Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
قوله: (الجمع بين التعيين والتخيير متناقض).
تقريره: أن الإجماع منعقد على التخيير، والإجماع معصوم لا يقول إلا حقا، فإذا أخبر أن الله تعالى خير فيها كان التخيير واقعا في نفس الأمر والمقدر وقوع التعيين في نفس الأمر، فيجتمع التعيين وعدم التعيين الناشئ عن التخيير في نفس الامر، فيجتمع النققيضان.
(قاعدة)
متعلق التكليف أبدا أعم من متعلق الحكم في حق المطيع ، ونقيضه في حق العاصي.
أما الأول: فلأن الله تعالى أوجب الظهر مثلا والمكلفون يفعلونه في بقاع مخصوصة في هيئات مخصوصة، فذاك الواقع أبدا لم يوجبه الله تعالى بما هو ذلك الخاص، بل الواجب على جميع الخلق إنما هو الظهو من حيث هو ظهر، المشترك بين جميع صلواتهم التي صلوها، يعنون بها الظهر، فالواقع من كل إنسان يعلم الله تعالى أنه أخص مما أوجب عليه؛ لأنه تعالى أوجب الظهر وهذا ظهر بقيوده، والمقيد أخص من الحقيقة من حيث هي هي، فمتعلق العلم أبدا أخص من متعلق التكليف، وكذلك نقول في جميع الأفعال المكلف بها، فتأمل ذلك، ويظهر لك به أن الله تعالى ما كلف في الشرائع إلا بكلى لا يجري بالشخص، وإن كان جزئيا بالنوع [أخص منه دائما الواجب المعين فكيف؟] ويظهر لك أيضا بطلان قولهم: إن الواجب هو ما علم الله تعالى أنه سيوقعه، بل الواقع أخص منه دائما في الواجب المعين، فكيف في المخير؟
وأما في املعاصي: فمتعلق الأمر هو الفعل الواجب، ومتعلق العلم هو نقيض الواجب؛ لأنه عدمه وتركه، فليس بين متعلق العلم ومتعلق التكليف أبدا مطابقة، بل المباينة دائما إما بالخصوص والعموم، وإما بالتناقض.
стр. 1332
قوله: (وإن كان واحدا غير معين فهو محال؛ لأن الواحد بقيد كونه غير معين ممتنع الوجود) المعين.
قلنا: غير المعين أعم من كونه مأخوذا بقيد سلب المعين، أو من حيث هو، فمن حيث هو هو لا يمتنع وجوده كما في ضمن املعين، ولذلك جاز التكليف بالمطلقات بالإجماع لإمكان وجودها في ضمن المقيدات، ولا يمعنى للمطلق إلا غير المعين.
(قاعدة)
مفهوم أحد الأشياء قد يشترك بينها لصدقه على كل واحد منها ، والصدق عليها مشترك بينهما، وهذا المفهوم الذي هو القدر المشترك بين الخصال هو متعلق الوجوب، ولا تخيير فيه كما أن الخصوصيات متعلق التخيير، ولا وجوب فيها، فإن الله تعالى لم يوجبه خصوصي العتق، ولم يخبر في ترك المشترك؛ لأن تركه هو ترك جميع الخصال، وهو خلاف الرجماع، ولا يتصور تركه إلا بذلك.
(قاعدة)
تعلق الخطاب بالمشترك بين أشياء ينقسم إلى:
الواجب فيه كالموسع.
والواجب عليه، كفرض الكفاية.
والواجب به، كالمشترك بين أفراد نصب الزكاة، والمشترك بين أفراد الأزمنة إذا قلنا: إن زكاة الفطر تجب وجوبا موسعا من غروب الشمس إلى غروب الشمس من يوم الفطر، وبه يظهر الفرق بين قولهم
стр. 1333
إنها تجب [بطلوع الفجر، أو بغروب الشمس أو بطلوع الشمس من يوم الفطر]، ولا يأثم بالتأخير في الأقوال كلها حتى تغرب الشمس من يوم الفطر، فقد أجمعوا على التخيير والتوسعة، فلا معنى للقول الرابع.
وجواب هذا: أن المشترك في الرابع واجب بسببه، وفي الثلاثة واجب فيه، وإلى الواجب نفسه كخصال الكفارة، فهذه أربعة أقسام ظاهرة، وفهمها جليل.
(قاعدة)
هذه المشترك متعلق خمسة أشياء:
الواجب كما تقدم.
وبراءة الذمة، فلا تبرأ الذمة إلا به؛ لأن الذمة لا تبرأ من الواجب إلا بفعل ذلك الواجب، فإذا فعل في ضمن المعين برئت الذمة به لا بالمعين.
والثالث: هو متعلق ثواب الواجب على تقدير الفعل، فلا يثاب ثواب
стр. 1334
الواجب إلا على القدر المشترك في ذلك المعين، والخصوص قد يثاب عليه ثواب الندب إن كان فيه مصلحة تختص به، كما يقول بعض العلماء: الإطعام أفضل.
وبعضهم يقول: العتق أفضل، وقد لا يثاب عليه لعدم المصلحة فيه، وإن وقع ذلك المشترك في أقل خصال مصالحه.
الرابع: هو متعلق الإثم على تقدير الترك، فلا يعاقب إلا على ترك المشترك الذي هو مفهوم أحدهما دون خصوص العتق وغيره.
فهذا هو تلخيص قوله: (الواجب الكلي بشرط التخيير) أي المشترك بينهما.
الخامس: هو متعلق النية، فلا ينوي أداء الواجب إلا بمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها، لا بخصوص العتق، كما أنه إنما ينوي أداء الواجب في الصلاة بمفهوم الظهر الذي هو قدر مشترك بين جميع صلوات الناس، لا بخصوص كونه صلى في البقعة الخاصة، والهيئة الخاصة.
(قاعدة)
التخيير يطلق على ثلاث معان:
أحدها: وجوب النظر فيما يعرض له عدة أسباب؛ فإنها تعين وجوب العمل بمقتضاه، وهذا الباب هو جميع ما فرض الله تعالى إلى كل من ولي ولاية من القاضي إلى الخليفة.
وأصل هذه القاعدة قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) [الأنعام:١٥٢]، وإذا وجب ذلك في مال اليتيم فالحظر أولى لأن تخيره في المجازين معناه أي سبب تعين له يقتضي نفيا أو قطعا أو ميلا وجب عليه العمل بمقتضاه، ويحرم عليه العدول عنه، ويجب عليه بذل الجهد في تعيين السبب، وكذلك تخييره في الأسارى بين خمس، وكذلك
стр. 1335
قولنا: التقدير معوض لاجتهاد الإمام، وصرف بيت المال، وكذلك سعاة الماشية حيث جوزنا له أخذ دون السن.
وقال الرسول ﷺ : (من ولى من أمور أمتي شيئا فلم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام).
وثانيها: إباحة محضة، كأكل الطيبات، ولبس اللباس، ومنه تعارض أمارتين في حق المجتهد، أو بينتين في حق القاضي، فإنه يخير بينهما.
وثالثها: ما يتركب منهما، وهو خصال الكفارة ونحوها، كإخراج شاة من زربعين، ورعتقا رقبة من رقاب الدنيا؛ فإن المشترك واجب لا خيرة فيه، والخصوصات مخير فيها، وليست واجبة، فعلى هذا يتلخص أن المخير قد يوجب بخصوصه مخير فيها، وليست واجبة، فعلى هذا يتلخص أن المخير قد يجب بخصوصه وعمومه، كتصرفات الولاة. وقد لا يجب بخصوصه ولا عمومه كأكل الطيبات، وقد يجب بعمومه دون خصوصه كالكفارات، وتلخص أن التخيير متى وقع في تصرفات الولاة، فهو دائر بين واجبات، أو في فعل المكلفين، فهو دائر بين الحاجات.
