← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

لقوله تعالى: (ولاتصل على أحد منهم مات أبدا) [التوبة:٨٤] وإذا حرم الله تعالى الصلاة على المنافقين فقد أوجبها على المؤمنين مع أن مفهوم التحريم على المنافقين عدم التحريم على غيرهم، وعدم التحريم الذي هو النقيض المنطوق أعم من الوجوب، والندب، والإباحة، والأعم من الوجوب لا يستلزمه، فلا يصح الاستدلال به على الوجوب. وقال الشيخ أبو إسحاق في (المهذب): لا يجوز التيمم بالحصا ولا بغير التراب، لقوله ﵇: (جعلت لي الأرض مسجدا، وترابها طهورا). مفهومه: أن غير التراب لا يكون طهورا وهو غير مستقيم، لأن التراب اسم ذات فهو مفهوم لقب لم يقل به إلا الدقاق، فهو ليس حجة عند الذي استدل به.

стр. 1262

وقال أيضا: لا يجوز إزالة النجاسة بالخل، لقوله ﵇ في الدم: (حتيه، ثم اقرصيه، اغسليه بالماء)، فقوله: (بالماء) يقتضي أنه لا يجوز بغير الماء مع أن لفظ الماء اسم ذات، فهو مفهوم لقب فلا يكون حجة. (فائدة) قال سيف الدين: مفهوم الموافقة يسمى فحوى الخطاب، ولحن الخطاب ، أي معناه، ومنه قوله تعالى: (ولتعرفهم في لحن القول) [محمد:٣٠] أي معناه، وقد يطلق اللحن ويراد به اللغة، يقال: تكلم بلحنه، أي: بلغته، ويراد به الفطنة، ومنه (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) أي أفطن، ويراد به الخروج عن الصواب، ويدخل فيه الخروج عن الإعراب، وقد تقدم بسط هذه الألفاظ واستيعابها. البحث الخامس في أن لفظ الشرط مشترك بين أمرين أحدهما: سبب لا شرط، وهو الشرط اللغوي [و] التعاليق بأسرها. والثاني: الشرط المعروف، وهو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.

стр. 1263

وهو ثلاثة: عقلي: كالحياة مع العلم. وشرعي: كالطهارة مع الصلاة. وعرفي: كالغذاء مع الحياة. فهذه الثلاثة يلزم من عدمها العدم، ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم، بخلاف الشرط اللغوي الذي هو التعاليق يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، كمن قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، يلزم من الدخول الطلاق، ومن عدم الدخول عدم الطلاق المعلق، وكذلك إن زالت الشمس فصل، يلزم من الزوال الوجوب، ومن عدمه عدم الوجوب، فعلى هذا البحث قول المصنف: (المعلق على الشرط لا يتناول إلا التعاليق) فتمثيله بعد هذا بالوضوء لا يستقيم؛ فإن الإنسان إذا ادعى حكما من مسميات المشترك لا ينبغي أن يمثله بالمسمى الآخر، فإنه انتقال وتغيير. البحث السادس. أن مراد صاحب الكتاب بأن: (إن) وماتضمن معناها للشرط كيف كان نحو: (كيفما)، و (أينما)، و (إذا)، و (متى)، و (حيثما)، و (أنى) ونحو ذلك. قوله: (والشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه) لا يفيد مقصود المسألة؛ لأن المقصود دلالة لفظ التعليق على حصول ذلك الانتفاء، لا مجرد حصول ذلك الانتفاء، فالقاضي يسلم حصول الانتفاء، لكن يمنع أنه مدلول لصيغة التعليق، وللمصنف أن يقول: إذا كان الإنتفاء لازما للانتفاء صار الانتفاء لازما للانتفاء، فيدل اللفظ عليه دلالة الالتزام، وهو المقصود من قولنا: الشرط له

стр. 1264

مفهوم، غير أنه يبقى حرف، وهو أن من شرط دلالة الالتزام الملازمة الذهنية، فلعل القاضي ينازع فيها، والظاهر حصولها، فيتم البحث للمصنف. قوله: (سموا الوضوء والحول شرطا، وعنوا بكونهما شرطين انتفاء الحكم عند انتفائهما). قلنا: اشتراك السبب والشرط في أن كل واحد منهما يلزم من عدمه العدم، ويفارق السبب الشرط في أن السبب يلزم من وجوده الوجود، والشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كما أن المانع يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، فبينهما مباينة مطلقة، أما السبب فيلزم من وجوده الوجود، وهل يلزم من وجوده العدم، وأما الشرط فلا يلزم من وجوده شيء بخلافه، ويلزم من عدمه العدم، وهو لا يلزم من عدمه شيء فتباينا، وإذا اشتركا في هذا المفهوم مع تباينها امتنع أن ينتقل من أحدهما إلى الآخر. قوله: (العلامة لا يلزم من عدمها عدم). تقريره: أن العلامة دليل، ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فإن الصنعة دليل صانعها، ولا يلزم من عدمها عدمه، وكذلك جميع الأدلة، نعم يلزم من عدم الدليل المطلق عدم العلم بالمدلول لا عدم هذا الدليل المطلق، أما الدليل المعين لا لاحتمال أن يكون عليه دليل آخر مع أن هذا الذي قال السائل هو الذي تقتضيه اللغة. قال العلماء: ولذلك سميت درعة الوالي شرطته، أي هم علامات على الوالي وأحوال الخصومات وما يتعلق بها. قوله: (يمتنع وجود تلك الساعة إلا عند تلك العلامات)

стр. 1265

قلنا: ذلك الامتناع لم يتفده من علامات الساعة، بل من إخبار المعصوم من أنهم يهلكون بعدها، فلولا ذلك لجوزنا زن تقوم الساعة قبل تلك العلامات، وليست هذه الآيات أشراطا إلا باعتبار دلالة وجودها على قرب الساعة فقط لا باعتبار دلالة عدمها على العدم عكس ما قاله المصنف. قوله: (فلو كان ثم ما يقوم مقام الشرط لكان الشرط أحدهما لا بعينه). تقريره: أنه إذا قال: (إن دخلت الدار أو كلمت زيدا فأنت حرة)، المعلق عليه أحدهما لا بعينه، وتعتق بأيهما كان. تقريره: نص الآية وهو قوله تعالى: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) [النساء:١٠١]. فشرط الله تعالى خوف الفتنة ونحن نقصر مع الأمن. (سؤال) قوله ﵇: (صدقة تصدق الله بها عليكم) يقتضي أن القصر طارئ على الإتمام وكذلك قوله ﵇: (وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة). وقوله تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) [النساء:

стр. 1266

١٠١] وهذه النصوص يعارضها قول عائشة ﵂ في الصحيح: (فرضت الصلاة مثنى فأقرت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر) قال ابن عبدالبر في (الاستذكار): وحديث عائشة أصح حديث في الباب. وأجاب عنه: بأن الصلاة فرضت ليلة الإسراء، وصلاها جبريل برسول الله صلى اله عليه وسلم صبيحة غد كلها ركعتين ركعتين إلا المغرب صلاها ثلاثا، فلما كان ب (المدينة) كمل الله تعالى الصلاة كلها أربعا أربعا إلا المغرب والصبح سفرا وحضرا، ثم نزلت آية القصر بعد ذلك فقولها ﵂ (فأقرت صلاة السفر) أي على ماكانت عليه، واجتمعت الأحاديث.

