← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وإن كان هو الترجيح المانع من النقيض، فلا؛ لكنا لما بينا أن الأمر للوجوب كان الحق هو التفسير الثاني. الفرع الثاني: اختلفوا في أن المندوب، هل يصير واجبا بعد الشروع فيه؟ فعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: أن التطوع يلزم بالشروع. وعند الشافعي ﵁: لا يجب. لنا: قوله ﵊: (الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر) ولأنا نفرض الكلام فيما إذا نوى صوما، يجوز له تركه بعد الشروع. فنقول: يجب أن يقع الصوم على هذه الصفة؛ لقوله ﵊: (ولكل امرئ ما نوى). وتمام الكلام في هذه المسألة مذكور في الخلافيات. الفرع الثالث: المباح، هل هو من التكليف أم لا؟ والحق أنه: إن كان المراد بأنه من التكليف هو أنه ورد التكليف بفعله، فمعلوم أنه ليس كذلك وإن كان المراد منه أنه ورد التكليف باعتقاد إباحته، فاعتقاد كون ذلك الفعل مباحاً - مغاير لذلك الفعل في نفسه، فالتكليف بذلك الاعتقاد لا يكون تكليفاً بذلك المباح. والأستاذ أبو إسحاق سماه تكليفاً بهذا التأويل؛ وهو بعيد مع أنه نزاع في محض اللفظ. الفرع الرابع: المباح، هل هو حسن؟

стр. 1437

والحق: أنه: إن كان المراد من الحسن كل ما رفع الحرج عن فعله، سواء كان عن فعله ثواب، او لم يكن، فالمباح حسن. وإن أريد به ما يستحق فاعله بفعله التعظيم والمدح والثواب - فالمباح ليس بحسن. الفرع الخامس: المباح، هل هو من الشرع؟! قال بعضهم: ليس من الشرع؛ لأن معنى المباح: أنه لا حرج في فعله، وفي تركه، وذلك معلوم قبل الشرع؛ فتكون الإباحة تقريرا للنفي الأصلي، لا تغييراً؛ فلا يكون من الشرع. والحق أن الخلاف لفظي؛ وذلك لأن الإباحة تثبت بطرق ثلاثة: أحدها: أن يقول الشرع: إن شئتم فافعلوا، وإن شئتم فاتركوا. والثاني: أن تدل أخبار الشرع على أنه لا حرج في الفعل والترك. والثالث: ألا يتكلم الشرع فيه البتة، ولكن انعقد الإجماع مع ذلك على أن ما لم يرد فيه طلب فعل، ولا طلب ترك، فالمكلف فيه مخير، وهذا الدليل يعم جميع الأفعال التي لا نهاية لها. إذا عرفت هذا، فنقول: إن عنى بكون الإباحة حكما شرعيا: أنه حصل حكم غير الذي كان مستمرا قبل الشرع - فليس كذلك بل الإباحة تقرير لا تغيير. وإن عنى بكونه حكما شرعيا: أن كلام الشرع دل على تحققه، فظاهر أنه كذلك؛ لأن الإباحة لا تتحقق إلا على أحد الوجوه الثلاثة المذكورة.

стр. 1438

وفي جميعها خطاب الشرع دل عليها؛ فكانت الإباحة من الشرع بهذا التأويل، والله أعلم. المسألة الخامسة ما يجوز تركه لا يكون واجبا قال القرافي: قوله: " لا يلزم أن يكون الذي يترك به الحرام واجبا إذا كان ذلك الترك يحصل بآخر ". تقريره: أن عدم الحرام يصدق مع الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح، وما لا حكم فيه البتة كفعل الساهي، والبهيمة وغيرهما، والأعم لا يستلزم الأخص، ووجوب الأعم لا يوجب الأخص، كما أن إيجاب رقبة لا يوجب عتق الرقبة البيضاء والطويلة. وفائدة أخرى: أن الشيء إذا كان واجباً، وله وسائل متعددة لا يجب أحدها عينا، كما إذا كان للجامع يوم الجمعة طريقان مستويان لا يجب سلوك أحدهما عينا، فكذلك هذه الأمور كلها طرق لترك الحرام ووسائل إليه، فلا يجب أحدها عينا وهو المباح، ولو صح ما قالوه لكان المندوب حراما؛ لأنه ترك الواجب، والمكروه أيضاً كذلك، بل الواجب حرام؛ لأنه يستلزم ترك واجب آخر، وعلى هذا السؤال تحفظ الحقائق.

стр. 1439

(سؤال) لا نسلم أن المباح يضاد الحرام في كل الصور ، فقد لا يضاده كالكلام في وقت الزنا ونحوه، وحينئذ إنما يتأتي هذا في بعض المباحات، فلا يتم مقصوده. وقوله: "وثانيها: قال كثير: إن الصوم واجب على المريض، والمسافر، والحائض". قلنا: أما إطلاق الوجوب على المسافر، والحائض فإن أريد به أنه يجب عليهما أحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء فهو حق، ويكون الساقط عنهما إنما هو تعيين خصوص رمضان، وإن أريد به وجوب الخصوص في رمضان فهو باطل، وأما الحائض فالحق أنه لا يجب عليها إلا أحد الشهرين، ولا الخصوص؛ لأنها لو كانت كذلك لصح منها أن تأتي بخصوص رمضان، وهو خلاف الإجماع. والمخالف في هذه المسألة كما علمت طائفة من المالكية والحنفية، وإختاره الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) ، والقاضي أبو يعلى الحنبلي في كتاب (العدة) نقله عن الحنابلة. ففي هذا القول المذاهب الأربعة: فأما المالكية القائلون بها فأطلقت ذلك، ولم تفصل ولم تزد حرفا. وأما الحنفية: فحسب قولها، وقالوا: يجب عليهما وجوبا موسعا، فلم يصادموا انعقاد الإجماع على تأثيمها بالصوم، بخلاف المالكية غير الحنفية، لم يصف لهم مسيرتهم أيضا؛ فإن قاعدة الواجب الموسع أن يصح الإتيان به في أي جزء شاء المكلف من ذلك الزمان الذي وسع الشرع فيه، فإن التزموا ذلك ورد عليهم الإشكال الوارد على المالكية من مصادمة الإجماع، وإن

стр. 1440

لم يلتزموه خرجت المسألة من أيديهم، ويبقى معنى قولهم: المعنى بوجوب الصوم عليها أنها إذا طهرت قضت، وهذا ليس محل النزاع هاهنا. وقال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): جواز الترك لا يدل على عدم الوجوب؛ بدليل الدين المؤجل، وتحريم الفعل لا يدل على عدم الوجوب بدليل المحدث، وكذلك أجاب القاضي أبو يعلى. ويؤخذ من هذه الأجوبة: أن الجميع يقولون بالوجوب الموسع، وجوابهم، أن الدين لو عجل لصح، والمحدث يتمكن من إزالة الحدث وفعل الصلاة، بخلاف الحائض. وظاهر نقل (المحصول): أن المريض والمسافر، والحائض يجب عليهم خصوص رمضان عيناً، وهو غير متجه، بما قاله المنصف. قوله: "وقال آخرون: لا يجب على المريض والحائض، ويجب على المسافر". قلنا: إن كان هذا القائل يريد بالمريض حرمة الشرع عليه؛ لأنه يؤدي إلى هلاكه أو فساد عضو من أعضائه، فهذا يقرب من الإتجاه. قال الغزالي في (المستصفى): فإن صام مثل هذا، فيحتمل عدم الإجزاء؛ لأن المحرم لا يجزئ عن الواجب، وعلى هذا هو كالحائض، قال: ويحتمل أن يجزئه؛ لأن المنع إنما كان لحق النفس، واحتمل أن يثبت الوجوب لحق الله، فإذا صام أمكن الإجزاء كالصلاة في الدار المغصوبة، محرمة من وجه، وواجبة من وجه، ومع ذلك أجزأت، وإن أراد المريض الذي لم يحرم عليه الشرع الصوم، فهو كالمسافر لا كالحائض الواجب عليه

