Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
ومنهم من يقول: الأمر يدل على الإجزاء، قاله صاحب
стр. 1507
(المستصفى)، وغيره.
ففي العبارة الأولى: أن الأمر اقتضى شغل الذمة بالمأمور، فكما أن الأمر سبب الشغل، الإتيان بالمأمور به سبب البراءة بعد الشغل.
ومعنى العبارة الثانية: أن الأمر دل على الشغل، ودل على أن الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء؛ لأن الإتيان سبب البراءة وهو مدلول الأمر، ومدلول المدلول مدلول، فالبراءة مدلول الإجزاء.
وعبارة الكتاب أكثر في كلامهم، وأقرب في التعبير؛ فإن جعل الأمر دالا إنما هو بواسطة - كما تقدم - وكون الإتيان سبب البراءة بغير واسطة، وإضافة الحكم لما هو بغير وسط أولي.
قوله: " إنما يكون الفعل كافيا في سقوط الأمر به إذا كان مستجمعا لجميع الأمور المعتبرة فيه من حيث وقع الأمر به ".
стр. 1508
تقريره: أن المعتبر فيه قد يكون من حيث الأمر به كالطهارة، والستارة وغيرهما في الصلاة، وقد يكون معتبرا فيه من حيث إيجاده كالقدرة الربانية الخالقة للأفعال والإرادة، وغير ذلك من أشراط الجواهر في قيام الأعراض بها، فهذا أو ما شبهه لا مدخل له في الإجزاء بخلاف القسم الأول.
قوله: " لو أتى بالفعل مع اختلاف بعض شرائطه، ثم مات لم يكن مجزئا مع سقوط القضاء ".
قلنا: إنه مات قبل خروج الوقت، والقضاء إنما يجب إذا خرج الوقت، فقد وجد عدم القضاء ولم يوجد الإجزاء، فلو كان شيئا واحدا لما وجد أحدهما بدون الآخر؛ لأن الشيء لا يوجد بدون نفسه، وقد تقدمت هذه الوجوه الثلاثة أول الكتاب، وتقريرها والأسئلة عليها، فلا يطول بإعادتها.
قوله: " يقتضي الإجزاء خلافا لأبي هاشم ".
تقريره: أن أبا هاشم يقول: الإنسان ولد بريئا من جميع الحقوق، وورود الأمر اقتضى شغل الذمة بفعل مرة في زمن فرد، أو بعدد من الأفعال في زمن الأزمان، ويبقى العدم بعد الأفعال مستفادا من البراءة الأصلية كالأعدام الكائنة قبل التكليف، فالاتفاق واقع على حصول البراءة، وعدم التكليف بعد الفعل، لكن النزاع في المدرك.
فالجماعة يقولون: هو أمران: الإتيان بالمأمور به مع البراءة الأصلية، وقد زاد فيها الإتيان في هذه الصورة - أعني بعد الفعل - وانفردت البراءة ببراءة الذمة قبل التكليف.
وأبو هاشم يقول: المدرك قبل التكليف، وبعد فعل المكلف به، وهو البراءة فقط.
ونظير هذه المسألة: قول القاضي أبي بكر في مفهوم الشرط توافق على عدم المشروط عند عدم الشرط المعلق عليه.
стр. 1509
ويقول: المدرك هو استصحاب حال المشروط لا لفظ التعليق.
(تنبيه)
قال المصنف: المخالف أبو هاشم وأتباعه .
وقال سيف الدين: القاضي عبد الجبار وأتباعه قال: والإجزاء يراد به الامتثال، ويراد به سقوط القضاء.
واتفق الكل على حصول الامتثال، وإنما خالف عبد الجبار في التفسير الثاني، فقال: لا يمنع من القضاء بعده، كذلك صرح به في كتاب (العمد) له.
قلت: وكذلك رأيته لعبد الجبار في كتاب (العمد) له، وشرحه أبو الحسين في شرح المعتمد، كما قرره سيف الدين.
ويجوز أن يكون أبو هاشم وافقه، غير أن النقل - كما قال - سيف الدين - فاسد لأن الأصحاب - كإمام الحرمين وغيره - على كون الفعل يوجب الخروج عن العهدة، وهو ساقط؛ لأنه استدلال في موضع الوفاق، وليس النزاع في إمكان ورود أمر بعده، وإنما النزاع في الورود به موصوفا بصفة القضاء، والحق نفيه؛ لأن الفعل إذا كان كاملا في نفسه امتنع القضاء إجماعاً، فإنه سمي الأمر الوارد بمثل تلك العبارة خارجا عن الوقت مع تقدمها على وجه الكمال قضاء، فهذا نزاع في تسميته ونسلم له جواز الأمر بمثل ذلك.
قوله: " أتى بما أمر به، فوجب أن يخرج عن العهدة ".
قلنا: هذا متفق عليه، إنما النزاع في الدليل المخرج عن العهدة كما تقدم.
стр. 1510
قوله: " لأنه لو لم يخرج عن العهدة، لبقي الأمر متعلقا بذلك المأتي به، أو بغيره ":
قلنا: هذا البحث لا يتجه على أبي هاشم؛ لأن الأمر ما بقي عنده متعلقا، ولا يلزم من قولنا: " لبقي متعلقا " أن يكون دالا على العدم، أو الإتيان بالمأمور به سببًا لبراءة لذمة مجازًا فلا يكون متعلقًا ولا هو دال، والإتيان بالمأمور به سبب وأن يكون الحق هو دلالة البراءة فقط، وكلامكم لا يفيد خلاف ذلك، بل أمر لا تعلق له بالمتنازع فيه.
قوله: " إن خرج عن العهدة بما يصدق عليه الاسم، حصل المطلوب ":
قلنا: ما يحصل المطلوب؛ فإن براءة الذمة متفق عليها، بل بينوا سببية الإتيان بالمأمور به.
قوله: " لو لم يقتض الإجزاء، لجاز أن يقول السيد لعبده: (افعل) فإذا فعلت لا يجزئ عنك " فإنه متناقض ":
قلنا: الإجزاء حاصل إجماعا، إنما النزاع في الدلالة هل هي بالنص أو بالبراءة الأصلية؟ ولا نزاع -أيضا - أن الأمر ما بقي متعلقا بفعل آخر، إنما النزاع في تعلقه بعدم الفعل لا بالفعل.
وأنتم تقولون: بقي متعلقا بعدم الفعل.
وأبو هاشم يقول: لم يبق متعلقا لا بالفعل ولا بعدمه.
قوله: " النهي لا يدل على الفساد، فالأمر لا يدل على الإجزاء ".
تقريره: أن النهي له مدلول واحد وهو الإنزجار عن الفعل.
وهل يدل مع ذلك على الفساد، وهو عدم ترتب المنهي عنه عليه أم لا؟
مذهبان، فرع على عدم الدلالة، فيكون له على هذا التقدير مدلول واحد،
стр. 1511
فقال الأمر أيضا وجب إذا دل على طلب الفعل ألا يدل على شيء آخر، وهو براءة الذمة، بجامع أن أحدههما ضد الآخر.
والعرب تحمل الشيء على ضده، كما تحمله على مثله، كما حملت (لا) النافية في العمل في الاسم المضاف، ونصبت بها كما تنصب بـ (إن) المؤكدة، وهي ضدها؛ لأن هذه للإثبات، وهذه للنفي، وحملت (الغدايا) على (العشايا) في الجمع، و (غدوة) لا تجمع على (فعالى)، وحملت (حدث) على (قدم) إذا اجتمعا، فضموا الدال من (حدث) وهي مفتوحة؛ أو لأنهما مشتقان من مصدر واحد.
