← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قوله: (لو جعلنا الصيغة لأصل الترجيح لم يكن الوجوب لا زما، فلا يمكن جعله مجازا ممنوع، فإنا نتجوز بالأسد لزيد الشجاع، والأسد لا يلزمه زيد، ونتجوز بلفظ الجزء للكل، والكل غير لازم للجزء، بل هذا الكلام من المصنف نشأ عن اعتقاد أن دلالة اللفظ هي الدلالة باللفظ، وقد تقدم الفرق بينهما من خمسة عشر وجها، ولما كانت دلالة الالتزام شرطها الملازمة الذهنية، جعل هذا الشرط في المجاز الذي هو من الدلالة باللفظ، والشرط إنما هو دلالة اللفظ في نوع منها، فتأمل ذلك. ولهذة المقدمة ادعى في (المعالم) أن من شرط المجاز هو الملازمة الذهنية، وليس كذلك، وتكرر منه هذا الكلام في نحو عشرين موضعا في (المحصول)، وهو غير متجه، لما سمعته الآن وقبل ذلك. قوله: (رتب الله تعالى المعصية على مخالفة الأمر، فيكون المقتضى للاستحقاق هذا المعنى): قلنا: هذا تعميم للحكم بالقياس، والخصم إنما منع عموم اللفظ، فلا يدفع سؤاله العموم بالقياس. قوله: (الخلود هو المكث الطويل لا الدائم): قلنا: الغالب في استعمال صاحب الشرع له في الدائم، وحمل اللفظ على الغالب أولى. قوله: (إنه ﵇ دعا أبا سعيد الخدري فلم يجبه):

стр. 1157

قلنا: الذي نقله البخاري في هذه القصة: أبو سعيد الخدري بن المعلّى، والخذري لا مدخل له في هذه القصة. قال البخاري في (التفسير) في كتابه المعروف بـ (آلبخاري): ثنا إسحاق، ثنا روح،

стр. 1158

ثنا شعبة عن خبيب بن عبدالرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى قال: (كنت أصلي فمرّ رسول الله ﷺ فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: (ما منعك أن تزتي ألم يقل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) [الأنفال:٢٤] ثم قال: (لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج)، فذهب رسول الله ﷺ ، ليخرج فذكرت له، وقال معاذ: ثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن سمع

стр. 1159

حفص بن عاصم سمع أبا سعيد رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال هي: (الحمد لله رب العالمين السبع). وقال أبو داود في الصلاة:

стр. 1160

ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا خالد عن شعبة عن خبيب بن عبدالرحمن، قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي ﷺ مرّ به وهو يصلّي فدعاه، فصليت ثم أتيته، قال: (ما منعك أن تجيبني)، قال: كنت أصلي: قال (ألم يقل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) [الأنفال:٢٤] ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة قبل أن أخرج من المسجد). قال: فقلت: يارسول الله قولك، فقال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني الذي أوتيت في القرآن العظيم). ورواه أيضًا النسائي في (آلتفسير)، وابن ماجه في (النسخ).

стр. 1161

واسم أبي سعيد: الحارث بن أوس بن المعلى الأنصاري، الخزرجي، الذرقي، واسم أبي سعيد الخدري: مالك بن سنان من بني خدرة، خزرجي، أنصاري، فتباينا بالأسماء، والأباء، والعشيرة، وإنما اتفقا في الخزرج، والأنصار. والمنقول في الإحكام، و (المستصفى) وغيرهما من تصانيف، إنما هو الخدري، وما أدرى كيف هذا؟ والمحدثون مطبقون على إنكاره كما ترى، مطبقون على أنه ابن المعلى، وأما الخدري فليس له ذكر مع أن كثيرا من المصنفين وافقوا المصنف في الخدري، ولا أدرى ما ذلك، بل المحققون، وأهل المعرفة بالحديث يخطئون هذا. ووقع في بعض طرق الحديث أن أبا سعيد الخدري قال لرسول الله ﷺ : (لا أعود). وهذا يدفع قول من يقول: إنما سأله رسول الله ﷺ ليعلمه ما عنده من الفقه، لا لأنه ذمه على المخالفة، فإن الاعتذار دليل أن الإجابة كانت واجبة. قوله: (هذا خبر واحد، لا يتمسك به في مسألة علمية) قلت: قال الآبياري في (شرح البرهان): مسائل الأصول قطعية، ولا يكفي فيها الظن، ومدركها قطعي، ولكنه ليس المسطور في الكتب، بل معنى قول العلماء: إنها قطعية، أن من كثر استقراؤه واطّلاعه على أقضية الصحابة، رضوان الله عليهم ومناظرتهم، وفتاويهم، وموارد النصوص.

стр. 1162

الشرعية، ومصادرها حصل له القطع بقواعد الأصول، ومن قصر عن ذلك لا يحصل له إلا الظن، وبهذا الطريق حصل القطع بشجاعة علي، وسخاوة حاتم، ونح، هما، ولو أن الإنسان لم يسمع لهما بذكر إا في حكاية وحدها لم يحصل له القطع، بل لما كان الإنسان طول عمره يرد عليه أخبارهما حصل له بجميع ذلك القطع بحالهما، وإنما وضع العلماء هذه الظواهر في كتبهم لثبتوا أصل المدرك، لأنها مدرك القطع فلا تنافي بين كون هذه المسائل قطعية، وبين كون هذه النصوص لا تفيد إلا الظن، فتأمل ذلك في جميع هذه المسائل، وعند جميع هذه الأسئلة. قوله: (بينا أن المباحث اللفظية لا يرجى فيها اليقين): قلنا: هذا لم يتقدم بيانه، إنما تقدم أن الألفاظ من حيث الوضع لا تفيد اليقين، وتفيد بالقرائن، [وأن أكثر ألفاظ القرآن من هذا القبيل، وكونها لا تفيد اليقين من حيث الوضع، وتفيد القرائن] والسياقات والتكرار، فلا يقطع الرجاء منها في إفادة اليقين. قوله: (وهذه المسألة وإن لم تكن عملية، لكنها وسيلة للعمل) قال القرافي: رفع في كثير من النسخ بدل عملية علمية، وإنما هي علمية وبه ينتظم الكلام، وكذلك هي في النسخ الصحيحة. قوله: (افرق في العقل بين أن يحصل ظن الحكم، وبين أن يحصل العلم بوجود ما يقتضي ظن الحكم في جواز التمسك بهما في العمليات). تقريره: أنا نسلم أنها يقينية، ولكن من حيث إنها وسيلة للعمل الذي يكتفي فيه بالظن يجوز التمسك فيها بالظن، لأنه لا فرق بين ظن الحكم من دليل يدل عليه، وبين قاعدة عملية ثمرتها الظن، فإطا كان المقصود هو الظن جاز التمسك بالظن في الكل.

