← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قلنا: القائلون بمفهوم الصفة يفرقون بينه وبين مفهوم اللقب؛ فإن مفهوم الصفة فيه رائحة التعليل لأجل الصفة، ويلزم من انتفاء العلة المعلول، فالمعتبر عندهم التخصيص مع ملاحظة التعليل، وهذا المجموع ليس ثابتا للقب لانتفاء التعليل، فلا تصح الملازمة حينئذ ولا يلزم المشاركة المشاركة بين الصورتين في العلية. قوله: (تعليل الأحكام المستوية بالعلل المختلفة خلاف الأصل) تقريره: زن ترتيب الحكم مع الوصف دليل علية ذلك الحكم، فترتيب وجوب الزكاة على السوم دليل علية وصف السوم، فيكون السوم علة وجوب الزكاة أو جزء العلة. والمعلوفة لو وجبت فيها الزكاة لعلة أخرى غير السوم أو ما السوم جزؤه مع أن وجوب الزكاة واحد، فيلزم تعليل الحكم أو ما السوم جزؤه مع أن وجوب الزكاة واحد، فيلزم تعليل الحكم الواحد الذي هو وجوب الزكاة بعلتين مختلفتين وهو باطل، لأن العلل المختلفة مصالحها مختلفة، والأصل تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد واختلافها باختلافها فإذا اختلفت المصلحة وجب أن يختلف الحكم، فلا تتعلل الأحكام المتماثلة بالعلل المختلفة. قوله: (لا نسلم أن تخصيص القادر يفتقر إلى مرجح، لأن الهارب من السبع إذا عن له طريقان مستويان، فإنه يختار سلوك أحدهما لا لمرجع) قلنا: لا نسلم، وكذلك في العطشان مع القدحين المستوين، والجائز مع الرغيفين المستويين يمنع أنه يختار أحدهما لا لمرجح، بل لو فرض عدم المرجح وقف حتى يموت عطشا، زو جوعا، أو أكله السبع. فإن قلت: العادة تحيل ذلك في جبلة البشر. قلت: مسلم، لكن لأن من المحال الاستواء مطلقا، بل لا بد في العادة.

стр. 1297

من المرجح، فكذلك كانت العادة الإقدام دون تأخر، وكان للمصنف أن يسلم لهم زنه لا بد من مرجح في طريقي السبع وغيرهما. ونقول: ذلك المرجح هو الإرادة دون الصفة المذكورة، لأنه قد تقرر في علم (الكلام) أن الإرادة شأنها أن ترجح لذاتها من غير احتياجها لمرجح يعين لها ما يرجحه، وذلك لذاتها غير معلل واستوى في ذلك الإدارة القديمة والحادثة وكان ذلك غير معلل فيها كما كان الكشف للعلم غير معلل فيه وجميع خصائص الحقائق كذلك غير معللة قوله: (ولأن تخصيص الصورة المعينة بالحكم المعين ترجيح من غير مرجح، لأنا بينا عدم الحسن والقبح، وكذلك إحداث العالم في وقت معين) قلنا: لا نسلم أن ذلك من غير مرجح، بل الإرادة هي المرجحة بجميع ذلك كما تقدم. قوله: (في هذا المقام أبحاث دقيقة ذكرناها في كتبنا العلمية) يشير إلي البحث عن حقيقة الإرادة وكون ذلك لذاتها وأنها غير معللة ولزوم التسلسل عن اختصاص وقت حدوث العالم بمرجح؛ لأن الكلام يعود في سبب اختصاصه بذلك الوقت دون ما قبله وما بعده ويلزم التسلسل وهذا المانع نفي الأزل. وعدمه هو المرجح بل يفتقر ذلك لتحقيق الأزل وأنه غير مميز عما لا يزال ونحو ذلك من المباحث. قوله: (الدليل منقوض بتخصيص الاسم) قلنا: من شرط النقض تحقيق جميع المدعي علة أو موجبا في صورة النقض، وهاهنا ليس كذلك؛ لأن الموجب عند الخصم التخصيص مع الإشارة إلى العلية، الإشارة إلى العلية، وهذا المجموع ليس في التخصيص بالاسم

стр. 1298

قوله: (القائلون بالمفهوم في الصفة اتفقوا على عدم دلالته في قوله: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا) [النساء:٣٥] تقريره: أن الشقاق هو التسوية وقد أوجب الله تعالى بعثة الحكمين عند خوف ذلك، ومفهومه أنه لا يجب إلا إذا خفنا ذلك، مع أنه يجب الكشف مطلقا، خفنا الفرقة أم لا، لكن لما كان الغالب أنا لا نبعث إلا في هذه الحالة، لم يكن له مفهوم، وكذلك الخلع في الغالب أنا لا نبعث لا يكون إلا عند الشقاق، وهو معنى قول العلماد: إن الكلام متى خرج مخرج الغالب لا يكون له مفهوم، بمعنى أنه متى كانت الصفة غالبة علي ذلك المحل لا يكون له مفهوم. وبهذا الطريق حصل الرد على من يقول: المعلوفة لا زكاة فيها لمفهوم الحديث، فإن السوم غالب على أغنام الدنيا لا سيما أغنام (الحجاز) فلا يكون للحديث مفهوم يستدل به على عدم الزكاة في المعلوفة وكذلك قوله ﵇: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل).

стр. 1299

تقريره: أن مفهومه: زن وليها إذا أذن صح عقدها على نفسها، والخصم لا يقول به أعني الشافعي والمالكي، لكن هذا خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن المرأة لا تنكح نفسها إلا ووليها غير آذن كاره لذلك، فلا يكون له مفهوم ألبتة. (سؤال) قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام: هذه القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم، ويكون حجة بخلاف إذا لم يكن غالبا، لأن الوصف الغالب علي الحقيقة تكون العادة دالة علي ثبوتهخ لتلك الحقيقة، فالمتلكم يكتفي بدلالة العادة علي ثبوته لها عند ذكر

стр. 1300

اسمه، أما إذا لم تكن العادة دالة عليها، فأمكن أن يقال: أتى المتكلم باسم تلك الصفة ليبين للسامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة، أما الغالبة فتكتفي العادة فيها العادة فيها، فإذا أتى بها مع أن العادة كافية فيها دل ذلك على أنه إنما أتى بها ليدل بها على سلب الحكم عن المسكوت عنه لانحصار الحقيقة. جوابه: أن الصفة إذا كانت غالبة صارت لازمة لتلك الحقيقة في الذهن، وذلك سبب الملازمة الخارجية فينطق بها السامع، لأنه وجدها في ذهنه مع الحقيقة، لا أنه استجلبها ليفيدنا أن التقييد بها بها سلب الحكم عن المسكوت عنه، أما إذا لم تكن غالبة، فإنه قد استجلبها عن قصد إليها لينتفي الحم عن المسكوت عنه بالتقييد بها فهذا هو سر قولهم: الكلام إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له. قوله: (تعليق الحكم على في جنس كقوله ﵇: (في سائمة الغنم الزكاة) هل يقتضي نفيه عما عداه في ذلك الجنس أو في سائر الأجناس؟) تقريره: أن المفهوم هو نقيض المنطوق، فهو يقول: (ما ليس بسائمة لا زكاة فيه؟ فعلى هذا يستدل بهذا الحديث على عدم وجوب الزكاة في الحلي المتخذ لاستعمال مباح، وعلى عدمها في الخيل.

