Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
عن ضده؛ بشرط ألا يكون الآمر آمرًا بما لا يطاق، وبشرط ألا يكون غافلا عن الضد، ولا استبعاد في أن يستلزم شيء شيئًا عند حصول شرط خاص، وألا يستلزمه عند عدم ذلك الشرط.
المسألة الثانية
الأمر بالشيء نهي عن ضده
قال القرافي: قلنا: أحسن من هذه العبارة: الأمر بالشيء نهي عن جميع
стр. 1402
..................................................
стр. 1403
..........................................................
стр. 1404
أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت، فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، والطريق، والبحر وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت، وإذا قال له: لا تجلس في البيت، فقد أمره بالجلوس في السوق أو في المسجد، أو في غير ذلك، ولا يتعين منها شيء، بل أحد الأمور التي يضاد الجلوس في البيت فعلها، وقد خرج عن العهدة.
(تنبيه)
تردد كلام الأصوليين في هذه المسألة ، هل المراد بقولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده في الكلام النفساني، فيكون الأمر النفساني نهيًا عن الضد نهيًا نفسانيًا؟ أو المراد أن الأمر اللساني نهي عن الأضداد بطريق الالتزام؟
وهو مراد المصنف، وقد صرح به، فإن فرعنا على الاول تعين التفصيل بين من يعلم بالأضداد، وبين من لا يعلم، فالله - تعالى - بكل شيء عليم، وكلامه واحد هو أمر، ونهي، وخبر، فأمره عين نهيه، وعين خبره، غير أن التعلقات تختلف، فالأمر عين النهي باعتبار الصفة المتعلقة نفسها التي هي الكلام، وهو غيره باعتبار ان الكلام إنما يصير أمرًا بإضافة تعلق الخاص وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل وإنما يصير نهيًا بتعلقه بطلب الترك، فالكلام يفيد التعلق الخاص غيره بالتعلق الآخر، فهذه الأقسام والتفاصيل لاينبغي الخلاف فيها لمن تصورها، وأن أمر الله تعالى بالشيء نهي عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي، وأما من لا شعور له بضد المأمور، فلا يتصور منه النهي عن الاضداد، فكلامه النفسي تفصيلا لعدم الشعور بها، ويصدق أنه نهى عنها بطريق الإجمال؛ لأنه طلب للمأمور على
стр. 1405
التفصيل، وليلخصه بكل طريق يفضي لذلك التحصيل؛ لأنه طلب، ومن جملتها اجتناب الأضداد، فيصدق أنه طلب على سبيل الإجمال، كما يطلب الإنسان الترياق الفارق وغيره من المطالب، ويطلب الجنة، وهو لا يعلم تفاصيلها، ولا تفصيل شيء من ذلك، ويصدق عليه أنه طالب لنعيم الجنة، هذا إن فرعنا على الكلام النفسي، وإن فرعنا على الكلام اللساني فلا ينبغي أن يختلف أن صيغة قولنا: (تحرك) ليس فيها صيغة قولنا: (لا تسكن)؛ فإن ذلك مكابرة للحس، وغنما يقع الخلاف في أن صيغة الأمر هل دلت التزامًا أم لا؟
وقد حكى سيف الدين الخلاف في المسألة مفصلا، فقال: الأمر بالشيء على التعيين هل هو نهي عن أضداده؟ اختلفوا فيه:
أما أصحابنا: فالأمر عندهم الطلب النفساني، وقد اختلفوا فيه.
فمنهم من قال: الأمر بالشيء بعينه نهي عن أضداده، وأن طلب الفعل بعينه هو طلب الترك، وهو قول القاضي منا.
ومنهم من قال: هو نهي عن أضداده بمعنى أنه يستلزمه، وهو قول القاضي أخيرًا.
ومنهم من منع ذلك مطلقًا، وقاله إمام الحرمين والغزالي.
وأما المعتزلة: فالأمر عندهم ليس إلا صيغة (افعل)، وقد اتفقوا على أن صيغة (افعل) لا تكون نهيًا، بل من جهة الالتزام.
ومنعه قدماؤهم.
стр. 1406
ومنهم من فصل بين الإيجاب، فيقتضي، وبين الندب فلا يقتضي، وأضداد المندوب ليس منهيًا عنها عنده لا نهي تحريم ولا تنزيه، قال: والمختار التفصيل إن جوزنا تفصيل ما لا يطاق، فلا يكون الأمر نهيا عن الضد، وإن منعناه فهو نهي عن الضد في الإيجاب والندب.
ولذلك حقق صاحب (البرهان) فقال: القائل بأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، وجعله كالحركة التي توجب التقدم هي بعينها توجب التأخر.
والقاضي رأى أنه ليس نهياً بعينه، بل يتضمنه.
وقال الغزالي في (المستصفى): لا يمكن أن يقال: صيغة النهي، فيتعين الخلاف في المعنى، ويتعين ألا يكون في كلام الله تعالى، فإنه واحد، وهو أمر ونهي.
قوله: "الأمر بالشيء دال على المنع من نقيضه"
قلنا: النهي يجب أن يشترط في متعلقه مايشترط في متعلق الأمر، وهو كونه مقدورًا مكتسبا يقدر على تحصيله، ونقيض المأمور به عدم صرف العدم المنصرف لايقدر عليه، ولا يمكن اكتسابه، وكذلك لايصح أن يؤمر به، فلا يصح ان يكون منهيا عنه، بل الأضداد أمور وجودية يمكن إكتسابها وتحصيلها، فنهى عنها، أما النقيض فلا.
فإن قلت: عنه جوابان:
أحدهما: أن أحكام الحقائق المتأصلة لايلزم أن تثبت للحقائق التابعة
стр. 1407
اللازمة، وكذلك أن الخبر التابع للأمر والنهي في أن التارك يستحق العقاب، أو الفاعل الذي لايدخله التصديق والتكذيب، والخبر المتأصل يدخلانه، وكذلك النهي اللازم للأمر لايقتضي إستيعاب الأزمنة ولا التكرار، وإلا لزم دوام المأمور به، والنهي المتأصل يقتضي ذلك، وقد تقدم بسطه فهاهنا النهي تابع، فأمكن ألا يشترط فيه مايشترط في النهي المتأصل أن يكون منهيه من جنس المقدور.
وثانيهما: أن اختيار النقيض لازم للمأمور به قطعاً، وإذا كان لازماً للمأمور به كأن الأمر دالاً عليه بطريق الإلزام.
قلت: الجواب عن الأول أن قولك: نهي عن النقيض إن أردت به تعلق الطلب بالنقيض وبالضرورة المطلوب لابد أن يكون مقدوراً، وإن أردت مطلق الدلالة من غير طلب، فلا تقولوا: نهى عن نقيضه؛ لأن النهي ظاهر في الطلب، بل قولوا: دال على أن فعل المأمور يلزمه ترك نقيضه.
وعن الثاني: أن الدلالة مسلّمة إنما الإشكال في كونه منهيا عنه، فعبارة الأصحاب أولى من هذه العبارة.
قوله: "لنا مادل على وجوب الشيء دل على ماهو من ضرورته إذا كان مقدورا للمكلف".
قلنا: (دلّ) أعم من أنه (نهى)، فنحن نسلم الدلالة ونمنع كونه منهيًا عنه فإن الطلب لسقي الماء يلزم مطلوبه تعلّق قدرة الله تعالى بخلق ذلك، ولا يمكن أن يقال: إن العبد المأمور مأمور بأن يصيّر قدرة الله تعالى متعلقة بذلك الفعل، وإن كان لازما بالضرورة، فعلمنا أن الدلالة أعم من النهي، وأنه لايلزم من تسليمها تسليم النهي، ثم قولكم: إذا كان مقدورًا للمكلف يناقض ما تقدم من قولكم: نقيض المأمور به، ولم تقولوا: ضده كما قال الأصحاب؛ فإن العدم الصرف ليس مقدوراً للقدرة القديمة فضلاً عن الحادثة.