стр. 1441

أحد الشهرين، وسقط عنه الخصوص فقط لمشقة المرض، كما سقط عن المسافر لمشقة السفر. قوله: "وعندنا أنه لا يجب على المريض والحائض بخلاف المسافر". قلنا: صحة هذا الاختيار تتوقف على التفصيل المتقدم إن أراد الذي يحرم عليه الصوم أمكن القول بذلك، وإلا فلا على ما تقدم. قوله: "ولأنه ينوي قضاء رمضان". قلنا: هذا لا يدل على الوجوب سابقا، بل سبب هذه النية أن هذا الصوم ليس بنذر، ولا تطوع، ولا واجب وجب بسبب وجد، ولا كفارة، والنية حكمها تمييز العبادات عن العادات، وتمييز مراتب العبادات في نفسها، ولا مميز لهذا الصوم إلا إضافته إلى السبب السابق، فيضاف لرمضان ذلك، فكذلك نوى عن الماضي، وأضيف إليه، كما إذا كانت كفارات من ظهار، وإفساد الصيام، وكفارة يمين. وقيل: لا بد في كل صوم أن يضاف لسببه حتى يتميز عن الآخر. قوله: " لا يزيد عليه، ولا ينقص، فيكون بدلا عنه كغرامات المتلفات ". قلنا: هو بدل عنه؛ لمعنى أن السبب السابق اقتضى وجوباً، ولم يترتب عليه لقيام المانع، فهذا بدل عن ذلك الذي لم يترتب، وكفى هذا في حسن كونه مقدرا بقدر السابق؛ لأن البدل تابع للمبدل، وإن عنيتم أنه بدل مما وجب فممنوع، بل صحة البدلية تصدق بما ذكرناه من غير محذور، ويلزم من مخالفة الإجماع في أن الوجوب يثبت أن يأثم بالترك. قوله: "المندوب هل يجب بالشروع؟ " قلنا: هذا الفرع لا يتجه في هذه المسألة؛ لأن مما يجوز تركه لا يتصف

стр. 1442

بالوجوب، وهذا الفرع القائل بالوجوب، حيث قال به لا يجوز الترك، فلا يكون من هذه المسألة، ثم هذا الفرع لا أعرفه على إطلاقه، بل قالت به طائفة في الحج والعمرة المندوبين إذا شرع فيهما وجب إتمامهما. وزاد المالكية خمسة أخرى: طواف التطوع، والصلاة، والصوم، المندوبين، والإتمام، فمن صلى في جماعة امتنع أن يفارق الإمام. وعند الشافعي يجوز له أن يفارقه. والاعتكاف، فمن نوى عشرة أيام وجب عليه إذا شرع فيها أن يكملها. وما عدا هذه السبعة مواطن لا أعلم فيه خلافاً. فقد قالت المالكية: من شرع في تجديد الطهارة يجوز له ترك الإكمال لذلك الوضوء. وكذلك من صرح بصدقة التطوع له الرجوع بها، وكذلك من شرع في بناء وقف، أو مسجد، او تلاوة القرآن له إبطال ذلك كله. وليس من هذا الباب الفريضة أول الوقت؛ فإن هذا صفة واجب، والكلام في المندوب الصرف، والإتمام وإن كان صفة واجب إلا أنه مندوب مستقل، بخلاف تعجيل الفرض.

стр. 1443

قوله: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر". قلنا: عنه أجوبة: أحدها: أنه مجمل دائر بين أجزاء اليوم الواحد، فنقول لموجبه: إن شاء صام اليوم الثاني، وإن شاء أفطره؛ فإن الحديث لم يقل: في يوم واحد، فهو دائر بين الإحتمالين فهو مجمل. وثانيها: سلمنا دلالته على اليوم الواحد، لكن نحمله على الصائم الذي عزم على الصوم قبل الشروع فيه. ويدل على هذا المجاز: ظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]؛ فإن النهي للتحريم، فيكون الإبطال حراماً. وثالثها: سلمنا أن المجاز لا يتعين، لكنه معارض بقوله ﵇: للأعرابي لما قال له: هل يجب علي غير ذلك؟ فقال له: (إلا أن تطوع)، مفهومه فيجب عليك.

стр. 1444

قوله: " بفرضه نوى صوماً يجوز له تركه، فيكون بدله تركه بعد الشروع، لقوله ﵇: (الأعمال بالنيات، ولكل إمرئ ما نوى ". قلنا: قوله ﵇: (الأعمال بالنيات)، (الألف) (واللام) فيه للعهد، أي المشروعة المعهودة في الشرع، وليس المراد المحرمات إجماعاً، وحينئذ يتعين أن يكون قوله ﵇: (ولكل إمرئ ما نوى)، أي منها حتى ينتظم الكلام، فلا يبقى فيه حجة حينئذ؛ لأنا نمنع أن هذا عمل مشروع، بل كل صوم مشروع - عندنا - لا يجوز إبطاله، والعمل بهذه الصفة غير مشروع فلا يندرج. قوله: "إختلف في المباح هل هو من الشرع أم لا؟ ". قلنا: منشأ الخلاف: اختلاف تفسير المباح، فمن فسره بعدم الحرج، فعدم الحرج ثابت قبل الشرع، وما هو ثابت قبل الشرع لا يكون من الشرع. ومن فسره بإعلام الشرع بنفي الحرج في الفعل، أو الترك، أو تخييره. قال: هو من الشرع؛ لأن هذا الإعلام لا يوجد قبل الشرع، وما توقف على الشرع كان شرعيا، وما لا يتوقف على الشرع لا يكون شرعيا. قوله: " فتكون الإباحة تقريرا للنفي الأصلي لا تغييرا، فلا تكون من الشرع ". قلنا: لكن إن فسرت الإباحة بهذا التقرير كانت شرعية؛ لأنه لا يعلم قبل الشرع. قوله: " إن أريد بالإباحة أنه حصل حكم غير الذي كان مستمرا قبل الشرع فليس كذلك، بل الإباحة في الأقسام الثلاثة التي ذكرها تقرير لا تغيير ".

стр. 1445

من ثبوت الأحكام قبل الشرع ونجوز أن يكون الجميع حراماً أو واجباً بناء على أصولنا في جواز تكليف ما لا يطاق، غير أنا لا نوجبه عقلاً كما تقولون، بل نجوزه، فإذا ورد الشرع بتعيين التسوية بين الفعل والترك، فقد تحددت التسوية، وهي غير ما كان ثابتا قبل الشرع، فإن الشرع لم يتعين قبله ذلك. والتقرير أيضا يدل على الإباحة القائمة بذات الله تعالى وهو حكم شرعي، وقبل ذلك ما كنا ندري ما قام بذات الله تعالى، وبهذا يظهر بطلان كلام الغزالي في قوله: "لا فرق بين مذهبنا ومذهبهم إن أراد به ليس من الشرع بمعنى نفي الحرج". (تنبيه) زاد التبريزي، فقال: الحق في الإباحة إن ورد فيها خطاب التخيير بعين إضافته إلى الشرع فهو حكم شرعي ؛ لأنها مقتضى خطابه، وكذلك جاز نسخها بخلاف النفي الأصلي وحيث لا خطاب ولا دلالة، فلا وجه لإضافته إلى الشرع، وانعقاد الإجماع على أن ما لم يرد فيه خطاب للاقتضاء والمنع فهو باق على خيرة الفاعل، لا نجعله حكما من الشرع بدليل الأفعال قبل ورود الشرائع، وأما إذا توجهت دلالة من غير تصريح الخطاب، فهو في محل النظر. قلت: قوله: "انعقاد الإجماع على ان ما لم يرد فيه خطاب، فهو باق على خيرة الفاعل لا يجعله حكما شرعيا بدليل الأفعال قبل ورود الشرائع" لا يتجه؛ لأنا نمنع أن الأفعال قبل ورود الشرائع فيها تخيير، ولو سلمناه فالإجماع دليل شرعي كالنص سواء، بل أقوى لعدم الإحتمال فيه، فيضاف إلى الشرع كما سلمه في النص.

