب الأسباب بعلمنا لا يستقيم، وهو كتفسير السرقة بالقطع، وأنه غير مستقيم، ثم قوله: ((لا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب)) لا يصح؛ لأن الإيجاب حقيقة معلومة، وهي أعم من كونها مرتبطة بالزوال، فالزوال بالزوال أمر زائد عليها، والزائد على الشيء لا يكون نفسه، وهذا الارتباط هو السببية، وليس هو حقيقة الإيجاب قطعا، وكذلك الشرطية في المشروط هو ربط عدم الحكم بحالة عدم الشرط، ومانعية المانع هي ربط عدم الحكم بحالة وجود المانع، فإن المعتبر من الشروط عدمه في عدم الحكم، ومن المانع وجوده في عدم الحكم، ومن السبب وجوده وعدمه، وسيأتي بسط هذا إن شاء الله تعالى عند الكلام على الشروط

стр. 143

في تخصيص العام، وكذلك التقديرات ربط الشرع الولاء بتقدير الملك في المحل، وقرر الشرع صحة الصلاة مع وجود النجاسة المعفو عنها، فهذه أحكام سابقة على علمنا، ويترتب عليها علمنا، فلا يستقيم تفسيرها بعلمنا، وما من حكم إلا وله سبب في الشريعة، وتحرير ذلك في الفقه، إذا تقرر هذا ظهر أن خطاب الوضع أحكام، لأنه أمر قرره الشرع، ولم يعلم إلا من قبله، وليس من باب الإخبارات بل إنشاءات كالتكاليف. وتقريره: أنه ربط بين الحكم التكليفي وغيره من الأسباب، والشروط، والموانع، والتقديرات، وأن ذلك الربط غير علمنا بالثبوت عند حدوث الأسباب ونحوها، وغير الحكم المرتبط، فيتعين حينئذ بطلان جوابه، وصحة السؤال، وبطلان الحد بأنه غير جامع لجميع أنواع الأحكام، وأنه يتعين أن يزيد في الحد نوعا آخر بصيغة أو فيقول: الحكم الشرعي كلام الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو ما يتبعه هذا التعلق وجودا أو عدما، فبقولنا: ((وجودا دخلت الأسباب))، وبقولنا: ((أو عدما)) تندرج الشروط والموانع، فإن الحكم ينعدم عند عدم الشرط ووجود المانع، فيجتمع في الحد لفظة أو ثلاثة لفظات، ويصير الحد جامعا مانعا. ((تنبيه)) قد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف في شيء واحد، كالزنا حرام، وهو سبب الحد، وقد ينفرد خطاب الوضع كأوقات الصلاة، وقد ينفرد التكليف كصلاة الظهر، وإن كان لا بد في كل واحد منهما من وقوع الآخر في الوجود، إلا أنهما قد لا يجتمعان في الشيء الواحد. ((تنبيه)) ينبغي أن يفهم من السبب ما يلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه

стр. 144

عدمه، كزوال الشمس مع وجوب الظهر، ووعلى هذا تندرج الأسباب لأنها يلزم من وجودها وجود الأحكام، ومن عدمها عدهما، وفي الحقيقة السبب هو الظن، أو العلم الناشئان عنها، وكذلك تندرج الحجج المشروعة عند الحكام كالبينة، والإقرار، واليمين، ونحو ذلك، فإنها يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، والسبب في الحقيقة، نشأ في نفس الحاكم من ظن أو علم عندها، كما تقدم في المجتهد. ((تنبيه)) ينبغي أن يعلم أن خطاب التكليف والإباحة يندرج فيه الملك ، لأنه إباحة الانتفاع بالمملوك وصحة العقد؛ لأنه إباحة الانتفاع بالمعقود عليه، والنجاسة لأنها تحريم لملابسة تلك العين في الصلاة أوالغذاء، والطهارة لأنها إباحة الملابسة في الصلاة أو الغذاء، والحدث لأنه تحريم ملابسة الصلاة حتى يتطهر، وعلى هذه الطريقة ترجع إلى الأحكام الخمسة جميع هذه الأمور التي لها عبارات تخصها، ولا تسمى بحرام ولا بمباح، وهي في المعنى راجعة إليهما، ومنه العصمة في الدماء أو الأموال، فإنها راجعة إلى تحريم أحدها عند عدم وجود السبب المبيح، وكثير م هذه الصور إذا سئل أكثر الفقهاء عنها إلى أي الأحكام ترجع؟ لا يدري لأيها ترجع، ويعتقد أنها خارجة

стр. 145

عنها، بل أكثر الفقهاء لا يفهم معنى الحدث والنجاسة والطاهرة، وهي من أول شيء اشتغل به، وما سببه إلا اختلاف الألفاظ. قوله: ((معنى كون إتلاف الصبي سبب الضمان أن المولى مكلف بإخراج الضمان من ماله)). قلنا هاهنا أمران: تكليف الصبي بالإخراج، وجعل إتلاف الصبي سبب هذا التكليف، فهذا الجعل هو غير التكيلف قطعا، لكونه متعلقا بفعل الصبي لا بفعل الولي، ولكونه متقدما على تكليف الولي فهو لغيره قطعا، ولا مخلص من هذه الأمور إلا بأن يذكر في الحد ما يقتضي دخول الأحكام الوضعية مع التكليفية كما تقدم. قوله في الجواب عن ((أو)) للترديد: أن مرادنا أنه كل ما وقع على أحد هذه الوجوه كان حكما ومالا فلا)). تقريره: أن ((أو)) لها خمسة معان: الإباحة نحو: أصحب العلماء أو الزهاد، والتخيير: كقول البائع: خذ الثوب أو الدينار، والفرق بينهما أن لك في الأول الجمع دون الثاني. والشك: نحو جاءني زيد، أو عمرو.

