Полный текст (4 032 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ويقتضي عدم الجمع من جهة أنه قال: إنما احترزت بقولي: بعض الوجوه عن المخير والموسع والكفاية، وهذا ليس منها، فيكون هذا القول منه، فيقتضي أن ما عدا هذه الثلاثة يذم عليه على جميع الوجوه، والواجب بالنذر لا يذم تاركه على تقدير ألا ينذر، فلا يكون بذم تاركه على كل الوجوه، فيخرج من الواجبات التي قصد دخولها، أو نقول: ينبغي أن يستثنى أربعة: المنذورات مع الثلاثة المذكروة، ومن هذه المادة الأفعال قبل ورود لاشرع لا يذم تاركها، وبعده يذم، كتارك ما ورد الشرع بوجوبه، فقد حصل الذم على بعض الوجوه، وكذلك الميتة يذم تاركها إذا اضطر إليها، ووجب عليه الأكل، وكل ما يترتب وجوبه على سبب يطرأ وينعدم، فإن النفقة على المرأة يذم تاركها إذا وجد سبب وجوبها، ولا يذم إذا زال ذلك السبب بالطلاق وغيره.
وكذلك نفقات الأقارب والدواب والعبيد على تقدير بيعها لا تجب، بل صلاة الظهر لا يذم تاركها قبل الزوال، ويذم بعده، وكذلك سائر الواجبات قبل أسبابها، وبعد طروء أسبابها، فتكون هذه الأمور كلها الذم فيها على بعض الوجوه كالمخير، ويلزم أن تكون واجبة قبل طروء أسبابها، لأنها تجب إذا وقعت أسبابها، فيلزم صدق حد الوجوب قبل تحقق الوجوب، وهو يقتضي أن الحد غير مانع.
جوابه: أن المفهوم من قوله: على بعض الوجوه إذا تقرر الوجوب بعد طروء سببه والخطاب به، وتعدد الوجوه في هذه الصور إنما هو باعتبار عدم
стр. 177
السبب وعدم الخطاب، وكلامه إنما يفهم منه ما بعد الخطاب، وتحقق الأسباب، فلا ترد هذه الصور.
((تنبيه))
وافقه ((التحصيل)) و ((المنتخب)، وقال ((الحاصل)): ما يذم تاركه مطلقا، ولم يقل: بعض الوجوه، فيندفع عنه السؤال الرابع.
وقال التبريزي: الحكم التكليفي ينقسم إلى: إيجاب، وندب، وتحريم، وكراهة، وإباحة، ووجه الحصر أن تعلق الخطاب إما تخييرا، أو اقتضاء لطلب الفعل، أو الترك، وكلاهما إما مع تجويز ضده، أو المنع من ضده، الأول: الإباحة، والثاني: الإيجاب أو الندب، والثالث: تحريم أو كراهة، والواجب هو المأمور المهدد بالعقاب على تركه، وليس من شرط التهديد وقوع المهدد به، فلا ينافي العفو، ويرد عليه أن تقسيم الحكم التكليفي إلى الإباحة والندب يشعر بأن الإباحة تكليف، وليس كذلك بل التكليف ما فيه كلفة ومشقة، وذلك يختص بالواجب والمحرم ولذلك قال ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) مع أنه مندوب إجماعا، فدل على أن المشقة إنما تنشأ عن التحتيم.
стр. 178
ثم قوله: تعلق الخطاب إما تخييرا، أو اقتضاء -تقسيم غير حاصر؛ لأنه قد يكون خبرا، وهو خطاب، وقوله الثاني: إيجاب أو ندب - يقتضي أن الطلب الجازم قد يقع ندبا، وليس كذلك، بل كان ينبغي أن يقول: والثالث ندب، ويجعل الأقسام خمسة؛ لأن تقسيمه يقتضيها، ويرد عليه أيضا أن التهديد لم يعين فاعله، فيندرج فيه تهديد أهل العرف على ترك بعض المباحات، فاندفع عنه السؤال الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسابع، والثامن، ولا يرد عليه غير السادس فقط.
((تنبيه))
وهم كثير من الأصوليين فقالوا في حد الواجب: ما يذم تاركه، ويثاب فاعله، فضموا قيد الثواب إلى الحد، وهو غير مستقيم، فإن الحد يصير غير جامع.
وتقريره: أن ليس كل واجب يثاب على فعله، ولا كل محرم يثاب على تركه.
أما الأول فكنفقات الزوجات، والأقارب، ورد المغصوب، ودفع الديون والأجر والأثمان إذا فعلت من غير قصد امتثال أمر الله - تعالى - وقعت
стр. 179
واجبة مع أنه لا ثواب فيها لعدم القصد لطاعة الله تعالى، بل لو لم يشعر بأن الله - تعالى - أوجبها عليه وقعت واجبة، ولا ثواب مع عدم الشعور بالإيجاب.
وأما الثاني: فلأن المحرمات تخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها، وإن لم يشعر بتحريمها عليه، ولا ثواب مع عدم الشعور بالتحريم لانتفاء طاعة الله - تعالى - بعدم الشعور بتكليفه، وإذا اقترن قصد الطاعة بجميع ذلك حصل الثواب، فظهر أن التحديد بالثواب في فعل الواجب، وترك المحرم غير مستقيم، وإنما يلزم في الواجب ذم تاركه، أو استحقاق العقاب، ففي المحرم استحقاق العقاب على الفعل، أما فعل الواجب وترك المحرم فلا.
((تنبيه))
إذا قلنا بأن المخير يذم تاركه على بعض الوجوه فما عدد تلك الوجوه وما ضابطها ؟
جوابه:
أن التخيير إذا وقع بين شيئين ذم على وجه، أو بين ثلاثة ذم على وجه دون وجهين، والضابط أن تعدد الخصال التي وقع بينها التخيير، ويسقط منها واحد، والباقي هي الوجوه التي لا يذم فيها، فإن التخيير، ويسقط منها واحد، والباقي هي الوجوه التي لايذم فيها، فإن التخيير إن وقع بين عشرة مثلا - أحدها العتق - مثلا فلا يذم عليه إلا إذا ترك الجميع، ومتى فعل أحد التسعة لم يذم على العتق، وكذلك بقيتها، فيسقط أبدا واحدا، والباقي وجوه عدم الذم، ووجوه الذم واحد دائما لا يزيد على واحد، قلت الخصال أو كثرت.
стр. 180
((تنبيه))
إذا حد الواجب بأنه الذي يستحق تاركه العقاب على تركه، لا يرد عليه سؤال العفو الذي أورده الإمام ، لأن العفو لا ينافي الاستحقاق، وإنما يرد سؤال العفو على من يذكر العقاب نفسه لا استحقاقه.
((تنبيه))
شرع الإمام ﵀ في تقسيم الأحكام ، وحدودها، وذكر من الحد ما تقدم، والذي ذكره ليس حكما، لأن حكم الله - تعالى - هو الوجوب لا الواجب، بل الواجب هو فعل المكلف، فهو متعلق الحكم لا نفس الحكم، فشرع عند الحكم حد متعلقه، وأحدهما مباين للآخر؛ فإن الحكم صفة الله تعالى، ومتعلقه صفة للعبد، وأحدهما مباين للآخر؛ فإن الحكم صفة الله تعالى، ومتعلقه صفة للعبد، لأنه فعله فكان المتعين أن يقول: الوجوب هو الذي يذم تارك متعلقه شرعا على بعض الوجوه، وهذا السؤال مطرد في جميع حدوده، وهذا التعبير لازم في الجميع.