والأصل في اتحاد الأصل اتحاد الفرع، إلا ما أجمعنا على الخلاف فيه.
ويرد عليه: أنا نمنع إيجاد مدلول النهي، بل يدل على الفساد.
قوله: " الأمر بالشيء لا يفيد إلا كونه مأمورا ".
قلنا: هذا مصادرة على مذهب الخصم، بل يدل على أمر آخر وهو الإجزاء.
قوله: " المنهي عنه لا يمتنع أن يكون سببا للحكم ".
تقريره: أن السبب الشرعي ليس من شرطه أن يكون مأذونا في مباشرته، وقد يكون محرما كالسرقة سبب للقطع، وسقوط العدالة، والزنا سبب للرجم، والحرابة سبب للصلب والقتل، فجاز أن ينهى إنسان عن فعل، وإذا فعل جعله سببا لأحكام أخرى، ومتى كانت له آثار لا يكون دالا على الفساد، وقد رتب الشارع على إفساد الحج وجوب الإتمام، وكذلك على فساد الصوم وجوب الإمساك، فلا تناقض بين التحريم، وترتيب أحكامه عليه إذا وقع.
أما المأمور به إذا بقيت بعده الذمة غير بريئة لا يكون أتى بجميع ما أمر به، فيلزم التناقض وعليه ما علمت
стр. 1512
قوله: " الإتيان بالمأمور به يقتضي ألا يبقى الأمر بعد ذلك مقتضيا، وذلك هو المراد ".
قلنا: مسلم أنه لا يبقى مقتضيا، لكن فرق بين عدم الاقتضاء، واقتضاء العدم، والنزاع في الثاني لا في الأول، وإن عنيتم بالاقتضاء أنا عقيب الإتيان بالمأمور به نجزم بأنه لم يبق شيء في الذمة، وإن هذا الجزم موقوف على العلم بأنه أتى بالمأمور به، فهذا حق، وإلا تناقض مذهب أبي هاشم في أن ذلك لأجل البراءة الأصلية.
(تنبيه)
زاد التبريزي، فقال: في تفسير الإجزاء سقوط القضاء ، هذا إنما يستقيم إذا قلنا: القضاء بالأمر الأول، وإلا فلا معنى لسقوط ما لا دليل عليه.
***
стр. 1513
المسألة الرابعة
قال الرازي: الإخلال بالمأمور به، هل يوجب فعل القضاء أم لا ؟
هذه المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى: الامر المقيد، كما إذا قال: افعل في هذا الوقت، فلم يفعل؛ حتى مضى ذلك الوقت، فالأمر الأول، هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت؟ الحق: لا؛ لوجهين:
الاول: أن قول القائل لغيره: " افعل هذا الفعل يوم الجمعة " لا يتناول ما عدا يوم الجمعة، وما لا يتناوله الأمر، وجب ألا يدل عليه بإثبات، ولا بنفي، بل لو كان قوله:" افعل هذا الفعل يوم الجمعة " موضوعا في اللغة لطلب الفعل في يوم الجمعة، وإلا ففيما بعدها، فهاهنا: إذا تركه يوم الجمعة، لزمه الفعل فيما بعده، ولكن على هذا التقدير: يكون الدال على لزوم الفعل فيما بعد يوم الجمعة، ليس مجرد طلب الفعل يوم الجمعة، بل كون الصيغة موضوعة لطلب يوم الجمعة وسائر الأيام.
ولا نزاع في هذه الصورة، وإنما النزاع في أن مجرد طلب الفعل يوم الجمعة لا يقتضي إيقاعه بعد ذلك.
الثاني: أن أوامر الشرع تارة لم تستعقب وجوب القضاء، كما في صلاة الجمعة، وتارة استعقبته، ووجود الدليل مع عدم المدلول خلاف الأصل، فوجب أن يقال: إن إيجاب الشيء لا إشعار له بوجوب القضاء، وعدم وجوبه.
стр. 1514
فإن قلت: " إنك لما جعلته غير موجب للقضاء، فحيث وجب القضاء، لزمك خلاف الظاهر!! ":
قلت: عدم إيجاب القضاء غير، وإيجاب عدم القضاء غير ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني، وأنا لا أقول به، أما على التقدير الأول: فغايته أنه دل دليل منفصل على أمر لم يتعرض له الظاهر بنفي، ولا إثبات؛ وذلك لا يقتضي خلاف الظاهر.
الصورة الثانية: الأمر المطلق، وهو أن يقول: (افعل) ولا يقيده بزمان معين، فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان، فهل يجب فعله فيما بعده، أو يحتاج إلى دليل؟
أما نفاة الفور: فإنهم يقولون: الأمر يقتضي الفعل مطلقا، فلا يخرج عن العهدة إلا بفعله، وأما مثبتوه: فمنهم من قال: إنه يقتضي الفعل بعد ذلك وهو قول أبي بكر الرازي، ومنهم من قال: لا يقتضيه، بل لا بد في ذلك من دليل زائد.
ومنشأ الخلاف: أن قول القائل لغيره: (افعل كذا) هل معناه: افعل في الزمان الثاني، فإن عصيت ففي الثالث، فإن عصيت ففي الرابع، على هذا أبدا، أو معناه: افعل في الثاني، من غير بيان حال الزمان الثالث، والرابع؟ فإن قلنا بالأول: اقتضى الأمر الفعل في سائر الأزمان، وإن قلنا بالثاني: لم يقتضه؛ فصارت هذه المسألة لغوية.
واحتج من قال: إنه لا بد من دليل منفصل بأن قوله: (افعل) قائم مقام قوله: افعل في الزمان الثاني
стр. 1515
وقد بينا أنه إذا قيل له ذلك، وترك الفعل في الزمان الثاني، لم يكن ذلك القول سببا لوجوب الفعل في الزمان الثالث، فكذا هاهنا ضرورة أنه لا تفاوت بين اللفظتين.
واحتج أبو بكر الرازي على قوله بأن لفظ (افعل) يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق، وهذا يوجب بقاء الأمر، ما لم يصر المأمور فاعلا.
وأيضا: الأمر اقتضى وجوب المأمور به، ووجوبه يقتضي كونه على الفور، وإذا أمكن الجمع بين موجبيهما، لم يكن لنا إبطال أحدهما، وقد أمكن الجمع بينهما؛ بأن نوجب فعل المأمور به في أول اوقات الإمكان؛ لئلا ينتقض وجوبه، فإن لم يفعله، أوجبناه في الثاني؛ لأن مقتضى الأمر، وهو كون المأمور فاعلا، لم يحصل بعد، والله أعلم
المسألة الرابعة
الإخلال بالمأمور به هل يوجب القضاء
قال القرافي: هاهنا قاعدتان، هما سر البحث في هذه المسألة.
стр. 1516
القاعدة الأولى: أن المقتضى للمركبات في جهة الثبوت، فإذا أوجب الله تعالى الصوم في رمضان فقد أوجب الصوم وزيادة إلزام كونه في رمضان، فالمأمور به مركب من أصل الصوم، واختصاصه المعين.
فإذا فات وصف الزمان بالمتعذر يصير النص كالعام المخصوص إذا بطل الحكم في أحد مفرداته يبقى حجة في الباقي، فيبقى النص هاهنا حجة في أصل الفعل بعد تعذر صومه المخصوص، فيوقعه المكلف بعد ذلك.