قوله: (الأثر مع أحد المؤثرين يصير واجب الوجود)
تقريره: أن كل مؤثر إنما أثر إذا استجمع ما لا بد منه في ذلك، مثاله في العاديات من أراد أن يكتب ألفا، فلا بد له من الدواة والقلم والقرطاس، ولا بد من حركة يده بالطبع في القلم والقرطاس، ولا بدمن وضع رأس القلم على القرطاس، ولا يكفي ذلك فلا بد من تمشية الأصبع على القرطاس مساحة الكف، وحينئذ تجب الألف متى حصلت جميع الشروط، وانتفت جميع الموانع بالضرورة، وهذا معنى قول العلماء: كل مؤثر استجمع لأثره وجب أثره، غير أن قول المصنف: (يصير واجب الوجود
стр. 1336
لذاته) [غير متجه، بل الوجود لغيره؛ لأنه ممكن في ذاته، والممكن في ذاته لا يكون واجب الوجود لذاته]؛ لأنه قسيمه، وإذا بطل هذا بطل أيضا قوله المبني عليه: (إن واجب الوجود بذاته يستحيل أن يكون واجب الوجود بغيره] مع زن كلام صحيح في نفسه، غير أنه ليس في موضعه، بل المتجه الغير فيه افتقاره للمؤثر، وقد انتفى هذا الافتقار، فلو أثر فيه الغير لزم تحصيل الحاصل، وكذلك وجوبه بالآخر يقتضي استغناءه عن الزول، فيستغني بسبب صدوره عنهما، فيكون واقعا بهما غير واقع بهما، وهو محال.
قوله: (إن سقط الفرض بالمجموع يلزم أن يكون المجموع واجبا).
تقريره: أن الذمة لا يبرؤها عن الواجب إلا فعل ذلك الواجب، فلو برئت بالمجموع لكان المجموع واجبا.
قوله: (سقوط الفرض بغير المعين محال؛ لأن الأثر المتعين يستعدعي مؤثرا موجودا، وكل موجود فهو في نفسه معين، فلا إيهام ألبتة في الوجود الخارجي، إنما الإبهام في الوجود الذهني، وإذا امتنع الإتيان بغير المعين امتنع كونه مسقطا للفرض).
قلنا: قولكم كل موجود هو في نفسه معين.
قلنا: تريدون: معينا بالشخص أو بالنوع؟ فإن المتعين أعم، والزول ممنوع والثاني مسلم، والمشتركات موجودة في الخارج في ضمن الأشخاص المعينة، فلا يحصل المطلوب.
(قاعدة)
الكليات ثلاثة:
كلي طبيعي
وكلي منطقي
وكلي عقلي.
стр. 1337
فإذا قلنا: الإنسان كلي، فالمحكوم عليه الذي هو الإنسان كلي طبيعي لأن الله تعالى طبعه في الخارج وشخص فيه أشخاص، وقولنا: كلي الذي هو خبر المبتدأ كلي منطقي؛ لأنه إشارة إلى الصورة الذهنية الكلية المنطبقة على جميع الأشخاص.
وكلام أهل المنطق ليس إلا فيها، والأول إنما يتكلم فيه الطبيعيون.
فسميت بالمنطقي لذلك.
والمجموع المركب منهما هو الكلي العقلي، الذي هو شيء اخترعه العقل، ولم يوجد؛ لأنه ضم ما في الذهن لما في الخارج فاعتبرهما حقيقة واحدة، وليس في نفس الأمر حقيقة واحدة مركبة من الذهني والخارجي مسمى عقليا.
لذلك فالكلي الطبيعي في الخارج؛ لأن الله تعالى خلق إنسانا بالضرورة، فإن كان مجردا فالكلي الطبيعي بالضرورة في الخارج، وإن كان مع قيد، ومتى وجد مع قيد وجد بالضرورة، فالكلي في الخارج بالضرورة، وأما المنطقي فلا يوجد إلا في الذهن، وأما العقلي فأمر اعتباري، لا في الذهن ولا في الخارج من حيث جملته لا من حيث مفرداته، فمتى قيل: الكلي أو غير المعين ليس في الخارج، إن أريد الطبيعي منع أو غير مسلم.
وأكثر مباحث هذه المسألة يظهر فيها المنع بهذه القاعدة، ويقول: غير المعين موجود في الخارج، ويكون متعلق الثواب براءة الذمة والتكليف، وتركه متعلق العقاب.
قوله: (والحكم الثابت المعين يستدعي محلا معينا).
قلنا: وإنه معين بالنوع، وفعل غير المعين في ضمن ممكن.
قوله: (إذا لم يتميز واحد مهما عن الاخر بصفة الوجوب كان إسناد استحقاق العقاب إلى واحد منهما دون الآخر ترجيحا من غير مرجح).
قلنا: محل الوجوب هو القدر المشترك، وهو معين بالنوع، والوجوب
стр. 1338
متعين له، وتركه هو الذي يقتضي العقاب، فما لزم الترجيح من غير مرجح، وإنما يلزم ذلك أن لو كان الوجوب دائرا بين المعينات ولا ينضبط لواحد منها، ولذلك يقول المستدل: الذي هو مفهوم أحدها هو محل معين بالنوع لا بالشخص، فكان متعلق العقاب، فإذا ادعيتهم أنه لا بد للعقاب من محل معين بالشخص، فكان متعلق العقاب، فإذا ادعيتم أنه لا بد للعقاب من محل معين بالشخص، فهو ممنوع، بل نحن نعتقد أن ذلك ما يوجد في الشرائع؛ لأن التكليف لا يتعلق في الإيجاب والتجريم وجميع الأحكام إلا بمستقبل معدوم، ولا شيء من المعدومات بمشخص ألبتة، إنما المشخصات من عوارض الوجود.
قوله: (إذا اشترى قفيزا واحدا صار ما ليس بمعين في نفسه معينا في اختيار المكلف).
قلنا لا نسلم أن ماليس بمعين في نفسه صار معينا بالاختيار لأن العقد في الصبرة ما تناول إلا القدر المشترك بين أقفزتها، فإذا أخذ قفيز كان في ذلك القفيز عموم وخصوص، فعمومه في كونه أحد أقفزة الصبرة، وخصوصه كونه هذا المشار إليه، فذلك العموم هو متعلق العقد أولا وآخرا ولا غرو أن يقبض المشتري ما ليس معقودا عليه؛ لأنه وقع من ضرورة قبض البيع وتسليمه، وليس فيه مصلحة تتعلق بالمعاوضات فإن المالية إنما هي في كونه صاعا، أما كونه هذا الصاع فلا مالية فيه فلا يتناوله العقد، ولم يصر غير المعين معينا، بل صار غير المعين في ضمن المعين، فإن أردتم ذلك فهو حق، أما انقلاب الحقائق بأن يصير غير المعين معينا فلا.
قوله: (وكذلك إذا طلق أحد نسائه لا بعينها، أو أعتق أحد عبيده لا بعينه)
قلنا: هذه مختلفة بالنظر والاعتبار؛ فإن لنا قواعد:
стр. 1339
القاعدة الأولى: إن مفهوم أحد الأشياء قدر مشترك بينها لصدقه عليها.