стр. 1267

وحكى هذين القولين للشافعي وجماعة معه. وحكي أيضًا: أنها صليت كلها ب (مكة) أربعا أربعا إلا المغرب والصبح قول آخر، وما خرج قول عائشة ﵂ إلا على القول الأول. وخرجه غيره: على ما روي أن الناس كانوا يصلون أول النهار ركعتين واخره ركعتين، ثم فرضت الصلوات الخمس، فأقرت صلاة السفر علي ما كان قبل الخمس ب (مكة). قوله: (ظاهر الشرط يمنه من ذلك، ولكن لا يمتنع أن يرد دليل على خلافه) يقتضي قوله هذا ما هو مقصود المسألة، وهو دلالة لفظ التعليق على ارتباط العدم بالعدم ظاهرا ظهورا مفهوم لا نفس حصول العدم قوله: (لو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار لا يناقضه التخيير، فما لزم من عدم الشرط عدم المشروط). (قاعدة) الله تعالى شرع الأحكام وشرع لها أسبابا وحصول الأسباب

стр. 1268

على قسمين: قسم قرره في أصل شرعه كالزوال، ورؤية الهلال ومنه ما وكل سببه للمكلف، فإن شاء جعله سببا وإن شاء لم يجعله ولم يجعل له أن يجعله إلا بطريق واحد هو التعليق فدخول الدار ليس سببا لطلاق امرأة أحد وجعل الله تعالى لمن شاء أن يجعله سببا لذلك بالتعليق وكذلك سائر الشروط المعلق عليها في الطلاق والعتاق والنذور، وكما جعل الله تعالى سببا بالتعليق جعل له إبطال سببه بالتخيير، فإذا أنجز بطلت شرطية الشرط وعاد الطلاق الطلاق ونحوه، كما كان قبل التعليق له بتنجيزه وتعليقه، فما وجد المشروط قبل الشرط لأنه حينئذ غير مشروط، وربما أوردوا هذه الشبهة على وجه اخر، فقالوا: المنجز إما أن يكون عين المعلق أو غيره، الأول يلزم منه المشروط حالة عدم شرطه، والثاني يلزم أن يملك بالنكاح التصرف في أكثر من ثلاث وهو وحال فإن النكاح لا يملك من الطلاق أكثر من ثلاث تطليقات. وجوابه: أن نقول: هو عينه، ولا يلزم تقديم المشروط على الشرط بناء على إبطال الشرط عن كونه شرطا، أو نقول غيره، ويبقى المعلق كنكاح جديد يتجرد له، كما قاله في الكتاب. قال بعض العلماء: وأي مانع من تمليكه أكثر من ثلاث تطليقات، غايته أن انعقد الإجماع على أنه لا يملك التصرف في أكثر من ثلاث تطبيقات تعليقا أو تنجيزا، ولا يلزم من عدم التصرف عدم الملك، كالمحجور عليه لا يملك التصرف في مال، وهو ملكه إجماعا. تقريره: قاعدة: الاكراه لا يكون إلا على خلاف الداعية، فالمريد للشيء لا يصح إكراهه عليه، والذي لا إرادة له ألبتة لا يصح إكراهه على ذلك، فلا يكره العطشان على شرب الماء وهو مريد له، ولا يكره زيد على شرب خمر وهو لا يريد وجوده ولا عدمه.

стр. 1269

(قاعدة) التكليف لا يكون إلا بسبب مقدور ، فالنازل من شاهق لا يكلف أن ينزل وإن كان النزول متعينا لكونه ليس في وسعه تركه ولا يكلف بالصعود، لأنه ليس في وسعه فعله. إذا تققرت القاعدتان، فالفتيات إذ لم يردن التحصن فإما أن يردن التحصن أو البغاء، أو يستوي عندهن الأمران، وعلى التقديرين لا يتصور الإكراه على الزنا للقاعدة الأولى، وإذا تعذرت حقيقة الإكراه ووقوعها في الوجود تعذر تحريمه في نفس الأمر لا إباحته فإن إباحته أيضا تعتمد على كونه مقدورا مكتسبا كما تقدم؛ إذ المتعين للوقوع لا يباح، فرن الخيرة تعتمد المكنة من النقيضين، فظهر أن عدم التحريم من ثبوت الإباحة، لأنه قد يكون الواقع عدم جميع الأحكام الشرعية مطلقا، فصار مفهوم الشرط واقعا، ولزم من عدم الشرط عدم المشروط الذي هو التحريم ولكن لا يلزم تخلفه للإباحة. (تنبيه) قال التبريزي: الاستدلال من المصنف ضعيف؛ لأن التعلق بالإشراق اللفظي في مقام اختلاف الوضع مكابرة في الحقائق ؛ فإن اللفظ الشرط في عرف الفقهاء من الألفاظ الاصطلاحية، كالكسب، والمانع، والمحل، والأصل، ولهذا جعلوه قسيم الأصل والمحل مع شمول لزوم انتفاء الحكم عند انتفائه ومفهومه مغاير لمفهوم الشرط الذي حرفه في العربية (إن) ك فإن المفهوم منه اختصاص لزوم ما جعل جزء الوصف الذي دخلت عليه (إنا) لاختصاص وجود بها، فإن قوله: (إن جئتني أكرمتك) لا يقتضي منع

стр. 1270

الإكرام بلا مجئ، بل لزوم الإكرام عند المجئ، ومنع اللزوم دونه، وهذا اللزوم هو معنى السببية في عرفهم، مثل قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) [المائدة:٦]، (وإن كنتم مرضى أو على سفر) [آلنساء:٤٣]، وهو منطبق على اللغة فإن الشرط هو العلامة، ثم قال: ولايدفع الاستدلال بقول عائشة؛ فرن ذلك مذهب عائشة، وهذا مذهب عمر، ويعلى بن أمية، وهي مسألة مختلف فيها، والآية تدل على وجوب الإتمام من وجهين: أحدهما: تسميته قصرا، والصحيح لا يسمى قصرا. وثانيهما: أن الحرج معلل بعذر فإنه رنما يستقيم أن لو كان القصر سببا للحرج ليستند إليه انتفاؤه إلى العدم فينتظم. وإن وافقناه في الحكم، فلا نقول: هو من موضع الوضع، فإن لفظة (إن) توجب اختصاص الذكر بالموضوف بالصفة، فلا فرق في المعنى بين قوله: أعط الرجد إن كان طويلا وبين قوله: أعط الرجل الطويل في أنه نطق بالطول، وسكت عن القصر، ولا حكم للوضع في غير المذكور، بل اقتضاء نظري استدلالي أخذ من قاعدة المفهوم، التفافا إلى قرينة التخصيص كما في مجرى الصفة، وذلك أنه أطلق القول ثم قيده، فلا بد للتقيد من فائدة، والاحتراز فرقا في الحكم هو الأظهر، ولهذا عدم الفرق يوجب اعتذارا على المتكلم في المتعارف، ولأجله سبق الذهن إليه

