← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قال سيف الدين: واتفقنا على زن الفدية في الحامل والمرضع بدل عن تعجيل الصوم فالعزم كذلك. قوله: (دل العقل على أنه لا يثب الواجب الموسع إلا ببدل) قلنا: لا نسلم؛ بل الواجب الموسع كما قلتم يرجع للواجب المخير وأجمعنا على زن المخير لا عزم فيه، وإن آخر الثلاثة إى آخر العمر، فكذلك يؤخر الصلاة إلى آخر القامة لا يفتقر الأمر هذا التكليف على هذه الصورة موسعا من غير بدل، ولا غرو في ذلك إذا قال السيد لعبده: جوزت لك التأخير بغير بدل، وحتمته عليك آخر الوقت أن تفعل ولا حاجة إلى العزم، فلم يدل العقل ولا النقل عليه، فلا يثبت شرعا. قوله: (إن قلنا بتضييق الزمان وتعينه من غير أن يوجد على تعين ذلك الزمان دليل، فهو تكليف ما لا يطاق). قلنا: لا نسلم أنه تكليف ما لا يطاق؛ لأن تكليف ما لا يطاق هو ما لا نقدر على تحصيله بوجه من الوجوه، والمكلف هاهنا يقدر على تحصيله بوجه وهو التعجيل، وإنما يلزم أن يكون ما لا يطاق أن لو قال: حرمت عليك التأخير عن الوقت المجهول، والتعجيل قبله، أما أن يحرم التأخير عنه فقط، فلا يلزم منه تكليف ما لا يطاق. (قاعدة) الواجب الموسع تارة يكون كل واحد من أجزاء زمانه سببا كأوقات الصلوات وأيام النحر ولذلك يتوجه الخطاب على من ولد أو بلغ أو أسلم، وتارة يكون أول جزء منه هو السبب فقط كزكاة الفطر، فلا تجب على المتجدد

стр. 1367

على الخلاف في ذلك وإن كان لا يأثم من وجبت عليه التأخير إلى غروب الشمس من يوم الفطر، وبه يظهر الفرق بين الأقوال الثلاثة: تجب بغروب الشمس بطلوع الفجر بطلوع الشمس وبين القول الرابع: أنها: تجب وجوبا موسعا من الغروب إلى الغروب، ووجوب قضاء رمضان في جملة العام الثاني دون الأول فتأمله (تنبيه) زاد التبريزي فقال: وجوب العزم تابع لبقاء الفعل في الذمة، ولا زم لكل من عليه التكليف، دخل وقته أو لم يدخل؛ لأنه إذا لم يعزم على الفعل مع التذكر، فقد عزم على الترك وهو معصية وترك المعصية واجب، قال: وعلى هذا الوجه ينبغي أن ينزل احتبار أبي الحسين، وصاجب الكتاب لا على عدم الوجوب في العزم مع عدم الفعل، وأنه خطأ. ويرد على التبريزي: أن العزم على الترك ليس لازما لعدم العزم على الفعل، فلم يشر العالم بذكر، ولا بعزم على فعل، ولا على ترك كالمشكوك في مصلحته، وجميع ما ليس لنا في غرض، أو لكونه غير قابل للعزم كالواجبات، والمستحيلات، وبالجملة فنحن من وراء المنع في هذا المقام.

стр. 1368

المسألة الثالثة في الواجب على سبيل الكفاية قال الرازي: الأمر إذا تناول جماعة: فإما أن يتناولهم على سبيل الجمع أو لا على سبيل الجمع؛ فإن تناولهم على سبيل الجمع، فقد يكون فعل بعضهم شرطا في فعل البعض؛ كصلاة الجمعة، وقد لا يكون كذلك؛ كما في قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) [البقرة:٤٣] أما إذا تناول الجميع، فذلك من فروض الكفايات؛ وذلك إذا كان الغرض من ذلك الشيء حاصلا بفعل البعض؛ كالجهاد الذي الغرض منه حراسة المسلمين، وإذلال العدو، فمتى حصل ذلك بالبعض، ولم يلزم الباقين. واعلم أن التكليف فيه موقوف على حصول الظن الغالب. فإن غلب على ظن جماعة أن غيرها يقوم بذلك، سقط عنها، وإن أغلب على ظنهم أن غيرهم لا يقوم به، وجب عليهم، وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم لا يقوم به، وجب على كل طائفة القيام به. وإن غلب على ظن كل طائفة أن غيرهم يقوم به، سقط الفرض عن كل واحدة من تلك الطوائف، وإن كان يلزم منه ألا يقوم به أحد، لأن تحصيل العلم بأن غيري، هل فعل هذا الفعل أم لا غير ممكن إنما الممكن تحصيل الظن، والله أعلم

стр. 1369

المسألة الثالثة في فرض الكفاية قال القرافي: اعلم أنه إنما سمي كقاية؛ لأنه يكفي فيه البعض عن الكل. وسمي الآخر فرض الأعيان؛ لأنه واجب على كل عين.

стр. 1370

الواجب على سبيل الكفاية بتكرره، وهذا يجب على الأعيان، تكثيرا لتلك المصلحة كالصلوات الخمس، فإن مصلحتها تعظيم الله تعالى وإجلاله وكلما تكررت الأفعال أو كثر الفاعلون كثر تعظيم الله تعالى وإجلاله. ومنها ما لا يتكرر مصلحته بتكرره، كإنقاذ الغريق؛ فإنه إذا انزل الأول في البحر، ثم نزل آخر بعده. [فهذا أو نحوه يحب على الكفاية، ويسقط عن الباقين نفيا للتعقيب. فهذا ضابط فروض الكفاية] لم يحصل بنزوله مصلحة، وكذلك إطعام

стр. 1371

الجوعان، وإكساء العريان، فهذا ونحوه يجب على الكفاية، ويسقط عن الباقين نفيا للتعقيب، فهذا ضابط فروض الكفاية، وفروض الأعيان. فإن قلت: يشكل ذلك بصلاة الجنازة؛ فإن المقصود المغفرة، ولم يعلم حصولها، فكيف كانت فرض الكفاية، واقتصر على البعض مع عدم تحقيق المصلحة؟ قلت: مقصود الصلاة على الجنازة حصول المغفرة ظنا لوجود أمارة تدل عليها. وقد حصل ذلك بقوله تعالى: (ادعوني استجب لكم) [غافر:٧٠]، وكقوله ﵇: (لا يجتمع لرجل من أمتي أربعون يصلون عليه إلا غفر له)، أو ما هذا معناه، وقد فعل ذلك، وقد حصلت المغفرة ظنا، وأما حصولها علما فلا مطمع فيه أبدا. (قاعدة) لا يجوز خطاب المجهول، ويجوز الخطاب بالمجهول . أعني: غير المعين في القسمين؛ لأن خطاب غير المعين يفضي إلى ترك الأمر، بأن يمتنع كل أحد من فعله؛ لأنه يقول: أنا لم أرد ولم يتعين على بخلاف الخطاب بغير المعين نحو الأمر بإعتقا رقبة،،بجميع المطلقات؛ فإن يتأتى معها حصول مقصود الأمر بفعل معين يدخل في ضمنه ذلك المطلق. وبهذه القاعدة قرر الشرع الوجوب على الكل في فرض الكفاية حذرا من خطاب المجهول لئلا يضيع الواجب، وإلا فمقتضى الخطاب لغة أن يجب على طائفة لا بعينها لقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) [آل عمران:١٠٤].