стр. 1163

قوله: (المانع من الإجابة قائم وهو في الصلاة) قلنا: لا نسلم أن الصلاة مانعة من الإجابة، لأن الإجابة ميسرة بالقرآن، وبالإشارة، ولا يبطل ذلك الصلاة عند مالك وأصحابه وجماعة من العلماء. قوله ﵇: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). تقريره: التمسك به من وجهين: أحدهما: ما ذكره المصنف. والثاني: أنه ﵇ جعل المشقة من لوازم الأمر له، [وإنما تكون المشقة لازمة] إذا كان للوجوب. (فائدة) الأولى: الظاهرية قالوا بوجوب التمسك، لقوله ﵇: (مالكم تدخلون عليّ قلحا استاكوا) . الثانية: قال صاحب (المفهم في شرح المسلم) وغيره: إن السواك لا يشرع في املساجد، لأنه إزالة للقاذورات والأوساخ، والمساجد منزهة عن ذلك، قالوا: ولم يرد عنن رسول الله ﷺ أنه استاك

стр. 1164

في مسجد قط، ولا في جماعة، لأن أرباب الهيئات والمروءات يمتنعون من إزالة القاذورات في المحافل، والجماعات، فيكون معنى الحديث: ليستاكون عند الوضوء للصلاة، فيكون الوضوء لكل صلاة بهذا التفسير.

стр. 1165

الثالثة: قال العلماء: هذا الحديث يدل على أن مصلحة السواك وصلت إلى حد يصلح للإيجاب، وترك الإيجاب رفقا بالناس، وقد ساوى كثير من المندوبات كثيرا من الواجبات في المصلحة، ولا يجب ذلك الفعل رفقا بالعباد، وإلا فالأصل أن يكون كل مندوب تقصر مصلحته عن كل اولاجبات. الرابعة: روى (صلاة بالسواك أفضل أو خير من سبعين صلاة بغير سواك (. ومقتضاه: أن يكون السواك أفضل من الصلاة في جماعة؛ لأن صلاة الجماعة إنما فضلت بسبعة وعشرين، والظاهر أن صلاة الجماعة أوكد في نظر الشرع من السواك، فيحتاج للجواب عن ذلك، فلم يظهر لي ذلك. قوله: (لم لا يكون معناه: لأمرتهم أمر إيجاب؟)

стр. 1166

قلنا: الأصل عدم الإضمار، (لولا) هنا لم تدخل إلا على مطلق الأمر، فيكون هو المقصود ليس (إلا). قوله: (نفي الأمر مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب). قلنا: ظاهر هذه العبارة: أن شفاعة رسول الله ﷺ تدل على الندب الذي هو حكم الله تعالى، وليس كذلك، لأن رسول الله صلى اله عليه وسلم متصرف تارة بالتبليغ عن الله تعالى، فكل ما يصدر في هذه الحالة فهو دال على الأحكام الشرعية وغيرها من الإلهية، وتارة يتصرف بطبعه وسجاياه الكريمة، وأحواله البشرية، فهذا لا يدل على زحكام الله تعالى، فإذا قال الرسول ﷺ : (اسقوني ماء) لا نقول: إن هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى أوجب علينا ذلك، وإن كنا نعتقد أن امتثال أمره ﵇ مطلثا واجب، لكن لقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) [المائدة:٩٢]، وغيره من الأدلة، لا للفظ الصادر منه ﵇ بمقتضى بشريته، كذلك شفاعته ﵇ هي بمقتضى ماكرمه وأخلاقه السنية، كأن الله تعالى أوحى إليه في تلك الحالة أمرا يدل على الندب، فنحن مندوبون أن نقبل شفاعته ﵇، بل شفاعة آحاد المؤمنين، فضلا عنه ﵇، فالشفاعة مدلولها الندب، لا أنها دالة على الندب. قوله: (لأنهم أوجبوا أخذ الجزية من المجوس). قلنا: لم يكن المقصود هناك وجوب الجزية، بل التسوية بينهم وبين أهل الكتاب فيها. قوله: " أوجبوا غسل الإناء من ولوغ الكلب ". قلنا: ممنوع بل ذلك مندوب إليه، وهو مذهب مالك.

стр. 1167

قوله: (الحكم تخلف في صورة عدم الوجوب لمانع). قلنا: يلزم في المانع ما لزم في الجزية وغيرها، فإنكم قلتم: لو كان دليل الوجوب غير هـ=خبر عبدالرحمن لاشتهر، وحيث لم يشتهر فلم يوجد، نقول أيضا: إنما قضوا بالندب في تلك الصور لأجل الصيغة الخاصة، إذ لو كان هناك صارف لاشتهر بعين ما ذكرتم، فما هو الجواب عن اشتهار المانع هو جواب الخصم عن عدم اشتهار ذلك الدليل، بل الرجحان مع الخصم، بأن يقول: إذا كان الأمر ليس للوجوب لا يكون إثبات الوجوب في صورة مخالفة للظاهر، بل إثبات الوجوب لأمر زائد لم يتعرض الظاهر له لا بنفي ولا بإثبات، وإذا كان الأمر للوجوب يكون الظاهر قد خولف في صورة الندب بترك مقتضاه، فإن مخالفة الظاهر هو إثبات ما ينفيه الظاهر، أو نفي ما يثبته الظاهر، أما إثبات ما لا يتعرض الظاهر له بنفي ولا بإثبات للوجوب، فليس مخالفة للظاهر، فيكون مذهب الخصم أرجح. قوله: (لا يمكنك أن تلتزم أن الواجب غير مأمور به؛ لأن أحدا من الأمة لم يقل به)