стр. 1271

ومنهم من يقول: مستند السبق دلالة الذكر مع العلم بالانتفاء قبله، فيلزم من النظر إليهما الفرق لا من الوضع ولا من الدلالة، وهذا هو مقتضى نظر القاضي، ومنكري المفهوم. ويشهد لما ذكرناه: أنه لو قال: إن لم تدخل الدار فليست بطالق لم تطلق بالدخول؛ فإن يقتضي دلالة؛ والطلاق لا يقع إلا بلفظه. ويرد على التبريزي: أن مقتضى قوله: (إن جئتك أكرمتنك) نفي اللزوم عند عدم الشرط لا نفي الوجود، وهذا معنى السبب مصادرة بل يقتضي نفي الوجود أيا بدلالة الالتزام للأسماء والأسباب والعلل يقتضي عدمها العدم وكذلك يقول الفضلاء: عدم العلة علة لعدم المعلوم، وعدم السبب سبب لعدم المسبب، وأنه يلزم من عدم الزوال عدم وجود الظهر، ومن عدم الجنايات عدم العقوبات، وغير ذلك من الأسباب الشرعية، فكل سبب شرعي إذا جرد النظر إليه لذاته اقتضى عدم العدم حتى يدل دليل علي خلافه بسبب آخر، فذلك كالمعارض لتلك الدلالة. وقوله: (وهو سبب بخلاف الشرط عند الفقهاء) هو معنى ما تقدم في المباحث، أن التعاليق اللغوية أسباب. وقوله: (إن قول ائشة رضي اللع عنها مسألة خلاف) معناه: أن العلماء اختلفوا: هل القصر أصل أو الإتمام أصل؟ هما قولان مشهوران للعلماء في كتب الفقه.

стр. 1272

ثم قوله: (إن وافقناه في الحكم، فلا نقول: هو من موجب الوضع، بل من باب المفهوم) هذا ليس مخالفة للمصنف،، فالمصنفإنما اعاه مفهوما لا منطوقا) وقوله: (ومنهم من يقول مستندا لسبق الذكر مع العلم بالانتفاء قبله). معناه: يأخذ الانتفاء بالانتفاء باستصحاب العدم الكائن قبل وجود الشرط- كما تقدم في المباحث في توجيه مذهب القاضي، وتحرير محل الخلاف. وقوله: (يشهد لماذكرناه: أنه لو قال: إن لم تدخل الدار فليست بطالق، فلم تطلق بالدخول، لأنه مقتضى دلالة، ولا يقع إلا بلفظ). معناه: أنه جعل بالتعليق سبب عدم طلاقها عدم الدخول، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط كما قاله المصنف، وعدم الشرط هو الدخول [ولزم من عدم الشرط عدم المشروط]، وعدم الشرط هو الطلاق، وهي لا تطلق إجماعا، فلا يكون عدم الشرط يقتضي عدم المشروط، ولا يكون عدم الطلاق في مثال المصنف الذي هو (إن دخلت الدار فأنت طالق) إلا لأجل العلم بعدم الطلاق متقدما، وفي مثال التبريزي: لم يعلم عدم المشروط متقدما الذي هو الطلاق فلا جرم لا يلزم الطلاق بالدخول. ويرد عليه: أنه يعتقد أن الشرط له دلالة مفهوم لا منطوق، ولا يلزم من قوله بذلك أن يقول: إن دلالة الشرط له دلالة مفهوم لا منطوق، ولا يلزم من قوله بذلك أن يقول: إن دلالة المفهوم توجب الطلاق، بل إنما يصلح لعدم الطلاق خاصة بسبب أن الطلاق نفسه جعله الشرع يستند إلي لفظ صريح أو كناية، وهاهنا لا واحد فيها، فإن المفهوم دليل فقط، والدليل أعم عن كونه صريحا أو كناية، ألا ترى أن قرائن الأحوال دالة ولا يقع بها الطلاق؟

стр. 1273

(تنبيه) زاد تاج الدين في المثل قوله تعالى: (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) [البقرة:١٧٢] مع أن الشكر واجب سواء عبدوا أم لا. (قاعدة) لفظ الشرط أصل التعليق كما تقدم وتستعمله العرب كثيرا للتعليل لا للتعليق، كما يقول الإنسان: (أطعني أن كنت ابني)، أي أنت متصف بوصف يقتضي أن تطيعني، فهو ينبهه على السبب الباعث له على المأمور به؛ لا أنه تعلق المأمور به، وكذلك قوله تعالى: (إن كنتم مؤمنين) [هود:٨٦]، وغير ذلك هاهنا هو من هذه القاعدة أي أنتم معترفون بأنكم تعبدونه بسبب استحقاقه لذلك من صفات الربوبية وهذا يبعثكم على الشكر لنعمه، فإن الشكر للنعمة من غير من هذا شأنه، فمن هذا شأنه أولى أن تقابل نعمه بالشكر. (تنبيه) زاد سراج الدين، فأورد على قوله: (الظاهر نفي القصر، وقد يترك الظاهر لمعارض) فقال: ليس مخالفة هذا الظاهر أولى من مخالفة ظاهر قولهم: كلمة (إن) للشرط، وأن الشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه، والتعجب محتمل لما سبق من الاحتمالين، وأنه فهم الإتمام إلا في تلك الحالة. ويعارض: بأن ما قلناه لا يوجب مخالفة الدليل بخلاف ما قالوه.

стр. 1274

المسألة الثامنة في الأمر المقيد بعدد قال الرازي: فلنبحث أن الحكم المعلق بعدد، هل يدل على حكم مازاد عليه ومانقص عنه أم لا؟! أما في جانب الزيادة: فمتى كان العدد الناقص علة لعدم، أو امتنع ثبوت ذلك الأمر في العدد الزائد، فعلة عدم ذلك الأمر حاصلة عند عدم حصول العدد الزائد. مثاله: لو حظر الله تعالى علينا جلد الزاني مائة كان الزائد على المائة محظورا لأن المائة موجودة في الزائد على المائة. ولو قال: (إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل خبثا) فجعل القلتين علة لاندفاع حكم النجاسة، فالزائد عليمهما أولى أن يكون كذلك. أما إذا كان العدد الناقص موصوفا بحكم، لم يجب أن يكون الزائد عليه موصوفا بذلك الحكم، لأنه لا يلزم من كون عدد واجبا أو مباحا أن يكون الزائد عليه واجبا أو مباحا. وأما في جانب النقصان: فالحكم: إما أن يكون إباحة، أو إيجابيا، أو حظرا. فإن كان إباحة، لم يخل ما دون ذلك العدد: إما أن يكون داخلا تحت ذلك

стр. 1275

العدد على كل حال، أو لا يدخل تحته على كل حال، أو يدخل تحته تارة، ولا يدخل أخرى: ومثال الأول: أن يبيح الله تعالى لنا جلد الزاني مائة، فإنه يدل على إباحة جلد خمسين، لأن الخمسين داخلة في المائة. ومثال الثاني: أن يبيح الله لنا أن نحكم بشهادة شاهدين، فإنه لا يدل على إباحة الحكم بشهادة الواحب، لأن الحكم بشهادة الشاهد الواحب غيد داخل تحت الحكم بشهادتين. ومثال الثالث: أن يبيح لنا استعمال القلتين من الماء، إذا وقعت فيهما نجاسة، فإنه قد أباح لنا استعمال القلة من هاتين القلتين، ولا يدل على إباحة استعمال قلة واحدة، إذا وقعت فيها نجاسة، لأن القلة الواحدة، إذا وقعت فيها نجاسة غير داخلة تحت قلتين، وقعت فيهما نجاسة. أما إئا حظر الله تعالى علينا عددا مخصوصا: فإنه يختلف أيضا، فربما دل على حظر ما دونه من طريق الأولى، لأنه حظر استعمال القلتين، إذا وقعت فيهما نجاسة، فحظر القلة الواحدة أولى، أما لو حظر الله تعالى علينا جلد الزاني مائة، لم يدل على أن ما دونه محظور. وأما إذا أوجب الله تعالى جلد الزاني مائة، فإنه يدل على وجوب جلد خمسين؛ لأنه لا يمكن فعل الكل إلا بفعل الجزء، ولكنه ينفي قصر الوجوب على الجزء، فثبت أن قصر الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص إلا لدليل منفصل. واحتج المخالف بالسنة، والإجماع:

стр. 1276

أما السنة فهي أن الله تعالى لما قال: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) [التوبة:٨٠] قال ﵊: (والله لا تزيدن على السبعين) فعقل أن الحكم مفي عن الزيادة. وأما الإجماع: فهو: أن الأمة عقلت من جديد جلد القاذف بالثمانين نفي الزيادة. والجواب عن الأول: أن تعليق الحكم على السبعين كما لا ينفيه عن الزائد فكذا لا يوجبه فلعله ﷺ جوز حصول المغفرة لو زاد على السبعين فلذلك قال ماقال. وعن الثاني: أن ذلك النفي إنما عقل بالبقاء علي حكم الأصل، والله أعلم. المسألة الثامنة الأمر المقيد بعدد. قال القرافي: شرح المصنف في البحث وماعين مذهبا، واعلم أن مذهبه يقتضي ذلك الحكم المرتب قبل ذلك.

стр. 1277

قوله: (مثال العدد الذي هو علة لعدم أمر، كما لو حرم الله علينا جلد الزاني مائة، فإن مازاد على المائة يكون محظورا؛ لوجود المائة في الزائد) قلنا: في هذا الكلام تشويش من جهة أن الله تعالى ماحرم علينا جلد الزاني مائة، بل أوجبها، ولا حاجة لعرضها محرمة، بل نقول: إذا حرم علينا المائتين، وأيضا فالمائة على تقدير كونها محرمة ليست علة التحريم بل أدلة المجلود علة التحريم. قوله: (والجواب عن الأول: أن تعليق الحكم على السبعين كما لا ينفيه عن الزائد فكذلك لا يوجبه). تقريره: أن نقول بأن الزائد مسكوت عنه، يحتمل أن يثبت معه المغفرة وألا يثبت، فلما كان ذلك في محل الجواز احتاط ﵇ لهم رجاء وقوع المغفرة (سؤال) قال النقشواني: قوله: (إذا كان الناقص علة ثبت الحكم في الزائد) ينتقض بأن الركعتين علة للإجزاء عن الصبح والخروج عن العهدة، وسقوط

стр. 1278

القضاء، والزائد ينافي جميع هذه الأحكام، ويجب القضاء مع الزائد ولا تبرأ الذمة، وكذلك المقادير المعينة من الدواء، والغذاء في الكيف والكم علة لدفع المرض، وبقاء الصحة، ولو زاد على ذلك لبطلت الصحة وحصل المرض. (سؤال) قال النقشواني: الخصم يدعي أن مجموع ما يتعلق بعدد معين [من الأحكام بالدليل يقتضي نفي ذلك المجموع عن الزائد والناقص] إظهارا لفائدة التخصيص، فإذا وجب جلد المائة تضمن ذلك حظر الزائد والاقتصار على الناقص، ومجموع هذه الأحكام مخصوص بالمائة، وكذلك نقول في جميع النقوص: إن المجموع منتف، وإن ثبت بعضه مع تأخر المدلول عن الدليل في بعض الصور لا يقدح في كونه دليلا ظنيا، كما قال في الغيم الرطب: هو أمارة الأمطار، ولا يقدح في تزخر الأمطار عنه في كثير من الصور. (سؤال) قال النقشواني: جوابه عن الآية غير متجه؛ لأنها من باب مفهوم الشرط الذي سلمه، فلا يتجه منه إنكاره، بل كان ينبغي له أن يقول: إنما دل على النفي لكونه من شرط الخصوص العدد، فيندفع استدلال الخصم. قال: لكن يتجه بهذا الجواب إشكال، من جهة أن الشرط يصير العدد المذكور سببا، وهو موجود في الأكثر، فيلزم نفي الغفران في الأمر لوجود الأقل فيه.

стр. 1279

المسألة التاسعة في الأمر المقيد بالاسم قال الرازي: الجمهور منا ومن المعتزلة قالوا: إن الأمر والخبر المقيد بالاسم لا يدل على نفي حكم ماعاداه، كقول القائل: (زيد في الدار) لا يدل على أن عمرا ليس فيها، وإذا أمر بشيء على أن غيره ليس بجواب. وقال أبو بكر الدقاق منا: إنه يدل على ذلك. لنا وجوه: الأول: اتفاق الكل على أنه يجوز أن يقال: (زيد أكل أو شرب) مع العلم بأن غيره فعل ذلك أيضا. الثاني: أن تخصيص البعض بالذكر لو دل على نفي الحكم عن غير المذكور لبطل القياس، لأن التنصيص على حكم الأصل إن وجد معه التنصيص على حكم الفرع كان حكم الفرع ثابتا بالنص، لا بالقياس، وإن لم يوجد معه، كان النص دالا على عدم الحكم في الفرع، وحينئذ لا يجوز إثباته بالقياس؛ لأن النص مقدم على القياس. الثالث: لو دل على قولنا: (زيد أكل) على أن غيره لم يأكل، لدل عليه: إما بلفظه أو معناه: والأول باطل، لأنه ليس في اللفظ ذكر غير زيد، فكيف يدل على حكم غير زيد؟ والثاني: باطل لأن الإنسان قد يعلم أن زيدا وعمرا يشتركان في فعل، ويكون

стр. 1280

له غرض في الإخبار عن أحدهما دون الاخر، فثبت أنه لا يدل عليه لا بلفظه، ولا بمعناه، واحتج المخالف بأنه لا بد في التخصيص من فائدة، ولا فائدة إلا نفي الحكم عما عداه والجواب: المقدمة الثانية ممنوعة فلعل غرضه كان متعلقا بالإخبار عنه دون غيره فلهذا خضه بالذكر، والله أعلم. المسألة التاسعة الأمر المقيد بالاسم قال القرافي: هذه هي مفهوم اللقب، وهو تعليق الحكم بأسماء الذوات كما تقدم تقريره في مباحث المفهومات.

стр. 1281

قوله: (لنا اتفاق الكل لعى جواز قولنا: زيد أكل أو شرب مع العلم بأن غيره كذلك). قلنا: الخصم إنما ادعى الظن، والظهور في هذا المفهوم، والجواز لا ينافي الظهور لا سيما في أدنى مراتب المفهوم. قوله: (لو دل تخصيص البعض بالذكر على المنفى عن البعض الآخر كان الحكم ثابتا بالنص، وإلا كان مفهومه يقتضي نفي الحكم في ذلك البعض، فيكون العدم ثابتا بالنص، وهو مقدم على القياس) قلنا: لا نسلم أنه إذا وجد التنصيص على البعض الآخر يمتنع قياسه على البعض الأول: فإن اجتماع الأدلة على الحكم جائز، ولا نسلم أنه إذا لم يوجد النص على البعض يمتنع القياس، وأما كون عدم الحكم في الفرع ثابتا بالنص فلا يمتنع، لأن النص هاهنا معناه مفهوم اللقب، وهو غير مانع القياس، لأن القياس أقوى منه، ومقدم عليه. وقد اختلف الناس في تقديم أخبار الآحاد الصريحة، وظواهر العموم النطقية، فكيف بالمفهوم الذي هو أضعف المفهومات.

