← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فالمضاف للمصدر يصير مصدرا نحو: ضربته أشد الضرب، وإلى الظرف يصير ظرفا نحو: مرت سبع ليال ونحو ذلك، وإذا تقررت الإضافة بين الألفاظ والمعانى، واللفظ متقدم في إضافته على إضافة المعنى؛ لأنه سببه، فلو لم يركب اللفظ لم يتعرف المعنى، فيكون متقدما طبعا، فيتعين تقديمه وضعا، فلذلك قال: إضافة اسم المعنى ولم يقل: المعنى، ومتى أضيف فقيل: زيد كاتب الأمير، وحاجب الوزير، وعدو خالد، وصديق بكر فلا يفهم من الإضافة الأولى إلا اختصاص الكتابة بالأمير، ومن الثانية إلا اختصاص الحجة بالوزير، ومن الثالثة إلا اختصاص العداوة بخالد، ومن الرابعة إلا اختصاص الصداقة ببكر دون ما عدا ذلك، فهو معنى قوله: ((يفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى الذي عينت له لفظة المضاف)). أى: لا يقع الاختصاص إلا في مسمى لفظة المضاف فقط، من ذلك الوجه، ومقصوده بهذا التنبيه أن أصول الفقه مضاف ومضاف إليه، فيختص الأصول بالفقه من جهة أنها أدلة له لا من وجه آخر، فإنها أصوات وأعراض وممكنة ومصادر سيَّالة وغير ذلك، ومع ذلك فلا تختص بالفقه إلا من جهة أنها أدلة، وهي الجهة التى عينت لها لفظة المضاف. قوله: ((أصول الفقه مجموع ((طرق)) الفقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل ((بها)) إلى آخر الفصل. تقريره: أن الأصل له أربعة معانٍ: واحد منها لُغوى، وثلاثة اصطلاحية. فاللغوى: أصل الشىء منشؤه الذي تفرع عنه، نحو أصل النخلة نواة، والإنسان نطفة كما تقدم في تعريف الأصل. والاصطلاحية: أصل الشئ دليله، ومنه أصل هذه المسألة الكتاب والسنة

стр. 72

والإجماع أى أدلتها، ومنه أصول الفقه، وأصل الشئ رجحانه عند العقل، ومنه الأصل براءة الذمة أى الراجح؛ لأن الإنسان ولد بريئا من الحقوق كلها، فإذا خطر ببالنا أن ذمته اشتغلت بحق الله تعالى، أو للخلق، أو لم تشتغل؛ ولم يقم دليل على شئ من ذلك كان احتمال عدم الشغل راجحا على احتمال الشغل في العقل، ومنه الأصل في الكلام الحقيقة، أى هي الراجحة عند السامع على المجاز، والأصل عدم الاشتراك أى الراجح عدم الاشتراك على الاشتراك، والأصل بقاء ما كان على ما كان أى الراجح بقاؤه على تغيره عن حاله، والأصل الرابع الصورة المقيس عليها في القياس، فإنهم يسمونها أصلا، وليست من هذه الأقسام، فالأصول حينئذ أربعة متباينة بالحد، والحقيقة واللفظ بينهما مشترك. ((تنيبه)) مقتضى قوله أن تكون أصول الفقه كلها ثلاثة أجزاء لا رابع لها ، وإن طالت المصنفات فيها وكثرت، الأدلة والاستدلال والمستدل. فالأول: الأوامر والنواهي والعموم والقياس والإجماع ونحوها. والثانى: التعارض والترجيح. والثالث: هو باب المجتهد وصفته والمقلد وصفته، وعلى كلامه خمسة أسئلكة: الأول: أن قوله: ((مجموع طرق الفقه))، وقال: احترزت به عن الباب الواحد يلزمه أحد الأمرين: إما أن يقول في حد الفقه: مجموع أبواب الفقه، ألا يقول هاهنا لفظ المجموع. وتقريره: أن للفقه أبوابا أكثر من أبواب أصول الفقه بكثير، وأهل العرف يسمون فقيها من عرف جملة غالبة من الفقه كما تقدم تقريره،

стр. 73

وكذلك من عرف جملة غالبة من أصلو الفقه سمونه أصوليّاً، ولا يمكن لأحد أن يقول: إن من جهل بابا واحدا من أصول الفقه وإن صغر، وإن قل أن أهل العرف يمتنعون من إطلاق الفظة الأصولى عليه، بل بعض الكتب المختصرة لم تستوعب فيها أبواب أصول الفقه، ومع ذلك يسمون العالم بها أصوليا كما يسمون العالم بمختصرات الفقه فقبها لكونه حصَّل جملة غالبة في الموضعين، بل المخالف في صيغة العموم والأمر كالقاضى ونحوه يلزم ألا يسمى أصوليّا عند خصومه، وكذلك كل أصولى خالف أصلا لا ختلال المجموع بالقياس إليه، وإذا استوى البابان لزم احد الأمرين ضرورة، والذي يظهر أن الإسقاط في اشتراط المجموع هو الصواب، وقد أسقطه كثير من المصنفين ووافقه أبو الحسين في شرح ((العمد)) وغيره. الثانى: قوله: على سبيل الإجمال مع أنَّ القاعدة أن كل قيد في حد إنما يُحتَرَزُ به من ضده، وقد تقدم أن العلم الإجمالي معرفي الشئ من بعض وجوهه، والتفصيلي معرفة الشيء من جميع وجوهه، تقدم ذلك في أول الشرح مبسوطاً، فحينئذ الإجمال إنما يحترز به عن التفصيل، وقد قال: إنه احترز به عن حال الفقيه في علمه بوجود الأدلة في الصور المعينة، مع أن الفقيه فاته بعض الوجوه، وهو كون تلك الأدلة التى هي حظ الأصولى، فحينئذ كل واحد من الفقيه والأصولى إنما حصل له العلم بهذه الطرق على سبيل الإجمال، فاندرك الفقيه في حد الأصول فما قصد أن يكون مخرجا انعكس موجباً. الثالث: أن وجود الأدلة في صور الأحكام كوجود الحقائق في البقاع والأزمان، ووجود الحقائق في البقاع والأزمان لا يكون وجوها فيها حتى بعد الجهل بها يخل بالعلم بتلك الحقيقة؛ لأن من جهل حقيقة الإنسان وعلم أن منه في الأرض الفلانية، أو الزمان الفلانى أفراداً لا يقال: إنه جاهل بحقيقة

стр. 74

الإنسان، وكذلك من علم حقيقة السواد، فكذلك من علم حقيقة الإجماع، وجهل انقعاده في مسألة القراض لا يقال: إنه جاهل بحيقة الإجما ع؛ لأن وجوده في القراض كوجود السواد في ثوب زيد، وإنما يعد وجها في الحقيقة ما كان قارا فيها، كمن علم الإنسان من جهة كونه ناطقا لا من جهة كونه ضاحكا بالقوة، أو كاتبا بالقوة، ونحو ذلك، فإنه لم يعلم الإنسان على التفصيل، فظهر أن إخراج حظ الفقيه من الأدلة لا يصير العلم بأصول الفقه إجماليا بغير هذا الوجه، أما بهذا الوجه فلا. الرابع: أن من جملة أصول الفقه كيفية حال من لم يجز له الاستدلال بهذه الأدلة على الأحكام ليعتمد على ما يظهر له وهو المقلد، فإن صفته إنما تذكر في أصول الفقه، وما ذكرها كما ذكر صفة المستدل، فإن قال: إن صفته تعلم بطريق اللزوم من معرفة صفة المستدل، بمعنى أن من ليس موصوفا بصفة الاجتهاد فهو المقلد. قلنا: وكذلك تُعْلم صفة المجتهدين من صفة المقلد بطريق اللزوم، بمعنى أن من ليس بمقلد فهو مجتهد، وهذا التعريف المتضارب الشئ لا يجوز في الحدود، فلا يقال في الحركة: ما ليس بسكون، ولا لسكون ما ليس بحركة؛ لأنه تعريف الشئ بما لا يعرف إلا بعد معرفته. الخامس: قال النًّقْشَوَانى: إنه فسَّر الطريق بما يكون النظر الصحيح فيه مقصيا للعلم، أو الظن بالحكم الشرعى، والذي ينظر لتحصيل العلم، أو الظن الخاص هو الفقيه، فيلزم أن يكن أصول الفقه فقهاً، وهذا السؤال غير متجه؛ لأنا إذا قُلْنا في حد الماء: هو الذي إذا شربه الحيوان روى به، فهذا تعريف بخاصة، ولا يلزم دخول الحيوان في حد الماء، وكذلك إذا قلنا:

