Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
تقرير الجواب عنه: أن القاعدة الشرعية أن الخطاب متى ورد بشيء غير مقدور، أو في حالة غير مقدورة، فيتعين حمله على سببه، أو ثمرته.
مثال السبب: قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١]، والطلاق تحريم، والتحريم حكم الله تعالى لا مدخل للمكلف في إيجاده، فيتعين سببه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران:١٠٢] أي تسببوا في ذلك.
والثمرة: كقوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور: ٢]، أي لا تنقصوا الحد؛ لأن الرأفة الطبيعية لا يمكن اجتنابها، وقوله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن﴾ [الحجرات: ١٢]، أي: لا تتحدثوا به، ولا ترتبوا عليه مقتضاه حتى يثبت؛ لأن الظن يهجم على النفس عند وجود أسبابه، فلا يمكن النهي عنه، كذلك هذه الآية، معناه لا تتعاطوا السبب المفضي إلى أن تأتوا الصلاة وأنتم سكارى نهي من القسم الأول.
(سؤال)
قال النقشواني: في تكليف الغافل أقرب من تكليف المعدوم، فكيف جوزتم تكليف المعدوم، ومنعتم تكليف الغافل ؟
جوابه: أن المعدوم قلنا: تكليف بمعنى أنه تعلق به الخطاب في الأزل على تقدير وجوده، وبعث إليه الرسل، ويعلم خطاب الله تعالى في الأزل على تقدير وجوده.
ومرادنا هاهنا: أن الغافل لا يخاطب في زمان غفلته أي: لا يكون تركه للفعل زمان الغفلة موجبا للمؤاخذة لغير الغافل، وما وراءه إلا تكليف المعدوم حالة العدم، ويكون الترك حالة العدم موجبا للعقوبة، وهذا لم يقل به أحد.
стр. 1542
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: الدهري مكلف بالإيمان، وهو لا يعرف التكليف، فكيف يفهم التكليف ؟
وأجاب عنه أن المعتبر عندنا التمكين من الفهم، وهو متمكن بواسطة النظر فيه.
وزاد في تقرير الحديث: أن الرفع يستدعي الإمكان؛ لأنه لا يقال: رفع القلم عن الجماد.
وأجاب عنه: بأن الحديث دليل عدم الوقوع، وهو أحد طرفي النزاع، وإنما صح الرفع مع عدم الجواز؛ لأن الحكم على ذي الصفة ليس حكما بشرط الصفة، وإلا لما انتظم قوله: " حتى يفيق، وحتى يبلغ "، ولا صح قولنا: " سكن المتحرك "؛ فإن المتحرك لا يسكن وهو متحرك، وحينئذ نقول: المقول فيه نائم أو مجنون كان مكلفا، وهو بصدد التكليف لولا النوم والجنون، وقد انقطع عنه التكليف عند النوم والجنون، فصح أن يقال: " رفع عنه القلم " بخلاف الجماد.
وأجاب عن تضمين الصبيان: أنه من باب ربط الأحكام بالأسباب، وهو من باب خطاب الوضع لا من باب خطاب التكليف، ولا مانع منه.
قلت: قوله: في الحديث دليل على عدم الوقوع، وهو أحد طرفي النزاع يقتضي أن النزاع وقع في جواز هذه المسألة وفي وقوعها والأمر كذلك؛ لأنها من باب تكليف ما لا يطاق، والخلاف في جوازه ووقوعه، ولم يتعرض له المصنف وغيره حكاه.
وقوله: " المجنون بصدد التكليف ".
стр. 1543
إشارة إلى قاعدة وهي أن العرب تجعل القائل للشيء كالمتصف به، وورد القرآن الكريم منه مواضع، منها: قوله تعالى: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها﴾ [الأعراف: ٨٩] مع أنهم لم يكونوا في الملة الكافرة، والعود فرع الكون، وكذلك قولهم: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف: ٨٨]، لكن لما كان الناشيء بين قوم كفار شأنه أن يكون على ملتهم بمقتضى العادة، فهم قائلون لذلك من هذا الوجه جعلوا كالمتصفين بذلك، باعتبار إطلاق لفظ العود.
ومنها: قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] مع أنهم لم يخرجوا منها حتى يتصور العود، لكن لما كانوا في غاية بذل الجهد في الخروج منها كالخارجين منها؛ لأن ذلك شأن المجتهد.
ومنها: قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة﴾ [البقرة: ١٧٥] وشأن البائع أن يكون حائزا لما باعه، وهم لم يهتدوا قط، ولا غفر لهم، لكن لما كانوا متمكنين من ذلك عوملوا معاملة المتصفين به، وكذلك - هاهنا - جعل المجنون والنائم لأجل القبول، كأنه وقع له التكليف ثم رفع.
وقوله: " خطاب الوضع غير خطاب التكليف ".
معناه: أن خطاب الوضع الذي تقدم بسطه أول الكتاب لا يشترط فيه علم المكلف ولا قدرته، فذلك يورث بالأسباب، ويطلق بالاعتبار، والإصرار مع عدم العلم وعدم القدرة، وخطاب التكليف يشترط فيه العلم بالخطاب، والقدرة على فعل المكلف به، وكونه مكتسبا، وقد تقدم بسط هذه المباحث أول الكتاب عند قوله: لله تعالى في الزاني حكمان.
وإذا كان التضمين من باب خطاب الوضع، فلا يضر عدم العلم، لكن كلامه يقتضي أنه سلم أن الصبي مخاطب، وكلام المصنف يقتضي أن المخاطب هو الولي، وهو الصحيح.
стр. 1544
المسألة الثالثة
قال الرازي: في أن المأمور يجب أن يقصد إيقاع المأمور به على سبيل الطاعة .
المعتمد فيه قوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " قالوا: ويستثنى منه شيئان: أحدهما: الواجب الأول وهو: النظر المعرف للوجوب؛ فإنه لا يمكن قصد إيقاعه طاعة، مع أن فاعله لا يعرف وجوبه عليه إلا بعد إتيانه به.
الثاني: إرادة الطاعة؛ فإنها لو افتقرت إلى إرادة أخرى، لزم التسلسل.
المسألة الثالثة
المأمور يجب أن يقصد إيقاع المأمور به على سبيل الطاعة
تمهيد
قال القرافي: الشريعة ثلاثة أقسام:
مأمورات.
ومنهيات.
ومباحات.
والقسمان الآخران لا يحتاجان إلى النية؛ لأن المنهي عنه يخرج الإنسان عن عهدته بمجرد تركه، وإن لم يشعر به، فضلا عن القصد إليه يعم الثواب على تركه، إنما يحصل بالقصد للقرينة بتركه.
والمباحات فعلها أو تركها لا عهدة فيها، فلا يحتاج إلى النية، كرد الغصوب.