стр. 1282

قوله: (لا يدل بمعناه؛ لأن الإنسان قد يعلم أن زيدا وعمرا اشتركا في فعل، ويكون لهرغرض في الإخبار عن أحدهما دون الآخر). قلنا: قولكم لا ينافي مذهب الخصم؛ لأنه إنما يقتضي الجواز والاحتمال والظهور الذي ادعاه الخصم لا يأباه. قوله: (التخصيص لا بد له من فائدة). قلنا: هذا إنما يتجه إذا أحضر الشخص في ذهنه تخصيص أحدهما دون الآخر، أما إذا لم يحضر إلا أحدهما فلا يقال: حكمت على هذا دون ما لا شعور لك به، لأنه يقول: ما شعرت به. قوله: (لعل غرضه كان متعلقا بالإخبار عنه دون غيره). قلنا: الاحتمال الذي ذكره الخصم أظهر من هذا فيجب المصير إليه والسبق إفهام السامعين هو الحجة في ذلك (تنبيه) إنما خالف مفهوم اللقب سائر المفهومات؛ لأنها تشعر بالعليج بخلاف أسماء الذات لا يشعر بذلك وعدم العلة علة لعدم المعلول، فلذلك كانت حجة دونه (تنبيه) زاد التبريزي: مذهب الدقاق فاسد؛ لأنه يلزم منه سد الباب عن الرخبار عن المعاني، ولا يخفى فساده، ولا مطالبة الذهن بفائدة التخصيص هاهنا، بخلاف الصفة، فإنها تذكر بالموصوف، فتثبته للصفة الأخرى.

стр. 1283

المسألة العاشرة في الأمر المقيد بالصفة قال الرازي: وهو كقوله: زكوا عن الغنم السائمة. واختلفوا في أنه هل ذلك على أنه لا زكاة في غير السائمة؟ الحق: أنه لا يدل، هو قول أبي حنيفة ﵀ واختيار ابن سريج والقاضي أبي بكر، وإمام الحرمين? والغزالي، وقول جمهور املعتزلة، وذهب الشافعي والأشعري ﵄ ومعظم الفقهاء منا إلى أنه يدل. لنا وجوه: الأول أن الخطاب المقيد بالصفة لو دل على أن ما عداه يخالفه لدل عليه إما بلفظه، أو بمعناه لكنه لم يدل عليه من اولجهين فوجب ألا يدل عليه أصلا. إنما قلنا: إنه لا يدل عليه بلفظه، لأن اللفظ الدال على ثبوت الحكم في أحد القسمين إن لم يكن مع ذلك موضوعا لنفي الحكم في القسم الثاني لم يكن له عليه دلالة لفظية. وإن كان موضوعا له فحينئذ يكون ذلك اللفظ موضوعا لمجموع إثبات الحكم في أحد القسمين ونفيه عن القسم الاخر ولا نزاع في دلالة مثل هذا اللفظ على هذا النفي.

стр. 1284

بيان أنه لا يدل عليه بمعناه: أن الدلالة المعنويةهي: أن يستلزم المسمى شيئا، فينتقل الذهن من المسمى إلي لازمه وهاهنا: ثبوت الحكم في أحد القسمين لا يستلزم عدمه من القسم الثاني، لأن الصورتين المشتركتين في الحكم كقوله: (في سائمة الغنم زكاة، في معلوفة الغنك زكاة) يجوز تخصيص إحداهما بالبيان دون الثانية، إما لأن بيان الصورة الأخرى غير واجب، أو إن كان واجبا، لكنه يبينه بطريق آخر. أما إذا لم يكن واجبا فذلك: إما لأنه خطر ببال المتكلم أحد القسمين دون الثاني، وهذا إنما يعقل في حق غير الله تعالى. أو أن خطر القسمان بالبال، لكن السامع يحتاج إلي بيان أحد القسمين، دون الثاني، كمن يملك السائمة ولا يملك المعلوفة فإن بعد حولان الحول يحتاج إلي معرفة حكم السائمة دون حكم المعلوفة فلا جرم يحسن من الشارع أن يخص السائمة بالذكر دون المعلوفة وأما إذا وجب حكم القسمين معا، فهاهنا قد يكون ذكر حكم أحد القسمين دليلا على ثبوت ذلك الحكم في القسم الآخر، فإنه تعالى، لما منع من قتل الأولاد خشية الإملاق، كان ذلك دليلا على المنع من قتلهم عند الغني بطريق الأولى. وقد لا يكون كذلك لكنه تبين القسم الآخر بطريق آخر: إما بنص خاص، والفائدة فيه أن إثبات الحكم باللفظ العام أضعف من إثباته بالدليل الخاص، لاحتمال تطرق التخصيص إلي العام دون الخاص.

стр. 1285

أو بقياس: كما نص على حكم الأجناس الستة في الربا وعرفنا حكم غيرها بالقياس والمقصود أن ينال المكلف رتبة المجتمهدين. أو البقاء على حكم الأصل: مثل أن يقول الشارع: لا زكاة في الغنم السائمة، ثم نحن ننفي الزكاة عن املعلوفة لأجل أن الأصل عدم الزكاة. وإنما خص القسم الأول بالذكر لأن الاشتباه فيه أكثر، فإن السائمة لما كانت أخف مئونة من املعلوفة كان احتمال وجوب الزكاة في السائمة أظهر من احتمال وجوبها في المعلوفة، فثبت أن تعليق الحكم على الصفة لا يدل على نفي ذلك الحكم عن غيرها لا بلفظه ولا بمعناه فوجب ألا يدل أصلا. فإن قيل: املعتبر في الدلالة المعنوية القاطعة حصول الاستلزام قطعا وفي الدلالة المعنوية الظنية الظاهرة حصول الاستلزام ظاهرا ودعوى الاستلزام ظاهرا لا يقدح فيها عدم اللز، م في بعض الصور. ألا ترى أن الغيم الرطب يدل على المطر ظاهرا، ثم ذلك الظهور لا يبطل بعدم المطر في بعض الأوقات. إذا عرفت هذا فنحن لا ندعي أن تعليق الحكم علي الصفة يدل على نفي الحكم عما عداه قطعا إنما ادعينا أن يدل عليه ظاهرا وما ذكرتموه من تخلف في هذه الدلالة في بعض الصور إنما يقدح في ذلك الظهور لو بينتم أن الإحتمالات التي ذكرتموها هاهنا مساوية في الظهور للاحتمال الذي ذكرناه وأنتم ما بينتم ذلك فيكون دليلكم خارجا عن محل النزاع.