стр. 1301

والبقر، وسائر الأجناس، لأنها ليست بغنم سائمة، فلا يكون فيها زكاة؟ ونقول: قاعدة العرب أن نقيض المركب عندهم النقيض في ذلك المركب دون غيره، فإذا قلنا: لا يذوق أهل الجنة الموت فيها، ليس نقيضه: ذاقوا الموت، حتى نقول: ذاقوا الموت فيها، وكذلك قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) [البقرة:١٨٨] نقيضه: فكلوها بالباطل ولم يرد الله تعالى بل كلوها بالسبب الحق، فليس نقيضا لها وإلا كان الاستثناء في الاثنين متصلا، ولكنهم قالوا: هو منقطع لأجل أنه حكم بغير النقيض فيما بعد (إلا)، فنقيض المركب أبدا لا بد أن تأخذ فيه جميع القيود التي في المركب فعلى هذا القول ما ليس بسائمة من الغنم ولا نقول: ماليس بسائمة، ونسكت عن قولنا: (من الغنم) فلا يدل إلا على نفي الحكم عن معلوفة الغنم خاصة.

стр. 1302

قوله: (لنا أن المفهوم مقتضى النطق، ولما كان النطق يقتضي سائمة الغنم، فيقتضي مفهومه معلوفة الغنم) قلنا: لا يكاد يوجد في النسخ كلها مقتضى النطقب بالميم وبالياء من الاقتضاء، وإنما الحق (نقيض) بالنون من التناقض؛ لأن المفهوم نقيض المنطوق، لا أنه مقتضاه، فالظاهر أنها سبق قلم من المصنف ثم اطردت في النسخ، ثم كلامه غير ملخص، فإنه إذا قال: المفهوم نقيض المنطوق من التناقض فما هو النقيض، هل هو السلب مطلقا، أو السلب عن ذلك المركب خاصة لم يبين ذلك، فيبقى كلامه غير مفيد لإبطال مذهب خصمه. قوله: (احتجزوا بأن السوق يجري مجرى العلة لوجوب الزكاة، ويلزم من عدم العلة الحكم) تقريره: أن ترتيب الحكم علي الوصف يقتضي علية ذلك الوصف لذلك الحكم، وعدم العلة لعدم المعلول، فحيث وجد عدم السوم يلزم عدم وجوب الزكاة ليعم السلب جميع صور عدم الوصف في جميع الأجناس. قوله: (والجواب سوم الغنم لا مطلق السوم، فاندفع ماقالوه). قلنا: لا يندفع ماقالوه بهذا، لأن جميع الصور وجد فيها عدم علة الوجوب، سواد فسرناها بسوم الغنم أو بمطلق السوم، وذلك صادق في معلوفة البقر، والإبل والحلى وجميع هذا الأجناس، بل كأنه يريد أنه إذا كان سوم الغنم هو المنطوق يقتضي أن يثبت النقيض باعتبار ذلك المركب خاصة، فيكون المفهوم ما ليس بسائمة من الغنم، كما تقدم تقريره.

стр. 1303

(تنبيه) زاد التبريزي فقال: إن قول المصنف في أول أدلته: (لو دل الدليل إما بلفظه أو معناه) الحصر غير ثابت ، لأن قرينة التخصيص التي يدعونها خارجة عن القسمين، ودلالة المعنى لا تنحصر في الملازمة، وقاس على مفهوم اللقب، والفرق ظاهر. وجوابه: أن قرينة التخصيص توجب الملازمة بين ثبوت الحكم في المنطوق وعدمه في المسكوت، فهي راجعة إلى ما قاله المصنف، وقوله: (دلالة المنطوق لا تنحصر في الملازمة) قلنا: لا نعني بدلالة المعنى إلا ذلك، ثم قال: من جملة فوائد التخصيص بالذكر كون المذكور محل الإشكال كما يقول الشافعي ﵁: يصح، أما أن العبد المحجور عليه في القتال، مع أن الحر المحجور وغير المحجور عليه سواء، أو كونه هو الأعم الأغلب، أو المعتاد، أو المعتاد الواقع في الوجوب، ولهذا قلنا: لا مفهوم لقوله ﵇: (بثلاثة أحجار) لأنه المعتاد، ولا بقوله تعالى: (بئسما يأمركم به إيمانكم) الآية) [البقرة:٩٣] ومن ثم قال: وجواب المصنف بالاتفاق وسبق اللسان باطل لتطرفه لتطرقه للصريح في النطق ولأنا إنما ندعي الدلالة إذا أمناها وتوهم أنه هو الحاضر في الذهن لا يقدح في مفهوم التقييد مع تقدير.

стр. 1304

الذكر باللفظ العام الشامل، يريد أنه ينطق باسم يشمل الحقيقة التي تعرض لها الصفتان وقولهم: (المطلوب فائدة الذكر باللفظ العام) قلنا: المطلوب فائدة التخصيص بمعنى بالوصف مع ذكر المطلق واقتطاعه عن الأمر العام، وأما ما ذكره المصنف من فوائد التخصيص فلا شك في إمكانها لكنه لا دليل عليها، ولا يمكن دفع الدلالة بمجرد الاحتمال، وأما ماذكروه من الاحتراز عن الخطأ لا يتصور في كلام الشرع، ولا في الإنشاء من كلام غيره، يعني أن الكذب لا يتصور إلا في الخبر دون الإنشاء والاحتراز عن التخصيص إنما يتصور عند إمكان قيام الدليل المخصص،،كيف يصور ذلك مع فرض إرادة العموم، وإمكان الاغترار بالشبهة في غاية البعد ولا يوازي خطره خطر عدم الحكم عن محل الثبوت بسبب سبق الذهن عند التخصيص. وأما اتقاء محل الاجتهاد، فإنما ينقدح إذا لم يفرض دلالة التخصيص على نفي الحكم، فإنه إذا فرض كان منصوصا عليه، والكلام فيه على أن المجال باق بغرض الدلال ببذل النظر في تحقيقها، وتحقق السلامة عما عداه من مستندات التخصيص المحتملة، وخلو محل الدلالة عن المعارض ثم نقول: لا يخفي إذا اقتضت الحال التسوية بتقدير عموم الحكم كان التخصيص بالذكر إلغازاوإلباسا، كقوله: دخلت السوق، فعرض على تركي وحبشي، وأبلق، وأدهم فاشتريت التركي والأدهم، فإنه يفهم منه الحصر حتى يتبين خلافه عد الكلام إلغازا وإن كان الكلام لم يوضع للحصر، وكذلك لو قال: إن الله تعالى خلق لكم الأنعام، ومتعكم بها، وفرض عليكم الزكاة في الإبل، فإنه يفهم منه الحصر، بقرينة التخصيص، وهذا مما يتعرف به العقلاء في مخاطبتهم، ومستنده قرينة الحال المقتضية للتسوية بينمها في البيان