[ص ١٦٣٠]
стр. 1545
والمأمورات قسمان:
منها ما صورها كافية في تحصيل مصالحها، فلا يحتاج إلى النية، كرد الغصوب، ودفع الديون، ونفقات الزوجات والرقيق والأقارب والبهائم، ورد الودائع، ونحو ذلك؛ فإن صورة دفع المال كافية في تحصيل المصلحة المقصودة منه، فإذا دفع بغير نية لا نقول له: لم يجز عنك فأعط مرة أخرى، بل الآخذ انتفع بما أخذه، قصد الدفع أم لا، ومن ذلك النية، فإنها مأمور بها، ومقصودها التمييز، وهو حاصل لها لذاتها، فلا تفتقر إلى قصد يصيرها متميزة لاستحالة وقوعها غير متميزة، فلا جرم استغنيت عن النية لذلك، ولا حاجة إلى التعليل؛ لأنها لو احتاجت النية إلى نية أخرى لزم التسلسل.
ومنها ما لا يكفي تصورها في تحصيل مصالحها كالعبادات؛ فإن مقصودها تعظيم الله تعالى، والتعظيم لا يكون إلا مع القصد؛ فإنك إذا صنعت طعاما لمن تقصد إكرامه، فأكله غير من قصدته فإنك لا تعد معظما له، فإذا لم يقصد الله بهذه العبادة لا يكون الله معظما بها، فلا جرم لم تحصل مصالحها إلا بالنية فافتقرت إلى النية، فهذا ضابط ما يحتاج إلى النية مما لا يحتاج.
(قاعدة)
التصرفات ثلاثة أقسام:
منها ما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى، واشترط فيه القصد.
ومنها ما لا يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى، فلا يشترط فيه القصد.
ومنها ما يمكن أن يقصد به التقرب إلى الله تعالى، ولم يشترط فيه القصد.
مثال الأول: العبادات.
[ص ١٦٣١]
стр. 1546
مثال الثاني: بعض الواجبات، وهو النظر الأول المفضي إلى إثبات العلم بالصانع؛ فإنه قد أجمعت الأمة على أنه واجب لا يمكن التقرب به؛ لتعذر ذلك من جهة أن الفاعل قبل فعله له يتعذر عليه أن يعلم أن له ربا يتقرب إليه، ولبعضهم فيه بحث قد ذكرته في كتاب " الأمنية في إدراك النية "
مثال الثالث: الديون، ورد الودائع، وما ذكره معها، ويمكن أن ينوي بها التقرب.
وكذلك المباحات يمكن أن يقصد بها التقرب كما قال معاذ بن جبل: " إني لآثاب على نومتي كما أئاب على قومتي "؛ لأنه كان يقصد بنومه الاستعانة.
إلى الله تعالى، كالاستعانة بالنوم على الطاعة، فظهر بهذا البحث أن هذه المسألة ليست على إطلاقها.
***
стр. 1547
المسألة الرابعة
في أن المكره على الفعل، هل يجوز أن يؤمر به ويتركه ؟
المشهور: أن الإكراه إما أن ينتهي إلى حد الإلجاء، أو لا ينتهي إليه:
فإن انتهى إلى حد الإلجاء، امتنع التكليف؛ لأن المكره عليه يعتبر واجب الوقوع، وضده يصير ممتنع الوقوع، والتكليف بالواجب والممتنع غير جائز.
وإن لم ينته إلى حد الإلجاء، صح التكليف به.
ولقائل أن يقول: الإكراه لا ينافي التكليف؛ لأن الفعل: إما أن يتوقف على الداعي، أو لا يتوقف:
فإن توقف، فقد بينا فيما تقدم: أنه لابد من انتهاء الدواعي إلى داعية تحصل فيه من قبل غيره، وأن حصول الفعل عند حصول تلك الداعية واجب؛ فحينئذ يكون التكليف تكليفا بما وجب وقوعه، أو بما امتنع وقوعه، وإذا جاز ذلك؛ فلم لا يجوز مثله في الإكراه؟
وأما إن لم يتوقف على الداعي، كان رجحان الفعل على الترك أو بالعكس اتفاقيا، والإتفاقي لايكون باختيار المكلف، وإذا جاز التكليف هناك مع أنه ليس باختيار المكلف؛ فلم لا يجوز مثله في الإكراه؟
فإن قلت: ما الذي أردت بكون الفعل اتفاقيا؟
إن عنيت به: أنه حصل لا بقدرة القادر، فهو ممنوع؛ وذلك لأن المؤثر فيه
стр. 1548
عندنا هو القادر، لكن القادر عندنا يمكنه أن يرجح أحد مقدوريه به على الآخر، من غير مرجح، وإن عنيت به أمرا آخر، فلابد من بيانه:
قلت: الرجل كان موصوفا بكونه قادرا على هذا الفعل، مع أن هذا الفعل ما كان موجودا، فلما وجد هذا الفعل: فإما أن يكون؛ لأنه حدث أمر آخر وراء كونه قادرا الذي كان حاصلا قبل ذلك، أو ليس كذلك:
فإن حدث، كان حدوث الفعل عن القادر متوقفا على أمر آخر، سوى كونه قادرا، وقد فرضناه ليس متوقفا عليه؛ هذا خلف.
وإن لم يحدث البتة أمر، كان حدوث هذا الفعل في بعض أزمنة كونه قادرا دون ما قبله وما بعده - ليس لأمر حصل في جانب القادر حتى يؤمر به، أو ينهى عنه، بل كان ذلك محض الاتفاق؛ فيكون في هذه الحالة تكليفا له بما ليس في وسعه؛ وإذا ثبت ذلك، بطل قولهم: المكره غير مكلف.
واعلم أن هذه القاعدة قد ذكرناها في هذا الكتاب مرارا، وسنذكرها بعد ذلك، وما ذاك إلا لأن أكثر القواعد مبني عليها، ولا جواب عنها إلا بتسليم أنه يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد.
المسألة الرابعة
المكره على الفعل
قال القرافي: قلت: جمهور الناس على أن الإكراه لا يبيح المحرمات من
стр. 1549
.............................................................
стр. 1550
الأفعال، بخلاف الأقوال، كالنطق بكلمة الكفر، ونحو ذلك من الطلاق، والعتاق، وأنواع العقود، فإنها يسقط اعتبارها بالإكراه المشروع سببا.
وأما الأفعال إن تعلق بها حق آدمي فلا خلاف عند المالكية، وما أدرى هل خالف فيه غيرهم أم لا؟
لأنه لا يباح بالإكراه، ويكون مكلفا بتحريم ذلك، وإن تمحض الحق فيه لله تعالى، كشرب الخمر ففيه خلاف، والمشهور المنع.
والفرق عند الجمهور بين الأفعال والأقوال: أن الأفعال تتضمن المفاسد، فلا تباح بالإكراه، والأقوال إذا ألغينا عنها مقتضياتها لا يبقى فيها مفسدة، فتباح بالإكراه، كالبيع مثلا، وأما الزنا وشرب الخمر، فإن النسب يختلط، والعقل يفسد ولا يمكن استدراك ذلك بخلاف الأقوال.
وقال الغزالي في (المستصفى): المكره يجوز أن يدخل تحت التكليف دون المجنون؛ لأن الخلل هناك في المكلف، لا في المكلف به.
стр. 1551
وقال الإمام في (البرهان): أهل الحق يجوزون تكليفه بفعل المأمورات، وترك المنهيات.