القاعدة الثانية: أن تحريم الكليات يلزم منه تحريم جميع جزئياتها، وكذلك نفيها بخلاف إثباتها أو الإثبات فيها، وفرق بين إثباتها أو الإثبات فيها أن قولك في الدار رجل إثبات للمشترك نفي مفهوم الرجال في الدار، وقولك في الإنسان خداع، أي في بعض الأوقات، وفي بعض الحال، وكذلك قولك أوجب الشارع في المال صدقة، أي في بعض صوره، فهذا إثبات في المشترك، وهو مغاير الإثبات للمشترك، ومن الإثبات في المشترك قولك عليّ نذر عتق رقبة، فقد أوجبت على نفسك في هذه الحقيقة أن تعتق واحدا فيها، وكذلك إيجاب الشرع للطلقات كلها إيجاب في المشترك.
والفرق بينهما لطيف، وهو في بعض المحال أظهر من بعض.
القاعدة الثالثة: أن الطلاق تحريم والعتق إسقاط، فالمطلق لما أضاف الطلاق الذي هو تحريم لمفهوم إحدى نسائه، الذي هو مشترك بينهما حرمت جزئيات هذا المشترك، فيحرمن كلهن، ولا تمييز حينئذ، ولا يكون هذا المثال من هذا الباب؛ لأنا نتكلم في باب إيجاب المشترك لا في باب تحريم المشترك، وإذا أعتق أحد عبيده، فقد وضع مفهوم الإسقاط في مشترك، كما لو قال الله على أن أعتق عبدا من عبيدي، فلا يلزمه غير عبد يختاره؛ لو ضعه في مشترك من غير تحريم.
فإن قلت: إذا أعتق أحد عبيده، فقد حرم عليه مله واستيفاء منافعه، فالعتق تحريم كالطلاق، فما الفرق؟
قلت: التحريم قسمان: تارة يكون هذا الواقع في الرتبة الأولى، وتارة يكون لازما، وهاهنا وقع لازما، والطلاق تحريم في الرتبة الأولى، ويلزمه الإباحة للأزواج، كل تحريم يلزمه إيجاب أحد أضداده، [وكل إيجاب يلزمه تحريم جميع أضداده] والقاعدة التي تقدم بسطها مرارا أن الحقائق
стр. 1340
الواقعة لازماً تابعة لا تثبت لها أحكامها، وإنما تثبت لها أحكامها إذا وقعت مقصودة في الرتبة الأولى، والمعتق لم يحرم على نفسه شيئا بل أسقط حقه، وبقيت المنافع مباحة توقف إباحتها على إذن المعتق كما يتوقف أكل الفاكهة على إذن مالكها، ولا يقال هي محرمة، بخلاف الوطء حرام بعد الطلاق حتى لو أباحته المرأة لم تتناوله الإباحة، وأما عقد الإمامة لرجلين دفعة، والخاطبان جملة، فهذه تصرفات محرمة، ومتعلق التحريم المجموع، كالجمع بين الأختين، والأم وابنتها، ونحن نتكلم في باب الوجوب لا باب التحريم.
قوله: (هذه الأمور معرفات)
تقريره: أن الإتيان بالواجب سبب لبراءة الذمة منه، والعلم بحصول السبب يوجب العلم بحصول المسبب، فهو معرف له حينئذ، وكل جزء من أجزاء العالم معرف لوجود الله تعالى، ولم يمتنع اجتماعها كلها في التعريف.
قوله: أن الكسب والإيجاد لا يتعلق بالشيء إلا حالة حدوثه، وهو أول أزمنة وجوده التي تلي آخر أزمنة عدمه، أما تعلقه لما تقدم وجوده فمحال؛ لأن المؤثر إن أوجد عين الموجود، فهو تحصيل الحاصل أو غيره فهو اجتماع المثلين، بل معنى ذلك أن هذه الخصال كانت قبل الإيجاد، يجب تحصيل المشترك بينهما في واحد منها، وهو معني قوله: يجب تحصيل على البدل.
قوله: (يلزم الخصم أن يكون الكل واجبا، لأنه قال: الواجب ما يختاره المكلف، وهو قد اختار الكل، فيكون الكل واجبا)
قلنا: ويلزمه أيضا أن من علم الله تعالى ألا يفعل شيئا أنه لم يجب عليه شيء؛ لأن متعلق عالم على هذا التقدير هو متعلق التكليف.
стр. 1341
قوله: (قال بعضهم يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابا)
قلنا: لا يتجه ذلك؛ لأن ثواب الواجب لا يترتب على غير الواجب فأكثرها ثوابا إن كان واجبا تعين، وحينئذ لا يجزئ غيره، وإن لم يكن واجبا لا يثاب عليه ثواب الواجب، فلا معنى لهذا القول، بل أكثرها ثوابا أن فرض فيها يحصل فيه نوعان من الثواب: ثواب الواجب على المشترك بينهما، وثواب المندوب على خصوصه.
قوله: (يستحق على فعل كل واحد منهما ثواب الواجب المخير لا ثواب الواجب املعين، بمعنى أنع يستحق على فعلها ثواب أمور كان له ترك كل واحد منها بشرط الإتيان بالآخر)
قلنا: هذه العبارة فيها إجمال شديد، فإن كان مرادكم المشترك قصر جوابه، كما تقدم تقريره، فلا يبقى إجمال ألبتة، وإن أردتم غيره فهو غير معقول، قوله: (يستحق عقاب أدونها عقابا).
قلنا: هذا أقل خللا من قول الآخر: يستحق ثواب الواجب على أكثرها ثوابا؛ لأن أقلها يكاد ينطبق على المشترك إذ لا أقل منه، غير أن هذه العبارة توهم أنه معين من الخصال بخصوصه كالكسوة مثلا بالنسبة إلى العتق والإطعام، وليس كذلك؛ لأنه لو استحق العقاب على تركه لكان هو الواجب عينا، فلا تخيير حينئذ.
قوله: (يستحق العقاب على ترك مجموع أمور كان مخيرا فيها).
قلنا: هذه أيضا عبارة مجملة، ولا يخلص منها إلا القول بالمشترك والتصريح به.
стр. 1342
قوله: (ليس تناول العقد لقفيز من الصبرة أولى من تناول الفيز الآخر، فوجب أن يكون كل قفيز منها يتناول العقد على سبيل البدل)
قلنا: هذه أيضا عبارة مجملة، فلو قلتم يتناول مفهوم القفيز الذي هو قدر مشترك بينهما صح من غير إجمال
قوله: (طلق إحدى نسائه على البدل)
قلنا: قد تقدم أن لزوم الطلاق في الجميع بقواعد قطعية، فلا يعدل عنها
قوله: (مثال المباح، الوضوء، والتيمم)
تقريره: أن المقصود صورة التيمم لا التيمم المبيح، والمقصود في هذا الموطن كله إنما هو الجمع بين الصور التي وقع فيها الجمع أو البدل، فصورة الطعام والميتة يمتنع الجمع بينهما، وكذلك التزويج من كفئين بخلاف الوضوء والتيمم.