стр. 146

والإبهام: نحو يأتي زيد أو عمرو. والفرق بينهما أنك عالم في الثاني بالآتي منهما، وإنما قصدت التلبيس على السامع بخلاف الأول أنت غير عالم بهما. والتنويع: نحو العدد إما زوج أو فرد، أي العدد متنوع إلى هذين النوعين، والفرق بين الأولين والثلاثة الآخرة أن الأولين لا يكونان إلا في الأمر، والثلاثة الأخيرة لا تكون إلا في الخبر، فمراد الإمام هاهنا الخامس وهو التنويع، فهو يقول: الحكم الشرعي متنوع إلى هذين النوعين، الإقتضاء والتخيير. ((سؤال)) ((على هذا التقدير تكون ((أو)) مشتركة ، واللفظ المشترك لا يجوز في الحدود لإجماله، والحدود مرادة للبيان)). جوابه: يجوز دخول المشترك والمجاز في الحدود إذا كان اللبس ذاهبا بالسياق، فلا يفهم أحد من قول القائل: العدد إما زوج أو فرد إلا التنويع، ولا نحكم بأن هذا القائل شاك، وكذلك إذا قلنا في حد الزنجي: هوالآدمي الأسود الكائن في جنوب الهند، لا يخفي على أحد أنا إنما أردنا سواد جلده دون أسنانه وعينيه، وهو مجاز لا يصير، فكذلك هاهنا لا يفهم أحد من ذكر الحد أنه شاك في قوله، بل إنما أراد التنويع.

стр. 147

((فائدة)) قال بعضهم: ((هذا حكم بالتردد لا ترديد في الحكم)) . معناه: أن المنوع حكم بتردد الحقيقة المتنوعة بين هذين النوعين، فليس بشاك، بل هو جازم بالتردد، والشاك متردد في حكمه، هل يحكم بهذا أو بنقيضه، فظهر الفرق بين لاحكم بالترديد، والترديد في الحكم، والقادح إنما هو الثاني دون الأول والواقع في احد الحكم هو الأول دون الثاني، فلا فساد حينئذ. ((سؤال)) قال النقشواني: ((إن أراد بالمكلفين من تعلق به الحكم الشرعي لزم الدور ؛ لأنه عرف الحكم بما لا يعرف إلا بعد معرفته)). جوابه: تقدم في حد المعلم أن السائل قد يعرف معنى المكلف، ولا يعرف معنى لفظ الحكم، وبسطه هناك. ((سؤال)) اختلف الناس في الصبيان هل هم مندوبون للصلاة والصوم أم لا ؟ فعلى القول بتعلق الندب بهم لا يندرج الندب بالمتعلق بهم في الحد؛ لأنهم ليسووا مكلفين، لأن التكليف مأخوذ من الكلفة والمشقة، وإنما يفهم ذلك في

стр. 148

الوجوب والتحريم خاصة، فالصبي غير مكلف، وكذلك قال ﵊: ((رفع القلم عن ثلاث)) إشارة إلى رفع التكليف مع بقاء الندب في حق الصبيان على الصحيح.

стр. 149

الفصل السادس في تقسيم الأحكام الشرعية قال الرازي: التقسيم الأول وهو من وجوه: خطاب الله تعالى إذا تعلق بشيء، فإما أن يكون طلبا جازما، أو لا يكون كذلك. فإن كان جازما، فإما أن يكون طلب الفعل، وهو الإيجاب، أو طلب الترك وهو التحريم. وإن كان غير جازم، فالطرفان، إما أن يكونا على السوية، وهو الإباحة، وإما أن يترجح جانب الوجود، وهو الندب، أو جانب العدم، وهو الكراهة، فأقسام الأحكام الشرعية هي هذه الخمسة. وقد ظهر بهذا التقسيم ماهية كل واحد منها، فلنذكر الآن حدودها وأقسامها. أما الواجب، فالذي اختاره القاضي أبو بكر أنه ما يذم تاركه شرعا على بعض الوجوه. وقولنا: ((يذم تاركه)) خير من قولنا: ((يعاقب تاركه)) لأن الله تعالى قد يعفو عن العقاب، ولا يقدح ذلك في وجوب الفعل، ومن قولنا: ((يتوعد بالعقاب على تركه)) لأن الخُلفَ في خبر الله تعالى محال، فكان ينبغي أن لا يوجد العفو،