стр. 75

الشمس هو المستدير الذي يضئ منه العالم، وتغيب لأجله الكواكب، لا يدخل العالم ولا جميع الكواكب في حد الشمس، بل هذا تعريف بخاصة وحيثية في الشمس، أى هو بحيث يكون كذلك، ومتعلق الحيثية لا يدخل فيها، وكذلك هذه حيثيثة في طريق الفقه، ومتعلقها وثمراتها، وجيمع ذلك لا يدخل فيها. ((تنيبه)) وافقه ((المنتخب)) في عبارته ((والحاصل)) أيضا، وقال صاحب ((التحصيل)): جميع طرق الفقه من حيث هي طرق إلى آخره فيرد عليه جميع ما على الأصل إل سؤال الجمال، فعبارته أقرب للصواب. وقال التبريزى: مجموع أدلة الفقه غير أنها لها أجناسا لقولنا: الإجماع وخبر الواحد والقياس واحدا وأشخاصا كهذا الإجماع، وهذا الخبر المعين والعلم بماهية الجنس، وكونه حجة، وشروط اعتباره، وكيفية دلالته هو الملقب بعلم أصول الفقه، وهو المراد بقولههم: على سبيل الإجمال، والعلم بالأشخاص، ووجه دلالتها هو علم الفقه والخلاف، فكذلك هو مجموع أدلة الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية دلالتها، وشروط اعتبارها، وكيفية حال المستدل بها، والمقلد له، هذه عبارته، ويرد عليه السؤال الأول والثاني والثالث فقط؛ لأنه ذكر المقلد، ولم يتعرض لتحديد الطرق. ((تنبيه)) قد تقدم من كلام الأبيارى في ((شرح البرهان)) أن أصول الفقه تطلق اسما علماً لعلم مخصوص، وتطلق مضافا للفِقْه. والقسمان مشكلان.

стр. 76

أما المضاف فلأن المضاف تتوقف معرفته على معرفة المضاف إليه، مع أن المضاف إليه الذي هو الفقه متوقف على أصوله، فيلزم الدور. وأما العلم، فلأن العلم الملقب بأصول الفقه فيه مواد كثيرة كما تقدم، وهي جزء كبير من الفقه للتمثيل، وجزء كبير من العربية لمعرفي أحوال الألفاظ وجزء كبير من أصلول الدين كالحسن والقبح، وصدق النبوة وعصمة الانبياء ﵇، وجزء من النحو والتصريف وغير ذلك، وهذه الإجزاء كلها لم يذكرها مع أنها من جملة المسمى، وهو تعرض لجميع الأجزاء، فيكون حده غير جامع على رأيه. ((فائدة)) قال أبو الحسين في شرح ((العمد)): لا يجوز التقليد في أصول الفقه ، ولا يكون كل مجتهد فيه مصيبا، بل المصيب واحد بخلاف الفقه في الأمرين. قال: والمخطئ في أصول الفقه ملوم، بخلاف الفقه هو مأجور، فهذه ثلاث قواعد خالف فيها الفقه أصوله؛ لأن أصول الفقه ملحق بأصول الدين، وأصول الدين كذلك، ولم يحك في ذلك خلافا، غير أنك ينبغى أن تعلم أن من أصول الفقه مسائل ضعيفي المدارك كالإجماع السكوتى والإجماع على الحروب ونحو ذلك، فإن الخلاف فيها قوى، والمخالف فيها لم يخالف قاطعا بل ظنا، فلا ينبغى تأثيمه، كما أنَّا في أصول الدين لا نؤثم من يقول: العرض يبقى زمنين، أو ينفي الخلاء، وإثبات الملأ، وغير ذلك

стр. 77

من المسائل التى ليس مقصودها من قواعد الدين الأصلية، وإنما هي من المسميات في ذلك العلم.

стр. 78

الفصل الثانى فيما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أُصُولُ الفِقْهِ مِنَ المُقَدِّمَاتِ قال الرازى: لَمَّا كان أصول الفقه عبارة عن: مجموع طرق الفقه، والطريق هو الذي يكون النظر الصحيح فيه مفضيا؛ إما إلى العلم بالمدلول، أو إلى الظن به، والمدلول هنا: هو الحكم الشرعى وجب علينا تعريف مفهومات هذه الألفاظ: العلم، وما ذكر معه. ثم ما كان منها بين الثبوت كان غنيا عن البرهان، وما لم يكن كذلك وجب أن يحال بيانه على العلم الكُلِّى الناظر في الوجود ولواحقه؛ لأن مبادئ العلوم الجُزئية لو بُرهن عليها فيها، لزم الدور، وهو محال. قال القرافي: تقريره: أن علم أصول الدين هو أصل العلوم كلها؛ لأنه يتضمن العلم بالوجود، وأقسامه، والعلم بالعدم وأقسامه، والعلم بالعدم وأقسامه، وما هو معلوم خارج عن النقيضين فيبحث في العالم، وأجزائه، وأحواله، وصانع العالم، وصفاته، وأحكامه، وما وراء ذلك من المستحيلات، والممكنات، وغير ذلك من سائر المعلومات. ومن فروعه إثبات النبوات بالنظر العقلى في المعجزات، ومن فروع النبوة علم التفسر، وعلم الحديث وعلم الأصول التى بنبنى عليها الفقه، ونحو ذلك من فروع علم أصول الفقه، فهو الغاية والنهاية، وحيئذ يجب في كل

стр. 79

علم هو فرع عن علم آخر أن توجد مقدمات الأصل مُستسلفة في ذلك الفرع، فتوجد حقائها متصورة كما ثبت في علم الأصل، غي أن على المُصَنَّف مناقشة في قوله: لو برهن عليها فيها، بل كان يقول: لو برهن عليها منها، فإن الدور إنما يأتى بإثبات الأصل بمقدمات الفرع. أما إثبات الأصل في الفرع بمقدمات الأصل نفسه لا يلزم منه الدور، فقوله فيها لا يقتضى أن الإثبات وقع بمقدمات الفرع، فلا يكون الدور لازما. أما مع قوله: منها يكون الدور لازما، وقد صحر صاحب ((الحاصل)) عزو غيره من المختصرين سكت عنه جملة، ويريد بقوله: ماكان محتاجا إلى البرهان أحيل على العلم الكلى إثبات العلم والنظر وجميع الأعراض، فإن هذا إثباته على منكريه هو شأن أصول الدين لا أصول الفقه. ***

стр. 80

الفصل الثالث في تحديد العلم والظن هذا المقصود إنما يتحقق ببحثين: الأول: أن حُكم الذِّهن بأمر على أمر، إما أن يكون جازما أولا يكون، فإن كان جازما، فإما أن يكون مطابقا للمحكوم عليه أو لا يكون، فإن كان مطابقا، فإمّا أن يكون لموجب أو لا يكون. فإن كان لموجب: فالموجب إما أن يكون حسيا أو عقليا أو مركبا منهما. فإن كان حسيا، فهو: العلم الحاصل من الحواس الخمسة، ويقرب منه العلم بالأمور الجدانية؛ كاللذة، والألم. وإن كان عقليا، فإما أن يكون المجوجب مجرد تصور طرفي القضيَّة، أو لا بد من شئ آخر من القضايا، فالأوَّل هو: البديهيَّات، والثاني: النظريات. وأمَّا إن كان الموجب مركبا من الحس والعقل، فإمَّا أن يكون من السمع والعقل، وهو المتواترات، أو من سائر الحواس والعقل، وهو التجريبيات والحدسيات، وأما الذي لا يكون لموجب، فهو: اعتقاد المقلد. وأما الجازم غير المطابق، فهو: الجهل.

стр. 81

وأما الذي لا يكون جازما، فالتردد بين الطرفين، إن كان على السوية، فهو: الشك، وإلا، فالراجح ظن، والمرجحوح ونم. الثانى: أنه ليس يجب أن يكون كل تصور مكتسبا، وإلا، لزم الدَّورُ أو التسلسل؛ إمَّا في موضوعات متناهية، أو غير متناهية؛ وهو يمنع حصول التصور أصلا، بل لا بد من تصور غير مكتسب، وأحق الأمور بذلك ما يجده العاقل من نفسه، ويدرك التفرقة بينه وبين غيره بالضرورة. ومنها: القسم المسمى بالعلم؛ لأن كل أحد يدرك بالضرورة ألمه ولذَّته، ويدرك بالضرورة كونه عالما بهذه الأمور. ولولا أن العلم بحقيقة العلم ضرورى، وإلا لامتنع ان يكون علمه بكونه عالما بهذه الأمور ضروريا؛ لما أن التصديق موقوف على التصور، وكذا القول في الظن. ثم العبارة المحررة أن الظن تغليب لأحد مجوزين ظاهي التجويز. وها هنا دقيقة وهي أن التغليب إما أن يكون في المعتقد، أو في الاعتقاد: أما الذي يكون في المعتقد فهو: أن يكون الشيء ممكن الوجود والعدم، إلا أن أحد الطرفين به أولى؛ كالغيم الرطب؛ فإن نزول المطر منه وعدم نزوله ممكنان، لكن النزول أولى. وأما الذي يكون في الاعتقاد، فهو: أن يحصل اعتقاد الوقوع، واعتقاد اللاوقوع كل واحد مع تجويز النقيض، لكن اعتقاد الوقوع يكون أظهر عنده من اعتقاد اللاوقوع؛ فظهر أن اعتقاد رجحان الوقوع مغاير لاعتقاد رجحان اللاوقوع.