стр. 1372

وقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) [التوبة:١٢٢] وغير ذلك من النصوص التي لا تقتضي إلا طائفة لا بعينها، غير أن هذه القاعدة أوجبت التعميم في الكل مع أن الشيخ المعروف بالعالمي قال في (أصول الفقه) له: قال بعض الفقهاء: فرض الكفاية واجب على طائفة لا بعينها. وقال بعضها: على الكل، ويسقط بفعل البعض، ويتبين أن ذلك البعض هو المراد بالإيجاب. وقال بعضهم: بل الجميع مراد بالوجوب، ويسقط بفعل البعض، فحكى ثلاثة أقوال، واختار الثالث. (سؤال) إذا كان معنى فرض الكفاية الوجوب على أحدى الطوائف، وهي المقصودة، فإنما وجب على الكل وجوب الوسائل لا وجوب المقاصد؛ لذلا يضيع الواجب، وإحدى الطوائف قدر مشترك بين الطوائف، فيكون القدر المشترك بين الطوائف هو متعلق الوجوب، وكذلك في المخير، والموسع، فإذا كان الجميع يتعلق فيه الخطاب بالمشترك، فينبغي أن يتحد الاسم لاستواء المعنى. قلنا: لم يتحد المعنى، وإن تعلق في الجميع بالمشترك؛ لأن المشترك في الكفاية الواجب عليه، والمشترك في الموسع الواجب فيه، والمشترك في المخير هو الواجب نفسه، فحصل لكل واحد منهما خصيصة يختص به، فتعين تعدد الأسماء لتعدد الحقائق. (سؤال) فروض الكفاية يقوم فيها البعض عن فعل البعض، مع أن الأفعال البدنية

стр. 1373

لا ينوب فيها أحد عن أحد كالصلاة، والجهاد، فكيف دخلت النيابة هاهنا؟ جوابه: ليس هذا من باب النيابة، بل أسقط الوجوب عن الفاعل فعله، وعن غير الفاعل انتفاء مصلحة الوجوب، فانتفاء الوجوب لانتفاء مصلحته، فبقي الوجوب بعد ذلك عبثا، فأسباب السقوط مختلفة، وليس فيه نيابة. (سؤال) كيف سوى الشرع بين الفاعل وغير الفاعل في فروض الكفاية ؟ جوابه: استويا في سقوط الخطاب عنهما فقط، لكن الفاعل مثاب، وغير الفاعل غير مثاب، بل برئ الذمة فقط. (فائدة) قال صاحب (الطراز) وغيره من العلماء: أذا خرج للفعل الواجب على الكفاية من يغلب على الظن قيامه، فسقط الفرض عن الباقين، ثم لحق بعض من سقط عنه الفرض بتلك الطائفة المبتدئة لفعل ذلك الواجب، وإن كان قد سقط الوجوب عن اللاحقين، واختص الوجوب بالأولين، فإنه يعمهم بعد ذلك بسبب أن مصلحة الوجوب إنما وقعت بفعل الجميع، لا بالأولين فقط، والثواب لمن حصل المصلحة، ويختلف ثوابهم باختلاف مساعيهم، فمن عمل أكثر كان ثوابه أكثر كالملتحق بالمجاهدين، وقد سقط الفرض عنه، أو بالمجهزين للزموات، أو المنقذين للغرقى، ونحو ذلك، ومن ذلك: المستغلين باليوم بطلب العلم، فإنهم يثابون على استغالهم ثواب الواجب؛ فإن المقصود حصول طوائف تقوم بتلك العلوم الشرعية، ولك يحصل إلى الآن، بل الناس في غاية الحاجة لمن يشتغل بالعلم، ويضبط أصوله وقواعده

стр. 1374

(فائدة) قال سيف الدين: من الناس من منع صدق الوجوب على فرض الكفاية؛ لأنه يسقط بفعل الغير، وهو باطل ؛ لأن الاختلاف إنما وقع في المسقط لا في الحقيقة كالاختلاف في طرف الثبوت، كما أن من وجب قتله بالردة، والقتل، فالقتل واحد، وأحدهما يسقط بالتوبة، ولم يلزم الاختلاف في لزوم القتل واستحقاقه. (قاعدة) الذي يوصف بأنه فرض كفاية له شرطان: أحدهما: أن يكون فيه مصلحة شرعية أو وسيلة لمصلحة شرعية، وأن يكون ما لا تتكرر مصلحته بتكرره كما تقدم. فالمصالح الشرعية لضبط أصول الدين، وفروعه، والكتاب والسنة، وأنواع المدارك والأدلة، وأن يوصلها كل قرن إلى من بعده، وكذلك ضبط أصول الدين في العقائد، وآكد من الأول، وقيام الحجة لله تعالى على خلقه بالجهاد، والجدال، ودرء الشبهات عنهم، وكمناظرة الملحدين والطاعنين في الدين، وتمييز المحققين المبطلين من المتشبهين بأهل الحق، وتحقيق قواعد النبوات، وما يتعلق بجناب الله تعالى من الواجبات، والجائزات وتمييزها عن المستحيلات، إلى غير ذلك مما هو من هذا النوع. قال الغزالي: وشرط الطائفة بهذا الشأن شروط أربعة: أن يكونوا وافري العقول؛ لأن هذا العلم لا يحققه إلا الأذكياء. وأن يكون اشتغالهم كثيراً

стр. 1375

وأن يكونوا ديانين؛ فإن قليل الدين لا يطلب جواب الشبهة إذا وقعت له. وأن يكونوا فصحاء ومن ذلك تعليم القرآن للصبيان، والفروع للطلبة، والنحو واللغة وما يتعلق بالكتاب والسنة من القراءات السبع، ونحو ذلك. وأما الوسائل للمصالح الشرعية: كالصنائع، والحروف التي لا يستغنى عنها الناس، فيجب أن يخرج لكل حرفة طائفة تقوم بها، فإن كان لهم في ذلك نية أثبتوا على حرفهم ثواب الواجب، وإلا فلا، وليس كل واجب يثاب عليه كما تقدم الواجب أول الكتاب،

стр. 1376

النظر الثاني في أحكام الوجوب قال الرازي: وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأمر بالشيء أمر بما لا يتم الشيء إلا به بشرطين:

стр. 1377

...................................................

стр. 1378

................................................................

стр. 1379

................................................................