стр. 150

ومن قولنا: ((ما يخاف العقاب على تركه)) لأن الذي يشك في وجوبه وحرمته قد يخاف من العقاب على تركه، مع أنه غير واجب، وقولنا: ((شرعا)) إشارة إلى ما نذهب إليه من أن هذه الأحكام لا تثبت إلا بالشرع. وقولنا: ((على بعض الوجوه)) ذكرناه ليدخل في الحد الواجب المخير، لأنه يلام على تركه إذا تركه وترك معه بدله أيضا، و (الواجب الموسع) لأنه يلام على تركه إذا تركه في كل الوقت، (والواجب) على الكفاية لأنه يلام على تركه إذا تركه الكل. فإن قيل: هذا الحد يدخل فيه السنة؛ فإن الفقهاء قالوا: لو أن أهل محلة اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار، فإنهم يحاربون بالسلاح، قلت: سيأتي جوابه إن شاء الله تعالى. وأما الاسم، فاعلم أنه لا فرق عندنا بين الواجب والفرض، والحنفية خصصوا اسم الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع، والواجب بما عرف وجوبه بدليل مظنون. قال أبو زيد ﵀: الفرض عبارة عن التقدير؛ قال الله تعالى ((فنصف ما فرضتم)) أي قدَّرتم. وأما الوجوب، فهو عبارة عن السقوط، قال الله تعالى: ((فإذا وجبت جنوبها)) أي سقطت؛ إذا ثبت هذا، فنحن خصصنا اسم الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع؛ لأنه هو الذي يعلم من حاله، أن الله تعالى قدره علينا. وهذا الفرق ضعيف؛ لأن الفرض هو المقدر، لا أنه الذي ثبت كونه مقدرا

стр. 151

علما أو ظنا كما أن الواجب هو الساقط، لا انه الذي ثبت كونه ساقطا علما أو ظنا، وإذا كان كذلك، كان تخصيص كل واحد من هذين اللفظين بأحد القسمين تحكما محضا. وأما المحظور فهو الذي يذم فاعله شرعا، وأسماؤه كثيرة: أحدها: أنه معصية، وإطلاق ذلك في العرف يفيد أنه فعل ما نهى الله تعالى عنه، وقالت المعتزلة: إنه الفعل الذي كرهه الله تعالى، والكلام فيه مبني على مسألة خلق الأعمال، وإرادة الكائنات. وثانيها: أنه محرم، وهو قريب من المحظور. وثالثها: أنه ذنب، وهو المنهي عنه الذي تتوقع عليه العقوبة والمؤاخذة؛ ولذلك لا توصف أفعال البهائم والأطفال بذلك، وربما يوصف فعل المراهق به؛ لما يلحقه من التأديب على فعله. ورابعها: أنه مزجور عنه، ومتوعد عليه، ويفيد في العرف أن الله تعالى هو المتوعد عليه والزاجر عنه. وخامسها: أنه قبيح، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. وأما المباح، فهو الذي أعلم فاعله أو دل على أنه لا ضرر في فعله وتركه ولا نفع في الآخرة. وأما الأسماء، فالمباح يقال له: إنه حلال طلق. وقد يوصف الفعل بأن الإقدام عليه مباح، وإن كان تركه محظورا؛ كوصفنا

стр. 152

دم المرتد بأنه مباح، ومعناه أنه لا ضرر على من أراقه، وإن كان الإمام ملوما بترك إراقته. وأما المندوب، فهو الذي يكون فعله راجحا على تركه في نظر الشرع، ويكون تركه جائزا. وإنما ذم الفقهاء من عدل عن جميع النوافل؛ لاستدلالهم بذلك على استهانته بالطاعة، وزهده فيها فإن النفوس تستنقص من هذا دأبه وعادته. وقولنا: ((في نظر الشرع)) احتراز عن الأكل قبل ورود الشرع، فإن فعله خير من تركه، لما فيه من اللذة لكن ذلك الرجحان لما لم يكن مستفادا من الشرع؛ فلا جرم أنه لا يسمى مندوبا. وأما الأسماء، فأحدها: أنها مرغب فيه، لما أنه قد بعث المكلف على فعله بالثواب. وثانيها: أنه مستحب، ومعناه في العرف أن الله تعالى قد أحبه. وثالثها: أنه نفل، ومعناه أنه طاعة غير واجبة وأن للإنسان أن يفعله من غير حتم. ورابعها: أنه تطوع، ومعناه أن المكلف انقاد لله تعالى فيه مع أنه قربة من غير حتم. وخامسها: أنه سنة، ويفيد في العرف أنه طاعة غير واجبة، ولفظ السنة مختص في العرف بالمندوب بدليل أنه يقال هذا الفعل واجب أو سنة. ومنهم من قال: لفظ ((السنة)) لا يختص بالمندوب بل يتناول كل ما علم

стр. 153

وجوبه أو ندبيته بأمر النبي ﷺ أو بإدامته فعله؛ لأن السنة مأخوذة من الإدامة، ولذلك يقال: الختان من السنة ولا يراد به أنه غير واجب. وسادسها: أنه إحسان، وذلك إذا كان نفعا موصلا إلى الغير مع القصد إلى نفعه. وأما المكروه، فيقال بالاشتراك على أحد أمور ثلاثة: أحدها: ما نهي عنه نهي تنزيه، وهو الذي أشعر فاعله بأن تركه خير من فعله، وإن لم يكن على فعله عقاب. وثانيها: المحظور وكثيرا ما يقول الشافعي ﵀: أكره كذا وهو يريد به التحريم. وثالثها: ترك الأولى كترك صلاة الضحى، ويسمى ذلك مكروها، لا لنهي ورد عن الترك بل لكثرة الفضل في فعلها والله أعلم. قال القرافي: قوله: ((خطاب الله تعالى إذا تعلق بشيء، إما أن يكون طلبا جازما، وإما ألا يكون، إلى قوله: فانقسمت الأحكام الشرعية إلى هذه الخمسة)). قلنا: قد تقدم أن حكم الله تعالى هو كلامه القديم، وأن الخطاب إنما يفهم منه المخاطبة الحادثة، وأن خطاب الله تعالى هو الكتاب والسنة اللذان هما أدلة الأحكام لا الأحكام. ((تنبيه)) التقسم الدائر بين النفي والإثبات ، لا يلزم منه كون تلك الأقسام على ذلك