فمن لاحظ هذه القاعدة قال: القضاء بالأمر بالأول.
القاعدة الثانية: أن الأوامر تتبع المصالح كما أن النواهي تتبع المفاسد، فإذا أمر الله تعالى بفعل في وقت، فلا بد لتعيين ذلك الوقت من مصلحة تقتضي اختصاص الفعل به؛ لأنه عادة الشرع في شرائعه في رعاية المصالح، وحينئذ إذا خرج ذلك الوقت لا يعلم هل الوقت الثاني مشارك الوقت الأول في المصلحة أم لا؟
فإن من قال لغلامه قبل الفجر بيسير في رمضان: اسقني الآن ماء، فتركه إلى نصف النهار ثم أتاه بالماء، فهذا الوقت لا يشارك ذلك الوقت في مصلحة السقي، وأنه قبل الفجر يتقوى به على الصوم، والآن يفسد عليه
стр. 1517
الصوم، واذا حصل الشك في اشتراك الأوقات في المصالح لم يثبت وجوب الفعل الذي هو القضاء في وقت أو آخر إلا بدليل منفصل، وإن كان في بعض الصور قد علم مشاركة الأوقات في تلك المصلحة إلا أن ذلك يكون بدليل من خارج في خصوص تلك المادة لا من جهة الأمر بما هو أمر، وأيضا تقدم أن الخصوصات قد تكون شروطا في المعاني الكلية، فلعل خصوص هذا الزمان شرط فقد فيعدم المشروط، فمن لاحظ هذه القاعدة قال: القضاء بأمر جديد وهو مشهور المذاهب، فهذا سر المسألة.
قوله: " إذا قال له: افعل يوم الجمعة لا دلالة له على غير يوم الجمعة ".
قلنا: كلامكم يقتضي أن الامر لا يدل على يوم آخر غير يوم الجمعة، وهذا لا نزاع فيه، إنما النزاع في تناوله للفعل من حيث هو فعل، ويختار المكلف زمانا يوقعه فيه، فيكون الزمان الثاني من ضرورة إيقاع مطلق الفعل، لا أنه مدلول الأمر الأول.
قوله: " وردت الأوامر مع عدم اقتضاء القضاء، والأصل عدم مخالفة الدليل ".
قلنا: الأصل معارض بأصل آخر، وهو أن الأصل بناء الفعل في زمنه، والأمر دال عليه، ولم يأت به.
قوله: " عدم إيجاب القضاء غير إيجاب عدم القضاء، ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني دون الأول ".
تقريره: أن النص إذا لم يوجب القضاء لم يكن معترضا لعدم القضاء، ولا للقضاء، فالدال على القضاء بعد ذلك ليس بينه وبين النص الأول معارضة، فما خولف الظاهر. أما إذا أوجب النص الأول عدم القضاء حصل بينه وبين الدال على القضاء ثانيا معارضة.
стр. 1518
فواجب الظاهر من جهة إيجاب عدم القضاء، لا من جهة عدم إيجاب القضاء.
قوله: " ومنشأ الخلاف بين القولين: أن قول القائل لغيره: (افعل) هل معناه افعل في الزمان الثاني، فإن عصيت ففي الثالث ".
يريد بقوله: " الزمان الثاني " باعتبار زمان ورود الأمر؛ فإن زمن ورود الأمر هو الأول، وأول أزمنة إمكان الفعل هو الزمن الثاني من الزمن الذي ورد فيه الأمر.
(تنبيه)
القول بالفعل - هاهنا - بعد ذلك أيسر وأوجه من القضاء اذا عين للفعل زمانا ؛ فإن الزمن هاهنا إنما تعين تعينا تابعا لورود الأمر، فلو تأخر الأمر سنة تأخر زمن الفعل ذلك، ولو تقدم تقدم، والزمن التابع للأمر ظاهر الحال أنه ليس فيه مصلحة تخصه، بل المصلحة في نفس الفعل من حيث هو فعل، ولم يؤت بتلك المصلحة فيبقى المكلف في عهدتها، وأما إذا عين الزمان كـ (رمضان) فظاهر الحال أنه ما عينه إلا وفيه مصلحة تخصه، كما أن ظاهر الإطلاق عدم المصلحة في الوقت، ولو أن بين الأزمنة تفاوتا لعين الراجح منها.
قوله: " احتج القائل بعدم الفعل بعد ذلك أن قول القائل: (افعل) قائم مقام قوله: (افعل في الزمن الثاني)، وقد بينا أنه لا يقتضي القضاء، فكذلك هاهنا "
قلنا: الفرق أن قوله في الزمن الماضي يقتضي مفهومه عدم الفعل في غيره من جهة مفهوم الزمان.
سلمنا عدم اعتبار المفهوم، لكن تعين الزمان بالتنصيص يدل ظاهرا على اختصاصه لمصلحة، بخلاف ظاهر الإطلاق يقتضي إلغاء خصوصات الزمان عن الاعتبار
стр. 1519
قوله: " لفظة (افعل) يقتضي كونه فاعلا على الإطلاق ".
قلنا: لا نسلم؛ لأنا نفرع على القول بالفور، وعلى هذا التقدير لا يقتضي الفعل على الإطلاق، بل في الزمن الذي يلي ورود الصيغة، فإذا تعذر ذلك الزمان لا يقتضي أن مقتضى اللفظ باق على حاله، بل يمكن أن يقال: تعذر ذلك الزمان بعض المدلول، وهو الزمان الذي يلي ورود الصيغة، وبقي أصل الفعل، أما أنه يقتضي أنه فاعل مطلقا فلا.
(سؤال)
قال النقشواني: اختياره في هذه المسألة يناقضه اختياره قبل هذا ، أن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز؛ فإن الدال على المجموع في الصورتين قد تعذر جزء مدلوله، فينبغي أن يبقى في الآخر في الصورتين، جوابه أن عرف الاستعمال يقتضي أن تخصيص الأزمنة يقتضي اختصاصها بمصالح فيها، أما الجواز بما هو جواز فلا نجده في عرف الاستعمال يختص بالوجوب، لمصلحة تخص ذلك الجواز، فافترقا ولا تناقض.
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: فعل القضاء إما أن يكون مطابقا بمقتضى وجوب الأداء أو لا، فإن كان الأول وجب أن يتخير بينهما، وليس كذلك، وإن كان غير مطابق وجب ألا يكون مقتضيا؛ لأن مقتضى الأول المطابقة.
ويرد عليه: أن الأمر الأول قد تعين الأفضل في الرتبة الأولى، فإن تعين فالمفضول في الرتبة الثانية، فيصدق عليه حينئذ أنه مقتضى الأول، وليس مطابقا للمقتضى الأول، ولا بجميع المقتضى؛ لأنه بعض المقتضى، والبعض لا يطابق الكل.
стр. 1520
(سؤال)
قال التبريزي على لسان الخصم: إن الزمان في العبادة كالأجل في الدين ، وفوات الأجل لا يسقط الدين، فكذلك في العبادة.
وأجاب عنه: بأن الأجل في الدين مهلة تيسر على الغريم، والدين مقصود بما هودين، فلو فهمنا أن العبادة مقصودة في ذاتها دون الزمان كما فهمنا في الدين قلنا بالقضاء أيضا، لكنا نجوز أن تكون إضافة الفعل - هاهنا - للزمان كإضافة الفعل إلى وقت عرفه ومكانها.
