← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وثانيهما: قوله تعالى ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ٦] ولا مستند فيهما: أما الأول: فلأن " التب " هو الخسران، وقد يخسر الإنسان، ويدخل النار وهو مؤمن بسبب معاصيه، فلا ينافي الآية الإيمان، أما الآية الأخرى فقد دخلها التخصيص اتفاقاً، وآمن بعض من كان قد كفر قبل نزول هذه الآية، فإن قلنا: العام المخصوص ليس حجة، فلا كلام. وإن قلنا: هو حجة فأبو لهب يجوز أن تكون الآية مخصوصة به أيضاً، وإنما الظاهر يتناوله، والوعيد القاطع لحثه على الإيمان، وإذا اجتمع الظاهر والقاطع قدم القاطع، فيؤمن ضرورة. سلمنا دليلكم، لكن هذه مقدمات نظرية يجوز خلو ذهن أبي لهب عنها، فلا يكون ذلك مانعاً له من الإيمان عادة. قوله: " صار مكلفاً بأن يؤمن، بأنه لا يؤمن ". قلنا: لا نسلم أنه مكلف بأن يؤمن، بأنه لا يؤمن، وإنما يلزم ذلك أن لو كلف بجعل الخبر صادقا ً، وفرق بين التكليف بالتصديق، وبين جعل الخبر صادقا ً، فإن جعل الخبر صادقاً هو وقوع المخبر عنه، وذلك غير لازم في التكليف بالتصديق، ألا ترى إذا أخبرك أحد أن زيداً سيدخل الدار فإنك تصدق الآن بذلك، وتخرج عن العهدة، وأما أنك مكلف بأن يدخل زيد الدار حتى يصير الخبر صادقا حتى يسعى في عدم إيمانه، إنما هو يصدق الخبر فقط. وكذلك نقول في جميع الكفار الذين لم يؤمنوا: إنهم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون وكلفوا بتصديق ذلك الخبر، ومع ذلك لم يقل

стр. 1472

أحد: إنهم كلفوا بأن يكفروا حتى يصير ذلك الخبر صادقا، فمتعلق التكليف إنما هو الإيمان فقط، أما عدمه فلا يلزم التكليف به، وإن كلف بالتصديق بالخبر الدال عليه، فبطل قولهم: إنه مكلف بأنه لا يؤمن؛ لأن هذا إشارة إلى التكليف بجعل الخبر صادقا لا بتصديق الخبر، فما تعلق التكليف بالمحال. قوله: " الفعل يتوقف على داعية غير مخلوقة للعبد ". قلنا: هذا الدليل إلى آخره تقدمت الأسئلة عليه في مسألة الحسن والقبح. قوله: "وإن كانت الداعية غير مخلوقة للعبد لزم الجبر ". قلنا: هذا يقتضي أنه غير مطاق عقلاً، ولا نزاع فيه بل في المتعذر العادي، وكذلك نسلم أن التكاليف كلها غير مقدورة عقلاً وهي مقدورة عادة، وذلك كافٍ في حسن التكليف بالاتفاق كما تقدم تقريره عن المعتزلة وغيرهم. قوله: " إن توجه التكليف حالة إستواء الداعي كان تكليفاً بتحصيل الرجحان عند حصول الاستواء ". قلنا: ومن ورود التكليف لا يطلب فيه الفعل البتة، بل في الزمان الذي يليه، فيما بعده من الأزمنة المستقبلة، والأزمنة المستقبلة لم تعين لوقوع التساوي، ولا الراجحة ولا المرجوحة، بل المكلف مأمور في زمان ورود الأمر أن يحصل في الزمان المستقبل الرجحان في زمان لم يتعين فيه ما يضاده، ولا يمنعه، وحينئذ نختار أنه ورد حالة التساوي بالترجيح في المستقبل، ولا يلزم محال حالة الرجحان، ولا يلزم تحصيل الحاصل، ولا الجمع بين المثلين؛ لأنه أمر في وقت الرجحان أن يحصل مثله في الزمن المستقبل. وحينئذ لا محال، وتتوجه حالة المرجوحية، وتكلف بأن يحصل الرجحان.

стр. 1473

في الزمن المستقبل بدلا عن هذه المرجوحية، فعلى كل تقدير لا محال البتة، فاندفعت النكتة. قوله: " إذا استحال إسناده إلى غيره استحال إسناده إلى فعل فاعل ". قلنا: لا نسلم؛ لجواز أن يكون استحالة إسناده إلى غيره؛ ولأجل استجماعه هو لكل ما لا بد منه في التأثير فيه، وحينئذ يكون وقوعه هو سبب وجوبه، وإستحالة صدوره عن غيره، فبطل قولكم: إنه يستحيل إسناده إلى فعل فاعل، بل هو مستند إلى فاعل، وهو فاعله المستجمع، إسناده إلى فعل فاعل، بل هو مستند إلى فاعل، وهو فاعله المستجمع، ولا يكون فاعله مكلفا بما لا يطاق؛ لأنه وجب وتعين للوقوع بسبب قدرته وإرادته، واختياره وداعيته، فلا ينافي ذلك مدحه أو ذمه عليه. قوله: " لو كانت أفعال العبد مخلوقة له لكان عالما بها ". تقريره: أن العبد فاعل، مختار، والفاعل المختار إنما يؤثر بواسطة القصد والاختيار، والقصد بما لا شعور به محال، فتعين أن غير العالم غير مؤثر، وأن كل مؤثر بالإختيار فهو عالم. قوله: " إن كان اختيار العبد من الله تعالى كان العبد مضطرا في ذلك الاختيار ". قلنا: هو مضطر في أنه لابد أن يصير مريدا؛ فإنه إذا خلق الله تعالى الإرادة في نفسه استحال ألا يكون مريدًا، واضطراره لكونه مريدا لا يقدح ذلك في أنه مريد، ومتى كان مريدا كان الفعل واقعا باختياره وإرادته، فلم يكن ذلك متعذرا في العادة، فلا ينافي التكليف، ولا يكون في محل النزاع، إنما النزاع في المتعذر عادة. قوله: " القدرة لا توجد قبل الفعل؛ لأن القدرة صفة متعلقة، والصفة المتعلقة لا توجد غير متعلقة ". قلنا: لا نسلم، بل الصفات المتعلقة قسمان: منها ما لا يوجد غير متعلق بالفعل كالعلم. والإرادة، والسمع،

стр. 1474

والبصر، والأمر، والخبر، والطلب، والاستخبار، ونحو ذلك من أنواع الكلام وغيرها. أما القدرة: فلها تعلقان: تعلق صلاحية، وتعلق بالفعل. فكل صحيح المزاج كامل القدرة يجد في نفسه صلاحية القيام، وإن لم يوجد القيام، وكذلك قدرة الله تعالى في الأزل موجودة، والعالم غير موجود، ولها صلاحية التعلق فيما لا يزال، ولما أوجد الله تعالى العالم تعلقت به بالفعل. وأما علمه تعالى، وجميع الصفات المتقدمة، فكانت متعلقة بالفعل في الأزل، والعلم بالمعلومات، والطلب بالأفعال والتروك على تقدير الوجود، والإرادة خصصت في الأزل كل ممكن زمانه وهيئاته، وسمعه تعالى بكلامه النفساني، وخبره تعالى بذاته، وصفاته العلى، فكل صفة لها صلاحية التعلق فهي متعلقة بالفعل دائما في الشاهد والغائب إلا القدرة؛ فإنها قد تنفك عن تعلق الفعل، وتنفرد بتعلق الصلاحية، وإنما الأصحاب قرروا هذه المقدمة بطريق آخر، فقالوا: قدرة العبد عرض، والعرض لا يبقي زمانين، فلو وقعت قبل الفعل لم تكن مؤثرة لعدم بقائها لزمن الفعل، فتعين أن تكون مقارنة. ثم هذه النكتة على تسليمها لا تفيد شيئاً؛ لأن الأمر موجود قبل الفعل - مسلم، ولكنه لم يطلب منه الفعل في زمن الأمر، بل في المستقبل بعده، وذلك الزمان فيه القدرة، فما لزم من تقدم الأمر تكليف بغير مقدور، بل بمقدور؛ لأن الأوامر لا تتعلق إلا بالازمنة المستقبلة. قوله: " لو تعلقت قدرة العبد بالفعل حالة وجوده لزم تحصيل الحاصل ". قلنا: لا نسلم، بل القدرة في الشاهد والغائب إنما تتعلق حالة الوجود،