стр. 1168

قلنا: كيف يصح ذلك والقائل بأن صيغة الأمر للندب فقط يقول به، والقائل: بأنها للإباحة فقط يقول به، والقائل بأنها للقدر المشترك بينهما يقول به، وهي مذاهب قد حكاها قبل هذا في موضوع الصيغة، حيث ذكر أنها وردت في خمسة عشر موضعًا. قوله: (لو كان حقيقة في أصل الترجيح لم يكن جعله مجازا في الوجوب). قلنا: قد تقدم السؤآل على هذا، وأنه ممكن غير أنه مرجوح، وأنه من باب اعتقاد اتحاد دلالة اللفظ، والدلالة باللفظ، وأن اللازم في هذا المقام هو زن التجوّز عن الوجوب أرجح، لأن التجوز عن أصل الرجحان غير ممكن ولو سلك المصنف هذا القدر من الترجيح كفاه، واستغنى عن هذه المقدمة الباطلة. قوله: (وإذا بطلت الأقسام الثلاثة تعين جعله حقيقة في الوجوب). قلنا: نفي من أصل التقسيم قسم، لم يتعرض له بالإبطال، وهو ألا يكون حقيقة في واحد منهما- كما قاله أرباب الإباحة وإذا لم يثبتوا إبطال هذا القسم، فلعل الحق فيه. قوله: (دل اللفظ على معنى، فوجب أن يكون مانعا من نقيضه كالخبر). تقريره: أن الخبر في لسان العرب: ما وضع للصدق والكذب، معناه بالنظر: أي ما يمكن أن يحصل فيه من جهة المتكلم لا من جهة الوضع؛ فإن المتكلم قد لا يوافق الصدق، فيخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه، كما لا يوافق الوضع، فيستعمل اللفظ مجازا، فموافقة المتكلم للوضع غير لازمة، وبهذا الطريق احتمل الخبر الصدق والكذب، لا باعتبار الوضع، ألا ترى أئمة النحو حيث قالوا: مدلول

стр. 1169

(قام) حصول القيام في الزمن الماضي، فلم يجعلوا له مسمى إلا وقوع ذلك المعنى، وذلك هو الصدق، ولو كان الاحتمال من جهة الوضع لقالوا: (قام) مدلوله: إما القيام في الزمن الماضي أو عدمه، وكذلك جميع تفاسير اللغة في الماضي، والمستقبل، والجمل الاسمية من الأسماء، والأفعال، والحروف، وإنما يفسرونها بوقوع ذلك المعنى ليس إلا، فظهر أن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق، وحينئذ يتجه قياس الأمر عليه في منع النقيض من جهة الوضع، وإن احتمل النقيض من جهة المأمور، فيترك ولم يوضع للترك كما أن الخبر قد يدخله الكذب. ولم يوضع له. والجامع بين البابين إما ذكره في اكلتاب، وإما لأن لفظ الأمر، ولفظ الفعل الماضي والمضارع، والجميع مشتق من مصدر واحد، وإذا اتحد الأصل وجب أن تتساوى الفروع إلا فيما اتفقا فيه على عدم المساواة، أو الجامع بينهما بأن العرب عادتها أن تحمل الشيء على ضده، كما تحمله على مثله، كما حملت (لا) على (أن) في نصب المضارع، و (الغدايا) على (العشايا) في الجمع، (وحدث) على (قدم)، فتضم الدال من (حدُث) وأصله الفتح. (سؤال) هذا إثبات للقواعد القطعية بالقياس الذي لا يفيد إلا الظن . سلمنا صحة التمسك بالمظنون، لكن هذا قياس في اللغة، ونحن نمنعه، سلمناه، لكن في آحاد الألفاظ التي لا يترتب عليها إلا حكم جزئي فرعي، أما قاعدة كلية كالزمر فلا. قوله: (لو لم تكن مصلحة المأمور به راجحة لكان خاليا عن المصلحة) قلنا: هذا التقسيم غير حاصر، لأن الأمر قد يكون للمصلحة الخالصة كما

стр. 1170

يكون للمصلحة الراجحة، وكذلك النهي كما يكون للمفسدة الخالصة يكون للمفسدة الراجحة، ونفي بالخالص ما ليس له معارضا مطلقا من ضده، وبالراجح ما له معارض مرجوح، كما قال الله تعالى في الخمر والميسر: (وإثمهما أكبر من نفعهما) [البقرة:٢١٩]، فأشار إلى أن مفسدتهما راجحة لا خالصة، وغالب الواقع في الشرائع المصالح، والمفاسد الراجحة دون الخالصة، فعلى هذا بقيت الخالصة لم يذكرها، فلم يكن التقسيم حاصرا. قوله: (إن كان خاليا عن المصلحة كان مفسدة صرفة، فلا يجوز الأمر به). قلنا: عليه سؤالان: الأول: لا نسلم أنه يلزم من الخلو عن المصلحة حصول المفسدة لجواز الخلو عنهما، وهو أحد أسباب الإباحة (الخلو عنهما)، والسبب الآخر لمساواتهما فيه وتفاوتهما. الثاني: لا نسلم أنه لا يجوز ورود الأمر بمثل هذا وامتناع، وإنما يتجه على الحسن والقبح العقليين، وذلك مذهب المعتزلج، ولا يقولون به، فلا يتجه أن نقول: لا يجوز ورود الأمر به، فإن قلت: أوجه المقدمة بطريق آخر فأقول: الظاهر أن واضع هذه اللغة حكيم لأجل ما وجد فيها من الأسرار البديهية، والمقاصد الجليلة، وإذا كان حكيما فلا يضع (الأمر) إلا لطلب ما فيخ مصلحة خالصة، أو راجحة. أما الماوي والخالي عنهما فلا، وبحثنا في هذه المقدمة إنما هو في أن المأمور راجح المصلحة فقط لا أنه واجب، وقد حصل الغرض بهذا. قلت: سلمنا أن الواضع حكيم، وأنه ما وضع الأمر إلا لراجح المصلحة،

стр. 1171

أو الخالص، لكن لا يفيدك ذلك في أن كل شيء استعمل فيه صيغة الأمر فهو كذلك، لأن المستعمل قد يوافق الواضع، وقد لا يوافقه، كما تقدم في أنه قد يستعمل اللفظ الموضوع كذبا ومجازا، وكلاهما خلاف الوضع فكون المزمور راجحا في نفسه إنما يعلم من دليل خارج، لا من نفس الأمر. فإن قلت: الأصل في الاستعمال الحقيقة وألا يستعمل اللفظ إلا فيما وضع له، فيغلب على الظن عدم المجاز. قلت: لا نسلم أن وضع الاستعمال في غير الراجح لمصلحة [راجحة] أو خالصة، يكون مجازا، بل ذلك كما تقول: (ليت) وضع لتمني ما فيه مصلحة، ولو قال الإنسان: ليت لي مفسدة كان ذلك حقيقة فإنه تمنّ، واستعمل (ليت) في موضوعه وهو التمني، وإن كان لا مصلحة هنالك، ولذلك وضعت العرب في لغتها أن المقدم في الذّكر يكون أشرف، فإن قدم آخر في لفظه الخسيس على الشريف لم يكن ذلك مجازا. وكذلك التخيير وضعته العرب ليكون المتساويين، فلو خيّر واحد بين المختلفات لا يقال: لفظه مجاز، فلو قال قائل قائل لعبده: (خيرتك بين الصلاة والفجور، أو إن شئت فصل أو فافجر) لا يقول أحد: إن هذا مجاز فكذلك هاهنا لو قالت العرب: لا تطلب لا مصلحة، فطلب هو ضدها، صدق عليه أنه طالب، وأن الحفظ حقيقة كسائر النظائر المذكورة، وإنما يكون اللفظ مجازا أن لو وضعت العرب الأمر اسما للمصلحة، فاستعمل في غير مصلحة كان مجازا، كلفظ المصلحة إذا أطلق على المفسدة كان مجازا، ولكن هاهنا ما وضعته للمصلحة، بل للطلب، وقالت: لا تطلبوا إلا مافيه مصلحة، فهذا شيء أمرت به المتكلم، ولم يكن مسمى الصيغة كما قالت العرب: (لا) للنفي، ولا تنفوا إلا المنفي، فإذا قالت الذي عليه الدين: (ما لصاحبي علىّ شيء) فهو كاذب، فلفظه حقيقة، ولم يوافق مقصود.