***
стр. 1521
المسألة الخامسة
في أن الأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمرا به
قال الرازي: الحق أن الله تعالى، إذا قال لزيد: " أوجب على عمرو كذلك " فلو قال لعمرو: " وكل ما اوجب عليك زيد، فهو واجب عليك " كان الأمر بالأمر بالشيء أمرا بالشيء، في هذه الصورة، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله: كل ما اوجب فلان عليك، فهو واجب عليك.
أما لو لم يقل ذلك، لم يجب؛ كما في قوله ﵊: " مروهم بالصلاة، وهم أبناء سبع " فإن ذلك لا يقتضي الوجوب على الصبي، والله أعلم.
المسألة الخامسة
الأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمرا بذلك الشيء
قال القرافي: قلت: هذا هو الحق؛ لأن الأمر إنما اقتضى الإيجاب على الأول
стр. 1522
أما الثاني فلا، كما لو قال له " صح على الدابة "، لا يقال إن السيد أمر الدابة، فقوله: (مر فلانا) مثل قوله: (صح على الدابة)
فإن قلت: قد قال ﵇ لعمر بن الخطاب لما طلق ابنه عبد الله ﵄ امرأته في الحيض: " مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء "، واجمعت الأمة على أن ذلك كان واجبا على ابن عمر.
قلت: لكن ذلك الوجوب ليس هو مقتضى صيغة الأمر الصادر من رسول الله ﷺ ، بل فهم عمر وابنه أن مقصود رسول الله ﷺ التبليغ لعبد الله، لا لأن أباه يأمره من قبل نفسه، ولا نزاع إذا فهم التبليغ أن الثاني يكون مأمورا بالأمر الأول، وهل قوله ﵇: " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر " يقتضي تعلق ندب الصبيان، أو ذلك استصلاح لهم كالبهائم؟
قولان للعلماء ﵃.
***
стр. 1523
المسألة السادسة
الأمر بالماهية لا يقتضي الأمر بشيء من جزئياتها
كقوله: بع هذا الثوب، لا يكون هذا أمرا ببيعه بالغبن الفاحش، ولا بالثمن المساوي؛ لأن هذين النوعين يشتركان في مسمى البيع، ويتميز كل واحد منهما عن صاحبه، بخصوص كونه واقعا بثمن المثل، وبالغبن الفاحش، وما به اشتراك غير ما به الامتياز، وغير مستلزم له.
فالأمر بالبيع الذي هو جهة الاشتراك، لا يكون أمرا بما به يمتاز كل واحد من النوعين عن الآخر، لا بالذات، ولا بالاستلزام.
وإذا كان كذلك، فالأمر بالجنس لا يكون البتة أمرا بشيء من أنواعه، بل إذا دلت القرينة على الرضا ببعض الأنواع، حمل اللفظ عليه.
ولذلك قلنا: الوكيل بالبيع المطلق، لا يملك البيع بغبن فاحش، وإن كان يملك البيع بثمن المثل؛ لقيام القرينة الدالة على الرضا به، بسبب العرف، وهذه قاعدة شرعية برهانية، ينحل بها كثير من القواعد الفقهية، إن شاء الله، والله أعلم.
المسألة الساسة
الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من جزئياتها
قال القرافي: قلت: هذا فرد من قاعدة، وهي أن الدال على الأعم غير
стр. 1524
.....................................................
стр. 1525
...............................................................
стр. 1526
دال على الأخص، فإذا قلنا: " في الدار جسم " لا يفهم أنه نام، وإذا قلنا: " إنه نام " لا يفهم أنه حيوان، وإذا قلنا: (حيوان) لا يفهم أنه إنسان، وإذا قلنا: (إنسان) لايفهم أنه زيد.
فإن قلت: الكلي قد ينحصر بنوعه في شخصه كانحصار الشمس في فرد منها، وكذلك القمر، وكذلك جميع ملوك الأقاليم وقضاتها، الأصول تنحصر أنواعهم، في أشخاصهم دائما.
فإذا قلت: (صاحب مصر) إنما ينصرف الذهر للحاضر الملك في وقت الصيغة، وكذلك (قاضي العراق) ونحو هذه النظائر، فيكون الأمر بتلك الماهية الكلية يتناول ذلك الجزئي في جميع هذه الصور.
قلت: لم يأت ذلك من قبل اللفظ، بل من جهة أن الواقع كذلك، ومقصود المسألة إنما هو دلالة اللفظ من حيث هو لفظ.
***
стр. 1527
النظر الرابع في المأمور وفيه مسائل
قال الرازي: المسألة الأولى: قال أصحابنا: المعدوم يجوز أن يكون مأمورا ، لا بمعنى أنه حال عدمه يكون مأمورا، فإنه معلوم الفساد بالضرورة؛ بل بمعنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجوداً في الحال، ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك الأمر، وأما سائر الفرق، فقد أنكروه.
لنا: أن الواحد منا، حال وجوده، يصير مأمورا بأمر الرسول ﵌ مع أن ذلك الأمر ما كان موجوداً إلا حال عدمنا.
وكذلك لا يبعد أن يقوم بذات الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد، وأنه لو قدر بقاء ذلك الطلب؛ حتى وجد الولد، صار الولد مطالبا بذلك الطلب، فكذا المعنى القائم بذات الله تعالى، الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد، معنى قديم، وأن العباد، إذا وجدوا، يصيرون مطالبين بذلك الطلب.
فإن قيل: أمر النبي ﵌ غير لازم على أحد، بل هو ﵊ أخبر أن الله تعالى يأمر كل واحد من المكلفين عند وجوده، فيصير ذلك إخبارا عن أن الله تعالى سيأمرهم عند وجودهم، لا أن الأمر حصل عند عدم المأمور.
سلمنا أن قول الرسول ﷺ واجب الطاعة، ولكن وجد هناك في الحال من سمع ذلك الأمر، وبلغه إلينا، أما في الأزل، فلم يوجد أحد يسمع ذلك الأمر، وينقله إلينا، فكان ذلك الأمر عبثا.
стр. 1528
ثم ما ذكرتموه معارض بدليل آخر، وهو: أن الأمر عبارة عن إلزام الفعل، وفي إلزام الفعل من غير وجود المأمور عبث؛ فإن من جلس في الدار يأمر وينهى، من غير حضور مأمور، ومنهي، عد سفيها مجنونا، وذلك على الله محال.
والواجب: قوله: أمر النبي ﷺ عبارة عن الإخبار، قلنا: من أصحابنا من قال ذلك، وكذلك أمر الله تعالى عبارة عن إخباره بنزول العقاب على من يترك الفعل الفلاني، إلا أن هذا مشكل من وجهتين:
أحدهما: أنا بينا فيما تقدم: أنه لو كان الأمر عبارة عن هذا الإخبار، لتطرق التصديق والتكذيب إلى الأمر، ولامتنع العفو عن العقاب على ترك الواجبات؛ لأن الخلف في خبر الله تعالى محال.
الثاني: أنه لو أخبر في الأزل، لكان: إما أن يخبر نفسه، وهو سفه، أو غيره؛ وهو محال؛ لأنه ليس هناك غيره.
ولصعوبه هذا المأخذ، ذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب التميمي من أصحابنا إلى أن كلام الله تعالى في الأزل لم يكن أمرا، ولا نهيا، ثم صار فيما لا يزال كذلك.
