Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
واليأس كقوله تعالى: ﴿لا تعتذروا اليوم﴾ [التحريم: ٧]
قوله لنا: " قوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] "
قلنا: فيه ثلاثة أسئلة:
أحدها: لا نسلم أن الأمر للوجوب.
وثانيها: أن الآية تقتضي حمل النهي على التحريم، والنزاع في الوضع لا في الحمل.
وثالثها: الدعوى عامة في كل نهي، والدليل إنما تناول نهيه ﵇ ومتى كانت الدعوى عامة، والدليل خاص لا يفيد، وكان مردودا ً وله الجواب عن الاخر، فإنه إذا ثبت الحكم في بعض النواهي وجب أن يثبت في كلها؛ لأنه لا قائل بالفرق.
***
стр. 1577
المسألة الثانية
المشهور: أن النهي يفيد التكرار ، ومنهم من اباه، وهو المختار.
لنا: ان النهي قد يراد منه التكرار، وهو متفق عليه، وقد يراد منه المرة الواحدة؛ كما يقول الطبيب للمريض الذي شرب الدواء: " لا تشرب الماء، ولا تأكل اللحم " أي: في هذه الساعة، ويقول المنجم: " لا تفصد، ولا تخرج غلى الصحراء " اي: في هذا اليوم، ويقول الوالد لولده: (لا تلعب) أي: في هذا اليوم، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل؛ فوجب جعل النهي حقيقة في القدر المشترك.
الثاني: أنه يصح أن يقال: " لا تأكل السمك ابدا " وأن يقال: " لا تأكل اللحم في هذه الساعة، وأما في الساعة الأخرى، فكل "، والأول ليس بتكرار، والثاني ليس بنقض؛ فثبت أن النهي لا يفيد التكرار.
احتج المخالف بأمور:
أحدها: أن قوله: (لا تضرب) يقتضي امتناع المكلف من إدخال ماهية الضرب في الوجود، والامتناع من إدخال هذه الماهية في الوجود؛ إنما يتحقق إذا امتنع من إدخال كل أفرادها في الوجود؛ إذ لو أدخل فردا من أفرادها في الوجود، وذلك الفرد مشتمل على الماهية - فحينئذ يكون قد أدخل تلك الماهية في الوجود، وذلك ينافي قولنا: إنه امتنع من إدخال تلك الماهية في الوجود.
وثانيها: أن قوله: (لا تضرب) يعد في عرف اللغة مناقضا لقوله: (اضرب).
стр. 1578
لأن تمام قولنا: (اضرب) حاصل في قولنا: (لا تضرب) مع زيادة حرف النهي، لكن قولنا: (اضرب) يفيد طلب الضرب مرة واحدة، فلو كان قولنا: (لا تضرب) يفيد الانتهاء أيضا مرة واحدة، لما تناقضنا؛ لأن النفي والإثبات في وقتين لا يتناقضان، فلما كان مفهوم النهي مناقضا لمفهوم الأمر، وجب ان يتناول النهي كل الأوقات حتى تتحقق المنافاة.
وثالثها: أن قوله: (لا تضرب) لا يمتنع حمله على التكرار؛ وقد دل الدليل على حمله على التكرار؛ فوجب المصير غليه.
إنما قلنا: إنه لا يمتنع حمله على التكرار؛ لأن كون الإنسان ممتنعا عن فعل المنتهى عنه أبدا ممكن، ولا عسر فيه.
وأما أن الدليل دل عليه؛ فلأنه ليس في الصيغدلالة على وقت دون وقت؛ فوجب الحمل على الكل؛ دفعا للإمال بخلاف الأمر؛ فإن يمتنع حمله على التكرار، لإفضائه إلى المشقة.
والجواب عن الأول: أنه لا نزاع في أن النهي يقتضي امتناع المكلف عن إدخال تلك الماهية في الوجود، ولكن الامتناع عن إدخال تلك الماهية في الوجود، قدر مشترك بين الامتناع عنه دائما، وبين الامتناع عنه، لا دائما؛ كما تقدم بيانه.
واللفظ الدال على القدر المشترك لا دلالة له على ما به يمتاز كل واحد من القسمين عن الثاني؛ فإ
ذن لا دلالة في هذا اللفظ على الدوام ألبتة.