стр. 1408
قوله: "إن أمكن أن يوجد مع الطلب الجازم الإذن في الترك، فإن كان الأول لزم أن يكون آذناً في الترك وطالبا ً، فيجتمع النقيضان".
قلنا: لانسلم أنه يلزم من إمكان الشيء وقوعه، وإجتماع النقيضين إنما جاء من الوقوع لا من الإمكان، ألا ترى أن كل واحد من النقيضين والضدين ممكن حالة وجود الآخر، ومالزم إجتماع النقيضين؛ لأنه لايلزم من الإمكان الوقوع.
قوله: "وإن كان الثاني لزم أن يكون الإذن في الترك ممتنعاً، ولا معنى لقولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده إلا هذا".
قلنا: لايلزم من الإمتناع في فعل الضد النهي عنه؛ لأن الطالب للعشرة يمتنع مع مطلوبه الذي هو العشرة أن يكون فرداً، ولا يمكن أن يقال: الفردية منهي عنها؛ لأن المستحيل لاينهى عنه؛ لأن من شرط التكليف تيسير الأسباب، فإن أردتم مطلق الدلالة - كما تقدم - فلا يلزم النهي، ويكون مطلوبكم في هذه المسألة خلاف مطلوب الأصحاب، ثم إنكم هاهنا صرحتم بالضد وعدلتم عن ذكر النقيض، وهذا هو الصواب الذي قاله الأصحاب.
قوله: "طلب المحال جائز".
قلنا بحثنا في هذه المسألة إنما هو الوضع اللغوي، والألفاظ اللغوية لم توضع لطلب المحال، بل إنما وضعت لما ييسر عادة؛ لأنه مقصود الناس، وإذا قلنا بجواز تكليف مالا يطاق فإنما ذلك في حق الله تعالى بالنظر ماتستحقه الربوبية، أما وضع اللفظ اللغوي فلم يقل أحد: إن الأمر وضع لطلب المحال، وكذلك أنتم تقولون: متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه لا نفس (لا تفعل) على ما سيأتي تقريره في النواهي إن شاء الله تعالى، فجعلوا لفظ النهي إنما وضع للممكن دون المستحيل.
стр. 1409
قوله: "اللفظ الدال على الإيجاب دال على المنع من الإخلال".
قلنا: الدلالة أعم من النهي كما تقدم فلا يفيد المطلوب، ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص.
قوله: "لانسلم أنه يصح إيجاب الشيء حالة الغفلة عن ضده؛ لأن الواجب مركب من المنع من الترك".
قلنا: لانسلم أن المنع من الترك جهل لازم.
سلمنا أنه جر قلم، فلم قلتم: إنه يتعين الشعور به؟ فقد يطلب الإنسان ماهو متصور له على سبيل الإجمال دون التفصيل، ولا يلزم من تصور المركبات تصور المفردات إلا إذا حصل العلم التفصيلي، أما الإجمالي فلا، وقد تقدم بسطه أول الكتاب عند إشتراط تصور المفردين من أصول الفقه عند تصوره الأمر بالشيء على سبيل الإجمال غير ممتنع، بل أكثر الناس لايحيط علما بحقائق الأشياء على سبيل التفصيل، ومع ذلك يصح منهم الأمر والنهي.
بل الجواب الحق عن هذا السؤال: أنا ندعي دلالة لفظ الامر على ترك الضد إلتزامًا، ودلالة الإلتزام لايشترط فيها الشعور، بل جميع الدلالات كذلك، فقد يكون المتكلم إنما خطر بباله المجاز فأمر به، والقرينة غير موجودة، وحينئذ لا يدل اللفظ إلا على الحقيقة ولوازمها دون ما خطر للمتكلم، فعلمنا حينئذ أن دلالة اللفظ لايشترط فيها الشعور.
وهذا الموضوع هو أحد المواضع التي وقع البحث فيها غير متجه بسبب إلتباس دلالة اللفظ بالدلالة باللفظ؛ فإن الدلالة باللفظ التي هي إستعمال اللفظ هي التي لايشترط فيها الشعور؛ فإن الإطلاق لإرادة المعنى فرع الشعور به، أما إشعار اللفظ بمعنى، فقد لايشعر به المتكلم، وهي نحو
стр. 1410
ثلاثين موضعا وقعت في (المحصول) غير متجهة بسبب إلتباس الموضعين، فتاره يأتي باحكام هذه لهذه، وتارة يعكس، فتأمل ذلك، وقد تقدم الفرق بينهما في باب الدلالة من خمسة عشر وجهاً.
قوله: "الضد الوجودي لاينافي الشيء لماهيته، بل لكونه مستلزما عدم ذلك الشيء".
قلنا: هذه المسأله ذكرها في (المحصل) وحكى فيها خلافا بين العلماء:
فمنهم من يقول: الضدان متنافيان لذاتهما، فالسواد ينافي البياض لذاته.
ومنهم من يقول: بل لأن كل ضد هو مستلزم نقيض ضده، فالسواد مستلزم لنقيض البياض، فلو حصل البياض مع السواد إجتمع البياض ونقيضه.
فقال في (المحصل): المنافاة بين الضدين هل لذاتها أو للصارف؟
خلاف، وهذا بسطه، والمشهور أنها بالذات خلاف قوله هاهنا.
قوله: "الأمر بالشيء نهي عن الإخلال به بالذات، وعن أضداده بالعرض".
قلنا: قد تقدم أن الإخلال عدم صرف لايمكن أن يوصف بكونه منهيا.
(فائدة)
ما الفرق بين هذه المسألة وبين قولهم: متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه لا نفس (لاتفعل) ؛ فإن قولهم: نهي عن ضده معناه أنه تعلق بالضد، وهو نهي متعلق بالضد، وقولهم: متعلقه ضد المنهي عنه هو الأول بعينه.
جوابه: أن الفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن البحث هاهنا في المتعلقات - بكسر اللام - وهناك في المتعلقات
стр. 1411
بفتح اللام؛ لأن الأمر متعلق بالمامور، والنهي متعلق بالمنهي عنه، والخبر متعلق بالمخبر، فقولنا - هاهنا -: الأمر بالشيء نهي عن ضده أي الأمر المتعلق بكسر اللام هل هو نهي عن الضد؟ فإذا إتفقنا - هاهنا - هل هو أو غير منتقل للمتعلق الذي هو المنهي عنه، والمامور به، فأمكن أن نقول بعد القول بالإتحاد هاهنا أو بعدمه: إن المتعلق هنا لك هو فعل الضد أو غيره، فلا يلزم من الوفاق هنا الوفاق هنالك، فهما مسألتان.
وثانيها: أن البحث هاهنا في دلالة الإلتزام، هل الأمر يدل إلتزاما على ترك الضد ام لا؟ والبحث هنالك في دلالة المطابقة؛ لأن البحث هنالك، هل وضع لفظ النهي يدل على ملابسة الضد أم لا؟ فتكون الدلالة مطابقة؛ لأنه مسماه لغة عند الجمهور.
وثالثها: أن الأمر هاهنا دل بالإلتزام على ترك الضد، وهنالك على فعل الضد، فإذا قال له: (لا تتحرك) فالمدلول لهذا اللفظ (اسكن)، وبين الفعل والترك فرد.
(سؤال)
قال النقشواني: ادعى - هاهنا - أن الدلالة دلالة إلتزام، وجعل الترك جزءًا، فتكون الدلالة عليه دلالة تضمن لا إلتزاما ، كما قرره في باب الدلالة.