стр. 154

العدد من غير زيادة، ولا نقصان، ولا الحصر في ذلك العدد، وإنما هو عناية المتكلم، وتفسير لما في نقسه، فإن نورع في ذلك وقف الحال. بيانه: أنك تعلم أن العالم ثلاثة أقسام: جماد ونبات وحيوان لا رابع لها، مع أنه أمكن أن أذكر تقسيما بين النفي والإثبات يقتضي أنهما قسمان أو عشرة، فأقول: المعلوم الكائن في مجوجودات العالم إما أن يكون حساسا أو لا، فإن كان حساسا فهو الحيوان، وإلا فهو الجماد، فثبت الحصر باثنين، أو أقول إن كان حساسا فلا يخلو إما أن يكون ناطقا أولا، فإن كان ناطقا فهو الحيوان، وإلا فهو الإنسان، وإن لم يكن حساسا فلا يخلو إما أن يكون ناميا أو لا، فإن كان ناميا فهو النبات، وإن لم يكن ناميا فلا يخلو إما أن يكون نائعا أو لا، فإن كان مانعا فهو الماء، وإلا فهو الجماد، إلى غير ذلك من التفاسير الفاسدة، والأقسام الرديئة التي ليست بمطابقة، فإن تفسير الناطق بالحيوان غَلَط وكذلك النامي بالجماد ونحوه، وإنما أردت أن أبين لك أن التقسيم يكون محصرا قطعا، وتفسير ذلك القسم بما يقوله المقسم قد يكون صحيحا، وقد تكون العدة أكثر مما قاله أو أقل، فلا نعتبر لمراده، بمعنى أني أريد بهذا القسم هذا المعنى، وقد يكون صحيحا وقد يكون فاسدا، إذا تقرر ذلك فاختلف الناس في عدد الأحكام فقيل: خمسة كما قاله وهو المشهور. وقيل: أربعة، والمباح ليس من الشرع. ومنشأ الخلف فيه: هل يراد به عدم الحرج والثواب في الفعل والترك، وذلك ثابت قبل الشرع، وما هو ثابت قبل الشرع لا يكون شرعيا؟ أو يراد به إعلام صاحب الشرع بذلك؟ ولا شك أن إعلام الشرع لا يثبت قبل الشرع فيكون شرعا، وهو المشهور. وقيل: اثنان، وفسرت الإباحة بنفي الحرج عن الإقدام على الفعل،

стр. 155

فيندرج فيها الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح، ولا يخرج سوى الحرام، وهذا هو تفسير المتقديمن، والثابت في موارد السنة، وإنما فسره بمستوى الطرفين المتأخرون، قوال ﵇: ((أبغض المباحات إلى الله الطلاق)) و ((أفعل)) لا يضاف إلا لجنسه، فلا يقال: زيد أفضل الحمير، فيكون الطلاق من جملة المباح، مع أن الرجحان يقتضي جانب الترك، والرجحان مع المساواة محال، فلا يستقيم الحديث إلا على تفسير الإباحة بعدم الحرج في الإقدام حتى يندرج فيها المكروه والراجح الترك، ويكون من أشد مراتب المكروه. قوله: ((وقد ظهر بهذا التقسيم ماهية كل واحد منها فلنذكر الآن حدودها)).

стр. 156

((سؤال)) قال النقشواني: إذا ظهرت الماهية أي فائدة في ذكر الحدود ، فإن مقصودها إنما هو بيان الماهيات. جوابه: بأن تعريف الماهية بالتقسيم والرسوم، والحدود المنفردة كإقامة برهانين على مطلوب واحد في التصديقات، فإن التصديق يكون معلوما ب الأول ، فما فائدة الثاني، فكما لا يقدح ذلك في التصديقات لا يقدح هذا في التصورات والجواب في الجميع واحد، وهو ما قاله الإمام في ((المحصل)) أن في ذلك تحصيل العلم بأن الطريق الثاني طريق لتحصيل العلم، كما علم من حال الأول، فليس ذلك عبثا، بل تحديد علم بحال يحدد العلم بكونه طريقا بعد أن لم يكن ذلك معلوما من البرهان الثاني، ولا من الحد بعد التقسيم، وكذلك إذا رسمنا حقيقة يرسم لنا أن نرسمها برسم آخر لتحصيل العلم بأن هذه العبارة الثانية تحصل ما حصلته العبارة الأولى. قوله: ((الواجب ما يذم تاركه شرعا على بعض الوجوه إلى قوله: وأما المحظور)). عليه ثمانية أسئلة: الأول: لا يصح التحديد بما يخاف العقاب على تركه؛ لأن الذي يشك في وجوبه وحرمته قد يخاف من العقاب على تركه مع أنه غير واجب. قلنا: تصوير هذا القسم عسر جدا، فإن الشاك إن فرض مجتهدا، وكان شكه لعدم الدليل كان حكم الله في حقه عدم الوجوب جزما، فلا يخاف العقاب إجماعا، فما اجتمع الشك والوجوب والخوف، وإن كان شكه لتعارض الأمارتين فللعلماء قولان: أحدهما: يتساقطان، ويرجع إلى البراءة الأصلية.