ولقائل أن يقول: إنا لا نعقل من الكلام إلا الأمر، والنهي، والخبر، فإذا سلمت حدوثهما، فقد قلت بحدوث الكلام.
فإن ادعيت قدم شيء آخر، فعليك البيان بإفادة تصوره، ثم إقامة الدلالة على أن الله تعالى موصوف به، ثم إقامة الدلالة على قدمه.
وله أن يقول: أعني بالكلام القدر المشترك بين هذه الأقسام، ويمكن الجواب
стр. 1529
عن أصل الإشكال؛ بأن قاعدة الحكمة مبنية على قاعدة الحسن والقبح، وقد تقدم إفسادها
المسألة الأولى
المعدوم يجوز أن يكون مأمورا
قال القرافي: قوله: " أمر الرسول ﵇ إخبار عن أن الله تعالى يأمر كل واحد منا عند وجوده؛ لا أنه مأمور حالة عدمه ".
قلنا: الحق أن رسول الله ﷺ غير آمر، ولا ناه، ولا مشرع، إنما هو مبلغ عن الله تعالى، والله تعالى هو المشرع وكل مبلغ مخبر، فالرسول ﵇ مخبر، لكن مخبرنا عن الله تعالى أنه أمرنا بأمره القديم الأزلي في الأزل على تقدير وجودنا، كما علمنا بعلمه القديم، وحصل التعلق في الأزل بما سيوجد من الحركات في المستقبل، فكما تعلق العلم بالمستقبل يتعلق الخطاب في المستقبل بالمعدوم، ولا نزاع في ذلك، وأخبر الرسول ﵇ أيضا أنا إذا وجدنا، وحصلت شروط خاصة بذلك الزمان هو زمان تعلق أمر الله تعالى وأحكامه، والكائن قبل تلك الشروط ليس متعلق الحكم فالكلام وتعلقه قديمان كالعلم وتعلقه والمتجدد ومتعلقه، وكما يستحيل وجود علم بلا معلوم يستحيل وجود أمر بلا مأمور، لكن الأمر في الأزل بالتعلق في الأزل على شرائط مخصوصة، وكذلك يتعلق العلم على شرائط مخصوصة، فما علم الله أن زيدا يصير عالما، ويعيش مائة سنة إلا بناء على أسباب كثيرة، وشرائطه متعددة في كل يوم شرائط كثيرة لضرورة الحياة من النفس، والغذاء أو أسباب عادية في الحفظ للعلوم، وغير الحفظ، فالبابان سواء، فكما عقل في أحدهما التعلق في الأزل الذي سيوجد فيما لا يزال، فليفعل في الآخر وأما أنه ﵇ أخبر بتجدد أمر الله تعالى عند وجودنا فممنوع.
стр. 1530
قوله: " وجد في زمانه ﷺ من يبلغ إلينا، أما في الأزل فليس ثم أحد، فكان ذلك الأمر عبثا ".
قلنا: ذكر العبث في هذا المقام من قاعدة الحسن والقبح، ونحن نمنعه، سلمناه، ولكن القبيح أن يتكلم الإنسان بكلامه اللساني، وليس هناك من يسمعه، فهذا قبيح عرفا، أما جلوس الإنسان في خلوته مفكرا في أمر معاده ومعاشه، ولا يكون هنالك أحد فهذا ليس قبحا، بل أجود الفكرة حال الخلوة، ولا معنى للفكرة إلا الكلام النفساني وأنواع الإخبارات، ونحن ما ندعي في الأزل إلا الكلام النفساني الذي لا يقبح حالة عدم الغير، فلا عبث حينئذ على قاعدتنا ولا على قاعدة المعتزلة في الحسن والقبح.
وبهذا التقرير يظهر بطلان قولهم: لو قعد الإنسان في بيته يأمر وينهى، وليس هنالك أحد كان عبثاً.
قوله: " الأمر إلزام للفعل، وإلزام الفعل من غير موجود مأمور محال ".
قلنا: هذه مغالطة، ما ألزم الفعل إلا الموجود؛ لأنه تعالى إذا ألزم في الأزل المكلف على تقدير وجوده، فما ألزمه إلا حالة وجوده، ولم يلزمه حالة عدمه شيئا، ففرق بين إلزام المعدوم إذا وجد حالة وجوده وبين إلزام المعدوم حالة عدمه، المحال إنما هو في الثاني دون الأول، ونحن لا نقول بالثاني فلا محال حينئذ.
قوله: " لو أخبر في الأزل فأما أن يخبر بنفسه، وهو محال ".
قلنا: لا نسلم أنه محال؛ لأن كل عاقل يسند في فكره طول ليله ونهاره، ولا معنى للإسنادات إلا الإخبارات، ومع ذلك أجمع العقلاء على حسنه، فلا يكون في حق الله تعالى قبيحا، بل الله تعالى عالم بجميع معلوماته، ويخبر عن كل معلوم بخصائص صفاته وأحواله، وذلك
стр. 1531
غير متناه في متعلقه، وليس في ذلك محال البتة، بل ذلك واجب عقلا عند أهل الحق على ما قالوه، والله تعالى في الأزل، وما لا يزال مخبرا عن صفات كماله، ونعوت جلاله بعينه بكلامه النفساني، وذا واجب الوقوع عقلا أزلا وأبدا، ولا يسمع ذلك إلا الله تعالى، بسمعه القديم، وإلى هذا الإخبار أشار ﵇ بقوله: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).
معناه: تبارك المستحق هو ثناؤك على نفسك، والله تعالى مثنٍ على نفسه دائما أزلا وأبدا، ولا معنى للثناء إلا الإخبار، فهذا واجب حق لا ينكره إلا من لم يرتض بالعلوم العقلية الكلامية.
قوله: " له أن يقول: الكلام هو القدر المشترك بين هذه الأقسام ".
تقريره: أن الخبر: إسناد يحتمل التصديق والتكذيب بما هو خبر لا يفيد إضافته إلى مخبر خاص أو مخبر عنه خاص.
والطلب: إسناد الاقتضاء في الفعل والترك إلى مكلف معين.
والتخيير: هو إسناد التسوية إلى مخبر من المخاطبين، فصار الإسناد الذي هو المفهوم العام هو القدر المشترك بين أنواع الكلام، لكن المشترك لا يقع في الوجود إلا في أحد أنواعه، فعند أهل الحق وقع هذا الكلي في الأزل في الخبر وجوبا، وفي الطلب والتخيير جوازا بالنظر إلى ذلك الكلام؛ لأنه من الجائز على الله تعالى ألا يخلق العالم، وعلى هذا التقدير لا
стр. 1532
يكون الله تعالى آمرا ولا ناهيا؛ فإن أمر المعدوم إنما يأتي على تقدير أن يوجد، وإذا كان الواقع في قدرة الله تعالى ومعلومه عدم إيجاد العالم استحال حينئذ أن يامر وينهى، وإنما يقع الأمر والنهي في الكلام إذا قدّر الله تعالى إيجاد العالم، ولما كان هذا التقدير من الجائزات كان تصور الأمر، والنهي في الكلام ليس من الواجبات، بل تابع لخلق الله تعالى العالم، وأما الخبر فواجب الوقوع قطعا؛ لأن الله تعالى واجب له العلم قطعا، وكل عالم مخبر عن معلوماته قطعا، فالله تعالى مخبر قطعا، وهذا أمر واجب، وليس له شرط جائز، فكان واجب الوقوع من جميع جهاته، أما الأمر والنهي، فإنما يصير واجبا من جهة واحدة، وهي أن الله تعالى سبقت مشيئته بإيجاد العالم، فتعلق الطلب والتخيير، فيعلم الله تعالى أنه علق أمره ببعض من يوجده من العالم، فصار تعلق الأمر واجبا لغيره من تعلق العلم وغيره، فتأمل هذا الموضوع فهو صعب دقيق لا يسعه أكثر العقول ولا تقبله، غير أني رأيت أن أنبه عليه رجاء أن يصادف أهله.