وعن الثاني: أنك إن أردت بقولك: إن الأمر والنهي دلا على مفهومين متناقضين: أن هذا يدل على الإبات، وذلك يدل على النفي - فهذا مسلم،
стр. 1579
ولكن مجرد النفي والإثبات لا يتنافيان إا بشرط اتحاد الوقت؛ فإن قولك:" زيد قائم، زيد ليس بقائم " لا يتناقضان؛ لأنه متى صدق الإثبات في وقت واحد، فقد صدق الإثبات، ومتى صدق النفي في وقت آخر، فقد صدق النفي.
ومعلوم أن الإثبات في وقت لاينافي النفي في وقت آخر؛ فمطلق الإثبات والنفي وجب ألا يتناقضا ألبتة.
وعن الثالث: أن النهي لا دلالة فيه إلا على مسمى الامتناع، فحيث تحقق هذا المسمى، فقد وقع الخروج عن عهدة التكليف.
(تنبيه) قلنا: إ النهي يفيد التكرار، فهو يفيد الفور؛ لا محالة؛ وإلا فلا.
المسألة الثانية
النهي للتكرار
قوله: " وقد ترد للمرة ".
стр. 1580
قلنا: التكرار في الشرع كثير، كالزنا والسرقة ونحوهما، وأما المرة الواحدة في الشرع فعسير الوجود، بخلاف الأمر مرة واحدة كما في الحج، والموجود من النهي إنما هو إن لم يدم فلغاية معينة كتحريم الصيد إلى زمن الحل أو الخروج من الحرم ونحوهما، أما المرة الواحدة، فلا يكاد يوجد.
قوله: " والاشتراك والمجاز خلاف الأصل ":
قلنا: يعارضه أمور:
أحدها: أن المتبادر إلى الذهن من النهي إنما هو التكرار، والمبادرة دليل الحقيقة.
وثانيها: أن النهي يعتمد المفاسد، والمفسدة مطلوبة الدفع دائما، فلو قال لولده: لا تشرب السم، فإنه لو شرب السم في أي زمان كان حصلت المفسدة، ومات الولد.
وثالثها: أن جعله حقيقة في التكرار يوجب مزيد حسن التجوز به إلى أصل الترك؛ لأنه يستلزمه، بخلاف العكس؛ لأن التكرار ليس لازما لأصل الانتهاء.
قوله: " يصح أن يقال: لا تأكل السمك، ولا تأكل اللحم في هذه الساعة، والأول ليس تكرارا، والثاني ليس نقضا ً ".
تقريره: أن على القول بالتكرار يكون النهي يفيده، وكذلك قوله: (أبدا ً) يفيده فيلزم التكرار، ويكون قوله: " في هذه الساعة فقط "، ووجود الدليل بدون المدلول نقض على الدليل.
وقوله: " وليس تكرارا ولا بنقض " بمعنى أن الأصل عدمهما، فهما منفيان بالأصل، ولا زمان على مذهب الخصم.
стр. 1581
ويرد عليه: أن المناهي الشرعية والعرفية أكثرها وردت في الدوام، فيلزم أن يكون مجازا، والأصل عدم المجاز أيضا، قوله: (لا تضرب) يناقض قوله: (اضرب)؛ لأن تمام قولنا: (اضرب) حاصل في قولنا: (لا تضرب) مع زيادة حرف النفي، والأمر للمرة، والنهي يقتضي التكرار.
قلنا: لا نسلم أن تمام قولنا: (اضرب) في قولنا (لا تضرب)؛ لأن الهمزة في قولنا: (اضرب) وليست في (لا تضرب) دعواكم المناقضة في اللغة ممنوع، بل هما خلافان عند الخصم لا نقيضان، ولا ضدان، ولا مثلان، ثم إن قولكم: (إن حرف النفي وجد) ممنوع، فإن (لا) الناهية ليست للنفي، ولو كانت للنفي لكانت خبرا عن النفي، فيلزم ألا يقع المنهى عنه أبدا؛ لأن الله تعالى أخبر عن عدمه، وليس كذلك بالإجماع، بل الذي يليق أن يقال: إن النهي في معنى النفي من جهة أنه متعلق بالإعدام، كما أن النفي متعلق بالعدم، أما أنه نفي فلا.