قال سيف الدين في ((الإحكام)): الوجوب الشرعي تعلق خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما، ومراده بـ ((حالة ما))، مراد الإمام بقوله: بعض الوجوه، وهو أسد من كلام الإمام وأقل أسئلة.
((فائدة))
قال سيف الدين: يبطل قول الحنفية في اشتراطهم قيد القطع في إطلاقهم لفظ الفرض بإجماع الأمة على إطلاقه على أداء الصلوات المختلف فيها، يقول كل منهم إذا صلى: أديت فرض الله تعالى، مع أنه لا قطع مع الاختلاف، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
стр. 181
((مسألة))
قال الآمدي: ذهب بعض الناس إلى أن فرض الكفاية لا يسمى واجبا ، بل واجب العين فقط؛ لأن واجب الكفاية يسقط بفعل الغير والواجب على الإنسان لايسقط بفعل غيره.
قال: والاختلاف في طريق السقوط لا يوجب اختلاف الحقيقة، كاختلاف جهات الثبوت، لا يوجب اختلاف الحقيقة، ولأن من ارتد وقتل أبيح دمه،
стр. 182
مع أن القتل بالردة يسقط بالتوبة، وقتله بالقتل لا يسقط بالتوبة، فاختلف المسقط، ولم يختلف الحكم.
قوله: ((المحظور ما ذم فاعله شرعا))، ولم: يقل على بعض الوجوه كما قال في الواجب، لأن قوله: في بعض الوجوه في الواجب احترازا من الواجب الموسع والمخير، وعلى الكفاية، والوجوب في تلك الثلاثة إنما هو متعلق بالقدر المشترك بين الخصال في المخير، وبين الأزمان في الموسع، وبين الطوائف في الكفاية، والخصوصيات متعلق التخيير دون الوجوب إلا في فرض الكفاية لتعذر خطاب المجهول، وهذا متيسر في الوجوب دون التحريم، لأنه لا يلزم من إيجاب المشتركات إيجاب الخصوصيات، كما إذا أوجب الله - تعالى - رقبة في العتق، أو شاة في الزكاة، لايلزم وجوب خصوصيات الرقاب والشياة، أما تحريم المشتركات فيلزم منه تحريم الخصويات، كما إذا حرم الله - تعالى - مفهوم الخنزير، حرم الخنزير السّمين، والهرم، والقصير، والطويل، وغيرها، وكذلك إذا حرم مفهوم الخمر حرم كل خمر، فالتحريم مع التخيير في الخصوصيات متعذر، وإذا تعذر امتنع تصوره الموسع، والمخير، وعلى الكفاية، فلا يحتاج لقيد يخرجها.
فإن قلت: بل هي مقصورة؛ لأن الله - تعالى - حرم إحدى الأختين لا بعينها، وإحدى المرأتين الأم أوبنتها، ولم يخصص واحدة منهما في
стр. 183
......................................................................................
стр. 184
......................................................................................
стр. 185
خصوصها بالتحريم، كخصال الكفارة لم يخص واحدة منها في خصوصها بالإيجاب، ولأنه إذا وجبت إحدى الخصال لا بعينها فقد حرم تركها، فيصير المحرم ترك خصلة لا بعينها، وهذا تحريم على التخير.
قلت: لا نسلم تحريم إحدى الأختين لا بعينها، بل متعلق التحريم هو المجموع عينا.
والقاعدة: أن تحريم المجموع، أو نفي المجموع يكفي في الخروج عن عهدته فرد منه، فمن ترك ركعة من خمس ركعات في الظهر لم يعص الله - تعالى - بصلاة الظهر خمس ركعات، لأن المطلوب هو عدم ذلك المجموع، وعدم المجموع يصدق بأي جزء كان من أجزائه وهو الجواب عن الأم وابنتها، والمحرم في خصال الكفارة إنما هو ترك المجموع؛ لأنه لما وجبت واحدة لا بعينها حرم نقيضها وهو إيجاب جزئي، ونقيض الموجبة لاجزئية إنما هو السَّالبة الكلية، فما يتعين أنه ترك فردا لا بعينه حتى يترك كل فرد، فترك كل فرد هو المحرم عينا، فظهر أن التحريم في هذه الصور كلها إنما هو متعلق بعين المجموع، لا بالمشترك بين أفراده، فما اجتمع تحريم مشترك وتخيير بين جزئياته.
((فوائد))
في الفرق بين أسمائه، فالمعصية لغة: من الشدة والامتناع، ومنه العصا لامتناع أجزائها، والتفافها، واستعصاء الأمر على الإنسان امتناعه، واستعصاء الحب أو غيره على النضج في النار، وعند الطبخ امتناعه،
стр. 186
والعاصي ممتنع عن طاعة الأمر، فسمى فعله معصية من العصيان، والمحرم الممنوع والمحظور أشد منه في المنع من جهة شدة الوعيد، ومنه الحظيرة التي تعمل حول مراعي الغنم تمنعها من السباع، فالوعيد هو كذلك الحائط حول الغنم؛ لأن الوعيد يمنع الإقدام كما تمنع هي السباع، والذنب مأخوذ من الطرف ومنه أذناب الدواب؛ لأنها أطرافها وهي أخسها، فالمذنب اتصف بأخس الأحوال، وصار لسبب ذلك من أطراف الناس، والزجر المنع بالقول العنيف المتصمن للوعيد، والزجر قد يكون بغير القول، بل بتحقق الفعل المؤلم عند المخالفة، والقبيح ما فيه نفرة النفوس، فاستعماله في حق الله - تعالى - مجاز تشبيه.
((تنبيه))
قال سيف الدين: المحرم هو ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو فعل له، قال: فالقيد الأول لخروج الواجب والمندوب، والثاني لإخراج المخير كما تقدم في الواجب، والثالث لإخراج المباح إذا استلزم تركه واجبا، فإنه يذم عليه لكن من جهة أنه ترك واجبا، وقد تقدم أن المخير لا يدخل في هذا الباب، ووافقه على دخول المخير أبو عمرو بن الحاجب في ((مختصره))، وهو وهم لما تقدم، وأما بقية القيود فحسنة، وقد علمت أن الهذه الحدود مستبعدة من جهة أن المقصود تحديد للأحكام، ولم تحدد إلا متعلقاتها، فحكم الله - تعالى - التحريم لا المحرم، والحد إنما ذكر للمحرم الذي هو فعل العبد.
((مسألة))
قال سيف الدين: يجوز عندنا تحريم أحد الشيئين لا بعينه خلافا
стр. 187
للمعتزلة، لإمكان أن يقول: حرمت عليك كلام زيد أو عمرو،
стр. 188
حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم عليك الجمع، ولا واحدا بعينه، وهذا معقول غير ممنوع، وليس المحرم المجموع لتصريحه بنقيضه.
وجوابه: قد تقدم، ونحن نمنع أن ما قاله متصور في غيرتحريم المجموع، فإنه إذا قال: خصوص أحدهما لا أريده فلم يبق بعد الخصوص إلا المشترك، وإذا منعه من إدخال الماهية المشتركة في الوجود امتنع كل فرد؛ لأنه لو دخل
стр. 189
فرد لدخل في ضمنه المشترك، وإذا امتنع كل فرد صار المحرم ((كل)) لا ((كلي))، لتحريم الخنازير يحرم كل خنزير، لا المشترك الكلي بين الخنازير فما قاله غير متصور أصلا، والحق في هذا ما نسبه للمعتزلة دون مانسبه لأصحابنا.