стр. 82

فهذا الثاني هو: الظن، فان كان مطابقا للمظنون كان ظنا صادقا، وإلا، كان ظنا كاذبا. وأما الأول، وهو: اعتقاد رجحان الوقوع، فإن كان مطابقا للمعتقد، كان علما أو تقليدا على التفصيل المتقدم، وإلا، كان جهلا، والله أعلم. قال القرافي: تقريره: يتحرر بالإيراد عليه فتحصل الفائدتان، وموجب هذا البحث أنه لما حدد أصول الفقه، وقع في الحد ذِكُرُ هذه الحقائق احتاج لتعيرفها لئلا يكون قد عرفه بالمجهولات، وهو غير جائز، ولما صرح بلفظ التحديد تعين أن يرد عليه ما يرد على الحدود، ولو لم يصرح بالتحديد لأمكن أن يقال: إنه قصد بهذه التقاسيم الكليات لا الحدود، ولا شك أنَّ الكليات لا يشترط انعكاسها، فمن قال كل إنسان حيوان، كان كلامه صادقا، وإن كذب عكسه كل حيوان إنسان، والحد لا بد وأن يكون مطردًا منعكسا، وعلى هذا التقدير يرد عليه عشرون سؤالا: الأول قوله: ((حكم الذهن)) أسس تقسيمه على الحكم، والحكم لايكون إلا في التصديقات، مع أن العلم قد يكون في التصورات التى لاحكم فيها، وقد اتفق الناس على صحة تقسيم العلم إلى التصور والتصديق. فقوله: ((الحكم)) يخرج أحد قسمى العلم، ولايتأتى له أن يخرج قسما من هذا التقسيم جامعا للعلم ع أنه قصد الحد الجامع المانع، فلا يتم له بذلك. الثاني: على إضافة الحكم إلى الذهن، يقتضى اختصاص العلم بأحكام العقول وتصديقاتها، مع أن العلم القديم ليس كذلك، بل العقل يمكن أن يقال: إنه ليس حاصلا للملائكة، وإن كانوا من سادات العلماء والخاصة النجباء؛ لأن العقل هو سجية خاصة ينشأ عن الأمزجة البشرية، نسبة هذه

стр. 83

السجية إليها كنسبه الصقال في المرآة إليها، فكما أن الصقال طبيعة الحديد لا ينشأ غن غير الحديد، كذلك السجايا البشرية لا تنشأ عن غي البشرية، فتكون عقول البشر وأبنية الملائكة مختلفة، وقبول العلم لازما عاما لحقائق مختلفي من المخلوقات والخالف ، وحينئذ كان الواجب أن يأخذ مطلق الكشف الذي يعم القديم والحادث، حتى يكون حده للعلم جامعا، ويضع للظن والجهل ولاشك ونحوها بحثا آخر. الثالث: قوله: ((بأمر على أمر)) مع أن الصحيح أن لفظ الأمر حقيقة في اللفظ الدال على الوجوب، وهو غير مراد هاهنا، بل المراد هاهنا حكم الذهن بأحد النقيضين على الآخر، فإن الأحكام وإن كثرت، وتنوعت كانت قديمة أو حادثة فإنها لاتخرج عن النقيضين بالضرورة، فإن الحكم إما بسلب الشئ أو بثبوته، والمحكوم عليه إما وجود، أو عدم. فلا حكم إلا بأحد النقيضين، ولا حكم إلا على أحد النقيضين، وما قال أحد: إن لفظ الأمر موضوع للنقيضين معا بل قال بعضهم: للقول خاصة، وقال آخرون: للقول والفعل. وقال أبو الحسين: للفعل، والشيء، والصفة، فإن فرَّعنا على مذاهب الاشتراك، فاللفظ المشترك لا يقع في الحدود لإجماله، والحدود مرادة للبيان، وإنْ فرعنا على عدم الاشتراك فما علمت أحدا قال: إنها موضوعة لمطلق العلوم الذي يعم النقيضين من غير اشتراك، فحيئذ حقيقة هذا اللفظ غير مرادة، ومرات المجاز غير متعينة، فيكون تعريفا بالمجهول، فلا يصح فكان الواجب على هذا أن يقول: حكم الذهن بمعلوم على معلوم ليعم النقيضين، ويكون اللفظ حقيقة من غير اشتراك ولا مجاز. الرابع: على قوله: ((فإن كان جازما)) بدأ بالقسم الكثير الأقسام، وقاعدة هذا الباب: البداية بالقليل الأقسام ليتفرغ العقل للكثير الأقسام، فكان

стр. 84

الواجب أن يقول: فإن كان غير جازم، ثم يفرغ منه، ويشرع في الجازم؛ لأن أقسامه أكثر. الخامس: على قوله: ((إما أن يكون مطابقا أو لا يكون)) . أراد بالمطابقة كون المحكوم به واقعا في الخارج، وهو المتبادر إلى الذهن، كالحكم بوجود زيد في الدار، وهو كذلك، فإنه مطابق، فإن أراد هذا أشكل عليه بأن النسب والإضافات على رأى أهل التحقيق لا وجود لها في الأعيان، وإنما وجودها في الأذهان كالأبوة، والبنوة، والتقديم والتأخير، والتأثير ونحو ذلك، فإنا نحكم بها ويكون الحكم مطابقا صدقا وحقا، مع أن المحكوم به في الذهن ليس الخارج، فحينئذ لا بد من تفسير المطالبقة بمعنى آخر، وهو مجهول جدا، فإنا إذا حاولنا تفسير المطابقة بغير ما تقدم عسر جدا، ولا يكاد يعقل من المطابقة إلا أن ما في الذهن واقع في الخارج، فحيئذ يلزم أحد أمرين: إما خروج بعض أنواع المطابقة إن أراد التفسير المعلوم، أو التعريف بالمجهول إن لم يرده، وعلى التقديرين يبطل تحديده وتعريفه، والذي تحرر في تفسير المطابقة بمعنى يشمل الأمور الحقيقة والنسب الإضافية أن يذكر بصيغة التنويع، فيقال: المطابقة إما بوقوع ما في الذهن في الخارج التناسل على الصورة الخاصة كان ذلك ملزوما لصحة حكمنا بأن المتولد عن ذلك الواطئ ابن للواطئ، وأن الواطئ أبوه، وإن وقع فعل زمان، ثم وقع فعل بعده في زمان آخر كان ذلك الوقوع في الخارج ملزوما، لصحة حكمنا بتقديم الأول على الثاني، وتأخير الثانى عن الأول. وكذلك سائر الأحكام النسبية مفسرة بوقوع صحتها في الخارج، لابوقوعها في نفسها، خلاف المطابقة في الحكم بالأمور الحقيقة، إنما هو بوقوعها في نفسها، وإذا تحقق تفسير المطابة على وجه يعم جميع

стр. 85

الأحكام، فحينئذ يظهر بالضرورة أنه أخفي من مفهوم العلم والظن وما يتبعهما، فإن الناس يعلمون هذه الحقائق، ولا يكاد أحد يعلم تفسير المطابقة بهذا التفسير المتنوع، فحينئذ يلزم أنه عرّف الأجلَى بالأخفي وهو غير جائز. السادس: على قوله: ((لموجب)) هذا الموجب الذي أشار إليه في غياة الغموم والإشكال؛ لأنه قسمه إلى الحسى والعقلى والمركّب منهما، فدل على أنه أعم من كل واحد من الثلاثة، ثم إنه قسم العقلى إلى البديهي الغنى عن الكسب فدل على أنه أعم من الدليل الكاشف للتصديقات، وأن المراد من هذا الموجب شئ غير الدليل، وموجود غير الدليل غير معقول، وشئ وهو أعم من البديهي والنظرى وهو قد جعله موجب العلم، فيكون الشئ موجبا لنفسه، وإن أراد الدليل، فالحس لا يصدق أنه دليل؛ لأن الدليل فيه مقدمتان منتجتان لم يبق هاهنا إلا حرف واحد، وهو أن نفسره باستعداد الفطرة لقبول العلوم، والاستعداد في الحواس، وفي مرآة العقل، فيقبل البديهي والنظرى والدليل وغيره، أو أخص من ذلك، وهو ما يقع في صورة العقل من تصور طرفي القضية في البديهيات، او المقدمات في النظريات، أو صور المحسوسات في الحواس، فيصير مراده مفهوم الواقع في امرآة العقل والحالس مما يتعقبه العلم عادة، ولا شك أن هذا الموجب أعم من الدليل، والتصور، والحس، ويصح التعبير به غير أنه في غاية الخفاء، فإن المتبادر للذهن من الموجب إنما هوا لديل في التصديقات، والحد في التصورات، وهو لم يتعرض للتصورات، فلم يق إلا الدليل المتبادِر. وما عداه خفي عند العقل عند السماع، والتعريف بالخفيات لا يجوز لا سيما إذا عرضنا على أنفسنا مفهموم العلم الذي قال فيه هو وغيره: إنه