ومنعت المعتزلة تكليفه على وفق الإكراه، وجوزواالتكليف على خلاف الإكراه، كما يحرم عليه قتل من أكره على قتله.
وفرقت الحنفية بين الإقرار بالأسباب وبين إنشائها، فلا يؤثر عندهم في الإقرار، بخلاف الإنشاء يؤثر فيه.
والفرق: ان الإقرار ليس هو سببا في نفسه، بل دليل السبب، أما السبب إذا قارنه المانع الذي هو الإكراه لا يعتبر، وفي الإقرار ما تعين صفة السبب، فهذه نبذ من الخلاف في الإكراه.
قوله: " الإكراه لا ينافي التكليف؛ لأن الفعل إما أن يتوقف على الداعي أو لا يتوقف، وإنما يكون الفعل إما واجبا او ممتنعا ".
قلنا: الوجوب الناشئ عن الداعية وعدمها يوجب تعذر الفعل عقلا، ولا يمتنع الاختيار فيه عادة، ولا مدح فاعله وذمه، وأما الإكراه فيمنع الإختيار في الفعل عادة، وتعذر بالإقدام عليه نفيا للمفسدة العظيمة الناشئة من الإكراه، بخلاف الوجوب العقلي الناشئ عن العلم والداعية، وغير ذلك، وقد تقدم الكلام على هذه المقامات في مسألة الحسن والقبح.
(تنبيه)
المكره له حالتان:
حالة لا اختيار له فيها، كمن يحمل ويدخل في الدار، فهذا لا خلاف أنه لا يتعلق به حكم من التكاليف.
стр. 1552
وتارة يكون مختارا، وهو المهدد بالمؤلمات، فإنه يختار الدفع للمفسدة العليا بالتزام المفسدة الدنيا، فهو مختار بالضرورة، وهو مستند الحنفية في قولهم: إنه مكلف؛ لأنه باختياره ترك ضد ما أكره عليه.
(تنبيه)
زاد التبريزي فقال: تكليف المكره على وفق الإرادة وعلى خلافها جائز ؛ لأن الإرادة لا تنافي الاستطاعة، فلا تنافي التكليف.
بيان الأول من وجوه:
الأول: أن فعل المكره في نظر العقلاء إمساك للمكره، ولهذا أوجب سقوط العقوبة، وتركه مخالفة، ولهذا لا ينتظم الاعتذار في تحقيق الوعيد.
الثاني: أن المكره مكلف، وتكليف من لا استطاعة له مع العلم به سفه.
الثالث: أن اإكراه حمل على الفعل بربط محذور يوجب العقل اجتنابه بالترك حتما، أما قولا كالتهديد بالقتل، أو فعلا كالضرب، فامتثال المكره فيه جرى على موجب النظر الصحيح، فيدل على الاختيار، كما لو كان لازما منه بإجراء الله تعالى العادة؛ فإنه يجب فعله شرعا وعقلا، ولو كان الانبعاث خوف لزومه سالبا للخيرة لم يختلف الحال بأن يكون لزومه بحكم العادة، أو حكم الاتفاق.
ويدل على صحته تكليف أحكام اجتماعية:
الأول: وجوب الإتيان بكلمة التوحيد تحت ظلال السيوف، ووجوب إفطار الصوم، وترك الصلاة به.
стр. 1553
والثاني: تحريم الزنا والقتل عليه، اعنى المكره.
والثالث: إباحة التلفظ بكلمة الكفر، وتناول الخمر، وإتلاف مال لغيره.
قال: وهذه المسألة من فروع امتناع تكليف ما لا يطاق.
قلت: أما قوله: " لا إكراه على وفق الداعية "، فهذا غ
متصور، بل لا يتصور الإكراه المشار غليه في هذه المسألة إلا على خلاف الداعية، فإن أراد أن يطلق لفظ الإكراه على غير المراد هاهنا، فلا معنى له في هذه المسألة؛ لأنا نتكلم في شيء خاص اتفقنا على تسميته إكراها.
وقوله: " المكره مكلف " أي من جهة الذي أكرهه.
وقوله: " كما لو كان لازما منه " أي المحذور لازم من الفعل أو الترك، كالسم فإن القتل لازم منه، وكذلك ترك أكل الميتة، " فيجب الأكل عقلا وشرعا " كما قال:
وقوله: " الإتيان بكلمة التوحيد تحت ظلال السيوف " يريد الحربي دون الذمي، ففيه خلاف.
قال مالك: لا نسلم، فيصح عنده إسلام الذمي كرها.
وحكى عن الشافعية صحته.
وقوله: " وجوب إفطار الصوم، وترك الصلاة " يريد إذا اضطره العذر الموجب لإتلاف نفسه أو عضو من أعضائه.
وقوله: " تحريم الزنا والقتل " قد تقدم حكاية الخلاف في الإكراه على مجرد حق الله تعالى، ومنه الزنا، فجعله في المجمع عليه لا يستقيم.
***
стр. 1554
المسألة الخامسة
قال الرازي: ذهب اصحابنا إلى أن المأمور: إنما يصير مأمورا حال زمان الفعل، وقبل ذلك، فلا أمر ؛ بل هو إعلام له؛ بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورا به، وقالت المعتزلة: إنه إنما يكون مامورا بالفعل قبل وقوع الفعل.
لنا: أنه لو امتنع كونه مأمورا حال حدوث الفعل، لامتنع كونه مأمورا مطلقا؛ لان في الزمان الأول، لو أمر بالفعل، لكان الفعل: إما أن يكون ممكنا في ذلك الزمان، أو لا يكون:
فإن كان ممكنا، فقد صار مأمورا بالفعل حال إمكان وقوعه.
وإن لم يكن ممكنا، كان مأمورا بما لا قدرة له عليه؛ وذلك عند الخصم محال.
فإن قلت: إه في الزمان الأول مأمور لا بأن يوقع الفعل في عين ذلك الزمان؛ بل بأن يوقعه في الزمان الثاني كنه:
قلت: قولك: " إنه في الزمان الأول مأمور بأن يوقع الفعل في الزمان الثاني "
إن عنيت به؛ أن كونه موقعا للفعل لا يحصل إلا في الزمان الثاني، ففي الزمان الأول: لم يكن موقعا ألبتة لشيء، وليس هناك إلا نفس القدرة؛ فيمتنع أن يكون في ذلك الزمان مأمورا بشيء.
وإن عنيت به؛ أن كونه موقعا - يحصل في الزمان الأول، والفعل يوجد في الزمان الثاني، فنقول:
كونه موقعا: إما أن يكون نفس القدرة، أو أمرا زائدا عليها: فإن كان نفس
стр. 1555
القدرة، لم يكن لكونه موقعا للفعل معنى إلا محض كونه قادرا؛ فيعود القسم الأول.
وإن كان أمرا زائدا عليها، فحينئذ تكون القدرة مؤثرة في وقوع ذلك الزائد في الزمان الأول، والأمر إنما توجه عليه في الزمان الأول؛ بإيقاع ذلك الزائد، وذلك الزائد واقع في الزمان الأول؛ فالآمر لا يكون آمرا بالشيء إلا حال وقوعه لا قبله.