стр. 1286

والجواب: تعليق الحكم على الوصف لا يدل على انتفائه عن غيره ألبتة، أما قطعا؛ فلما سلمتم، وأما ظاهرا، فلأنه لو دل عليه ظاهرا، لكان صرفه إلى سائر الوجوه مخالفة للظاهر، والأصل عدم ذلك، وهذا القدر كاف في حصول ظن تساوي هذه الاحتمالات. الدليل الثاني: أن الأمر المقيد بالصفة: تارة يرد انتفاء الحكم عن غير المذكور وهو متفق عليه. وتارة مع ثبوته فيه، كقوله: (ولاتقتلوا أولادكم خشية إملاق) [الإسراء:٣١] ثم لا يجوز قتلهم لغير الرملاق، وقال تعالى في قتل الصيد: (،من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) [المائدة:٩٥] ثم إن قتله خطأ، يلزمه الجزاء أيضا. وإذا ثبت هذا فنقول: الاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين القسمين وهو ثبوت الحكم في المذكور مع قطع النظر عن ثبوته في غير المذكور ونفيه عنه. الدليل الثالث: هو زن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين، لا يلزمه ثبوت الحكم في الصورة الأخرى، والإخبار عن ثبوت ذلك الحكم في إحدى الصورتين ل يلزمه الإخبار عنه في الصورة الأخرى. فإذن: الإخبار عن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين، لا يدل على حال الصورة الأخرى ثبوتا وعدما. إنما قلنا: إن ثبوت الحكم في إحدى الصورتين، لا يلزمه الحكم في الصورة الأخرى ثبوتا وعدما، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الصورتين المختلفتين في

стр. 1287

بعض الأحكام، فإنهما لما كانتا مختلفتين، فقد اشتركتا في الاختلاف فلا يمتنع أيضا اختلافهما في بعض الأحكام. وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة، لم يلزم من مجرد ثبوته فيها ثبوته في الصورة الأخرى ولاعدمه عنها. وإنما قلنا: إن الإخبار عن حكم إحدى الصورتين لا يلزمه الإخبار عن حكم الصورة الأخرى، لأن إحدى الصورتين مخالفة للأخرى من بعض الوجوه، والمختلفتان لا يجب اشتراكهما في الحكم، والعلم بذلك ضروري، فلا يلزم من كون إحداهما متعلق غرض هذا الإنسان بأن يخبر عنها، كون الصورة الأخرى كذلك. فثبت أن الإخبار عن إحدى الصورتين، لا يلزمه الإخبار عن الصورة الأخرى. وإذا ثبتت هاتان المقدمتان، ثبت أن الإخبار عن ثبوت الحكم في هذه الصورة لا يدل على حالة الصورة الأخرى وجودا ولا عدما، وذلك هو المطلوب. الدليل الرابع: لو دل تخصيص الحكم بالصفة، على نفيه عما عداه لدل تخصيصخ بالاسم، على نفيه عما عداه، لكن التخصيص بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه، فالتخصيص بالصفة وجب ألا يدل على نفيه عما عداه. بيان الملازمة أن التخصيص بالصفة، لو دل على نفي الحكم عما عداه، لكان

стр. 1288

إنما يدل عليه، لأن التخصيص لا بد فيه من غرض، ونفي الحكم عما عداه يصلح أن يكون غرضا والعلم بأنه لا بد من غرض، مع العلم بأن هذا المعنى يصلح أن يكون غرضا يفيد ظن أن هذا هو الغرض والعمل بالظن واجب، وكل هذا المعنى موجود في التخصيص بالاسم؛ فوجب أن يكون التخصيص بالاسم يفيد نفي الحكم عما عداه لأن الصورتين لما اشتركتا في العلة وجب اشتراكهما في الحكم. ولما ثبت أن التخيص بالاسم لا يفيد نفي الحكم عما عداه، وجب في التخصيص بالصفة ألا يدل على ذلك أيضا، والله أعلم احتج المخالف بأمور: الأول: أن تعليق الحكم بالصفة يفيد في العرف نفيه عما عداه فوجب أن يكون الأصل في أصل اللغة كذلك. إنما قلنا: إنه يفيد ذلك في العرف لأن القائل إذا قال: (الإنسان الطويل لا يطير، واليهودي الميت لا يبصر) يضحك منه ويقال: (إذا كان القصير لا يطير، والميت المسلم لا يبصر، فأي فائدة للتقييد بالطويل واليهودي؟!! وإذا ثبت أنه في العرف كذلك وجب أن يكون في أصل اللغة كذلك وإلا لزم النقل وهو خلاف الأصل. الثاني: أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد فيه من مخصص، وإلا فقد ترجح أحد الجائزين على الآخر، لا لمرجح، ونفي الحكم عن غيره يصلح أني كون مقصودا فوجب حمله عليه تكثيرا لفوائد كلام الشرع أو لأنه مناسب.

стр. 1289

والمناسبة مع القتران دليل العلية، فيغلب على الظن أن علة التخصيص هذا القدر. الثالث: أنا قد دللنا على أن الحكم المعلق على الصفة يشعر بكون ذلك الحكم معللا بتلك الصفة وتعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة خلاف الأصل على ما سيأتي بيانه أن شاء الله تعالى في كتاب القياس فيلزم انتفاء هذا الوصف انتفاء الحكم والجواب عن الأول: أن أهل العرف يضحكون من قول القائل: (زيد الطويل لا يطير) وبالاتفاق أن التخصيص لا يفيد نفي الحكم عما عداه. وللمستدل أن يقول: لا نسلم أن التخصيص هاهنا لا يفيد نفي الحكم عما عداه لأن قوله: (زيد الطويل لا يطير) تعليق للحكم بالصفة وأنه نفس محل الخلاف بل لو قال: (زيد لا يطير) فهذا تعليق للحكم بالاسم وهاهنا لا يقولون إن تعليقه على الاسم عبث، بل يقولون: إنه بيان للواضحات وفرق بين أن يقولوا: إن هذا الكلام بيان للواضحات وبين أن يقولوا: لا فائدة في ذكر هذه الصفة آلبتة، وعلى هذا التقدير اندفع النقض وعن الثاني: أنا لا نسلم أن التخصيص الصادر من القادر لا بد فيه من مخصص، لأن الهارب من السبع، إذا عن له طريقان، فرنه يختار سلوك أحدهما، دون الثاني، لا لمرجح. وأيضا فقد بينا أنه لا حسن ولا قبح عقلا فتخصيص الصورة المعينة بالحكم المعين تخصيص لأحد طرفي الجائز بذلك الحكم من غير مرجح

стр. 1290

وأيضا فتخصيص الله تعالى إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله أو ما بعده تخصيص من غير مخصص وفي هذا المقام أبحاث دقيقة ذكرناها في كتبنا العقلية سلمنا أنه لا بد من فائدة ولكن سائر الوجوه التي عددناها في دليلنا الأول فوائد وأيضا فجملة منقوضة بالتخصيص بالاسم وعن الثالث: لانسلم أن تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة خلاف الأصل وسيأتي تقريره في كتاب القياس إن شاء الله فرعان: الأول: القائلون بأن التخصيص بالصفة يدل على نفي الحكم عما عداه أقروا بأنه لا دلالة له في قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا) [آلنساء:٣٥] ولا في قوله ﵊: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها) لأن الباعث علي التخصيص هو العادة فإن الخلع لا يجري غالبا إلا عند الشقاق والمرأة لا تنكح نفسها إلا عند إباء الولي. فإذن لاحتمال أن يكون سبب التخصيص هو هذه العادة لم يغلب على الظن أن سببه نفي الحكم عما عداه. الثاني: تعليق الحكم على صفة في جنس كقوله ﵊: (في سائمة الغنم زكاة) يقتضي نفيه عما عداه في ذلك الجنس ولا يقتضي نفيه في سائر الأجناس وقال بعض الفقهاء من أصحابنا: إنه يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة في جميع الأجناس.