(سؤال)
قال الشيخ سيف الدين: للشيخ شمس الدين الأبياري لما قدم (مصر): لو كان الواجب واجدا لا بعينه لكان بعضها ليس بواجب، وإلا لكان الكل ليس واجبا؛ لأن نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية، والسالبة الجزئية نقيضها الموجبة الكلية، فلو لم تصدق السالبة الجزئية وهي قولنا بعضها ليس بواجب لصدقت الموجبة الكلية، وهي قولنا: الكل واجب، لكن وجوب الكل خلاف الإجماع، فيتعين أن بعضها ليس بواجب، وإذا كان بعضها ليس بواجب يلزم التخيير بين الواجب وماليس بواجب، وذلك يفضي لترك الواجب باختيار الملكف غير الواجب وهو باطل، فبطل قولنا: الواجب واحد لا بعينه، فلم يجبه شمس الدين عنه على ما قيل، وأشار إلى هذا السؤال في (الإحكام) مختصراً.
стр. 1343
وجوابه: أن نقول: لنا قاعدة وهي وهي أن كل ما ثبت للأعم من اللوازم كان للأخص ضرورة ثبوت الأعم في الأخص، فمتى كان للحقيقة جهتا عموم وخصوص صدق عليها أحكام الخصوص من جهة خصوصها، فكل خصلة من خصال الكفارة لها جهتان: جهة عموم وهي كونها أحد الأمور.
والثانية: جهة خصوص، وهي كونها عتقا، مثلا فيصدق عليها الوجوب من جهة أنها أحد الخصال، وعدم الوجوب من جهة أنها عتق فيصدق على كل واحد منها أنها واجبة، وغير واجبة من جهتين مختلفتين فعلى هذا نقول: بعضها ليس بواجب من جهة خصوصها ولا يلزم من ذلك التخيير بين الواجب، وما ليس بواجب، بل التخيير واقع بين الخصوصات وهي لا وجوب وجوب فيها، والمشترك الذي هو جهة العموم واجب لا تخيير فيه أو نقول: الكل واجب [من جهة عمومه، ولا يلزم من ذلك خلاف العموم واجب لا تخيير فيه أو نقول: الكل واجب من جهة عمومه، ولا يلزم من ذلك خلاف الإجماع، فرن الذي هو خلاف الإجماع هو وجوب كل واحد منها جهة عمومه وخصوصه] ولم نقل به، فلم يخالف الإجماع وعلى هذا التقدير والتفصيل يحصل الجواب وتندفع به الشبهة.
(فائدة)
متعلق الوجوب في الواجب المخير هو القدر المشترك بين الخاصال، وقد وجد ذلك في كثير من الصور، ولم يسم ذلك واجبا مخيرا لتعلق الوجوب بمفهوم الشاة من أربعين، ومفهوم الدينار من أربعين دينارا وإعتاق رقبة من رقاب الدنيا، وجميع المطلقات تعلق الخطاب فيها بالمشترك، ولكن المشترك له حالتان: تارة تكون بين أنواع وأجناس، وتارة تكون بين أفراده نوع الأول هو الذي اصطلح عليه بالواجب المخير فلا يندرج فيه الثاني أبدا لا عليه.
стр. 1344
(فائدة)
قال الغزالي في (المستصفى) ينتقل الواجب المرتب للواجب المخير لعجزه عن الخصلتين الأولين، فيسقط عنه خصوصها، وله تجشمها فيحصل التخيير بين الثلاث بعروض العجز لا بالخطاب الأول.
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: ادعت المعتزلة استحالة الوجوب والتخيير، فنقض عليهم بخصال الكفارة .
فاختلفوا في وجوبها:
فقال بعضهم: الكل واجب، وإن أتى بها كلها فالكل واجب، وإن أتى ببعضها سقط الباقي.
وقال بعضهم: الكل واجب لكن على البدل.
وهذا هو مذهب الفقهاء منها، وصرح بألفاظ أوضح من عبارة المصنف في الأجوبة.
فقال: الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فيعلم الواجب الذي ليس بمعين غير معين، وإذا أتى بها كلها سقط الفرض بالأمر الذهني، يريد الكلي، قال: كما في المطلقات، وإذا تركها كلها أثم بترك الواجب فيها كالمطلقات، قال: وانعقد الإجماع على ثلاث فرق اختار كل منهم خصلة غير الخصلة التي اختارها الآخرون أنهم أتوا بالواجب، والواجب لا ينقلب غير واجب.
وزاد المعتزلة: أن الإيجاب لا بد فيه من صفة تقتضي الوجوب، فتقضي تلك الصفة محلا معينا ومنعهم ذلك.
стр. 1345
(تنبيه)
يعلم مما تقدم من القواعد أن التخيير كما تصور في الواجب، فإنه لا يتصور في المحرم، لأن التخيير مولى إلى تعلق الخطاب بالمشترك، وتحريم المشترك يقتضي تحريم الكل، كما تقدم في قواعد هذه المسألة فيبطل التخيير فيها، فصار ثبوته يفضي إلى نفيه، فلا يثبت، وقد تقدم أول الكتاب في حدود الأحكام، ونقل سيف الدين عن أصحابنا جوازه، وهو غير جائز كما ترى.
стр. 1346
المسألة الثانية
الواجب الموسع
الفعل بالنسبة إلى الوقت يكون على أحد وجوه ثلاثة:
الأول: أن يكون الفعل فاضلا عن الوقت، والتكليف بذلك لا يجوز إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق، أو يكون المقصود إيجاب القضاء، كما إذا ظهرت الحائض أو بلغ الغلام وبقي من وقت الصلاة مقدار ركعة، أو أقل.
والثاني: ألا يكون أزيد ولا أنقض، نحو: الأمر بإمساك كل اليوم، وهذا لا إشكال فيه.
والثالث: أن يكون الوقت فاضلا عن الفعل، وهذا هو الواجب الموسع واختلف الناس فيه: فمنهم من أنكره، وزعم أن الوقت لا يمكن أن يزيد على الفعل ومنهم من سلم جوازه أما الأولون فقد اختلفوا فيه على ثلاث أوجه: أحدها: قول من قال من أصحابنها: إن الوجوب مختص بأول الوقت، وأنه وأتى به في آخر الوقت، كان قضاء.
وثانيها: قول من قال من أصحاب أبي حنيفة ﵀: إن الوجوب مختص بآخر الوقت، وأنه لو أتى به في أول الوقت، كان جاريا محرى ما لو أتى بالزكاة قبل وقتها.
وثالثها: ما يحكى عن الكرخي: أن الصلاة المأتي بها في أول الوقت موقوفة فإن أدرك المصلي آخر الوقت، وليس هو على صفة المكلفين، كان ما فعله نفلا.
стр. 1347
وإن أدركه علي صفة المكلفين، كان ما فعله واجبا.
وأما المعترفون بالواجب الموسع، وهم جمهور أصحابنا وأبو علي، وأبو هاشم، وأبو الحسين البصري فقد اختلفوا فيه على وجهين:
منهم من قال: الوجوب متعلق بكل الوقت، إلا أنه إنما يجوز ترك الصلاة في أول الوقت إلي بدل هو العزم عليها، وهو قول أكثر المتكلمين.
وقال قوم: لا حاجة إلي هذا البدل، وهو قول أبي الحسين البصري وهو المختار لنا.
والدليل على تعلق الوجوب بكل الوقت: أن الوجوب مستفاد من الزمر والأمر تناول الوقت، ولم يتعرض ألبتة لجزء من أجزاء الوقت؛ لأنه لو دل الأمر علي تخصيصه ببعض أجزاء ذلك الوقت، لكان ذلك غير هذه المسألة التي نحن نتكلم فيها.
وإذا لم يكن في الأمر دلالة على تخصيص ذلك الفعل بجزء من زجزاء ذلك الوقت، وكان كل جزء من أجزاء الوقت قابلا له وجب أن يكون حكم ذلك الأمر هو إيجاب إيقاع ذلك الفعل في أي جزء من أجزاء ذلك الوقت أراد المكلف وذلك هو المطلوب.