стр. 86

بديهي غنى عن التعريف، وعرضنا هذا التفسير في الموجب وجدنا الموجب أخفى بكثير، وتعريف الأجلى بالأخفي غير جاز. السابع: ((على حصره الموجب في الحسى والعقلى والمركب منهما)) ، فإن الحصر غير ثابت في هذه الثلاثة، فإن ذلك يبطل بأمور: أحدها: أن الوجدانيات ليست من الحسيات؛ لأن من فقد حواسه وجد في نفسه ألمه ولذته، وليست من العقليات، لأن البهائم التي لا عقول لها تجد جوعها وعطشها وألمها ولذتها وغير ذلك. وثانيها: إذا خلق الله - تعالى - علما ضروريا في بعض مخلوقاته، فإنه إما بطريق الكشف فيما عادته يقع للأولياء والعلماء أولى من هذا القبيل، كما يخلق في نفس جبريل علما ضروريا بأنه تعالى طلب منه الرسالة الخاصة لبعض الأنبياء. وثالثها: المركب من الوجدانيات والعقليات. ورابعها: المركب من الوجدانيات والحسيات. وخامسها: المركب من أمر إلهي كما تقدم والحس. وسادسها: المركب من أمر إلهي مع العقل. وسابعها: المركب من أمر إلهي مع الوجدان، فإنه أمكن أن يكون لنا مطلو ب يترتب على مقدمة وجدانية، وأخرى من أحد هذه الأقسام، ومجموعهما يكون هو المفيد. وقرائن الأحوال تفيد العلم بغير فكرة في بعض الصور، فلا يكون نظريا لعدم الفكرة، ولا بديهيا لعدم كناية احد الطرفين في القضية، ولذلك نقطع لا يتعلق إلا بالكون وما وراءه إنما يدرك بالقرائن الأحوال، وبالجملة فالحصر غير ثابت، وإذا لم يكن الحصر ثابتا، فيكون العلم المترتب على هذه

стр. 87

الأقسام التى لم تدخل في حره غير داخل في حده، فيكون حده غير جامع، فيكون باطلا. الثامن: على قوله: ((إن كان الموجب تصور طرفي القضية فهو البديهيات)) . فإن هذا التفسير يخص البديهي الذي هو تصديق، والبديهي هو الذي يبديه العقل ويهجم عليه بغير كسب، وهذا قد يكون تصورا غنيا عن الحد، فكان المتعين أن يقول: البديهي هو الغنى عن الكسب، فيشمل التصديقات والتصورات، فإن الكسب تارة يكون بالبراهين في التصديقات، وتارة بالحدود في التصورات، فلا كسب تصديق إلا ببرهان، ولا تصور إلا بحد، أو ما في معناه من الرسم، وتبديل اللفظ باللفظ، فيكون حده حيئنذ للبديهي غير جامع، فيكون باطلا. التاسع: على هذا المقام أيضا أنَّ أجلى البديهيات قولنا: النفي والإثبات لا يجتمعان، والثبوت والنفي اختلف العقلاء هل بينهما واسطة أم لا؟ فأرباب الاحوال وغيرهم أثبتوا الوسائط مع أنهم عقلاء، فعلمنا حينئذ العقل لابد معه من مرشد آخر، وهو زائد على قولنا: تصور طفي القضية وكذلك قولنا: الواحد نصف الاثنين لا يكفي تصور طرفي القضية وهما الواحد ونصف الاثنين حتى يحصل عند العقل بعد الخلوص من غمرات الطفولية والصغر دربة بماهية العدد، وتصور لحقيقته وكثير من معالمه ولوازمه وخصائصه، فحينئذ ثم آخر وراء تصوره طرفي القضية، ولذلك إن العقلاء لا يعنون بالبديهيات ما هو لازم لحقيقة العقل جزما، بل هو غالب عليه بعد الخلوص من غمرات الصغر، ولا يكاد يرعى عنه أحد بعد ذلك، اما أنه بمجرد تحقق العقل في الصبى في أول دفعة يكون عالما بأن الواحد نصف الاثنين من غير مباشرة ولا مخالطة ولا معاناة شئ من المقدمات العقلية

стр. 88

أو غيرها ألبتة فلا يقوله أحد، فحينئذ مجرد التصور ليس كافيا في البديهيات فخرجت البديهيات كلها عن حد البديهيات. العاشر: على قوله: والثاني النظريات يكون حده غير مانع لدخول البديهيات كما تقدم تقريره في السؤال التاسع. الحادي عشر: أن العلم الإلهي خارج عن حد العلم؛ لأنه ليس له موجب ألبتَّة، بل هو واجب لذاته مستغنٍ عن الموجب والموجد، فلا يكون الحد جامعا فيكون باطلا. الثانى عشر: قوله: ((الذي يكون مركبا من السمع والعقل هو المتواتر)) مشكل بما إذا سمعنا سُعالا كثيرا أو عطاسا أو نَحيحا شديدا فإن العقل يجزم بواسطة هذا المسموع بأن الفاعل لذلك حى، مع أن العقل يجوَّز ان تقوم أصوات السعال، وغيره بغير الحى، لكن تكرر ذلك على العقل في مجرى العادة حتى قال من قبل نفسه: إن كل ما هو موصوف بهذه الأصوات الكثيرة على هذه الصورة حى بالضرورة، كما جزم وقال هؤلاء المخبرون ووصلوا في حد الكثرة إلى غاية يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، فهذه هيا لمقدمة التى شاكر بها العقل الحس، وصار الموجب لذلك مركبا من العقل والحس ووالجزمان عاديان؛ لأن العقل يجوز الكذب على عدد وإن كثر ولايقال لهذا العلم الواقع في صورة السعال ونحوه إنه متواتر،

стр. 89

ولذلك يستدل العقل باختلاف الأصوات المسموعة من الطيور وحركات الحجارة، وأنواع الصرر، والقرع، والقلع على أن الذي قام به الصوت فرس أو طائر أو نحاس أو حجر أو غير ذلك مما علم العقل به عند سماع الأصوات، والمستند مركب والسمع والعقل وليس من باب التواتر، فقد دخل في حد المتواتر ما ليس منه من العلوم العادية. الثالث عشر: قوله: ((أو من سائر الحواس والعقل))، وهو المجربات والحدسيات جعل الموجب واحدا، والعلم الناشئ عنه واحدا، وظاهر كلامه أن لفظ الحدسيات والتجريبيات متراردف؛ لأن اتحاد الموجب يقتضى ذلك ولم يجعل لأحدهما مزية يمتاز بها، مع أن الفرق وقاع ضرورة. وتقريره: أن الإنسان قد يجد بشمه، كرائحة المسك، وببصره كلون الأترج، وبذوقه كطعم الليمون وبلمسه كملمس الخشب.

стр. 90

وقد يقع ذلك فرد دفعة، فلا يحصل ظن لتحقق تلك الحقائق من مجرد إدراك الحواس، وقد يتكرر حتى يصير إلى حد الظن، فيقول العقل: كل ما كان كذا فهو مسك ظنا لا قطعا، وفد يعقظم التكرر حتى يقول العقل مقدمة من قبل نفسه، كل ما كان كذا على هذه الرائحة فهو مسك ضرورة، وكذلك بقية النظائر، وقد يحدس ببصره كنقد الذهب والفضة ونضج الفاكهة ونحو ذلك، ثم ذلك قد لا يتكرر فلا يقول العقل المقدمة من جهته ألبتة، وقد يتكرر حتى يقول العقل: كل ما كان من الذهب كذا فهو بهرج، ظنا من غير القطع، وقد يحصل القطع فيهما، مع أن الفرق بينهما: أن الحدسيات تفتقر إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، والتجريبيات بينهما: أن الحدسيات تفتقر إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، والتجريبيات لا تحتاج إلى ذلك، فإذا قيل لك: في الدار ليمون هل هو حامض؟ تقول: نعم، أوصبر هل مر؟ تقول: نعم من غير أن تراه، ولو قيل لك: معى درهم هل هو بَهْرج؟ فتقول: حتى أنظر إليه وأفكر فيه، هل وجد فيه ما هو عند العقل علامة البهرج أم لا؟ وكذلك إذا قيل لك: في الدار فاكهة هل هي ناضحة؟ فتقول: حتى أنظر إليها وأفكر فيها، والتجارب لاتحتاج لفكر عند القضاء على الجزئيات، فلا يفكر في حمض الليمون ألبتة، فهذا هو الفرق، وهو افتقار الحدسيات إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات بخلاف التجريبيات. الرابع عشر: إنَّ العلماء عدوا من جملة التجريبيات أدوية الأمراض وأسبابها، نحو كون المحمودة مسهلة، والسموم قاتلة، فإن كان المراد بذلك أن مطلق الحس كاف مع العقل فلزم أن يكون دلالة العالم على صانعه من باب