стр. 1446

وقوله: اذا توجهت دلالة من غير تصريح، فهو في محل النظر، فينبغي أن يجزم بأنه حكم شرعي لوجود الدلالة، ويجزم بنفي الدلالة ولا يثبت أصلها؛ فإن ثبوت مسمى الدلالة يستلزم الحكم الشرعي؛ لصحة الإضافة حينئذ للشرع بتلك الدلالة. ***

стр. 1447

النظر الثالث من القسم الثاني من كتاب الأوامر والنواهي في المأمور به ، وفيه مسائل: قال الرازي: المسألة الأولى: يجوز ورود الأمر بما لا يقدر عليه المكلف عندنا؛ خلافا للمعتزلة، والغزالي منا. لنا وجوه: الأول: أن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان، والإيمان منه محال؛ لانه يفضي إلى انقلاب علم الله تعالى جهلا، والجهل محال؛ والمفضي إلى المحال محال. فإن قيل: لا نسلم أن الإيمان من الكافر محال، ولا نسلم أن حصوله يفضي إلى انقلاب العلم جهلا. بيانه: أن العلم يتعلق بالشيء المعلوم على ما هو به، فإن كان الشيء واقعا، تعلق العلم بوقوعه، وإن كان غير واقع، تعلق العلم بلا وقوعه. فإذا فرضت الإيمان واقعا، لزم القطع بأن الله تعالى كان في الأزل عالما بوقوعه. وإن فرضته غير واقع، لزم القطع بأن الله تعالى كان في الأزل عالما بلا وقوعه، ففرض الإيمان بدلا من الكفر لا يقتضي تغير العلم، بل يقتضي أن يكون الحاصل في الازل هو العلم بالإيمان، بدلا عن العلم بالكفر؛ فلم قلت: إن ذلك محال؟

стр. 1448

سلمنا أن ما ذكرته يقتضي امتناع صدور الإيمان من الكافر؛ لكنه معارض بوجوه دالة على أن الإيمان في نفسه ممكن الوجود: الأول: ان الإيمان كان في نفسه ممكن الوجود، فلو انقلب واجبا؛ بسبب العلم، لكان العلم مؤثرا في المعلوم، وهو محال؛ لان العلم يتبع المعلوم، ولا يؤثر فيه. الثاني: لو كان ما علم الله تعالى وجوده، واجب الوجود، وكل ما علم الله تعالى عدمه، يكون واجب العدم - لزم ألا يكون الله تعالى قادرا على إيجاد شيء؛ لأن الشيء لا ينفك من أن يقال: إن الله تعالى علم وجوده، أو علم عدمه. وعلى التقديرين: يكون واجبا، والواجب لا قدرة عليه البتة؛ فلزم ألا يقدر الله تعالى على شيء؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. الثالث: لو كان ما علم الله وجوده، واجب الوجود، وما علم عدمه، يكون واجب العدم - لزم ألا يكون لنا اختيار في فعل شيء اصلا، وان تكون حركاتنا بمنزلة تحريك الرياح للأشجار؛ من حيث إنه لا يكون باختيارنا، لكنا نعلم بالضرورة أن ذلك باطل؛ لانا ندرك تفرقة ضرورية بين الحركات الحيوانية الاختيارية، والجمادية الإضطرارية. الرابع: أنه لو كان كذلك، لكان العالم واجب الوجود في الوقت الذي علم الله تعالى وقوعه فيه، والواجب يستغني عن المؤثر؛ فيلزم استغناء حدوثه عن المؤثر، فيلزم ألا يفتقر حدوث العالم، ولا شيء من الأشياء إلى القادر المختار؛ وذلك كفر. الخامس: أن تعلق العلم به إما أن يكون سببا لوجوبه، أو لا يكون.

стр. 1449

فإن كان سببا لوجوبه، لزم أن يكون العلم قدرة وإرادة؛ لأنه لا معنى للقدرة والإرادة إلا الأمر الذي باعتباره يترجح الوجود على العدم، فإذا كان العلم كذلك، صار العلم عين القدرة والإرادة، وذلك محال؛ لأنه يقتضي قلب الحقائق؛ وهو غير معقول. وإن لم يكن العلم سببا لوجوب المعلوم، فقد سقط ما ذكرتموه من الدلالة؛ لانه مبني على أن المعلوم صار واجب الوقوع عند تعلق العلم به، فإذا بطل ذلك بطل دليلكم. سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على أن الإيمان محال من الكافر، لكن امتناعه ليس لذاته، بل بالنظر الى علم الله تعالى؛ فلم قلتم: إن ما لا يكون محالا لذاته فإنه لا يجوز ورود الأمر به؟ سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على أن الامر بالمحال واقع، لكنه يدل على انه لا تكليف الا وهو تكليف بما لا يطاق؛ وذلك لأن الشيء: ان كان معلوم العدم، كان الأمر بالإتيان به أمرا بإيقاع الممتنع. وان كان معلوم الوجود، كان واجب الوجود، وما كان واجب الوجود لا يكون لقدرة القادر الأجنبي واختياره فيه أثر؛ فيكون التكليف به أيضا تكليفا بما لا يطاق. فثبت أن ما ذكرتموه يدل على أن التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق، وان أحدا من العقلاء لم يقل بذلك؛ فإن بعض الناس أحاله عقلا، وبعضهم جوزه، ولم يقل أحد بانه يمتنع ورود التكليف الا بما لا يطاق؛ فما هو نتيجة هذا الدليل - لا تقولون به، وما تقولون به - لا ينتجه هذا الدليل؛ فيكون ساقطاً.

стр. 1450

سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على قولكم؛ ولكنه معارض بالنص والمعقول: أما النص: فقوله تعالى: ﴿لايكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] وأي حرج فوق التكليف بما لا يطاق؟ واما المعقول: فمن ثلاثة أوجه: الأول: أن في المشاهد أن من كلف الأعمى نقط المصاحف، والزمن الطيران في الهواء - عد سفيها - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. الثاني: المحال غير متصور، وكل ما لا يكون متصورا لا يكون مأمورا به. إنما قلنا: إنه غير متصور؛ لأن كل متصور متميز، وكل متميز ثابت؛ فما لا يكون ثابتا لا يكون متصورا. بيان الثاني: أن الذي لا يكون متصورا لا يكون في العقل إليه إشارة، والمأمور به يكون في العقل إليه إشارة؛ والجمع بينهما متناقض. الثالث: إذا جوزتم الأمر بالمحال، فلم لا تجوزون أمر الجمادات، وبعثة الرسل إليها، وإنزال الكتب عليها؟ والجواب: قوله: " إذا فرضنا الإيمان بدلا عن الكفر، كان الموجود في الأزل هو العلم بالإيمان بدلا عن العلم بالكفر ": قلنا: نحن، وان لم نعلم ان علم الله تعالى في الأزل تعلق بإيمان زيد، او بكفره، لكنا نعلم أن علمه تعلق بأحدهما على التعيين، وذلك العلم كان حاصلا في الأزل، فنقول: لو لم يحصل متعلق ذلك العلم، لزم انقلاب ذلك

стр. 1451

العلم جهلاً في الماضي؛ وهو محال من وجهين: أحدهما: امتناع الجهل على الله تعالى، والثاني: أن تغيير الشيء في الماضي محال. قوله: " العلم غير مؤثر ": قلنا: اللازم من دليلنا حصول الوجوب عند تعلق العلم، فأما أن ذلك الوجوب به أو بغيره، فذلك غير لازم. قوله: " لزم ألا يقدر الله تعالى على شيء ": قلنا: قد بينا أن العلم بالوقوع يتبع الوقوع الذي هو تبع الإيقاع بالإرادة والقدرة؛ فامتنع أن يكون الفرع مانعا من الأصل، بل تعلق علمه به على الوجه المخصوص - يكشف عن أن قدرته وإرادته تعلقتا به على ذلك الوجه. قوله: " يلزم الجبر ". قلنا: إن عنيت بالجبر: أن العبد لا يتمكن من شيء على خلاف علم الله تعالى؛ فلم قلت: إنه محال؟ قوله: " يلزم أن يكون العالم واجب الحدوث، حين حدوثه؛ فيستغنى عن القدرة، والإرادة ". قلنا: قد بينا: أن العلم بالوقوع تبع الوقوع، الذي هو تبع القدرة والإرادة، والفرع لا يغني عن الأصل. قوله: " إن العلم: إما ان يكون سببا للوجوب، او لا يكون ": قلنا: نختار أنه ليس سببا للوجوب، ولكن نقول: إنه يكشف عن الوجوب، وإذا كان كاشفا عن الوجوب، ظهر الفرق.

стр. 1452

قوله: (هذا لا يدل على جواز الامر بالجمع بين الضدين): قلنا: بل يدل؛ لأن علم الله تعالى بعدم إيمان زيد ينافي وجود إيمان زيد، فاذا أمره بإدخال الإيمان في الوجود حال حصول العلم بعدم الإيمان، فقد كلفه بالجمع بين المتنافيين. قوله: " هذا الدليل يقتضي أن تكون التكاليف كلها تكليف ما لا يطاق، وذلك لم يقل به أحد ": قلنا: الدلائل القطعية العقلية، لا تدفع بأمثال هذه الدوافع: أما الآية: فهي معارضة بقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦] ولأنك قد علمت أن القواطع العقلية لا تعارضها الظواهر النقلية، بل تعلم أن تلك الظواهر مؤولة، ولا حاجة إلى تعيين تأويلها. قوله: " أنه عبث ". قلنا: إن عنيت بكونه عبثا خلوه عن مصلحة العبد؛ فلم قلت: إن هذا محال. قوله: " المحال غير متصور ". قلنا: لو لم يكون متصورا، لامتنع الحكم عليه بالإمتناع؛ لما أن التصديق موقوف على التصور، ولانا نميز بين المفهوم من قولنا: " الواحد نصف الإثنين " والمفهوم من قولنا: " الوجود والعدم لا يجتمعان " ولوا تصور هذين المفهومين، لامتنع التمييز. قوله: " لم لا يجوز أمر الجماد؟ ".