стр. 1172

العرب، فتأمل هذه القاعدة، وفرق بين أن يوضع اللفظ اسما لمعني فيستعمل في غيره، وبين أن تضع لمعنى وتقول: هذا المعنى لا يقصد إلا عند شرط مخصوص فيقصده المتكلم عند عدم ذلك الشرط، والأمر من ذلك وضع للطلب، وقالوا: لا تطلبوا إلا ما هو راجح الفعل، فلا يلزم من مخالفة المتكلم ذلك دخول المجاز في لفظه، فتأمل هذا الموضع، فكل من لا يعرفه إذا قيل له في تلك النظاذر كلها: إنها مجاز، لأنها في غير موضوعها، ربما عسر الجواب عليه. قوله: (إذا ثبت أن المصلحة راجحة لا يجوز ورود الإذن في الترك): قلنا: أجمع المسلمون بل جميع العقلاء على أن المصلحة الخالصة والراجحة إن كانت في المرتبة الدنيا كان حكمها الندب، أو في المرتبة العليا كان حكمها الوجوب، ويفرقا المندوب باعتبار عظم المصلحة حتى تكون أعلى مراتب المندوب يليه أدنى مراتب الوجوب، وكذلك نقول في طرف المصلحة بالنسبة إلى المكروه والمحرم. وعلى هذا التقدير لا يمكن أن مجود رجحان المصلحة لا يجوز ورود الإذن في تركه، بل جاز أن يكون من المندوبات، ويرد الإذن بتركه. قوله: (تفويت المصلحة الخالصة قبيح فأوجب أن يكون قبيحا شرعا، لقوله ﵇: (ما رآه المسلمون قبيحا فهو قبيح) قلنا: عليه أسئلة: الأول: لا نسلم أنه قبيح في العرف، بل أهل العرف ينتهي تارة عندهم إلى حد الإلزام، وتارة لا نتهي، وإن استحسنت ورجحت مصلحته عندهم، كالدار المزخرفة ونحوها حسنة، وفيها مصالح، لا يسلكون بذلك مسلك الإلزام لأنفسهم مع القدرة عليهم، ومطالب العرف انقسمت إلي ما لا حرج في تركه، وإلى ما في تركه حرج عرفا.

стр. 1173

الثاني: في قوله ﵇: (ما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح) فإن هذا الحديث كثر الاستدلال به من الخلافيين والأصوليين. وعليه سؤال قوي وهو: أنا إذا قلنا: ما رآه زيد قبيحا فهو عند عمرو قبيح، يفهم منه أن ذلك الفعل، فعسر على أوضاعه وقيوده وتخصصاته، وجميع أحواله حتى لو كان الذي رآه زيد قبيحا وهو لبس الفراء في الصيف لكان اللازم في هذه العبارة أن عمرًا رآه قبيحا في الصيف في ذلك الزمان على ذلك الوضع الذي رآه زيد، وعلى هذا التقدير يقول أهل العرف: إنما رآه قبيحا في الصيف في ذلك الزمان على ذلك الوضع الذي رآه زيد. وعلى هذا التقدير يقول أهل العرف: إنما رآه قبيحا في أمر دنياهم لا في أمر أخراهم، فإن أمر الآخرة راجع لصاحب الشرع لا لأهل العرف، فيكون عند الله تعالى قبيحا في أمر الدنيا توفية بالصيغة، فلا يحصل مقصود المستدل من الحديث، لزن مقصودهم: ما رآه أهل العرف قبيحا في دنياهم فهو عند الله قبيح في شرعه. وفسد أنه ما إذا قلنا: ما راه زيد من لباس الفراء في الصيف قبيحا، فهو عند عمرو قبيح في الشتاء، فذلك لا يقول أحد: إنه مفهوم اللفظ، فتأمل ذلك. وإنما يندفع هذا السؤال بطريق: وهو أن لفظ (عند) يطلق على محامل كثيرة منها (الحكم الشرعي) كقوله تعالى: (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هو اكلاذبون) [النور:١٣]، أي في حكم الله عند القضاة وولاة الأمور، وإلا فقد لا يأتون بالشهداء، وهو في علم الله صادقون، فلا يمكن تفسير (العندية) إلا بالحكم الشرعي. ولنا قاعدة: وهي أن لفظ الرسول ﷺ إذا دار بين أن يكون مفيدا فائدة عقلية أو شرعية، فحمله علي الشريعة أولى لأنه عليه

стр. 1174

السلام إنما بعث مشرعا، وإذا تقرر هذا نقول: إن حملنا لفظ (عند) على العلم أي لعلمه قبيحا، كما هو عندهم، وهذا معلوم بالفعل وحكم عقلي فلا يفيد لفظه ﵇ حكما شرعيا، وإن حكمه أفاد حكمها شرعيا لا عقليا، فكان أولى، وبهذا يتم الاستدلال لهم. الثالث فيه أيضا: فإن قوله: (المسلمون) صيغة عموم، فإن جعلناها كليه لزم أن يكون كل ما رآه كل واحد من المسلمين يكون عند الله كذلك، والواحد في نفسه ليس عرفا، ولا قائل به، فيتعين معنى الحديث: ما أجمع المسلمون عليه فهو حكم الله تعالى في الحسن والقبح، ونحن نقول به، وإنما النزاع في الفوائد من غير إجماع. الرابع: أن هذا الإستدلال على أن الأوامر في الشرع للوجوب، وهو موضع النزاع، فإن مسائل أصول الفقه إنما يقصد فيها لسان اللغة، وأما بيان الشرع فهو لنا على ما يتقرر في اللغة، بقوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا) [طه:١١٣] قوله: (ذلك لازم في جميع التكاليف) تقريره أن التكاليف وجميع الشرائع إنما في مصالح العباد، فإذا قلتم: إن إلزام الشارع العبد استفاء مصلحته قبيح لا يلزم ألا يثبت واجب الشريعة ألبتة. هذا غير لازم، فإن الشرع ما حتم على العباد استيفاء مصالحهم أي مصلحة كانت، بل المصالح التي في المرتبة العليا، بخلف مصالح المندوبات، والأصل فيها أن تكون دونها في المرتبة، وأنتم ادعيتهم مطلق المصلحة الخالصة، وهذا لم يوجد في الشرع مثله.