стр. 1305

المقصود من الذكر، فتقدير شمول الحكم ينكر التخصيص، إذا تقرر هذا فنقول: القرينة لازمة مفهوم التقييد، فإذا قال الرسول في معرض بيان الحكم وتبليغ الشرع: (من باع نخلة)، فإن كان الحكم واحدا، فجوابه: فثمرتها للبائع، فقوله: (مؤبرة) إبهام بخلاف المراد ضائع وموجب لقصور البيان، لا يليق بالشارع وهذا هو معنى كلام الشافعي في تقرير المفهوم على أن نقول: إذا لم يكن بد من فائدة فالاحتراز وتحرير محل الحكم فائدة متأصلة خاصة بهذا التقييد، فالتنزيل عليه يكون أظهر. (تنبيه) قال التبريزي: (المفهوم يتفاضل في القوة فأضعفها مفهوم اللقب، ثم مفهوم اسم الجنس، واسم المعنى ، كقوله: (في الإبل صدقة) وفي (الطعام بالطعام مثل بمثل بمثل) وهو قريب من الأول، فإن الطعام والإبل لقب، لأن اسم الجنس يمكن أن يشتق منه مفهوم الصفة، لأن الصفة تذكر بالموصوف، لأن محل اعتوارها، ثم مفهوم التقييد لانسداد باب هذا الاحتمال) قلت: يريد بمفهوم الصفة الصفة المنفردة دون موصوف كقوله ﵇: (الثيب أحق بنفسها). وبالتقييد: ذكرها مع الموصوف، نحو: (في الغنم السائمة). لانسداد باب احتمال التردد بين موصوفات لتعينه بذكره

стр. 1306

ثم قال: (فإن قيل إذا كان مستند آثاره دلالة المفهوم امتناع الغفلة عن السكوت أو بعده، فكيف يتصور ذلك في حق الله تعالى؟ وكيف يفرق في حقه بين العلم والصفة وعلم الله تعالى محيط بجميع المعلومات) (قلنا: إذا ثبت ذلك في عرف التخاطب نزل خطاب الله تعالى عليه) قلت: يريد أن القرآن أنزل بلغة العرب، وأما قوله: مستند المفهوم امتناع الغفلة فمستدرك، لأن دلالة المفهوم من باب دلالة اللفظ التي لا يشترط فيها الشعور، ولا القصد، بل اللفظ يفهم منه ذلك بطريق الملازمة، وإن لم يخطر ببال المتكلم، كما أن اللفظ يفهم منه الحقيقة عند التجرد، وإن أراد المتكلم أجاز فقط، فاعلم ذلك. قال: (الرتبة الخامسة: مفهوم الشرط. السادسة: مفهوم الغاية. السابعة: مفهوم الحصر، كقوله ﵇، (الماء من الماء) ومستنده شمول الألف واللام واستغراقهما، فإن المبتدأ يجب ألا يكون أعم ويشهد له قول العلماء إنه منسوخ بحديث عائشة ﵂ وهو لم يرفع منطوقهفدل على أن للحصر فهو المرتفع وأصرح منه في الحصر (إنما الماء من الماء) قلت: إذا قلنا: إن العرب وضعت المركبات فيكون وضعت المبتدأ والخبر على أن يكون المبتدأ أخص أو مساويا، فيكون دلالة هذا اللغظ المركب على هذا المعنى وكونه محظورا فيه مطابقة، [كما أن دلالة الرفع على خبر (إن) والنصب على خبر (كان) اسمها مطابقة] وبالجملة كل ما قصدته العرب بوضعها كان مطابقة كان اللفظ الدال مفردا أو مركبا وعلمت أيضا أن

стр. 1307

أبا علي الفارسي قال في: (الحليبات): إن (ما) للنفي، فيكون النفي مدلولا مطابقة ولا شيء من المفهوم بمطابقة، ولا من المطابقة بمفهوم، فلا يتجه كلام التبريزي فيه. قال: (الرتبة الثامنة: مفهوم الاستثناء الذي اعترف به كل محصل ونفاه غلاة المفهوم، كقولنا: لا فتى إلا علي، ولا عالم في البلد إلا زيد) قلت: هذه صيغة حصر، فتندرج فيما تقدم، وإنما كان ينبغي أن يمثل: بقولنا: قام القوم إلا زيدا، إن كان مراده الاستثناء من حيث هو استثناء وإن أراد الاستثناء مع الحصر إذا اجتمعا، فان ينبغي أن ينبه عليه. (تنبيه) عبر تاج الدين في (فهرسة المسألة)، فقال: تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات لا ينفي تعلقه بالأخرى وهو أصرح من قول (المحصول): الأمر المقيد بالصفة، فإن لفظ (المحصول) يحتمل أن تكون الصفة مجردة عن الموصوف، نحو (الثيب أحق بنفسها) ومقصود (المحصول) إنما هو ماقاله تاج الدين.

стр. 1308

المسألة الحادية عشرة في أن الآمر هل يدخل تحت الأمر ذكر أبو الحسين البصري فيه تفضيلا لطيفا فقال: هذا الباب يتضمن مسائل: أولها: أنه، هل يمكن أن يقول الإنسان لنفسه: (افعل) مع أنه يريد ذلك الفعل؟ ومعلوم أنه لا شبهة في إمكانه وثانيها: أن ذلك هل يسمى أمراً؟ والحق أنه لا يسمى به، لأن الاستعلاء معتبر في الأمر، وذلك لا يتحقق إلا بين شخصين، ومن لا يعتبر الاستعلاء فله أن يقول: إن الأمر طلب الفعل بالقول من الغير، فإذا لم توجد المغايرة، لا يثبت اسم الأمر. وثالثها: أن ذلك، هل يحسن أم لا؟ والحق: أنه لا يحسن لأن الفائدة من الأمر إعلام الغير كونه طالبا لذلك الفعل ولا فائدة في إعلام الرجل نفسه مافي قلبه ورابعها: إذا خاطب الإنسان غيره بالأمر هل يكون داخلا فيه؟ والحق أنه: إما أن ينقل أمر غيره بكلام نفسه، أو بكلام ذلك الغير: أما الأول: فإن كان يتناوله، دخل فيه، وإلا لم يدخل فيه. مثال الأول: أن نقول: إن فلانا يأمرنا بكذا ومثال الثاني: أن نقول: إن فلانا يأمركم بكذا.

стр. 1309

وأما الثاني: فكقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) [النساء:١١] فهذا يدخل الكل فيه، لأن ذلك خطاب مع جملة المكلفين فيتناولهم بأسرهم إلا من خصه الدليل والله أعلم المسألة الحادية عشرة الآمر هل يدخل تحت الأمر قال القرافي: قوله: (الاستعلاء في الأمر وهو لا يتحقق إلا بين شخصين).