قوله: ((المباح ما أعلم فاعله، أو دل على أنه لا ضرر عليه في فعله، ولا في تركه، ولايقع في الآخرة إلى قوله .... : في المندوب)).
هذا كما تقدم تعريف بحيثية الوصف لا بذات الوصف كما تقدم في حد الواجب؛ فإن المباح قد لايكون له فاعل حتى يعلم، ولا يخرج عن كونه مباحا.
ثم قوله: ((اعلم)) يحتمل أمورا؛ لأن العرب تقول: أعلم وعلَّم -بتشديد اللام - إذا وضع علامة على الشيء، ومنه قول كتاب القضاة في السجلات وأعلم تجب شهادة كل واحد منهما علامة الأداء والقبول، وأعَلْم زيد عمرا إذا أخبره، وأعلمه إذا حصل له العلم، وتكون الهمزة للتعدية لمفعول ثالث، والمدخول في العلم نحو أنْجد، وأَتْهَمَ، وأصبح، وأمسى إذا دخل نجد، وتِهَامة، والصباح، والمساء.
والدليل أيضا في الإصطلاح: لما أفاد علما، وفي اللغة للمرشد كيف كان
стр. 190
أفاد علما أو ظنا، فإن أراد بقوله: أعلم، وضع العلامة، كان هذا كافيا عن قوله: أو دل لشموله، وإن أراد الإخبار فلا يعم؛ لأن الإباحة قد تستفاد من فعله ﵇، أوتقريره من غير إخبار، لكن كان يمكنه أن يأتي بعبارة تنوب منابها كلفظ الطريق الشامل لقيد العلم، والظن ونحو ذلك، وإن أراد تحصيل العلم لم يشمل المباح؛ لأنه قد يكون مظنونا، فإن أراد بقوله: ((دل)) مطلق ما يفيد، سواء كان يفيد علما أو ظنا على مقتضى اللغة صح، غير انه تطويل لعدوله عن العبارة المفردة نحو بين لفاعله، وأرشد إلى غير ذلك من العبارات المقررة الشاملة.
وقوله: ((في الآخرة)) متعلق بعدم الضرر والنفع معا، لأن المباح قد يكون فيه نفع وضرر في الدنيا، وأكثر المباحات كذلك من المأكول، والمشروب، والملبوس، وغيرها، لابد من التعب في كسبها، وتحصيلها، وتناولها، والانتفاع بملابستها في الأجسام في عاجل في الدنيا، أما الآخرة فلا أثر لجيمع ذلك فيها إلا أن يكون وسيلة لمأمور، كمن ينام نهارا ليتهجد بالليل، ونحوه، ولذلك كان ينبغي أن يزيد في الحد من حيث هو مباح ليخرج عنه فاعل المباح الذي يترك به واجبا، أو يستعين به على واجب، فإن الأول يتضرر في الآخرة، والثاني ينتفع في الآخرة، لكن لأجل ما أدَّى إليه المباح لا للمباح، وصدق أن فاعل المباح انتفع وتضرر.
((فائدة))
تقول العرب: حلال طِلق بكسر الطاء، ووجه طَلْقٌ بفتحها.
وقوله: وقد يوصف الفعل بأن الإقدام عليه مباح، وإن كان تركه محظورا، كوصف ذم المرتد بأنه مباح، هذا التفسير هو اصطلاح المتقدمين، وتفسر المباح بمستوى الطرفين هو اصطلاح المتأخرين، وقد تقدم بسطه عند تقسيم الأحكام إلى خمسة، والاستشهاد بالحديث.
стр. 191
((تنبيه))
وافقه ((المنتخب))، وأسقطه ((التنقيح)) .
وقال في ((الحاصل)): هو المأذون في فعله، وتركه شرعا من غير حمد، ولازم في أحد طرفيه، وهو أحسن من تعريف الأصل، لأنه تعريف بذوات الأوصاف دون حيثياتها، ولأنه بلفظ مفرد من غير ترديد بين ما علم ودل.
وفي ((التحصيل)) ما علم فاعله أو دل، فإنه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر شرعا، وعليه ما على أعلم أو دل.
((مسألة))
قال سيف الدين: اختلف في المباح هل هو حسن أم لا ؟
والحق أنه إن أريد بالحسن ما لفاعله أن يفعله فهو حسن، وإن أريد ما يحمد فاعله، فليس بحسن.
قوله: في المندوب .... إلى آخره، فقوله: إن الله أحبه أي يعامل فاعله معالمة المحب بصيغة اسم المفعول، إلا فحقيقة المحبة مستحيلة على الله - تعالى -، لأنه ميل بالطبع، وهو على الله محال.
((تنبيه))
قال في ((المنتخب)): وقد يُسمى المندوب مرغبا فيه وسنة .
وقيل: كل ما علم وجوبه أو ندبيته بأمر الرسول ﷺ أو بإدامته عليه فهو سنة.
فقوله: وقيل: ولم يذكر السنة يشعر بأنه في المندوب، وإنما هو قول في السنة، فصار لفظه لا يوفي بمعنى الأصل، ثم قوله مأخذو من الإدامة، ولذلك سمى الختان سنة، يشعر بأن الختان إنما سمى سنة؛ لأن أثره يدوم،
стр. 192
ولفظ الأصل، إنما قال: ((الختان من السنة))، ولا يراد به أنه غير واجب، فجعله عائدا من إلى أصل الكلام من أن السنة تطلق على الواجب، وكذلك لفظ ((التحصيل)) يوهم ذلك، وأعرض ((الحاصل)) و ((التنقيح)) عن ذلك.
((فائدة))
الندب لغة: الدعاء إلى أمر مهم، كما قال الشاعر [البيسط]:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... للنائبات على ما قال برهانا
((مسألة))
قال سيف الدين: قال الأكثرون: المندوب ليس من التكليف ؛ لأن الله تركه، فلا كلفة كالمباح.
стр. 193
وقال الأستاذ أبو إسحاق: هو من التكليف، لأن العلم بأنه سبب للثواب يوجب تحمل المشقة في فعله لتحصيل الثواب.
جوابه: أنه غير ملجأ لذلك بالإكراه الشرعي، والمشقة إنما تنشأ عن الإلجاء، والمختار لا مشقة عليه.
قوله: ((المكروه يقال بالاشتراك على ثلاثة إلى آخره)).
اعلم أن قدماء العلماء ﵃ كانوا يكثرون من إطلاق المكروه على المحرم لئلا يتناولهم الإطلاق في قوله تعالى: ((ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام)) النحل: ١١٦ فيحددون صورة اللفظ، وإن لم يرد إلا في تحريم ما لم يحرمه الله تعالى كالسائبة ونحوها.
قال إمام الحرمين في ((النهاية)): إنما يقال على ترك الأولى إن كان منضبطا نحو الضحى، وقيام الليل، وما لاتحديد له، وما لا ضابط من المندوبات لا يسمى تركه مكروها، وإلا لكان الإنسان في كل وقت ملابسا لمكروهات كثيرة من حيث إنه لم يتصدق بأحد ثيابه أو لم يقم فيصلي ركعتين، أو يعود مريضا في المدينة إلى غير ذلك.
وزاد الآمدي معنى رابعا: إطلاقا على ما يغلب على الظن حله، لكن في القلب منه حرارة كلحم الضبع.
стр. 194
((فائدة))
المكروه من الكريهة، وهي الشدة في الحرب ، ومنه سمى يوم الحرب يوم كريهة، وقوله تعالى: ((حملته أمه كرها ووضعته كرها)) الأحقاف: ١٥ أي في شدائد ونحو ذلك الكراهة والكراهية.