стр. 1175

بل قسم الشرع المصالح الخالصة والراجحة قسمين: ما علا وعظم ألزمه، وما لا فلا. قوله: (إفضاء المنع من الترك إلى الوجود أكثر من إفضائه إلي العدم). قلنا: عليه مناقشة لفظية، فإن صيغة المفاضلة إنما تصدق مع الاشتراك، وهو لا يفضي إلى العدم أصلا، فلا تصدق المفاضلة. قوله: (المفضي إلى الراجح راجح في الظن) قلنا: المفضي إلى الشيء وسلية لحصوله، القاعدة: أن الوسائل تبع للمقاصد ودونها في الرتبة، فوسيلة الواجب واجبة، ودونه في الوجوب، ووسيلة المندوب مندوبة، ودونه في الندب، ووسيلة المباح مباحة غير أنها لا يمكن أن تكون أدنى منه، لتعذر ذلك في المباح، لضرورة الاستواء. إذا تقرر هذا فنقول: المصالح الخسيسة التي لا تنهض للإلزام لا عرفا ولا شرعا المنع من الترك فيها وسيلة لفعلها الراجح، وهي في أنفسها لم تنهض لقضايا الإلزام، فوسيلتها أولي لذلك، أي لا تنهض لما تقدم أن الوسائل أخفض رتبة من المقاصد، فلا تفيد هذه المقدمة. سلمنا عمومه لما فيه من الألف واللام، لكن نقول بالموجب فيه، لأنا نقتضي به والقضاء أعم من كونه بالوجوب أو بالندب، فما تعين الوحوب للقاء، فلا يحصل المطلوب، فمتي أفتى بالندب، فقد أفتى وقضى بالضرورة. قوله: (لو لم نعمل بالراجح لعلمنا بالمرجوح). قلنا: لا نسلم أنه يلزم من ترك الراجح العمل بالمرجوح، لأن الشاهد.

стр. 1176

العدل إذا شهد وحده في (الزنا) فإن الراجح صدقه، ولم يعمل به وما لزم من ترك العمل به العمل بالمرجوح الذي هو كذبه، بل تركنا صدقه وكذبه، وكذلك كل بينة ردت، وأمارة بطلت، لعدم الاعتبار في الشرع، قوله: (وجب العلم في الفتوى، والشهادة، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات، وجهات القبلة، وإنما عمل بذلك تغليبا للراجح) قلنا: لا نسلم أنه لأجل مفهوم الراجح، ولم يعتبر الشرع قط مطلق الرجحان، بل اغتبر في كل موطن ظنا مخصوصا، فلم يعتبر الشاهد الواحد مع قوة الظن بشهادته، ولا فتيا المسلم كيفما كانت، بل حتى يشتهر بالعلم في نظره، وكذلك المفهوم لا يجري فيه كل من غلب على الظن صدقه، بل هو من أهل الخبرة، وكذلك لا نجد موطنا في الشريعة اعتبر الشارع فيه مطلق الظن، بل لا بد من خصوصيته، وحينئذ لا يتم مقصود المستدل، لأنه لم يحصل له إلا مواضع القطع، وهو واقع بين أمور شديدة الاختلاف، فإن الأمر للوجوب من قيم المتلفات، وأروش الجنايات. قوله: (تلك الصيغة الموضوعة للوجوب، إما صيغة (افعل) أو غيرها، والثاني باطل بالإجماع، أما الخصم فلأنه ينكر ذلك على الإطلاق، وأما عندنا فلأنا نقول به في غير صيغة (افعل). قلنا: لا نسلم أن الخصم لم يقل بغير (افعل)، لأن الإجماع منعقد على أنه وضع للوجوب لفظ (الوجوب)، و (الإلزام)، و (التحكم)، ونحن أيضا قائلون بذلك، لأن الإجماع منعقد عليه، وقد تقدم أول اللغات أن جملة كبيرة من المعاني لم تضع العرب لها اشتعارات لغة (الفرس) ولغة (الروم)، وأن أنواع الطعوم والروائح مما تشتد الحاجة إليها، ولم تضع

стр. 1177

لها، بل اكتفت بالإضافة بين الجنس وذلك النوع، فيقولون: رائحة (المسك) رائحة (العنبر) قوله: (وكذلك أصناف الاعتمادات لم يوضع لها). يريد أنواع الحركات باليد والرجل وغيرها لم يوضع لكل نوع لفظ يخصه، وإنما يقال إيحاء بيده وخصوص ذلك الإيحاء ليس له لفظ. قوله: (اللفظ أخف على اللسان من التركيب) قلنا: هاهنا أمران: الوجوب من حيث هو وجوب. والإيجاب على الغير المعين، أما الوجوب من حيث هو وجوب، فاللفظ الدال عليه مطابقة بالإجماع، هو لفظ الوجوب ل اأوجبت ولا حتمت، ولم يتعارض في هذا المقام المفرد والمركب على شي واحد، بل المفرد موضوع للمفرد، والمركب موضوع للمركب، وأصل المسألة والدليل إنما ذكر في الوجوب المفرد، فليس هذا موضع الترجيح للمفرد على المركب، بل المصنف يعتقد أن العرب ما وضعت المركبات ألبتة، وإنما وضعت المفردات فقط، فلا يصح منه هذا الجواب، ثم رنا قولنا: (افعل) بمجرده لا يقوم مقام (أوجبت)؛ لأن (أوجبت) جملة فعلية يصح السكوت عليها إجماعا، و (افعل) إذا لم يضم معه فاعل لا يكون جملة، وإن ضم معه حصل التركيب بفاعل مضمر النفس، ويعبر عنه النحاة بأنه مستتر في الفعل، فحينئذ التعارض واقع بين مركبين، غير أن أحد المركبين جزؤه مفرد. فإن قلت: هو أخف لكونه لم ينطق به. قلت: نسلم، لكنه يعارض الإضمار على خلاف الأصل، وأن الأصل