стр. 1380

أحدهما: أن يكون الأمر مطلقا. والاخر: أن يكون الشرط مقدورا للمكلف وقالت الواقفية: أن كانت مقدمة المأمور به سببا له، كان إيجاب المسبب إيجابا للسبب؛ لأن عند حصول السبب، يجب المسبب؛ فيمتنع أن يوجب المسبب عند اتفاق وجوب السبب. أما إذا كانت المقدمة شرطا؛ فحينئذ لا يكون المشروط واجب الحصول عند

стр. 1381

حصول الشرط، فها هنا لا يكون الأمر بالمشروط أمرا بالشرط؛ كالصلاة مع الوضوء. لنا: أن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال، ولا يستقر وجوبه على هذا الوجه إلا ومقدمته واجبة. إنما قلنا: إن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال؛ لأنه لا فرق بين قوله: (أوجبت عليك الفعل في هذا الوقت) وبين قوله: (لا ينبغي أن يخرج هذا الوقت إلا، وقد أتيت بذلك الفعل) في كون كل واحد من هذين اللفظين دليلا على الإيجاب، على كل حال. وإنما قلنا: إن إيجاب الفعل على كل حال، يقتضي إيجاب مقدمته؛ لأنه لو لم يقتض ذلك، لكان مكلفا حال عدم المقدمة، وذلك تكليف ما لا يطاق. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه أمر بالفعل بشرط حصول المقدمة؟ غاية ما في الباب أن يقال: هذا مخالفة للظاهر؛ لأن اللفظ يقتضي إيجاب الفعل على كل حال؛ فتخصيص الإيجاب بزمان حصول الشرط خلاف الظاهر، فكذا إيجاب المقدمة مع أن الظاهر لا يقتضي وجوبها خلاف الظاهر، وليس تحمل إحدى المخالفتين بأولى من تحمل الأخرى؛ فعليكم الترجيح. والجواب: قوله: (لم لا يجوز أن يقال: إن هذا الأمر أمر بالفعل بشرط حصول المقدمة؟): قلنا: هذا يبطل بأمر الموى غلامه بأن يسقيه الماء، إذا كان الماء على مسافة منه؛

стр. 1382

لأنه، إن كان كلفه سقي الماء بشرط أن يكون قد قطع المسافة، وجب إذا قعد في مكانه، ولك يقطع المسافة ألا يتوجه عليه الأمر بالسقي. وإن كان مكلفا بالسقي، مع عدم قطع المسافة، فهذا تكليف ما لا يطاق، فكل ماهو جواب الخصم، فهو جوابنا هاهنا. قوله: (ليس تحمل إحدى المخالفتين أولى من تحمل الثانية): قلنا: مخالفة الظاهر هي إثبات ما ينفيه اللفظ، أو نفي ما يثبته اللفظ. فأما إثبات ما لا يتعرض اللفظ له، لا بنفي ولا إثبات، فليس مخالفة للظاهر؛ والمقدمة لا يتعرض اللفظ لها لا بنفي ولا إثبات، فلم يكن إيجابها لدليل منفصل مخالفة للظاهر. وليس كذلك إذا خصصنا وجوب الفعل بحال وجود المقدمة، دون حال عدمها؛ لأن ذلك بخالف ما يقتضيه اللفظ من وجوب الفعل على كل حال. فروع: الأول: اعلم أن ما لا يتم الواجب إلا معه ضربان: أحدهما: كالوصلة، والطريق المتقدم على العبادة، والآخر: ليس كذلك. والأول: ضربان: أحدهما ما يجب بحصوله حصول ما هو طريق إليه، والاخر لا يجب ذلك فيه. أما الأول: فكما إذا أمر الله تعالى بإيلام زيد، فإنه لا طريق إليه إلا الضرب؛ فهو يستلزم الألم في البدن الصحيح

стр. 1383

وأما الثاني فضربان: أحدهما: يحتاج الواجب إليه شرعا. والاخر: يحتاج إليه عقلا. أما الأول: فكحاجة الصلاة إلى تقديم الطهارة. وأما الثاني: فكالقدرة والآلة وقطع المسافة إلى أقرب الأمكان، وهذا على قسمين: منه ما يصح من المكلف تحصيله؛ كقطع المسافة، وإحضار بعض الآلات. ومنه ما لا يصح؛ كالقدرة. وأما الذي لا يكون؛ كالوصلة: فضربان: أحدهما: أن يصير فعله لازما؛ لأن المأمور به اشتبه به، وهو ما إذا ترك الإنسان صلاة من الصلوات الخمس لا يعرفها بعينها، فيلزمه فعل الخمس؛ لأنه لا يمكن مع الالتباس أن يحصل له يقين الإتيان بالصلاة المنسبة إلا بفعل الكل. وثانيهما: ألا يتمكن من استيفاء العبادة إلا بفعل شيء آخر؛ لأجل ما بينهما من التقارب، نحو ستر جميع الفخذ؛ فإنه لا يمكن إلا مع ستر بعض الركبة، وغسل كل الوجه لا يمكن إلا مع غسل جزء من الرأس. وأما الترك: فهو: أن يتعذر عليه ترك الشيء إلا عند ترك غيره، وذلك إذا كان السيء ملتبسا بغيره، وهو ضربان: أحدهما: أن يكون قد تغير في نفسه. والآخر: ألا يكون قد تغير في نفسه

стр. 1384

فالأول: نحو اختلاط النجاسة بالماء الطاهر، وللفقهاء فيه اختلافات غير لا ئقة بأصول الفقه. وأما الذي لا يتغير مع الالتباس: فإنه يشتمل على مسائل: منها: أن يشتبه الإناء النجس بالإناء الطاهر، والفقهاء اختلفوا في جواز التحري فيه. ومنها: أن يوقع الإنسان الطلاق على امرأة من نسائه بعينها، ثم يذهب عليه عينها. والأقوى: تحريم الكل؛ تغليبا للحرمة على الحل الفرع الثاني: قال قوم: إذا اختلطت منكوحة بأجنبية، وجب الكف عنهما، لكن الحرام هي الأجنبية، والمنكوحة حلال. وهذا باطل؛ لأن المراد من الحل رفع الحرج، والجمع بينه وبين التحريم متناقض. فالحق أنهما حرامان، لكن الحرمة في إحداهما بعلة كونها أجنبية، وفي الزخرى بعلة الاشتباه بالأجنبية. أما إذا قال لزوجتيه: (إحداكما طالق) فيحتمل أن يقال بحل وطئهما؛ لأن الطلاق شيء متعين؛ فلا يحصل إلا في محل متعين، فقبل التعيين لا يكون الطلاق نازلا في واحدة منهما، فيكون الموجود قبل التعيين ليس الطلاق، بل أمرا صلاحية التأثير في الطلاق عند اتصال البيان به.