((مسألة))
قال سيف الدين: اختلف في المكروه هل هو من التكليف كما تقدم في المندوب سؤالا وجوابا ؟
стр. 195
التقسيم الثاني
قال الرازي: الفعل إما أن يكون حسنا أو قبيحا .
وتحقيق القول فيه: أن الإنسان إما أن يصدر عنه فعله وليس هو على حالة التكليف، وإما أن يصدر عنه الفعل وهو على حالة التكليف.
والأول كفعل النائم، والساهي، والمجنون، والطفل فهذه الأفعال لا يتوجه نحو فاعليها ذم ولا مدح، وإن كان قد يتعلق بها وجوب ضمان وأرشٍ في مالهم ويجب إخراجه على وليهم.
والثاني: ضربان؛ لأن القادر عليه المتمكن من العلم بحاله إن كان له فعله فهو الحسن وإن لم يكن فهو القبيح.
ثم قال أبو الحسين البصري ﵀: القبيح هو: الذي ليس للمتمكن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله ومعنى قولنا: ((ليس له أن يفعله)) معقول لا يحتاج إلى تفسير ويتبع ذلك أن يستحق الذم بفعله، ويحد أيضا بأنه الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذم.
وأما الحسن، فهو: ما للقادر عليه، المتمكن من العلم بحاله، أن يفعله
وأيضا: ما لم يكن على صفة تؤثر في استحقاق الذم.
وأقول: هذه الحدود غير وافية بالكشف عن المقصود.
أما الأول، فنقول ما الذي أردت بقولك: ((ليس له أن يفعله))؟
فإنه يقال
стр. 196
للعاجز عن الفعل ليس له أن يفعله، ويقال للقادر على الفعل، إذا كان ممنوعا عنه حسا: ليس له أن يفعله، ويقال للقادر إذا كان شديد النفرة عن الفعل: ليس له أن يفعله، وقد يقال للقادر إذا زجره الشرع عن الفعل: إنه ليس له أن يفعله
والتفسيران الأولان غير مرادين لا محالة، والثالث غير مراد أيضا لأن الفعل قد يكون حسنا مع قيام النفرة الطبيعية عنه وبالعكس.
والرابع أيضا غير مراد؛ لأنه يصير القبيح مفسرا بالمنع الشرعي.
فإن قلت: المراد منه القدر المشترك بين هذه الصور الأربع من مسمى المنع.
قلت: لا نسلم أن هذه الصور الأربع تشترك في مفهوم واحد؛ وذلك لأن المفهوم الأول معناه: أنه لا قدرة له على الفعل، وهذا إشارة إلى العدم، والمفهوم الرابع معناه: أنه يعاقب عليه؛ وهذا إشارة إلى الوجود، ونحن لا نجد بينهما قدرا مشتركا.
وأما قوله: ((ويتبع ذلك أن يستحق الذم بفعله))
قلنا: لما فسرت القبيح: بأنه الذي يستحق الذم بفعله، وجب تفسير الاستحقاق والذم.
فأما الاستحقاق، فقد يقال: الأثر يستحق المؤثر، على معنى أنه يفتقر إليه لذاته، ويقال: المالك يستحق الانتفاع بملكه؛ على معنى أنه يحسن منه ذلك الانتفاع.
والأول ظاهر الفساد، والثاني يقتضي تفسير الاستحقاق بالحسن، مع أنه فسر الحسن بالاستحقاق؛ حيث قال: الحسن هو الذي لا يستحق فاعله الذم فيلزم الدور، وإن أراد بالاستحقاق معنى ثالثا فلا بد من بيانه.
стр. 197
وأما الذم فقد قالوا إنه قول أو فعل أو ترك قول أو ترك فعل ينبىء عن اتضاع حال الغير.
فنقول: إن عنيت بالإتضاع: ما ينفر عنه طبع الإنسان ولا يلائمه فهذا معقول لكن يلزم عليه أن لا يتحقق الحسن والقبح في حق الله تعالى؛ لما أن النفرة الطبيعية عليه ممتنعة؛ وإن عنيت به أمرا آخر فلا بد من بيانه.
وأعلم: أن هذه الاشكالات غير واردة على قولنا؛ لأنا نعني بالقبيح: المنهي عنه شرعا، وبالحسن ما لا يكون منهيا عنه شرعا، وتندرج فيه أفعال الله تعالى، وأفعال المكلفين من الواجبات والمندوبات والمباحات وأفعال الساهي والنائم والبهائم.
وهو أولى من قول من قال: الحسن ما كان مأذونا فيه شرعا لأنه يلزم عليه أن لا تكون أفعال الله تعالى حسنة، ولو قلت: ((الحسن: هو الذي يصح من فاعله أن يعلم أنه غير ممنوع عنه شرعا)) خرج عنه فعل النائم والساهي والبهيمة، ويدخل فيه فعل الله تعالى، لأن وجوب ذلك العلم لا ينافي صحته وبالله التوفيق.
قال القرافي: قوله: ((الفعل إما أن يكون حسنا أو قبيحا)).
أي التقسيم الثالث
تقريره: أن الكلام الذي نقله هو كلام أبي الحسين في ((المعتمد)) نص المسطرة.
ومعنى قوله: ((القادر عليه)) احترازا عن العاجز، فإن العجز عن الواجب يبطل حسنه، وعن ترك المحرم يبطل قبحه، ((والعالم بحاله))، احترازا من
стр. 198
الواطئ أجنبية يظنها امرأته، فإنه غير عاصٍ، وكذلك الواطيء لزوجته يظنها أجنبية فإنه عاص.
مع أن الفعل في نفس الأمر في الأول قبيح، وفي الثاني حسن، وإنما أحيل المدح، والذم يسبب عدم العلم، فلذلك اشترط العلم بحال الفعل، فإن كان مأذونا له في أحد الوصفين فهو الحسن، وإلا فهو القبيح.
وقوله: ((على صفة تؤثر في استحقاق الذم)).
يريد بالصفة لامفسدة على أصله في الاعتزال، فإنه كلام ((أبي الحسين))، وجعل الحسن ما ليس فيه هذه الصفة، ولم يشترط فيه أن يكون فيه مصلحة، كما قلنا نحن: الحسن ما ليس منهيا عنه، ولم تشترط أن يكون مأمورا به ليعم تناوله عندهم وعندنا.
وقوله في تفسير ليس له أن يفعله: والرابع غير مراد؛ لأنه يصير القبيح مفسرا بالمنع الشرعي.
معناه: وأ، تم لا تقولون به إنما يفسر القبح بالمنع الشرعي أهل النسة، أما المعتزلة فلا.
وقوله: ((لا يجد مشتركا بين الوجود والعدم)) ممنوع، بل النقيضان مشتركان في التناقض، وهما وجود وعدم، ويشترك الوجود والعدم في الإمكان في الممكن الخاص، والمعلومية، والمذكورية، وأنهما ليسا بسواد، ولا بياض، ولا جسم، ولا حجر، وغير ذلك مما لا نهاية له من الأمور السلبية المشتركة بينهما، مع أن أبا الحسين لم يذكر إلا قوله: ليس له أن يفعله، وهذا سلب أمكن الاشتراك فيه، نعم لو ادعي الاشتراك في أمر ثبوتي تعذر بين الوجود والعدم في ذاتيهما لا في أمر خارج عنهما، فإن وجود الحركة وعدمها يعتوران على الجسم، والجسم مشترك بينهما خارج عنهما، وكذلك العلم وعدمه، والإرادة وعدمها محالها مشتركة بين هذه النقائض.