فإن قيل: لا نسلم إمكان تحقق الوجوب في أول الوقت، والتمسك بلفظ الأمر، إنما يكون إذا لم يثبت بالدليل العقلي امتناعه وهاهنا قد ثبت ذلك؛ لأن كونه واجبا في ذلك الوقت معناه: أن المكلف ممنوع من ألا يوقعه فيه، والمكلف غير ممنوع من ألا يوقع الصلاة في أول
стр. 1348
الوقت، وإذا كان كذلك، استحال كون الصلاة واجبة في أول الوقت؛ وإذا تعذر حمل الأمر على الوجوب وجب حمله على الندب، فإن قلت: الفرق بينه وبين المندوب من وجهين:
الأول: أن هذه الصلاة لا يجوز تركها مطلقا، والمندوب يجوز تركه مطلقا.
والثاني: أن هذه اصلاة إنما يجوز تركها في أول الوقت إلي بدل، وهو العزم على فعلها بعد ذلك وأما المندوب فإنه يجوز تركه مطلقا.
قلت: الجواب عن الأول: أني لا أدعي أن الصلاة ليست واجبة مطلقا، بل أدعى أنها ليست واجبة في أول الوقت بدليل أنه يجوز تركها في أول الوقت.
فأما المنع من تركها في آخر الوقت، فذلك يدل على وجوبها في آخر الوقت؛ ولا يلزم من كون الشيء واجبا في وقت، كونه واجبا في وقت اخر
وعن الثاني: أن العزم على الصلاة لا يجوز أن يكون بدلا عن الصلاة ويدل عليه أمور:
أحدها: أن العزم على الصلاة: إما أن يكون مساويا للصلاة في جميع الأمور المطلوبة أولا يكون:
فإن كان الأول: وجب أن يكون الإتيان بالعزم سببا لسقوط التكليف بالصلاة؛ لأن الأمر ما وقع في ذلك الوقت إلا بالصلاة مرة واحدة، وهذا العزم مساو للصلاة مرة واحدة في جميع الجهات المطلوبة؛ فيلزم سقوط الأمر بالصلاة.
وإن كان الثاني: امتنع جعله بدلا عن الصلاة؛ لأن بدل الشيء يجب أن يكون قائما مقامه في الأمور المطلوبة
стр. 1349
وثانيها: أن الموجود ليس إلا الأمر بالصلاة في هذا الوقت، والأمر بالصلاة في هذا الوقت لا دلالة فيه على إيجاب العزم، فإذن لا دليل ألبتة على وجوب العزم وما لا دليل عليه لا يجوز التكليف به؛ وإلا لصار ذلك تكليف ما لا يطاق.
وثالثها: لو كان العزم بدلا عن الصلاة؛ فإذا أتى المكلف بالعزم في هذا الوقت، ثم جاء الوقت الثاني، فإما أن يجب فعل العزم مرة أخرى، أو لا يجب، لا جائز أن يجب؛ لأن بدل العبادة؛ إنما يجب على حد وجوبها؛ ليكون فعله جاريا مجرى فعلها.
ومعلوم أن الأمر أنما انقضى وجوب فعل العبادة في أحد أجزاء هذا الوقت مرة أخرى، ولم يقتض وجوب فعلها مرة أخرى في الوقت الثاني؛ فوجب أن يكون وجوب بدلها على هذا الوجه.
فثبت أنه لا يجب فعل العزم في الوقت الثاني؛ فإذن الوقت الثاني لا يجب فيه فعل الصلاة؛ وفعل بدلها، وهو هذا العزم.
فثبت أن جواز ترك الصلاة في هذا الوقت لا يتوقف على فعل البدل، وعند هذا يجب القطع بأنها ليست واجبة، بل مندوبة.
والجواب: (قوله: الفعل يجوز تركه في أول الوقت؛ فلا يكون واجبا في أول الوقت):
قلنا: للناس هاهنا طريقان:
الطريق الأول وهو الأصح: أن حقيقة الواجب الموسع ترجع عند البحث إلى الواجب المخير، فإن الآمر كأنه قال: (افعل هذه العبادة؛ إما في أول
стр. 1350
الوقت أو في وسطه، أو في آخره، وإذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما لا يفضل عنه. فافعله لا محالة، ولا تتركه ألبتة)
فقولنا: (يجب عليه إيقاع هذا الفعل: إما في هذا الوقت أو في ذاك) يجري محرى قولنا في الواجب المخير: (إن الواجب علينا: إما هذا أو ذاك) فكما أنا نصفها بالوجوب؛ على معنى أنه لا يجوز الإخلال بجميعها، ولا يجب الإتيان بجميعها، والأمر في اختيار أي واحد منها مفوض إلى رأي المكلف، فكذا هاهنا، لا يجوز للمكلف ألا يوقع الصلاة في شيء من أجزاء هذا الوقت، ولا يجب عليه أن يوقعها في كل أجزاء هذا القت، وتعيين ذلك الجزء مفوض إلى رأي المكلف.
هذا إذا كان الوقت فسحة، فأما إذا ضاق الوقت؛ فإنه يتضيق التكليف ويتعين، فهذا هو الذي نقول به، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى رأي المكلف.
هذا إذا كان في الوقت فسحة، فأما إذا ضاق الوقت، فإنه يتضيق التكليف، ويتعين، فهذا هو الذي نقول به، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات بدل العزم.
الطريق الثاني: وهو اختيار أكثر الأصحاب، وأكثر المعتزلة: هو: أن الفرق بين هذا الواجب وبين المندوب أن هذا الواجب لا يجوز تركه إلا لبدل، والمندوب يجوز تركه من غير بدل
قوله أولا: (العزم: إما أن يكون قائما مقام الأصل في جميع الجهات المطلوبة أو لا يكون)
قلنا: لم لا يجوز أن يكون قائما مقام الأصل، لا في جميع الأوقات، بل في هذا الوقت المعين، فإذا أتى بالبدل فذ هذا الوقت المعين، سقط عنه الأمر بالأصل في هذا الوقت، ولكن لم يسقط عنه الأمر بالأصل في كل الأوقات؟!
стр. 1351
واعلم أن هذا الجواب ضعيف، لأن الأمر لا يفيد التكرار، بل لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة، فإذا صار البدل قائما مقام الأصل في هذا الوقت، فقد صار قاذما مقامه في المرة الواحدة، فإذا لم يكن مقتضى الزمر إلا مرة واحدة، وقد قام هذا البدل مقام المرة الواحدة، فقد تأدي تمام مقصود هذا الأمر بهذا البدل؛ فوجب سقوط التكليف به بالكلية.
أما قوله ثانيا: (لا دليل على إثبات العزم):
قلنا: لا نسلم لأن النص، لما دل على الواجب الموسع ودل على أنه لا يمكن إثبات الواجب الموسع إلا إذا أثبتنا له بدلا ودل الإجماع على أنه لا يمكن إثبات الواجب الموسع إلا إذا أثبتنا له بدلا ودل ال إجماع على أن ذلك البدل هو العزم؛ لأن القائل قائلان: قائل أثبت البدل، وقائل ما أثبته، وكل من أثبته قال: رنه العزم؛ فلو أثبتنا البدل شيئا آخر، لكان ذلك خرفا للإجماع، وهو باطل.