стр. 1385

وإذا ثبت أن قبل التعيين لم يوجد الطلاق، وكان الحل موجودا وجب القول ببقائه؛ فيحل وطؤهما معا. ومنهم من قال: حرمتا جميعا إلى وقت البيان؛ تغليبا لجانب الحرمة. فإن قلت: لما وجب عليه التعيين، والله تعالى يعلم ما سيعينه، فتكون هي المحرمة، والمطلقة بعينها في علم الله تعالى، وإنما هو مشتبه علينا. قلت: الله تعالى يعلم الأشياء على ماهي عليه؛ فلا يعلم غير المتعين متعينا؛ لأن ذلك جهل، وهو في حق الله تعالى محال، بل يعلمه غير متعين في الحال، ويعلم أنه في المستقبل سيتعين. الفرع الثالث: اختلفوا في الواجب الذي لا يتقدر بقدر معين؛ كمسح الرأس، والطمأنينة في الركوع، إذا زاد على قدر الزيادة، هل توصف الزيادة بالوجوب؟ والحق لا؛ لأن الواجب هو الذي لا يجوز تركه، وهذه الزيادة يجوز تركها؛ فلا تكون واجبة. النظر الثاني في أحكام الوجوب قال القرافي: المسألة الأولى: الأمر بالشيء أمر بما لا يتم الشيء إلا به: قوله: (بشرط أن يكون مطلقا). تقريره: أن الذي يتوقف عليه الواجب قسمان: ما يتوقف عليه في وجوبه. وما يتوقف عليه في وقوعه. فكل ما يتوقف عليه في وجوبه من سبب أو شرط، أو انتفاء ما نع لا يجب تحصيله إجماعا، إنما النزاع فيما يتوقف عليه في وقوعه بعد تقرر وجوبه، كالنصاب سبب وجوب الزكاة، لا يجب على أحد تحصيله حتى تجب الزكاة

стр. 1386

عليه، وكذلك الزوجات، والمماليك، والدواب سبب وجوب النفقات ولا يجب تحصيلها، والإقامة شرط وجوب الصوم، ولا يجب على أحد أن يقيم ويترك السفر حتى يجب عليه الثوم، والدين مانع من الزكاة، ولا يجب عليه أن يعطي الدين حتى تجب عليه الزكاة، وفرق بين قول السيد لعبده: إذا نصبت السلم فاصعد السطح، وبين قوله: اصعد السطح؛ فإنه يجب عليه إذا نصب السلم في الأول دون الثاني؛ لأن الثاني ورد مطلقا غير مقيد بشرط في الوجود، والأول قيد وجوبه بشرط، فلا يجب عليه شيء إلا عند حصول ذلك الشرط، فهذا معنى قوله: (مطلقا) (سؤال) قوله: (ما لا يتم الواجب إلا به) يندرج فيه الخبر، ولا تستقيم حكاية الخلاف فيه؛ لأنه واجب إجماعا، إنما الخلاف في الأمور الخارجية عن الواجب) قوله: (والشرط الآخر أن يكون مقدورا للمكلف) تقريره: أن الذي يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد وجوبه منه ما هو مقدور للمكلف، كنصب السلم ونحوه، ومنه ما هو معجوز عنه؛ فإن صلاة الإنسان وجميع أفعاله تتوقف بعد وجوبها على تعلق إرادة الله تعالى له بذلك، وعلى خبر الله الخبر النفساني؛ فإنه فاعلها، وليس للمكلف قدرة أن تعلق صفات الله بفعله، فلا جرم لا يجب عليه ذلك، ومن ذلك الطهارة والستارة في الصلاة وغيرهما من الشروط، متى عجز عنها لا يقول أحد بوجوبها. قوله: (وقالت الواقفية: إن كانت مقدمة المأمور به سببا له وجب وإلا فلا)

стр. 1387

تقريره: أن المذاهب في هذه المسألة ثلاثة: تجب الوسائل. لا تجب. الفرق بين الأسباب وغيرها. وأما وجه الوجوب فسيأتي، وأما عدم الوجوب فلأن الأمر إنما دل على وجوب الفعل، وإلزامه، ولم يدل عليه دليل فهو على البراءة الأصلية، وأيضا فإن أدلة المصنف ضعيفةة فإنهم اقتنعوا بمبادئ النظر، وإلا فإذا ترك المكلف صعود السطح، فلا شك أنه يستحق المؤاخذة عليه، أما نصب السلم، فما الدليل على أنه يعاقب عليه، وكذلك إذا ترك الإنسان الحج لم قلتم: إنه يؤاخذ على كل خطوة كان يمشيها في طرق الحج؟ وبالجملة ثبوت المؤاخذة على الوسائل بمجرد الأمر في المقاصد عسير، نعم قد تجب الأدلة منفصلة لقوله تعالى في الجمعة: (فاسعوا إلى ذكر الله) [الجمعة:٩]، وكان الشيخ شمس الدين الخسروشاهي يؤمن على هذا السؤال. ووجه قول الواقفية: أن السبب يجب دون غيره أن السبب يلزم من وجوده الوجود، والشرط والمانع لا يلزم من وجودهما وجود المطلوب، فإذا أوجبنا السبب أوجبنا وجود شيء فيلزم وجود المصلحة، بخلاف الشرط والمانع، فهذا هو الفرق عندهم. مثال السبب: كما إذا قال: (أوجبت عليكم إيلام زيد)، فإن الضرب يجب؛ لأنه سبب الألم بخلاف تحصيل الآلة التي يضرب بها فإنها شرط، وإزالة الحائل من عليه؛ لأنه مانع. قوله: (إذا كانت المقدمة شرطا لا يجب كالصلاة مع الوضوء)

стр. 1388

يريد: أمرين: أحدهما: أن الدليل دل على شرطية الوضوء للصلاة، وإلا فلو قال صاحب الشرع ابتداء: صلوا مع تقرر شرطية الوضوء، ولا يذكر الوضوء ففي هذه الصورة بعد حصول هذين الأمرين تتصور المسألة، ويكون في وجوب الوضوء قولان من جهة الأمر الثاني الوارد بإيجاب الصلاة مجردة عن ذكر الوضوء، وإن كان قد اتفق على وجوبه في الأمر الأول الوارد بوجوب الوضوء. قوله: (الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال). قلنا: هاهنا فرق بين إيجاب الفعل في كل حال، وبين إيجابه مع قطع النظر عن كل حال، ومقصود (لم) إنما يتم بالأول دون الثاني: بيانه: أنا نتصور أيجاب المطلقات مع قطع النظر عن الخصوصيات والتعينات، كإعتناق رقبة، وإخراج شاة من أربعين، ولك يوجب الشرع ذلك في كل معين، وكل خصوصية، وإلا لزم الجمع الجمع بين المتضادات، وكان المطلق عاما لا مطلقا، وكذلك تعقل إيجاب الفعل مع قطع النظر عن كل مكان معين، كقوله: (صم) فإن ذلك لا يقضي أن الآمر قصد مكانا معينا، بل ظاهره يقتضي إعراضه عن كل مكان؛ لأنه أوجب الصوم في كل مكان، وكذلك ليس في الزمر ما يقتضي أنه قصد حصول الأحوال والهيئات العارضة للفاعل في حال الفعل من الغضب، والرضا، والجوع، والعطش، وغير ذلك إذا تصورت الفرق في الأزمنة، والبقاع ظهر لك ذلك كله في الأحوال، وأما أن مقصود المصنف إنما يحصل من الفعل في كل كل حال؛ فلأنه نقول: ينبغي ألا يكون من جملة تلك الأحوال عدم الشرط؛ لأنه إن لم يكن عدم الشرط من جملة الأحوال مع أن الأمر اقتضاء الفعل في كل حال، فيكون الأمر اقتضاء إيجاب المشروط حالة عدم شرطه لا يطاق، فيحصل مقصوده من أن المحال إنما نشأ من كون عدم ذلك الشرط من جملة الأحوال.