стр. 91

التجارب، لأنا لا نثبت صانعا ما لم نحس بصنعته بحيكم العقل حينئذ بأن لها صانعا، ويلزم أيضا ألا تكون هذه تجريبية، فإن أصل الحس ليس كافيا فيها، بل لا بد من التكرر في أدوية الأمراض وأسبابها، وإن كان لابد من التكرر ولا يكفي أصل الحس بطل قوله: إن كان مركبا منا لحس والعقل هو المجربات فإن أصل الحس حينئذ ليس كافيا، بل الحس مع التكرر، وهذا هو الصحيح وإلا لكان الاستدلال بالصنعة على صانعها تجريبا، وليس كذلك اتفاقا، بل هو من العقلى الصرف، وإذا تقرر أن تكرر الحس مع العقل هو مدرك التجارب، لزم أيضا أن يكون كل موضوع حصل فيه استدلال بدوران فيه حس أن يكون تجريبا، وقد لا يمتنع تسمية ذلك تجريبا، كدوران غضب زيد مع سماعنا لا سماعه الكلام المغضب، ويخرج عن ذلك الدوران الذي ليس فيه حس مع العقل كدوران تحريم الخمر مع إسكارها، فإن كونها مسكرة وتحريمها ليس أحدهما مدركا بالحس، أما التحريم فقائم بذات الله تعالى، وأما الإسكار فأمر باطن في النفس أوفي الدماغ على ما يقوله الأطباء، نعم دليل التحريم قد يعلم بالحس، وقد يكون بعلم ضرورى غير محسوس، وآثار السُّكر قد تظهر للحس، وقدتدرك بالقرائن بالاستدلال العقلى. الخامس عشر: قوله: ((الذي لا يكون لموجب هو اعتقاد المقلد)) يلزم عليه أن التقليد كله اعتقاد مطابق لا لموجب، لأنه جعل التقليد قسما من المطابق فيكون مطابقا، وليس كذلك، لأن أكثر التقليد غير مطابق كتقليد عوام الكفار، والمبتدعة، وغيرهم لآبائهم، ورؤساهم، قال الله: ((إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)) الزخرف: ٢٣ فيكون حد التقليد غير جامع، فيكون باطلا بل التقليد هو أخذا لقول عن قائله بغير دليل حقا أو باطلا، أو بقول المقلد وهو ظاهر حال المقلد، وهو نفي مطلق الموجب.

стр. 92

السادس عشر: قوله: ((الجازم غير المطابق وهو الجهل)) هذا الحد غير جامع لخروج الجهل البسيط، لأن تقدير الكلام ((الجهل يكون عبارة عن الحكم الذي يكون جازما غير مطابق))، والجهل البسيط ليس فيه حكم ولا جزم، فيخرج من الحد، هذا إن نفينا اللفظ على ظاهره في قوله: هوا لجهل، وإن زدتنا لفظا آخر نجعله مضمرا، تقديره: ((هو الجهل المركب)) صح الحد وسلم من سؤال عدم الجمع، غير أنه يزلم فيه سؤال آخر، وهو أ، هـ أطلق العام لإرادة الخاص أو التزم الإضمار، وكلاهما تأباه الحدود، بل كان الواجب أن يقول: فهو الجهل المركب، والفرق بين الجهل البسيط والمركب أن البسيط جهل يعلمه صاحبه ويقول: أنا جاله نحو قولك لزيك: أتعلم عدد شعر رأسك وأنت جاهل به؟ فيقول: أنا جاهل، فقد علم جهله، فلم يتركب جهله من جهلين، والكافر جهل الحق في نفس الأمر، وإذا قيل لأنت جاهل. يقول: لا بل عالم، فقد جهل وجهل جهله فتركب جهله من جهلين فسمى مركبا. وقد جمع المتنبى في بيت وصف رجل بجهل مركب بثلاث جهالات فقال [الطويل]: ومن جاهل بى وهو يجهل جهله ... ويجهل علمى أنه بىَ جاهل

стр. 93

السابع عشر: قوله: ((التردد بين الطرفين إن كان على التسرية، فهو الشك)) ، يرد عليه أن المقسم إلى المقسم إلى الشئ يجب صدقه على ذلك الشئ، كتقسم الحيوان إلى الناطق والبهيم، وتقسم الناطق إلى المؤمن والكافر، فيلزم صدق الحيوان على الكافر والمؤمن، كذلك هاهنا قسم الحكم إلى جازم وغير جازم وقسم غير الجازم إلى الشك وغيره، فيلزم أن يصدق الحكم على الشك، مع أن الشاك غير حاكم قطعا، فلا يصح أن يكون الشك قسما لهذه القسمة، قال بعضهم: الشاك حكم لأنه يخطر بباله أحد النقيضين، ثم يتركه ويخطر النقيض الآخر، وهذا غلط؛ لأنه يخطر بباله أحد النقيضين، ثم يتركه ويخطر النقيض الآخر، وهذا غلط؛ لأن التصور هو الحاصل في الشك، والتردد بين التصورات ليس حكما بل الجواب أن التقسيم قد يقع في الأعم مطلقا لتقسيم الحيوان كما تقدم، وقد يقع في الأعم من وجه كتقسيم الحيوان إلى الأبيض والأسود، وتقسيم الأبيض إلى الحيوان والجير واللبن، مع عدم صدق الحيوان على الجير واللبن، فحينئذ التقسيم أعم من كونه في الأعم مطلقا عموما مطلقا، ومن التزم التقسيم فقد التزمأعم مما يلزم عليه صدق المقسم على أقسام أقسامه، والملتزم للأعم لا يرد عليه ما يرد على الأخص، كمن التزم أنه قتل حيوانا، لا يلزمه القصاص لاحتمال كونه سبعا، والقصاص إنما يلزم في أخص من الحويان الذي هو الإنسان، ومن قال: إن معى عددا لا يلزمه أنه زوج؛ لأنه لم يلزم إلا ما هو أعم من الزوج، كذلك هاهنا، لا يلزم القمسم صدق المقسم على أقسام أقسامه، لأنه إنما لاتزم ما هو أعم، وهو مطلق التقسيم، السؤال إنما يلزم في أصخ من ذلك، وهو تقسيما الأعم عموما مطلقا فاندفع السؤال. ((تنبيه)) قوله: ((في الحسيات، ويقرب من العلوم الوجدانية)) ، جعل الوجدانيات أقرب إلى الحسات دون العقليات، وسببه أن الحواس لا تدرك إلا جزئيا لا

стр. 94

كليا، فلا تشم إلا مسكا خاصا ولاتذوق إلا طعما خاصا، اما كل حول فلا سبيل إلى دراك الحس له، ولا يدرك الكلية إلا العقل، ومدركات العقل إما كلى أو كليات، فالكلى نحو: مطلق الحويان، والكلية نحو: كل حيوان حساس، وهذا لا سبيل للحس عليه، والوجدانيات حسيات بل جزئيات، فإن الإنسان لا يدرك أنه قام به كل وجوع ولا كل عطش، بل جوع خاص، ولذة خاصة، فلما كانت الوجدانيات جزئيات لا كلى ولا كليات كان شبهها بالحسيات دون العقليات. ((تنبيه)) لم يقل -رحمه الله تعالى -: هو العلم بالمحسوسات، كما قاله جمع كثير في كتبهم من علماء الأدب والأصول، وهو لحن. قال علماء اللغىة: لا يقال في الحواس إلا أحس فعله رباعى، قال الله تعالى: ((فلما أحس عيسى منهم الكفر)) آل عمران: ٥٢ ومفعوله حينئذ محس على وزن مفعل، وجمع حينئذ محسات لا محسوسات، لأن محسوسات جمع محسوس، ومفعول إنما يكون من الفعل الثلاثى، وهذا فعل رباعى، كما قال ابن الجواليقي مما تفسده العامة، يقولون

стр. 95

بالمحسوسات وصوابه المحسات وإنما المحسوسات المقتولات حسه إذا قبتله، وحسَّ الدابة بالمحسة، وحس النار إذا ردها بالعصا على الملة، وحس اللحم إذا وضعه على الجمر. وقال ابن برى: الفضلاء كأبى على وغيره يقولون: المحسوس إما من باب أحمه الله فهو محموم، وأسعده الله فهو مسعود، وإما من جهة الإتباع للمعلوم كما في الحديث: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات)).