стр. 1475

ولا يلزم تحصيل الحاصل، ولا إيجاد الموجود؛ لأن التأثير إنما يكون في زمان الحدوث، وزمان الحدوث هو أول أزمنة الوجود، وأول أزمنة الوجود الأثر فيه موجود، فما أثرت القدرة إلا في موجود، بل نقول: لا يوجد إلا موجود، أما المعدوم فلو وجد اجتمع النقيضان، وإنما يكون إيجاد الموجود محالا إذا تعدد الزمان، فيتقدم الموجود في زمان. ثم يقال له في الزمان الثاني: أوجده في الزمان الأول، فهذا إيجاد الموجود، وتحصيل الحاصل. أما إذا قيل أوجد الموجود في الزمان الأول في الزمان الثاني، فليس محالا؛ لأنه يصير معناه صير الوجود الأول مقترنا بالزمان الثاني، كما كان مقترنا بالزمان الأول، وهذا ممكن لا مستحيل. وكذلك إذا قيل له: أوجد هذا الأثر في زمن حدوثه ليس محالا، بل لا يتصور الإيجاد عقلا إلا كذلك. قوله: " إن توجه الأمر بمعرفة الله تعالى على العارف بالله تعالى لزم تحصيل الحاصل، واجتماع المثلين ". تقريره: أن المعرفة المأمور بها، إما أن تكون غير المعرفة الأولى، أو مثلها. والأول: هو تحصيل الحاصل. والثاني: اجتماع المثلين. ويرد عليه: أن العارف بالله تعالى قد يكون عارفا بالله على سبيل الإجمال، فيؤمر بتحصيل المعرفة على سبيل التفصيل، فكان الوجه المعلوم ثانيا غير الوجه المعلوم أولاً.

стр. 1476

قوله: " إذا لم يكن عارفا بالله تعالى استحال أن يكون عارفا بأن الله تعالى أمره بشيء " قلنا: لا نسلم؛ فإنه يكفي في أنه يعلم أن الله تعالى أمره بالعرفان من وجه ولو قل، فلو جاءنا رسول من خلف جبل وقال: إن خلف هذا الجبل ملكا عظيما يأمركم بالقيام إليه، أمكننا حينئذ أن نعلم ثم ملكا قيل عنه: إنه أمر بذلك، ونفحص عن صدق الرسول، ولم نعلم حينئذ إلا قول المبلغ عنه فقط، وإذا كان مثل هذا الوجه كافيا في السعي في المعرفة، فالأقل منه يوجد في حق الله تعالى. قوله: " الوجه المشعور به يستحيل طلبه لكونه مشعوراً به، وغير المشعور به يستحيل طلبه لكونه غير مشعور به ". قلنا: الوجهان في الحقيقة الواحدة هي موضع الجواب، وبينها وبين الحقيقتين فرق ظاهر؛ لأن بين الوجهين في الحقيقة تلازما يبعث على الإنتقال من المعلوم للمجهول، بخلاف الحقيقتين المتباينتين. ويوضح ذلك أنه إذا علمنا في المدينة رجلا عالما يستحيل الفحص عنه؛ لأنا عرفناه وإن دخل المدينة رجل عالم، ولم يشعر به البتة استحال منا طلبه، لعدم الشعور به، فهاتان حقيقتان متباينتان. وأما لو أخبرنا مخبر أن رجلا عالما وصل المدينة فقد عرفناه من وجه، وهو كونه مخبرا عنه بذلك الخبر، فبعثنا ذلك على تعرف بقية أوصافه؛ لأن بين هذا الوجه المعلوم وبين تلك الوجوه المجهولة ملازمة باجتماعهما في ذات ذلك العالم، والمعلوم منهما أشعر بأن ثم أوصافا مجهولة ينبغي طلبها، فحصلت الملازمة والشعور بأن ثم مجهولاً ينبغي طلبه، فتعين طلبه. قوله: " إن لم يلزم مجرد تلك التصورات لزم بعضها لبعض، فهي تقليد به ".

стр. 1477

قلنا: لا نسلم، بل قد لايكون تصورها كافياً، ولا تكون تقليدية، بأن يحتاج إلى فكر في مقدمات أخرى بديهية غنية، ويكون البعض كافيا في اللزوم، وبعضها ليس كافياً في اللزوم، ولا يكون ثم تقليد ولا عدم الكسب لازم، وكذلك القضايا النظرية في لزومها عن القضايا البديهية، وقد تكون كافية، وقد تحتاج إلى مقدمات أخر، فيكون البعض كسبيا والبعض غنيا عن الاكتساب. (سؤال) قال النقشواني: اختياره في هذه المسألة يناقضه اختياره في مسألة: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "، فاختار ثم الوجوب في الوسيلة، وهاهنا اختار أن تكليف ما لا يطاق هو الواقع، وهما متنافيان. تقريره: أن المسائل النظرية قد يتعين فيها المعتقد إذا تعدد الزمان، أو يكون قصد بهذه المسألة الجواز، وقصد بتلك المسألة الوقوع، ولا تناقض، أو يكون قصد أن تكليف ما لا يطاق واقع، وإن قلنا بأن الوسائل أيضا واجبة؛ لأنها تكليف بما لا يطاق، واللفظ يقتضي الوسيلة، فقلنا بها. (تنبيه) زاد سراج الدين أسئلة: أحدها: على قوله: " لو أمن لزم انقلاب العلم جهلا "، فقال: لا يلزم ذلك، بل يكون تعلقه أولا بالايمان بدلا عن تعلقه بعدمه هو لازم للازم عدم الايمان مع تعلق العلم به، اذ لا يريد أن الملازمة إنما حصلت من عدم الإيمان، وتعلق العلم به، فالمستلزم للعلم هو عدم الإيمان، فكذلك يستلزم الايمان العلم بالايمان؛ لان الملازمة ملازمتان فمتى كان عدم الإيمان يلزمه العلم بالعدم كان الايمان يلزمه العلم بالثبوت.

стр. 1478

وثانيها: على قوله: " كلف أبو لهب بتصديق هذا الخبر بأنه لا يؤمن " فقال: لا يلزم التصديق بهذا الخبر عينا؛ لأن التصديق إنما كلف به جمليا. يريد: والإجمال وجه، ومن كلف بالعام لا يلزم أنه كلف بالخاص، كما أن من كلف بتحرير رقبة لا يكون مكلفا برقبة بيضاء، طويلة، والإجمال إنما هو وجه ما في الحقيقة، ووجه ما أعم منها؛ لأنه يصدق معها وبدونها، ولذلك أن كثيرا من المؤمنين لا يعلمون أن في القرآن الآيات الخاصة، والإيمان بالشيء فرع الشعور به، بل الإيمان يحصل وإن لم يعرف الإنسان من القرآن آية واحدة، بل يكفي الجزم بتصديق الرسول ﵇ في كل ما جاء به فقط. وثالثها: على قوله: " إن توجه الأمر على العارف بالله امتنع " فقال: يكون عارفا بوجه ما، وقد تقدم تقريره. ورابعها: على كلامه في التصورات غير مكتسبة، فقال: المعلوم باعتبار صادق عليه يمكن توجه الطلب نحوه، وإنما يمتنع ذلك في المجهول بجميع اعتباراته، ثم حصول التصديقات البديهية كيف كان لا توجب العلم بالنتيجة، بل لا بد من ترتيب خاص، وهو النظر، فإذا كان الترتيب مقدورا كانت العلوم النظرية مقدورة. وزاد التبريزي فقال: اعلم أن بناء هذه المسألة على سلب تأثير قدر العباد فراراً من فقهها؛ وإبطالا لفائدة بعينها بالنظر، وقد وقع الخلاف بين العلماء في طرفي جوازها ووقوعها، فإن أجملنا الأفعال الاختيارية استحالت المسألة، وصار الواجب وقوعه ينعت بما لا يطاق، وقد أجمعت الأشاعرة والمعتزلة إلا الجبرية منهم على إثبات الفعل المقدور. والفرق بينه وبين الرعشة، والرعدة، وحركة الجمادات، ثم الاختلاف في وجه تعلق القدرة الحادثة بالمقدور لا يرفع الإجماع على أصل التعلق، ولا خلاف في أن الله تعالى لم يكلفنا قلب الأجناس، ولا الكون في