стр. 1453

قلنا: حاصل الأمر بالمحال عندنا هو: الإعلام بنزول العقاب؛ وذلك لا يتصور إلا في حق الفاهم. الدليل الثاني: أن الله تعالى اخبر عن اقوام معينين: أنهم لا يؤمنون، وذلك في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ٦] وقال تعالى: ﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾ [يس: ٧]. اذا ثبت هذا، فنقول: أولئك الأشخاص، لو آمنوا، لانقلب خبر الله تعالى الصدق، كذبا، والكذب على الله محال: إما لأدائه الى الجهل، أو إلى الحاجة؛ على قول المعتزلة، او لنفسه؛ كما هو مذهبنا، والمؤدي إلى المحال محال؛ فصدور الإيمان عن أولئك الأشخاص محال، وتمام هذا التقرير ما تقدم. الدليل الثالث: أن الله تعالى كلف أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما اخبر عنه، ومما أخبر عنه: أنه لا يؤمن، فقد صار مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن أبدا، وهذا هو التكليف بالجمع بين الضدين. الدليل الرابع: أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى، ومتى وجدت تلك الداعية، كان الفعل واجب الوقوع، واذا كان كذلك، كان الجبر لازما، ومتى كان الجبر لازما، كانت التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق. وإنما قلنا: إن صدور الفعل من العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى؛ لأن العبد لا يخلو: إما أن يكون متمكنا من الفعل والترك، أو لا يكون كذلك: فإن كان الأول: فإما أن يكون ترجح الفاعلية على التاركية موقوفا على مرجح، أو لا يكون:

стр. 1454

فإن توقف، فذلك المرجح، إن كان من فعل العبد، عاد التقسيم فيه، ولا يتسلسل، بل لا بد وأن ينتهي إلى داعية، ليست من العبد؛ من الله تعالى، وهو المقصود. وإن لم يتوقف على مرجح، فقد ترجحت الفاعلية على التاركية، لا لمرجح، وهو محال؛ لأن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر، لو جاز أن يكون، لا لمرجح، لجاز في كل العالم أن يكون كذلك؛ وحينئذ لا يمكن الاستدلال بجواز العالم على وجود الصانع؛ وهو محال. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: القادر وحده يكفي في ترجيح أحد الطرفين على الآخر؟ قلت: قول القائل: "إنما ترجح أحد الطرفين على الآخر؛ لأن القادر رجحه" مغالطة؛ لأنّا نقول: هل لقولك: "القادر رجحه" مفهوم زائد على كونه قادرًا، وعلى وجود الأثر، أو ليس له مفهوم زائد؟! فإن كان له مفهوم زائد؛ فحينئذ يكون صدور أحد مقدوري القادر عنه دون الآخر موقوفًا على أمر زائد، وذلك هو القسم الأول الذي بينّا أنه يفضي: إما إلى التسلسل، أو إلى مرجح يصدر من الله تعالى. وإن لم يكن له مفهوم زائد، صار معنى قولنا: "القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح" إلى أن القادر يستمر كونه قادرًا مدة من غير هذا الاثر، ثم إنه وجد هذا الأثر بعد مدة من غير أن يحصل لذلك القادر قصد إليه، وميل إلى تكوينه، وذلك معلوم الفساد بالضرورة. ومنشا المغالطة في تلك اللفظة: هو أن قول القائل: " القادر يرجح لكونه

стр. 1455

قادرًا" يوهم ان هذا المقدور إنما ترجح على المقدور الآخر؛ لأن القادر خصه بالترجيح. وقولنا: "خصه بالترجيح" لا يوهم أمرًا زائدًا على محض القادرية؛ لأنا إذا أثبتنا أمرًا زائدًا، فقد أوقفنا ترجحه على انضمام أمر آخر إلى مجرد القادرية؛ وحينئذ يرجع إلى القسم الأول؛ فثبت أن هذا الكلام مغالطة محضة. وإنما قلنا: إن حصول تلك الداعية التي يخلقها الله تعالى يجب صدور الفعل؛ فلأنه لو لم يجب، لكان: إما أن يمتنع أو يجوز: فإن امتنع، كانت الداعية مانعة، لا مرجحة. وإن جاز، فمع تلك الداعية يجوز عدم الأثر تارة، ووجوده أخرى؛ فترجح الوجود على العدم: إما أن يتوقف على أمر زائد، أو لا يتوقف: فإن توقف، لم تكن الداعية الأولى تمام المرجح، وكنا قد فرضناها كذلك، هذا خلف. وأيضًا؛ فلأن الكلام في هذه الضميمة، كما فيما قبلها، ويلزم: إما التسلسل، أو الانتهاء إلى ترجح الممكن من غير مرجح، وهما محالان، أو الوجوب؛ وهو المطلوب. وإنما قلنا: إنه، لما توقف فعل العبد على داعية يخلقها الله تعالى، وكان ذلك الفعل واجب الوقوع عند تلك الداعية لزم الجبر؛ لأن قبل خلقها كان الفعل ممتنعًا من العبد، وبعد خلقها يكون واجبًا، وعلى كلا التقديرين؛ لا تثبت المكنة من الفعل والترك.

стр. 1456

وإنما قلنا: إنه لما كان كذلك، كانت التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لما لم يكن العبد متمكنًا من الفعل والترك البتة، كان تكليفه تكليفًا لمن لم يكن متمكنًا من الفعل والترك؛ وذلك هو المقصود. الدليل الخامس: التكليف: إما أن يتوجه على المكلف حال استواء الداعي إلى الفعل والترك، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر: فإن توجه عليه حال الاستواء، كان ذلك تكليفًا بما لا يطاق؛ لأن حال حصول الاستواء يمتنع حصول الرجحان؛ لأن الاستواء ينافي الرجحان؛ فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين. وإذا امتنع الرجحان، كان التكليف بالرجحان تكليفًا بما لا يطاق، وإن توجه عليه حال عدم الاستواء، فنقول: الراجح يصير واجبًا، والمرجوح ممتنعًا؛ على ما تقدم تقريره في الدليل الرابع. والتكليف بالواجب محال؛ لأن ما يجب وقوعه استحال أن يسند وقوعه إلى شيء آخر، وإذا استحال ان يسند وقوعه إلى غيره، استحال أن يفعله فاعل، فإذا أمر بفعله، فقد أمر بما لا قدرة له عليه. وأما التكليف بالممتنع، فلا شبهة في أنه تكليف بما لا يطاق. الدليل السادس: أفعال العبد مخلوقة لله تعالى، وإذا كان كذلك، كان التكليف تكليف ما لا يطاق. أما أن فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ فلأنه لو كان مخلوقًا للعبد، لكان معلومًا للعبد، وليس معلومًا للعبد، فهو غير مخلوق له، وتقريره في كتبنا الكلامية.

стр. 1457

وأما أنه إذا كان فعل العبد مخلوقًا لله تعالى، كان التكليف تكليفًا بما لا يطاق؛ فلأن العبد قبل أن خلق الله تعالى فيه الفعل، استحال منه تحصيل الفعل، وإذا خلق الله تعالى فيه الفعل، استحال منه الامتناع والدفع؛ ففي كلتا الحالتين لا قدرة له على الفعل، ولا على الترك. فإن قلت: هب أنه لا قدرة له على الإيجاد، ولكن الله تعالى أجرى عادته بأنه إذا اختار العبد وجود الفعل، فالله تعالى يخلقه، وإن اختار عدم الفعل، فالله تعالى لا يخلقه، وعلى هذا الوجه يكون العبد مختارًا. قلت: ذلك الاختيار: إن كان منه لا من الله تعالى، فالعبد موجد لذلك الاختيار، وإن لم يكن منه، بل من الله تعالى، كان مضطرًا إلى ذلك الاختيار؛ فيعود الكلام. الدليل السابع: الأمر قد وجد قبل الفعل، والقدرة غير موجودة قبل الفعل، فالأمر قد وجد لا عند القدرة، وذلك تكليف ما لا يطاق. أما أن الأمر قد وجد قبل الفعل؛ فلأن الكافر مكلف بالإيمان. وأما أن القدرة غير موجودة قبل الفعل؛ فلأن القدرة صفة متعلقة، فلا بد لها من متعلق، والمتعلق: إما الموجود، وإما المعدوم، ومحال أن يكون المعدوم متعلق القدرة؛ لأن العدم نفي محض مستمر، والنفي المحض يستحيل أن يكون مقدورًا، والمستمر يمتنع أيضًا أن يكون مقدورًا؛ فالنفي المستمر أولى ألا يكون مقدورًا. وإذا ثبت أن متعلق القدرة لا يمكن أن يكون عدمًا محضًا، ثبت أنه لا بد أن يكون موجودًا.