احتج الخصم بأن المأمور بالشيء يجب أن يكون قادرا عليه، ولا قدرة على الفعل حال وجود الفعل؛ وإلا لكان ذلك تحصيلا للحاصل؛ وهو محال.
فعلمنا أن القدرة على الفعل متقدمة على الفعل، والأمر لا يتناول إلا القادر، والرجل لا يصير مأمورا بالفعل إلا قبل وقوعه.
والجواب: القدرة مع الداعي مؤثرة في وجود الفعل، ومستلزمة له، ولا امتناع في كون المؤثر مقارنا للأثر، كما في سائر المؤثرات الموجبة، والله أعلم.
المسألة الخامسة
إنما يصير المأمور مأمورا في حالة زمان الفعل
قوله: " وقبل ذلك فلا أمر، بل هو إعلام بأنه يصير في الزمان الثاني مأمورا ".
стр. 1556
تقريره: أن هذه المسألة في غاية الإشكال والغموض، وعبارة الكتاب فيها غير مفصحة عن مقصودها.
стр. 1557
فأقول: اللغة إنما وضعت لطلب الممكن، وإن قلنا بجواز تكليف مالا يطاق، فذلك بالنسبة إلى أحكام الربوبية لا بالنسبة إلى أحكام اللغة، وإذا كان الأمر إنما وضع لطلب التمكين، والفعل إنما يكون ممكنا في زمان ليس في عدمه، وإلا لاجتمع النقيضان.
فحينئذ ما طلب الفعل إلا في زمان الملابسة لا قبله ولا بعده؛ ولأن القدرة عندنا عرض، والعرض لا يبقى زمانين، والقدرة إنما توجد عندنا زمان الملابسة، دائما يكون الفعل ممكنا حالة الملابسة، وقبله مستحيل عادة، فلا يؤمر غلا حالة الملابسة؛ ولأن المأمور به لا بد أن يكون محدثا، والفعل المحدث مسبوق بعدم لا أول له، وملحوق بعدم لا آخر له، والطلب لا يتعلق بالعدم السابق ولا بالعدم اللاحق؛ لأن الأمر ترجيح الفعل الذي هو طرف الوجوب، فيتعين زمان الحدوث، وقد أمر المكلف أن يحصل الفعل في الزمان الذي يلي زمان ورود الصيغة، وإن قلنا: إن الأمر للفور، فإن لم يفعل أمر بتحصيله في الزمن الذي يليه، وأثم بسبب التأثير، وهلم جرا في الأزمان المستقبلة إلى حين الموت، فيكون التكليف واقعا في أول أزمنة الوجود كما تأخر ذلك الزمان تأخر التكليف معه، ولا يثبت قبله، وإن كان ثابتا قبل تحقيق التأخير، فيصدق أنه مكلف قبل زمان الملابسة لأجل التأخير، وليس مكلفا بما قبل زمان الملابسة باعتبار متعلق الأمر أولا، ولا تناقض بينهما، وهذا هو مقصود المسألة وهو المدعي فيها.
وقالت المعتزلة: لا يتعلق الأمر بالفعل زمن الملابسة؛ لأنه أول أزمنة الوجود، وأول أزمنة الوجود الفعل فيه موجود، فلو تعلق الأمر به حينئذ لكان طلب إيجاد الموجود، وهو محال، فيتعين أن يتعلق بالفعل قبل زمن الملابسة، وهو زمن العدم.
ونحن نجيب عن تحصيل الحاصل: بأن من شرط تحصيل الحاصل تعدد.
стр. 1558
الزمان بأن يكون الشيء موجودا في زمان وبعد تحققه يطلب في الزمان الثاني وجوده في غير الزمان الأول، فهذا هو تحصيل الحاصل، بل التأثير والقدرة إنما يتعلق بالآثار في زمن الحدوث، فلو كان ذلك تحصيل الحاصل، ويلزم المعتزلة اجتماع النقيضين؛ فإن الأمر إذا تعلق بالفعل في زمان العدم، فيلزم إيجاد الفعل في زمان عدمه، فيجتمع الوجود والعدم وهما النقيضان.
فعلى مذهبنا ينقطع تعلق الأمر بانقضاء زمن الحدوث، وعلى مذهب المعتزلة ينقطع قبل ذلك بأول أزمنة الحدوث، فعلى هذا في الزمن السابق على زمن الحدوث قولان في تعلق الأمر:
نحن ننفيه، والمعتزلة يثبتونه.
وفي زمن الحدوث قولان في التعلق:
نحن نثبته، والمعتزلة ينفونه.
فهذا تلخيص المسألة.
فإن قلت: إذا قلتم: إن الأمر إنما يتعلق بالفعل زمن الحدوث، والمكلف إنما يصير مأمورا حينئذ.
فقبل ذلك لا يكون مأمورا، فكل من لم يتصف بمباشرة الفعل لا يكون عاصيا؛ لأن زمن الملابسة لم يوجد الذي هو موجب تعلق الأمر وصيرورته مأمورا، وإبطال المعصية عن العصاة خلاف الضرورة والإجماع.
قلت: ليس حصول زمن الملابسة شرطا في تعلق الأمر، بل الأمر متعلق من الأزل فضلا عما قبل زمن الحدوث، وإنما البحث هاهنا عن صفة ذلك التعلق المتقدم لا تعلق في الأزل كيف تعلق؟ وهل تعلق بالفعل زمن الملابسة أو قبله؟ فالتعلق سابق، والطلب محقق، والمكلف مأمور بأن يعمر زمانا بوجود الفعل بدلا عن عدمه وهو زمن الملابسة، إذا لم يفعل ذلك في
стр. 1559
الزمان الأول أمر بذلك في الزمن الثاني، كذلك إلى آخر العمر إذا كان الأمر موسعا، وإن كان على الفور فهو مأمور بأن يجعل الزمن الذي يلي الأزمان حدوث الفعل، فإن لم يفعل ذلك فهو عاص.
فزمن الملابسة ذكره لبيان صفة التعلق لا لأنه شرط في التعلق، وإنما يلزم نفي العصيان أن لو كان شرط التعليق.
وقوله: " المتقدم قبل ذلك إعلام لا أمر ".
معناه: أنه إعلام بأنه مأمور زمن الملابسة، ونعني بالإعلام الإعلام الذي يصحب الأمر على سبيل اللزوم، كما يقول: كل من أمر شخصا فقد لزم أمره خبر لزومي أنه يعاقبه إذا لم يفعل، فكل أمر أو خبر لزومي لا يدخله التصديق والتكذيب، وكذلك النهي والإباحة يلزم كل واحد خبر في الأزل بالعقاب على تقدير الترك، وفي الإباحة با، هـ لا حرج عليه في النقيضين.
أما الأعلام الصرف فليس هو مراده، وبذلك تأكدت من أن العبارة غير مفصحة عن حقيقة المسألة.