стр. 1479

مكانين في حالة واحدة، فإن ساق إلى ذلك نظر وجب رده لهذه القاعدة، كما إذا توسط مزرعة للغير، أو وقع على صبي محفوف بالصبيان إن مكث قتل، وإن انتقل قتل، وهل في جائزات العقل إمكانه، وهل وقع إذا كان جائزا النزاع في هذين الأمرين، والحق جوازه وعدم وقوعه؛ لأن الطلب الذي هو ماهية التكليف ليس من جهة التشوق، ولا تعلقه تعلق التأثير لتعلق القدرة والإرادة بدليل صحة التعلق بالمعدوم، وغير المعين، فجاز تعلقه بالمحال، كالعلم، وبأنا لو قطعنا النظر عن القبح العقلى لم يكن محالا، وقد أبطلنا تلك القاعدة، ثم نقول: قبحه إما أن يكون للإضرار أو لعدم الفائدة؛ بدليل أنهما لو انتفيا لانتفى القبح قطعا، ولا يقبح الإضرار فإنه جائز (سابق)، بناء على سابقة جريمة، أو تعقب لذة، وإلا لعدمت الفائدة، فإنه لا سبيل إلى العلم بانتفائها، ولا نسلم أن الامتثال هو الفائدة. وقول الغزالي: " إن الطلب يستدعى مطلوباً متصوراً " إن عنى به موجوداً في العقل فمسلم، والمحال لا يتصور، ولهذا صح أن يقضى عليه، ووصف إمكان الامتثال إنما يعتبر لغرض قصد الامتثال. ولا نسلم حصر مقاصد التكليف في الامتثال. وأما دليل عدم الوقوع: فقوله تعالى: ﴿لايكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والكافر قادر على الإيمان والمعرفة، فإن الآلة سليمة، والإمكان حاصل، وعلمه تعالى بأنه تركهما معا لا لعلة مستحيل؛ فإن العلم لا لغير المعلوم، واذا كان من وصف المعلوم أنه تركه اختياراً فلو علمه محالا لم يكن ذلك العلم مطابقا، ولذلك اخباره عن الشيء على وفق علمه

стр. 1480

لا يغير حكمه، فيجعل الممكن محالا، وحصول الداعية من العبد لا ينفي الاقتدار؛ لأن الموقع والمرجح هو الفاعل لا القدرة والإرادة، فإنهما جهتا الإيقاع والتخصيص، فيوجبان المحل الذي قاما به الاقتدار والاختيار. ومن هنا يبطل حال لزوم الجبر المستفاد من الداعية، وهذا كقول القائل متى يوصف البارئ تعالى بالاقتدار على الفعل حال تعلق إرادته، أو قبل، وقبله ممتنع عنده واجب، والقدرة لا تتعلق بالمحال ولا بالواجب، والمأمور بالمعرفة غير العارف الذي يجوز أن يكون له رب تطلب منه المعرفة، والاستطاعة مع الفعل عند أهل الحق، ولكن ليس مأمورا بالفعل قبل الاستطاعة، وأجمع العقلاء على الفرق بين قولنا: (قم) وبين قولنا: (انظر) والنظر مقدور، والاعتمادات الذهنية كالاعتمادات في النظر عند محاولة المرئيات، ودوام تحقيق صفاتها، ويجد الانسان من نفسه المطالبة بذلك في تذكر ما ينسى. ووجه الدلالة فيما يخفى وانكاره سنبسطه، وحصول القضايا لا يكون عن التصورات دون تعرف الفكر بنسبة بعضها إلى بعض في النفي والاثبات، ومطابقة وجه التأليف، وكل ذلك عن القلب، كما تعمل الجوارح وهو مناط الثواب والعقاب. ومعنى كونها ضرورية: استقلال العقل بدرك بعضها من بعض بغير واسطة. قلت: فقوله: " لم يكلفنا الله تعالى قلب الأجناس " إشارة إلى أن المستحيل العادي لم يقع، وقوله: " المتوسط لمزرعة الغير إن خرج أهلك الزرع، وان بقي أهلك الزرع، أو غاصب المزرعة ". ومقتضاه أن يجب الخروج والإقامة نفياً للمفسدتين، وكذلك الواقع على الصبيان يجب أن يزول عنهم وألا يزول.

стр. 1481

قال سيف الدين: قال أبو هاشم: يكلف بالخروج وبالبقاء؛ لأن في كليهما مفسدة. قال سيف الدين: يتعين الخروج لما فيه من تقليل الضرر، كما يكلف المولج في الفرج الحرام النزع، وإن كان فيه مساسا للفرج؛ لأن ارتكاب أدنى الضررين يجب، ووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على تحريم الخروج؛ فإن المضطر يأكل الطعام ويضمنه، ويمكن في الصبيين أن يقال بالتخيير، أو تخلو مثل هذه الواقعة عن الحكم. قال الغزالي في (المستصفى): في الصبيين يحتمل أن يقال: يمكث، فإن الانتقال فعل مستأنف لا يصح إلا من قادر، أما ترك الحركة فيصح من غير الحي، ويحتمل أن يخير، وقوله: " لا نسلم حصر مقاصد التكليف في الامتثال "، يعني قد يكلفه بالمحال، ويكون ذلك التكليف نفسه عقوبة لذنب سبق؛ لان هذا التكليف سبب العقوبة، وسبب العقوبة يجوز أن يكون عقوبة. (تنبيه) زاد تاج الدين فقال: في قول المعتزلة: العلم يتبع المعلوم ولا يتقدمه، فقال: العلوم التابعة هي الانفعالية، والمتقدمة هي الفعلية، وعلوم الله تعالى بأسرها فعلية، والانفعال محال عليه تعالى. قلت: العلم الفعلي هو الذي يتبعه الفعل، كمن يعلم مصلحة فيفعلها، والعلم الانفعالي: هو الذي ينشأ عن الاسباب، كما اذا مر زيد بين يديك،

стр. 1482

فيحصل لك العلم بمروره، فلما كان مسببا عن مروره سمى انفعاليا، أي منفعل. ومثل هذا محال على الله تعالى؛ لان علمه تعالى واجب الوجوب، أزلي لا ينشأ عن التاثير. ومع هذا التقدير لا يتم ما قاله تاج الدين في أن علم الله تعالى ليس تابعا؛ فإن التابع أعم من الإنفعال؛ لأن علم الله تعالى له تعلقان: تعلق قبل الوقوع، وتعلق بعد الوقوع. أما قبله: فلأن تعلق الإرادة مشروط بالشعور، فما لا شعور به لا يمكن أن يعلم. وأما بعده فلأنه تعالى إذا قدر الممكن في هيئته ووقته واقعا بقدرته، فإنه يعلم كذلك فهذا التعلق الثاني هو التابع أي للتقدير والوقوع، والتعلق الأول متبوع، أي تتبعه الإرادة في الحقيقة التابعية، والمتبوعية، إنما هما للتعلقات، فتعلق سابق، وتعلق لاحق، فلا متبوعية في ذات العلم، وهذا هو مراد المعتزلي، وبه لا يتجه كلام تاج الدين؛ فإن ذلك لحال الذي هو ذات العلم الإنفعال لم يقله الخصم، فلا معنى لدفعه، بل إنما ادعى التبعية في التعلق، فيصدق حينئذ على العلم القديم أنه متقدم ومتأخر باعتبار تعليقه، وأنه تابع ومتبوع. وعبر تاج الدين فقال: في الجواب عن كون العلم مؤثرا في المعلوم. فقال: نحن ندعي التعبير عنده، فاندلع عن تاج الدين سؤال الذي يرد على المصنف؛ لأنه لم يصرح، بل قال عنده، وهو أهم من التأثير؛ لأن اللوازم تثبت عند الملزومات، وكذلك الشروط، وليست آثارا لما ثبت عنده من ملزوم أو مشروط كما تقدم بسطه.

стр. 1483

ووافقه سراج الدين فقال: لا يلزم من وجوب الشيء عند العلم أنه أثر له. وقال تاج الدين في الجواب عن قولهم: يلزم أن التكاليف كلها خلاف الإجماع، قال: الإجماع ظني، ودليلنا قطعي. وهذه الجواب غير متجه، بل الإجماع قطعي - على ما سيأتي إن شاء الله تعالى. والذي ذكره صرح به المصنف في مواضع، وهو مردود، وغير مذهب الجمهور. ***

стр. 1484

المسألة الثانية قال الرازي: قال أكثر أصحابنا، وأكثر المعتزلة: الأمر بفروع الشرائع لا يتوقف على حصول الإيمان. وقال جمهور أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه: يتوقف عليه، وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني من فقهائنا. ومن الناس من قال: تتناولهم النواهي دون الأوامر؛ فإنه يصح انتهاؤهم عن المنهيات، ولا يصح إقدامهم على المأمورات. واعلم أنه لا أثر لهذا الاختلاف في الأحكام المتعلقة بالدنيا؛ لأنه ما دام الكافر كافرا - يمتنع منه الإقدام على الصلاة؛ وإذا أسلم، لم يجب عليه القضاء. وإنما تأثير هذا الاختلاف في أحكام الآخرة؛ فإن الكافر إذا مات على كفره، فلا شك أنه يعاقب على كفره، وهل يعاقب مع ذلك على تركه الصلاة والزكاة وغيرهما، أم لا؟ ولا معنى لقولنا: إنهم مأمورون بهذه العبادات، إلا أنهم كما يعاقبون على ترك الإيمان، يعاقبون أيضا بعقاب زائد على ترك هذه العبادات، ومن أنكر ذلك قال: إنهم لا يعاقبون إلا على ترك الإيمان، وهذه دقيقة لابد من معرفتها: لنا وجوه: الأول: أن المقتضي لوجوب هذه العبادات قائم، والوصف الموجود، وهو الكفر، لا يصلح مانعا؛ فوجب القول بالوجوب.