فثبت أن الدليل على وجوب العزم، لكن بهذا التدريج
ثم هذا لا يكون مخالفا للنص؛ لأن كما لا يثبته لا ينفيه، وإثبات ما لا يتعرض له النص بالنفي ولا بالإثبات لا يكون مخالفة للظاهر.
واعلم أن هذا الجواب ضعيف؛ فإنا نسلم أن العقل دل على أنه لا يمكن إثبات الواجب الموسع، إلا إذا أثبتنا له بدلا، وذلك؛ لأنه لا معنى للواجب الموسع إا أن يقول السيد لعبده: لا يجوز لك إخلاء أجزاء هذا الوقت عن هذا الفعل، ولا يجب عليك إيقاعه في جميع هذه الأجزاء، ولك أن تختار أيها شئت؛ بدلا عن الآخر.
ومعلوم أنه لو قال ذلك: لما احتيج معه إلي إثبات بدل آخر.
стр. 1352
وأما قوله ثالثا: (إما أن يجب فعل العزم في الوقت الثاني أو لا يجب)
قلنا لم لا يجوز أن يجب؟ وذلك لأن العزم بدل عن الفعل في الوقت الأول؛ فيفتقر إلى عزم ثان؛ بدلا عن الفعل في الوقت الثاني.
واعلم أن هذا الجواب ضعيف؛ لأنا بينا أن الأمر لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة؛ وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الإتيان بالعزم الواحد كافيا
فظهر بما ذكرناه أن القول بالواجب الموسع حق، وأنه لا حاجة في إثباته إلى إثبات بدل هو العزم، والله أعلم
فرع: في خكم الواجب الموسع في جميع العمر، وذلك كالمنذورات، وقضاء العبادات الفائتة، وتأخير الحج من سنة إلى سنة، فنقول:
إن جوزنا له التأخير أبدا، وحكمنا بأنه لا يعصي، إذا مات، لم يتحقق معنى الوجوب أصلا.
وإن قلنا: إنه يتضيق التكليف عليه عند الإنتهاء إلى زمان معين، من غير أن يوجد على تعيين ذلك الزمان دليل، فهو تكليف ما لا يطاق؛ فإنه إذا قيل له: إن كان في علم الله تعالى أنك تموت قبل الفعل، فأنت في الحال عاص بالتأخير.
وإن كان في علمه أنك لا تموت قبل الفعل، فلك التأخير، فهو يقول: وما يدريني، ماذا في علم الله تعالى؟ وما فتواكم في حق الجاهل؟ فلا بد من الجزم بالتحليل أو التحريم؛ فلم يبق إلا أن نقول: يجوز له التأخير بشرط أن يغلب على ظنه أنه يبقى بعد ذلك سواء بقي أو لم يبق.
فأما إذا غلب على ظنه أنه لا يبقى بعد ذلك، عصى بالتزخير، سواء مات أو لم يمت، لأنه مأخوذ بموجب ظنه.
стр. 1353
ولهذا قال أبو حنيفة ﵁ لا يجوز تأخير الحج، لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن.
وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر أو شهرين فجائز لأنه لا يغلب على الظن الموت إى هذه المدة.
والشافعي ﵁ يرى البقاء إلى السنة الثانية غالبا؛ على الظن في حق الشاب الصحيح، دون الشيخ المريض.
والمعزز إذا غلب على ظنهالسلامة، فهلك ضمن، لا لأنه أثم؛ لكن لأنه أخطأ في ظنه، والمخطئ ضامن غير آثم، والله أعلم
المسألة الثانية
الواجب الموسع
قال القرافي: قوله: (ومنهم من أنكره).
стр. 1354
..............................................
стр. 1355
.....................................................................
стр. 1356
......................................................................
стр. 1357
................................................................
стр. 1358
تقريره: أن لهم شبهة عامة ومدارك خاصة.
أما الشبهة العامة: قالوا: الوجوب مع التوسعة يتنافيان؛ لأن الواجب لا يجوز تركه، وهذا يجوز تركه في الوقت الذي وضعتموه للوجوب فيه وهو أول الوقت وآخره، فلا يكون للوجوب الموسع حقيقة
وأما مداركهم الخاصة، فالقائلون: متعلق الوجوب بأول الوقت وهم بعض الشافعية، مع أن الشافعية في هذا الوقت ينكرون وجود هذا في مذهب الشافعي، غير أن القائل بهذا المذهب لعلة كان ب (عرقاق العجم) لم يعمله هؤلاء
قال شرف الدين بن التلمساني في (شرح المعالم): هذا لا يعدف في مذهب الشافعي، ولعلع التبس بوجه الإصطخري فيما يفعل، فيما زاد على بيان جبريل ﵇ في العصر، فالصبح مثلا يعد قضاء وهو لا ينكر التوسعة، وإنما قصرها على بيان جبريل ﵇.
وقال سيف الدين، وأبو الحسين في (المعتمد): (قال بعض الوجوب يختص بأول الوقت) ولم يعين الشافعية.
ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) هذا المذهب أصلا وكذلك (البرهان) و (المستصفي).
وحكى أبو الحسين في هذه المسألة ستة مذاهب فقال:
مذهب أصحاب الشافعي جميع الوقت.
стр. 1359
وخصصه قوم بأول الوقت، ولم يذكر الشافعية
قال: وأكثر أصحابنا متعلق بآخر الوقت. فإن عجل: فمنهم من قال: نفل سقط به الفرض.
وقال الشيخ أبو الحسن الكرخي: يوقف فإن كان مكلفا في آخر الوقت فواجب، وإا فنفل.
وقال الشيخ أبو عبدالله: إن كان آخر الوقت أهلا للتكليف كان فعله مسقطا للفرض.
وقال أبو بكر الرازي: يتعين وجوبه بأحد شيئين بالفعل، أو بالتضييق
وقال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): منهم من قال: المعجل نفل يمنع من تعلق الوجوب آخر الوقت، ولا يتوجه عليه فرض صلاة فقط.
قال العالمي في (أصول الفقه): القائلون بالوجوب أول الوقت هم عامة أهل الحديث، وحكاه الباجي عن الشافعي، كما حكاه عن الإمام.
стр. 1360
وقد احتجوا: بأن أوقات الصلوات أسباب، والأصل ترتيب المسببات على أسبابها فيكون الوجوب متعلقا بأول الوقت
ويرد عليه أمران:
أحدهما: أن هذا لا يناقض مذهب الجمهور؛ فإنهم رتبوا الوجوب على أول الوقت في القدر المشترك بين أجزاء الزمان الكائنة بين طرفي الوقت، فما تعين مذهبكم من هذا المدرك.
وثانيهما: أنه يلزمكم الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء من غير ضرورة، وهو لم يوجد في الشرع، إنما وجب الشرع لضرورة السفر، أو غيرها، أما لغير ضرورة فلا، مع أن سيف الدين قد قال في (الإحكام): انعقاد الإجماع على أن الفعل بعد ذلك ليس بقضاء، ولا يصح بنية القضاء
وقال إمام الحرمين في (البرهان): لم يقل أحد: إنه إذا أهمل العزم، وفعل في أثناء الوقت أنه عاص، ولا يقال أحد بتجديد العزم، وإنما بل ال الذي أراه مذهبا للقاضي أنه زوجبه أول الوقت، وينسحب على بقية الأزمنة، كما تنسحب النسب على بقية الأفعال في الصلاة وغيرها.
وقال الغزالي في (المستصفى): ولا يجب العزم مع الغفلة، أما مع الذكر فلا بد من الفعل أو العزم، ويمكن أن يحمل إطلاق (البرهان) عليه.