стр. 1389

الواقعة، فإذا أوجبنا زواله انتفى تكليف ما لا يطاق لبقاء جميع الأحوال حينئذ الفعل معها ممكن، أما إذا قلنا: إن الأمر اقتضاء إيجاب الفعل مع قطع النظر عن كل حالة لا يكون الأمر متعرضا لإيقاع الفعل في حالة عدم الشرط، بل للفعل من حيث هو هو، فما لزم الجمع بين المشروط وعدم الشرط بخلاف ما إذا كان الأمر متعرضا له، فظهر لك الفرق بين إيجاب الفعل في كل حال، وبين إيجابه مع قطع النظر عن كل حال، وإن كان مقصوده إنما يحصل من الأول دون الثاني. (تنبيه) تقريره ﵀ لا يحصل مقصوده. بيانه: أن الوسيلة إذا أوجبناها فقد يعصي المكلف، وهو الغالب، كقوله تعالى: (وما وجدنا لأكثرهم من عده) [الأعراف:١٠٢]، (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) [الأنعام:١١٦]، (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف:١٠٣]، وحينئذ يبقى الشرط واقعا من جملة الأحوال، فيلزم المحال المذكور مع التكليف بالوسيلة كما كان لا زما مع عدم التكليف بها، وإذا لم يكلفه بالوسيلة، فقد يفعلها، فلا [يكون] يلزم تكليف ما لا يطاق، فعلمنا حينئذ أن التكليف بما لا يطاق دائر مع فعل الوسيلة، وعدمها، لا مع الأمر بها وعدم الأمر بها، فلا أثر للأمر حينئذ في استلزام نفي المحال، نعم له أثر في تأكد إزالة عدم الوسيلة؛ لأن الوازع الشرعي مؤكد، وربما أوجب إحجاما عند النفوس الخبيثة وهو الأكثرون؛ فإنها أمثل شيء لما منعت عنه وأنفر شيء مما حدثت إليه، فهذا إيضاح الكشف عن غامض هذه المسألة بفضل الله تعالى. قوله: (لا فرق بين قوله: أوجبت عليك الفعل في هذا الوقت)، وبين قوله: (لا ينبغي أن تخرج هذا الوقت إلا وأنت قد أتيت بالفعل) قلنا: بقي قسم آخر، وهو (ألا يتعرض للوقت ألبتة) بالتكليف، بل

стр. 1390

يقصد الفعل من حيث هو فعل فقط، وشأن التكليف، والأزمان، والأحوال [وغير ذلك]. قوله: (لم لا يجوز أن يأمر بالفعل بشرط حصول المقدمة؟) تقريره: أن شرط إيقاع الواجب بعد تقرر الوجوب يصير شرطا في أصل الوجوب حتى يخرج من تلك الأحوال حالة عدم الوسيلة، فلا يلزم تكليف ما لا يطاق، وكأن أصل الكلام: اصعد السطح مثلا، فيجب نصب السلم ليتمكن من إيقاع الواجب الذي هو الصعود، فيحصل كلامه بهذا التأويل على أنه قال: إن كان السلم منصوبا، فاصعد السطح، فلا يجب عليه النصب حينئذ إجماعا، ولا يجب الصعود حتى يجد السلم منصوبا، ويكون ذلك تخصيصا على خلاف الظاهر. قوله: (يبطل بالأمر بالسقي الماء، وهو على مسافة إن اشترطتهم قطعها في أصل التكليف لا يعصي بالقعود، وإن لم تشترطوا أتيتم التكليف بالسقي مع عدم قطع المسافة، وهو تكليف ما لا يطاق). قلنا: لنا واسطة أخرى بأن يثبت التكليف مع قطع النظر عن القسمين، بل بالسقي من حيث هو سقي، وإن كان لا يقع السقي إلا بقطع المسافة، ففرق بين توقف الوجود على الوجود، وبين توقف الوجوب على الوجوب، فالتوقف بين الوجودين مسلم، إنما النزاع في التوقف بين الوجوبين، وتكليف ما لا يطاق لا ينشأ من توقف الوجودين؛ فإن الكل ممكن، إنما لزم من إلزام التكليف في حالة عدم وجود الوسيلة، فلو قطع النظر عن كونه قصد لإيقاع التكليف في هذه الحالة، وقال: يقصد المكلف بنفسه إن أراد أن تحصل الوسيلة حصلها، وخلص من العهدة بفعل السقي، وإن شاء لم يحصلها فيستحق المؤاخذة على عدم السقي فقط لا على عدم إيجاد الوسيلة، وقطع المسافة.

стр. 1391

نقول: الأمر هذا لا العرض له، إنما العرض بالإيجاب لطلب السقي فقط دون الحالات، وهو من حيث هو ممكن، فما كلفت بغير المقدور عليه. قوله: (مخالفة الظاهر: إثبات ما ينفيه الظاهر، أو نفي ما يثبته الظاهر، أما ما لا يتعرض له الظاهر ألبتة، فليس مخالفة له) تقريره: أما الأول: فكقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق) [البقرة:١٩٧]، فمن أثبت بعض أنواع الرفث، فقد أثبت ما ينفيه الظاهر. وأما الثاني: فكقوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) [البقرة:٢٧٥]، فمن قال: إن بيعا ليس حلالا فقد نفي ما أثبته الظاهر. مثال الثالث: قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) [المائدة:٣]، فلما ورد قوله ﵇: (كل ذي ناب من السباع حرام)، لا يكون ذلك مخالفة للظاهر؛ لأنه لم ينفه ولم يثبته. قوله: لو قيل: إن لفظ تعرض لها بالإثبات لم يبعد؛ لأن إيجاب الملزوم يدل بالالتزام على إيجاب لازمه، والشروط لوازم، فيدل اللفظ عليها التزاما، فيكون هذا الجواب أقوى في نفي مخالفة الظاهر من جهة أنا أثبتنا ما أثبته الظاهر، فهو أولى بعدم المخالفة من قولنا: أثبتنا سببا لم يتعرض له الظاهر، بخلاف إخراج بعض الأحوال عن عموم اقتصاء اللفظ بجميعها يكون ذلك تخصيصا للعام، وتخصيص العام مخالفة للظاهر.