стр. 157

والآخر: يتخير بينهما، فعلى القول الأول لا وجوب ولا خوف ولا عقاب، وكذلك الثاني لا شك في الحكم؛ لأنه التخيير على هذا التقدير، وإن فرض مقلدا، فإما أن يتمكن من السؤال والتعليم أولا، فإن تمكن من التعليم ولم يفعل فهو عاص إجماعا، حكاه الشافعي في ((رسالته)) والغزالي في ((إحياء علوم الدين)) أن كل أحد يجب عليه أن يعلم

стр. 158

حكم الله تعالى عليه في حالته التي هو فيها، وعصيانه بترك التعليم وبالإقدام قبل التعليم. ومقتضى ما حكيناه عن الإجماع على تحريم الفعل، حتى يتعلم أن الفعل يكون حراما حتى يتعلم إن كان ملابسا لعدمه، كمن أراد أن يصرف دينارا، أو ترك الفعل حرام إن كان ملابسا للفعل كمن أراد مفارقة أبويه، أو عياله للحج أو للغزو أو لغير ذلك، فحينئذ الحكم متعين قبل السؤال، ومتعين بعده، وهو ما يقوله المفتى، فلا شك في الوجوب، بل الجزم في الحالين لحكم لله تعالى، وإن لم يتمكن من السؤال سقط عنه التكليف، لأنه مشروط بالعلم إجماعا، وقد تعذر، والمتعذر لا تكليف فيه إجماعا، وإذا تعذر تصويره في المجتهد، والمقلد تعذر مطلقا لانحصار الحق في القسمين، فإن قلت: نفرضه في المجتهد إذا أقدم على الترك قبل النظر، أو المقلد قبل السؤال، فإنهما إذا تركا وهما حينئذ يشكان في الوجوب مع أن الوجوب لا يتعين إلا بالنظر في حق المجتهد، أو السؤال في حق المقلد. قلت: مقتضى ما حكاه الشافعي من الإجماع التحريم في هذه الحالة، وأنه الحكم المتعين لهذه الحالة، ولا شك حينئذ. جوابه: أنه يتصور في حق المقلد فيما إذا كان عدم الحكم مجمعا عليه، أو مختلفا فيه، وهو مقلد لمن يعتقد عدم وجوبه، وتمكن من السؤال ولم يسأل، فإن الحكم متعين في حقه، لأنه مجمع عليه، أو لأنه مذهب إمامه،

стр. 159

وقد تعين وبرز للوجود بالنسبة لكل أحد إن أجمع عليه، أو بالنسبة لذلك المجتهد، ومن قلده، وترك السؤال مع المكنة يوجب الشك في الوجوب، لأن الحكم لو كان هو الوجوب تعين الوجوب في حقه بسبب المكنة، فهو يجوز أن يكون الواقع الوجوب، وقد تعين الوجوب في حقه بسبب المكنة، وأن يكون الواقع الإباحىة فيكون هذا فعل شك في وجوبه وليس واجبا، لأنه الواقع في نفس الأمر الإباحة إما مجمعا عليها، أو مذهبا لإمامه. ويتصور في المجتهد إذا أقدم على الفعل قبل بذل جهده في طلب الحكم، ويكون الواقع في نفس الأمر للإباحة مجمع عليها، أما المختلف فيها فلا أثر لها هاهنا، لانه لا يتعين في حقه مذهب القائل بها لامتناع التقليد عليه بخلاف المقلد، فإذا كانت الإباحة مجمعا عليها، جوز أن يكون الدليل يقتضي الوجوب إذا اجتهد ونظر، أو أنه يطلع على وجوب مجمع عليه إذا اجتهد فشك في وجوب الفعل، مع أنه ليس واجبا في حقه لتعميم الإباحة في حق الأمة بسبب أنها مجمع عليها، فهاتان صورتان لهذه المسألة، وما عداهما يعسر تصويرها فيه. الثاني: على قوله: ((يذم تاركه شرعا))، فقوله: ((شرعا)) منصوب على التمييز، فيفيد أنه ذم منسوب للشرع، والنسبة تصدق بأي طريق كان منسوبا إلى الشرع. قال السهروردي في ((التنقيحات)): إما أن يكون الذام صاحب الشرع، أو الشرع أو جملته، والكل باطل.