واحتج الحنفية: بأن الوجوب متعلق بآخر الوقت؛ لأن ثبوت حقيقة الشيء يدل على ثبوته، ويدل انتفاؤهل، كالناطقية مع الإنسان،
стр. 1361
وخصيصة الوجوب المؤاخذة على تقدير الترك، ولم نجدها إلا آخر الوقت فوجب اختصاص الوجب بآخر الوقت.
ويرد عليه أمران:
أحدهما أنه لا ينافي مذهب الجمهور، فإنهم لما قالوا: الوجوب يتعلق بالمشترك بين آخر الوقت، والمشترك لا يتعين إخلاؤه عن الفعل إلا بإخلاء الجميع، فلا جرم لم تخصل المؤاخذة على الترك إلا بذلك.
وثانيهما: أن الفرق كلها أجمعواعلى جواز التعجيل والتأخير، فيكون التعجيل كما قالت الحنفية نفلا سد مسد الفرض، وإجزاء النفل عن الفرض على خلاف الأصول، والكرخي هو من الحنفية.
واستشكل إجراء النفل عن الفرض، فاختار مذهبا آخر، وهو أن الفعل يقع موقوفا، فإن أتى آخر الوقت وهو مكلف قضى عليه بالوجوب، فسد الواجب مسد الواجب ولم يقم نفل مقام فرض، وإن لم يكن من المكلفين فهو نقل لعدم تحقيق الوجوب.
ويرد عليه أن صلاة لا توصف بفرض ولا نفل خلاف المعهود في الشرع، وككيف ينوي هذه الصلاة، ويؤنس ما قاله بعض الفقهاء في إعادة الصلاة في جماعة أنه لا ينوي بها فرضا ولا نفلا، بل ذلك إلى الله تعالى وهو أحد الأقوال الأربعة فيها.
ولو قال الكرخي: إن أوقع الصلاة آخر الوقت في واجبة، وإن أوقعها قبل آخر الوقت فهي نفل تمنع من تعليق خطاب الوجوب به لاتجه؛ فإن الوجوب قد يندفع بالموانع كالموت في وسط الوقت، أو الإغماء، أو النوم، وإذا اندفع في حق من لم يفعل، فأولى في حق من فعل صورة الصلاة، وأقرب من الذي حكاه عنه الإمام
стр. 1362
وحكى سيف الدين عنه أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان، وحكى إجماع السلف على أن من فعل الصلاة أول الوقت ومات، أنه أدى فرض الله تعالى.
والقول بالوقف خلاف الإجماع
قال والحسين البصري في شرح (العمد): واختلف الحنفية في آخر الوقت الذي هو وقت الوجوب.
فقال زفر: هو ما يسمع جملة الصلاة، وينقضي بانقضائها
وقال غيره منهم: بل مقدار الإحرام بها، ويريدون أن إدراك الإحرام سبب قائها؛ لأن إيقاعها كلها في ذلك الوقت متعذر
قوله: (إن الجمهور قالوا: يتعلق الوجوب بكل الوقت)
عبارة غير متجه؛ فإنها تشعر بتعلق الوجوب بكل جزء من أجزائه، وليس كذلك بالإجماع، بل مراده أنه متعلق بالكل على البدل، وهو معنى قولنا: إنه متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الزمان الكائنة بين طرفي الوقت.
قوله: (ومنهم من قال: لا يجوز تركه إلا لبدل، وهو العزم)
تقريره: أن العادة شاهدة أن السيد إذا أمر عبده ولم يفعل في الحال، ولا عزم على فعله في المآل عدوه معرضا عن أمر سيده، والإعراض عن الأمر حرام، وما به يترك الحرام واجب، فأحد الأمرين إما الفعل وإما العزم واجب.
стр. 1363
قوله: (لا يدعي أن الصلاة ليست واجبة مطلقا، بل ليست واجبة أول الوقت)
قلنا: عدم وجوبها أول الوقت يصدق بتفسيرين:
أحدهما: ليست واجبة في أول الوقت من حيث هو أول الوقت وهذا مسلم، لأنا لا ندعي وجوبها فيه إا من حيث هو متضمن للقدر المشترك من جهة عمومه، لا من جهة خصوصه، كما تقدم في الواجب المخير وإن ادعيت أنها ليست واجبة في أول الوقت من جهة عمومع فغير المسلم لأن الأمر دل على الوجوب، ودل على الإجماع على جواز التأخير، فتعين التخيير بين أفراد ذلك الزمان، فيتعين أن يكون الخطاب متعلقا بالقدر المشترك بينها كما تقدم في الواجب المخير،
قوله: (والمنع منتركها آخر الوقت يدل على وجوبها آخر الوقت)
قلنا: لا نسلم، بل المنع من تركها آخر الوقت يستلزم فوات المشترك الذي وجب فيه الفعل؛ لأن الوجوب في خصوصه، وحصول الإثم في آخر أعلم الأمرين؛ إما لما ذكرناه، أو لما ذكرتموه، وما هو أعم من الشيء لا يستدل به عليه
قوله: (إن لم يكن العزم مساويا للصلاة في الأمور المطلوبة امتنع جعله بدلا، لأن البدل عن الشيء هو الذي يقوم مقامه في الأمور المطلوبة)
قلنا: هاهنا قاعدة، وهي أن البدل في الشريعة خمسة أقسام، لكل قسم منها خاصة يختص بها:
يبدل الشيء من الشيء في محله كالمسح على الجبيرة، من خصائصها المساواة في المكان،،كذلك كان يلزم في الخف غير أن الشرع رخص فيها للضرورة
الثاني: يبدل من الشيء في مشروعيته، كالجمعة بدل عن الظهر ولهذا البدل خصيصتان:
стр. 1364
أحداهما أن البدل أفضل من المبدل منه، فإن العدول عن مشروعية الشيء لغيره يقتضي أفضليته، وكذلك الكعبة بدل البيت المقدس في المشروعية، غير أن بدل ترك بالكلية.
وثانيهما: أنه لا يجوز فعل المبدل منه إلا عند تعذر المبدل.
الثالث: يبدل الشيء من الشيء في بعض أحكامه كالتيمم بدل الوضوء في إباحة صلاة واحدة، والوضوء كنا يبيح صلوات، ويرفع الحدث وإذا وجد الماء في الغسل لا يجب عليه استعماله وفي التيمم بخلافه في ذلك كله إلا في إباحة صلاة، ومن خصائصه أن يكون مو مرجوح المصلحة، ولا يفعل إا عند تعذر المبدل منه.
الرابع: يبدل الشيء من الشيء في جملة أحكامه التي أقتضاها سببه، كخصال الكفارة، فإن كانت على الترتيب فخصصها قصور البدل عن المبدل في المصلحة مع القيام في جميع أحكام السبب الذي اقتضاه، وإن اختص هو في نفسه بأحكام تنشأ عنه لا عن السبب الموجب للتكفير، نو الولاء في العتق، وإن كانت على التخيير فمن خصائصها مساواتها للمبدل في المصلحة مع تحصيل أحكام ذلك السبب.