وأما كلام هو قدر مشترك إلا في نوع من الأنواع فغير معقول، بل مستحيل بالضرورة، فإن أراد أن ثم نوعا آخر يثبت فيه الكلام فعليه بيانه، ونحن وراء منعه حتى يثبته، وإلا فالحق ما ذكرناه.
(تنبيه)
ما الفرق بين هذه المسألة وبين قولنا: لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع ؟
فإن الأزل قبل ورود الرسل بالضرورة، وقد نفينا الأحكام قبل الرسل، وهاهنا أثبتناها في الأزل؟
стр. 1533
وما الفرق أيضاً بين هذه وبين قولنا فيما سيأتي: المأمور إنما يصير مأمورا حالة الملابسة للفعل، وقد تقدم الجواب عند قولنا: لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع، وأن معناه أن الخطاب لما تعلق بما بعد البعث لا بما قبلها، فالمنفي تعلق الأحكام لا ذواتها، وهاهنا الذي ندعيه في الأزل ذواتها فلا تناقض.
وعن الثاني سياتي، وقد تقدم بسطه أيضا أول الكتاب.
(تنبيه)
زاد سراج الدين فقال: لقائل أن يقول: المشترك إذا لم ينفك عن أحد القيود لزم من حدوثها حدوثه .
وزاد التبريزي فقال: في الجواب عن أمر الإنسان وحده عبث، إن الإنسان قد يملأ صحائف - وحده - بالوصايا وأوامر ونواه يرجو بها إطلاع من يوجد بعده من ولده، أو من غيرهم فينتفع بها، ولا مأمور ولا منهي عنده، فكذلك هاهنا.
***
стр. 1534
المسألة الثانية
تكليف الغافل غير جائز للنص والمعقول
قال الرازي: أما النص: فقوله ﵊: (رفع القلم عن ثلاث).
وأما المعقول: فهو: أن فعل الشيء مشروط بالعلم به، إذ لو لم يكن كذلك، لما أمكننا الاستدلال بالأحكام على كون الله تعالى عالما، وإذا ثبت هذا، فلو حصل الأمر بالفعل حال عدم العلم به، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق.
واعلم أن الكلام في هذه المسألة يتفرع على نفي تكليف ما لا يطاق.
فإن قيل: لا نسلم أن فعل الشيء مشروط بالعلم به، فإن الجاهل قد يفعله على سبيل الاتفاق.
فإن قلت: " الاتفاقي لا يكون دائما، ولا أكثريا ".
قلت: لا نسلم؛ فإن حكم الشيء حكم مثله، فلما جاز وجود الفعل مع عدم العلم به مرة واحدة؛ جاز أيضا ثانية وثالثة، فيلزم إمكان ذلك في الأكثر، ودائما.
وإذا جاز ذلك، فلا استحالة في أن يعلم الله تعالى وقوع هذا الجائز في بعض الأشخاص.
وإذا علم الله تعالى ذلك منه، لم يكن تكليفه بالفعل حالما لا يكون المكلف عالما به - تكليف ما لا يطاق، سلمنا ذلك؛ لكنه معارض بأمور:
أحدها: أن الأمر بمعرفة الله تعالى وارد، فإما أن يكون ذلك الأمر واردا بعد حصول المعرفة؛ وذلك محال؛ لأنه يلزم الأمر: إما بتحصيل الحاصل، أو
стр. 1535
بالجمع بين المثلين، وهو محال، أو قبل حصول المعرفة، لكن المأمور قبل أن يعرف الأمر، استحال منه أن يعرف الأمر، فإذن قد توجه التكليف عليه حالة ما لا يمكنه العلم بذلك، وهو المطلوب.
الثاني: أن العلم بوجوب تحصيل معرفة الله تعالى ليس علما ضروريا لازما لعقول العقلاء وطباعهم، بل ما لم يتأمل الإنسان ضربا من التأمل لا يحصل له العلم بالوجوب، فنقول:
علمه بوجوب الطلب: إما أن يحصل قبل إتيانه بالنظر، أو بعد إتيانه به:
فإن حصل قبل إتيانه بالنظر، وهو قبل إتيانه بالنظر لا يمكنه أن يعلم ذلك الوجوب؛ لأن العلم بالوجوب مشروط بالإتيان بذلك النظر، وقبل الإتيان بذلك النظر، لو وجب عليه ذلك، لوجب عليه في وقت لا يمكنه أن يعلم كونه واجبا عليه، وذلك هو تكليف الغافل.
وإن حصل بعد إتيانه بالنظر، فبعد الإتيان بالنظر، حصل العلم بالوجوب؛ فلو وجب عليه في هذا الوقت تحصيل العلم بالوجوب، لزم: إما تحصيل الحاصل، أو الجمع بين المثلين.
الثالث: أن الصبي، والمجنون، والنائم غافلون عن الفعل، ثم إن أفعالهم توجب الغرامات والأروش.
الرابع: قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣] خاطب السكران، والسكران غافل، فثبت أنه يجوز خطاب الغافل.
стр. 1536
والجواب: نحن لا ندعي أن وقوع الفعل من العبد مشروط بعلمه به، بل ندعي أن اختيار المكلف فعلا معينا لغرض الخروج عن عهدة التكليف مشروط بالعلم به؛ وهذا معلوم بالضرورة، ولا يقدح فيه ما ذكرتموه.
وأما المعارضة الأولى: فقد تقدم ذكرها في مسألة تكليف ما لا يطاق.
وأما الثانية: فمن الناس من زعم أن العلم بوجوب النظر ضروري، وهذا ضعيف؛ لأن العلم بكون النظر في الإلهيات مفيدا للعلم، وبكونه معينا في ذلك من أغمض المسائل وأدقها؛ لأن جمهور العقلاء، وإن ساعدوا على كون النظر مفيد للعلم في الجملة، كما في الحسابيات، والهندسيات، لكنهم نازعوا في كون النظر مفيدا للعلم في الإلهيات، وزعموا أن النظر فيها لايفيد إلا الظن.
ومن سلم ذلك، فقد قالوا: كما أن النظر يفيد العلم، فغيره أيضا قد يفيده؛ وهو تصفية الباطن.
وإذا كان العلم بوجوب النظر موقوفا على هذين المقامين النظريين، والموقوف على النظري أولى أن يكون نظريا؛ فثبت أنه لايمكن ادعاء الضرورة في ذلك.
واعلم أن هذه الحجة تؤيد القول بتكليف ما لا يطاق.
وأما وجوب الغرامات: فمعناه: إما خطاب الولي بأدائها في الحال، أو خطاب الصبي بعد صيرورته بالغا بأدائها.