стр. 1310

قلنا: اجتمع في الإنسان العقل والنفس بالضرورة، ولذلك نجد العقل يميل إلى شيء والنفس تكرهه فجاز أن يأمر العقل النفس، فيتصور حينئذ الاستعلاء والعلو، لأن العقل جاز أن يقهر النفس ويغلظ عليها، وهو أعلى منها رتبة، فسمي حينئذ آمرا. ويتصور أيضا: بأنه طلب من الغير، فإن النفس غير العقل، ويدل على تسميته أمرا قوله تعالى: (إن النفس لأمارة بالسوء) [يوسف:٥٣] فسماها أمارة، والمقصود بأمر صاحبها، والأصل في الاستعمال الحقيقة. قوله: (فائدة الأمر إعلام الغير) قلنا: لا نسلم، بل الإعلام هو الإخبار، أو إدخال الإنسان في العلم، نحو: أسمعته، أي أأدخلته في السماع، وهما غير الأمر، لأن الأمر هو الطلب الجازم، وهو ليس بإعلام، ولا إخبار، بل الإخبار يلزمه. كما يقول بعضهم: إنه إخبار عن العقوبة على تقدير الترك، فهذا لازم، ليس مقصودا بالذات، ولا يدخله التصديق والتكذيب، وليس كذلك ومقصود الأمر: طلب تحصيل تلك المصلحة التي هي في ضمن الفعل،

стр. 1311

وذلك متصور بين النفس والعقل، فيطلب من النفس تلك المصلحة التي تحصل في المعاد أو المعاش، أو فيهما معا قوله: (إن فلانا يأمركم بكذا) تقريره: أن الكاف وضعت للخطاب، والخطاب لا يدخل فيه المتكلم، ولا الغائب. (تنبيه) قال التبريزي ليس فيها كبير فائدة، فإن اللفظ إن لم يصلح لتناوله وضعا كقوله: (افعلوا) و (أوجب عليكم) فلا وجه لتخيل الاندراج وإن صلح فلا سبيل للإخراج إلا بقرينة، فإن كونه مخاطبا لا يصلح لمعارضة دلالة الوضع، ونظير عدم القرينة قوله تعالى: (والله بكل شيء عليم) [البقرة:٢٨٢] وقول القائل: (كل نفس ذائقة الموت) [آل عمران:١٨٥]، وكل أمر مكلف بفعله ومحاسب عليه، وقوله ﵇: (لن ينجو أحدكم بعمله) قالوا: ولا أنت يا رسول الله، فقال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ومثال القرينة: قوله تعالى: (والله على كل شيء قدير) [آلبقرة:٢٨٤] وقول القائل: (لا يغلبني أحد، ولا يقابلني بشر، ولا ناظرت أحدا إلا غلبته)، وإذا انقدحت القرينة، فلا خاصية للمخاطبة

стр. 1312

المسألة الثانية عشرة في الأمر الوارد عقيب الأمر بحرف العطف وبغير حرف العطف القائل إذا قال لغيره: (افعل) ثم قال له: (افعل) لم يخل الأمر الثاني: إما أن يتناول مخالف ما يتناوله الأمر الأول أو ممثاله. فرن تناول ما يخالفه اقتضى شيئا آخر لا محالة، وهو ضربان: أحدهما: يصح اجتماعه مع الزول، والاخر لا يصح: فالذي يصح اجتماعه مع الأول يجب على المأمور فعلهما: إما مجتمعتين أو مفرقين إلا أن تدل دلالة منفصلة على وجوب الجمع أو وجوب التفريق مثاله: قول القائل لغيره: صل، صم. وأما ما لا يصح أن يجتمع مع الأول فتارة لا يصح عقلا كالصلاة الواحدة في مكانين وتارة لا يصح سمعا كالصلاة والصدقة وكلا القسمين لا يصح الأمر بفعلهما إلا مفترقين. أما إذا تناول الأمر الثاني مثل ماتناوله الأمر الأول: فلا يخلو: إما أن يكون ذلك المأمور به يصح التزايد فيه أو لا يصح: فإن صح: فإما أن يكون الأمر الثاني غير معطوف على الأول أو يكون معطوفا عليه:

стр. 1313

فإن لم يكن معطوفا عليه فعند القاضي عبدالجبار بن أحمد: أنه يفيد غير ما يفيده الأول: إلا أن تمنع العادة من ذلك، أو يرد الأمر الثاني معرفا، وهذا هو المختار وقال أبو الحسين البصري: الأشبه الوقف. مثال ماتمنع منه العادة قول القائل لغيره: (استقني ماء اسقني ماء) فالعادة تمنع من تكرار سقيه في حالة واحدة في الأكثر. ومثال ما يعرى عن كلا القسمين قول القائل لغيره: (صل غدا ركعتين صل غدا ركعتين) والدليل على أنه يفيد غير ما يفيد الأول وجهان: الزول أن الأمر يقتضي الوجوب، والفعل الأول وجب بالأمر الأول فيستحيل وجوبه بالأمر الثاني، لأن تحصيل الحاصل محال فلو انصرف الأمر الثاني إلي الفعل الأول، لزم حصول ما يقتضي الوجوب من غير حصول الأثر وذلك غير جائز فوجب صرفه إلي فعل آخر. الثاني: أنا لو صرفنا الأمر الثاني إلي عين ما هو متعلق الأمر الأول، لكان الزمر الثاني تأكيدا ولو صرفناه إلي غيره لأفاد فائدة زائدة وإذا وقع التعارض بين أن يفيد الكلام فائدة أصلية وبين أن يفيد تأكيدا فلا شك حمله على الأول أولى. وأما إن كات الأمر الثاني معطوفا على الأول، فإن لم يكن معرفا فإنه يفيد غير ما يفيده الأول، لأن الشيء لا يعطف على نفسه.

стр. 1314

مثاله أن يقول القائل لغيره: (صل ركعتين، وصل ركعتين) فأما إن كان الثاني معطوفا على الزول، ومعرفا كقول القائل لغيره: (صل ركعتين وصل الصلاة) فعند أبي الحسين: أن الأشبه هو الوقف، فإن يمكن أن يقال: يجب حمله على تلك الصلاة، لأجل لام التعريف ويمكن أن يقال: بل يجب حمله على صلاة أخرى، لأجل العطف، وليس أحدهما بأولى من الآخر فوجب التوقف. وعندي: أن هذا الأخير أولى، لأن لام الجنس قد تكون لتعريف الماهية، كما قد تكون لتعريف المعهود السابق، وبتقدير أن تكون للمعهود السابق فيمكن أن يكون المعهود السابق هو الصلاة التي تناولها الأمر الأول، ويمكن أن تكون صلاة أخرى تقدم ذكرها، وإذا كان كذلك بقي العطف سليما عن المعارض. أما إذا كان الثاني أمرا بمثل ما تناوله الأمر، وكان ذلك مما لا يصح فيه التزايد في المأمور به؛ فلا يخلو: إما أن يمتنع ذلك عقلا كقتل زيد وصوم يوم. أو يمتنع ذلك شرعا، كعتق زيد، فإنه قد كان يجوز أن يتزايد عتقه، ويقف تمام حريته على عدد؛ كالطلاق وإذا لم يصح التزايد في المأمور به لم يخل الأمران: إما أن يكونا عامين أو خاصين، أو يكون أحدهما عاما، والاخر خاصا. وإذا لم يصح التزايد في المأمور به، لم يخل الأمران: إما أن يكونا عامين، أو خاصين، زو يكون أحدهما عاما والآخر خاصا. فإن كانا عامين أو خاصين، وجب أن يكون مأمورهما واحدا، وأن يكون الأمر الثاني تأكيدا للأول، سواء ورد مع حرف العطف، أو بدونه. مثال العامين بحرف عطف: قول القائل لغيره: (اقتل كل إنسان واقتل كل إنسان)