الخامس: يبدل الشيء من الشيء في بعض أحواله، وهو العزم، فإنه بدل من تعجيل الصلاة وتوسيطها دون الصلاة، والتعجيل والتوسط والتأخير أحوال تعرض للصلاة، ومصلحة الحال أقل من مصلحة صاحب الحال بكثير، فمن خصائص هذا البدل أا يسد مسد المبدل في شيء من ذاته، بل في بعض أحواله، وهو أضعف أصناف البدل، وبهذه القاعدة يظهر لك بطلان قول القائل: البدل يقوم مقام المبدل [منه] في جميع مصالحه، والأمور المطلوبة
стр. 1365
منه بدليل التيمم والعزم والكفارة على الترتيب، وبطلان قول القائل: لا يجوز العدول إلى إلا عند تعذر المبدل؛ لأنه يشكل بالجمعة.
(قاعدة)
يؤول مذهب الفقهاء إلى أن كل واجب موسع يلزمه واجب مخير ؛ لأن المكلف يكون مخيرا بين العزم والتعجيل.
قوله: (وما لا دليل عليه لا يجوز ورورد التكليف به، وإا لزم تكليف ما لا يطاق)
تقريره: أنه يلزم التكليف ما لا يطاق اعتقاد التكليف به مع عدم الدليل على ذلك، وقد قررت أول المسألة دليل العزم.
قوله: (وإذا أتي بالعزم أول الوقت، ولم يفعل، ثم جاء الوقت الثاني إن احتاج للعزم لزم أن العزم الأول لم يقم مقام الصلاة، والبدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه مرة واحدة)
قلنا: العزم الأول بدل عن أحد الحالات الذي هو التعجيل، وبقي التوسع لم يأت له ببدل، فهذا في الحقيقة بدل آخر غير الأول.
قوله: (يضعف أن يقال: البدل يقوم مقام الصلاة في أول الوقت؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، بل مرة واحدة، فإذا حصل البدل عنها سقطت وبطل التكليف بالكلية)
قلنا: نسلم أن الأمر لا يقتضي التكرار، وإنما يقتضي مرة واحدة، لكن تلك المرة الواحدة لها أحوال متعددة: التعجيل، والتوسط، والتأخير فأمكن تعدد البدل لتعدد الأحوال.
стр. 1366
قال سيف الدين: واتفقنا على زن الفدية في الحامل والمرضع بدل عن تعجيل الصوم فالعزم كذلك.
قوله: (دل العقل على أنه لا يثب الواجب الموسع إلا ببدل)
قلنا: لا نسلم؛ بل الواجب الموسع كما قلتم يرجع للواجب المخير وأجمعنا على زن المخير لا عزم فيه، وإن آخر الثلاثة إى آخر العمر، فكذلك يؤخر الصلاة إلى آخر القامة لا يفتقر الأمر هذا التكليف على هذه الصورة موسعا من غير بدل، ولا غرو في ذلك إذا قال السيد لعبده: جوزت لك التأخير بغير بدل، وحتمته عليك آخر الوقت أن تفعل ولا حاجة إلى العزم، فلم يدل العقل ولا النقل عليه، فلا يثبت شرعا.
قوله: (إن قلنا بتضييق الزمان وتعينه من غير أن يوجد على تعين ذلك الزمان دليل، فهو تكليف ما لا يطاق).
قلنا: لا نسلم أنه تكليف ما لا يطاق؛ لأن تكليف ما لا يطاق هو ما لا نقدر على تحصيله بوجه من الوجوه، والمكلف هاهنا يقدر على تحصيله بوجه وهو التعجيل، وإنما يلزم أن يكون ما لا يطاق أن لو قال: حرمت عليك التأخير عن الوقت المجهول، والتعجيل قبله، أما أن يحرم التأخير عنه فقط، فلا يلزم منه تكليف ما لا يطاق.
(قاعدة)
الواجب الموسع تارة يكون كل واحد من أجزاء زمانه سببا كأوقات الصلوات وأيام النحر ولذلك يتوجه الخطاب على من ولد أو بلغ أو أسلم، وتارة يكون أول جزء منه هو السبب فقط كزكاة الفطر، فلا تجب على المتجدد
стр. 1367
على الخلاف في ذلك وإن كان لا يأثم من وجبت عليه التأخير إلى غروب الشمس من يوم الفطر، وبه يظهر الفرق بين الأقوال الثلاثة:
تجب بغروب الشمس
بطلوع الفجر
بطلوع الشمس
وبين القول الرابع: أنها: تجب وجوبا موسعا من الغروب إلى الغروب، ووجوب قضاء رمضان في جملة العام الثاني دون الأول فتأمله
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: وجوب العزم تابع لبقاء الفعل في الذمة، ولا زم لكل من عليه التكليف، دخل وقته أو لم يدخل؛ لأنه إذا لم يعزم على الفعل مع التذكر، فقد عزم على الترك وهو معصية وترك المعصية واجب، قال: وعلى هذا الوجه ينبغي أن ينزل احتبار أبي الحسين، وصاجب الكتاب لا على عدم الوجوب في العزم مع عدم الفعل، وأنه خطأ.
ويرد على التبريزي: أن العزم على الترك ليس لازما لعدم العزم على الفعل، فلم يشر العالم بذكر، ولا بعزم على فعل، ولا على ترك كالمشكوك في مصلحته، وجميع ما ليس لنا في غرض، أو لكونه غير قابل للعزم كالواجبات، والمستحيلات، وبالجملة فنحن من وراء المنع في هذا المقام.
стр. 1368
المسألة الثالثة
في الواجب على سبيل الكفاية
قال الرازي: الأمر إذا تناول جماعة: فإما أن يتناولهم على سبيل الجمع أو لا على سبيل الجمع؛ فإن تناولهم على سبيل الجمع، فقد يكون فعل بعضهم شرطا في فعل البعض؛ كصلاة الجمعة، وقد لا يكون كذلك؛ كما في قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) [البقرة:٤٣] أما إذا تناول الجميع، فذلك من فروض الكفايات؛ وذلك إذا كان الغرض من ذلك الشيء حاصلا بفعل البعض؛ كالجهاد الذي الغرض منه حراسة المسلمين، وإذلال العدو، فمتى حصل ذلك بالبعض، ولم يلزم الباقين.
واعلم أن التكليف فيه موقوف على حصول الظن الغالب.
فإن غلب على ظن جماعة أن غيرها يقوم بذلك، سقط عنها، وإن أغلب على ظنهم أن غيرهم لا يقوم به، وجب عليهم، وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم لا يقوم به، وجب على كل طائفة القيام به.
وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم يقوم به، سقط الفرض عن كل واحدة من تلك الطوائف، وإن كان يلزم منه ألا يقوم به أحد، لأن تحصيل العلم بأن غيري، هل فعل هذا الفعل أم لا غير ممكن إنما الممكن تحصيل الظن، والله أعلم
стр. 1369
المسألة الثالثة
في فرض الكفاية
قال القرافي: اعلم أنه إنما سمي كقاية؛ لأنه يكفي فيه البعض عن الكل.
وسمي الآخر فرض الأعيان؛ لأنه واجب على كل عين.
стр. 1370
الواجب على سبيل الكفاية بتكرره، وهذا يجب على الأعيان، تكثيرا لتلك المصلحة كالصلوات الخمس، فإن مصلحتها تعظيم الله تعالى وإجلاله وكلما تكررت الأفعال أو كثر الفاعلون كثر تعظيم الله تعالى وإجلاله.
ومنها ما لا يتكرر مصلحته بتكرره، كإنقاذ الغريق؛ فإنه إذا انزل الأول في البحر، ثم نزل آخر بعده. [فهذا أو نحوه يحب على الكفاية، ويسقط عن الباقين نفيا للتعقيب.
فهذا ضابط فروض الكفاية] لم يحصل بنزوله مصلحة، وكذلك إطعام
следующие страницы →