وأما الآية: فلها تأويلان:
أحدهما: أنها خطاب مع من ظهرت منه مبادئ النشاط والطرب، وما زال
стр. 1537
عقله، وقوله: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣] معناه: حتى يتكامل فيكم الفهم، كما يقال للغضبان: اصبر حتى تعلم ما تقول، أي: حتى يسكن غضبك، وهذا؛ لأنه لا يشتغل بالصلاة إلا مثل هذا السكران، وقد يعسر عليه إتمام الخشوع.
الثاني: أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، وليس المراد المنع من الصلاة، بل المنع من إفراط الشرب وقت الصلاة، كما يقال: لا تقرب التهجد، وأنت شبعان، أي: لا تشبع، فيثقل عليك التهجد، والله أعلم.
المسألة الثانية
تكليف الغافل غير جائز
стр. 1538
لقوله ﵇: (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى ينتبه، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم).
تقريره: أن التكليف يعبر عنه بالكتابة من مجاز السببية؛ لأن المكتوب ثابت كما يتقرر الواجب، ومنه قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ [البقرة: ١٧٨]، لم يعبر عن الكتابة بالقلم من مجاز المجاز، والعلاقة في الأول المشابهة فيكون مستعارا، وفي الثاني التعبير بالسبب عن المسبب؛ لأن القلم سبب الكتابة، فلا استعارة، بل من المجاز الذي ليس بمستعار، " فرفع القلم " رفع التكليف.
(سؤال)
الذي في الحديث: الجنون، والنوم، وهما نوعان عظيمان في الغفلة بالنسبة إلى مطلق الغفلة التي تحصل للمستيقظ العاقل، ولا يلزم من سقوط التكليف العذر القوي سقوطه لما هو أضعف منه، فلا يتناول الحديث مطلق الغافل الذي هو المدعي.
قوله: " فعل الشيء مشروط بالعلم به ".
قلنا: ذلك هو الأمر الحقيقي الذي هو نقل الممكن من حيز العدم إلى حيز الوجود، وأما الفعل بالأسباب العادية والمضاف إلى المحال التي أجرى الله
стр. 1539
تعالى العادة أن يخلق الفعل فيها، فلا يشترط فيها العلم؛ لأن الفاعل من يقال له في اللغة: (فاعل)، وإن كان غير ناطق، ولا من ذوي الفكرة، كما يفعل النحل الأبيات المسدسة في الصنعة الغريبة في الهندسة مع أنها لاتوصف بالعلم فضلا عن العلم بهذه الهندسة الدقيقة، وكذلك عجائب تظهر من الحيوانات، والعبد المأمور لا يطلب منه اختيار الوجود، بل الكسب العادي، نعم ينبغي أن يقال: إن العبادات المفتقرة للنيات تتوقف على العلم؛ لأن ما لا شعور به يستحيل قصده، وأما ما لا تكون النية شرطا فيه كرد الغصوب، والودائع، ودفع الديون والنفقات فلا.
قوله: " حكم الشيء حكم مثله، فإذا وقع الفعل من الفاعل مرة وقع مرارا؛ لأن كل مرة مساوية لتلك المرة الواحدة التي وقعت ".
قلنا: حكم الشيء حكم مثله في العقليات، أما في العاديات فقد تقضي العادة بأن الشيء لا يقع إلا نادرا كالغيم الرطب في الشتاء في البلاد الشمالية عدم إمطاره نادرا، فلو صح ما قلتموه لم تمطر أبدا، ولم ير الماء أبدا؛ لأنه قد لا يروى على الندرة، ولا تحرق النار أبدا، فقد عدم إحراقها في حق الخليل ﵇ ونظائره كثيرة.
فعلمنا حينئذ أن ذلك إنما هو في العقليات، أما في العاديات فلا.
سلمنا وقوع الإتفاقي من الإنسان دائما، لكن لا نسلم أن التكليف بذلك الواقع منه تكليف بما لا يطاق.
بيانه: وذلك أنه لا يلزم من كون الشيء واقعا أن يكون مكتسبا مقدورا؛ فإن النازل وقد رمي من شاهق، النزول واقع منه، وليس مكتسبا، بل لو كلف بالنزول كان غير مكتسب؛ لأن من شرط المكتسب أن يكون للفاعل فيه اختيار في جلبه ودفعه، والنازل لا يقدر على دفع النزول عنه، كذلك الفعل الاتفاقي لا إرادة فيه، فهو غير مكتسب، فالتكليف به تكليف بما لا يطاق؛
стр. 1540
لأن معناه: ليكن لك صنع واختيار فيما ليس لك فيه صنع واختيار، وهو جمع بين النقيضين.
قوله: " الأمر بمعرفة الله تعالى وارد ".
قلنا: قد تقدم الجواب عنه في تكليف ما لا يطاق.
قوله: " العلم بوجوب تحصيل معرفة الله تعالى لا يحصل إلا بالنظر، وقبل النظر لا يكون عالما بذلك، فيلزم تكليف الغافل ".
قلنا: مذهب أهل الحق أن وجوب النظر لا يتوقف إلا على الممكن، فإذا تمكن فهو تجوز أن له ربًّا يوجب عليه تحصيل معرفته، وإن تركها استحق العقاب، وإن فعلها استحق الثواب، ويجوز ألا يكون كذلك، ومقتضى النظر الأول هو في الفطرة الأولى أن الأحوط في هذا الأمر العظيم الفحص والنظر في حقيقته، فينظر قبول البحث إلى أنه واجب بنظر لا يعرى عنه طبع مستقيم بما هو تكليف العاقل، بل عالم بمواقع النظر والفكر في ذلك.
قوله: " وإن حصل بعد إتيانه النظر حصل العلم بالوجوب ".
تقريره: أن أهل الرياضيات قالوا: إن إصلاح الأغذية، وتعديل الأمزجة، والانقطاع عن الخلق في الخلوة، واجتناب الفكر، وموارد الغير بخلو النفس إن كان لها استعداد لذلك، فيصير كالمرآة الثقيلة يظهر فيها صور المعلومات، فتحصل العلوم بغير نظر، ومن ذلك المكاشفات، وإذا ثبت أن العلم طريق آخر، والقاعدة أن المطلب متى كان له وسيلتان فأكثر لا يجب سلوك إحديهما، كما أن الجامع لو كان له طريقان مستويان لا يجب سلوك أحدهما يوم الجمعة عينا.
قوله: " الجواب عن الآية ".
стр. 1541
تقرير الجواب عنه: أن القاعدة الشرعية أن الخطاب متى ورد بشيء غير مقدور، أو في حالة غير مقدورة، فيتعين حمله على سببه، أو ثمرته.
مثال السبب: قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، والطلاق تحريم، والتحريم حكم الله تعالى لا مدخل للمكلف في إيجاده، فيتعين سببه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران:١٠٢] أي تسببوا في ذلك.
والثمرة: كقوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور: ٢]، أي لا تنقصوا الحد؛ لأن الرأفة الطبيعية لا يمكن اجتنابها، وقوله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن﴾ [الحجرات: ١٢]، أي: لا تتحدثوا به، ولا ترتبوا عليه مقتضاه حتى يثبت؛ لأن الظن يهجم على النفس عند وجود أسبابه، فلا يمكن النهي عنه، كذلك هذه الآية، معناه لا تتعاطوا السبب المفضي إلى أن تأتوا الصلاة وأنتم سكارى نهي من القسم الأول.