стр. 1315

ومثاله بلا حرف عطف: أن يسقط من الأمر الثاني حرف العطف. ومثال الخاصين بحرف عطف، وبغير حرف عطف قوله: (اقتل زيدا، واقتل زيدا) وقوله: (اقتل زيدا واقتل زيدا) وأما إذا كان زحدهما عاما والآخر خاصا سواءتقدم العام أو الخاص فالأمر الثاني: إما أن يكون معطوفا على الأول، أو غير معطوف عليه؛ فإن كان معطوفا عليه فمثاله: قول القائل: (صم كل يوم، وصم يوم الجمعة) فقال بعضهم: إن يوم الجمعة لا يكون داخلا تحت الكلام الأول، ليصح حكم العطف. والأشبه: الوقف؛ لأنه ليس ترك ظاهر العموم أولى من ترك ظاهر العطف، وحمله على التأكيد. وأما إذا كان الزمر الثاني غير معطوف فمثاله: قول القائل: (صم كل يوم، صم يوم الجمعة) فها هنا عموم أحد الأمرين دليل على أن الآخر ورد تأكيدا لأنه لم يبق من ذلك الجنس شيء لم يدخل تحت العام، والله أعلم. المسألة الثانية عشرة في الأمر الوارد عقيب الأمر بحرف العطف وبغير حرف العطف. قال القرافي: قوله: (إن أمكن اجتماع الثاني مع الأول فعلهما إما مجتمعين أو مفترقين.

стр. 1316

......................................

стр. 1317

قلنا: ذلك يتخرج على الخلاف في أن الأمر على الفور أم لا؟ فإن قلنا به قلنا مجتمعين، ليس إلا. قوله: (لا ييضح اجتماعهما معا كالصلاة مع الصدقة) إنما يتجه في الصدقة العظيمة التي تخل بنظام الصلاة، نحو تفرقة مائة دينار على ما ئة مسكين على التعاقب أما الصدقة اليسيرة، كمد اليد بدرهم فلا ينافي ذلك الصلاة قوله: (لام الجنس تنصرف إلى العهد) يريد: بالقرينة، وإلا فالأصل حملها على العموم كما في قوله تعالى: (كما أرسلنا إلي فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول) [المزمل:١٦] أي المتقدم ذكره لأن من المعلوم أن فرعون لم يعص كل رسول؛ فتعين العهد. قوله: (يستحيل إيجاب الفعل الأول بالأمر الثاني) يريد: إنشاء الوجوب فيه، أما تأكيده فلا يمتنع. قوله: (لو انصرف الأمر الثاني للفعل الأول لزم حصول ما يقتضي الوجوب من غير حصول الأثر، وهو غير جائز). قلنا: إن أردتم أنه مرجوح فحق، لأن الأصل عدم التأكيد، وأن تكون الألفاظ مشتبهة، وإن أردتم أنه محال عقلا فممنوع، لأنه تأكيد، وهو جائز وواقع لغة، وعرفا، وشرعا.

стр. 1318

ومراده بالأثر: المدلول، وحصول الدليل بدون المدلول جائز، لكنه مرجوح، ويترجح أنه أراد غير التأكيد، لأنه جعل الوجه الثاني هو لتأكيد فيلزم أن يكون الوجهان وجها واحدا لولا أنه يريد التعذر العقلي فأحد الأمرين يلزمه إما إبطال دعواه، أو اتحاد الدليلين. قوله: (الشيء لا يعطف علي نفسه): قلنا: أما إذا اتحد اللفظ فمسلم، وأما إذا تعذر فيجوز كما قال الله تعالى عن يعقوب ﵇: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) [يوسف:٨٦] والحزن: البث، وقوله: (عسر ويسر)، قالوا: معناهما واحد، وحسن العطف للمغايرة في اللفظ قوله: (معناهما حمله على التعدد أولى). تقريره: أن (لام الجنس) كثر التجوز بها في العهد، وبيان حقيقة الجنس دون استغراقه كقوله لعبده: (اشتر لنا اللحم والفحم) يريد من هذين: لا يقصد معينا، ولا اتغراق جميع الأفراد، وتكون زائدة، نحو قول الشاعر [الطويل]: يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا ... إلي ربنا صوت الحمار اليجدع وتكون للمح الصفة كدخولها في الفضل والعباس وللموازنة في الكلام نحو: هذا الرجل؛ ليستويا في صورة التعريف، وللتزين نحو قولهم: دل الدليل على كذا، وليس المراد إلا دليلا في الجملة، غير أن (اللام) في الكلام كالخلقة في الأجسام، فأتى بها لذلك وإن أكثر التجوز بها، والواو العاطفة لم يكثر التجوز بها، لذلك فالأقل مجاز الراجح.

стр. 1319

قوله: (كان ممكن أن يتزايد عتقه، ويقف تمام حريته علي عدد معين كالطلاق) تقريره: أنه إذا قال لعبده: أنت حر يحصل أصل التحريم في المنافع، كما يحصل أصل التحريم في الطلاق الرجعي، ولا يعتق بالكلية، فإذا كرر قوله ثلاث مرات عتق بالكلية كما تطلق المرأة بالكلية، وهذا ممكن عقلا غير أن الشرع لم يرد به. قوله: (ليس ترك ظاهر العطف أولى من ترك ظاهر العموم). قلنا: الذي التزمتموه في (لام) التعريف من الترجيح مع (الواو) يأتي هاهنا: فإن العموميات كثر فيها التخصيص حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص إلا قوله تعالى: (والله بكل شيء عليم) [البقرة:٢٨٢] والعطف لم يحصل فيه مثل هذه المخالفة، وهذا المجاز، فكان العطف أولى من العموم لا سيما والعموم مختلف في أصله هل له حقيقة أم لا؟ والعطف متفق عليه. (تنبيه) لا يلزم من كون أحدهما عاما، والآخر خاصا بناء العام على الخاص، لأن شرط تخصيص العام بالخاص كون الخاص منافيا للعام، وهاهنا الحكم واحد متماثل، فلا يصح التخصيص، إنما يبقى الكلام هل أريد الخاص بصيغة العموم أم لا؟ ووالمشهور عند الأدباء في مثل هذا تناول العام والخاص، وأن العرب إذا اهتمت ببعض أنواع العام أفرد بالذكر لبعده عن التخصيص والإخراج من العموم، فلا يبقى السامع بعد ذلك يتوهم إخراجه، وإن توهم إخراج غيره.

стр. 1320

كقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) [النحل:٩٠]، ومع أن (البغي) اندرج في (المنكر)، لكنه أعظم أنواع المنكر، فأفرد اهتماما به، واندرج (وإيتاء ذي القربى) في (الإحسان) لكنه أفضل فأفرد بالذكر، وكذلك قوله تعالى: (وملائكته ورسله وجبريل وميكال) [البقرة:٩٨] أفرد بالذكر لأفضليته عليهم، وليس منه قوله تعالى: (فيها فاكهة ونخل ورمان) [الرحمن:٦٨] لعدم العموم الشامل في فاكهة لكونها نكرة في سياق الإثبات فلا تعم، كما اندرج الرمان فيها، وكثير من الناس يتوهمونه منه.