стр. 199
وهي وجودية، وظهر أن الوجود والعدم يشتركان في الأمور الوجودية والعدمية، فدعوى عدم الاشتراك لا تتم.
وقوله في تفسير الاستحقاق: ((الأول ظاهر الفساد)).
يعني: أن الذم ليس مؤثرا في فاعل القبيح، بل الذم لا يؤثر لفي شيء لتعذر التأثير في الكلام، والذم إنما هو كلام، وإلزامه الدور على الثاني غير لازم؛ لأن مدلول الاستحقاق قد يكون مجهولا لشخص، والحسن معلوما له، وبالعكس عند شخص آخر، والحدود والرسوم إنما هي بحسب حال السائل، فرب شخص يعرف الحقيقة لازما، فيعرف له بذلك اللازم، وغيره بجهله، فلا يعرف له به، أو يقول: ليس معنى أن المالك يستحق الانتفاع بملكه أنه يحسن منه ذلك، بل معناه أن الله - تعالى - أذن له فيه، وهو أخص من الحسن؛ لأن الحسن هو الذي لا نهى فيه، وعدم النهي أعم من ثبوت الإذن، بدليل فعل البهائم، وحينئذ نقول: لفظ الإذن لم يقع في تفسير الحسن أصلا فلا دور، وقد تكون الألفاظ يجهل منها ما هي موضوعة له، وإن كانت المعاني في أنفسها معلومة كما تقدم بسطه في حد العلم، وإنه يصح تعريفه بالمعلوم كما تقدم تمامه.
ثم نقول هاهنا معنى ثالث: هو الاستحقاق المقصود في القبيح، وهو ملائمة الذم لفاعل القبيح في نفوس العقلاء الملائمة بين الذم والفاعل غير التأثير والإذن الشرعي، وهذا المعنى ظاهر متبادر للذهن عند سماع هذه اللفظة إذا قال القائل: المحسن يستحق الثناء الجميل، والمسيء يستحق العقاب الوبيل.
معناه: أن ذلك ملائم للطباع، ومناسب عند العقول، كما أن عقاب المحسن منافر عند الطبع، فهذه الملائمة والمنافرة معلومة بالضرورة للعقلاء، ومتبادرة عند سماع اللفظ، فاندفع السؤال.
وقوله: ((الذم قول أو تركه أو فعل أو تركه)).
مثال القول: الشتم.
стр. 200
مثال تركه: ترك رد الجواب عند تعيينه.
مثال الفعل: الضرب.
مثال ترك القيام في المحافل عند تعيينه، ويرد عليه أن الذم في اللغة إنما هو اللفظ ليس إلا، والأقسام الثلاثة لا تسمى ذما، فتفسير الذم بها لا يصح.
وقوله: ((يدل على اتضاح حال الغير))، الغير هاهنا المذموم، أي: يتضح حاله عند الذام، فكذلك لما فسره بالنفرة استحال في حق الله - تعالى - لتعذر النفرة الطبيعية عليه، ويرد عليه أن الذم لفظ دال كما قال على النفرة، ولا يلزم من فني المدلول وتعذره في حق الله - تعالى - انتفاء الدال الذي هو الذم، والتحديد إنما وقع به، وما تعين نفيه في حقا لله تعالى، فإنا لآيات الدالة على التجسيم استحال مدلولها في حق الله - تعالى - ما بطل كونها دالة على تلك الأمور من التجسيم، فإن الدلالة الظنية قد توجد بدون مدلولها، فالقبيح هو الذي يحسن ورود هذه الألفاظ الدالة على النفرة في حق فاعله، سواء تحققت النفرة في نفس الذام أم لا، وكذلك إن آخذناه بذم الشخص على الفعل الحسن لغرض من الأغراض، وهو يعتقد أنه فعل حسن، ولا نفرة في نفسه، ومع ذلك لا يقال: إنه ليس بذم، فالحاصل أن التحديد وقع بالذم / وهو باق في حق الله - تعالى - ولم يقع بمدلوله فلا يضر انتفاؤه.
وقوله: ((هذه الإشكالات غير واردة على قولنا، لأن القبيح عندنا هو المنهى عنه شرعا، والحسن ما ليس منهيا عنه)).
يرد عليه أن القبيح عندنا يعتمد المفاسد كما أن الأمر يعتمد المصالح، فقلنا بالصفحة كما قالوا بها، غير أنا قلنا على سبيل التفصيل، وهم قالوا بها على سبيل الوجوب، وعندنا المحرم ملزوم للذم فقد قلنا بالذم، وعندنا ليس له
стр. 201
أن يفعله شرعا، فيرد علينا جميع ما ورد عليهم في الصفة والاستحقاق والذم، وجميع الأسئلة.
قوله: ((وإذا قلنا: الحسن هو الذي يصح من فاعله أن يعلم أنه غير ممنوع عنه دخل فيه فعل الله - تعالى -؛ لأن وجوب ذلك العلم لا ينافي صحته)).
تقريره: أن الصحة والقبول، والإمكان معنى واحد ينقسم إلى: الإمكان العام، والإمكان الخاص، فالإمكان العام: هو سلب الضرورة عن أحد الطرفين، والإمكان الخاص: سلب الضرورة عن الطرفين معا، أعني طرفي الوجود والعدم.
بيانه: أن الواجب وجوده ضروري، وعدمه ليس ضروريا، فقد سلبنا الضرورة عن أحد طرفيه وهو العدم، والمستحيل عدمه ضروريا، ووجوده ليس ضروريا، فقد سلبنا الضرورة عن أحد طرفيه وهو الوجود، والممكن لا ضرورة في وجوده ولا في عدمه، فقد سلبنا عن أحدهما، فعلم أن سلب الضرورة عن أحد الطرفين يصدق على الواجب والممكن ولامستحيل، والإمكان الخاص لا يصدق إلا على الممكن خاصة، فهو يريد بقوله: يصح من فاعله أن يعلم بالتفسير الأعم الصادق على الواجب الوجود، فلذلك قال: وجوبه لا ينفاي صحته، لما سبق إلى الذهن أن الصحة لا يفهم منها إلا المعنى الأخص المنافي للوجوب، فأخبر أنه يريد المعنى الأعم.
((سؤال))
قال النقشواني: جعل الإمام الحكم الشرعي منفسما إلى أقسام، هذا هو القسم الثاني، فيكون الحكم الشرعي منقسما إلى الحسن والقبيح، فيكون الحسن والقبيح حكمين شرعيين، مع أنه حدا لحكم بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلفين، فعلى هذا بطل قوله: إنه يندرج في الحسن فعل الله
стр. 202
تعالى؛ لأنه ليس خطابه المتعلق بفعل المكلفين، ولذلك لا يندرج فعل البهائم والنائم والساهي، والأفعال قبل ورود الشرع يلزمه أن تكون حسنة، وأنها خطاب الله تعالى، فثبت خطاب الله تعالى حيث انتفي خطابه، وهو تناقض ظاهر.