стр. 1392

(تنبيه) البحث في هذه المسألة يمكن صرفه للكلام النفساني، كما قالوه في الأمر بالشيء نهي عن ضده اختلفوا فيه هل في النفساني أو في اللساني، ويمكن ذلك هاهنا؛ لأن الإطلاق نحو من ذلك الإطلاق، فعلى هذا يكون البحث فيه بحسب التعلق لا بحسب الدلالة؛ لأن النفساني مدلول لا دليل، ويمكن صرفها للساني، فيكون البحث عن دلالة اللفظ، هل يتناول الوسائل مطابقة أو التزاما؟ وهو الظاهر أنه التزام إن سلم أصل التناول. (سؤال) إن سلمنا أن الأمر اقتضى إيجاب الفعل مطلقا في جميع الحالات، وإن كانت حالة عدم الشرط كما قال حتى يلزم تكليف ما لا يطاق بأن لم يكلف بتحصيل الشرط، فتكليف ما لا يطاق لازم له على كل تقدير؛ لأن من جملة المقدمات تعلق صفات الله تعالى، والتكليف واقع مع عدم تعلقها في أكثر الصور، كقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف:١٠٣]. فإن قلت: تكليف ما لا يطاق إنما يمتنع حيث كان الامتناع عاديا، وهاهنا عقلي، لم يقل أحد باستحاله؛ لأن المعتزلة الذي هو أبعد عن ذلك قالوا به، فقالوا: علم الله تعالى لا يمتنع التكليف، فلا يضره هذا، إنما مقصوده ما لا يطاق عادة، والتكليف بالصعود حالة عدم نصب السلم لا يطاق عادة. قلت: ذلك مسلم، لكنه يعتقد أن الكل سواء، وكذلك في ميله تكليف ما لا يطاق، وجعل جميع التكاليف الواقعة غير مقدورة، فالسؤال لازم له. (تنبيه) لا نزاع في أن المقاصد تتوقف على الوسائل، إنما النزاع في أنه إذا ترك

стр. 1393

الوسيلة مع المقصد هل يعاقب عقابين: عقابا على المقصد، وعقابا على الوسيلة؟ وإذا فعلهما هل يثاب ثوابين عليهما، وقد تقدم استشكال الخسروشاهي لذلك، وأن الحق عقاب واحد، وثواب واحد للمقصد فقط، والوسيلة متعلق بخبر التكليف. (سؤال) قال سراج الدين: لقائل أن يقول: لما كان حال عدم المقدمة من جملة الأحوال، كان تكليف ما لا يطاق إن لزم كان لازما على المذهبين إلا أن تفسير تلك الأحوال بما عدا حالتي وجود ما يقتضي الأمر إيجاده وعدمه، وحينئذ يمنع لزوم ما لا يطاق؛ إذ المحال الفعل مع عدم المقدمة لا هو في حال عدمها والمكلف به هو الثاني. قلت: هذا كلام صحيح غير أنه في غاية القلق والإجحاف بالعبارة، فأبسطه فأقول: معنى قوله: (تكليف ما لا يطاق لازم على المذهبين) أن عدم المقدمة إذا كان واقعا فسواء أوجبنا المقدمة، أو لم نوجبها الفعل في هذه الحالة محال، غير أنا زدنا له على القول بالتكليف التكليف فقط، فصار بذلك تكليفا بالمحال، أما كون الفعل محالا، فلا بد منه؛ لأنه ينشأ من عدم المقدمة، والعدم واقع. وقوله: (إلا تفسير الأحوال بما عدا حالتي ما يقتضي الأمر إيجاده وعدمه) معناه: أن يفرض الأمر واقعا في كل حالة، ويقطع النظر عن مقتضى الوسيلة وجودها وعدمها، فلا يعتبرها في جملة الأحوال لا وجودا ولا عدما، ولو اقتصر سراج الدين على العدم وحده لكفاه بالوجود، حيث لا يترتب.

стр. 1394

عليه فائدة، فاختصر إلى الغاية، وزاد ما لا يحتاجه فقوله: (ما يقتضي الأمر إيجاده وعدمه) يريد: الوسائل مع أن عبارته تقتضي الفعل نفسه الذي هو المقصد، وهو غير مراد له، وإنما مراده الوسائل، ويمكن أن يريد بقوله: (إيجاده وعدمه) مسمى الوسائل؛ فإن المتوقف عليه تارة يكون وجود الشيء كالسبب، وتارة عدمه كالمانع، وعلى هذا يكون في كلامه حشو، وهو أقرب لكلامه، وقوله: (المحال الفعل مع عدم المقدمة لا هو حالة عدمها) يريد به أن التكليف وقع بالفعل مع عدم المقدمة تكليف ما لا يطاق؛ لأن قصد منه الجمع بين وجود المشروط مع عدم الشرط، وإنما التكليف حالة العدم فلا؛ لأنه يريد به أن التكليف وقع حالة العدم، ولم يرد به إيقاع المشروط حالة عدم الشرط كما تقول: (استقني) والمسافة بعيدة، واملاء في البئر، ليس المقصود (اسقني)، ولا تقطع المسافة، ولا تسقني من البئر، بل هذا تكليف حالة عدم المقدمة، وهو مقدور للمكلف بأن يقطع المسافة، ويتعاطى الأسباب، ويفعل المأمور، ففي كلامه مضاف محذوف، قوله: (التكليف بالفعل إن وقع بالفعل مع العدم كان محالا، أو حال العدم)، ولم يرد الجمع بينه وبين العدم فليس محالا، وهذا هو المكلف به إذا أخرجناه من جملة الأحوال في الاعتبار لا في الوقوع وعدم الوسيلة، وقد تقدم هذا المعنى في صدر المسألة، لكن العبارة هاهنا قلقة، وهذا معناها. (تنبيه) زاد التبريزي في استدلاله فقال: (إيجاب الشيء طلب [لتحصيله، وتحصيله تعاطي سبب حصوله، فيحصل بالضرورة طلب الشيء، ويتضمن طلب] ما لا يتم هو إلا به ، قال: فرن قيل: قد يغفل طالب الشيء عن مقدمات وجوده، فكيف يضاف إليه طلبها؟: قلنا: إن علمها طلبها،