стр. 96

الثامن عشر: قال النقشواني: جعل هاهنا التقليد قسيم العلم، ومقتضاه ألا يصدق في العلم على التقليد، لأن التقسيم ضد قسيمه ويضاف له، والضد لا يصدق على ضده، وقال في حد الفقه: ((المستدل على أعيانها)) احترازا من المقلد فإن له علما بان المفتى أفتاه، وكل ما أفتاه المفتى فهو حكم الله، فيلزم أحد الأمرين: إما فساد الحد بالحشو الحاصل قوله: المستدل على أعيانها إن كان المقلد لا علم له، لخروجه بقيد اللعم المذكور في أول الحد. وإما فساد التقسيم بجعله التقليد قسيم العلم إن كان المقلد عالما بأن يكون ما في الحد صحيحا، لان العلم حينئذ ينقسم إلى التقليد وغيره، وقسيم لا يكون قسما منه، فيفسد إما الحدود وإما التقسيم. التاسع عشر: قال النقشوانى: بعض الملقلدين لهم مستند كلى قطعا، وهما المقدمتنان المتقدم ذكرهما، فاشتراطه في حقيقة التقليد وعدم المستتند يخرج بعض أنواع التقليد، فلا يكون حده جامعا أيضا من جهة اشتراط هذا القيد. العشرون: قال النقشوانى: جعل الوهم قسما من الحكم، والوهم لا حكم فيه كما تقدم تقريره في الك. وجوابه هاهنا من وجهين: أحدهما: ما تقدم في الشك. الثاني: أنه جعل الراجح والمرجحوح قسما واحدا، وذكر اسم جزئى هذا

стр. 97

القسم ولم يقسم غير المساوى إلى قسمين، بل قال: وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم. ((تنبيه)) وافقه ((المنتخب)) و ((الحاصل)) وكذلك ((التحصيل)) غير انه قال: المحسوسات، ولم يقل: هو العلم الحاصل من الحواس الخمس كما قال في الأصل، فيرد عليه مناقشة ((الجواليقى)). وقال ((التريزى)): حكم الذهن بأمر على أمر إما أن يكون جازما أو لا، والجازم إما أن يكون طابقا أو لا، والمطابق إما أن يستند إلى العقل أولا، والمستند إما أن يستقل العقل بدركه أولا، وغير المستقل به إما أن يفتقر إلى النظر لا غير، أو الحس لاغير، أوإليهما، والمفتقر إليهما إما الفكر أو السمع، والفكر وشيء من سائر الحواس، فما هو بمشاركة الفكر وشئ من الحواس، فهو التجريبى والحدس، وما هو بمشاركة الفكر والسمع فهو المتواتر، وما هو بمشاركة الحس لا غير فهو الحس، ويدخل فيه الحس الباطن، وهو العلم الوجدانى، بمشاركة الفكر لاغير فهو النظرى، وما يتسقب لبه العقل هوالبديهي، وما لا يستند للعقل فتقليد، وغير المطابق منه جهل مركب، وغير الجازم إن استوى طرفها فشك، وإن ترجح أحدهما فالراجح ظن والمرجوح وهم، فلا يرد عليه السؤال السادس لأنه لم يذكر لفظ الموجب، ويرد عليه غيره، لأنه جعل الحكم مستندا لمجرد العقل، والفعل إنما هو غريزة قابلة لا موجبة، وما ليس بموجب لا يستند إليه حكم كصقال المرآة لا يوجب انطباعا لكنه قابل له، والممكن قابل للإيجاد، ولا يوجب إيجادا ولا وجودا.

стр. 98

قوله: ليس يجب أن يكون كل تصور مكتسبا، وإلا لزم التسلسل أو الدور إما في موضوعات متناهية أو غير متناهية.

стр. 99

تقريره: أن التصورات لا تكتسب إلا بالحدود، والحدلا يبد فيه من التصورات، ولو تصورات الجنس والفصل، وأقل ذلك تصور واحد وهو الحد الناقص، أو الرسم الناقص، فإنَّ المعرفات خمسة: الحد التام: هو التعريف بالجنس وافصل، كتعريف الغنسان بأنه الحيوان الناطق. والحد الناقص: وهو التعريف بالفصل وحده، كتعريفه بالفصل وحده نحو قولنا: الناطق. والرسم التام: وهو التعريف بالجنس والخاصة نحو قولنا فيه: الحيوان الضاحك. والرسم الناقص: وهو التعريف بالخاصة وحدها نحو قولنا: الضاحك.

стр. 100

وتبديل لفظ بلفظ مرادف له: هو أشهر من الاول عند السامع، نحو قولنا: ما الباقلاء؟ فنقول: الفول. وعلى التقادير الخمسة لا بد من حصول صوة في نفس السامع يتوصل بها إلى معرفة ما قصد تعريفه، وتلك الصورة أيضا مكتسبة؛ لأن التقدير أن كل تصور مكتسب، فيفتقر في حصولها إلى صورة أخرى، والأخرى إلى أخرى، فإن رجعنا إلى بعض ما فارقناه من الصور لزم الدور، وإن ذهبنا إلى غير النهاية لزم التسلسل فالدور، ويكفي فيه موضوعان، يتوقف كل واحد منهما على تقدم الآخر عليه، فيكفي فيه موضوعات متناهية، والتسلسل لا بد فيه من موضوعات غير متناهية، وهما لا يجتمعان متى التزمنا الدور ذهبت الموضوعات إلى ما لا نهاية لها؛ لأنها لا تصير لازمة، وإن أمكن حصولها أيضا فإن الحالات قد تجتمع، لكن الكلام في لزمومها لا في اجتماعها، وحينئذ يتعين على الإمام أمران: أحدهما: أن يدعى لزوم أحدهما، لا لزوم أحدهما عينا، ولا لزومهما معا، أما لزوم أحدهما عينا فلأنه إن التزم لزوم الدور يقول السائل: أذهب إلى غير النهاية ولا أرجع إلى بعض ما فارقته، فلا يلزم الدور فلا تتم دعواه في الدور، وإن عبر لزوم التسلسل يقول السائل: لا أذهب إلى غير النهاية بل أرجع إلى بعض ما فارقته، فيلزم الدور ولا يلزم التسلسل، فلا بد أن يعدل المستدل عن دعوى لزوم أحدهما عينا، وأما عدم لزومهما معا فلأن التردد بين صورتين من هذه إلى هذه، ومن هذه إلى هذه مرارا غير متناهية كاف ولا يلزم التسلسل، ولذلك يلزم التسلسل، ولا يلزم الدور بأن يذهب في التوقف إلى غير النهاية، ولا نرجع إلى بعض ما فارقناه. وثانيهما: أنه يتعين عليه أن يأتى بصيغة ((أو)) دون الواو؛ لأن الواو للجمع فيقتضى لزمومهما معا، و ((أو)) لأحد الشيئين، وهو اللازم للحق دون المجموع.

стр. 101

قال الخونجى: ((لو كانت العلوم كلها غير مكتسبة لما فقدنا شيئا، ولو كانت كلها مكتبسة لما حصلنا على شء، فيتعين أن البعض مكتسب، والبعض الآخر غير مكتسب)). قوله: ((العلم ضرورى غير مكتسب؛ لأن كل أحد يدرك بالضرورة ألمه ولذته، ويدرك بالضرورة كونه عالما بهذه الأمور، ولولا أن العلم بحقيقة العلم ضرورى، وإلا لامتنع أن يكون علمه بكونه عالما بهذه الأمور ضروريا، ولأن التصديق موقوف على التصور، وكذلك القول في الظ،)). تقريره: أن العلم باللذة - مثلا - ضرورى، وهو علم خاص قد حصل قبل الكسب، ومتى حصل الخاص حصل العام؛ لأنه في صمنه، فيكون العام الذي هو مطلق العلم قد حصل بدون كسب، وإذا حصل مطلق العلم بدون كسب يكون غنيا عن الكسب وهو المطلوب. وكونه يعلم أنه عالم بهذه الأمور تصديق فيه تصوران: أحدهما: موضوع القضية وهو زيد نفسه. والثاني: محمول القضية وهو كونه عالما بهذه الأمور فصار علمه بهذه الأمور حاصلا بدون الكسب فيكون ضروريا، وهي معنى قوله: التصديق مسبوق بالتصور، يعنى أن تصور علمه، فهذه الأمور تقدم على الكسب، ولذلك يظن بالضرورة أن زيدا -مثلا- حى من غير كسب، وهذا ظن خاص حصل بدون كسب، ومتى حصل الخاص حصل العام في ضمنه بدون الكشب، فيكون مطلق الظن ضروريا غينا عن الكسب، وهو الممطلوب. سؤال: إذا شرع في هذا الباب يثبت أن الأمور العامة ضرورية، لأن بعض أفرادها أو انواعها ضرورى، لزمه أن يكون الشك ضروريا، والوهم ضروريا والإنسان والحيوان والجسم والحجر وكل جنس علم منه فرد بالضرورة، وكذلك يلزمه أن مطلق النفس ضرورى، لأنى أعلم نفسى بالضرروة، وأنها