جوابه: أنه اختلفت عبارته في كتبه، فتارة يقول: دلالة الإلتزام خاصة بالخارج، وتاره يقول: اللازم إما داخل وهو الجزء، وإما خارج، ويجعل القسمين دلالة إلتزام، فهاهنا احتج لذلك المذهب الذي لم يقرره في (المحصول)
(سؤال)
قال النقشواني: لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده للزم أن يكون الأمر
стр. 1412
للتكرار، وهو لايقول به؛ لأن النهي يجب أن يكون للتكرار، ومتى دام إجتناب الضد وجب دوام فعل الضد الآخر.
جوابه: أن النهي ليس للتكرار - كما سيأتي اختياره فيه إن شاء الله تعالى.
سلمنا أنه للتكرار، لكن القاعدة أن أحكام الحقائق التي ثبتت لها حالة الإستدلال لا يلزم أن يثبت لها حالة التبعية - كما تقدم في هذه المسألة، فلا نعيده.
(سؤال)
قال النقشواني: يلزمه أن الامر للفور، وهو لا يقول به ؛ لأن الإنتهاء عن المنهي عنه على الفور، فإذا وجب ترك الضد في الحال وجب فعل الضد الآخر في الحال، فيكون الأمر للفور لا للفور، وهو جمع بين النقيضين.
جوابه: ماتقدم في السؤال الذي قبله.
(تنبيه)
زاد سراج الدين وغيره فقال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولم يذكر النقيض ، وقال: لقائل أن يقول: لا نزاع في أن الدال على إيجاب الفعل دل على المنع من الترك تضمنا، بل النزاع في الدلالة على المنع من أضداده الوجودية.
فالدليل المذكور نصب لا في محل النزاع مع إمكان نصبه فيه، ووافقه (المنتخب) و (التنقيح) في التصريح بالضد دون النقيض الذي صرح به في (المحصول)
وقال تاج الدين: الأمر بأحد النقيضين نهى عن الآخر.
стр. 1413
وزاد التبريزي فقال: لا يتحقق هذا الخلاف في كلام الله تعالى فإن جمهور مثبتي كلام النفس مطبقون على أن كلام الله تعالى واحد، وهو أمر، ونهي، وخبر، وإستخبار، ووعد ووعيد، وإستفهام إلى جميع الأقسام الواقعة في الكلام، فهو تعالى آمر بعين ماهو ناه به، ولا في أن قول القائل (تحرك) هو عين قوله: (لا تسكن)، وإنما النظر في أن قوله: (افعل) وما يتضمنه على خلاف فيه طلب الفعل، فهل هو أيضاً طلب لضده أم لا؟
قال القاضي: هو بعينه طلب ترك الضد، فهو طلب واحد بالإضافة إلى جانب الفعل (أمر) وبالإضافة إلى جانب الضد (نهى).
وقال بعضهم: ليس هو عينه، ولكنه متضمنه، وهو إختيار صاحب الكتاب، والذي عليه جمهور المحققين من أصحابنا.
ومن المعتزلة: أنه لا يتضمنه، ولا يستلزمه.
والدليل عليه أمران:
أحدهما: أن النهي طلب، كما أن الأمر طلب، وتعلق الطلب بغير المعلوم محال، فقد يغفل الآمر بالشيء حالة الأمر به عن أضداده، بل الإحاطة بجميع أضداده تخالف العادة، ثم على تقدير حصول الضد، فتركه في المعقولية متميز عن فعل المأمور به، فمتعلق الأمر هو وجه المأمور به، لا وجه ترك ضده، وتلازمهما في الوجود من أحد الطرفين لا يوجب تعلق ذلك الطلب به، كما في العلم، ولا تعلق طلب آخر به، ولا كراهة لعدمه
стр. 1414
الذي هو فعل الضد؛ اذ لو كان كذلك لكان تارك المأمور بضد من أضداده ممتثلا بوجوه، على عدد تلك الأضداد وهو محال، فإن أخذ في متعلق الطلب كونه تاركا للضد بفعل المأمور به؛ لئلا يكون ممتثلا بمجرد ترك كل ضد، فنقول وجه المأمور به مستقل يتعلق الطلب به قولا وقصدا، فما وراءه من ترك الضد لو كان متعلقا لكان مستقلا، ولزم الإشكال، ثم لا مستند لتوهم شمول التعلق له إلا الملازمة في الوجود من أحد الطرفين، وهو منقوض بجميع لوازم الوجود وتوابعه.
قال: وقوله: "الطلب الجازم من ضرورية المنع من الإخلال"
كيف يستقيم من تسليمه جواز الأمر بالنقيضين، فإنه يؤدي إلى اجتماع الطلب والمنع في كل نقيض، وهو جمع بين الضدين، قال: وقوله: "المنع من الإخلال جزء ماهية الإيجاب".
قلنا: فيجب أن يتعلق بما يتعلق الإيجاب به الذي هو الطلب الجازم؛ فإن جزء ماهية المتعلق يجب أن يتعلق بمتعلق الماهية، ومتعلق الطلب الجازم هو الفعل، فيلزم أن يكون متعلق المنع أيضا هو الفعل، وهو محال، فلا معنى للمنع من الإخلال إلا غير ذلك للطلب؛ فإن المنع من الشيء بمعنى الضد قد يكون بمنع يقوم به، وقد يكون بلزوم يتعلق بضده أو نقضيه، ويسمى أيضا منعا.
قال: وقوله: "يجوز أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده بشرط عدم الغفلة".
قال: فإن قلنا: إذا شرطنا في ثبوته أمرا آخر ثبت أنه ليس عينه، ولايتضمنه، ولا يلازمه وهو المدعى، قال: فإن قلت: ناقضت قولك: "ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب"؛ لأن الواجب لايتم الا بترك ضده.
قال: قلنا: بل هي مزلة قدمزل فيها من بنى تلك المسألة على تلك.
стр. 1415
ويندفع الإشكال بوجهين:
أحدهما: هو أنه ما لا يتم الواجب الا به وسيلة للواجب، لازم التقديم عليه، فيجب التوصل به الى الواجب لئلا يعتقد أن حالة عدم المقدمة هو خال عن التكليف؛ لزعمه بأن الأصل ممتنع الوقوع، وهو غير مكلف بالمقدمة.
قال: فقلنا: هذا غلط، بل أنت قادر عل تحصيل الأصل بتقديم هذه المقدمة فعليك فعلها، فكان إيجاب المقدمة تحقيقا لإيجاب الأصل مع تقدير عدم المقدمة وترك الضد، أم يتبع حصوله حصول المأمور به من غير قصد، ولا شعور من الفاعل، ولا تشوق من الأمر، فكيف يقاس عليه؟!
الثاني: هو أنالا نقول: إنه مأمور به، بل نقول: هو واجب، ولهذا لا يوجب إرتباط القصد به في العبادات، فلا يوجب على الصائم قصد إمساك جزء من الليل، ولا على غاسل الوجه نيه غسل جزء من الراس، ولا نقول أيضا بأنه وجب بإيجاب الأصل، بل بدليل آخر، إيجاب الأصل إحدى مقدمتيه على حسب وجوب العزم.
ونقول أيضا: ترك الضد واجب، وفعل الضد حرام، لكن لا من حيث هو فعل الضد، بل من حيث هو ترك المأمور به لئلا يلزمنا فضائح الكعبي.
الأمر الثاني: هو أن ارتكاب هذا المذهب يؤدي إلى محالات.
أحدها: أنه يستحيل لهما أمره بفعل على الفور على وجه لا يسقط بخروج أول زمان الإمكان أن يأمره قبل فعله بما لا يمكن الجمع بينهما؛ لأن الأمر بكل واحد منها نهي عن الآخر، فيكون آمرا بالشيء وضده، ناهيا عنهما في حال واحدة، حتى لو ترك صلاة واحدة سقطت عنه التكاليف بأسرها: لأنه بالأمر بالقضاء منهي عن سائر العبادات.