стр. 1395

وإن غفل عنها يتعلق طلبه في مقصوده بوجهه الأعم، وهو كونه لا يتم مطلوبه إلا به، ويتصور من الإنسان طلب ما لا يحيط بتفاصيل ماهيته؛ ولأنه بتقدير ترك الوسيلة يتعرض للعقاب المتوعد المتوعد به على المطلوب، فإن تركه ترك المطلوب وهو قادر عليه بتوسط ما لا بد منه، ولا معنى للواجب إلا ما يترجح جانب فعله على جانب تركه لدفع عقاب يلزم على تقدير تركه. قلت: وكلامه هذا يشعر بأن طلب الفعل طلب لمقدماته بالطلب النفساني لأنه جعل نفس الطلب الوسيلة، وعضده بأن العقل لا يمنع منه؛ لأنه يطلبه إجمالا لا تفصيلا، فعلى هذا يكون اللفظ أيضا دالا عليه تضمنا أو التزاما، وقد تقدمت الإشارة إلى إمكان دعوى هذا الخلاف فيه، وأنهيشبهه دلالة الأمر على النهي عن الضد، وفي كلامه الآخر منه، فلا نسلم أن لا معنى للواجب إلا ما فسره به، بل لا معنى للواجب إلا ما ترجح فعله لدفع عقاب يلحقه على تركه لما هو تركه لا لأجل غيره، ففي كلامه مصادرة، فيعارض الخصم حده الواجب بهذا الحد الآخر فلا يتم مقصوده. (سؤال) مالفرق بين هذه المسألة، والمسألة التي بعدها أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ؛ لأن عدم الضد مما يتوقف عليه الواجب وبين قوله: ومتعلق النهي فعل ضد المنهي عنه؟ فروع الأول: قوله: (إذا أمر الله تعالى بإيلام زيد، فلا طريق له إا الضرب في البدن الصحيح) يريد: الإيلام الخاص الناشئ عن الضرب، أما مطلق الألم، فيحصل بالكلام وغيره من المؤذيات، وقوله: (الصحيح) احتراز عما يعرض في

стр. 1396

الجسد من بطلان الحس، فلقد رأيت من اكتوى في اثنى عشر موضعا بالنار كيا متسعا ولم يحس به، فكان الأطباء يعالجونه، فلما حك يوما جلده بحكاك وجده استبشر الأطباء بعافيته، بكونه حك جلده؛ لأنه لا يحك إلا عن إحساس. قوله: (كحاجة الصلاة إلى الطهارة). يريد: إنه إذا تقرر وجود الطهارة شرطا ثم يأتي أنر بالصلاة بعد ذلك مطلقا، فيكون ذلك الأمر المطلق يقتضي وجوب الوضوء، وإلا فالوضوء واجب بالآية بنص يخصه لا يصح التمثيل به في هذا الباب. وقوله: (إن كان قد تغير في نفسه كالنجاسة مع الماء الطاهر، فللقهاء فيه اختلاف). يريد: إذا تغيرت أوصاف الماء أو أحدها، واختلاف الفقهاء هل يختص ذلك التغير بما دون الرائحة؟ وهل يختص بغير المجاور؟ وأما المجاور كالدهن، والعود والميتة على جنب النهر فلا يضر، وكذلك الرائحة بمفردها كل ذلك فيه خلاف.

стр. 1397

الفرع الثاني (إذا اختلطت امرأته بأجنبية منهم من قال: امرأته حلال، وهو باطل) قلنا: لعله يريد أنها حلال في ذاتها، بمعنى أن مفسدة التحريم لم توجد فيها، وإنما عرض لها التحريم لأجل الاشتباه، وعلى هذا هو موافق، ومقصده صحيح. قوله: (إذا قال لزوجاته: إحداكن طالق محتمل بقاء الحل؛ لأن الطلاق حكم معين لا يحصل إلا في محل معين، فقيل: التعيين لا يكون الطلاق لازما. قلنا: لم لا يكفي في تعيين محل الحكم تعينه بالنوع لا بالشخص؟ لأن الأحكام الشعرعية كلها إنما تتعلق بالمعدومات المستقبلة، واملعدوم المستقبل إنما يتعين بالنوع لا بالشخص؛ ولأن جميع الأحكام إنما تتعلق بأمور كلية كما تقدم في الواجب المخير ومتعلق العلم أبدا أخص من متعلق الخطاب، وخصوص كل صلاة بوقوعها في البقعة المعينة والهيئة المعينة لم يتعلق بها إيجاب، وكذلك جميع خصوصيات العبادة حتى لو صلى في الحرم النبوي المفضل المطلوب، أو في الجامع الذي هو شرط الجمعة لا بد أن يختص من ذلك الموضع بخير صلاته وموضع جلوسه ذلك المخصوص من الحرم أو الجامع لم يتعلق به طلب ألبتة وإذا كان الحكم إنما يتعلق بكلي في جميع الصور، والكلي مستحيل أن يكون معينا بالشخص بل بالنوع، فكذلك هاهنا مفهوم إحدى نسائه مفهوم كلي صادق عليها كلها، فهو كلي معين بالنوع. والقاعدة: أن الكلي متى حرم حرمت جزئياته، وكذلك إا ثنى بخلاف الأمر، والثبوت في الخبر والطلاق تحريم، فيحرم جميع النسوة، وقد تقدم بسطه في الواجب المخير.

стр. 1398

الفرع الثالث الواجب الذي لا يتقدر إذا زاد فيه هل يتصف الزائد بالوجوب؟ قوله (والحق لا يجب؛ لأن الزائد يجوز تركه) قلنا? هذا هو المتجه غير أنه لا يمكن تأثير الوجوب؛ فإنه ليس البعض بأولى من البعض؛ ولأن فرض الكفاية إذا نهض إليه من يقوم به ثم لحق بهم من سقط عنه الوجوب قبل إيقاع الواجب يقع فعل الجميع واجبا مع أنهم كان يجوز لهم الترك، وقد تقدم بسطه في فرض الكفاية، وهذا يظهر فيما يقع غير مندرج، كالمسح جملة، أما المندرج كالزيادة في الطمأنينة والركوع، فيتعين الأول للبراءة من الواجب، ولا يتجه بعد ذلك قول القائل: ليس البعض أولى من البعض، ويؤنس المندرج الإعادة في جماعة؛ فإن جماعة قالوا: ينوي الفرض، ويجوز أن يكون فرضه ذلك، وهو مفوض إلى الله تعالى مع أنه على التدريج. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: القول بحل امرأته إذا اختلطت بأجنبية نشأ من توهم كون الأحكام صفات الأفعال، والمحال من قاعدة التحسين والتقبيح، وزاد في الفرع الثالث، فقال: ربما يدل على أنه إذا طلق إحداهما لا بعينها أن الله تعالى لا يعلمها إلا غير معينة أن لو كات قبل التعين، فإن الميراث موقوف ولا يتعين. ... تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع إن شاء الله

стр. 1399

المسألة الثانية في أن الأمر بالشيء نهي عن ضده قال الرازي: اعلم: أنا لا نريد بهذا أن صيغة الأمر هي صيغة النهي؛ بل المراد: أن الامر بالشيء دال على المنع من نقيضه، بطريق الالتزام، وقال جمهور المعتزلة، وكثير من أصحابنا: إنه ليس كذلك. لنا: أن ما دل على وجوب الشيء دل على وجوب ما هو من ضروراته، إذا كان مقدورًا للمكلَّف؛ على ما تقدم بيانه في المسألة الأولى، والطلب الجازم من ضروراته المنع من الإخلال به، فاللفظ دال على الطلب الجازم، وجب أن يكون دالًا على المنع من الإخلال به؛ بطريق الالتزام. ويمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى؛ فيقال: إما أن يمكن أن يوجد مع الطلب الجازم - الإذن بالإخلال، أو لا يمكن. فإن كان الأول: كان جازمًا بطلب الفعل، ويكون قد أذن في الترك، وذلك متناقض. وإن كان الثاني، فحال وجود هذا الطلب، كان الإذن في الترك ممتنعًا، ولا معنى لقولنا: "الامر بالشيء نهي عن ضده" إلا هذا. فإن قيل: لا نسلم أن الطلب الجازم من ضروراته المنع من الإخلال؛ وبيانه من وجهين: الأول: أن الأمر بالمحال جائز؛ فلا استبعاد في أن يأمر جزمًا بالوجود، وبالعدم معًا.