стр. 1291

لنا: أن دليل الخطاب نقيض النطق، فلما تناول النطق سائمة الغنم، فدليله يقتضي معلوفة الغنم دون غيرها. احتجوا بأن السوم يجري مجرى العلة في وجوب الزكاة ويلزم من عدم العلة عدم الحكم لأن الأصل اتحاد العلة. والجواب: أن المذكور سوم الغنم لا مطلق السوم فاندفع ماقالوه والله أعلم المسألة العاشرة الأمر المقيد بالصفة قال القرافي: قوله: (لا يدل بمعناه التزاما لأن الصورتين المشتركتين في الحكم يجوز زن يخص أحدهما بالبيان):

стр. 1292

قلنا: مسلم أن من شرط دلالة الالتزام الملازمة الذهنية لكن الملازمة قسمان: قطعية كملازمة الزوجية الأربعة: وظنية كملازمة النجاسة لكأس الحجام، وهي واقعة في هذه الصورة من هذا القبيل وإذا كانت من هذا القبيل كانت ظنية فلا يناقضها أن المشتركين قد يخص أحدهما بالبيان لأن هذا البيان الاحتمال والجواز والظن يستلزمه ولا بنافيه قوله: قد يكون المقصود بالتنصيص علي إحدى الصورتين ثبوته في الأخرى بطريق الأولى كقوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) [الإسراء:٣١]

стр. 1293

(قاعدة) تعاطي المحرمات مع قيام موجب الطبع وداعيته أخف في نظر الشرع من تعاطيها مع عدم الداعية ، لقوله ﵇: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم: شيخ زان، وملك كذاب، ومعيال متكبر) فعظم عقاب هؤلاء دون غيرهم من الكذابين والزناة والمتكبرين لأنهم تعاطوا المحرمات مع عدم الأسباب العادية المقتضية لها، لأنه لا يضطر الملك للكذب، لأجل بسط قدرته، ولا داعية للشيخ في الزنا، وموجب التكبر على الناس الغنى، وهو منفي في حق الفقير لقوله تعالى: (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) [العلق:٦،٧] وكذلك قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) [الإسراء:٣١] فخشية الفقر عذر عادي، ولا يقبل معه منة، وهو أخف من القتل مع الغنى فيكون النهي عن القتل حالة الغني أولى بالتحريم، ثم ما ذكره من الاحتمالات وجوه حسنة، ومقاصد شرعية وعرفية، غير زنها لا يقتضيها اللفظ، لأنها محتملة والأصل عدم ما وراء دلالة اللفظ. قوله: (الاشتباه في السائمة أكثر، لأنه أخف مؤنة) قلنا: هذه العبارة غير متجهة، لأن الاشتباه هو الالتباس، والالتباس في وجوب الزكاة في المعلوفة أكثر، لأنها فيها كلفة، واحتمال عدم وجوب الزكاة فيها أظهر، فيكون في محل الاشتباه، فيكون النص عليها أولى من النص على السائمة، لأن كمال النعمة أتم في وجوب الشكر. قوله: (لو دل التقييد على صرف الحكم عن المسكوت ظاهرا لكان صرفه لتلك الوجوه خلاف الظاهر، والأصل عدم ذلك وهذا القدر كاف في حصول ظن التساوي)

стр. 1294

قلنا: ظن التساوي ينشأ عن دليل يدل على التساوي، وأما كون التعارض خلاف الأصل فهذا لا يكفي في ظن التساوي، بل هذا كاف في الترجيح إذا لزم التعارض من شيء ومن شيء آخر لا يلزم التعارض كان المصير إلى عدم التعارض أولى، أما التساوي فإنما ينشأ عن دليل يدل عليه، أو من تعارض أمور مستوية الدلالة متعارضة القوة. قوله: (الأمر المقيد بالصفة مع انتفاء الحكم عن غير المذكور وهو متفق عليه) تقريره: نحو قولنا: من آمن دخل الجنة، ومن كفر دخل النار. قوله: (والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيكون حقيقة في القدر مشترك) قلنا: الحقيقة والمجاز إنما يتصوران في الدلالة باللفظ التي هي استعمال اللفظ، والمفهوم من باب دلالة الالتزام التي هي أحد أنواع دلالة اللفظ، وقد تقدم الفرق بينهما من خمسة عشر وجها ثم إن المقيد بالصفة لم يستعمل لفظة في الثبوت في المنطوق والنفي عن المسكوت حتى يقال: هو حقيقة أو مجاز، وإن أحدهما لازم، بل اللفظ استعمل في المنطوق في الصورتين فقط، والسلب في المسكوت لازم لثبوته في المنطوق، واللازم للشيء قد لا يكون مشعورا به فضلا عن استعمال اللفظ فيه، كمن قال: عندي أربعة دل على لفظه على أنها زوج، وهو لم يستعمل لفظ الأربعة في الزوجية، بل في ملزومها، وإلا لكان اللفظ مجازا، والتقدير أنه استعمله

стр. 1295

حقيقة مع أن ألفاظ الزعداد لا تقبل المجاز؛ لكونها نصوصا، فذكر المجاز والحقيقة هاهنا لا معنى له، ولا أحد يدعيه، ولا تنازع فيه. قوله: (اللزوم منفي، لأنه لا يمتنع اشتراك الصورتين المختلفتين في الحكم). قلنا: قولكم لا يمتنع إشارة إلى الإمكان والاحتمال، وهو غير مناف للظهور الذي ادعاه الخصم؛ فإن الظن من لوازمه الاحتمال في الطرف الآخر، ولازم الشيء لا يفارقه. قوله: (ولا يلزم من كون أحدهما متعلق غرضه كون الصورة الأخرى كذلك). قلنا: ليس كلامنا من كون أحدهما متعلق غرضه كون الصورة الأخرى كذلك). قلنا: ليس كلامنا في الحقائق المتباينة كالإنسان والفرس، والبقر والغنم، فإذا قال: (في الغنم الزكاة) لا يلزم أن يكون في العقار الزكاة؛ لأن هذا من مفهوم اللقب، بل الكلام في هذه المسألة في حقيقة كلية تعتور عليها صفات متباينة، كما يعتور السوم وعدمه على الغنم، فإذن تلك الحقيقة الكلية حاضرة قبل المتلكم؛ لأنه استحضر أحد جزئياتها المقيدة بإحدى صفاتها، فلو كان مراده تلك الحقيقة الكلية من حيث هي هي، كما يقول الخصم مع قطع النظر عن تلك الصفات لما نطق معها: تلك، الصفة الزائدة، بل اقتصر على ذكرها فقط، فحيث ذكر الصفة دل على زنه قصد المجموع المركب من الحقيقة وصفتها، وهذا المجموع ليس ثابتا لها من حيث هي هي، فلا يثبت الحكم لها من حيث هي هي. وهذا هو دلالة مفهوم الصفة، أما الحقائق المتباينة بالكلية فلا. قوله: (لو دل مفهوم الصفة لكان، لأن التخصيص لا بد فيه من غرض).