стр. 1458

فلما ثبت أن القدرة لا بد لها من متعلق، وثبت أن المتعلق لا بد وأن يكون موجودًا، ثبت أن القدرة لا توجد إلا عند وجود الفعل. الدليل الثامن: العبد لو قدر على الفعل لقدر عليه: إما حال وجوده، أو قبل وجوده: والأول محال؛ وإلا لزم إيجاد الموجود؛ وهو محال. والثاني محال؛ لأن القدرة في الزمان المتقدم: إما أن يكون لها أثر في الفعل، أو لا يكون: فإن كان لها أثر في الفعل، فنقول: تأثير القدرة في المقدور حاصل في الزمان الأول، ووجود المقدور غير حاصل في الزمان الأول؛ فتأثير القدرة في المقدور مغاير لوجود المقدور. والمؤثر: إما أن يؤثر في ذلك المغاير حال وجوده، أو قبله: فإن كان الأول: لزم أن يكون موجدًا للموجود؛ وهو محال. وإن كان الثاني: كان الكلام في كما تقدم؛ ولزم التسلسل. وإن لم يكن لها أثر في الزمان المتقدم، وثبت أيضًا أنه ليس لها في الزمان المقارن لوجود الفعل أثر؛ استحال ان يكون لها أثر في الفعل البتة، وإذا لم يكن لها أثر البتة، استحال ان تكون للعبد قدرة على الفعل البتة. واعلم ان هذين الوجهين لا نرتضيهما؛ لأنهما يشكلان بقدرة الباري ﷻ على الفعل. الدليل التاسع: أن الله تعالى امر بمعرفته في قوله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾

стр. 1459

] محمد: ١٩ [فنقول: إما أن يتوجه الأمر على العارف بالله تعالى، أو على غير العارف به: والأول محال؛ لأنه يقتضي تحصيل الحاصل، والجمع بين المثلين؛ وهما محالان. والثاني محال؛ لأن غير العارف بالله تعالى، ما دام يكون غير عارف بالله تعالى، استحال ان يكون عارفًا بأن الله تعالى أمره بشيء؛ لأن العلم بأن الله تعالى أمره بشيء مشروط بالعلم بالله تعالى. ومتى استحال أن يعرف أن الله تعالى أمره بشيء، كان توجيه الأمر عليه في هذه الحالة توجيهًا للأمر على من يستحيل أن يعلم ذلك الأمر، وذلك عين تكليف ما لا يطاق. الدليل العاشر: أن الأمر بالنظر والفكر واقع في قوله تعالى: ﴿قل انظروا﴾] يونس: ١٠١ [وفي قوله تعالى: ﴿أولم يتفكروا﴾] الأعراف: ١٨٤ [وذلك أمر بما لا يطاق. بيانه: أن تحصيل التصورات غير مقدور؛ وإذا لم تكن التصورات مقدورة، لم تكن القضايا الضرورية مقدورة، وإذا لم تكن القضايا الضرورية مقدورة، لم تكن القضايا النظرية مقدورة؛ وإذا لم تكن هذه الأشياء مقدورة، لم يكن الفكر والنظر مقدورًا. وإنما قلنا: إن التصورات غير مقدورة؛ لأن القادر، إذا أراد تحصيلها: فإما أن يحصلها حال ما تكون التصورات خاطرة بباله، أو حال ما لا تكون تلك التصورات خاطرة بباله:

стр. 1460

فإن كانت خاطرة بباله، فتلك التصورات حاصلة، فتحصيلها يكون تحصيلًا للحاصل؛ وهو محال، وإن كانت غير خاطرة بباله، كان الذهن غافلًا عنه، ومتى كان الذهن غافلًا عنه، استحال من القادر أن يحاول تحصيله، والعلم بذلك ضروري. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: إنها متصورة من وجه دون وجه آخر؛ فلا جرم يمكنه أن يحصّل كمالها؟ قلت: لما كانت متصورة من وجه دون وجه، فالوجه المتصور مغاير لما ليس بمتصور؛ فهما أمران: أحدهما: متصور بتمامه، والآخر: غير متصور بتمامه؛ وحينئذ يعود الكلام المقدم. وإنما قلنا: إن التصورات، إذا لم تكن مقدورة، كانت القضايا البديهية غير مقدورة؛ لأن تلك التصورات: إما أن تكون بحيث يلزم من مجرد حضورها في الذهن حكم الذهن بنسبة بعضها إلى بعض بالنفي، أو بالإثبات، أو لا يلزم: فإن لم يلزم، لم تكن تلك القضايا علومًا يقينية، بل تكون اعتقادات تقليدية. وإن لزم، فنقول: حصول تلك التصورات ليس باختياره؛ وعند حصولها، فترتب تلك التصديقات عليها ليس باختياره؛ فإذن حصول تلك القضايا البديهية ليس باختياره؛ وذلك هو المطلوب. وإنما قلنا: إن القضايا البديهية، إذا لم تكن باختياره، لم تكن القضايا النظرية باختياره؛ وذلك لأن لزوم هذه النظريات عن تلك الضروريات: إما أن يكون واجبًا، أو لا يكون:

стр. 1461

فإن لم يكن واجبًا، لم يكن ذلك استدلالًا يقينيًا؛ لأنّا إذا استدللنا بدليل مركب من مقدمات، ولم يكن المطلوب واجب اللزوم عن تلك المقدمات كان اعتقاد وجود ذلك المطلوب في هذه الحالة اعتقادًا تقليديًا، لا يقينيًا. وإذا كان ذلك واجبًا فنقول: قبل حصول تلك المقدمات البديهية، امتنع حصول هذه القضايا الاستدلالية، وعند حصول تلك البديهيات، يجب حصول هذه الاستدلاليات؛ فإذن هذه الاستدلاليات في جانبي النفي والإثبات لا تكون باختيار المكلف. وإذا ثبت هذا، ثبت أن التكليف بها تكليف بما ليس في الوسع؛ فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذه المسألة وبالله التوفيق. النظر الثاني من القسم الثاني قال القرافي: قوله: "يجوز ورود الأمر بما لا يقدر المكلف عليه"

стр. 1462

قلنا: هذه العبارة لم تحرر محل النزاع؛ لأن بما لا يقدر المكلف عليه قد يكون معجوزًا عنه متعذرُا عادةً لا عقلًا، كالطيران في الهواء؛ فإنه متعذر عادة ممكن عقلًا، وقد يكون متعذرًا عقلًا، ممكنًا عادة، كمن علم الله تعالى عدم إيمانه؛ فإنه يستحيل وقوع الإيمان منه عقلًا لاستحالة خلاف المعلوم، وإذا سئل أهل العادة عنه قالوا: يمكنه الإيمان، وكذلك جميع الطاعات المقدر عدمها، وقد يكون متعذرًا عقلًا وعادةً، كالجمع بين السواد والبياض. فمحل النزاع إنما هو من حيث يتعذر الفعل عادة كان معه التعذر العقلي أم لا؟ وهو قسمان: المتعذر عادة فقط، والمتعذر عادة وعقلًا، أما المتعذر عقلًا فقط، فلا خلاف فيه وننبهك على ذلك أن المعتزلة من أبعد الناس عن التكليف المتعذر؛ لقولهم: بالحسن والقبح، ومع ذلك فقد أجمعوا معنا على أمور: منها: أن الله تعالى كلف الثقلين أجمعين بالإيمان. ومنها: ان الله تعالى علم أن أكثرهم لا يؤمنون، وأخبر عنهم بذلك بقوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾] يوسف: ١٠٣ [. ومنها: أن خلاف المعلوم محال وقوعه عقلًا، ومع تسليمهم بهذه المقدمات، فقد قالوا بوقوع: تكليف ما لا يطاق عقلًا جزمًا. وإنما ينازعوننا في المتعذر عادة، كيف كان متعذرًا عقلًا أم لا؟ هذا تلخيص محل النزاع، وبه يظهر لك بطلان أكثر ما وقع في المسألة من الأدلة.