وثانيها: ان يتعذر الجمع بين اعتبار جهتي الفعل كالصلاة في الدار
стр. 1416
المغصوبة؛ فإن التكليف بكل واحدة يتناول الأخرى ضرورة الملازمةفي الوجود، فإن اجتمعا تناقضا، وإن تساقطا - أو أحدهما - تعذر الجمع بين حكمهما.
ويستدل على صحة الثالث: أن يكون كل مباح حراما إذا ترك به واجبا، أو واجبا اذا ترك به حراما أبدا، كما صار إليه الكعبي.
قلت: كلام التبريزي فيه مواضع يحتاج للكلام عليها.
أحدها: قوله: إن كلام النفس يدخله الإستفهام، وجميع أنواع الإستفهام ليس كذلك، بل المتفقون على كلام النفس إتفقوا على إستحالة الإستفهام فيه في حق الله تعالى فإن الإستفهام طلب الفهم، وهو على الله تعالى محال، وإنما تدخل صورة الإستفهام في لفظ القرآن دون كلام النفس، فتناوله العلماء إلى النفي الصرف، أو الإثبات الصرف، أو التهديد إلى غيره مما هو مذكور في كتب التفاسير، وكذلك الترجي والتمني، ونحوهما من أنواع الكلام، وهي مستحيلة على الله تعالى، بل الذي في كلام النفس الطلب والتخيير، والخبر، فيشمل الطلب: الواجبات، والمندوبات، والمحرمات، والمكروهات والتخيير والإباحة.
والخبر يشتمل: الوعد والوعيد، والبشارات، والنذارة، وإسنادات الأحكام إلى المحكوم عليها، كيف كانت واجبة، أو ممكنة، أو مستحيلة.
وثانيها: قوله: الله تعالى أمر بعين ما هو ناه عنه قد تقدم أنه غيره باعتبار المتعلق، وعينه باعتبار المتعلق فأمكن المنع على أحد الوجهين.
وثالثها: قوله: "إن الآمر قد يغفل"قد تقدم الكلام عليه في كلام المصنف، وان الغفلة لا تقدح في الطلب على سبيل الإجمال.
стр. 1417
ورابعها: قوله: "تلازمهما في الوجود لا يوجب تعلق ذلك الطلب به كما في العلم".
يعني: أن العلم قد يتعلق بشيء، وله لازم في الوجود، ولا يتعلق به العلم، كما يتعلق بوجود كثير من الحقائق في الوجود لازمها في الوجود أحكام وخواص وآثار، ونحن لا نعلمها.
ويرد عليه: أن العلم بالملزوم لا يوجب العلم باللازم الخارجي؛ لأنه لايوجب لتلازم العلمين، أما إذا حصل الشعور بالمطلوب، وما يتوقف عليه، وما هو ضده، فالتلازم بين الطلبين يحصل لأجل أمر ثالث وهو الشعور بالأمرين، بخلاف العلمين لا موجب لتلازمهما، وكذلك يتلازم الطلب وكراهة الضد عند الشعور بالضد لأجل الشعور.
وإستشهاده بالعلم غير متجه لعدم الموجب فيه.
قوله: "لو كان الأمر كذلك لكان تارك المأمور يعد ممتثلاً بوجوده على عدد تلك الأضداد، وهو محال".
قلنا: وما المانع في قول القائل: إجلس في البيت، فترك المأمور به، وجلس في السوق أن يكون عاصياً بترك المأمور به الذي هو الجلوس في البيت، ومطيعاً بترك الجلوس في الحمام وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل، وجميع البقاع التي تضاد الجلوس في البيت الجلوس فيها، وقد نهاه عن الجلوس فيها، وقد اجتنب تلك المنهيات بجلوسه في السوق، ولا غرو أن يكون مطيعاً وعاصياً في هذه الحالة من وجهين.
سلمنا أنه لايكون مطيعاً بترك الأضداد، لكن قد ينهى عن الشيء، ولا يكون مطيعاً بتركه إذا لم تحصل تلك المصلحة التي لأجلها ورد النهي؛ فإنه في جلوسه في السوق لم تحصل مصلحة الجلوس في البيت، وهو مجاهد في المخالفة، عازم على ترك ما كلف به مقتحم للمعصية، فلذلك عصّيناه مطلقاً، بخلاف من مشى للجمعة ففاتته، أو الحج، فإنه سعى في الطاعة
стр. 1418
ففاتت، وكانت مساعيه على وفق الأمر عادة فيثاب، وإن فاتت المصلحة؛ لأجل أنه ساعٍ في الطاعة عادة، بخلاف الجالس في السوق لا يعد في العادة إلا معرضاً.
وخامسها: قوله "وجه فعل المأمور به مستقل بتعلق الطلب قولاً وقصداً ":
قلنا: ذلك ممنوع، بل لا يتصور الطلب مع القصد للمأمور به، وهو مشعر بالضد ولا يقصد، فلا يستقل القصد، وكذلك لا يستقل اللفظ؛ لأن دلالة الالتزام على الضد ملازمة لدلالة اللفظ مطابقة على المأمور به، فلا يصادر على ذلك.
وسادسها: قوله: "كيف يستقيم قول المصنف: الطلب الجازم من ضروراته المنع مع تسليمه الأمر بالنقيضين".
قلنا: يستقيم لأن تجويزه ذلك إنما هو باعتبار الأحكام الربانية، لا باعتبار الأوضاع اللغوية، فهو يدعي أن اللفظ وضع لمعنى المنع جزؤه، ولا تناقض بين الوضعين، إذ الوضع اللغوي ليس واقعاً على كل ما هو جائز في الأحكام الإلهية، بل العرب إنما وضعت الألفاظ لما يمكن طلبه عادة.
سلمنا: إتحاد البابين، لكن التجويز لا يلزم منه الوقوع، فقد يجوز الشيء، ويكون الواقع خلافه كما يجوز في كل لفظة أن تكون موضوعة لغير مسماها ومع ذلك، فالواقع خلافه.
وسابعها: قوله: "يلزم المصنف على أن المنع من الإحلال جزء ماهية الإيجاب أن يتعلق ذلك الجزء بما يتعلق الإيجاب؛ لأن جزء المتعلق متعلق بما تعلق المتعلق الذي هو مركب من ذلك الجزء وغيره، كما أن جزء الخبر عن قيام زيد خبر عن قيام زيد، فإن قيام زيد فيه مطلق الخبر، وخصوص هذا الخبر، فيلزم أن يكون المنع متعلقاً بالفعل، فيكون الفعل مطلوباً، محرما، وهو محال".
стр. 1419
قلنا: لا نسلم أن جزء الطلب يلزم أن يكون مطلوبه ومتعلقه مطلوب الطلب الذي هو المركب منه ومن غيره؛ لأن أحكام المركبات لا يلزم أن تثبت لأجزائها كما أن العشرة زوج الخمسة، ليست زوجاً، وهو كثير، فلم قلتم: إن ذلك لازم في هذه الصورة، كما نقول: هل قام زيد إستفهام وطلب؟ وجزؤه الذي هو قام زيد لا طلب فيه، فكما تصورنا عروّ الخبر عن الطلب مع أن المركب طلب، فلنتصور أنه طلب لشيء آخر، وهو ترك الضد.
وثامنها: قوله: "أنا لا نقول: ما يتوقف عليه الواجب مأمور به، بل واجب".
قلنا: الواجب متعلق به الوجوب، ولا نفي بالوجوب إلا الأمر، ولا المأمور به إلا الواجب، فإن الوجوب إن جعل كلاماً نفسيا كان الأمر كذلك، وهو هو، أو لسانياً كان الأمر كذلك، وهو هو.