стр. 1321

القسم الثاني في المسائل المعنوية والنظر فيها في أمور أربعة النظر الأول في الوجوب والبحث: إما عن أقسامه، أو أحكامه: أما أقسامه: فاعلم: أنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين، وإلى مخير، ويحسب وقت المأموربه: إلى مضيق، وموسع. وبحسب المأمور: إلى واجب على التعيين، وواجب على الكفاية المسألة الأولى: قالت المعتزلة: الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل على التخيير، وقالت الفقهاء: الواجب واحد لا بعينه. واعلم: أنه لا خلاف في املعنى بين القولين، لأن المعتزلة قالوا: المراد من قولنا: الكل واجب على البدل هو: أنه لا يجوز للمكلف الإخلال بجميعها، ولا يلزمه الجمع بينها، ويكون فعل كل واحد منها موكولا إلي اختياره. والفقهاء عنوا بقولهم: (الواجب واحد لا بعينه) هذا المعنى بعينه؛ فلا يتحقق الخلاف أصلا. بل هاهنا مذهب يرويه أصحابنا عن المعتزلة، ويرويه المعتزلة عن أصحابنا، واتفق الفريقان على فساده، وهو: أن الواجب واحد معين عند الله تعالى. غير معين عندنا، إلا أن الله تعالى علم أن الله تعالى علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك الذي هو واجب عليه.

стр. 1322

والدليل على فساد هذا القول: أن التخيير معناه: أن الشرع جوز له ترك كل واحد منها، بشرط الإتيان بالآخر وكونه واجبا على التعيين عند الله تعالى معناه أنه تعالى منعه من تركه على التعيين والجمع بين جواز الترك وعدم جوازه متناقض، فصح ما ادعيناه أنه يمتنع أن يكون كل واحد منها واجبا على التعيين. فإن قلت: لانسلم أن التخيير ينافي تعيينه عند الله تعالى: بيانه: أن الله تعالى، وإن خير بين الكفارات، لكنه علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك الذي هو واجب، فلا يحصل الإخلال بالواجب. أو نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن لاختيار المكلف تأثيرا في كون ذلك الفعل المختار واجبا؟ أو نقول: لا يمتنع أن يكون ماعدا ذلك الفعل المعين مباحا، ويسقط به الفرض، كما يقولون: إن الإتيان بالفعل المحظور قد يسقط به الفرض كالصلاة في الدار في الدار المغصوبة. قلت: الجواب عن الأول: أن الله تعالى؛ لما خيرنا بين الأمرين، فقد أباح لنا ترك كل واحد منهما؛ بشرط الإتيان بالثاني، ووجوبه على التعيين: معناه: أنه تعالى لم يجوز لنا تركة ألبتة، فلو خير الله تعالى بينه وبين غيره مع أن جعله واجبا على التعيين لكنا قد جمع بين جواز الترك، وبين المنع منه. أما قوله: (إن لاختيار المكلف تأثيرا): قلت: لانزاع في تحقق الوجوب قبل الاهتيا، فمحل الوجوب، إن كان واحدا معينا فهو باطل، لأن التخيير ينافي التعيين.

стр. 1323

وإن كان واحدا غير معين فهو محال؛ لأن الواحد الذي يفيد كونه غير معين ممتنع الوجود، وما يكون ممتنع الوجود يمتنع زن يقع التكليف بفعله. وإن كان الواجب هو الكل بشرط التغيير، فذاك هو المطلوب. قوله: (لم لا يجوز أن يسقط الواجب بفعل ما ليس بواجب؟) قلنا: لأن الأمة أجتمعت على أن الآتي بواحدة من الخصال الثلاث المشروعة في الكفارة، لو كفر بغيرها من الثلاث، لأجزأته، ولكن فاعلا لما وقع التكليف به، وذلك يبطل ماذكروه. واحتج المخالف بأن لفعل الواجب أثرا، ولتركه أثرا، وكلا الأثرين يدلان على أن الواجب واحد. أما طرف الفعل، فقالوا: هذا الفعل له صفات: كونه بحيث يسقط الفرض به، وكونه واجبا، وكونه بحيث يستحق عليه ثواب الواجب، وكونه الواجب، وكونه بحيث ينوي بفعله أداء الواجب، وكل هذه الصفات تقتضي أن أكون الواجب واحدا معينا. فأولها: سقوط الفرض، فقالوا: لو لم يكن الواجب واحدا معينا لكنا المكلف، إذا أتى بكلها دفعة واحدة: فإما أن يكون سقوط الفرض معللا بكل المكلف، إذا أتى بكلها دفعة واحدة: فإما أن يكون سقوط الفرض معللا بكل واحد منها؛ فيكون قد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال؛ لأن ذلك الأثر مع أحد المؤثرين يصير واجب الوجود بذاته، وواجب الوجود بذاته يستحيل أن يكون واجب الوجود بغيره، فهو مع هذا المؤثر يمتنع أن يكون معللا بالمؤثر الثاني، ومع المؤثر الثاني يمتنع أن يكون معللا بالمؤثر

стр. 1324

الأول، فإذا وجد المؤثران معا، يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما فيكون محتاجا إليهما معا وغنيا عنهما معا، وذلك محال. وإما أن يكون سقوط الفرض بالمجموع، فذلك محال؛ لأنه يلزم أن يكون المجموع واجبا، وقد فرضنا الإتيان بالكل غير واجب. ،إما أن يكون سقوط الفرض بواحد منها؛ فذلك الواحد إما أن يكون معينا، أو غير معين: والأول باطل؛ لأن الأثر المعين يستدعي مؤثرا معينا موجودا، وكل موجود، فهو في نفسه معين ولا إبهام ألبتة في وجود الخارجي؛ إنما الإبهام في الذهن فقط. وإذا امتنع وجود واحد غير معين، امتنع الإتيان به، وإذا امتنع الإتيان به، امتنع أن يكون الإتيان به علة لسقوط الفرض ولما بطل هذا، ثبت أن علة سقوط الفرض: هو الإتيان بواحد منها معين عند الله تعالى، وهو المطلوب. وثانيها: كونه واجبا فإذا أتى المكلف بكلها: فإما أن يكون المحكوم عليه بالوجوب مجموعها، أو كل واحد منها، وعلى التقديرين، ويلزم أن يكون الكل واجبا على التعيين، لا على التخيير وهو باطل. أو واحدا غير معين، وهو باطل، لأن غير المعين يمتنع وجوده، فيمتنع إيجابه. أو واحدا معينا في نفسه غير معلوم لنا، وهو المطلوب. وثالثها: أن يستحق عليه ثواب الواجب، فإذا أتى المكلف بكلها: فإما أن