ونظيرها من حيث التمثيل انك إذا قلت لعبدك: أسرج الدابة عند الزوال صدق عليك الآن أنك أمرته، وأن العبد مأمور، وأن الطلب إنما تعلق بفعل عند الزوال لا قبله، والكائن قبل ذلك إعلام بأنه يصير مأمورا إذا جاء الزوال، وهو من أهل التكليف، فزمن الزوال زمن الملابسة، وما قبل الزوال هو مماثل لما قبله من أزمنة العدم، فتأمل هذه التقريرات فهي غامضة، وإذا فهمتها ظهر لك الفرق بين هذه المسألة، وبين قولنا: المكلف مأمور في الأزل وهو معدوم قبل وجوده، وقبل وجود الفعل، وبين قولنا: لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع؛ فإن هذه المسائل متناقضة الظاهر، وقد تقدم الجواب عنها في أن المعدوم مأمور، ولا حكم للأشياء قبل ورود الشرع، وبهذه المباحث يظهر لك ذلك من جهة أن البحث في هذه المسألة في زمن التعلق.
стр. 1560
وصفته، وفي المعدوم مخاطب، أي الأمر في الأزل متعلق لطلب الفعل من المكلف غذا وجد زمن حدوث الفعل، ولا حكم للأشياء قبل ورود الشرع، أي لم يتعلق الخطاب بالناس قبل البعثة، بل هو إنما كان قائما في الأزل، فإنما تعلق بهم إذا بعثت الرسل بعد البعثة.
فاجتمعت المسائل، وما أعلم في مسائل أصول الفقه أصعب من هذه المسألة، ولا أصعب من تقريرها للمتعلمين.
وقد صرح سيف الدين بخلاف عبارة المصنف فقال: اتفق الناس على جواز التكليف قبل حدوثه، سوى شذوذ من أصحابنا، وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل.
واختلفوا في جواز تعلقه في أول زمان حدوثه:
فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة.
فنقل الخلاف في التعلق لا في كونه أمرا متقدما، ولم يذكر الإعلام أصلا.
وقال المازري في (شرح البرهان): إن [مذهبنا] تعلق الأمر بالفعل قبل وجوده وحال وجوده تعلقا متساويا، ثم اختلف أصحابنا:
فمنهم من قال: " هما سواء والأمر متعلق فيهما بالفعل تعلق إلزام. ومنهم من قال ": أما حال الوجود متعلق إلزام، وقبل الوقوع تعلق إعلام، وخلافنا على الأول.
وإمام الحرمين والغزالي خالفا أصحابنا، والتزما مذهب المعتولة، ورأيا أن الفعل قبل الإيقاع لا يتعلق الأمر به وإن اختلفت طرقهما.
стр. 1561
فإمام الحرمين يقول: بالقدرة حصل الفعل، وانقطاعها حالة وجود الفعل، وما ليس بمقدور لا يؤمر به.
والغزالي يسلم مقارنة القدرة، وقال: الفعل حال وقوعه غير مأمور به؛ لأنه حاصل والحاصل لا يطلب.
ورأى أبو المعالي: أن القدرة هي التمكن من الفعل، وحالة الوجود تنافي التمكن من الفعل والترك، فتعين الوقوع.
وقوله: " لو لم يكن مأمورا حالة الفعل لا متنع كونه مأمورا مطلقا؛ لأن قبل الفعل إما أن يكون الفعل ممكنا " يعني فيفرض وقوعه؛ لأن الممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال، وحينئذ يكون مأمورا حالة الملابسة، وإن لم يكن ممكنا امتنع تعلق الأمر به؛ لأن المعتزلة تمنع وتحيل تعلق الطلب بغير الممكن المقدور للعبد.
فهذا التقسيم اقتضى أن الواقع أحد الأمرين، إما التعلق حالة الملابسة أو عدم التعلق، فصدقت الملازمة أنه لو امتنع التعلق حالة الملابسة لامتنع التعلق مطلقا.
وقوله: القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل، ولا مانع من كون المؤثر مقارنا لأثره، كما سيأتي في المؤثرات.
تقريره: أن القدرة هي الصفة المؤثرة في حق الله تعالى، وفي حق العبد هي الصفة الكاسبة، وكل مؤثر يجب أن يكون مقارنا لأثره باعتبار الزمان، ومعدما بالذات، كما إذا حرك زيد أصبعه، تحرك خاتمه، وتحرك أصبعه، وحركة الأصبع هي السبب، وهي مع حركة الخاتم واقعان في زمان واحد،
стр. 1562
ويقضي العقل أن حركة الإصبع متقدمة على حركة الخاتم بالذات؛ لأن كل علة فهي متقدمة على معلولها بالذات.
(تنبيه)
زاد سراج الدين فقال: في نكتة الإمام على المعتزلة لا امتناع في تناول الأمر زمن الإمكان ، ولو فرض وقوعه في ذلك الزمان كان مأمورا بالفعل، فلا خلاف، ثم ما ذكرتموه يقتضي ألا يذم تارك المأمور به أصلا لامتناع الذم قبل الأمر.
قلت: كل زمان يفرض فيه وقوع الفعل، ونقل التعلق قبله، فيفرض أيضا الإيقاع في كل زمان ينقل الإمكان إليه حتى لا يبقى من أزمنة الإمكان شيء.
ثم قوله: " يقتضي قولكم ألا يذم تارك المأمور به ".
قلنا: قد تقدم أن زمن الملابسة صفة التعلق لا شرط التعلق، وعلى هذا العصيان لا يتوقف على الملابسة، غير أن سراج الدين اختر بقول الإمام المتقدم قبل ذلك: " إعلام لا أمر " وقد تقدمت إليك تفسيره وتحقيقه، وأن قوله: (إعلام) أي: أن الأمر يلزمه خبر باستقحقاق العقاب على تقدير الترك، وبأنه يصير مأمورا عند الملابسة.
وقوله: (لا أمر) أي لا أمر بما قبل زمن الملابسة، كما إذا قال: أسرج الدابة عند الزوال، فهذا ليس أمرا بإسراج الدابة قبل الزوال كذلك هاهنا.
وقال التبريزي: وقال أصحابنا: الفعل حال وجوده مأمور به.
стр. 1563
وقالت المعتزلة: غنما يكون مأمورا به قبله، وعند الوجود ينفك عنه التعلق، كما في الدوام.
وهذا نزاع في تعلق القدرة بالمقدور.
فعند الأشاعرة: الاستطاعة مع الفعل إذ لا بقاء مع الأعراض، فوقوع الفعل في الزمن الثاني من القدرة أثر بلا مؤثر، ومؤثر بلا أثر، وهو محال ز
وعند المعتزلة: زمان التعلق قبل زمان الوقوع، وتعلق الأمر يلزم تعلق القدرة.
قلت: وهذا أيضا حسن عن المسألة، أصلح من عبارة (المحصول).
وقوله: " الاستطاعة مع الفعل ".
يريد بالاستطاعة القدرة الحادثة، وهي عرض، والعرض لايبقي زمانين، وفلو تقدمت وقع الأمر بعدها بلا قدرة، أو تأخرت وقع الفعل قبلها بلا قدرة، فتعين المقارنة.