стр. 102

غير نفس زيد، وأنها باقية من أول العمر إلى آخره، وأنها عرض لها أحوال مختلفي أنا عالم بها، وهذا كله من غير كسب، ونفسى أخص من مطلق النفس، فيلزم أن يكون مطلق النفس ضروريا، مع أن النفس في غياة الإشكال قيل: هي جوهر، وقيل: هي عرض، وقيل: مجردة عن المواد لاداخل العالم ولاخارجه، وقيل: هي الروح، وقيل غيره. وأخبرنى بعض الفضلاء أنه راى فيها للعقلاء ثلاثمائة قول في تصنيف لبعض العلماء، ومع هذا الاختلاف كيف يتصور الضرورة والساتغناء عن الكسب؟ قال الله تعالى: ((ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيم من العلم إلا قليلا)) فأخبر أنه مما اختص بعمله دون خلقه، مع أنى أعلم أن لى روحا بالضرورة، وانها غير ورح زيد الذي مات، وغير أرواح جميع أنواع الحيوانات، وإن لزم أن تكون الروح والنفس ضرورى غنيتين عن الكسب فغيرهما بطريق الاولى، فلزم ألا يبقى شيء غير ضرورى، وهو خلاف الضروروة، وكيف يكون الإنسان ضروريا مع اختلاف العقلاء هل هو الشكل أوأمر آخر؟ واختلفوا في ذلك الأمر الآخر اختلفا شديدا، ومع شدة الاختلفا لا ضرورة، وكذلك اختلفوا في الجويان هل يدخل فيه النبات أم لا؟ فقالت فرقة عظيمة: النبات حيوان، ومنع ذلك آخرون، ومع شدة الاختلاف لا ضرورة، وهذا في الإنسان والحيوان المتعلقين بنا فما ظنك بغيهرما؟ جوابه: استدلاله ﵀ صحيح، وهذا التهويل ايرد عليه، أما الإنسان والحيوان ونحوهما، فيلزم أن هذه الحقائق كلها ضرورية. وأما اختلاف العقلا في الإنسان والحيوان، فهو خلاف وضع الفظ، لا في حقيقته ومعنها: هل لفظ الإنسان موضوع للشكل أو للنفس؟ وكذلك هل لفظ الحيوان موضوع للحساس فلا يكون النبات حيوانا لعدم حسه، أو للنامى فيكون النبات حيوانا لكون ينمو؟

стр. 103

وأما النفس ونحوها فإن هاهنا أمرين: عوارض، ومعروضات لها. فالعوارض: كون النفس تتألم وتلتذ وتعلم وتجهل، ونحو ذلك من كونها ربط بها حياة البدن، وتدبير الأغذية والادوية، وتصرفات الأمراض وتنوعها وتحليلها وتزيدها. والمعروض له: هو الشئ الذي عرض له هذه الأمور، وهو كنه النفس وحقيقتها من حيث هي هي، فالعوارض هي المعلومة بالضرورة لنا، وأما الكنه والحقيقة التى عرضت لها هذه الأمور فمجمهولة لنا بالضرورة، وهذا كما نقول: إذا رأينا صنعة نعلم أن لها صانعا، ومدبرا بالضرورة، وكنه ذلك الصانع وحقيقته غير معلومة بالضرورة، وكذلك قال العلماء: كنه حقيقة الله تعالى غير معلوم للبشر، وكونه صانع العالم ضروريا، فإن دلالة الصنعة على صانعها ضرورى، فبهذا الطريق يحصل الجمع بين كون النفس غير ضرورية، وبين صحة استدلاله -رحمه الله تعالى - فإنى إنما أعلم نفسى بالضرورة من حيث عوارضها، لا من حيث هي هي، وكذلك جميع الصور المجهولة التى علمت من وجه الضرورة. ((سؤال)) إذا سلم له أن العلم والظن غير مكتسبين لقولة جلاهما فكيف حدهما؟ أم العلم فتعرض لتحديده في التقسيم؛ لأن التقسيم إنما أتى به للتحديد كما قال: الفصل الثالث في تحديد العلم والظن، ثم أنه ذكر التقسيم، ثم أنه تعرض لتحديد الظن ثانيا بقوله: ((الظن تغليب لأحد مجوزين ظاهرى التجويز))، فأحد الكلامين باطل. ((تنبيه)) أسقط ((المنتخب)) هذا البحث، وقال ((الحاصل)): لا سبيل إلى تحديد العلم ؛ لأن الحد كاشف عن المعلوم، ولا كاشف عن العلم ألبتة، وإلا لدار بل هو الكاشف عن غيره.

стр. 104

وأما الظن فتحديده ممكن، وهو اعتقاده الراجح بأحد النقيضين، فوافق الإمام في العلم دون الظن في عدم تحديده. وجواب هذا الدور: هو لأن الحد هو كشف ما دل اللفظ المعين عليه بطريق الأإجمال. مثاله: إذا سئلنا عن حد الإنسان فقلنا: هو الحيوان الناطق، فالسامع إما أن يكون عالما بالحيوان والناطق أولا، فإن كان عالما بالحيوان الناطق فهو عالم بالإنسان، فعن أي شيء سأل؟ وعن أي شيء عرفناه نحنه؟ وإن كان جالها بهما فالتعريف بالمجهول لا يصح، فيتعين به إن كان بشر أن يكون عالما بالإنسان، وإنما سمع لفظ الإنسان فعلم أنه له مسمى ما، ولم يعلم عينه، ومسمى ما هو بعض وجوه الإنسان، لأن الإنسان هو مسمى ما، فقد علم الإنسان أولا بطريق الإجمال من جهة لفظ الموضوع بإزائه، فلما حددناه له فقلنا له ذلك المعلوم لك من وجه هو الحيوان الناطق، فقد فصلنا له ما كان عنده مجملا، فهذا هو الحد، وبهذا أجيب عن قولهم في حد العلم: هو معرفة المعلوم على ما هو به، إن المعلوم مشتق من العلم، فلا يعرف إلا بعد معرفة العلم، فتعريف العلم به دور، فقيل لهم: إنه المعنى الذي يتعلق بالمعلوم، وهو كان علما به، لأن التعريف بالمجهول لا يجوز، علم حينئذ حقيقة العلم، وكذلك الجواب عن قولهم في حد الأمر: هو القول المقتضى طاعة المأمور بفعل المأمور به أنه قد يعلم المأمور، ويعلم أنه مأخوذ من معنى معين، ولا يعلم أن اسم ذلك المعنى أمر فلا دور حينئذ، بل الحدود كلها إنما تقع بالمعلوم، ومتى كان الجنس والفصل معلومين، فالنوع معلوم، ويتعين أن التحديد إنما أفاد تفصيل ما أجمله اللفظ، وعلى هذا يكون لفظ العلم لم يعلم السامع أنه موضوع لأي شيء، فإذا قلت له: هو معرفة المعلوم على ما هو به، أو هو الجزم المطابق لمستند كما قاله الإمام أو غير ذلك، وهو

стр. 105

تعريف تلك الألفاظ ومدولاتها حصل له تفصيل ما أجمله عليه لفظ العلم لما قلناه له، ونحن إنما توصلنا لتفصيل ذلك بالعلم بما كان عنده مفصلا، فلو أن العلم في ذاته مجهول، لا نسبة اللفظ لزم الدور، لكن هو في نفسه معلوم، وهو المتوقف عليه، ولم يتوقف هو على غيره، بل المتوقف هو تفصيل إجمال ذلك اللفظ الذي سمعه السائل فلا دور، وكذلك جميع الحدود حتى فرضت السائل جاهلا بالمعنى في نفسه، استحال تعريف له بالجنس الفصل لوقوع الجهل فيهما حينئذ، فإنهما متى كانا معلومين استحال أن يجهل النوع، إذ لا معنى للنوع إلا مجموعهما، فاندفع السؤال، وهكذا كان ((الخسروشاهي)) يقرره، يجيب به عن جميع هذه الأدوار. قال شيف الدين: توقف غير العلم على العلم إنما هو من جهة أن العلم كاشف له، وتوقف العلم على ذلك الغير من جهة أنه صفة مميزة له، وخاصة ولا يلزمه، فهذا جواب حسن، بعد تسليم أن العلم متوقف في ذاته وحكى عن المتكلمين في تعريفه ثلاثة أقوال ثالثها بالتقسيم والمثال دون الحد، قاله الغزالى وإمام الحرمين قال: والتفصيل ضعيف؛ لأن التقسيم إن لم يفد تعريفا فهلا عبرة به، وإلا فهو تعريف حد أو رسم، وهو المذهب الأحسن. قوله: ((الظن تغليب لأحد مجوزين ظاهرى التجويز إلى آخر الفصل)).