стр. 1485

إنما قلنا: إن المقتضي موجود؛ لقوله تعالى: ﴿يأيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١] وقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ولا شك في أن هذه النصوص عامة في حق الكل. وإنما قلنا: إن الكفر لايصلح أن يكون مانعا؛ لأن الكافر متمكن من الإتيان بالإيمان أولا؛ حتى يصير متمكنا من الإتيان بالصلاة والزكاة؛ بناء عليه؛ وبهذا الطريق قلنا: الدهري مكلف بتصديق الرسول، والمحدث مأمور بالصلاة. فثبت أن المقتضى قائم، والمعارض غير مانع؛ فوجب القول بالوجوب. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ماسلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] وهذا يدل على أنهم يعاقبون على ترك الصلاة. فإن قيل: هذه حكاية قول الكفار؛ فلا يكون حجة، فإن قلت: لو كان ذلك باطلا، لبينه الله تعالى!! قلت: لا نسلم وجوب ذلك؛ وجوب ذلك؛ فإنه تعالى حكى عنهم: أنهم قالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشتركين﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ [النحل: ٢٨] ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم﴾ [المجادلة: ١٨] ثم إنه تعالى ما كذبهم في هذه المواضع؛ فعلمنا أن تكذيبهم غير واجب. سلمنا أنه حجة؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: العذاب على مجرد التكذيب؛ لقوله تعالى: ﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر: ٤٦]

стр. 1486

والدليل عليه: أن التكذيب سبب مستقل باقتضاء دخول النار، وإذا وجد السبب المستقل باقتضاء الحكم، لم يجز إحالته على غيره. سلمنا أن التعذيب واقع على جميع الأمور المذكورة؛ لكن قوله: ﴿لم نك من المصلين﴾ المدثر ٤٣] معناه: لم نك من المؤمنين؛ لأن اللفظ محتمل، والدليل دل عليه. أما أن اللفظ محتمل؛ فلما روي في الحديث: " نهيت عن قتل المصلين " ويقال: قال أهل الصلاة؛ والمراد منه: المسلمون. وأما أن الدليل دل عليه؛ فلأن أهل الكتاب داخلون في هذه الجملة، مع أنهم كانوا يصلون، ويتصدقون، ويؤمنون بالغيب، ولو كان المراد: من لم يأت بالصلاة والزكاة، لكانوا كاذبين فيه؛ فعلمنا أن المراد أنهم ما كانوا من أهل الصلاة والزكاة. سلمنا أن التعذيب على ترك الصلاة؛ لكن قوله: ﴿لم نك من المصلين﴾ [المدثر: ٤٣] يجوز أن يكون إخبارا عن قوم ارتدوا بعد إسلامهم، مع أنهم ما صلوا حال إسلامهم؛ لانه واقعة حال؛ فيكفي في صدقه صورة واحدة. سلمنا عمومه في حق الكفار؛ ولكن الوعيد ترتب على فعل الكل؛ فلم قلت: إنه حاصل على كل واحد من تلك الأمور؟ والجواب: أن الله تعالى، لما حكى عن الكفار تعليلهم دخول النار بترك الصلاة، وجب أن يكون ذلك صدقا؛ لأنه لو كان كذبا مع أنه تعالى ما بين كذبهم فيها - لم يكن في روايتها فائدة، وكلام الله تعالى متى أمكن حمله على ماهو أكثر فائدة، وجب ذلك. [ص ١٥٧٢]

стр. 1487

وأما المواضع التي كذبوا فيها مع أن الله تعالى مابين كذبهم فيها: فذاك لاستقلال العقل بمعرفة كذبهم فيها؛ فتكون الفائدة من ذكر تلك الأشياء بيان نهاية مكابرتهم وعنادهم في الدنيا والآخرة. وأما هاهنا، فلما لم يكن العقل مستقلا بمعرفة كذبهم، والله تعالى لم يبين لنا ذلك، فلو كانوا كاذبين فيه، لم يحصل منه غرض أصلا؛ فتكون الآية عرية عن الفائدة. قوله: " العلة هي التكذيب بيوم الدين ": قلنا: لو كان كذلك لكان سائر القيود عديم الأثر في اقتضاء هذا الحكم؛ وذلك باطل؛ لان الله تعالى رتب الحكم عليها أولا في قوله تعالى: ﴿قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤]. قوله: " لما وجد السبب المستقل، لم يجز إحالة الحكم على غيره ": قلنا: لعل الحصول في الموضع المعين من الجحيم ما كان لمجرد التكذيب؛ بل لمجموع هذه الأمور، وإن كان مجرد التكذيب سببا لدخول مطلق الجحيم. قوله: " المراد من قوله: ﴿لم نك من المصلين﴾ أي: لم نك من المؤمنين ": قلنا: هذا التأويل لا يتأتى في قوله: ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾. قوله: " أهل الكتاب صلوا، وأطعموا ": قلنا: الصلاة في عرف الشرع عبارة عن الأفعال المخصوصة التي في شرعنا، لا التي في شرع غيرنا. قوله: " جاز أن يكون المراد منه قوما ارتدوا بعد إسلامهم ":

стр. 1488

قلنا: إن قوله : ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ هو جواب المجرمين المذكورين في قوله: ﴿يتساءلون عن المجرمين﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤١] وذلك عام في حق الكل. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾ [الفرقان: ٦٩] وكذلك قوله: ﴿فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢] ذمهم على ترك الكل. وكذلك قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: ٦ - ٧]. الدليل الرابع: الكافر يتناوله النهي؛ فوجب أن يتناوله الأمر، وإنما قلنا: إنه يتناوله النهي؛ لأنه يحد على الزنا. وإنما قلنا: إنه إذا تناوله النهي، وجب أن يتناوله الأمر؛ لأنه إنما يتناوله النهي؛ ليكون متمكنا من الاحتراز عن المفسدة الحاصلة؛ بسبب الإقدام عن المنهى عنه؛ فوجب أن يتناوله الأمر؛ ليكون متمكنا من استيفاء المصلحة الحاصلة؛ بسبب الإقدام على المأمور به. فإن قيل: لا نسلم أنه يتناوله النهي، وأما الحد، فذاك؛ لأنه التزم أحكامنا. سلمنا؛ لكن الفرق بين الأمر والنهي هو أنه مع كفره يمكنه الانتهاء عن المنهيات، ولا يمكنه مع كفره الإتيان بالمأمورات. والجواب عن الأول: أن من أحكام شرعنا ألا يحد أحد بالفعل المباح.