جوابه: أن التقسيم قد يقع في الأعم والأخص مطلقا، فيجب صدق المقسم إلى جميع أقسام المقسم إليه، كتقسيم الحيوان إلى الناطق والبهيم، وتقسيم الناطق إلى الرجل والمرأة، فيجب صدق الحيوان على الرجل والمرأة، وجميع أقسامها؛ لأن المقسم أعم مطلقا، وتارة يقع التقسيم في الأعم من وجه، كتقسيم الحيوان إلى الأبيض والأسود، فلا يجب صدق الحيوان على جميع ما ينقسم إليه الأبيض والأسود، فلا يجب صدق الحيوان على جميع ما ينقسم إليه الأبيض ومن الجير واللبن، ولا جميع ما ينقسم إليه الأسود من القار والقطران، إذا تقرر هذا فمن التزم أصل التقسيم الذي هو أعم من التقسيم في الأعم مطلقا لا يرد عليه ما يلزم على أحد نوعيه، كما أن من التزم أنه قتل حيوانا لا يلزمه ما يلزم من قتل إنسانا، ولا من قال معي عدد أن يلزمه أن يكون زوجا، ولايلزمه لوازم الزوجية التي هي أحد أنواع العدد، لأنه إنما التزم الأعم، كذلك التقسيم إنما التزم التقسيم الذي هو أعم مطلقا، والحكم هاهنا أعم من الحسن من وجه، لا عموم مطلقا، والحسن ينقسم إلى ما هو حكم، وإلى ما ليس فيه حكم، كما ينقسم الأبيض إلى ما هو حيوان، وإلى ما ليس بحيوان، فكما لا يلزم صدق الحيوان على الجير لا يلزم صدق الحكم الشرعي على فعل الله تعالى، وما قيل معه، وهذا الجواب جليل ينفعنا في تقسيم العلم إلى التصور والتصديق، مع انقسام التصديق إلى العلم والجهل، فيلزم صدق العلم على الجهل، وفي تقسيم حكم الذهن بأمر على أمر، ثم قسم إلى الشك الذي لا حكم فيه، وقد تقدم تقريره، فتأمل هذا الجواب تجد نفعه إن شاء الله تعالى.
стр. 203
قَالَ سراج الدين: إنما تتم الإشكالات بإثبات الحصر في الأقسام المذكورة، ونفي كل واحد منها بخصوصه وعمومه، ولم تقم الدلالة على واحد منهما.
يريد بالإشكالين قول الإمام: ((ليس له أن يفعله))، أنه يقال لأربعة، والكل باطل هذا أحدهما.
والثاني: إشكال الاستحقاق فهو يعني أن التقسيم في الإشكالين وقع بين الثواب، والتقسيم إنمنا يكون حاصرا إذا وقع بين النفي والإثبات، أو بين ثوابت معلوم الحصر فيها بالضرورة نحو: العدد إما زوج أو فرد، وزيد إما متحرك أو ساكن، وليس هذا منها، فالحصر ليس بثابت ولا حاصل.
وقوله: ((نفي كل واحد منها بخصوصه وعمومه)).
يريد أن القسم قد ينتفي من حيث خصوصه، ويبقى عمومه كما ينتفي الإنسان من حيث هو ناطق، ويبقى عمومه، وهو كونه حيوانا، كذلك هاهنا اشتركت الأقسام كلها في أنه ليس له أن يفعله، فسلب هذه اللام الدالة على المكنة، والإذن، والاختصاص هو مشترك، ولعله يبقى بعد نفي كل واحد من الخصوصيات وحده لصلاحيته للاستقبال؛ فإن الكلي قد يكون نوعا أخيرا لا يحتاج لنوع آخر يكون فيه، أو في نوع آخر غير المذكورات، وكذلك أقسام الذم هي مشتركة في مطلق الدال على اتضاح حال المذموم في نفس الذام، فلعله يبقى مستقلا بعد نفي الأقسام، أو في نوع آخر غير المكذورة؛ لعدم إقامة الدليل على الحصر في هذه الأقسام. هذا تقرير كلامه.
وجوابه: أن هذا الكلام من سراج الدين إنما يلزم إذا دعى نفي هذه الأمور، أما من ادعى نفي إفادتها للتعريف، فيكفيه أن يقول: إنه لم يفهم من لفظك المحاول للتعريف إلا كذا، وتعين أمر أو أكثر من غير حصر، ونقول: هذا الذي فهمته من كلامك لا يصلح للتعريف، وعمومه ما فهمته
стр. 204
مرادا من كلامك، وغير هذا الأقسام التي لم يثبت الحصر يها لم يفهم أيضا من كلامك مع احتمال أن يكون مراده لك، هذا القدر يكفي في الرد على من حاول التعريف بأن يقال له: لم يفهم إلا كذا، وهو لايصلح للتعريف، ولا يلزم مورد هذا الكلام إثبات حصر، ولا نفي عموم هذه الحقائق، ومع ذلك يكون قادحا في التعريف، لأنه يرجع إلى إثبات التعريف، ومنع صلاحيته للإفادة، لا أنه دعوى نفي حقائق حتى يلزم ما ذكره سراج الدين، مع أنه أول سؤال أورده على الإمام، وهو غير وارد.
((تنبيه))
خالفه ((الحاصل)) في العبارة فقال: ((المؤثر يستحق الأثر، والأثر يستحق المؤثر إلى آخره)) ثم قال: وهما غير مرادين؛ لأن الصفة ليست مؤثرة في الذم لتخلفه عنها في الكذب النافع، ولا الذم في الصفة ليست مؤثرة في الذم لتخلفه عنها في الكذب النافع، ولا الذم في الصفة، ولم يتعرض الإمام لهذه الزيادات، وكلامه غير منطبق على ما تقدم؛ لأنهم قالوا: القبيح هو الواقع على صفة لأجلها يستحق فاعله الذم، فجعلوا الاستحقاق بين الفاعل والذم، لا بين الصفة والذم كما جعله هو، فلا ينطبق كلامهم على كلامه، ثم قال: والنفرة على الله تعالى محال، مع أنهم يقبحون الأفعال في حق الله تعالى هذا الكلام أيضا ليس في الأصل، بل قال في الأصل: يلزم ألا يتحقق الحسن والقبح في حق الله تعالى، لما أن النفرة الطبيعية عليه محال، فعبارة الإمام تقضتي أن القبح لا يتصور بالنسبة إلى الله تعالى، أي لا يتصور منه أن يستقبح، لأن المستقبح هو الذي ينفر طبعه بذمه لفاعل القبيح، والله - تعالى - يستحيل عليه أن ينفر طبعه، وهذا متجه، وعبارته هو تقتضي أن الأعفال الصادرة عن الله - تعالى - منها ما هو قبيح، وعلى هذا يكون الذام النافر غيره، على تقدير صدور ذلك القبيح، وهوغير منتظم مع قوله: ((النفرة على الله - تعالى -
стр. 205
محال)) لا يستقيم إلا أن يكون فاعل القبيح غير الله تعالى، والله - تعالى - هو الذام، وعبارة الإمام أقرب لهذا من عبارة ((الحاصل)).
((تنبيه))
قال أبو الحسين في ((المعتمد)): أهل ((العراق)) يطلقون القبيح على المحرم والمكروه ، وما لا بأس بفعله، وهو ما فيه شبهة قليلة، وإن كان مباحا كسؤر كثير من الحيوان، بخلاف شرب الماء من دجلة لا يقال فيه: لا بأس به.
قال: وإنما قلنا: القبيح هو الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذم، ولم يقل: يستحق لاجله الذم؛ لأن القبيح قد يفعله من لا يذم كالجاهل بحاله في وَطء الأجنبية يظنها امرأته، والبهيمة تفعل القبيح كما قال ولا تذم؛ لأن مناط القبيح المفسدة، والبهيمة قد توقع المفسدة بالقتل وغيره ولا تذم، فلذلك لم يذكر تلك العبارة؛ لأنها لا تمشى على طرق أصحابنا، يعني المعتزلة.
قال المازري في ((شرح البرهان)): قال القاضي أبوبكر: الحسن ما للفاعل أن يفعله، والقبيح ما ليس له أن يفعله، كما قاله أبو الحسين.