стр. 160

أما الأول فلأن صاحب الشرع ما نص على ذم كل تارك بعينه بالتنصيص عليه. وأما الثاني: فلأن الشرع ليس حيا عالما يصدر عن الذم. وأما الثالث: فأهل الشرع إنما يذمون من علموا أنه ترك واجبا، فذمهم موقوف على معرفتهم بالواجب، فلو عرف الواجب بذمهم توقف كل واحد منهما على صاحبه، ولزم الدور. جوابه: أن الذام هو صاحب الشرع بصيغ العموم نحو قوله:: ((فأولئك هم الظالمون)) البقرة: ٢٢٩، ((أولئك هم الفاسقون)) الحشر: ١٩ ونحو ذلك، فإن صيغ العموم تتناول كل فرد بعمومها، ثم قوله في جملة الشرع: إنه يلزم الدور، لا يتم لما تقدم في حد العلم، وإن الحدج تفصيل ما دل عليه لفظ المحدود بطريق الإجمال، فجاز أن يكون السامع يعلم ما يذم عليه جملة لاشرع، ولا يعلم أنه الواجب، وبسطه هناك. الثالث: على قوله: على بعض الوجوه ، قال: ليدخل فيه الواجب الموسع والمخير، وعلى الكفاية ولا يذم فيها إلا إذا تركها، وترك بدلها، فنقول: صيغة تذم فعلا في سياق الإثبات، فيكون مطلقا لا يتناول إلا القدر المشترك بين جميع الأقسام، وإذا كان معناه القدر العام اندرج فيه النوعان، ما يذم في بعض الوجوه وفي كلها، كما إذا أتينا بصيغة تتناول مطلق الحيوان، فإنها تتناول الناطق وغيره، فاندرج النوعان، فلا حاجة إلى هذا القيد الزائد وهو قوله على بعض الوجوه. الرابع: أن قيد بعض الوجوه يخرج ما يذم تاركه على كل الوجوه؛ لأن كل قيد في حد إنما نحترز به عن ضده، فقيد البعض ينافي الكل، فيخرج أكثر الواجبات من الحد، وهي الواجبات المعينة التي لا توسعه فيها.

стр. 161

الخامس: أن الواجب والمخير، والموسع، وعلى الكفاية يرجع إلى الواجب المعبر في التحقيق الذي يذم تاركه على كل الوجوه. وتحريره أن مفهوم إحدى الخصال، أو الأزمان، أوالطوائف هو متعلق الوجوب، ولا تخيير فيه، والخصوصيات هي متعلق التخيير لا وجوب فيها، فالواجب واجب مطلقا من غير تخيير، وما فيه التخيير لا وجوب فيه، فحيث وجد الوجوب ذم تاركه على كل الوجوه، فلا معنى للاحتراز عنها، وسيأتي بسطه في الواجب المخير. السادس: أن الحد غير جامع، بل كل حد وقع فيه ترتيب شيء على تقدير الترك. بيانه: أن المطيع يفعل الواجب من غير تفريط صدق على فعله أنه واجب، وصدق عليه أن ليس بتارك، لأن فاعل، والفاعل ليس بتارك، والقاعدة: أن المترتب على تقدير ينتفي عند انتقاء ذلك التقدير، فالذم أو غيره المترتب على تقدير الترك ينتفي عند انتفاء الترك فينتفي الترك وما رتب عليه، ومجموعهما هو الحد، فقد انفتى الحد عن جميع الواجبات المفعولة من غير تقصير مع صدق الوجوب عليها، فالحد غير جامع، سواء قلنا: ما يذم تاركه أو يعاقب تاركه، أو يستحق العقاب تاركه، وجيمع هذه الأمور المترتبة على تقدير الترك. جوابه: على قاعدة شرعية غريبة وهي أن القيود المذكورة في الحد ليست حدا، وإنما هي متعلق الحد. وتقرير القاعدة أن التحديد يقع لذوات الأوصاف، وتارة يقع بحيثيات الأوصاف، فإذا قلنا: السخي هو الذي يبذل المال بسهولة. معناه: هو الذي بحيث إذا بذل المال بذله بسهولة، أي هو الذي بحيث إذا أخرجه أخرجه بسهولة، وقد لا يخرج شيئا غيره لعدم سبب يقتضي ذلك، لكن كونه بحيث هو كذلك لا يبطل بعدم الإخراج، فجعلنا الضابط هو الحيثية في

стр. 162

الإخراج لا نفس الإخراج، والإخراج هو متعلق الحد لا نفس الحد، فلما خرج لم يخرج عدمه مع وجود المحدود، لأنه متعلق الحد لا نفس الحد، وكذلك حد الواجب هاهنا بحيثية الذم على تركه، لا نفس هذه القيود، بل هذه القيود متعلق الحيثية، وليست حدا. ومعناه: الواجب ((هو الذي بحيث إذا ترك ذم تاركه، ولا شك أن الواجب إذا فعل من غير تقصير، هذه الحيثية ثابتة له، وهي الحد لا متعلقها الذي هو القيود، فما وجد المحدود فهو جامع، واندفع السؤال وأنا ذاكر لك مثلا من هذا الباب حتى تتضح لك القاعدة. فإذا قلنا: الواجب هو الذي رجح فعله على تركه في نظرا لشرع على وجه يمتنع التقصير، فهذا تحديد بالأوصاف لا بحيثية الأوصاف، ا, المندوب هو الذي رجح فعله، ويجوز تركه في نظر الشرع هو تحديد بذوات الأوصاف. ولو قلنا: يثاب فاعله كان تحديدا بحيثية الوصف، لأنه قد لا يفعل، وما يخرج بعدم فعله عن كونه واجبا، لكن الحيثية لا تفارقه مفعولا ومتروكا. وإذا قلنا: المباح ما استوى طرفاه في انظر الشرع كان تحديدا بذوات الأوصاف. وإذا قلنا: إنه الذي أعلم فاعله أنه لا نفع له ولا ضرر عليه في الآخرة، كان بحيثية الأوصاف، فإنه قد لايفعل، فلا يصدق أن له فاعلا يتناول الإعلام، ومع ذلك لا يخرج عن كونه مابحا، لانه بحيث لو فعل لكان الأمر مباحا كذلك، وأكثر الحدود إنما تقع بذوات الأوصاف، فلا جرم لم يتنبه للحدود بحيثيات الأوصاف لعلتها، فيعتقد أن الحدود إذا وجد بدونها يكون الحد غير جامع، وليس كذلك، ويعتقد أيضا أن تلك الأوصاف المذكورة هي الحد وليس كذلك، فقد تذكر أوصاف الحد ولا يكون حدا، بل حيثية كما تقدم، ولاجرم بعد هذا عن الإفهام، فإن المعهود أن الأوصاف المذكورة والقيود الملفوظ بها هي الحد لا غير، فوقع الغلط في هذا الموطن الذي لا يكون إلا بحيثيات الأوصاف لا بالأوصاف، فتأمل ذلك فهو غريب التقرير نادر الوقوع.