стр. 1489

وعن الثاني: أن قولكم: " الكافر المكلف يمكنه الانتهاء عن المنهيات " إن عنيتم به: أنه يتمكن من تركها من غير اعتبار النية، فهو أيضا متمكن من فعل المأمورات من غير اعتبار النية. وإن عنيتم به: أنه متمكن من الانتهاء عن المنهيات؛ لغرض امتثال قول الشارع - فمعلوم أن ذلك حال عدم الإيمان - متعذر. فالحاصل أن المأمور والمنهي استويا في أن الإتيان بهما من حيث الصورة لا يتوقف على الإيمان، والإتيان بهما؛ لغرض امتثال حكم الشارع - يتوقف في كليهما على الإيمان؛ فبطل الفرق الذي ذكروه. واحتج المخالف بأمرين: أحدهما: أنه لو وجبت الصلاة على الكافر، لوجبت عليه: إما حال الكفر، أو بعده: والأول باطل؛ لان الإتيان بالصلاة في حال الكفر ممتنع، والممتنع لا يكون مأمورا به. والثاني باطل؛ لإجماعنا على أن الكافر، إذا أسلم، فإنه لا يؤمر بقضاء ما فاته من الصلاة في زمان الكفر. وثانيهما: لو وجبت هذه العبادات على الكافر، لوجب عليه قضاؤها؛ كما في حق المسلم، والجامع تدارك المصلحة المتعلقة بتلك العبادات؛ ولما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أنها غير واجبة عليه. والجواب عن الأول: أنا بينا أنه لا تظهر فائدة هذا الخلاف في الأحكام

стр. 1490

الدنيوية؛ وإنما تظهر فائدته في الأحكام الأخروية؛ وهي أنه، هل يزداد عقاب الكافر؛ بسبب تركه لهذه العبادات؟ وما ذكرتموه من الدلالة لا يتناول هذا المعنى. وعن الثاني: أنه ينتقض بالجمعة. ثم الفرق أن إيجاب القضاء على من أسلم بعد كفره ينفرده عن الإسلام؛ لإمتداد أيام الكفر بخلاف المسلم، والله أعلم. المسألة الثانية الأمر بالفروع لا يتوقف على حصول الإيمان وكذلك نقله القاضي عبد الوهاب في (الملخص)، والقاضي أبو يعلى في كتاب (العدة) عن أحمد، وهو مذهب جمهور المالكية، والحنابلة، والشافعية. تمهيد الكفار ستة أقسام كافر كفر بباطنه وظاهره، وهم أكثر الحربيين. وكافر آمن بظاهره وباطنه، وكفر بعدم الإذعان للفروع، بأن يعتقد

стр. 1491

صحة الرسالة، ويصرح بذلك بلسانه، ويقول: أخاف من الدخول إما المعرة، أو فوات منصب، أو غير ذلك، كما اتفق لأبي طالب حال حياته، كان يعتقد صدق رسول الله ﷺ ، ويصرح بذلك طول عمره، ومنه قوله في شعره (الطويل): لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل فقد صرح بأنهم يعلمون صدقه، ويروى أنه كان يقول: لولا أن تعيرني نساء قريش لاتبعتك. وكافر كفر بباطنه دون ظاهره، وهو المنافق. وكافر كفر بظاهره دون باطنه، وهو المعاند. كما يحكى أن بعض اليهود قال لأخيه: امض إلى هذا الرجل، فانظر إليه، هل هو هو؟ فرجع إليه، فقال: هو هو. فقال: على ماذا عزمت؟ قال: على معاداته ما عشت. قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ... الآية﴾ [النمل: ١٤] فهؤلاء معاندون. وكافر كفر بفعله، وآمن بظاهره وباطنه، وأذعن للفروع، كملقي المصحف الكريف في القاذورات، ونحوه من السجود للصنم وغيره. وكافر كفر بإرادة الكفر لا بنفس الكفر؛ لأن إرادة الكفر عند الشيخ أبي الحسن الأشعري كفر، وجعل منه بناء الكنائس، فمن بنى كنيسة ليكفر فيها بالله تعالى فهو كافر؛ لإرادته الكفر، ومن قتل نبيا مع إيمانه كتمان شريعته فهو كافر؛ لإرادته الكفر، ومن أخر رجلا عن الإيمان بغير عذر فهو كافر؛ لإرادته بقاءه على الكفر، ولذلك قيل: إن الخطيب إذا أخر يوم الجمعة من يريد الإسلام لأجل الخطبة، فقد كفر، فلا تصح الجمعة خلفه.

стр. 1492

إذا تقررت هذه الأقسام، فإن عني بأن الكفار لا يخاطبون بالفروع لعدم إمكان ذلك منهم؛ لأن من لا يعتقد صحة الشيء يتعذر عليه الطاعة به - كان هذا هو المدرك في المنع؛ فإن التصديق مورد تلك الأوامر في نفوسهم، فلا تتعذر عليهم الطاعة. ومنها أن المأمورات منها ما اشترك فيه الشرائع، كالكليات الخمس، لم تخل شريعة عنها، وهي حفظ النفوس، والعقول، والأعراض، والأنساب، والأموال، فلم يبح الله تعالى منها شيئا في شريعة من الشرائع، فحرم المسكرات في الجميع، وإنما أبيح عند اليهود والنصارى منها القدر الذي لا يسكر، وكذلك الزنا، والسرقة والقذف، والقتل حرام إجماعاً من الأمم الكتابية، فحينئذ هؤلاء الكفار الذين كفروا بظاهرهم وباطنهم أمكن أن يطيعوا في هذه الكليات وغيرها من الأوامر التي اتفقت عليها الشرائع كإنقاذ الغرقى، وكسوة العريان، وإطعام الجوعان، وأكثر أنواع الإحسان مأمور به عندهم، فيطيعون به، ولا يتعذر ذلك عليهم من جهة عدم اعتقاده؛ لأنهم يعتقدونه. وظاهر كلام الأصوليين أن هذا مدرك المسألة، وهو مشكل كما ترى، ولذلك فرق بعضهم بين الأوامر والنواهي؛ لأن الطاعة بالأوامر لا تكون إلا مع اعتقادها، وفي النواهي لا تتوقف على الشعور بها فضلا عن اعتقادها، فمن حرم الله تعالى عليه شيئا خرج عن عهدته، وإن لم يعلم أن الله تعالى حرمه عليه إذا تركه، فبمجرد الترك يسلم من العقوبة. ويؤكد أن هذا هو المدرك قول إمام الحرمين في (البرهان): إن الخلاف في جواز المخاطبة عقلا ووقوعه بعد جوازه، ثم قال: واحتج المانعون بأنه لو فرض الخطاب لإقامة الفروع لكان مستحيلا مع الإصرار على الكفر، وهو تكليف ما لا يطاق.

стр. 1493

فجعله من باب تكليف ما لا يطاق عقلا، وهذا صريح في ذلك. ثم قال: ومدركهم ينتقض بمخاطبة من لا يعتقد الصانع بتصديق الأنبياء، وقد وقع الخطاب بالمشروط قبل حصول الشرط، فالدهري والمحدث مخاطب بالصلاة. وعن أبي هاشم: أن المحدث غير مخاطب بالصلاة، ولو استمر حدثه دهره، فإن أراد أنه لا يعاقب فقد خرق الإجماع. ثم قال: والحق أنه لا يخاطب بإنشاء فرع على الصحة في حال الكفر. وقال الغزالي في (المستصفى): قال المانعون: كيف يجب ما يستحيل فعله في الكفر، وهو لا يمكنه أن يمتثل، والنصوص متضافرة بأن المنع عقلي لا شرعي عند المانعين، وأنه يرجع إلى عدم اعتقاد صحة ذلك التكليف؟ قال المازري في (شرح البرهان) عن قوم من المبتدعة: إن الكفار غير مخاطبين بالعقائد، ولهم طريقان: إما لأنها ضرورية، والتكليف بالضروري غير جائز، أو هي اختيارية وهم غير مخاطبين بها، وأئمة المسلمين على خلافهم. والمانعون بأنهم غير مخاطبين بالفروع، فهل انتفى ذلك شرعا أو عقلا؟ قولان، وهو إشارة إلى ما تقدم. (فرع) قال المازري: اختلف في هذه المسألة هل هي نظرية اجتهادية؟ - وهو الصحيح - أو قطعية ؟ قاله أبو المعالي اعتماداً على إجماع استقرائي.

стр. 1494

قوله: " واعلم أنه لا أثر لذلك في الأحكام المتعلقة بالدنيا؛ لأنه لا يصلي حالة كفره " قلنا: بل يظهر أثره في الدنيا من وجوه: أحدها: أنه يكون ذلك سببا لإسلامه؛ لأنه جاء في الحديث: " أن الرجل ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه "، ومقتضى ذلك أنه يختم له بالإسلام بسبب كثرة خيره وبره. وثانيها: أن الإسلام يكون وقع في صدره إذا كان كثير الفساد والفسوق والفجور مضافا إلى الكفر، فإذا علم أن الإسلام يجب لذلك كله، كان ميله إلى الإسلام أشد. وثالثها: أنه يتجه اختلاف العلماء في استحباب إخراج زكاة الفطر إذا أسلم في أيام الفطر. ورابعها: أنه يتجه إقامة الحدود عليهم لا سيما الرجم عند الشافعي؛ فإن العقوبات مع المعاصي والمخالفات في تلك الجنايات مناسبة، أما أنا نعاقبه وهو لم يعص بذلك الفعل الذي يعاقبه عليه فبعيد عن القواعد. فالقائل بأنهم مكلفون سلم من مخالفة القواعد، وهو أثر جميل. وخامسها: استحباب قضاء الصوم إذا أسلم في أثناء الشهر ملاحظة لتقدم الخطاب في حقه، وكذلك وجوب إمساك بقية اليوم الذي أسلم فيه، بخلاف الصبي والحائض يزول عذرهما. والفرق: تقدم الخطاب في حق الكفار دون الصبي، والحائض، والمسافر. وسادسها: لا يشترط إذا أسلم في آخر الوقت بقاء وقت الاغتسال والوضوء، بل تجب الصلاة بإدراك وقت يسع ركعة منها فقط، على الخلاف في ذلك المخرج على الخلاف في كونهم مخاطبين أولا. وسابعا: تفصيل معاملاتهم على معاملات المسلمين، فإنا إذا قلنا: ليسوا