وأما استدلاله بعدم اشتراط النية فسيأتي في أن المأمور به يتوقف على القصد إليه الجواب عن ذلك إن شاء الله تعالى.
وتاسعها: قوله: "يلزمنا فضائح الكعبي"، يريد الأسئلة الواردة عليه في أن المباح واجب، وسيأتي إن شاء الله تعالى
стр. 1420
وعاشرها: قوله: "يستحيل مهما أمره بفعل على الفور إلى آخره".
معناه: أن يقول له: اجلس في البيت على الفور، فأخر الجلوس في البيت زمانا يمكنه أن يجلس، فيستحيل أن يأمره في زمان عدم جلوسه في البيت الذي أخلاه من الجلوس في البيت بأن يجلس في السوق، فيكون الأمر بالبيت نهيا عن السوق، وبالسوق نهيا عن البيت؛ لأنهما ضدان، فيكون آمراً بهما، وناهياً عنهما، وهو محال.
وجوابه: أنه إنما يستحيل ذلك إذا اتحد الزمان، أما إذا أخر الجلوس في البيت انتقل الأمر به إلى زمان آخر، فإذا قال له: اجلس في السوق كان هذا أيضاً مخصصاً لما فهم من دلالة الالتزام، ويصير هذا الضد غير منهي عنه، بل يصير أمره بالجلوس فيهما، ولو قال ذلك ابتداء لم يسمع، فكذلك إذا أتى به بعد الآخر، فإذا صار التخصيص في دلالة المطابقة، فأولى أن يجوز في دلالة الالتزام، وبه يظهر الجواب عن قوله: "إذا ترك صلاة واحدة سقطت عنه التكاليف كلها"
بل نقول: تخصيص دلالة الإلتزام بها، ولا محال حينئذ، وبه يظهر الجواب عن قوله في: "الصلاة في الدار المغصوبة"؛ فإن وجوب الصلاة وإن اقتضى منع الخروج من الدار، وتحريم الكون في الدار، وإن اقتضى عدم الصلاة؛ لأنه ينافيه، لكن في كل واحد منهما وجهان، فالغصب حرام من جهة أنه استيفاء لمنافع الغير، ويقتضي منع الصلاة من هذا الوجه، وتكون الصلاة واجبة من وجه آخر، وهو وجه العبادة، والصلاة مأمور بها من جهة أنها عبادة، فتقتضي المنع من الخروج من الدار المغصوبة، فيكون الخروج عنها مأموراً به من هذا الوجه، ومنهيا عنه من جهة أنه استيفاء لمنافع الغير، ولا تناقض من اجتماع الضدين، بل النقيضين باعتبارين، هذا إن فرض الوقت مضيقاً في الصلاة، وإلا فلا نسلم أن الأمر بها يقتضي المنع من الخروج، بل الخروج واجب، ويصلى بعد
стр. 1421
الخروج آخر الوقت، ويظهر الجواب عن قوله: "يلزم أن يكون كل مباح حراماً إذا ترك به واجباً"
بأنه إذا ترك به واجباً، هذا اتفاقي، فإن ترك الواجب قد يكون بالحرام، والمندوب، والمكروه، والمباح فما تعين المباح لترك الواجب، وكلامنا في المسألة فيما إذا تعين المنافي والوسيلة.
(فائدة)
قال المازري: القائلون بكلام النفس لهم ثلاثة أقوال في هذه المسألة:
منهم من يوجد المتعلق والمتعلق به، وهو أبو المعالي، وقال: الأمر ليس نهياً عن الضد.
الثاني: وهو قول القاضي قال: يتعدد المتعلِّق والمتعلَّق جميعاً، وجعل الأمر بالشيء يلزمه كلام آخر في النفس يتعلق بالضد.
الثالث: قول جماهير أئمتنا قالوا: المتعلق به متعدد، وهو: المأمور به، وضده والمتعلق، وهو كلام النفس، وتعلقه واحد.
فالأقوال تعددهما، وإتحادهما، وتعدد المتعلق فقط، هذا أمر الإيجاب، وفي الندب قولان:
قال القاضي: الندب يلزمه الكراهة، فهو كالإيجاب.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: لا يلحق الندب بالإيجاب، ولا يكون نهياً عن الضد، ففرق بينهما.
стр. 1422
المسألة الثالثة
في أنه ليس من شرط الوجوب تحقق العقاب على الترك
هذا هو المختار، وهو قول القاضي أبي بكر؛ خلافا للغزالي.
لنا وجهان: الأول: أنه لو كان كذلك، لكان حيث تحقق العفو، لم يتحقق الوجوب، وذلك باطل، على قولنا بجواز العفو عن أصحاب الكبائر.
والثاني: أن ماهية الوجوب تتحقق عند المنع من الإخلال بالفعل، وذلك يكفي في تحققه ترتب الذم على الترك، ولا حاجة إلى ترتب العقاب على الترك.
والعجب أن الغزالي إنما أورد هذه المسألة بعد أن زيف ما قيل في حد الواجب: أنه الذي يعاقب على تركه، وذكر: أن الأولى أن يقال: الواجب هو الذي يذم تاركه.
وهذا منه اعتراف بأن الواجب لا يتوقف تقرر ماهيته على العقاب، وأنه يكفي في تحققه إستحقاق الذم، ثم ذكر عقيبه بلا فصل هذه المسألة، وذكر أن ماهية
стр. 1423
الوجوب لا تتحقق إلا بترجيح الفعل على الترك، والترجيح لا يحصل إلا بالعقاب، ولا شك أنه مناقضة ظاهرة.
المسألة الثالثة
في أنه ليس من شرط الوجوب تحقق العقاب على الترك
قال القرافي: قلنا: هذه الفهرسة غير محررة؛ فإن المنقول عن القاضي
стр. 1424
...............................................................
стр. 1425
أنه قال: يمكن تصور حقيقة الوجوب بدون إستحقاق المؤاخذة بأن يتصور الطلب الجازم بدونه.
وقال الغزالي وغيره: إذا قطعنا النظر عن استحقاق المؤاخذة لم يبق إلا رجحان الفعل، وهو قدر مشترك بين الوجوب والندب، فلا يتميز لنا حقيقة الوجوب إلا باستحقاق المؤاخذة على الترك.
أما وقوع المؤاخذة وإن وقوعها لازم في جميع الصور، فلم يقل به، ويشهد لصحته قول القاضي: إنا إذا قلنا: (اللهم توفنا مسلمين) لا نجد في أنفسنا مسامحة في هذا الطلب ولا رخصة، بخلاف إذا قلنا: (اللهم أعطنا
стр. 1426
ألف قصر أو عشرة آلاف دينار)، فإنه إذا قيل لنا: تسعة آلاف لا يصعب على الواحد منها النزول عن العشرة إلى التسعة كما يصعب عليه النزول عن الإسلام إلى الكفر، فهذا هو الطلب الجازم، وهو الوجوب في هذه الصورة، والمؤاخذة على تقدير عدم الإجابة مستحيلة، فهذا تقرير المسألة، أما المؤاخذة بالفعل فلا، وبهذا يظهر بطلان أدلته؛ لأنها في غير صورة النزاع، ويظهر أيضا الجواب عن تعجبه من الغزالي في حد الواجب؛ فإنه لا تناقض بين قوليه، وقول الغزالي في حد الواجب: إلا بالعقاب مناقضة ظاهرة وكلامه في (المستصفى) عند التأمل لا يقتضي إلا هذا.
ونقل عن القاضي أنه قال: لو أوجب الله تعالى علينا شيئا، ولم يتوعد بالعقاب على تركه كان واجبا؛ لأن الوجوب بإيجاب الله تعالى لا بالعقاب.
فقال الغزالي على سبيل الإعتراض على القاضي: لابد من الإشعار بالعقاب، وإلا فلا يتقرر، هذا بعض لفظه، وتركت بقيته لطوله.