стр. 1178

في اللغات القطع والإضمار، وإن التزم في مواطن، ومنعت العرب من إظهاره، فحسبه على خلاف الأصل، وإن كان الأصل في ذلك المضمر، الإضمار لمنع العرب من إظهاره، وجعله أصلًا في نفسه. ويمكن أن يقال: صيغة (افعل) تفيد الطلب والمطلوب معنا بلفظة واحدة. فإنه يفهم من قولنا: (صم) الصيام، وطلبه، والوحوب ونحوه إنما يفيد الوجوب فقط، فكان الأول أولى. قوله: (الوجوب ليس لازما لأصل الترجيح، فلا يمكن جعله مجازا عنه). قلنا: قد تقدم الجواب عن هذا مرارا، وأنه مبني على زن الملازمة شرط المجاز، وأن دلالة اللفظ، والدلالة باللفظ واحدة، وأنه باطل. قوله: (إنما يلزم الاشتهار إذا سلم المعارض). تقريره: أن الوضع حاصل، والدليل عليه موجود، ولكن حصلت شبهات في الوجود من استعمال لفظ الأمر في غير الوجوب، وغير ذلك مما اعتمد عليه الخصم، فهذه الشبهات أوجبت وقوف الدواعي عن إيصال ذلك إلى غاية الضرورة في النقل والجلاء. قوله: (حمل الأمر على الوجوب يفيد القطع بعدم مخالفة الأمر). قلنا: كيف يحصل القطع، ومن الناس من قال: إنه [وضع للتحريم والكراهج مع نفيه الأحكام، كما نقله أو ل المسألة، فلعل مراد المتكلم بهذا اللفظ التحريم، فيحصل] الذم بالإقدام والإخلال بصيغة الأمر. سلمنا انحصار مسماه في الوجوب والندب، ولكن علي تقدير كونه للندب، ففعله بنية الوجوب قد يقتضي المعصية، واستحقاق الذم مع الجهل.

стр. 1179

المركب، فما حصل الاحتياط، فإن الإنسان في الشريعة لو اعتقد أن المندوب واجب ربما عصى فرن المندوب قد يكون ضروريا في الدين، فاعتقاد وجوبه جحد لما علم بالضرورة من الدين من ذلك الندب، وجحد الحكم الضروري كفر إجماعا، فهذا خطر عظيم لم نأمنه، أو ما دونه من الخطر، وقد يكون ذلك الوصف الخاص من الندبية مقصود الأمر، واللفظ موضوع له، فما قطعنا بعدم مخالفة الأمر. قوله: أما لو حملناه على الندب بتقدير أن يكون المأمور به مندوبا حصل القطع بعدم مخالفة الأمر. قلنا: لا نسلم، فإنا إذا حملناه على الندب بتقدير أن يكون المأمور به مندوبا حصل القطع بعدم مخالفة الأمر. قوله: أما لو حملناه على الندب فله الترك، لكن الفعل هو المقصود، وجواز الترك يقع، فإذا ترك لا يكون المقصود أملهم من الندب الذي هو الفعل [قد] حصل. قوله: (أما لو كان واجبا ونحن قد جوزنا له الترك كان الترك مخالفا للأمر). قلنا: مخالفة الأمر لم تنشأ عن اعتقادنا أنه للندب، إنما نشأت عن تركه هو، وقد لا يترك فيحصل مقصود الوجوب الذي هو مصلحة الفعل، فالمتجة أن تقول: يلزم، وإلا جوزنا له الترك أن يتر في كثير من الصور فيضيع الواجب، وإن فعل فعل بنية الندب، والواجب بنية الندب لا يجزئ إجماعا قوله: (فإذا كان حمله على الوجوب أحوط وجب عليه لقوله ﵇: (دع ما يريبك إلي ما لا يريبك).

стр. 1180

قلنا: عليه سؤلان: الأول أن هذه صيغة أمر، فالاستدلال به على أن الأمر للوجوب لا يتجه، لأن الخصم يمنع هنا يمنع أصل المسألة، فلا يجب ما ذكر من الإحتياط. الثاني: أن هذا الحديث المراد به إنما هو الورع عن الشبهات، وهو مندوب إليه إجماعا، فالاستدلال به على الوجوب لا يتم قوله: (ترجيح الطريق الآمن على الخوف من موجبات العقول) قلنا: ذلك قد يكون في العقل، والعادة أولى، وقد يكون متحتما، فلم قلتم: إن هذا من المحتم؟ فرن الخوف إذا قلّ لا يوجب العقل الإحتراز منه، ولا العادة، بل ربما كان الاعتماد على الغالب حسنا عادة وعقلا في سائر الاسفار والمتاجر، فإنه لا يخلو في الغالب عن نوع من الخوف والخطر. تقريره: الأمر إذا ورد جوّزنا أنه متردد بين الوجوب والندب، فاعتبار الوجوب يتطرق إليه الخطأ أن يكون الحق الندب، واعتقاد الندب يتطرق إليه الخطأ لاحتمال الوجوب، والاحتياط في الاعتقاد عن احتمال الخطأ، أما مصلحة الفعل، فإنه يحصل الاحتياط فيها لأنه إذا قال له: أسرج الدابة، وأراد الندب أو الوجوب حصلت المصلحة المقصودة من الفعل على التقديرين إذا فعل، لكنه بنية الوجوب فيكون ملتزما، لاحتمال الخطأ في نية الوجوب

стр. 1181

ليخرج عن عهدة الفعل، فإنه إن فعله بنية الندب لا يجزئه على تقدير كونه واجبا. قوله: (العلم بكون الصيغة للوجوب إما أن يكون عقليا زو نقليا والأول باطل لأن العقل لا مجال له في اللغات) تقريره: أن العقل لا يستقل إلا في ثلاث مواطن: إيجاب الواجبات. واستحالة المستحيلات. وجواز الجائزات. وأما وقوع أحد طرفي الجائز فلا يستقل به لا بد معه من قرينة من الحس أو غيره، ووضع اللفظة المعينة للمعنى المعين فمن قبيل الجائزات ولا يستقبل العقل به. ومراده: أن العقل لا مجال له في اللغات أي على سبيل الاستقلال، وإلا فلا بد من العقل في اللغات أو غيرها، ومتى فقد العقل لا يحصل الشعور بشيء من هذه العلوم ألبتة، وهذه حجة القاضي أبي بكر، وقد كررها في كتبه ﵀ في عدة مواضع أن الزمر للوجوب، والصيغة للعموم، والأمر للتكرار، والفور، ونحو ذلك، وتناقلها الناس بعده. قوله: (التواتر باطل، وإلا لعرفه كل أحد بالضرورة) قلنا: لا نسلم أنه يلزم من التواتر حصول العلم للكل، لأن التواتر قد يختص بالبعض، بل المدينة الواحدة قد يتواتر في جامعها سقوط المؤذن من المنار، ولا يعلم بقية أهل المدينة خارج الجامع ذلك، وإذا كان ذلك في المدينة الواحدة، فأقطار الدنيا أولى بذلك، والعلماء يقولون: إن مسائل