стр. 163

السابع: قوله: ((يذم)) بصيغة [الفعل] المضارع ، والذي يصح هاهنا من الذم، إنما هو ذم صاحب الشرع الوارد في النصوص كما تقدم، فينبغي أن يقول: الواجب ما ذم تاركه بصيغة الفعل الماضي؛ لأن هذه المذام قد وقعت وردت في الكتاب والسن، فذكر صيغة المضارع يشعر بأنها لم تقع، وهذا إنما يحسن إذا كان الذام هم حملة الشرع، وحملة الشرع قد لا يشعرون بالتارك حتى لا يذمونه، وقد يذمون على ترك المباح أحيانا، فإن الناس ما هم معصومون من أن يُسنوا قبيحا، أو يقبحوا حسنا، والبدع والحوادث كثيرة والأهواء والآراء مختلفة، وإن أراد الذم الواقع بإجماع يلزمه أن لا واجب إلا الجمع عليه، وهو باطل إجماعا، فتعين ألا يراد بالذم إلا ذم صاحب الشرع الوارد في النصوص، وحينئذ تتعين صيغة الماضي. الثامن: قال النقشواني: ينتقض جميع الحد بالمندوبات كلها ، فإنها إذا نذرت صارت واجبة بالندب، فقد ذم تاركها على بعض الوجوه، وهو من جهة إذا نذرت، ومتى وقع الذم على تقدير [دون تقدير] صارت كالواجب الموسع.

стр. 164

.......................................................................

стр. 165

.......................................................................

стр. 166

.......................................................................

стр. 167

.......................................................................

стр. 168

.......................................................................

стр. 169

.......................................................................

стр. 170

......................................................................

стр. 171

والمخير والكفاية، ثم هذا السؤال يقتضي عدم المنع بدخول المندوبات،

стр. 172

...........................................................

стр. 173

...........................................................

стр. 174

...........................................................

стр. 175

..........................................................

стр. 176

ويقتضي عدم الجمع من جهة أنه قال: إنما احترزت بقولي: بعض الوجوه عن المخير والموسع والكفاية، وهذا ليس منها، فيكون هذا القول منه، فيقتضي أن ما عدا هذه الثلاثة يذم عليه على جميع الوجوه، والواجب بالنذر لا يذم تاركه على تقدير ألا ينذر، فلا يكون بذم تاركه على كل الوجوه، فيخرج من الواجبات التي قصد دخولها، أو نقول: ينبغي أن يستثنى أربعة: المنذورات مع الثلاثة المذكروة، ومن هذه المادة الأفعال قبل ورود لاشرع لا يذم تاركها، وبعده يذم، كتارك ما ورد الشرع بوجوبه، فقد حصل الذم على بعض الوجوه، وكذلك الميتة يذم تاركها إذا اضطر إليها، ووجب عليه الأكل، وكل ما يترتب وجوبه على سبب يطرأ وينعدم، فإن النفقة على المرأة يذم تاركها إذا وجد سبب وجوبها، ولا يذم إذا زال ذلك السبب بالطلاق وغيره. وكذلك نفقات الأقارب والدواب والعبيد على تقدير بيعها لا تجب، بل صلاة الظهر لا يذم تاركها قبل الزوال، ويذم بعده، وكذلك سائر الواجبات قبل أسبابها، وبعد طروء أسبابها، فتكون هذه الأمور كلها الذم فيها على بعض الوجوه كالمخير، ويلزم أن تكون واجبة قبل طروء أسبابها، لأنها تجب إذا وقعت أسبابها، فيلزم صدق حد الوجوب قبل تحقق الوجوب، وهو يقتضي أن الحد غير مانع. جوابه: أن المفهوم من قوله: على بعض الوجوه إذا تقرر الوجوب بعد طروء سببه والخطاب به، وتعدد الوجوه في هذه الصور إنما هو باعتبار عدم

стр. 177

السبب وعدم الخطاب، وكلامه إنما يفهم منه ما بعد الخطاب، وتحقق الأسباب، فلا ترد هذه الصور. ((تنبيه)) وافقه ((التحصيل)) و ((المنتخب)، وقال ((الحاصل)): ما يذم تاركه مطلقا، ولم يقل: بعض الوجوه، فيندفع عنه السؤال الرابع. وقال التبريزي: الحكم التكليفي ينقسم إلى: إيجاب، وندب، وتحريم، وكراهة، وإباحة، ووجه الحصر أن تعلق الخطاب إما تخييرا، أو اقتضاء لطلب الفعل، أو الترك، وكلاهما إما مع تجويز ضده، أو المنع من ضده، الأول: الإباحة، والثاني: الإيجاب أو الندب، والثالث: تحريم أو كراهة، والواجب هو المأمور المهدد بالعقاب على تركه، وليس من شرط التهديد وقوع المهدد به، فلا ينافي العفو، ويرد عليه أن تقسيم الحكم التكليفي إلى الإباحة والندب يشعر بأن الإباحة تكليف، وليس كذلك بل التكليف ما فيه كلفة ومشقة، وذلك يختص بالواجب والمحرم ولذلك قال ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) مع أنه مندوب إجماعا، فدل على أن المشقة إنما تنشأ عن التحتيم.