стр. 1427
المسألة الرابعة
الوجوب إذا نسخ، بقي الجواز؛ خلافا للغزالي
قال الرازي: لنا أن المقتضي للجواز قائم، والمعارض الموجود لا يصلح مزيلا؛ فوجب بقاء الجواز.
إنما قلنا: إن المقتضي للجواز قائم؛ لأن الجواز جزء من الوجوب، والمقتضي للمركب مقتض لمفرداته.
وإنما قلنا: إن الجواز جزء من الوجوب؛ لأن الجواز عبارة عن رفع الحرج عن الفعل، والوجوب عبارة عن رفع الحرج عن الفعل، مع إثبات الحرج في الترك، ومعلوم أن المفهوم الأول - من المفهوم الثاني.
وإنما قلنا: إن المقتضي للمركب مقتض لمفرداته؛ لأنه ليس المركب إلا عين تلك المفردات؛ فالمقتضي للمركب مقتض لتلك المفردات.
فإن قلت: المقتضي للمركب مقتض لتلك المفردات حال اجتماعها؛ فلم قلت: إنه يكون مقتضيا لها حال انفرادها؟
قلت: تلك المفردات من حيث هي غير، ومن حيث إنها مفردة غير، وانا لا أدعي أنها من حيث هي مفردة - داخلة في المركب؛ وكيف يقال ذلك فيه، وقيد الانفراد يعاند قيد التركيب، وأحد المعاندين لا يكون داخلا في الآخر؟
ولكنني أدعي أنها من حيث هي داخلة في المركب؛ فيكون المقتضي للمركب مقتضيا لتلك المفردات من حيث أنها هي، لا من حيث إنها مفردة.
وإنما قلنا إن المعارض الموجود لا يصلح مزيلاً؛ لأن المعارض يقتضي زوال الوجوب، والوجوب ماهية مركبة، والماهية المركبة يكفي في زوالها زوال أحد
стр. 1428
قيودها؛ فزوال الوجوب يكفي فيه إزالة الحرج عن الترك، ولا حاجة فيه إلى إزالة جواز الفعل؛ فثبت أن المقتضي للجواز قائم، والمعارض لا يصلح مزيلاً.
فإن قيل: الجواز الذي جعلته جزء ماهية الوجوب، هو الجواز بمعنى: رفع الحرج عن الفعل فقط، أو بمعنى رفع الحرج عن الفعل والترك معاً؟
الأول مسلم، والثاني ممنوع.
ولكن ذلك الأول لا يمكن بقاؤه بعد زوال الوجوب؛ لأن مسمى رفع الحرج عن الفعل لا يدخل في الوجود إلا مقيداً: إما بقيد إلحاق الحرج بالترك؛ كما في الوجوب، أو بقيد رفع الحرج عن الترك؛ كما في المندوب، ويستحيل أن يبقى بدون هذين القيدين.
وأما الثاني فممنوع؛ لأن الجواز، بمعنى رفع الحرج عن الفعل والترك، ينافي الوجوب، الذي لا تتحقق ماهيته إلا مع الحرج على الترك، والمنافي لا يكون جزءاً.
فثبت أن المقتضي للوجوب لا يكون مقتضياً للجواز بهذا المعنى.
والواجب: أن الجواز الذي هو جزء ماهية الوجوب هو الجواز بالمعنى الأول.
قوله: "إنه لا يتقرر إلا مع أحد القيدين":
قلنا: نسلم؛ لكن الناسخ للوجوب لما رفع الوجوب، رفع منع الحرج عن الترك؛ فقد حصل بهذا الدليل زوال الحرج عن الترك.
وقد بقي أيضاً القدر المشترك بين الوجوب والندب؛ وهو زوال الحرج عن الفعل؛ فيحصل من مجموع هذين القيدين زوال الحرج عن الفعل وعن الترك معاً، وذلك هو المندوب والمباح.
стр. 1429
فظهر بما ذكرنا أن الأمر، إذا لم يبق معمولا به في الوجوب؛ بقى معمولا به في الجواز، والله أعلم.
المسألة الرابعة
الوجوب إذا نسخ بقي الجواز
قوله: "الجواز جزء الوجوب".
стр. 1430
قلنا: أو لازم لما يتعين أن جزء الشيء قد يفسر بجزئه، كقولنا: "الإنسان هو الحيوان الناطق"، وبلازمه كقولنا: (هو الضاحك بالقوة)، فتفسير الوجوب بنفي الحرج لا يمنع أنه رسم لا حد.
قوله: "الجواز رفع الحرج عن الفعل".
قلنا: مقصود هذه المسألة أنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز الذي هو حكم شرعي ليستدل بالدليل الشرعي الدال بالوجوب على أن حكم الله تعالى بعد نسخ الوجوب الجواز، ونفي الحرج أعم من الجواز الشرعي؛ لأن نفي الحرج ثابت قبل الشرع على أصولنا، وما هو ثابت قبل الشرع لا يكون حكماً شرعياً، وإذا كان نفي الحرج شرعياً أعم من الجواز لا يلزم من ثبوته الجواز الشرعي، فلا يفيد هذا البحث شيئاً، بل ينبغي للمستدل في هذه المسألة أن يقول: دل الدليل الموجب على جواز الإقدام، والدليل الناسخ على جواز الإحجام، ومجموع الجوازين هو المدعى في هذه المسألة، وهو ثابت بدليلين شرعيين، فيكون شرعياً، فهذا متجه، أما الجواز ونفي الحرج فلا يفيد.
стр. 1431
(تنبيه)
وينبغي أن يعلم أن الجواز في هذه المسألة أعم من الإباحة الشرعية المفسرة باستواء الطرفين لاندراج الندب أيضاً فيها؛ فإن مجموع نفي الحرج عن الفعل والترك يصدق على القسمين، والكراهة لا تأتي؛ لأن مجرد مرجح الترك لم يوجد.
قوله في الجواب عن السؤال: "لا أدعي المفرد من حيث هو مفرد، بل من حيث هو داخل في المركب".
قلنا: هذا الجواب لا يدفع السؤال؛ لأن قول السائل: " لما قلت: إن اللفظ اقتضاء الأجزاء حالة الانفراد يصدق بظن تعين أحدهما أن اللفظ لا يدل عليها بطريق الانفراد، وهذا يندفع بجوابكم، ويصدق بطريق آخر، وهو أن اللفظ إذا دل على مركب من جزئين، ثم دل الدليل على عدم أحدهما لا يلزم أن ينفي الجزء الآخر؛ لأن المركب قد يكون أحد جزئه شرطا في الجزء الآخر، كما إذا صدق أن في المحل مجموع معنيين: أحدهما علم، والآخر قد يكون أحد جزئيه شرطاً في الجزء الآخر، ثم دل الدليل على عدم الحياة، فإنه يستحيل بقاء الجزء الآخر الذي هو العلم، وكذلك المركب من الجواهر والأعراض إذا دل الدليل على عدم الجواهر، فإنه يتعذر بقاء الأعراض، ونظائره كثيرة، فقد يدل لفظ على مركب من جزءين، ولا يدل على بقاء أحدهما بعد ذهاب الآخر، فعلى هذا الوجه لا يكون الجواب دافعاً للسؤال، وما تعين القسم الأول مراداً للسائل.
قوله: "والماهية المركبة يكفي في زوالها زوال أحد قيودها ".
قلنا: مسلم فلم قلتم: إن ذلك الجزء المرتفع هو تحتم الفعل؟ ولم لا يجوز أن يكون هو جواز الفعل؟
وتقريره: أن الماهية المركبة إذا صدق نفيها يكفي في ذلك أي جزء كان من أجزائها، وليس لأحد أن يعين لنفي العشرة جزءا معينا، بل كل جزء يصلح لعدم الماهية المركبة، فلم جزمتم - هاهنا - بتعين هذا الجزء للانتفاء؟
стр. 1432
واعلم أن هذا الشك قوي غير أن جوابه قاعدة، وهي أن المركبات قسمان:
منها ما يكون بين أجزائها عموم وخصوص، كالحيوان مع الناطق في الإنسان.