стр. 1463

وجوزها سيف الدين أكثر من الإمام فقال: اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز تكليف ما لا يطاق نفيًا وإثباتًا كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد القديم وإعدامه، ونحوه، وأكثر أقواله الجواز. وقال بعض معتزلة (بغداد): يجوز تكليف العبد بما علم الله تعالى أنه يكون ممنوعًا عنه. وقالت الكرامية: الختم على القلب والطبع مانعان من التكليف. وقال بعض الأشعرية بوقوع تكليف ما لا يطاق نفيًا وإثباتًا، ووافقه على النفي بعض المعتزلة البغداديين، قال: وأجمع الكل على جواز التكليف مما علم الله تعالى أنه لا يكون، وعلى وقوعه شرعًا، كالتكليف بالإيمان لمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن خلافًا لبعض المعتزلة. والمختار: إنما هو امتناع المستحيل لذاته، كاجتماع الضدين، وجوازه في المستحيل لغيره، وإليه مال الغزالي. وهذا تلخيص حسن، وصرح بالنفي والإثبات، وما اتفق عليه من غيره، ونعني بالإثبات نحو (تحرك)، و (اسكن)، وبالنفي نحو (لا تتحرك)، و (لا تسكن) في كل ضدين لا ثالث لهما، وكذلك مثله الإمام والغزالي. وصرح الغزالي وغيره: بأن المراد قلب الأجناس ونحوه من المستحيل العادي.

стр. 1464

قوله: "إيمان الكافر يفضي إلى انقلاب العلم جهلًا؛ لأن العلم يتعلق بالشيء المعلوم إلى آخره". تقريره: أن علم الله تعالى بعصيان (زيد) بترك الإيمان فرع تقرر عصيانه بترك الإيمان؛ لأن العلم والخبر تابعان لتقرير متعلقهما في (فواته) ماضيًا أو حاضرًا أو مستقبلًا، وعصيانه بترك الإيمان فرع الأمر بالإيمان، فيكون العلم بعدم الإيمان فرع الأمر بمراتب الإيمان، ويكون الأمر شرطًا في تعلق ذلك العلم، وأصل الشيء وشرطه لا ينافيه، وإذا كان العلم تابعًا، فأي شيء فرض مقررًا عليه تبعه العلم في ذلك. قوله: "لو انقلب الإيمان واجبًا لكان العلم مؤثرًا في المعلوم". قلنا: التأثير غير لازم؛ لأنا ندعي أن العلم يلزم لذاته امتناع خلاف ما تعلق به، واللازم قد يكون أثرًا؛ لأن العرض لازم للجوهر، وليس مؤثرًا فيه، والعلم لازم للإرادة، وليست مؤثرة فيه، وهو كثير في كل شرط مع مشروطه، وغير ذلك، وإذا كان اللزوم أعم من التأثير، فمن ادعى اللزوم لا يلزمه التأثير، بل هذا لازم للعلم لذاته، غير معلل، كسائر خصائص الحقائق. قوله: "إن كان العلم سبب الوجوب لزم أن يكون قدرة". قلنا: لا نسلم أن الوجوب هاهنا يقتضي أن يكون العلم قدرة؛ لأن الوجوب لازم عام للقدرة، والعلم والإرادة، وغيرها، غير أن وجوب الشيء بالعلم معناه أن الله تعالى قدر وجود الشيء بقدرته وإرادته، فعلمه كذلك تبعًا لوقوعه بالقدرة، ويستحيل إذا علم كذلك ألا يقع كذلك؛ لأن ذلك من خصائص العلم استحالة انقلابه جهلًا، بل هذه الحقيقة ثابتة لكل حقيقة؛ فإن انقلاب الحقائق محال في كل حقيقة، ووجود الشيء بالقدرة معناه: أن القادر استجمع لكل ما لابد منه في التأثير، وأثرت فيه القدرة،

стр. 1465

وجعلت له الوجود، ونقلته من جهة العدم، فيلزم من ذلك الوجوب، والوجوب من الإرادة معناه: أن الله تعالى أراده في الزمن المعين موجودًا بالقدرة، فيستحيل ألا يكون كذلك، فالوجوب بالعلم لتعذر الانقلاب، والوجوب بالقدرة للتأثير والاستجماع، والوجوب بالإرادة لاستحالة عدم نفوذ الإرادة القديمة، فصار الوجوب لازمًا أعم الأسباب، خاصة في كل واحد من هذه، فلا يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر. قوله: "يلزم أن تكون التكاليف كلها من باب تكليف ما لا يطاق، لأجل العلم؛ لأن المعلوم الوجوب يصير واجب الوقوع، والواجب لا يصح التكليف به إلا بتكليف ما لا يطاق، ومعلوم العدم يستحيل وجوده، فالتكليف به تكليف بما لا يطاق". قلنا: تعلق العلم بوجود الطاعة من زيد فرع أمره بالطاعة، وفرع تقدير الله تعالى له الطاعة، فالأمر شرط وأصل لتعلق العلم فلا ينافيه، كما تقدم بسطه. قوله: "النص كقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾] البقرة: ٢٨٦ [". تقريره: أن ذكر ذلك في سياق الامتنان يدل على إمكان ضده؛ إذ المتعين للوقوع لا يحسن به الامتنان. فإن قلت: يشكل عليك بقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾] فصلت: ٤٦ [مع أن سبب الظلم معين. قلت: هذا من باب التمدح وهو سلب النقائض المستحيلة، بخلاف الامتنان، فهما بابان لا باب واحد. قوله:"كل متميز ثابت":

стр. 1466

قلنا: أي شيء تريد بالثابت؟ إن أردت في الخارج فممنوع، وإن أردت ثبوته في الذهن والعلم من حيث بالجملة، فلم قلت: إن ذلك يأباه المستحيل؟ قوله: " إذا جوزتم التكليف بالمحال، فجوزوا تكليف الجمادات، وإرسال المرسل إليها ": قلنا: ذلك لا يتصور عقلاً، والتكليف بالمحال متصور عقلاً، أما عدم تصور الأول فلأن التكليف يرجع إلى النعيم في الطاعة، والعقوبة في المعصية، وذلك إنما يتصور في الحي المدرك، وغير المدرك لا يتصور منه لذة، ولا ألم، ولا أن يخير في شيء بفعله أو بتركه، وأما تصور التكليف بما لا يطاق؛ فلأن معناه أنه يعاقبه؛ لأن المأمور به يتعذر الحصول، ومعاقبة الحي متصورة عقلاً، وإنما تحيلونه أنتم لقاعدة الحسن والقبح، ونحن لا نقول بها، فلم يبق منه مانع عقلي، فظهر الفرق بين البابين. قوله في الجواب: " وقوع العلم في الأزل يمنع من حصول ضد المعلوم ". قلنا: قد تقدم أن تعلق العلم تابع للأمر فلا ينافيه، ثم إن هذا مانع عقلي، فلا نزاع فيه. قوله: " تغيير الشيء في الماضي محال ". تقريره: أن الماضي تعين فيه أحد النقيضين الوجود أو العدم، وكذلك الحاضر ورفع الواقع محال، وأما الأزمنة المستقبلة فقابلة للوجود والعدم كل واحد منها بدلاً عن الآخر لعدم التعين، فلا جرم لم يصح تعلق الأوامر إلا بالمستقبل. قوله: " اللازم عن تعليلنا حصول الوجوب عند تعلق العلم، أما أن ذلك الوجوب به أو بغيره فغير لازم ".