(سؤال)
قال النقشواني: في تكليف الغافل أقرب من تكليف المعدوم، فكيف جوزتم تكليف المعدوم، ومنعتم تكليف الغافل ؟
جوابه: أن المعدوم قلنا: تكليف بمعنى أنه تعلق به الخطاب في الأزل على تقدير وجوده، وبعث إليه الرسل، ويعلم خطاب الله تعالى في الأزل على تقدير وجوده.
ومرادنا هاهنا: أن الغافل لا يخاطب في زمان غفلته أي: لا يكون تركه للفعل زمان الغفلة موجبا للمؤاخذة لغير الغافل، وما وراءه إلا تكليف المعدوم حالة العدم، ويكون الترك حالة العدم موجبا للعقوبة، وهذا لم يقل به أحد.
стр. 1542
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: الدهري مكلف بالإيمان، وهو لا يعرف التكليف، فكيف يفهم التكليف ؟
وأجاب عنه أن المعتبر عندنا التمكين من الفهم، وهو متمكن بواسطة النظر فيه.
وزاد في تقرير الحديث: أن الرفع يستدعي الإمكان؛ لأنه لا يقال: رفع القلم عن الجماد.
وأجاب عنه: بأن الحديث دليل عدم الوقوع، وهو أحد طرفي النزاع، وإنما صح الرفع مع عدم الجواز؛ لأن الحكم على ذي الصفة ليس حكما بشرط الصفة، وإلا لما انتظم قوله: " حتى يفيق، وحتى يبلغ "، ولا صح قولنا: " سكن المتحرك "؛ فإن المتحرك لا يسكن وهو متحرك، وحينئذ نقول: المقول فيه نائم أو مجنون كان مكلفا، وهو بصدد التكليف لولا النوم والجنون، وقد انقطع عنه التكليف عند النوم والجنون، فصح أن يقال: " رفع عنه القلم " بخلاف الجماد.
وأجاب عن تضمين الصبيان: أنه من باب ربط الأحكام بالأسباب، وهو من باب خطاب الوضع لا من باب خطاب التكليف، ولا مانع منه.
قلت: قوله: في الحديث دليل على عدم الوقوع، وهو أحد طرفي النزاع يقتضي أن النزاع وقع في جواز هذه المسألة وفي وقوعها والأمر كذلك؛ لأنها من باب تكليف ما لا يطاق، والخلاف في جوازه ووقوعه، ولم يتعرض له المصنف وغيره حكاه.
وقوله: " المجنون بصدد التكليف ".
стр. 1543
إشارة إلى قاعدة وهي أن العرب تجعل القائل للشيء كالمتصف به، وورد القرآن الكريم منه مواضع، منها: قوله تعالى: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها﴾ [الأعراف: ٨٩] مع أنهم لم يكونوا في الملة الكافرة، والعود فرع الكون، وكذلك قولهم: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف: ٨٨]، لكن لما كان الناشيء بين قوم كفار شأنه أن يكون على ملتهم بمقتضى العادة، فهم قائلون لذلك من هذا الوجه جعلوا كالمتصفين بذلك، باعتبار إطلاق لفظ العود.
ومنها: قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] مع أنهم لم يخرجوا منها حتى يتصور العود، لكن لما كانوا في غاية بذل الجهد في الخروج منها كالخارجين منها؛ لأن ذلك شأن المجتهد.
ومنها: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة﴾ [البقرة: ١٧٥] وشأن البائع أن يكون حائزا لما باعه، وهم لم يهتدوا قط، ولا غفر لهم، لكن لما كانوا متمكنين من ذلك عوملوا معاملة المتصفين به، وكذلك - هاهنا - جعل المجنون والنائم لأجل القبول، كأنه وقع له التكليف ثم رفع.
وقوله: " خطاب الوضع غير خطاب التكليف ".
معناه: أن خطاب الوضع الذي تقدم بسطه أول الكتاب لا يشترط فيه علم المكلف ولا قدرته، فذلك يورث بالأسباب، ويطلق بالاعتبار، والإصرار مع عدم العلم وعدم القدرة، وخطاب التكليف يشترط فيه العلم بالخطاب، والقدرة على فعل المكلف به، وكونه مكتسبا، وقد تقدم بسط هذه المباحث أول الكتاب عند قوله: لله تعالى في الزاني حكمان.
وإذا كان التضمين من باب خطاب الوضع، فلا يضر عدم العلم، لكن كلامه يقتضي أنه سلم أن الصبي مخاطب، وكلام المصنف يقتضي أن المخاطب هو الولي، وهو الصحيح.
стр. 1544
المسألة الثالثة
قال الرازي: في أن المأمور يجب أن يقصد إيقاع المأمور به على سبيل الطاعة .
المعتمد فيه قوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " قالوا: ويستثنى منه شيئان: أحدهما: الواجب الأول وهو: النظر المعرف للوجوب؛ فإنه لا يمكن قصد إيقاعه طاعة، مع أن فاعله لا يعرف وجوبه عليه إلا بعد إتيانه به.
الثاني: إرادة الطاعة؛ فإنها لو افتقرت إلى إرادة أخرى، لزم التسلسل.
المسألة الثالثة
المأمور يجب أن يقصد إيقاع المأمور به على سبيل الطاعة
تمهيد
قال القرافي: الشريعة ثلاثة أقسام:
مأمورات.
ومنهيات.
ومباحات.
والقسمان الآخران لا يحتاجان إلى النية؛ لأن المنهي عنه يخرج الإنسان عن عهدته بمجرد تركه، وإن لم يشعر به، فضلا عن القصد إليه يعم الثواب على تركه، إنما يحصل بالقصد للقرينة بتركه.
والمباحات فعلها أو تركها لا عهدة فيها، فلا يحتاج إلى النية، كرد الغصوب.
[ص ١٦٣٠]
стр. 1545
والمأمورات قسمان:
منها ما صورها كافية في تحصيل مصالحها، فلا يحتاج إلى النية، كرد الغصوب، ودفع الديون، ونفقات الزوجات والرقيق والأقارب والبهائم، ورد الودائع، ونحو ذلك؛ فإن صورة دفع المال كافية في تحصيل المصلحة المقصودة منه، فإذا دفع بغير نية لا نقول له: لم يجز عنك فأعط مرة أخرى، بل الآخذ انتفع بما أخذه، قصد الدفع أم لا، ومن ذلك النية، فإنها مأمور بها، ومقصودها التمييز، وهو حاصل لها لذاتها، فلا تفتقر إلى قصد يصيرها متميزة لاستحالة وقوعها غير متميزة، فلا جرم استغنيت عن النية لذلك، ولا حاجة إلى التعليل؛ لأنها لو احتاجت النية إلى نية أخرى لزم التسلسل.
ومنها ما لا يكفي تصورها في تحصيل مصالحها كالعبادات؛ فإن مقصودها تعظيم الله تعالى، والتعظيم لا يكون إلا مع القصد؛ فإنك إذا صنعت طعاما لمن تقصد إكرامه، فأكله غير من قصدته فإنك لا تعد معظما له، فإذا لم يقصد الله بهذه العبادة لا يكون الله معظما بها، فلا جرم لم تحصل مصالحها إلا بالنية فافتقرت إلى النية، فهذا ضابط ما يحتاج إلى النية مما لا يحتاج.
(قاعدة)
التصرفات ثلاثة أقسام:
منها ما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى، واشترط فيه القصد.
ومنها ما لا يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى، فلا يشترط فيه القصد.
ومنها ما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى، ولم يشترط فيه القصد.
مثال الأول: العبادات.
[ص ١٦٣١]
следующие страницы →