стр. 1325

يستحق ثواب الواجب على كل واحد منها، أو على مجموعها؛ وعلى التقديرين يلزم أن يكون الكل واجبا على التعيين، وإما ألا يستحق ثواب الواجب منها إلا على واحد، فذلك الواحد: إما أن يكون معينا، أو غير معين: والثاني محال؛ لأن استحقاق ثواب الواجب على فعله حكم ثابت له معين، والحكم الثابت المعين يستدعي محلا معينا، ولأن فعل شيء غير معين محال؛ فعلمنا أن ذلك الواحد معين في نفسه غير معلوم للمكلف. وربما أوردوا هذا الكلام على وجه آخر: وهو أنه إذا أتى بالكل: فإما أن ينوي الوجوب في فعل كل واحد، أو في فعل واحد دون الباقي، وتمام التقرير كما تقدم. وأما طرف الترك، فأثره استحقاق العقاب؛ فالمكلف، إذا أخل بها أسرها: فإما أن يستحق العقاب على ترك كل واحد منها، فيكون فعل كل واحد منها واجبا على التعيين، هذا خلف أو علي ترك واحد منها، وهو: إما أن يكون معينا أو غير معين، والثاني محال. أما أولا فلأنه إذا لم يتميز واحد منها عن الاخر بصفة الوجوب، كان إسناد استحقاق العقاب إلى واحد منها دون الاخر ترجيحا لأحد طرفي الجائز على الاخر لمرجح وهو محال. وأما ثانيا: فلأن استحقاق العقاب على الترك حكم معين؛ فيستدعي محلا معينا لاستحالة قيام المعين بغير المعين. وأما ثالثا: فلأن استحقاق العقاب على الترك يستدعي إمكان الفعل، ولاإمكان لفعل شيء غير معين

стр. 1326

ولما بطل هذا القسم: ثبت أنه معلل بترك واحد معين عند الله تعالى وهو المطلوب. وأما الذين زعموا أن الواجب واحد غير معين، فقد احتجوا عليه، بأن الإنسان إذا عقد على قفيز من صبرة، فالمعقود عليه قفيز واحد لا بعينه، وإنما يتعين باختيار المشتري أخذ قفيز منها، فقد صار الواحد الذي ليس بمتعين في نفسه معينا باختيار المكلف. وكذا إذا طلق زوجة من زوجاته لا بعينها، أو أعتق عبدا من عبيده لا بعينه، وكذا القول في عقد الإمامة لرجلين دفعة واحدة، والخاطبين لامرأة واحدة، فإن الجمع فيه حرام. والجواب عن الأول: أنه يسقط الفرض عندنا بكل واحد منها. قوله: (يلزم أن يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة): قلنا: هذه الأسباب عندنا معرفات، لا موجبات، ولا يمتنع أن يجتمع على المدلول الواحد معرفات كثيرة. وعن الثاني: إن أردت بقولك: (هي واجبة كلها) أنه يلزم فعلها بعد أن صارت مفعولة، فذلك محال، وغير لازم. ولا يبقى بعد هذا إلا أن يقال: إنها قبل دخولها في الوجود، هل كانت بحيث يجب تحصيلها: إما على الجمع، أو على البدل؟ وجوابنا أن نقول: أما الجمع، فلا، وزما البدل، فنعم؛ بمعنى أنها بعد وجودها يصدق عليها، أنها كانت قبل وجودها بحيث يجب تحصيل أي واحد منها اختار المكلف، بدلا عنه صاحبه، وذلك لا يقدح في قولنا.

стр. 1327

وأيضا، فهذه الشبهة والتي قبلها لازمة للمخالف، إذا قال: (الواجب هو ما يختاره المكلف) لأنه إذا أتى بالكل، فقد اختار كلها؛ فوجب أن يسقط الفرض بكل واحد منها، وأن يكون كل واحد منها واجبا؛ وحينئذ يلزمه ما أورده علينا. وعن الثالث: قال بعضهم: إنه يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابا، ويمكن أن يقال: إنه يستحق على فعل كل واحد منها ثواب الواجب المخير، لا ثواب الواجب المعين، ومعناه: أنه يستحق على فعلها ثواب فعل أمور كان له ترك كل واحد منها؛ بشرط الإتيان بالآخر، لا ثواب فعل أمور كان يجب عليه الإتيان بكل واحد منها على التعيين. وعلى هذا التقدير، يسقط السؤال، وهو الجواب عن قوله: كيف ينوي؟ وعن الرابع: قال بعضهم: يستحق عقاب أدونها عقابا، ويمكن أن يقال: لم لا يجوز أن يستحق العقاب على ترك مجموع أمور كان المكلف مخيرا بين ترك أي واحد منها كان بشرط فعل الآخر؟ وعن الخامس: أنه ليس العقد بأن يتناول قفيزا من الصبرة أولى من أن يتناول القفيز الآخر، لفقدان الاختصاص، فوجب أن يكون كل قفيز منها قد تناوله العقد، لكن على سبيل البدل؛ على معنى أن كل واحد منها لا اختصاص لذلك العقد به على التعيين، وللمشتري أن يختار أي قفيز شاء، وإذا اختاره، تعين ملكه فيه، فتعين الملك في القفيز المعين كسقوط الفرض في الكفارة. وكذا إذا طلق زوجته من زوجاته، لا بعينها، أو أعتق عبدا من عبيده، لا بعينه: أن كل واحد منهن طالق على البدل، وكل واحد منهم يعتق على البدل؛

стр. 1328

على معنى أنه لا اختصاص للطلاق أو العتق بواحد معين، وأن أي امرأة اختار مفارقتها تعينت الفرقة عليها، وحلت له الأخرى وأي عبد اختار عتقه، تعينت فيه الحرية، وكان له استخدام الباقين، والله أعلم. فرع: الأمر بالأشياء قد يكون على الترتيب، وقد يكون على البدل، وعلى التقديرين؛ قد يكون الجمع محرما، ومباحا، ومندوبا. مثال المحرم في الترتيب: أكل الميتة، وأكل المباح، وفي البدل: تزويج المرأة من كفئين ومثال المباح في الترتيب: الوضوء والتيمم، وفي البدل: ستر العورة بثوب بعد ثوب. ومثال المندوب في الترتيب: الجمع بين خصال كفارة الفطر. وفي البدل: الجمع بين خصال كفارة الحنث، والله أعلم. القسم الثاني في المسائل المعنوية المسألة الأولى في الواجب المخير

стр. 1329

...............................

стр. 1330

قال القرافي: قال سيق الدين: أطلق الجبائي وابنه القول بوجوب الجميع. واتفق الكل على جواز ترك البعض. وقال أبو الحسن البصري: المراد بوجوب الجميع أنه يحرم ترك الجميع، فيكون خلافا في اللفظ دون المعنى.

стр. 1331

قوله: (الجمع بين التعيين والتخيير متناقض). تقريره: أن الإجماع منعقد على التخيير، والإجماع معصوم لا يقول إلا حقا، فإذا أخبر أن الله تعالى خير فيها كان التخيير واقعا في نفس الأمر والمقدر وقوع التعيين في نفس الأمر، فيجتمع التعيين وعدم التعيين الناشئ عن التخيير في نفس الامر، فيجتمع النققيضان. (قاعدة) متعلق التكليف أبدا أعم من متعلق الحكم في حق المطيع ، ونقيضه في حق العاصي. أما الأول: فلأن الله تعالى أوجب الظهر مثلا والمكلفون يفعلونه في بقاع مخصوصة في هيئات مخصوصة، فذاك الواقع أبدا لم يوجبه الله تعالى بما هو ذلك الخاص، بل الواجب على جميع الخلق إنما هو الظهو من حيث هو ظهر، المشترك بين جميع صلواتهم التي صلوها، يعنون بها الظهر، فالواقع من كل إنسان يعلم الله تعالى أنه أخص مما أوجب عليه؛ لأنه تعالى أوجب الظهر وهذا ظهر بقيوده، والمقيد أخص من الحقيقة من حيث هي هي، فمتعلق العلم أبدا أخص من متعلق التكليف، وكذلك نقول في جميع الأفعال المكلف بها، فتأمل ذلك، ويظهر لك به أن الله تعالى ما كلف في الشرائع إلا بكلى لا يجري بالشخص، وإن كان جزئيا بالنوع [أخص منه دائما الواجب المعين فكيف؟] ويظهر لك أيضا بطلان قولهم: إن الواجب هو ما علم الله تعالى أنه سيوقعه، بل الواقع أخص منه دائما في الواجب المعين، فكيف في المخير؟ وأما في املعاصي: فمتعلق الأمر هو الفعل الواجب، ومتعلق العلم هو نقيض الواجب؛ لأنه عدمه وتركه، فليس بين متعلق العلم ومتعلق التكليف أبدا مطابقة، بل المباينة دائما إما بالخصوص والعموم، وإما بالتناقض.