стр. 1467

قلنا: هذه عبارة توهم تأثير العلم؛ لأن لفظه الباقي قولك: " به أو بغيره " للسببية، فكأنكم التزمتم السببية، ورددتموها بين العلم وغيره، وليس كذلك، بل المتجه أن تقولوا: أما أن ذلك الوجود بتأثير فلا كما تقدم بيانه أن اللزوم أعم من التأثير. قوله: " تعلق العلم به على الوجه المخصوص يكشف عن أن قدرته وإرادته تعالى تعلقنا به على ذلك الوجه ". قلنا: قولكم: " العلم يكشف " غير متجه، بل العلم مكشوف لا كاشف، إنما الكاشف الواقع فينظر العقل في الواقع، فإن عصى زيد علم أن علم الله تعالى وإرادته وقدرته تعلقت بذلك، وأن من قال: تعلق العلم بإيمانه، فصار الواقع هو الذي يكشف عن تعلق العلم وغيره والصفات مدولة ومكشوفة، أما دالة كاشفة فلا. قوله: " لما قلت: إن الجبر الناشيء عن تعلق علم الله تعالى محال ". تقريره: أن الجبر له تفسيران. أحدهما: مذهبنا وهو كون العبد مقهوراً من حيث تعلق الصفات الربانية بفعل العبد لا من جهة نفسه، ولا من جهة ذات الفعل. وثانيهما: أن الجبر معناه: أن حركات الحيوانات وتحركات الأشجار لا اختيار لها فيها، ولا كسب عادي، وهو مذهب الجبرية المشهور بذلك، ونحن لا نقول به، بل نقول: تعلق الصفات الربانية بفعل العبد، منها ما هو تابع لكونه يفعل أو يترك وهو العلم والخبر، ومنها متبوع وهو الإرادة، وعلى كل تقدير الفعل في مجرى العادات ومكتسب. قوله: " المختار: أن العلم ليس سبباً للوجوب، لكنه يكشف عن سبب الوجوب ".

стр. 1468

قلنا: هاهنا مناقشتان: أحدهما: قولكم: " المختار "؛ فإنه يشعر أن بين العقلاء اختلافا في ذلك، وليس كذلك فيما علمت، وكيف يتصور أن يجوّز عاقل إنقلاب العلم جهلاً وإنقلاب الحقائق مطلقاً محال. وثانيهما: قولكم: إنه يكشف عن الوجوب؛ فإنه قد تقدم أن العلم لا يكشف إلا المعلوم للعالم به، فعلم الله تعالى يكشف له معلوماً لا لنا، بل الذي يكشف لنا علمه تعالى هو الواقع - كما تقدم - فالعلم لا يكون كاشفاً إلا المعلوم للعالم خاصة. قوله: " إذا أمر بإدخال الإيمان في الوجود حالة حصول العلم بعدم الإيمان، فقد كلفه الجمع بين الضدين ". قلنا: لا نسلم أنه كلفه الجمع بين الضدين، بل علم الله تعالى مانع من أحد الضدين، والأمر طالب للضد الآخر، فيبقى ذلك كالسيد إذا أمر عبده بالحركة، ومنعه منها؛ فإن العقلاء لا يقولون: إنه كلفه بالضدين، بل كلفه بأحدهما فقط ومنعه منه، وفرق بين أن يكون متعلقه الضدين، وبين أن يكون متعلقه أحدهما فقط، ويمنعه منه كذلك، وإن كان مستدركاً لا يكون من جهة التكليف بالمحال، بل من جهة كون سبب العصيان كان من قبل السيد أنه منعه كما لو أمره بالسفر، ومنعه منه بعد ذلك لا يقول أحد: إنه كلفه بغير مقدور، بل مقدور، والسيد بسبب عوقه عن الطاعة. قوله: " الآية معارضة بقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦]. تقريره: أنهم سألوا رفعه، وسؤال رفعه فرع إمكانه في نفسه؛ لأن الدعاء بما لا يقع محرم شرعاً، والمحرم شرعاً لا يمدحون به، وهذه الآية وردت في سياق المدح.

стр. 1469

قوله: " لو لم يكن المحال متصوراً لامتنع الحكم عليه بالامتناع ". قلنا: تعارض في هذا المقام قاعدتان: إحداهما: أن المحكوم عليه لا بد أن يكون متصوراً. وثانيهما: أن المحال في الخارج محال في الذهن، ولا يمكن تصوره، فلا يتمكن العقل أن يتصور ثوباً في غاية السواد وهو أبيض في غاية البياض، فتصوره على هذه الصفة مستحيل، وكذلك العدم نفي محض في الخارج، وما كان نفياً محضاً امتنع أن يكون له ثبوت في الذهن، فلا يتصور الذهن إلا موجوداً، والقاعدتان ضروريتان، ولا سبيل إلى إهمال إحداهما، وهما متناقضتان كما ترى. وكان الشيخ شمس الدين الخسروشاهي: يورد هذا لسؤال بين هاتين القاعدتين. ويجيب عنه: أن المحال يستحيل تصوره باعتبارذاته، ويمكن تصوره باعتبار بسائطه، فالجمع بين السواد والبياض متصور باعتبار أنا نتصور السواد على حدة، والبياض على حدة، ومطلق الجمع على حدة، وهذه بسائطه. ونقول: للعقل حصول مطلق الجمع لهذين محال، وكذلك يتصور مطلق الشريك وصانع العالم من حيث هو صانع، ومطلق الشركة. ونقول: حصول مطلق الشركة بين هذين محال، وكذلك جميع المحالات إنما نتصورها من جهة بسائطها، وإنما العدم الصرف الذي لا تركيب فيه، فإنما يتصور من جهة مقابله الذي هو الوجود، فيتصور الوجود. ونقول: مقابل هذا الوجود ممكن وسابق عليه، ولا حق له، وممتنع الوقوع، ونقيضه، إلى غير ذلك مما يحكم به على العدم، ومتى تصور الشيء من جهة بسائطه، أو من جهة مقابله، فقد تصور من وجه من

стр. 1470

وجوهه، والحكم على الشيء لا يقتضي أن يكون متصوراً على التفصيل، بل يكفي وجه، فاجتمعت القاعدتان حينئذ، وصدق على المستحيل أنه متصور باعتبار بسائطه، وغير متصور باعتبار ذاته. قوله: " أخبر عن قوم أنهم لا يؤمنون ". قلنا: المانع حينئذ عقلي، ولا نزاع فيه. قوله: " انقلاب الخبر غير مطابق محال؛ إما للجهل أو للحاجة على قول المعتزلة، أو لنفسه كما هو مذهبنا ": تقريره: أما الجهل فلأنه الغالب على إخبارات البشر، إنما يقع كذباً لعدم العلم بالواقع، فهو جهل مركب. والمعتزلة يقولون: ذلك محال على الله تعالى لأن الكذب في العادة إنما يكون للحاجة، وكذلك قبح الكذب من الملوك أكثر لعدم الحاجة، والحاجة على الله تعالى محال، فغير المطابق على الله تعالى محال. ومذهبنا: أن هذا من باب المستحيلات لذاتها لا من المستحيلات لغيرها، والمستحيل لذاتها لا تعلل كالجمع بين النقيضين، والضدين، وغير ذلك. وعند المعتزلة: هو من المستحيلات لغيرها لوجود ما علم الله تعالى عدمه. قوله: " أخبر الله تعالى عن أبي لهب أنه لا يؤمن مع تكليفه بالإيمان ". قلنا: لا نسلم أن الله تعالى أخبر عنه بأنه لا يؤمن، وإنما نتوهم ذلك في موضعين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب ... الآية﴾ [المسد: ١].

стр. 1471

وثانيهما: قوله تعالى ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ٦] ولا مستند فيهما: أما الأول: فلأن " التب " هو الخسران، وقد يخسر الإنسان، ويدخل النار وهو مؤمن بسبب معاصيه، فلا ينافي الآية الإيمان، أما الآية الأخرى فقد دخلها التخصيص اتفاقاً، وآمن بعض من كان قد كفر قبل نزول هذه الآية، فإن قلنا: العام المخصوص ليس حجة، فلا كلام. وإن قلنا: هو حجة فأبو لهب يجوز أن تكون الآية مخصوصة به أيضاً، وإنما الظاهر يتناوله، والوعيد القاطع لحثه على الإيمان، وإذا اجتمع الظاهر والقاطع قدم القاطع، فيؤمن ضرورة. سلمنا دليلكم، لكن هذه مقدمات نظرية يجوز خلو ذهن أبي لهب عنها، فلا يكون ذلك مانعاً له من الإيمان عادة. قوله: " صار مكلفاً بأن يؤمن، بأنه لا يؤمن ". قلنا: لا نسلم أنه مكلف بأن يؤمن، بأنه لا يؤمن، وإنما يلزم ذلك أن لو كلف بجعل الخبر صادقا ً، وفرق بين التكليف بالتصديق، وبين جعل الخبر صادقا ً، فإن جعل الخبر صادقاً هو وقوع المخبر عنه، وذلك غير لازم في التكليف بالتصديق، ألا ترى إذا أخبرك أحد أن زيداً سيدخل الدار فإنك تصدق الآن بذلك، وتخرج عن العهدة، وأما أنك مكلف بأن يدخل زيد الدار حتى يصير الخبر صادقا حتى يسعى في عدم إيمانه، إنما هو يصدق الخبر فقط. وكذلك نقول في جميع الكفار الذين لم يؤمنوا: إنهم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون وكلفوا بتصديق ذلك الخبر، ومع ذلك لم يقل