стр. 1182

أصول الفقه يحصل بها العلم لمن كثر اطلاعه، واشتد بحثه عن موارد الشريعة وأقضية الصحابة رضوان الله عليهم، ومناظراتهم، وفتاويهم وغير ذلك. ومعلوم أن هذا الحديث من الاطلاع لا يحصل لكل واحد، بل ولا لأكثر الناس، وإنما يحصل للأفراد القليلة، ولا يقول أحد: إن أصول الفقه يكون معلوما لكل أحد، بل ولا مظنونا، بل ولا مشعورا به، بل الغالب على الناس الجهالات، والإعراض عن العلوم، بل عن الشرائع اللازمة. قوله: (أهل اللغة قالوا: لا فرق بين الأمر والسؤال إلا في المرتبة) قلنا: بعض الناس قال ذلك، ولا نسلم أن قوله حجة ويدلك على ذلك: أن الرتبة لم يقل بها الأكثرون، فكيف يدعونها فرقا، وأصحابنا كلهم على عدم اعتبارها. قوله: (وذكر الأمر للوجوب، والندب، والاشتراك، والمجاز خلاف الأصل). قلنا: المجاز لا زم كل تقدير، فإنه إن جعل حقيقة في (الوجوب) كان ورورده في الندب مجازا، وإن كان حقيقة في القدر المشترك كما قال الخصم، كان استعماله في الوجوب مجازا، لأن استعمال لفظ الأعم في الأخص مجازا اتفاقا، لأنه استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فلما كان المجاز لا زما على كل تقدير، كان الترجيح معنا، لأن اللفظ يكون أكثر فائدة، لإفادته خصوص الوجوب مع مطلق الرجحان، ويكون موضوعا لأهم المطالب، ويكون أحوط للذمة والعرض. قولهم: (لم لا يجوز أن يعلم بدليل مركب العقل والنقل؟: كقولنا تارك المأمور به عاص، والعاصي يستحق العقاب، فتارك المأمور به يستحق العقاب)

стр. 1183

قلنا: لا نسلم أنه مركب من العقل والنقل، بل هذا نقل صرف، ونصب العقل تفطنة لاندراج الأوسط تحت الأصغر حتى يثبت له الأكثر الثابت بالأوسط، والتفطن ليس مقدمة لأخرى غير المقدمتين الصغرى والكبرى، وإلا لكان كل قياس ثلاث مقدمات، لأنه لا بد في كل قياس من التفطن، وإنما يكون الدليل مركبا من العقل والنقل إذا كانت إحدى مقدماته عقلية، وهاهنا ليس كذلك، بل [الجميع نقلي]، وتحرير هذا السؤآل يتوقف على تفسير الدليل السمعي ماهو؟ فإن فسرناه بما هو مراد الشارع باللفظ الصادر عنه لم يكن هذا الدليل سمعيا، لأن الشارع لم يرد بكلمة من هذه الكلمات أن الأمر للوجوب. وإن فسر بما هو دليل اللفظ مطابقة لن يكون هذا الدليل سمعيا أيضا، لأنه ليس فيه لفظ يدل على أن الأمر للوجوب، وإن فسر بما يدل التزاماً بلفظ مفرد فكذلك. وإن فسر بما يدل كيف بهذا الدليل سمعيا، لأن مجموع اللفظين يدل بالالتزام على أن الأمر للوجوب لا يكون للعقل فيه مدخل على هذا التقدير. ومما يعضد القسم القسم الأول صحة قولنا: إن الشرع لم يرد ببيع [الخور والخنزير وسيلة المحرمات، وإن كان قوله : (وأحل الله البيع وحرم الربا) [البقرة:٢٧٥] يدل عليه، فإنه لا يلزم من التخصيص نفي الدلالة: (فلا تقل لهما أف) [الإسراء:٢٣] وإن لم يدل التزاما، ونظائره كثيرة، سلمنا أنه مركب من العقل والنقل، لكنا بينا أنه لا ينتج، لأن كبراه جزئية، ومن شرط الشكل الأول أن تكون كبراه كلية.

стр. 1184

سلمنا صحة إنتاجه لكن إذا تركب من العقل والنقل، ومن هاتين المقدمتين لا يفيد إلا الظن فرن تلك المقدمتين محتملتان للمجاز، والنقل، والاشتراك، وغير ذلك، فلا يفيد إلا الظن، فيكون هذا القياس كخبر الواحد الذي منع أنه يفيد العلم. قوله: (لا نسلم أن هذه المسألة قطعية، ولا تفيد في المباحث اللغوية. قلنا: قد بينا كلام الأبياري، وأن مسائل أصول الفقه قطعية، وأن مدركها ليس موضوعا في الكتب، بل حصل للعماء بكثرة الاطلاع والبحث، فصارت عندهم كسخاء حاتم، وشجاعة علي، فلا يمكن أن يوضع في الكتب ما يفيد القطع بذلك، بل إنما حصل القطع لمن حصل له ذلك بكثرة الاطلاع، وحينئذ الموضوع في الكتب إنما هو ثبته على أصل المدرك لا نفس المدرك. قوله: (لا يقين في المباحث اللغوية) قلنا: قد تقدم أن الوضع من حيث هو وضع لا يفيد اليقين، أما مع السياقات والقرائن الحالية، والمقالية، وغير ذلك فلا نسلم أنها لا تفيد اليقين وقد صرح المصنف ﵀ بذلك، وادعاه بعد أن تبين عدم العلم من جهة الوضع وحده، وقرر ذلك في اللغات. قوله: (السؤال يدل على الإيجاب هو الطلب الجازم، وإن كان لا يلزم منه الوجوب) تقريره: أن الإيجاب هو الطلب الجازم، ونحن إذا قلنا: اللهم توفنا مسلمين، فطلبنا لذلك جازم لا تردد فيه. ونعني بالوجوب المؤاخدة علي تقدير عدم الفعل، ونحن في هذه الصورة طالبون فقط طلبا جازما، وأما طلب الله تعالى من عباده وإيجابه عليهم، ومعاقبتهم إذا أخلّوا.