قوله: " لا دلالة للفظ على خصوص الوقت، فوجب حمله على الكل دفعا للإجمال ":
قلنا: عدم الدلالة على خصوص الأوقات لا يوجب إجمالا على تقدير عد الحمل على الكل، كما في المطلقات، والأمر بالماهيات الكليات يقتصر فيها على مسمى اللفظ، ويخرج عن العهدة، ولا إجمال كما في قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [البقرة: ٩٢]
قوله: " الامتناع قدر مشترك بين الامتناع عنه دائما، وبين الامتناع عنه لا دائما ":
قلنا: لا نسلم أنه قدر مشترك؛ لأن المفهوم من الامتناع اجتناب تلك.
стр. 1582
المفسدة التي ورد النهي لأجلها، ومن ترك الزنا في ساعة، وزنى في ساعة أخرى لا يصدق عليه أنه مجتنب للزنا في عرف الاستعمال، بل كل من يصدق عليه أنه غير مجتنب لمحرم من المحرمات لا بد أن يتركه في بعض الأوقات، ومع ذلك لا يصدق عليه أنه مجتنب، بل يقال: هو غير مجتنب للمحرمات، فعلمنا حينئذ أنه لا يصدق إلا مع الدوام، والدوام ليس مشتركا بين الدوام وعدم الدوام، وهو الجواب عن قوله: " لا دلالة في النهي إلا على مسمى الامتناع "؛ لأنا نقول: مسمى الامتناع لا يتحقق إلا مع الدوام، ثم صحة كلامه مبني على قاعدة وهي القضية المهملة يتوقف صدقها على صدق الجزئية، ولا يتوقف على صدق الكلية، فيصدق أن ماهية الإنسان اتصفت بالكتابة إذا اتصف زيد بالكتابة، وإن لم يعلم أن غيره كاتب مع، بل يكفي في صدق الامتناع صدق امتناع جزئي، لكن ما نحن فيه ليس كذلك، بل هو من باب طلب نفي الأعم الذي هو مستلزم لطلب نفي أنواعه وأشخاصه؛ لأن النهي هو طلب إعدام الماهية الكلية، فينتفي جميع افرادها.
فإن قلت: يصدق [عليه] أنه طالب عدمها باعتبار محل معين، أو محل غير معين.
قلت: ذلك ليس طلب عدمها، بل طلب عدم ما هو أخص منها - وهو الماهية - يفيد بعض المحال، والنهي إنما يتناول تصريحه الماهية من حيث هي هي، فيكون من باب طلب عدم الأعم المستلزم لعدم كل فرد من أفراده، لا من باب المهلة التي يكفي في صدقها جزء من جزئياتها.
(سؤال)
قال النقشواني: اختياره - هاهنا - يناقضه ما قرره أن الأمر لا يفيد التكرار ؛ لأنه قال: النهي يفيد الانتهاء عن الفعل أبدا وهو نقيض الأمر، فيكون الأمر للمرة الواحدة.
стр. 1583
وقال أيضا في ان الأمر لا يفيد الفور: أن النهي يفيد التكرار فلا جرم أفاد الفور بخلاف الأمر.
(سؤال)
قال النقشواني: غذا سلم له أن الصيغة حقيقة في القدر المشترك نفيا للاشتراك والمجاز يلزمه أيضا على تقدير مذهبه الاشتراك والمجاز ؛ لأن الصيغة وردت للتكرار تارة ولعدمه أخرى، كما في الزنا، وقتل الصيد، فإن كان اللفظ حقيقة فيهما أو في أحدهما لزم الاشتراك، وإن لم يكن حقيقة في أحدهما لزم المجاز، ولما كان الاشتراك والمجاز لازمنين على تقدير مذهبه امتنع الاستدلال بهما على معنيين، أحدهما التقديرين؛ لأن اللازم للنقيضين لا يدل على وقوع أحدهما عينا.
(سؤال)
قال النقشواني: لو كان النهي لمطلق الترك - كما قال - لما نهى عن شيء ألبتة ؛ لأن الترك في بعض الأوقات ضروري، وما هو واقع بالضرورة لا يحتاج إلى طلبه بصيغة.