وقال القاضي أيضا: الحسن ما ورد الشرع بوجوب تعظيم فاعله، والثناء عليه، والقبيح ما ورد الشرع بانتقاص فاعله، وسوء الثناء عليه، فيندرج المباح في الأول دون الثاني قال: ولا يندرج الواجب في الأول؛ لأنه لا يقال له أن يفعله، بل عليه أني فعله، قال: ويبعد في الشرع أن يسمى المباح حسان، والمكروه قبيحا.
قلت: وهذا الاختلاف للمفسرين في قوله: ((ليجزيهم الله أحسن ما عملوا)) فقيل: لمَ لمْ يقل: بحسب ما عملوا ليعم؟
стр. 206
قيل في الواجب: قال: أحسن ليخرج الحسن الذي هو المباح، فإنه لا جزاء فيه، فكان اللفظ منطبقا بناء على أن المباح مسمى حسنا.
وقيل: بل المراد بالأحسن الواجبات، وبالحسن المندوبات، وقال: أحسن، ليدل على المندوب بطريق الأولى؛ لأن منه سهل عليه بذل العطية العليا سهل عليه بذل العطية سهل عليه بذل العطية الدنيا بطريق الأولى.
стр. 207
التقسيم الثالث
قال الرازي: قالوا: خطاب الله تعالى كما قد يرد بالإقتضاء أو التخيير،
فقد يرد أيضا بجعل الشيء سببا وشرطا ومانعا، فلله تعالى في الزاني حكمان: أحدهما: وجوب الحد عليه، والثاني: جعل الزنا سببا لوجوب الحد؛ لأن الزنا لا يوجب الحد بعينه وبذاته بل بجعل الشارع إياه سببا.
ولقائل أن يقول: إن كان المراد من جعل الزنا سببا لوجوب الحد هو أنه قال: ((متى رأيت انسانا يزني فاعلم أني أوجبت عليه الحد)) فهو حق ولكن يرجع حاصله إلى كون الزنا معرفا بحصول الحكم، وإن كان المراد: أن الشرع جعل الزنا مؤثرا في هذا الحكم، فهذا باطل لثلاثة أوجه:
الأول: أن حكم الله تعالى: كلامه، وكلامه قديم، والقديم لا يعلل بالمحدث.
الثاني: أن الشرع لما جعل الزنا مؤثرا في وجوب هذا الحد، فبعد هذا الجعل إما أن تبقى حقيقة الزنا كما كانت قبل هذا الجعل أو لا تبقى: فإن بقيت كما كانت، وحقيقته قبل هذا الجعل ما كانت مؤثرة فبعد هذا الجعل وجب أن لا تصير مؤثرة، وإن لم تبق تلك الحقيقة، كان هذا إعداما لتلك الحقيقة، الشيء بعد عدمه يستحيل أن يكون موجبا.
الثالث: الشرع إذا جعل الزنا علة، فإن لم يصدر عنه عند ذلك الجعل أمر ألبتة استحال أن يقال إنه جعله علة للحد؛ لأن ذلك كذب، والكذب على الشرع محال.
стр. 208
وإن صدر عنه أمر، فذلك الأمر إما أن يكون هو الحكم، أو ما يوجب الحكم أولا الحكم ولا ما يوجبه.
فإن كان الأول، كان المؤثر في ذلك الحكم هوالشرع لا ذلك السبب.
وإن كان الثاني، كان المؤثر في ذلك الحكم وصفا حقيقيا، وهذا هو قول المعتزلة في الحسن والقبح، وسنبطله، إن شاء الله تعالى.
وإن كان الثالث فهو محال لأن الشارع لما أثر في شيء غير الحكم، وغير مستلزم للحكم لم يكن لذلك الشيء تعلق بالحكم أصلا.
قال القرافي: قوله: ((التقسيم الثالث ...) إلى آخره هذا القسم يسمى خطاب الوضع والإخبار.
معناه: أن الله - تعالى - شرح لأحكام الإقتضاء، والتخيير أسبابا وشروطا، وموانع، وزاد غيره التقديرات، وهي: إطاء الموجود حكم المعدود، وإعطاء المعدوم حكم الموجود، كتقدير النجاسة المعفو عنها معدومة، ويسير الضرر والجهالة وتقدير الأعيان في السلم، والديون في السلف ونحوه في الذمة مع أنها معدومة.
وقوله: ((أول التقسيم قالوا)): يعني العلماء؛ لأن المعتزلة، والسنة ولاجميع قائلون بخطاب الوضع، غير أنا نفسره بالمعرف، والمعتزلة بالمؤثر.
قوله في الوجه الثاني: ((إن لم تبق الحقيقة كما كانت كان ذلك إعداما لها))، ممنوع؛ لأن الشيء يصدق عليه أنه ما بقي كما كان بأن يعدم، أو بأن يزيد فلعله هاهنا بالزيادة، وهو الواقع عند الخصم، فلا يتم قوله، والشيء بعد عدمه لا يؤثر، لأنها عدمت حينئذ من جهة بقائها على ما كانت عليه، لا من جهة هلاكها في نفسها.
стр. 209
قوله في الوجه الثالث: ((وإن كان القسم الثاني كان المؤثر في الحكم وصفا حقيقيا، وهو المقر له في الحسن والقبح)).
معناه عدهم: أن الله - تعالى - خلق المهلكات للأجسام كالسم وغيره، وجعل فيها وصفا يقتضي الهلاك، وخلق المصلحات للأجسام كالأغذية وغيرها، وجعل فيها وصفا يقتضي الصلاح، فهذان الوصفان في القسمين مخلوقات لله صدرا عنه، وهما يؤثران في القبح والحسن والتحريم والتحليل، فظهر أن القسم الثاني هو مذهب المعتزلة.
((سؤال))
قال النَّقْشّوَانِيُّ: قوله في الوجه الثاني بعد هذا الجعل ((إما أن تبقى الحقيقة كما كانت أولا)) ، إنما يصح إذا كان الجعل حادثا، ويكون الجعل طارئا، لكن الجعل قديم؛ لأنه وربط الله - تعالى - الحد بالزنا في كلامه النفساني، أو علمه، وتقديره على رأي المعتزلة، على تقدير وجود الزاني بشروطه.
جوابه: أن الجعل يصدق مع القدم، بالنظر إلى ذات الممكن، فإن الله - تعالى - إذا قدّر وجود العالم، أو غيره من الممكنات صار واجبا أن يوجد، ولا التقدير، وما أضيف إليه من جهة الله - تعالى - لم يكن ليجب وجوده، فيصح عليه أن جعل واجبا، بمعنى صير، باعتبار ما يستحقه لذاته.
قال الفارسي في ((الإيضاح)) وجعل لها خسمة معانٍ.
صير: نجو جعلت الطين خزفاً.
стр. 210
وسمى: نحو قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثا)) أي سموهم لتعذر وصولهم لذواتهم.
وشرع في التفعل: نحو جعلت أبتسم لزيد.
وألقى: نحو جعلت متاعك بعضه على بعض، أي ألقيته.
وبمعنى خلق: نحو قوله تعالى: ((وجعل الظلمات ولانور)) أي خلقها، والتصيير صادق في الممكن إذا صار واجبا لغيره بعد ما كان ممكنا لذاته بعدية قبلية لا زمانية.
وقد قال الإمام في ((الأربعين)) وغيره: إن التقديم والسبق له خمسة معان: أحدها: التقديم العقلي، وإن عدم التقديم بالزمان.