والمعتزلة يرون انتفاء الأعراض، فتبقى القدرة الكائنة قبل الفعل لزمان الفعل، ولا محال.
***
стр. 1564
المسألة السادسة
قال الرازي: المأمور به، إذا كان مشروطا بشرط، فالآمر إما أن يكون غير عالم بعدم الشرط، أو لا يكون:
أما الأول: فكما إذا قال السيد لعبده: " صم غدا " فإن هذا مشروط ببقاء العبد غدا، وهو مجهول للآمر، فهاهنا: الأمر تحقق في الحال بشرط بقاء المأمور قادرا على الفعل.
وأما الثاني: فكما إذا علم الله تعالى أن زيدا سيموت غدا، فهل يصح أن يقال: إن الله تعالى أمره بالصوم غدا؛ بشرط أن يعيش غدا، مع أنه يعلم أنه لا يعيش غدا؟
قطع القاضي أبو بكر، والغزالي رحمهما الله تعالى به، وأباه جمهور المعتزلة.
حجة المنكرين: أن شرط الأمر بقاء المأمور؛ فالعالم بأن المأمور لا يبقى - عالم بفوات شرط الأمر؛ فاستحال مع ذلك حصول الأمر.
قال المجوزون: لا نزاع في أنه لا يجوز أن يقول للميت حال كونه ميتا: (افعل) لكن لم لا يجوز أن يقال في الحال، لمن يعلم أنه سيموت غدا: (افعل غدا، إن عشت) بل هو جائز لما فيه من المصالح الكثيرة؛ فإن المكلف قد يوطن النفس على الامتثال، ويكون ذلك التوطين نافعا له يوم المعاد، ونافعا له في الدنيا؛ لأنه ينحرف به في الحال عن الفساد.
وهذا كان أن السيد قد يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه، مع عزمه على
стр. 1565
نسخ الأمر؛ امتحانا للعبد، وقد يقول الرجل لغيره: " وكلتك ببيع العبد غدا " مع علمه بأنه سيعزله عن ذلك غدا؛ لما أن غرضه منه استمالة الوكيل، أو امتحانه في أمر ذلك العبد.
ومأخذ النزاع في هذه المسألة أن المجوزين قالوا: الأمر تارة: يحسن لمصالح تنشأ من نفس الأمر، لا من المأمور به، وتارة: لمصالح تنشأ من المأمور به.
وأما المانعون، فقد اعتقدوا أن الأمر لا يحسن إلا لمصلحة تنشأ من المأمور به. وتمام تقريره سيظهر في مسألة أنه يجوز النسخ قبل مضي مدة الامتثال والله أعلم.
المسألة السادسة
المأمور به إذا كان مشروطا
قوله: " الأمر لا يحسن إلا لمصلحة ".
стр. 1566
..........................................................
стр. 1567
قال القرافي: ينشأ من الأمر دون المأمور، يقال: هذا كأمره تعالى إبراهيم ﵇ بذبح إسحاق؛ فإن المصلحة كانت في الأمر فقط، وهي
стр. 1568
إظهار المبالغة في طاعة الله تعالى، ويوفي بالإقبال على الامتثال، وذلك من أعظم أسباب القرب من الله تعالى، وأما ذبح إسحاق ﵇ فلا مصلحة فيه، فلذلك نسخه الله تعالى لما حصلت مصلحة الأمر.
ومثال ما هو لمصلحة المأمور: الصلاة، فيها تعظيم الله تعالى، وكذلك جميع العبادات، وذبح الحيوان الخسيس لنفع الحيوان الشريف، وأكثر الشرائع من هذا القبيل، والأول قليل في الشرع والعادة.
(تنبيه)
غير التبريزي فقال: قال أصحابنا: المأمور يعلم كونه مأمورا قبل التمكن.
وقالت المعتزلة: لا يعلق إلا بعد التمكن.
وهو تنازع في تحقيق الأمر بالشرط في حق الله تعالى، وأجمعوا على تصوره في الشاهد، لكن الآمر يكون جاهلا بعقابة الشرط، والله تعالى يعلق من يدرك زمان التمكن لا يكون مأمورا لأن التمكن شرط، وقد علم الله تعالى انتفاءه، فحيث علم الله التمكن فلا شرط، وحيث علم عدم التمكن فلا أمر، فثبوت الأمر بالشرط في حق الله تعالى محال، والمكلف إذا توجه عليه الأمر بحكم ظاهر البقاء لا يدري أنه يبقى، فيكون مأمورا، أو لا يبقى فلا يكون مأمورا.
وقالت الأشاعرة: الأمر قائم بذات الآمر قبل تحقق الشرط متعلقا بالمأمور، والمأمور به، فإن لم يوجد الشرط لم يتبين عدم اللزوم والنفوذ؛ لأن الشرط ليس شرطا لقيام الأمر، بل لنفوذه بمثابة وصف التعلق.
فالمعتبر فيه جهل المأمور بحصول الشرط وعدمه، لا جهل الآمر، وهذا تقيرير حسن من التبريزي ﵀.
стр. 1569
قال الغزالي في (المستصفى): الأمة مجمعة قبل ظهور المعتزلة أن الصبي إذا بلغ أن يعتقد أنه مأمور بشرائع الإسلام، منهي عن مناهيها، أو أن من عزم على التقرب بالمأمورات فتقرب، ولو عزم على فعل غير المأمور لا يكون متقاربا، وعلى لزوم الشرع في صوم رمضان.
وعلى أن من حبس المصلى، ومنعه من الصلاة آثم، فهذه الإجماعات حجاج عليهم، والأمر متعلق بكل واحد على تقدير وجوب الشرائع، كما يؤمر المعدوم.
قال سيف الدين في (الإحكام (: اختلف أصحابنا والمعتزلة في جواز دخول النيابة في المكلف به من الأفعال البدنية:
أثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة.
لنا: أن القائل لغيره: " أوجبت عليك خياطة الثوب، فإن خطته، أو استنبت فيه أثبتك، وإن تركت الأمرين عاقبتك " جائز معقول، فجاز وورد الشرع به، وقد وقع؛ لما روى " أن رسول الله ﷺ رأى شخصا يلبي عن شبرمة، فقال له النبي ﷺ : " حج عن نفسك ثم حد عن شبرمة "، وهو نص في المسألة.
стр. 1570
احتجوا: أن التكليف بالعبادة البدنية ابتلاء وامتحان، وهو مطلوب الشرع؛ لما فيه من كسر النفس الأمارة بالسوء وقهرها لكونها عدوة الله تعالى، وذلك يمنع النيابة، كما لا تدخل النيابة في عوارض النفوس من الإكرام واللذات.
والجواب: أن التكليف بأحد الأمرين امتحان أيضا.
(مسألة)
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في كتاب (الملخص): يجوز تقديم الأمر على زمن المأمور ، والخلاف في أربعة أوجه:
الأول: وجوب تقديم الأمر على وقت المأمور.
والثاني: تقدمه لا يخرجه عن أن يكون أمرا، وإن كان إعلاما وإنذارا.
والثالث: وجوب تعلق الامر بالفعل حالة إيجاده.