стр. 1495

مخاطبين بالتحريم كانت معاملاتهم فيما أخذوه على خلاف القواعد الشرعية أخف من معاملة المسلم؛ لأنه عاص بذلك العقد، وقد نهاه الله تعالى عنه، ولم ينه الكافر؛ ولأنه إذا أسلم أقر على ما بيده من الرهون والغصوب، بخلاف المسلم إذا تاب. إذا قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع، فلا استحسان في معاملاتهم من جهة أن كلا الفريقين تعاطى العقود المحرمة، ولم يبق الحق إلا من جهة أن الإسلام يقر لهم الغصوب، والربا، وثمن الخمور وغيرها. وثامنها: أن عقد الجزية يكون من جملة آثاره ترك الإنكار للفروع؛ فإنه سبب شرع، كذلك إن قلنا: إنهم مخاطبون، وإلا فلا يكون شرع سببا إلا لترك إنكار الكفر خاصة. وتاسعها: أن العلماء اختلفوا في الكافر إذا طلق، أو اعتق وبقيا عنده حتى يسلم هل يلزمه ذلك أم لا؟ فإذا قلنا: إنهم ليسوا مخاطبين أمكن تخريج عدم اللزوم على ذلك؛ فإن من جملة الفروع نصب الأسباب، والعتاق والطلاق سببان إذا لم ينصبا في حقهم لم يلزمهم أثرهما. وعاشرها: الأوقاف، والهبات، والصدقات إذا باعوها بعد صدور أسبابها إذا قلنا: ليسوا مخاطبين لا نمنعهم من ذلك وهو مذهب مالك، وإن كنت لا أعلم خلافا في البياعات، وعقود المعاوضات أنهم يلزمون بها، والفرق - والله أعلم - عند العلماء أن معنى المظالم فيها أظهر تحققا، بخلاف عقود المعاوضة، وإن كان المدرك عدم تأهلهم للخطاب بتسببهم بكفرهم ما يبعدهم كما ابعدت الحائض عن الصلاة والصوم؛ لأنها قام بها ما يبعدها عن هذه الدرجة الشريفة التي هي التشريف بالتكليف، ولا ترد هذه الأسئلة، غير أن مقتضى مباحث العلماء هو الأول. قوله: " أثر ذلك إنما يظهر في زيادة العذاب في الدار الآخرة ".

стр. 1496

قلنا: أو في خفة العذاب؛ فإن الذي وجب وتعين للكافر إنما هو الخلود، أما نوع معين فلم يتعين، وإذا قلنا: مخاطبون وفعلوا تلك الأوامر كان ذلك سببا للتخفيف عن الفاعل لذلك، كما ورد عن أبي طالب: " أنه كان في غمرات النار، فأخرجه رسول الله ﷺ إلى ضحضاح من نار " قوله: " لنا قوله تعالى: ﴿يأيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١] ". قلنا: عليه سؤالان: أحدهما: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فيكون كل الناس مأمورين بالعبادة في حالة واحدة، فلا يعم ذلك جميع الناس في جميع الحالات، والمدعي العموم مطلقا، فلا تثبت الدعوى. وثانيهما: أن العبادة هي التذلل ومنه: طريق معبد إذا تذلل من كثرة المارين عليه، والفعل في سياق الإثبات مطلق يكفي في العمل به صورة واحدة، فنحمله على التذلل بترك الأصنام وفعل قواعد الديانات، فلا يشمل الفروع. وهذا السؤال غير السؤال الأول؛ لأن الأول على عموم الأمر، وهذا على صيغة الفعل، ولا يمكن تكميل هذه الدليل بقوله: " لا قائل بالفرق "؛ لأن القائل بالفرق بين الأوامر والنواهي موجود. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] إنما تناول بعض المأمورات، ويمكن أن يقال فيه: ولا قائل بالفرق، بخلاف

стр. 1497

الآية الأولى؛ لأن كل من قال: إنهم مخاطبون ببعض الواجبات قال بالكل، بخلاف الآية الأولى فيها مطلق العبادة، فأمكن أن يكون بفعل المحرم. قوله: " الكفر غير مانع؛ لأن الدهري والمحدث مأموران بالإيمان والصلاة ". تقريره: أن الدهري لا يتصور منه تصديق الرسائل لعدم علمه أن للعالم صانعا، فنسبه بعدم اعتقاده الصانع لتصديق الرسل، كنسبه تقديم الإيمان قبل الفروع. وكذلك المحدث لا يتصور منه الصلاة حالة الحدث، كما أن الكافر لا يتصور منه الفروع حالة الكفر، ولما ثبت التكليف في تلك الصورتين بالإجماع علمنا أن الكفر غير مانع من الفروع؛ لأنه مساو له. قوله: " الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر ... الآية﴾ [المدثر: ٤٢] ". قلنا: هذه الآية فيها الأوامر والنواهي معاً، فالصلاة والإطعام مأموران، والخوض مع الخائضين منهي عنه، فأمكن أن يقال في هذه الآية: وإذا ثبت ذلك في هذه الصور ثبت في الجميع؛ لأنه لا قائل بالفرق بخلاف غيرها من الآيات. قوله: " المراد بالمصلين المسلمين " قلنا: هذا مجاز، والأصل الحقيقة. قوله: " الوعيد ترتب على ترك الكل، فلم قلت: إنه مترتب على كل واحد واحد؟ ". قلنا: هذا السؤال لم يجب عنه المصنف فيما رأيته من النسخ. وجوابه: أن الأوصاف المذكورة في تعليل العقوبات أو المثوبات يجب أن تكون مناسبة لها وإلا كان ذكرها عيباً في العرف، فيكون في اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير، فلا يحسن من السيد أن يقول ضربت

стр. 1498

عبدي هذا؛ لأنه عصاني، وشرب لما عطش، فلا يكون ذكر قيد من هذه القيود إلا لاشتماله على المناسبة للعقوبة، ولا نعني بكونهم مخاطبين بالفروع إلا هذا القدر، أن أفعالهم في مخالفة الفروع سبب مناسب للعقوبة، وأما استقلاله بدخول (سقر) فلا يكون، والقائل بأنهم ليسوا مخاطبين يقول: أفعالهم في الفروع كالبهائم، وكما لا يحسن عقوبة البهائم شرعا على شرب الخمر، فكذلك الكفار. قوله: " الثالث: قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ... الآية﴾ [الفرقان: ٦٨]. قلنا: هذه الآية كلها نواه، فلا يمكن أن يقال فيها: وإذا ثبت خطابهم بهذه الفروع المخصوصة خوطبوا بجميع الفروع؛ لأنه لا قائل بالفرق؛ لأن من الناس من قال: مخاطبون بالفروع في النواهي فقط. والضابط: أنه متى كان في الآية أمر أمكن أن يقال فيه: لا قائل بالفرق؛ لأنه مهما ثبت الأمر ثبت النهي إجماعا، ومتى كانت الآية مشتملة على نواه فقط لا يمكن أن يقال فيها: لا قائل بالفرق؛ لأن القائل بالاقتصار على النواهي موجود، ومتى كانت الآية مشتملة على القسمين أمكن أن يقال: لا قائل بالفرق لتناولها بعض الواجبات دون المحرمات، فتأمل ذلك، ولا بد في كل دليل من هذه الأدلة من قولنا: ولا قائل بالفرق؛ لأن الدعوى عامة والآية التي ذكرها خاصة، فلا تسمع ما لم يضم إليها هذه المقدمة، وهو لم يذكرها أصلا، فعلى هذا تكون أدلته غير مسموعة، كمن قال: اللحم كله حرام؛ لأن الخنزير حرام، والمشروب كله حرام؛ لأن الخمر حرام، وكل عدد زوج؛ لأن العشرة زوج، فكل أدلته من هذا القبيل، فلا تسمع إلا بالمقدمة المذكورة، فليكن هذا التقرير عندك ثابتا في الجميع. قوله: " الكافر يحد على الزنا ".