стр. 178

ثم قوله: تعلق الخطاب إما تخييرا، أو اقتضاء -تقسيم غير حاصر؛ لأنه قد يكون خبرا، وهو خطاب، وقوله الثاني: إيجاب أو ندب - يقتضي أن الطلب الجازم قد يقع ندبا، وليس كذلك، بل كان ينبغي أن يقول: والثالث ندب، ويجعل الأقسام خمسة؛ لأن تقسيمه يقتضيها، ويرد عليه أيضا أن التهديد لم يعين فاعله، فيندرج فيه تهديد أهل العرف على ترك بعض المباحات، فاندفع عنه السؤال الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسابع، والثامن، ولا يرد عليه غير السادس فقط. ((تنبيه)) وهم كثير من الأصوليين فقالوا في حد الواجب: ما يذم تاركه، ويثاب فاعله، فضموا قيد الثواب إلى الحد، وهو غير مستقيم، فإن الحد يصير غير جامع. وتقريره: أن ليس كل واجب يثاب على فعله، ولا كل محرم يثاب على تركه. أما الأول فكنفقات الزوجات، والأقارب، ورد المغصوب، ودفع الديون والأجر والأثمان إذا فعلت من غير قصد امتثال أمر الله - تعالى - وقعت

стр. 179

واجبة مع أنه لا ثواب فيها لعدم القصد لطاعة الله تعالى، بل لو لم يشعر بأن الله - تعالى - أوجبها عليه وقعت واجبة، ولا ثواب مع عدم الشعور بالإيجاب. وأما الثاني: فلأن المحرمات تخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها، وإن لم يشعر بتحريمها عليه، ولا ثواب مع عدم الشعور بالتحريم لانتفاء طاعة الله - تعالى - بعدم الشعور بتكليفه، وإذا اقترن قصد الطاعة بجميع ذلك حصل الثواب، فظهر أن التحديد بالثواب في فعل الواجب، وترك المحرم غير مستقيم، وإنما يلزم في الواجب ذم تاركه، أو استحقاق العقاب، ففي المحرم استحقاق العقاب على الفعل، أما فعل الواجب وترك المحرم فلا. ((تنبيه)) إذا قلنا بأن المخير يذم تاركه على بعض الوجوه فما عدد تلك الوجوه وما ضابطها ؟ جوابه: أن التخيير إذا وقع بين شيئين ذم على وجه، أو بين ثلاثة ذم على وجه دون وجهين، والضابط أن تعدد الخصال التي وقع بينها التخيير، ويسقط منها واحد، والباقي هي الوجوه التي لا يذم فيها، فإن التخيير، ويسقط منها واحد، والباقي هي الوجوه التي لايذم فيها، فإن التخيير إن وقع بين عشرة مثلا - أحدها العتق - مثلا فلا يذم عليه إلا إذا ترك الجميع، ومتى فعل أحد التسعة لم يذم على العتق، وكذلك بقيتها، فيسقط أبدا واحدا، والباقي وجوه عدم الذم، ووجوه الذم واحد دائما لا يزيد على واحد، قلت الخصال أو كثرت.

стр. 180

((تنبيه)) إذا حد الواجب بأنه الذي يستحق تاركه العقاب على تركه، لا يرد عليه سؤال العفو الذي أورده الإمام ، لأن العفو لا ينافي الاستحقاق، وإنما يرد سؤال العفو على من يذكر العقاب نفسه لا استحقاقه. ((تنبيه)) شرع الإمام ﵀ في تقسيم الأحكام ، وحدودها، وذكر من الحد ما تقدم، والذي ذكره ليس حكما، لأن حكم الله - تعالى - هو الوجوب لا الواجب، بل الواجب هو فعل المكلف، فهو متعلق الحكم لا نفس الحكم، فشرع عند الحكم حد متعلقه، وأحدهما مباين للآخر؛ فإن الحكم صفة الله تعالى، ومتعلقه صفة للعبد، وأحدهما مباين للآخر؛ فإن الحكم صفة الله تعالى، ومتعلقه صفة للعبد، لأنه فعله فكان المتعين أن يقول: الوجوب هو الذي يذم تارك متعلقه شرعا على بعض الوجوه، وهذا السؤال مطرد في جميع حدوده، وهذا التعبير لازم في الجميع. قال سيف الدين في ((الإحكام)): الوجوب الشرعي تعلق خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما، ومراده بـ ((حالة ما))، مراد الإمام بقوله: بعض الوجوه، وهو أسد من كلام الإمام وأقل أسئلة. ((فائدة)) قال سيف الدين: يبطل قول الحنفية في اشتراطهم قيد القطع في إطلاقهم لفظ الفرض بإجماع الأمة على إطلاقه على أداء الصلوات المختلف فيها، يقول كل منهم إذا صلى: أديت فرض الله تعالى، مع أنه لا قطع مع الاختلاف، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
следующие страницы →