والرابع: في مقدار ما يتقدم الأمر به على الفعل من الأوقات.
ولا خلاف بين الكل من أصحابنا في وجوب تعلق الأمر بالفعل حالة وقوعه ومقارنته.
وقال المعتزلة والقدرية: لا يتعلق الأمر قبل وقوعه.
وأما تقدم الأمر نفسه على وقت المأمور فقال كثير من شيوخنا: الأمر على الحقيقة الذي هو الإيجاب والإلزام لا يتقدم على وقت الفعل، فالتقدم إعلام وإنذار، والأمر حقيقة ما قارن الفعل.
واختلف المعتزلة في مقدار ما يتقدم بعد اتفاقهم معنا على وجوب تقدمه في وقت يحصل فيه للمأمور فهمه.
[ص ١٦٥٦]
стр. 1571
فمنهم من قال: لا يجوز تقدمه عليه بأوقات كثيرة، بل بوقت واحد، إلا لمصلحة.
ومنهم من شرط لتقدمه شروطا: من كون تقدمه صالحا للمكلف، أو لغيره، وكون المكلف في جميع تلك الأوقات حيا، سليما، قادرا، مستجمعا لجميع شرائط التكليف.
والذي اختاره القاضي أبو بكر: أنه يجب تقدمه على الفعل بوقتين: وقت لاستكمال سماعه، ووقت لحصول العلم بالمراد منه؛ لأن وقوع الفعل في حالة السماع محال؛ لأن الدليل يتقدم على المدلول.
ودليلنا على تسميته أمرا: إجماع الأمة على أن رسول الله ﷺ أمر الأمة الآتية بعده بالعبادات وغيرها ولم يزل الناس يكتفون بالأوامر السابقة المتقدمة على زمان الفعل، ولا يحتاجون إلى تجديد أمر آخر - يؤكده.
ويأمر الإنسان بوصاياه بما يعمل بعد موته.
ولنا على جواز تقدمه على زمان الفعل بالأزمنة الكثيرة إجماع الأمة على الأمر بالموت على الإسلام، وتقدمت أوامره ﵇ على أفعالنا.
احتجت المعتزلة: بأن تقدمه عري عن الفائدة، فيكون عبثا فلا يجوز.
قلت: هذه المسألة قد تقدم منها جزء فهرس عليه الإمام بقوله: " إنما يصير مأمورا حالة الملابسة، والتقدم قبل ذلك إنما هو إعلام لا أمر " وما زلت أنا ومن رأيته نستشكل كلامه في قوله: (إعلام) حتى رأيت هذا الفعل معزوا لغيره، وأنه قد تقدمه فيه سلف، فسهل الحال، وعلم أن كلامه من كلام من تقدمه من العلماء، ولعله من هذا الكتاب؛ فإنه قد نقل عنه تاج الدين الأرموي أنه كثير الملازمة له والمطالعة فيه، وأخبرني بذلك من نقله لي غير تاج الدين من المعدول الثقات أنه كان يعتني به ويطالعه؛ فإنه كتاب حسن.
[ص ١٦٥٧]
стр. 1572
أعنى (الملخص) فقد ذكرها وضم إليها هذه الزيادات الحسنة، التي لم تقع في (المحصول). فرحم الله العلماء؛ ففي كل منهم بركة وخير كثير.
(مسألة)
حكى الشيخ العالمي الحنفي وغيره في تصانيفهم: الخلاف بين الأصوليين في إمكان التفاوت في الوجوب ، وحكى عدم التفاوت عن الشيخ ابي الحسن الأشعري محتجا: بأن معنى وجوب الفعل أنه قيل فيه: (افعل)، وهذا لا يختلف.
وقال غيره: تتفاوت الواجبات لتفاوتها في الثواب والعقاب.
قلت: نظير هذا المسألة قولهم: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وقيل: يزيد وينقص ملاحظة لأصل التصديق، أو تقاربه بكثرة متعلقاته.
ومسألة أخرى اختلفوا فيها وهي: أن العلوم هل تتفاوت أم لا؟
فقيل: لا تتفاوت؛ لأن أصل الكشف لايمكن التفاوت فيه من حيث هو كشف.
وقيل: تتفاوت باعتبار الجلاء كمما في الحسيات، وباعتبار الخفاء كما في النظريات.
стр. 1573
(مسألة)
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط) في أصول الفقه له:
اختلف الأصوليون: هل يتناول الأمر المأمور [به] على وجه الكراهة أم لا ؟
فقلنا أصحابنا: لا يتناوله.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يتناوله على وجه الكراهة.
والمسألة مفروضة في الطواف المتلبس، وطواف الجنب والمحدث.
فعندنا: لا يصح؛ لأنه مكروه، والأمر ما يتناوله.
وعندهم يقع الموقع.
وبناء المسألة على حرف، وهو أن المكروه عندنا ضد الواجب، وعندهم ليس بضده.
لنا: ان المكروه راجع الترك، والمأمور راجح الفعل، وهما متنافيان.
احتجوا: بأن الأمر لا يتناول الفعل دون صفاته، كما تناول الأشخاص في المشتركين، دون صفاتهم من الطول والبياض وغير ذلك.
وجوابه: أن هذه الصفات متنافية، وليست تلك الصفات متنافية.
***
стр. 1574
القسم الثالث
في النواهي وفيه مسائل
المسألة الأولى: ظاهر النهي التحريم ، وفي المذاهب التي ذكرناها في أن الأمر للوجوب.
لنا: قوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] أمر بالانتهاء عن المنتهى عنه، والأمر للوجوب؛ فكان الانتهاء عن المنهي واجبا، وذلك هو المراد من قولنا: النهي للتحريم، والله أعلم.
القسم الثاني في النواهي
" ظاهر النهي التحريم، وفيه المذاهب التي ذكرناها في ان الأمر للوجوب ".
تقريره: أن المذاهب المذكورة - هناك - سبعة:
الصيغة موضوعة للوجوب
للندب.
стр. 1575
للقدر المشترك بينهما، وهو مطلق الرجحان.
اللفظ مشترك بينهما.
موضوع لأحدهما، [و] لانعرفه.
الإباحة.
الوقف في ذلك كله.
قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): ومنهم من فرق بين الأمر والنهي، فحمل مجرد النهي على التحريم، ومجرد الأمر على الندب.
وقال: النهي للزجر وهو يفيد التحريم، والأمر استدعاء للفعل والاستدعاء متردد بين الوجوب والندب؛ ولأن النهي يدل على القبح فيحرم، والأمر يديل على الحسن، والحسن قد لا يكون واجبا.
(فائدة)
قال الإمام في (البرهان): النهي يرد لسبعة محامل: التحريم نحو ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء: ٣٢].
والكراهة كقوله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة: ٢٣٧].
والدعاء كقوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغقلوبنا بعد إ هديتنا﴾ [آل عمران: ٨].
والإرشاد كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾ [آل عمران: ١٦٩]
وللتقليل والاحتقار كقوله تعالى: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا﴾ [الحجر: ٨٨]
стр. 1576
واليأس كقوله تعالى: ﴿لا تعتذروا اليوم﴾ [التحريم: ٧]
قوله لنا: " قوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] "
قلنا: فيه ثلاثة أسئلة:
أحدها: لا نسلم أن الأمر للوجوب.