стр. 1499

قلنا: مالك يمنع ذلك، وإن كان يقول: يحد في السرقة، والفرق عندها: أنها من باب التظالم بخلاف الزنا، فيمكن للمستدل أن يذكر مطلق الحد. قوله: " إذا تناوله النهي تناوله الأمر؛ لأن الجامع كونه متمكنا في استيفاء المصلحة ". تقريره: أن الأوامر والنواهي زواجر شرعية لما في ضمنها من الوعيد، وذلك يحث على فعل المصالح والأوامر، وترك المفاسد والنواهي، وفهذا الحث الناشئ عن ذلك يزيد في داعية المكلف، ويمكنه من القسمين. (سؤال) قال الشافعي ﵀: أحد الحنفي وأقبل شهادته ؛ لأن التأديبات تتبع المفاسد لا المعاصي، بدليل ضرب الصبيان والبهائم؛ استصلاحا لهم من غير معصية، ومن هنا نشأ الفرق بين النواهي والأوامر، فيقول الخصم: إنما أقيمت عليهم الحدود استصلاحا لهم، وهذا عهد في الشرع في درء المفاسد، وأما المصالح فلم يعهد فيها ذلك، ويمكن أن يقال: الصبي يضرب للصلاة، والبهيمة بحسن المشي والأدب، وهذه مصالح. قوله: " الكافر يمكنه الانتهاء عن المنهيات، ولا يمكنه الإتيان بالمأمورات ". قلنا: هذا الموضع من السؤال جوابه، ونحوهما يدلك على أن المدرك في المنع إنما هو عدم التصديق بتلك الفروع، وترد الأسئلة التي في أول المسألة، ولو كان المدرك هو أن الشرع لم يعتبر أعمالهم مع الكفر؛ لبغضهم به وعدم صلاحيتهم للخطاب بالطاعات، كما قال في حق الحائض: إنها بسبب ما قام بها من الدم المستقذر لم تؤهل للتشريف بالتكليف، فلو كان هذا هو المدرك في عدم الخطاب بالفروع لم يكن لذكر هذه الأسئلة معنى، ولا التفرقة بين الأوامر والنواهي معنى أيضاً

стр. 1500

قوله: " استوت المأمورات والمنهيات في أن الإتيان بها من حيث الصورة ممكن، وافتقارهما إلى النية في كونهما قرينتين، فيستويان مطلقاً فلا فرق ". قلنا: بقي فرق، وهو أن النهي يسقط المؤاخذة عن الذي خوطب به بمجرد تركه من غير نية، بل صورة الترك كافية لا تسقط المؤاخذة في المأمورات عن المأمور بصورة الفعل، بل يبقى مؤاخذا حتى يأتي بالصورة منوية، وجميع أوضاعها الشرعية. قوله: " لو وجبت الصلاة لوجبت إما حال الكفر أو بعده، والقسمان باطلان، أما حال الكفر فلأن الفعل ممتنع، والممتنع لا يكون مأمورا به ". قلنا: لا يلزم من وجوبها حال الكفر إيقاعها حال الكفر؛ لأن زمن الكفر ظرف للإيجاب لا لإيقاع الواجب، فلو قلنا: إنه ظرف للوجوب، وإيقاع الواجب معا اتجه السؤال لكنا لا نقول: إن زمن الكفر ظرف إلا للوجوب فقط، والفرق بين كون زمن الكفر ظرفا للوجوب، وبين كونه ظرفا لإيقاع الواجب، كما تقول في زمن الحدث: وهو ظرف لإيجاب الصلاة لا لإيقاع الصلاة، بل الواجب ثابت الآن بأن يزيل المانع، ويفعل الصلاة في الزمن الكائن بعد الحدث، كذلك - هاهنا - الإيجاب وحده هو الثابت زمن الكفر، فتأمل هذا الفرق فربما عسر على جماعة. قوله: " فائدة الخلاف إنما تظهر في الآخرة في زيادة العقاب ". قلنا: قد بينا أنه يظهر في الأحكام الدنيوية، ثم إن الخصم ذكر أن الوجوب إما أن يثبت في حالة الكفر، أو في حالة الإيمان، وبينا بطلان القسمين فهذا الواجب حينئذ إنما يتجه إذا قلتم: الوجوب منفي مطلقا حالتي الكفر والإيمان، وإنما المقصود زيادة العقاب، وهذا كيف يتصور التزامه؟ وكيف يعتقد عقاب في الآخرة مع عدم الوجوب في الدنيا؟

стр. 1501

هذا خلاف الإجماع، وأوضاع الشريعة، وإن قلت: وإنما يثبت العقاب في الدار الآخرة بناء على الوجوب في الدنيا هذا خلاف الإجماع، فالتزموا أحد القسمين في زمن الوجوب، وصرحوا بالجواب عن شبهة الخصم. أما العدول إلى زيادة العذاب في الآخرة مع الإعراض عن التزام أحد القسمين، فهذا غير متجه أصلا. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: وجبت عليه الصلاة بشرط تقديم الإيمان ، فإن آمن والوقت باق فعليه فعلها، وإن فات صار قضاء، والقضاء يحتاج لخطاب جديد، ولا خطاب في حقه، بل ورد خطاب الإسقاط، فإذا هو واجب بحكم الدليل، ساقط بحكم العفو تدريجا، وبه خرج التزام المسلم القضاء، وكذلك المرتد. قلت: وفي عبارته إجمال من وجه في قوله: " شرط تقديم الإيمان "؛ لأن الشرط قد يكون شرطا في الوجوب كما في البلوغ، وقد يكون شرطا في الصحة، كما في الوضوء، فإن كان مراده بشرط تقدم الإيمان أنه شرط في الوجوب لم يحصل مقصوده من مخاطبة الكافر، وإن أراد أنه الآن خوطب بها من غير شرط في الخطاب والإيجاب، واشترط عليه في إيقاعها تقدم الإيمان حصل مقصوده ويكون ذلك كإيجاب الصلاة في حال الحدث من غير شرط، وتقدم رفع الحدث شرط في إيقاعها لا في وجوبها، فصرح في كلامه بشرطية الإيمان، ولم يذكر في أي شيء هو شرط.

стр. 1502

المسألة الثالثة في أن الإتيان بالمأمور به، هل يقتضي الإجزاء قال الرازي: قبل الخوض في المسألة، لابد من تفسير الإجزاء؛ وقد ذكروا فيه تفسيرين: أحدهما، وهو الأصح: أن المراد من كونه مجزيا هو أن الإتيان به كاف في سقوط الأمر. وإنما يكون كافيا، إذا كان مستجمعاً لجميع الأمور المعتبرة فيه؛ من حيث وقع الأمر به. وثانيهما: أن المراد من الإجزاء: سقوط القضاء؛ وهذا باطل؛ لأنه لو أتى بالفعل عند اختلال بعض شرائطه، ثم مات، لم يكن مجزئا مع سقوط القضاء، ولأن القضاء إنما يجب بأمر متجدد؛ على ما سيأتي. ولأنا نعلل وجوب القضاء بأن الفعل الأول ما كان مجزئا، والعلة مغايرة للمعلول، إذا عرفت هذا، فنقول: فعل المأمور به يقتضي الإجزاء؛ خلافا لأبي هاشم وأتباعه. لنا وجوه: الأول: أنه أتى بما أمر به؛ فوجب أن يخرج عن العهدة. إنما قلنا: إنه أتى بما أمر به؛ لأن المسألة مفروضة فيما إذا كان الأمر كذلك وإنما قلنا: إنه يلزم أن يخرج عن العهدة؛ لأنه لو بقي الأمر بعد ذلك لبقي: إما متناولا لذلك المأتي به، أو لغيره:

стр. 1503

والأول باطل؛ لأن الحاصل لا يمكن تحصيله. والثاني باطل؛ لأنه يلزم أن يكون الأمر قد كان متناولا لغير ذلك الذي وقع مأتيا به، ولو كان كذلك، لما كان المأتي به تمام متعلق الأمر، وقد فرضناه كذلك؛ هذا خلف. الثاني: أنه لا يخلو: إما أنه يجب عليه فعله ثانيا وثالثا، أو ينقضي عن عهدته بما ينطلق عليه الإسم: والأول باطل؛ لما بينا أن الأمر لا يفيد التكرار. والثاني هو المطلوب؛ لأنه لا معنى للإجزاء إلا كونه كافيا في الخروج عن عهدة الأمر. الثالث: أنه لو لم يقتض الإجزاء، لكان يجوز أن يقول السيد لعبده: " افعل، وإذا فعلت، لا يجزئ عنك " ولو قال ذلك، لعد متناقضا. احتج المخالف بوجوه: أحدها: أن النهي لا يدل على الفساد بمجرده؛ فالأمر وجب ألا يدل على الإجزاء بمجرده. وثانيها: أن كثيرا من العبادات يجب على الشارع فيها إتمامها، والمضي فيها، ولا تجزئه عن المأمور به؛ كالحجة الفاسدة، والصوم الذي جامع فيه. وثالثها: أن الأمر بالشيء لا يفيد إلا كونه مأمورا به، فأما أن الإتيان يكون سببا لسقوط التكليف، فذلك لا يدل عليه مجرد الأمر. والجواب عن الأول: أنا، إن سلمنا أن النهي لا يدل على الفساد، لكن الفرق