ومنها ما لا يكون بين أجزائها عموم وخصوص، كأفراد العشرة.
فالقسم الأول يتعين الجزء الخاص للانتفاء إذا دل الدليل على انتفاء الماهية؛ لأنها إن انتفت بجملة أجزائها، فيستحيل أن ينتفي بالجزء العام انتفاء الجزء الخاص، وإن انتفت بأحد أجزائها، فيستحيل أن ينتفي بالجزء العام الذي هو الحيوان - مثلا- مع بقاء الجزء الخاص الذي هو الناطق، بل يتعين أن يكون إنما انتفت بالجزء الخاص، ونفي الجزء العام بعده جائز، فعلمنا أن انتفاء الجزء الخاص لازم الانتفاء قطعاً انتفت بكل أجزائها أو بعضها، بخلاف الجزء العام، فكذلك تعين النفي، ولا يلزم القضاء بنفي الجزء الآخر؛ لأن الدليل ما دل إلا على نفي الماهية، ونفيها أعم من نفيها بكل أجزائها، أو بعض أجزائها، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فلا يستفاد من ذلك الدليل نفيها بكل أجزائها؛ لأنه أخص من مطلق نفيها الذي لم يدل الدليل إلا عليه، أما إذا كانت أجزاء الماهية ليس بينها عموم ولا خصوص فلا يتعين لمطلق نفي الحقيقة جزء معين البتة، كذلك هاهنا الوجوب أخص من الجواز، فلا جرم تعين قيد الوجوب للنفي دون قيد الجواز، وإستثنينا الجواز؛ لأن مطلق النفي لا يستلزمه لما تقدم، وهذه قاعدة ينبغي أن يتفطن لها لئلا يرد السؤال مع الغفلة عنها، فليس له جواب غيرها.
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: لا نسلم أن حقيقة الجواز رفع الحرج، بل التخيير ولهذا لا يطلق على أفعال البهائم والصبيان، ولو سلم فليس ذلك بلازم
стр. 1433
حكم خطاب الإيجاب، بل حكمه الحمل، ورفع الحرج من حكم الأصل، ولو سلم فإنه يثبت ضمناً للحمل فيزول بزواله.
وقوله: "يتحقق رفع الوجوب بسقوط العقاب".
قال: قلت: الجواز جزء ماهية الوجوب، أو من ضروراته ,وإلا لبطل الاستدلال بالوجوب على ثبوته، وإن كان فلم قلتم: "إن طريق رفع الحرج رفع هذا الجزء دون دال على أن سياقه يقتضي بقاء الندب، وهو أوجه ولا قائل به؟ ".
قلت: في كلامه مواضع:
أحدهما: حكم الإيجاب، والحمل لفظ محتمل إن أراد به خطاب الشرع بجواز الإقدام فمسلم، ولفظه غير مفصح عنه، ولم يبق بعده إلا نفي الحرج.
وثانيها: قوله: "يزول الجواز بزوال الوجوب" قد علمت بطلانه بالقاعدة المتقدمة.
وثالثها: قوله: "لم قلت: إنه يلزم رفع هذا الجزء دون ذاك؟ ".
جوابه: من القاعدة.
ورابعها: قوله: "لم يقل أحد بالندب مع أنه أوجه " يريد بكونه أوجه أن دليل الوجوب كما اقتضى الجواز اقتضى رجحان الفعل أيضاً، والمنع من الترك، فيقتصر بالدليل النافي للوجوب والناسخ له على أقل ما يكون جمعاً بين الأدلة، فيبقى الندب بالضرورة.
وقوله: "لا قائل به " مع أن صاحب الكتاب قد صرح به بقوله: وذلك هو المندوب، والمباح في آخر المسألة، وقد علمت في أول (المحصول) أن تفسير المباح بمستوى الطرفين هو اصطلاح المتأخرين.
وتفسير المتقدمين: هو ما لا حرج في فعله كان مندوبا ً، أو مباحاً، أو مكروها، فكذلك هاهنا أمكن أن يكون مرادهم بالجواز المباح، والندب، ولا سبيل للكراهة لما تقدم.
стр. 1434
المسألة الخامسة
في أن ما يجوز تركه لا يكون فعله واجبا
قال الرازي: والدليل عليه: أن الواجب ما لا يجوز تركه، والجمع بينه وبين جواز الترك متناقض.
واعلم أن الخلاف في هذا الفصل مع طائفتين:
إحداهما: الكعبي وأتباعه؛ فإنه روي في كتب اصحابنا عنهم؛ أنهم قالوا:
المباح واجب؛ واحتجوا عليه بأن المباح ترك به الحرام، وترك الحرام واجب؛ فيلزم أن يكون المباح واجباً.
وجوابه: أن المباح ليس نفس ترك الحرام، بل هو شيء به يترك الحرام، ولا يلزم من كون الترك واجباً أن يكون الشيء المعين الذي يحصل به الترك واجباً، إذا كان ذلك الترك ممكن التحقيق بشيء آخر غير ذلك الأول.
وثانيتهما: ما ذكره كثير من الفقهاء من أن الصوم واجب على المريض، والمسافر، والحائض، وما يأتون به عند زوال العذر يكون قضاء لما وجب.
وقال آخرون: إنه لا يجب على المريض، والحائض، ويجب على المسافر وعندنا أنه لا يجب على الحائض، والمريض البتة.
وأما المسافر: فيجب عليه صوم أحد الشهرين: إما الشهر الحاضر، أو شهر آخر، وأيهما أتى به، كان هو الواجب؛ كما قلنا في الكفارات الثلاث.
ودليلنا ما تقدم: من أن الواجب هو الذي منع من تركه، وهؤلاء ما منعوا من
стр. 1435
ترك الصوم؛ فلا يكون واجبا عليهم، بل الحائض ممنوعة من الفعل، والممنوع من الفعل كيف يمكن أن يكون ممنوعا من الترك؟
واحتج المخالف بأشياء:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]
أوجب الصوم على كل من شهد الشهر، وهؤلاء قد شهدوا الشهر؛ فيجب عليهم الصوم.
وثانيها: أنه ينوي قضاء رمضان، ويسمى قضاء، وذلك يدل على أنه يحكي وجوبا سابقا.
وثالثها: أنه لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه؛ فوجب أن يكون بدلا عنه؛ كغرامات المتلفات.
والجواب عن الكل: أن ما ذكرتموه استدلال بالظواهر والأقيسة على مخالفة ضرورة العقل؛ وذلك لأن المتصور في الوجوب المنع من الترك؛ فعند عدم المنع من الترك، لو حاولنا إثبات المنع من الترك، لكنا قد تمسكنا بالظواهر والأقيسة؛ في إثبات الجمع بين النقيضين، وذلك لا يقوله عاقل.
بلى، إن فسرتم الوجوب بشيء آخر، فذلك كلام آخر.
فروع
الفرع الأول: اختلفوا في أن المندوب، هل هو مأمور به أم لا؟
والحق أن المراد من الأمر، إن كان هو الترجيح المطلق من غير إشعار بجواز الترك، ولا بالمنع من الترك، فنعم.
стр. 1436
وإن كان هو الترجيح المانع من النقيض، فلا؛ لكنا لما بينا أن الأمر للوجوب كان الحق هو التفسير الثاني.
الفرع الثاني: اختلفوا في أن المندوب، هل يصير واجبا بعد الشروع فيه؟
فعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: أن التطوع يلزم بالشروع.
وعند الشافعي ﵁: لا يجب.