وثانيها: أن الآية تقتضي حمل النهي على التحريم، والنزاع في الوضع لا في الحمل.
وثالثها: الدعوى عامة في كل نهي، والدليل إنما تناول نهيه ﵇ ومتى كانت الدعوى عامة، والدليل خاص لا يفيد، وكان مردودا ً وله الجواب عن الاخر، فإنه إذا ثبت الحكم في بعض النواهي وجب أن يثبت في كلها؛ لأنه لا قائل بالفرق.
***
стр. 1577
المسألة الثانية
المشهور: أن النهي يفيد التكرار ، ومنهم من اباه، وهو المختار.
لنا: ان النهي قد يراد منه التكرار، وهو متفق عليه، وقد يراد منه المرة الواحدة؛ كما يقول الطبيب للمريض الذي شرب الدواء: " لا تشرب الماء، ولا تأكل اللحم " أي: في هذه الساعة، ويقول المنجم: " لا تفصد، ولا تخرج غلى الصحراء " اي: في هذا اليوم، ويقول الوالد لولده: (لا تلعب) أي: في هذا اليوم، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل؛ فوجب جعل النهي حقيقة في القدر المشترك.
الثاني: أنه يصح أن يقال: " لا تأكل السمك ابدا " وأن يقال: " لا تأكل اللحم في هذه الساعة، وأما في الساعة الأخرى، فكل "، والأول ليس بتكرار، والثاني ليس بنقض؛ فثبت أن النهي لا يفيد التكرار.
احتج المخالف بأمور:
أحدها: أن قوله: (لا تضرب) يقتضي امتناع المكلف من إدخال ماهية الضرب في الوجود، والامتناع من إدخال هذه الماهية في الوجود؛ إنما يتحقق إذا امتنع من إدخال كل أفرادها في الوجود؛ إذ لو أدخل فردا من أفرادها في الوجود، وذلك الفرد مشتمل على الماهية - فحينئذ يكون قد أدخل تلك الماهية في الوجود، وذلك ينافي قولنا: إنه امتنع من إدخال تلك الماهية في الوجود.
وثانيها: أن قوله: (لا تضرب) يعد في عرف اللغة مناقضا لقوله: (اضرب).
стр. 1578
لأن تمام قولنا: (اضرب) حاصل في قولنا: (لا تضرب) مع زيادة حرف النهي، لكن قولنا: (اضرب) يفيد طلب الضرب مرة واحدة، فلو كان قولنا: (لا تضرب) يفيد الانتهاء أيضا مرة واحدة، لما تناقضنا؛ لأن النفي والإثبات في وقتين لا يتناقضان، فلما كان مفهوم النهي مناقضا لمفهوم الأمر، وجب ان يتناول النهي كل الأوقات حتى تتحقق المنافاة.
وثالثها: أن قوله: (لا تضرب) لا يمتنع حمله على التكرار؛ وقد دل الدليل على حمله على التكرار؛ فوجب المصير غليه.
إنما قلنا: إنه لا يمتنع حمله على التكرار؛ لأن كون الإنسان ممتنعا عن فعل المنتهى عنه أبدا ممكن، ولا عسر فيه.
وأما أن الدليل دل عليه؛ فلأنه ليس في الصيغدلالة على وقت دون وقت؛ فوجب الحمل على الكل؛ دفعا للإمال بخلاف الأمر؛ فإن يمتنع حمله على التكرار، لإفضائه إلى المشقة.
والجواب عن الأول: أنه لا نزاع في أن النهي يقتضي امتناع المكلف عن إدخال تلك الماهية في الوجود، ولكن الامتناع عن إدخال تلك الماهية في الوجود، قدر مشترك بين الامتناع عنه دائما، وبين الامتناع عنه، لا دائما؛ كما تقدم بيانه.
واللفظ الدال على القدر المشترك لا دلالة له على ما به يمتاز كل واحد من القسمين عن الثاني؛ فإ
ذن لا دلالة في هذا اللفظ على الدوام ألبتة.
وعن الثاني: أنك إن أردت بقولك: إن الأمر والنهي دلا على مفهومين متناقضين: أن هذا يدل على الإبات، وذلك يدل على النفي - فهذا مسلم،
стр. 1579
ولكن مجرد النفي والإثبات لا يتنافيان إا بشرط اتحاد الوقت؛ فإن قولك:" زيد قائم، زيد ليس بقائم " لا يتناقضان؛ لأنه متى صدق الإثبات في وقت واحد، فقد صدق الإثبات، ومتى صدق النفي في وقت آخر، فقد صدق النفي.
ومعلوم أن الإثبات في وقت لاينافي النفي في وقت آخر؛ فمطلق الإثبات والنفي وجب ألا يتناقضا ألبتة.
وعن الثالث: أن النهي لا دلالة فيه إلا على مسمى الامتناع، فحيث تحقق هذا المسمى، فقد وقع الخروج عن عهدة التكليف.
(تنبيه) قلنا: إ النهي يفيد التكرار، فهو يفيد الفور؛ لا محالة؛ وإلا فلا.
المسألة الثانية
النهي للتكرار
قوله: " وقد ترد للمرة ".
стр. 1580
قلنا: التكرار في الشرع كثير، كالزنا والسرقة ونحوهما، وأما المرة الواحدة في الشرع فعسير الوجود، بخلاف الأمر مرة واحدة كما في الحج، والموجود من النهي إنما هو إن لم يدم فلغاية معينة كتحريم الصيد إلى زمن الحل أو الخروج من الحرم ونحوهما، أما المرة الواحدة، فلا يكاد يوجد.
قوله: " والاشتراك والمجاز خلاف الأصل ":
قلنا: يعارضه أمور:
أحدها: أن المتبادر إلى الذهن من النهي إنما هو التكرار، والمبادرة دليل الحقيقة.
وثانيها: أن النهي يعتمد المفاسد، والمفسدة مطلوبة الدفع دائما، فلو قال لولده: لا تشرب السم، فإنه لو شرب السم في أي زمان كان حصلت المفسدة، ومات الولد.
وثالثها: أن جعله حقيقة في التكرار يوجب مزيد حسن التجوز به إلى أصل الترك؛ لأنه يستلزمه، بخلاف العكس؛ لأن التكرار ليس لازما لأصل الانتهاء.
قوله: " يصح أن يقال: لا تأكل السمك، ولا تأكل اللحم في هذه الساعة، والأول ليس تكرارا، والثاني ليس نقضا ً ".
تقريره: أن على القول بالتكرار يكون النهي يفيده، وكذلك قوله: (أبدا ً) يفيده فيلزم التكرار، ويكون قوله: " في هذه الساعة فقط "، ووجود الدليل بدون المدلول نقض على الدليل.
وقوله: " وليس تكرارا ولا بنقض " بمعنى أن الأصل عدمهما، فهما منفيان بالأصل، ولا زمان على مذهب الخصم.
следующие страницы →