стр. 211
سؤال
قال سراجُ الدِّينِ: يرد على الأول لعلهم أرادوا بجعل الزنا سببا تعلق الحكم به، ومعناه نفس تعلق الكالم النفساني، او التقدير الأزلي بارتباط الحد بالزنا.
جوابه: لا يمكنهم أن يريدوا ذلك، لأن المقصود في هذها المقام إنما هو التأثير، وسائر التعلقات لا تؤثر إلا تعلق القدرة، ولا مدخل للقدرة في الأحكام، فتفسير بمطلق التلعق غير سائغ.
((سؤال))
قال سراجُ الدِّينِ: يرد على الوجه الثالث أن الصادر عن صاحب الشرع المؤثرية، وهي غيرهما.
يعني: صدر عن صاحب الشرع المؤثرة التي جعلها في الزنى، وهي غير الوصف الحادث في الأفعال المحدثة.
جوابه: أن هذا التفسير راجع للمقسم الثاني، وهو قوله: ما يوجب الحكن، فإن الموجب عبارة عما يكون له صفة المؤثرية، لأن عند فرض عدمها يستحيل أن يوجب الحكن، وهذا الذي وعد أنه يبطله على المعتزلة من الصفات المؤثرة في الأحكام.
فقوله: ((ما يوجب الحكم)) اندرجت فيه المؤثيرة، فإن الوصف الحقيق الذي ذكره إنما أورده بوصف المؤثرية، وهو مراد المعتزلة، ولم تجعل المعتزلة الصفات موجبة للحكم مع عمد المؤثرية، بل مع تحققها.
((تنبيه))
زاد في ((الحاصل)) بعد قوله: إن أرادوا بالسببية الإعلام، فهو حق، لكنه
стр. 212
ليس حكما شرعيا، فسلب كونه حكما شرعيا لم يصرح به في الأصل، ولا صرح به غيره، ولا كان يليق التصريح به؛ لأن خطاب الوضع أحكام شرعية، غير انها غير أحكام التكليف.
قال التبريزي: إن ورد بالإقتضاء والتخيير فهو التكليف، وإلا فإما أن يتضمن إنشاء وهو إفادة أمر لإفادة الفهم لأمر، نحو بعت، واشتريت، وطلقت في معرض الحكاية، وهو خطابا لوضع، وحصر أثقسامه أن المنشأ إما نفس مفهوم أمر، أو تعلق أمر بأمر.
الأول محله إما الأعيان أو هيئاتها، وهي الاستعدادات القائمة بها، أو الحوادث من الأفعال، والأقوال وغيرها، والثابت في الأعيان إما لغرض الانتفاع، أو غرض تركه، والثابت للانتفاع قد يكون محض ضعف السبب، كما في التحجير قبل تمام الإحياء، أو لقيام مانع، إما مع تنجز الاستعداد كما في الكلب والسرجين، أو مع تأخره كما في جلد الميتة والخمرة المحترمة، فهو للإختصاص، وإن كان لانتفاع كامل فإما انتفاع عام بخصوص الأكل والوقاع، وكيفما كان، فإما أن يكون مرادا في جنسه، أو بالنظر إلى أعيان الأشخاص، فالثابت للعموم في جنسه هوا لطهارة، والثابت للخصوص في جنسه هو الحل، والثابت لأعيان الأشخاص في النوعين إن كان لأصل التمكين، فهو الملك، ويدخل فيه ملك اليمين، وملك النكاح المعبر عنه بالزوجية، وإن كان لدوام التمكين فهو العصمة، والثابت لغرض ترك الانتفاع إن كان على العموم، فهو النجاسة، أو لخصوص الأكل، والوقاع فهو الحرمة، وهي غر حمة الأفعال الاثبتة بخطاب التكليف، كما أن حل الأعيان غير حل الأفعال.
стр. 213
وأما الثابت في الهبات فهو الاستحقاق، كاستحقاق منافع الأعيان، واستحقاق إجراء الماء، والمرور، والبناء، وأمثالها، وقد يضاف الاستحقاق إلى المعاني والأفعال، كاستحقاق البيع، ولافسخ، والشفعة، والحبس، واليد وبينونة الزوج المجنون في القسم.
وقد يعبر عن الاستحقاق بالملك، وأما الثابت في الأفعال فإما الاستحقاق كما ذكرناه من البيع، والفسح، أو الأعتبار، والانعقاد، ولاصحة، والعقود، واللزوم، والبطلان، والفساد، وهو أوصفا الإنسان، ووجه الحصر هو أن الفعل إن كان وجوده كعدمه في نظر الشرع، فهو الفاسدد ولاباطل واللغو، إلا أن البطلان، والفساد لا يطلقان إلا على ما له اعتبار في حال ما، وإن لم يكن كذلك فهو المعتبر غير منعقد، ثم إن المعتبر إن لم يفتقر في تمام السببية إلى أمر فهو المنعقد فإن توفر عليه حكمه فهو النافذ، وإن لم يقبل الفسخ فهو اللازم، والصحيح قد يرادف النافذ، وقد يرادف المنفذ إلا أنه يختص بالعقود والعبادات.
والفسح: هو حل ارتباط العقود.
وأما ما يفيد تعلق أمر بأمر، فالمعلق لا بد وأن يكون أمرا شرعيا، وإن لم يكن المعلق به شرعيا، لأن الحقيقي إن لم يكن علق بالشرعي كان محالا وإن علق بالحقيقي لم يكن للتعليق شرعا، ولا إنشاء، ثم المعلق إن كان ثبوتيا فالمعلق به سببا أو نفيا، فالمعلق به إن كان وجودا فهو المانع، أو عدما فوجوده شرطا.
هذا تمام الحصر وهو من أقسام الأحكام الشرعية، وتسميها الفقهاء المعاني المقدرة، وليس ذلك مجرد حصول الآثار، وترتب المقاصد فإنها معللة بها كتعليل جواب الانتفاع بالملك، ووجوب الضمان بالعصمة، وكذلك كونه سببا ليس هو مجرد ثبوبت الحكم عنده كما ظنه المصنف، فإنا تطلب السببة بعد العلم بالثبوت عنده قطعا، ويستدل عليها بالأدلة الشرعية، ثم تارة بين أنه السبب، وتارة غيره للأعم، أو الأخص، أو المساوي، فدل على أن العلم بالسببية غير العلم بالثبوت عنده.
стр. 214
هذا كلام التبريزي في خطاب الوضع وفيه فوائد، ويحتاج بعضه إلى البيان فأقول: أما قوله: نحو بعت، واشتريت في معرض الحكاية، إن أراد أن صورة الإنشاء تحاكي الخبر المحتمل للتصديق، والتكذيب في الصورة لا في المعنى صح، وإن أراد أنه البائع إذا حكم صدر عنه عند العقد يكون ذلك إنشاء، فليس كذلك، بل هذا خبر صرف، ويتحصل في أقسامه التي قصد بها بيان الحصر أن التحجير في الموات قبل الإحياء، وتمكين صاحب الكلب والسرجين منه، وجلد الميتة، والخمر التي تكون ليتيم قد يرى فيها الحكام والعصمة بين الزوجين، وكون العين نجسة، والاستحقاق والاعتبار، والصحة، والنفوذ، واللزوم، والبطلان والفساد والفسخ أحكام وضعي وليس كذلك، بل التخير هو سبب في نفسه، ويترتب عليه منع الغير من ذلك المكان المحجر أن يبنى فيه ملكا بغير إذن المحجر، والمنع تكليف، وتمكين صاحب الكلب، وما معه إذا من صاحب الشرع في الانتفاع بالكلب،
стр. 215
.....................................................................
следующие страницы →