لنا: قوله ﵊: (الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر)
ولأنا نفرض الكلام فيما إذا نوى صوما، يجوز له تركه بعد الشروع.
فنقول: يجب أن يقع الصوم على هذه الصفة؛ لقوله ﵊: (ولكل امرئ ما نوى).
وتمام الكلام في هذه المسألة مذكور في الخلافيات.
الفرع الثالث: المباح، هل هو من التكليف أم لا؟
والحق أنه: إن كان المراد بأنه من التكليف هو أنه ورد التكليف بفعله، فمعلوم أنه ليس كذلك وإن كان المراد منه أنه ورد التكليف باعتقاد إباحته، فاعتقاد كون ذلك الفعل مباحاً - مغاير لذلك الفعل في نفسه، فالتكليف بذلك الاعتقاد لا يكون تكليفاً بذلك المباح.
والأستاذ أبو إسحاق سماه تكليفاً بهذا التأويل؛ وهو بعيد مع أنه نزاع في محض اللفظ.
الفرع الرابع: المباح، هل هو حسن؟
стр. 1437
والحق: أنه: إن كان المراد من الحسن كل ما رفع الحرج عن فعله، سواء كان عن فعله ثواب، او لم يكن، فالمباح حسن.
وإن أريد به ما يستحق فاعله بفعله التعظيم والمدح والثواب - فالمباح ليس بحسن.
الفرع الخامس: المباح، هل هو من الشرع؟!
قال بعضهم: ليس من الشرع؛ لأن معنى المباح: أنه لا حرج في فعله، وفي تركه، وذلك معلوم قبل الشرع؛ فتكون الإباحة تقريرا للنفي الأصلي، لا تغييراً؛ فلا يكون من الشرع.
والحق أن الخلاف لفظي؛ وذلك لأن الإباحة تثبت بطرق ثلاثة:
أحدها: أن يقول الشرع: إن شئتم فافعلوا، وإن شئتم فاتركوا.
والثاني: أن تدل أخبار الشرع على أنه لا حرج في الفعل والترك.
والثالث: ألا يتكلم الشرع فيه البتة، ولكن انعقد الإجماع مع ذلك على أن ما لم يرد فيه طلب فعل، ولا طلب ترك، فالمكلف فيه مخير، وهذا الدليل يعم جميع الأفعال التي لا نهاية لها.
إذا عرفت هذا، فنقول: إن عنى بكون الإباحة حكما شرعيا: أنه حصل حكم غير الذي كان مستمرا قبل الشرع - فليس كذلك بل الإباحة تقرير لا تغيير.
وإن عنى بكونه حكما شرعيا: أن كلام الشرع دل على تحققه، فظاهر أنه كذلك؛ لأن الإباحة لا تتحقق إلا على أحد الوجوه الثلاثة المذكورة.
стр. 1438
وفي جميعها خطاب الشرع دل عليها؛ فكانت الإباحة من الشرع بهذا التأويل، والله أعلم.
المسألة الخامسة
ما يجوز تركه لا يكون واجبا
قال القرافي: قوله: " لا يلزم أن يكون الذي يترك به الحرام واجبا إذا كان ذلك الترك يحصل بآخر ".
تقريره: أن عدم الحرام يصدق مع الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح، وما لا حكم فيه البتة كفعل الساهي، والبهيمة وغيرهما، والأعم لا يستلزم الأخص، ووجوب الأعم لا يوجب الأخص، كما أن إيجاب رقبة لا يوجب عتق الرقبة البيضاء والطويلة.
وفائدة أخرى: أن الشيء إذا كان واجباً، وله وسائل متعددة لا يجب أحدها عينا، كما إذا كان للجامع يوم الجمعة طريقان مستويان لا يجب سلوك أحدهما عينا، فكذلك هذه الأمور كلها طرق لترك الحرام ووسائل إليه، فلا يجب أحدها عينا وهو المباح، ولو صح ما قالوه لكان المندوب حراما؛ لأنه ترك الواجب، والمكروه أيضاً كذلك، بل الواجب حرام؛ لأنه يستلزم ترك واجب آخر، وعلى هذا السؤال تحفظ الحقائق.
стр. 1439
(سؤال)
لا نسلم أن المباح يضاد الحرام في كل الصور ، فقد لا يضاده كالكلام في وقت الزنا ونحوه، وحينئذ إنما يتأتي هذا في بعض المباحات، فلا يتم مقصوده.
وقوله: "وثانيها: قال كثير: إن الصوم واجب على المريض، والمسافر، والحائض".
قلنا: أما إطلاق الوجوب على المسافر، والحائض فإن أريد به أنه يجب عليهما أحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء فهو حق، ويكون الساقط عنهما إنما هو تعيين خصوص رمضان، وإن أريد به وجوب الخصوص في رمضان فهو باطل، وأما الحائض فالحق أنه لا يجب عليها إلا أحد الشهرين، ولا الخصوص؛ لأنها لو كانت كذلك لصح منها أن تأتي بخصوص رمضان، وهو خلاف الإجماع.
والمخالف في هذه المسألة كما علمت طائفة من المالكية والحنفية، وإختاره الشيخ أبو إسحاق في (اللمع)
، والقاضي أبو يعلى الحنبلي في كتاب (العدة) نقله عن الحنابلة.
ففي هذا القول المذاهب الأربعة:
فأما المالكية القائلون بها فأطلقت ذلك، ولم تفصل ولم تزد حرفا.
وأما الحنفية: فحسب قولها، وقالوا: يجب عليهما وجوبا موسعا، فلم يصادموا انعقاد الإجماع على تأثيمها بالصوم، بخلاف المالكية غير الحنفية، لم يصف لهم مسيرتهم أيضا؛ فإن قاعدة الواجب الموسع أن يصح الإتيان به في أي جزء شاء المكلف من ذلك الزمان الذي وسع الشرع فيه، فإن التزموا ذلك ورد عليهم الإشكال الوارد على المالكية من مصادمة الإجماع، وإن
стр. 1440
لم يلتزموه خرجت المسألة من أيديهم، ويبقى معنى قولهم: المعنى بوجوب الصوم عليها أنها إذا طهرت قضت، وهذا ليس محل النزاع هاهنا.
وقال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): جواز الترك لا يدل على عدم الوجوب؛ بدليل الدين المؤجل، وتحريم الفعل لا يدل على عدم الوجوب بدليل المحدث، وكذلك أجاب القاضي أبو يعلى.
ويؤخذ من هذه الأجوبة: أن الجميع يقولون بالوجوب الموسع، وجوابهم، أن الدين لو عجل لصح، والمحدث يتمكن من إزالة الحدث وفعل الصلاة، بخلاف الحائض.
وظاهر نقل (المحصول): أن المريض والمسافر، والحائض يجب عليهم خصوص رمضان عيناً، وهو غير متجه، بما قاله المنصف.
قوله: "وقال آخرون: لا يجب على المريض والحائض، ويجب على المسافر".
قلنا: إن كان هذا القائل يريد بالمريض حرمة الشرع عليه؛ لأنه يؤدي إلى هلاكه أو فساد عضو من أعضائه، فهذا يقرب من الإتجاه.
قال الغزالي في (المستصفى): فإن صام مثل هذا، فيحتمل عدم الإجزاء؛ لأن المحرم لا يجزئ عن الواجب، وعلى هذا هو كالحائض،
قال: ويحتمل أن يجزئه؛ لأن المنع إنما كان لحق النفس، واحتمل أن يثبت الوجوب لحق الله، فإذا صام أمكن الإجزاء كالصلاة في الدار المغصوبة، محرمة من وجه، وواجبة من وجه، ومع ذلك أجزأت، وإن أراد المريض الذي لم يحرم عليه الشرع الصوم، فهو كالمسافر لا كالحائض الواجب عليه
следующие страницы →