стр. 1504

بينه وبين الأمر أن نقول: النهي يدل على أنه منعه من فعله، وذلك لا ينافي أن نقول: إنك لو أتيت به، لجعله الله سببا لحكم آخر. أما الأمر، فلا دلالة فيه إلا على اقتضاء المأمور به مرة واحدة، فإذا أتى به، فقد أتى بتمام المقتضى، فوجب ألا يبقى الأمر بعد ذلك مقتضيا لشيء آخر. وعن الثاني: أن تلك الأفعال مجزئة بالنسبة إلى الأمر الوارد بإتمامها، وغير مجزئة بالنسبة إلى الأمر الأول؛ لأن الأمر الأول اقتضى إيقاع المأمور به، لا على هذا الوجه الذي وقع؛ بل على وجه آخر، وذلك الوجه بعد لم يوجد. وعن الثالث: أن الإتيان بتمام المأمور به يوجب ألا يبقى الأمر مقتضيا بعد ذلك، وذلك هو المراد بالإجزاء، والله أعلم. المسألة الثالثة الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء تمهيد: يقتضي الإجزاء قاله (المحصول) وغيره.

стр. 1505

......................................................................

стр. 1506

ومنهم من يقول: الأمر يدل على الإجزاء، قاله صاحب

стр. 1507

(المستصفى)، وغيره. ففي العبارة الأولى: أن الأمر اقتضى شغل الذمة بالمأمور، فكما أن الأمر سبب الشغل، الإتيان بالمأمور به سبب البراءة بعد الشغل. ومعنى العبارة الثانية: أن الأمر دل على الشغل، ودل على أن الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء؛ لأن الإتيان سبب البراءة وهو مدلول الأمر، ومدلول المدلول مدلول، فالبراءة مدلول الإجزاء. وعبارة الكتاب أكثر في كلامهم، وأقرب في التعبير؛ فإن جعل الأمر دالا إنما هو بواسطة - كما تقدم - وكون الإتيان سبب البراءة بغير واسطة، وإضافة الحكم لما هو بغير وسط أولي. قوله: " إنما يكون الفعل كافيا في سقوط الأمر به إذا كان مستجمعا لجميع الأمور المعتبرة فيه من حيث وقع الأمر به ".

стр. 1508

تقريره: أن المعتبر فيه قد يكون من حيث الأمر به كالطهارة، والستارة وغيرهما في الصلاة، وقد يكون معتبرا فيه من حيث إيجاده كالقدرة الربانية الخالقة للأفعال والإرادة، وغير ذلك من أشراط الجواهر في قيام الأعراض بها، فهذا أو ما شبهه لا مدخل له في الإجزاء بخلاف القسم الأول. قوله: " لو أتى بالفعل مع اختلاف بعض شرائطه، ثم مات لم يكن مجزئا مع سقوط القضاء ". قلنا: إنه مات قبل خروج الوقت، والقضاء إنما يجب إذا خرج الوقت، فقد وجد عدم القضاء ولم يوجد الإجزاء، فلو كان شيئا واحدا لما وجد أحدهما بدون الآخر؛ لأن الشيء لا يوجد بدون نفسه، وقد تقدمت هذه الوجوه الثلاثة أول الكتاب، وتقريرها والأسئلة عليها، فلا يطول بإعادتها. قوله: " يقتضي الإجزاء خلافا لأبي هاشم ". تقريره: أن أبا هاشم يقول: الإنسان ولد بريئا من جميع الحقوق، وورود الأمر اقتضى شغل الذمة بفعل مرة في زمن فرد، أو بعدد من الأفعال في زمن الأزمان، ويبقى العدم بعد الأفعال مستفادا من البراءة الأصلية كالأعدام الكائنة قبل التكليف، فالاتفاق واقع على حصول البراءة، وعدم التكليف بعد الفعل، لكن النزاع في المدرك. فالجماعة يقولون: هو أمران: الإتيان بالمأمور به مع البراءة الأصلية، وقد زاد فيها الإتيان في هذه الصورة - أعني بعد الفعل - وانفردت البراءة ببراءة الذمة قبل التكليف. وأبو هاشم يقول: المدرك قبل التكليف، وبعد فعل المكلف به، وهو البراءة فقط. ونظير هذه المسألة: قول القاضي أبي بكر في مفهوم الشرط توافق على عدم المشروط عند عدم الشرط المعلق عليه.

стр. 1509

ويقول: المدرك هو استصحاب حال المشروط لا لفظ التعليق. (تنبيه) قال المصنف: المخالف أبو هاشم وأتباعه . وقال سيف الدين: القاضي عبد الجبار وأتباعه قال: والإجزاء يراد به الامتثال، ويراد به سقوط القضاء. واتفق الكل على حصول الامتثال، وإنما خالف عبد الجبار في التفسير الثاني، فقال: لا يمنع من القضاء بعده، كذلك صرح به في كتاب (العمد) له. قلت: وكذلك رأيته لعبد الجبار في كتاب (العمد) له، وشرحه أبو الحسين في شرح المعتمد، كما قرره سيف الدين. ويجوز أن يكون أبو هاشم وافقه، غير أن النقل - كما قال - سيف الدين - فاسد لأن الأصحاب - كإمام الحرمين وغيره - على كون الفعل يوجب الخروج عن العهدة، وهو ساقط؛ لأنه استدلال في موضع الوفاق، وليس النزاع في إمكان ورود أمر بعده، وإنما النزاع في الورود به موصوفا بصفة القضاء، والحق نفيه؛ لأن الفعل إذا كان كاملا في نفسه امتنع القضاء إجماعاً، فإنه سمي الأمر الوارد بمثل تلك العبارة خارجا عن الوقت مع تقدمها على وجه الكمال قضاء، فهذا نزاع في تسميته ونسلم له جواز الأمر بمثل ذلك. قوله: " أتى بما أمر به، فوجب أن يخرج عن العهدة ". قلنا: هذا متفق عليه، إنما النزاع في الدليل المخرج عن العهدة كما تقدم.

стр. 1510

قوله: " لأنه لو لم يخرج عن العهدة، لبقي الأمر متعلقا بذلك المأتي به، أو بغيره ": قلنا: هذا البحث لا يتجه على أبي هاشم؛ لأن الأمر ما بقي عنده متعلقا، ولا يلزم من قولنا: " لبقي متعلقا " أن يكون دالا على العدم، أو الإتيان بالمأمور به سببًا لبراءة لذمة مجازًا فلا يكون متعلقًا ولا هو دال، والإتيان بالمأمور به سبب وأن يكون الحق هو دلالة البراءة فقط، وكلامكم لا يفيد خلاف ذلك، بل أمر لا تعلق له بالمتنازع فيه. قوله: " إن خرج عن العهدة بما يصدق عليه الاسم، حصل المطلوب ": قلنا: ما يحصل المطلوب؛ فإن براءة الذمة متفق عليها، بل بينوا سببية الإتيان بالمأمور به. قوله: " لو لم يقتض الإجزاء، لجاز أن يقول السيد لعبده: (افعل) فإذا فعلت لا يجزئ عنك " فإنه متناقض ": قلنا: الإجزاء حاصل إجماعا، إنما النزاع في الدلالة هل هي بالنص أو بالبراءة الأصلية؟ ولا نزاع -أيضا - أن الأمر ما بقي متعلقا بفعل آخر، إنما النزاع في تعلقه بعدم الفعل لا بالفعل. وأنتم تقولون: بقي متعلقا بعدم الفعل. وأبو هاشم يقول: لم يبق متعلقا لا بالفعل ولا بعدمه. قوله: " النهي لا يدل على الفساد، فالأمر لا يدل على الإجزاء ". تقريره: أن النهي له مدلول واحد وهو الإنزجار عن الفعل. وهل يدل مع ذلك على الفساد، وهو عدم ترتب المنهي عنه عليه أم لا؟ مذهبان، فرع على عدم الدلالة، فيكون له على هذا التقدير مدلول واحد،
следующие страницы →