стр. 1332

قوله: (وإن كان واحدا غير معين فهو محال؛ لأن الواحد بقيد كونه غير معين ممتنع الوجود) المعين. قلنا: غير المعين أعم من كونه مأخوذا بقيد سلب المعين، أو من حيث هو، فمن حيث هو هو لا يمتنع وجوده كما في ضمن املعين، ولذلك جاز التكليف بالمطلقات بالإجماع لإمكان وجودها في ضمن المقيدات، ولا يمعنى للمطلق إلا غير المعين. (قاعدة) مفهوم أحد الأشياء قد يشترك بينها لصدقه على كل واحد منها ، والصدق عليها مشترك بينهما، وهذا المفهوم الذي هو القدر المشترك بين الخصال هو متعلق الوجوب، ولا تخيير فيه كما أن الخصوصيات متعلق التخيير، ولا وجوب فيها، فإن الله تعالى لم يوجبه خصوصي العتق، ولم يخبر في ترك المشترك؛ لأن تركه هو ترك جميع الخصال، وهو خلاف الرجماع، ولا يتصور تركه إلا بذلك. (قاعدة) تعلق الخطاب بالمشترك بين أشياء ينقسم إلى: الواجب فيه كالموسع. والواجب عليه، كفرض الكفاية. والواجب به، كالمشترك بين أفراد نصب الزكاة، والمشترك بين أفراد الأزمنة إذا قلنا: إن زكاة الفطر تجب وجوبا موسعا من غروب الشمس إلى غروب الشمس من يوم الفطر، وبه يظهر الفرق بين قولهم

стр. 1333

إنها تجب [بطلوع الفجر، أو بغروب الشمس أو بطلوع الشمس من يوم الفطر]، ولا يأثم بالتأخير في الأقوال كلها حتى تغرب الشمس من يوم الفطر، فقد أجمعوا على التخيير والتوسعة، فلا معنى للقول الرابع. وجواب هذا: أن المشترك في الرابع واجب بسببه، وفي الثلاثة واجب فيه، وإلى الواجب نفسه كخصال الكفارة، فهذه أربعة أقسام ظاهرة، وفهمها جليل. (قاعدة) هذه المشترك متعلق خمسة أشياء: الواجب كما تقدم. وبراءة الذمة، فلا تبرأ الذمة إلا به؛ لأن الذمة لا تبرأ من الواجب إلا بفعل ذلك الواجب، فإذا فعل في ضمن المعين برئت الذمة به لا بالمعين. والثالث: هو متعلق ثواب الواجب على تقدير الفعل، فلا يثاب ثواب

стр. 1334

الواجب إلا على القدر المشترك في ذلك المعين، والخصوص قد يثاب عليه ثواب الندب إن كان فيه مصلحة تختص به، كما يقول بعض العلماء: الإطعام أفضل. وبعضهم يقول: العتق أفضل، وقد لا يثاب عليه لعدم المصلحة فيه، وإن وقع ذلك المشترك في أقل خصال مصالحه. الرابع: هو متعلق الإثم على تقدير الترك، فلا يعاقب إلا على ترك المشترك الذي هو مفهوم أحدهما دون خصوص العتق وغيره. فهذا هو تلخيص قوله: (الواجب الكلي بشرط التخيير) أي المشترك بينهما. الخامس: هو متعلق النية، فلا ينوي أداء الواجب إلا بمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها، لا بخصوص العتق، كما أنه إنما ينوي أداء الواجب في الصلاة بمفهوم الظهر الذي هو قدر مشترك بين جميع صلوات الناس، لا بخصوص كونه صلى في البقعة الخاصة، والهيئة الخاصة. (قاعدة) التخيير يطلق على ثلاث معان: أحدها: وجوب النظر فيما يعرض له عدة أسباب؛ فإنها تعين وجوب العمل بمقتضاه، وهذا الباب هو جميع ما فرض الله تعالى إلى كل من ولي ولاية من القاضي إلى الخليفة. وأصل هذه القاعدة قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) [الأنعام:١٥٢]، وإذا وجب ذلك في مال اليتيم فالحظر أولى لأن تخيره في المجازين معناه أي سبب تعين له يقتضي نفيا أو قطعا أو ميلا وجب عليه العمل بمقتضاه، ويحرم عليه العدول عنه، ويجب عليه بذل الجهد في تعيين السبب، وكذلك تخييره في الأسارى بين خمس، وكذلك

стр. 1335

قولنا: التقدير معوض لاجتهاد الإمام، وصرف بيت المال، وكذلك سعاة الماشية حيث جوزنا له أخذ دون السن. وقال الرسول ﷺ : (من ولى من أمور أمتي شيئا فلم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام). وثانيها: إباحة محضة، كأكل الطيبات، ولبس اللباس، ومنه تعارض أمارتين في حق المجتهد، أو بينتين في حق القاضي، فإنه يخير بينهما. وثالثها: ما يتركب منهما، وهو خصال الكفارة ونحوها، كإخراج شاة من زربعين، ورعتقا رقبة من رقاب الدنيا؛ فإن المشترك واجب لا خيرة فيه، والخصوصات مخير فيها، وليست واجبة، فعلى هذا يتلخص أن المخير قد يوجب بخصوصه مخير فيها، وليست واجبة، فعلى هذا يتلخص أن المخير قد يجب بخصوصه وعمومه، كتصرفات الولاة. وقد لا يجب بخصوصه ولا عمومه كأكل الطيبات، وقد يجب بعمومه دون خصوصه كالكفارات، وتلخص أن التخيير متى وقع في تصرفات الولاة، فهو دائر بين واجبات، أو في فعل المكلفين، فهو دائر بين الحاجات. قوله: (الأثر مع أحد المؤثرين يصير واجب الوجود) تقريره: أن كل مؤثر إنما أثر إذا استجمع ما لا بد منه في ذلك، مثاله في العاديات من أراد أن يكتب ألفا، فلا بد له من الدواة والقلم والقرطاس، ولا بد من حركة يده بالطبع في القلم والقرطاس، ولا بدمن وضع رأس القلم على القرطاس، ولا يكفي ذلك فلا بد من تمشية الأصبع على القرطاس مساحة الكف، وحينئذ تجب الألف متى حصلت جميع الشروط، وانتفت جميع الموانع بالضرورة، وهذا معنى قول العلماء: كل مؤثر استجمع لأثره وجب أثره، غير أن قول المصنف: (يصير واجب الوجود
следующие страницы →