стр. 106

تقريره: أن الحقائق في نفس الأمر، صفات نسبتها إليهما كنسبة صفات لنفوس إليها، مثال: العقرب من صفاتها تأليف الجسمية، ويمتنع أن يكون عقربا بدون ذلك، فنسبة هذا المعنى إليه كنسبة العلم إلى النفس من جهة أنه لايجوز خلافي، ومن صفاتها غلبة الأذى عليها، فنسبه هذا المعنى إليه كنسبة الظن للنفس من جهة أن فيه طرفا راجحا وطرفا مرجوحا، ومن صفاتها أن نسبة ذاتها إلى حصولها في البقعة المعينة، ولا حصولها على السواء، فنسبة هذا إليها كنسبة الشك إلى النفس من جهة الاستواء، وكذلك الغيم الرطب يوصف بالجسمية، فلا يجوز خلافها، ونقله للأمطار فيكون راجحا كالظن في النفس، ونسبته إلى نفعه من الأرض نسبة واحدة، وكذلك جميع الحقائق، وظهر بهذا أن الرجحان والغلبة قد يكون في المعتقد كالمطر ونحوه، وقد يكون في الاعتقاد، وهو الطرف الراجح المسمى ظنا، فعلى هذا الاعتقاد المتعلق برجحان المعتقد قد يكون علما، كما نعقتد نحن في رجحان أذى العقرب وغلبته، فإنه معلوم لنا، وقد يكون ظنا في حق من لم يرها قط، نظرا إلى شوكها وسرعة حركتها، فيغلب على ظنه أنه حيوان مؤذ، وقد يكون شكا، كما إذا استوى عنده الأمران، أو تقليدا كما إذا سألنا وقلدنا، أو جهلا مركبا، بأن يكون في أرضه حيوان شائك شبها، فظن أنها ذلك الحيوان، واعتقد انها عظيمة النفع عديمة الضرر، كذلك الحيوان الذي بأرضه؛ لأنه لم يرها إلا لآن، فهذا جهل مركب، فظهر أن الاعتقاد المتعلق بالرجحان الكائن في الحقائق التى هي المعتقدات تنقسم إلى خمسة: العلم، والظن، التقليد، والجهل المركب، والشك على ما تقدم له في التقسيم، وإلا فالشك ليس اعتقادا. وأما رجحان الاعتقاد فهو الاحتمال الراجح الكائن في النفس، فيتعذر أن

стр. 107

يكون علما لأجل الاحتمال المرجوح، وأن يكون شكا لأجل الاحتمال الراجح، ويتعين أن يكون ظنا ليس إلا، والذي هو ظن ليس إلا مغايرا لما ينقسم إلى خمسة أجزاء. أحدها: الظن فظهر قوله: إن اعتقاد رجحان الوقوع مغاير لرجحان اعتقاد الوقوع، فالثانى هو الظن، والأول هو المنقسم للخمسة. ((تنبيه)) قال في ((المنتخب)): ((الظن رجحان الاعتقاد)) ، وهو مغاير لاعتقاد الرجحان، وهو معنى ما في ((المحصول)) ولفظه، وهاهنا تقريب للمتعلم، وهو أن لارجحان متى كان أول الكلام فهو أقرب إليه، فهو في نفسك وهو الظن، كقولنا: رجحان الاعتقاد، فإن قدمت الرجحان على الاعتقاد، ومتى تأخر الرجحان عن الاعتقاد فقد بعد عنك، فهو في المعتقد كقولك: اعتقاد الرجحان، فإن الرجحان فيى رجحان الاعتقاد في النفس، والرجحان في اعتقاد الرجحان في المعتقد لا في النفس، والإعتقاد في رجحان الاعتقاد هو غير المقسم إلى الخمسة، والاعتقاد في اعقتاد الرجحان هو المنقسم إلى الخمسة، بهذه التنويعات يتضح هذا المشكل، ويقال: لما وصل هذا الكلام إلى ((إفريقية)) من المغرب قالوا: هذه عبارة متكررة، لا فرق

стр. 108

بينها ولا فائدة فيها، وأشكل ذلك عليه، ثم اتضح بعد طول وهو موضوع العذر في الإشكال على من أشكل عليه، وفـ ((الحاصل)) فرق بن الاعتقاد الراجح بأحد النقيضين، اعتقاد الراجح من أحد النقيضين، فالأول هو الظن والثانى هو المنقسم إلى الخمسة، وهذا الكلام يحتاج تقريرا آخر؛ لأنه غير العبارة، فتقول: إنما قال في الأول بـ ((الباء)) وفي الثانى بـ ((من))؛ لأن ((الباء)) للتعلق، كما تقول: العلم متعلق بالمعولم، فمعنى كلامه الاعتقاد الراجح المتعلق بأحد النقيضين هو الظن، فـ ((الباء)) متعلقة بصفة محذوفة، ولا شك أن الظن والعلم وغيرهما إنما يتعلق باحد النقيضين، ضرورة انحصار المعلومات كلها في النقيضين، ومن المحال أن يقعا معا، فالمعولم الوقوع أو المظنون هو أحدهما، والمعلق به دون الآخر، ومعنى قوله: ((من أحد النقيضين)): أن ((من)) للتبعيض أى: لنا اعتقادات ذات علم أو ظن أو غيرهما من الخمسة متعلقة بواحد من النقيضين، فنحن نعتقد الراجح منها هو الوجود أو العدم على قدر الواقع في ذلك في نفوسنا، فالرجحان في الاعتقاد الراجح في النفس، والرجحان في اعتقاد الرجح في المعتقد دون النفس، فظهر معنى كلام ((ألحاصل)) أيضا. وفي ((التحصيل)) الظن للاعتقاد الراجح من اعتقادى الطرفين، مغياره اعتقاد الراجح منا لطرفين، وقد لا يكون معه اعتقاد آخر، ويحتمل الأمور الخمسة، والأول الظن فهو نحو كلام ((الحاصل))، غير أن عليه سؤلا يخصه في قوله: ((الراجح من اعتقاد الطرفين))، فجعل الطرف

стр. 109

الراجح اعتقادا والمرجوع اعتقادا، والمرجوح لا يصدق عليه أنه اعتقاد، لأن الاعتقاد هو عقد القلب على القضية، والحكم المرجوح يتسحيل أن يعتقده القلب؛ لأنه اعتقد النقيض الآخر، واعتقاد وقوع النقيضين محال، فذكر الجائزين في ((المحصول)) أولى لاندفاع هذا السؤال عنه. وقال التبرزى: الظن السكون إلى مجوز مع تجويز نقيضه فعلا، احترازا من التجويز العقلى في نفس الأمر، والمحكوم به قد يكون في نفس الأمر الرجحان كرجحان وقوع المطر، وليس بظن، فإن ذلك قد يكون علما، أي معلوما، والرجحان في الحكم الذهنى هو الظن لا الرجحان المحكوم به، فقوله: فعلا يريد وقوعا في العادة؛ لأن العلوم العادية كجزمنا بأن البحر ماء، وأنه لم ينقلب زيتا؛ علما قطعيا مع تجويز العقل انقلاب البحر زيتا. ((تنبيه)) قول الإمام في الأصل: ((ظاهرى التجويز)) احترازا عن العلوم العادية

стр. 110

فإنها تغليب لأحد الجائزين عقلا، فإنا نجزم ببقاء البحر ماء، وهو أحد الجائزين، فلولا قوله: ((ظاهرى التجويز)) لدخلت العلوم العادية في حد الظن، وبقوله: ((ظاهرى التجويز)) خرجت العلوم العادة؛ لأن الاحتمال المرجوح الذي في الظن إذا قيس إلى الاحتمال الحاصل مع العلوم العادةكان ظاهرا جدا، فإن عدم انزل المطر من الغيم الرطب قربب، من مجارى العادات، فصار الاحتمالان والظن كل واحد منهما ظاهر، أما الراجح فبالقياس إلى ما يقابله، وأما المرجوح فبالقيسا إلى الاحتمال العقلى الكائن في العلوم العادية، فهذا معنى ظهور التجويز في الاحتمالين، وإلا فكلامه يقتضى اجتماع النقيضين، لأن أحدهما إذا كان ظارها لم يكن الآخر ظاهرا، فجعله ظاهرها يقتضى أن يكون ظارها وألا يكون ذلك باعتبارين، هو مرجوح باعتبار ماقبله، وراجح باعتبار مقابل العولم العادية، فلا محال حينئذ. ((فائدة)) وقع في بعض نسخ ((المنتخب)) كالغيم الرطب المسف - بالسين المهملة- ومعناه: القريب من الأرض. تقول العرب: اسف الطائر إذا قارب الأرض في طيرانه، والسحاب إذا أثقل بحمل الماء تدلى وقرب من الأرض، فلذلك كان لقربه من الأرض فدخل في ظن الأمطار. ***
следующие страницы →