стр. 1185

(سؤال) الوجوب هو الطلب الجازم، وهو الذي وضعت له الصيغة والإيجاب أضداد ، وصيغة الوجوب في حق المطلوب منه، فقد حصل الوجوب والإيجاب معا فلا معنى لهذا الكلام. بل المتجه أن نقول: الوجوب هو الطلب الجازم، وقد حصل في السؤال، غير أن أثر الترك قد يتخلف لمانع عقلي كما في حق العبد [مع ربه]، أو سمعي كما في حق من تاب إذا اجتنب الكبائر، وأنه دل السمع على عدم مؤاخذته. (تنبيه) قال التبريزي: أحسن ما تمسك به على المسألة عمل الصحابة رضوان الله عليهم ، وبقولنا: كل أمر طاعة، وطاعة الله ورسوله واجبة، بيان المقدمة الأولى: بالإجماع. وبيان الثانية: بقوله تعالى: (وأطيعوا اللرسول وأولي الأمر منكم) [النساء:٥٩] فإنه أمر إيجاب بالإجماع. ويرد عليه أربعة أسئلة: الأول: أن قوله: كل أمر طاعة بالإجماع ممنوع فإن من الناس من يقول إنها للتحريم، ومنهم من يقول: إنها للإباحة، وهؤلاء لا يعترفون بالطاعة فيه لمنافاة التجريم والإباحة لها. الثاني: أن هذا الدليل مركب من الشكل الأول في المنطق، ومن شرطه أن تكون كبراه كلية، وهذه جزئية، فلا تنتج، فإنه بيّن أن يعض الطاعة واجبة، وهي طاعة الله ورسوله، وأولي الأمر، ولم يبين أن كل طاعة واجبة، وهذه هي الكلية، فلم يعرف بشرط الشكل الأول.

стр. 1186

الثالث: على قوله: إن هذا الأمر أمر إيجاب بالإجماع، لكنه فعل في سياق الإثبات، فيكون مطلقا، فلا يعم جميع الطاعات. الرابع: أن الخصم يقول: الطاعة موافقة الأمر، والأمر عنده للندب، أوله مع غيره وأيما كان فتنقسم طاعة الله تعالى إلى الواجبات، وإلى المندوبات، ولأجل ذلك يقال لكل من أتى بنافلة: أتى بطاعة وتطوع، فدل على أن لفظ الآية لا يتعين للوجوب، فدعواه الإجماع في ذلك غير متجه.

стр. 1187

(المسألة الثالثة) قال الرازي: الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان للوجوب، خلافا لبعض أصحابنا. لنا: أن المقتضي للوجوب قائم، والمعارض الموجود لا يصلح معارضا، فوجب تحقق الوجوب. بيان المقتضي: ما تقدم من دلالة الأمر على الوجوب. بيان أن المعارض لا يصلح معارضا: وجهان: الأول: أنه كما لا يمتنع الانتقال من الحظر إلى الإباحة، فكذلك لا يمتنع الانتقال منه إلى الوحوب، والعلم بجوازه ضروري. الثاني: أنه لو قال الوالد لولده: (اخرج من الحبس إلى المكتب) فهذا لا يفيد الإباحة، مع أنه أمر بعد الحظر الحاصل، بسبب الحبس، وكذا أمر الحائض، والنفساء بالصلاة والصوم، ورد بعد الحظر، وأنه للوجوب.

стр. 1188

واحتج المخالف بالآية، والعرف: أما الآية: فقوله تعالى: (فإذا طعمتم انتشروا) [الأحزاب:٥٣] (وإذا حللتم فاصطادوا) [المائدة:٢] (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) [البقرة:٢٢٢]. وهذا النوع من الأمر في كتاب الله ما جاء إلا للإباحة، فوجب كونه حقيقة فيها. وأما العرف: فهو: أن السيد، إذا منع عبده من فعل شيء، ثم قال له: (افعله) فهم من الإباحة. والجواب عن الأول: أنه يشكل بقوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) [التوبة:٥] فهذا يدل على الوجوب، إذ الجهاد فرض على الكفاية وقوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) [آلبقرة:١٩٦] وحلق الرأس نسك، وليس بمباح محض. وعن الثاني: أن العرف متعارض، لأن من قال لابنه وهو في الحبس: (اخرج إلى المكتب) فهو أمر بعد الحظر، وقد يفيد الوجوب، والله أعلم (تنبيه) القائلون بأن الأمر بعد الحظر للإباحة: اختلفوا في النهي الوارد عقيب الوجوب: فمنهم من طرد القياس، فقال: إنه للإباحة. ومنهم من قال: لا تأثير هاهنا للوجوب المقدم، بل النهي يفيد التحريم.

стр. 1189

المسألة الثالثة قال القرافي: قوله (الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان يقتضي الوجوب). قال سراج الدين: الأمر بعد الحظر والإذن للوجوب، فيكون معناه: أنه لا فرق بين تقدم الحظر، أو تقدم الإباحة، فإنه للوجوب.

стр. 1190

........................................

стр. 1191

...............................................

стр. 1192

.......................................

стр. 1193

...................................................

стр. 1194

...............................................

стр. 1195

لكن عبارة المصنف فيها قلق، لذكره الاستئذان بالسين والتاء وهو طلب الإذن وليس هاهنا طلب، وعبارة سراج الدين جيدة. وقال الغزالي في (المستصفى): إن كان المنع السابق عارضا لعلة، وعلق على زوالها كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) [المائدة:٢]، (فإذا طعمتم فانتشروا) [الأحزاب:٥٣]، و (كنت نهيتكم عن زيارة القبور)، و (كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي)، كان الأمر الوارد لرفع الذم فقط، وإلا حملت الصيغة على أصلها في اللغة. (قاعدة) الفعل المكلف به ممكن ، فنسبة الوجود والعدم إليه نسبة واحدة على السواء ونسبتهما إليه ككفتي الميزان. فالأمر إذا ورد على الفعل ابتداء رجّح طرف الوجود فحصل الوجوب، وإذا ورد بعد الحظر يكون الحظر قبله قد ورد على كفة العدم فرجح العدم، لأن القاعدة أن الأمر يرجح الوجود، والنهي يرجح العدم، فنجد الأمر الكفة التي قباله كفة راجحة، فيرجح هو أيضا كفته، فيحصل التساوي،
следующие страницы →