стр. 1400

الثاني: أن الآمر بالشيء قد يكون غافلًا عن ضده، والنهي عن الشيء مشروط بالشعور به، فالآمر بالشيء حال غفلته عن ضد ذلك الشيء - يمتنع أن يكون ناهيًا عن ذلك الضد، فضلًا عن أن يقال: هذا الأمر نفس ذلك النهي. والجواب: قوله: "الأمر بالمحال جائز": قلنا: هب أنه جائز؛ ولكن لا تتقرر ماهية الإيجاب في الفعل، إلا عند تصور المنع من تركه؛ فكان اللفظ الدال على الإيجاب دالًا على المنع من الإخلال به؛ ضمنًا. قوله: "قد يأمر بالشيء حال غفلته عن ضده": قلنا: لا نسلم أنه يصح منه إيجاب الشيء عند الغفلة عن الإخلال به؛ وذلك لأن الوجوب ماهية مركبة من قيدين: أحدهما: المنع من الترك، فالمتصور للإيجاب متصور للمنع من الترك؛ فيكون متصورًا للترك؛ لا محالة. وأما الضد الذي هو المعنى الوجودي المنافي: فقد يكون مغفولًا عنه، ولكنه لا ينافي الشيء لماهيته، بل لكونه مستلزمًا عدم ذلك الشيء؛ فالمنافاة بالذات ليست إلا بين وجود الشيء وعدمه. وأما المنافاة بين الضدين فهي بالعرَض؛ فلا جرم عندنا الأمر بالشيء نهي عن الإخلال به، بالذات، ونهي عن أضداده الوجودية، بالعرض والتبع. سلمنا أن الترك قد يكون مغفولا عنه؛ لكن كما أن الأمر بالصلاة أمر بمقدمتها، وإن كانت تلك المقدمة قد تكون مغفولًا عنها؛ فلم لا يجوز أن يكون الأمر بالشيء نهيًا عن ضده، وإن كان ذلك الضد مغفولا عنه؟ سلمنا كل ما ذكرتموه، لكن لم لا يجوز أن يقال: الأمر بالشيء يستلزم النهي

стр. 1401

عن ضده؛ بشرط ألا يكون الآمر آمرًا بما لا يطاق، وبشرط ألا يكون غافلا عن الضد، ولا استبعاد في أن يستلزم شيء شيئًا عند حصول شرط خاص، وألا يستلزمه عند عدم ذلك الشرط. المسألة الثانية الأمر بالشيء نهي عن ضده قال القرافي: قلنا: أحسن من هذه العبارة: الأمر بالشيء نهي عن جميع

стр. 1402

..................................................

стр. 1403

..........................................................

стр. 1404

أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت، فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، والطريق، والبحر وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت، وإذا قال له: لا تجلس في البيت، فقد أمره بالجلوس في السوق أو في المسجد، أو في غير ذلك، ولا يتعين منها شيء، بل أحد الأمور التي يضاد الجلوس في البيت فعلها، وقد خرج عن العهدة. (تنبيه) تردد كلام الأصوليين في هذه المسألة ، هل المراد بقولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده في الكلام النفساني، فيكون الأمر النفساني نهيًا عن الضد نهيًا نفسانيًا؟ أو المراد أن الأمر اللساني نهي عن الأضداد بطريق الالتزام؟ وهو مراد المصنف، وقد صرح به، فإن فرعنا على الاول تعين التفصيل بين من يعلم بالأضداد، وبين من لا يعلم، فالله - تعالى - بكل شيء عليم، وكلامه واحد هو أمر، ونهي، وخبر، فأمره عين نهيه، وعين خبره، غير أن التعلقات تختلف، فالأمر عين النهي باعتبار الصفة المتعلقة نفسها التي هي الكلام، وهو غيره باعتبار ان الكلام إنما يصير أمرًا بإضافة تعلق الخاص وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل وإنما يصير نهيًا بتعلقه بطلب الترك، فالكلام يفيد التعلق الخاص غيره بالتعلق الآخر، فهذه الأقسام والتفاصيل لاينبغي الخلاف فيها لمن تصورها، وأن أمر الله تعالى بالشيء نهي عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي، وأما من لا شعور له بضد المأمور، فلا يتصور منه النهي عن الاضداد، فكلامه النفسي تفصيلا لعدم الشعور بها، ويصدق أنه نهى عنها بطريق الإجمال؛ لأنه طلب للمأمور على

стр. 1405

التفصيل، وليلخصه بكل طريق يفضي لذلك التحصيل؛ لأنه طلب، ومن جملتها اجتناب الأضداد، فيصدق أنه طلب على سبيل الإجمال، كما يطلب الإنسان الترياق الفارق وغيره من المطالب، ويطلب الجنة، وهو لا يعلم تفاصيلها، ولا تفصيل شيء من ذلك، ويصدق عليه أنه طالب لنعيم الجنة، هذا إن فرعنا على الكلام النفسي، وإن فرعنا على الكلام اللساني فلا ينبغي أن يختلف أن صيغة قولنا: (تحرك) ليس فيها صيغة قولنا: (لا تسكن)؛ فإن ذلك مكابرة للحس، وغنما يقع الخلاف في أن صيغة الأمر هل دلت التزامًا أم لا؟ وقد حكى سيف الدين الخلاف في المسألة مفصلا، فقال: الأمر بالشيء على التعيين هل هو نهي عن أضداده؟ اختلفوا فيه: أما أصحابنا: فالأمر عندهم الطلب النفساني، وقد اختلفوا فيه. فمنهم من قال: الأمر بالشيء بعينه نهي عن أضداده، وأن طلب الفعل بعينه هو طلب الترك، وهو قول القاضي منا. ومنهم من قال: هو نهي عن أضداده بمعنى أنه يستلزمه، وهو قول القاضي أخيرًا. ومنهم من منع ذلك مطلقًا، وقاله إمام الحرمين والغزالي. وأما المعتزلة: فالأمر عندهم ليس إلا صيغة (افعل)، وقد اتفقوا على أن صيغة (افعل) لا تكون نهيًا، بل من جهة الالتزام. ومنعه قدماؤهم.
следующие страницы →