стр. 1296

قلنا: القائلون بمفهوم الصفة يفرقون بينه وبين مفهوم اللقب؛ فإن مفهوم الصفة فيه رائحة التعليل لأجل الصفة، ويلزم من انتفاء العلة المعلول، فالمعتبر عندهم التخصيص مع ملاحظة التعليل، وهذا المجموع ليس ثابتا للقب لانتفاء التعليل، فلا تصح الملازمة حينئذ ولا يلزم المشاركة المشاركة بين الصورتين في العلية. قوله: (تعليل الأحكام المستوية بالعلل المختلفة خلاف الأصل) تقريره: زن ترتيب الحكم مع الوصف دليل علية ذلك الحكم، فترتيب وجوب الزكاة على السوم دليل علية وصف السوم، فيكون السوم علة وجوب الزكاة أو جزء العلة. والمعلوفة لو وجبت فيها الزكاة لعلة أخرى غير السوم أو ما السوم جزؤه مع أن وجوب الزكاة واحد، فيلزم تعليل الحكم أو ما السوم جزؤه مع أن وجوب الزكاة واحد، فيلزم تعليل الحكم الواحد الذي هو وجوب الزكاة بعلتين مختلفتين وهو باطل، لأن العلل المختلفة مصالحها مختلفة، والأصل تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد واختلافها باختلافها فإذا اختلفت المصلحة وجب أن يختلف الحكم، فلا تتعلل الأحكام المتماثلة بالعلل المختلفة. قوله: (لا نسلم أن تخصيص القادر يفتقر إلى مرجح، لأن الهارب من السبع إذا عن له طريقان مستويان، فإنه يختار سلوك أحدهما لا لمرجع) قلنا: لا نسلم، وكذلك في العطشان مع القدحين المستوين، والجائز مع الرغيفين المستويين يمنع أنه يختار أحدهما لا لمرجح، بل لو فرض عدم المرجح وقف حتى يموت عطشا، زو جوعا، أو أكله السبع. فإن قلت: العادة تحيل ذلك في جبلة البشر. قلت: مسلم، لكن لأن من المحال الاستواء مطلقا، بل لا بد في العادة.

стр. 1297

من المرجح، فكذلك كانت العادة الإقدام دون تأخر، وكان للمصنف أن يسلم لهم زنه لا بد من مرجح في طريقي السبع وغيرهما. ونقول: ذلك المرجح هو الإرادة دون الصفة المذكورة، لأنه قد تقرر في علم (الكلام) أن الإرادة شأنها أن ترجح لذاتها من غير احتياجها لمرجح يعين لها ما يرجحه، وذلك لذاتها غير معلل واستوى في ذلك الإدارة القديمة والحادثة وكان ذلك غير معلل فيها كما كان الكشف للعلم غير معلل فيه وجميع خصائص الحقائق كذلك غير معللة قوله: (ولأن تخصيص الصورة المعينة بالحكم المعين ترجيح من غير مرجح، لأنا بينا عدم الحسن والقبح، وكذلك إحداث العالم في وقت معين) قلنا: لا نسلم أن ذلك من غير مرجح، بل الإرادة هي المرجحة بجميع ذلك كما تقدم. قوله: (في هذا المقام أبحاث دقيقة ذكرناها في كتبنا العلمية) يشير إلي البحث عن حقيقة الإرادة وكون ذلك لذاتها وأنها غير معللة ولزوم التسلسل عن اختصاص وقت حدوث العالم بمرجح؛ لأن الكلام يعود في سبب اختصاصه بذلك الوقت دون ما قبله وما بعده ويلزم التسلسل وهذا المانع نفي الأزل. وعدمه هو المرجح بل يفتقر ذلك لتحقيق الأزل وأنه غير مميز عما لا يزال ونحو ذلك من المباحث. قوله: (الدليل منقوض بتخصيص الاسم) قلنا: من شرط النقض تحقيق جميع المدعي علة أو موجبا في صورة النقض، وهاهنا ليس كذلك؛ لأن الموجب عند الخصم التخصيص مع الإشارة إلى العلية، الإشارة إلى العلية، وهذا المجموع ليس في التخصيص بالاسم

стр. 1298

قوله: (القائلون بالمفهوم في الصفة اتفقوا على عدم دلالته في قوله: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا) [النساء:٣٥] تقريره: أن الشقاق هو التسوية وقد أوجب الله تعالى بعثة الحكمين عند خوف ذلك، ومفهومه أنه لا يجب إلا إذا خفنا ذلك، مع أنه يجب الكشف مطلقا، خفنا الفرقة أم لا، لكن لما كان الغالب أنا لا نبعث إلا في هذه الحالة، لم يكن له مفهوم، وكذلك الخلع في الغالب أنا لا نبعث لا يكون إلا عند الشقاق، وهو معنى قول العلماد: إن الكلام متى خرج مخرج الغالب لا يكون له مفهوم، بمعنى أنه متى كانت الصفة غالبة علي ذلك المحل لا يكون له مفهوم. وبهذا الطريق حصل الرد على من يقول: المعلوفة لا زكاة فيها لمفهوم الحديث، فإن السوم غالب على أغنام الدنيا لا سيما أغنام (الحجاز) فلا يكون للحديث مفهوم يستدل به على عدم الزكاة في المعلوفة وكذلك قوله ﵇: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل).

стр. 1299

تقريره: أن مفهومه: زن وليها إذا أذن صح عقدها على نفسها، والخصم لا يقول به أعني الشافعي والمالكي، لكن هذا خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن المرأة لا تنكح نفسها إلا ووليها غير آذن كاره لذلك، فلا يكون له مفهوم ألبتة. (سؤال) قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام: هذه القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم، ويكون حجة بخلاف إذا لم يكن غالبا، لأن الوصف الغالب علي الحقيقة تكون العادة دالة علي ثبوتهخ لتلك الحقيقة، فالمتلكم يكتفي بدلالة العادة علي ثبوته لها عند ذكر

стр. 1300

اسمه، أما إذا لم تكن العادة دالة عليها، فأمكن أن يقال: أتى المتكلم باسم تلك الصفة ليبين للسامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة، أما الغالبة فتكتفي العادة فيها العادة فيها، فإذا أتى بها مع أن العادة كافية فيها دل ذلك على أنه إنما أتى بها ليدل بها على سلب الحكم عن المسكوت عنه لانحصار الحقيقة. جوابه: أن الصفة إذا كانت غالبة صارت لازمة لتلك الحقيقة في الذهن، وذلك سبب الملازمة الخارجية فينطق بها السامع، لأنه وجدها في ذهنه مع الحقيقة، لا أنه استجلبها ليفيدنا أن التقييد بها بها سلب الحكم عن المسكوت عنه، أما إذا لم تكن غالبة، فإنه قد استجلبها عن قصد إليها لينتفي الحم عن المسكوت عنه بالتقييد بها فهذا هو سر قولهم: الكلام إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له. قوله: (تعليق الحكم على في جنس كقوله ﵇: (في سائمة الغنم الزكاة) هل يقتضي نفيه عما عداه في ذلك الجنس أو في سائر الأجناس؟) تقريره: أن المفهوم هو نقيض المنطوق، فهو يقول: (ما ليس بسائمة لا زكاة فيه؟ فعلى هذا يستدل بهذا الحديث على عدم وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح، وعلى عدمها في الخيل.
следующие страницы →