стр. 1472

أحد: إنهم كلفوا بأن يكفروا حتى يصير ذلك الخبر صادقا، فمتعلق التكليف إنما هو الإيمان فقط، أما عدمه فلا يلزم التكليف به، وإن كلف بالتصديق بالخبر الدال عليه، فبطل قولهم: إنه مكلف بأنه لا يؤمن؛ لأن هذا إشارة إلى التكليف بجعل الخبر صادقا لا بتصديق الخبر، فما تعلق التكليف بالمحال. قوله: " الفعل يتوقف على داعية غير مخلوقة للعبد ". قلنا: هذا الدليل إلى آخره تقدمت الأسئلة عليه في مسألة الحسن والقبح. قوله: "وإن كانت الداعية غير مخلوقة للعبد لزم الجبر ". قلنا: هذا يقتضي أنه غير مطاق عقلاً، ولا نزاع فيه بل في المتعذر العادي، وكذلك نسلم أن التكاليف كلها غير مقدورة عقلاً وهي مقدورة عادة، وذلك كافٍ في حسن التكليف بالاتفاق كما تقدم تقريره عن المعتزلة وغيرهم. قوله: " إن توجه التكليف حالة إستواء الداعي كان تكليفاً بتحصيل الرجحان عند حصول الاستواء ". قلنا: ومن ورود التكليف لا يطلب فيه الفعل البتة، بل في الزمان الذي يليه، فيما بعده من الأزمنة المستقبلة، والأزمنة المستقبلة لم تعين لوقوع التساوي، ولا الراجحة ولا المرجوحة، بل المكلف مأمور في زمان ورود الأمر أن يحصل في الزمان المستقبل الرجحان في زمان لم يتعين فيه ما يضاده، ولا يمنعه، وحينئذ نختار أنه ورد حالة التساوي بالترجيح في المستقبل، ولا يلزم محال حالة الرجحان، ولا يلزم تحصيل الحاصل، ولا الجمع بين المثلين؛ لأنه أمر في وقت الرجحان أن يحصل مثله في الزمن المستقبل. وحينئذ لا محال، وتتوجه حالة المرجوحية، وتكلف بأن يحصل الرجحان.

стр. 1473

في الزمن المستقبل بدلا عن هذه المرجوحية، فعلى كل تقدير لا محال البتة، فاندفعت النكتة. قوله: " إذا استحال إسناده إلى غيره استحال إسناده إلى فعل فاعل ". قلنا: لا نسلم؛ لجواز أن يكون استحالة إسناده إلى غيره؛ ولأجل استجماعه هو لكل ما لا بد منه في التأثير فيه، وحينئذ يكون وقوعه هو سبب وجوبه، وإستحالة صدوره عن غيره، فبطل قولكم: إنه يستحيل إسناده إلى فعل فاعل، بل هو مستند إلى فاعل، وهو فاعله المستجمع، إسناده إلى فعل فاعل، بل هو مستند إلى فاعل، وهو فاعله المستجمع، ولا يكون فاعله مكلفا بما لا يطاق؛ لأنه وجب وتعين للوقوع بسبب قدرته وإرادته، واختياره وداعيته، فلا ينافي ذلك مدحه أو ذمه عليه. قوله: " لو كانت أفعال العبد مخلوقة له لكان عالما بها ". تقريره: أن العبد فاعل، مختار، والفاعل المختار إنما يؤثر بواسطة القصد والاختيار، والقصد بما لا شعور به محال، فتعين أن غير العالم غير مؤثر، وأن كل مؤثر بالإختيار فهو عالم. قوله: " إن كان اختيار العبد من الله تعالى كان العبد مضطرا في ذلك الاختيار ". قلنا: هو مضطر في أنه لابد أن يصير مريدا؛ فإنه إذا خلق الله تعالى الإرادة في نفسه استحال ألا يكون مريدًا، واضطراره لكونه مريدا لا يقدح ذلك في أنه مريد، ومتى كان مريدا كان الفعل واقعا باختياره وإرادته، فلم يكن ذلك متعذرا في العادة، فلا ينافي التكليف، ولا يكون في محل النزاع، إنما النزاع في المتعذر عادة. قوله: " القدرة لا توجد قبل الفعل؛ لأن القدرة صفة متعلقة، والصفة المتعلقة لا توجد غير متعلقة ". قلنا: لا نسلم، بل الصفات المتعلقة قسمان: منها ما لا يوجد غير متعلق بالفعل كالعلم. والإرادة، والسمع،

стр. 1474

والبصر، والأمر، والخبر، والطلب، والاستخبار، ونحو ذلك من أنواع الكلام وغيرها. أما القدرة: فلها تعلقان: تعلق صلاحية، وتعلق بالفعل. فكل صحيح المزاج كامل القدرة يجد في نفسه صلاحية القيام، وإن لم يوجد القيام، وكذلك قدرة الله تعالى في الأزل موجودة، والعالم غير موجود، ولها صلاحية التعلق فيما لا يزال، ولما أوجد الله تعالى العالم تعلقت به بالفعل. وأما علمه تعالى، وجميع الصفات المتقدمة، فكانت متعلقة بالفعل في الأزل، والعلم بالمعلومات، والطلب بالأفعال والتروك على تقدير الوجود، والإرادة خصصت في الأزل كل ممكن زمانه وهيئاته، وسمعه تعالى بكلامه النفساني، وخبره تعالى بذاته، وصفاته العلى، فكل صفة لها صلاحية التعلق فهي متعلقة بالفعل دائما في الشاهد والغائب إلا القدرة؛ فإنها قد تنفك عن تعلق الفعل، وتنفرد بتعلق الصلاحية، وإنما الأصحاب قرروا هذه المقدمة بطريق آخر، فقالوا: قدرة العبد عرض، والعرض لا يبقي زمانين، فلو وقعت قبل الفعل لم تكن مؤثرة لعدم بقائها لزمن الفعل، فتعين أن تكون مقارنة. ثم هذه النكتة على تسليمها لا تفيد شيئاً؛ لأن الأمر موجود قبل الفعل - مسلم، ولكنه لم يطلب منه الفعل في زمن الأمر، بل في المستقبل بعده، وذلك الزمان فيه القدرة، فما لزم من تقدم الأمر تكليف بغير مقدور، بل بمقدور؛ لأن الأوامر لا تتعلق إلا بالازمنة المستقبلة. قوله: " لو تعلقت قدرة العبد بالفعل حالة وجوده لزم تحصيل الحاصل ". قلنا: لا نسلم، بل القدرة في الشاهد والغائب إنما تتعلق حالة الوجود،

стр. 1475

ولا يلزم تحصيل الحاصل، ولا إيجاد الموجود؛ لأن التأثير إنما يكون في زمان الحدوث، وزمان الحدوث هو أول أزمنة الوجود، وأول أزمنة الوجود الأثر فيه موجود، فما أثرت القدرة إلا في موجود، بل نقول: لا يوجد إلا موجود، أما المعدوم فلو وجد اجتمع النقيضان، وإنما يكون إيجاد الموجود محالا إذا تعدد الزمان، فيتقدم الموجود في زمان. ثم يقال له في الزمان الثاني: أوجده في الزمان الأول، فهذا إيجاد الموجود، وتحصيل الحاصل. أما إذا قيل أوجد الموجود في الزمان الأول في الزمان الثاني، فليس محالا؛ لأنه يصير معناه صير الوجود الأول مقترنا بالزمان الثاني، كما كان مقترنا بالزمان الأول، وهذا ممكن لا مستحيل. وكذلك إذا قيل له: أوجد هذا الأثر في زمن حدوثه ليس محالا، بل لا يتصور الإيجاد عقلا إلا كذلك. قوله: " إن توجه الأمر بمعرفة الله تعالى على العارف بالله تعالى لزم تحصيل الحاصل، واجتماع المثلين ". تقريره: أن المعرفة المأمور بها، إما أن تكون غير المعرفة الأولى، أو مثلها. والأول: هو تحصيل الحاصل. والثاني: اجتماع المثلين. ويرد عليه: أن العارف بالله تعالى قد يكون عارفا بالله على سبيل الإجمال، فيؤمر بتحصيل المعرفة على سبيل التفصيل، فكان الوجه المعلوم ثانيا غير الوجه المعلوم أولاً.
следующие страницы →