قوله: " إن قلنا: النهي يفيد التكرار افاد الفور، وإلا فلا ":
قلنا: بل إذا قلنا: لا يفيد التكرار يصير كما إذا قلنا: الأمر لا يفيد التكرار، أمكن أن يقال: ذلك الترك المطلوب، وإن لم يكن متكررا فهو مطلوب المتعجل على الفور، كما قلنا في الأمر: بل العرف يقتضي دليلا؛ فإن السيد غذا قال لعبده: لا تدخل الدار، وأخذ يدخلها في الحال استحق التأديب أكثر مما غذا دخلها بزمان طويل؛ فإن ذنبه يكون أخف.
стр. 1584
(فائدة)
نقل سيف الدين النهي ليس للتكرار عن بعضهم ، ونقله القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتاب (العدة) عن القاضي أبي بكر بن الباقلاني، فلم يختص الإمام بما اختاره من عدم التكرار، لكن مذهب الجمهور خلافه.
***
стр. 1585
المسألة الثالثة
قال الرازي: الشيء الواحد لا يجوز أن يكون مأمورا به منهيا عنه معا.
والفقهاء قالوا: يجوز ذلك، إذا كان للشيء وجهان.
لنا: أن المأمور به هو: الذي طلب تحصيله من المكلف، وأقل مراتبه رفع الحرج عن الفعل، والمنهي عنه هو: الذي لم يرفع الحرج عن فعله؛ فالجمع بينهما ممتنع؛ إلا على القول بتكليف ما لا يطاق.
فإن قيل هذا الامتناع إنما يتحقق في الشيء الواحد، من الوجه الواحد.
أما الشيء ذو الوجهين؛ فلم لا يجوز أن يكون مأمورا به؛ نظرا إلى أحد وجهيه منهيا عنه؛ نظرا إى الوجه الآخر، وهذا كالصلاة في الدار المغصوبة؛ فإن لها جهتين: كونها صلاة، وكونها غصبا، والغصب معقول دون الصلاة، وبالعكس؛ فلا جرم صح تعلق الأمر بها؛ من حيث إنها صلاة - وتعلق النهي بها؛ من حيث إنها غصب؛ لأن السيد، لو قال لعبده: " خط هذا الثوب، ولا تدخل هذه الدار " فإذا خاط الثوب، ودخل الدار، حسن من السيد أن يضربه، ويكرمه، ويقول: أطاع في أحدهما، وعصى في الآخر؛ فكذا ما نحن فيه؛ فإن هذه الصلاة، وإ كانت فعلا واحدا، ولكنها تضمنت تحصيل أمرين:
أحدهما مطلوب، والآخر منهي عنه.
سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك؛ لكنه معارض بوجه آخر، وهو أن الصلاة في الدار المغصوبة صلاة، والصلاة مأمور بها؛ فالصلاة في الدار المغصوبة مأمور بها.
стр. 1586
وإنما قلنا: إن الصلاة في الدار المغصوبة صلاة؛ لأن الصلاة في الدار المغصوبة صلاة مكفئة، والصلاة المكفئة صلاة مع كيفية، فيكون مسمى الصلاة حاصلا.
وإنما قلنا: إن الصلاة مأمور بها؛ لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٣٤ - ٨٣ - ١١٠].
والواجب: أن الذي ندعيه في هذا المقام: أن الأمر بالشيء الواحد، والنهي عنه من جهة واحدة - يوجب التكليف بالمحال.
ثم إن جوزنا التكليف بالمحال، جوزنا الأمر بالشيء الواحد والنهي عنه؛ من جهة واحدة، وإن لم نجوز ذلك، لم نجوز هذا أيضا؛ فلنبين ما ادعيناه فنقول: متعلق الأمر: إما أن يكون عين متعلق النهي، أو غيره:
فإن كان الأول: كان الشيء الواحد مأمورا به، منهيا عنه معا، وذلك عين التكليف بما لا يطاق، والخصم لا يجعل هذا النوع من التكليف، من باب تكليف ما لا يطاق.
وإن كان الثاني: فالوجهان: إما ان يتلازما، وإما ألا يتلازما:
فإن تلازما: كان كل واحد منهما من ضرورات الآخر والأمر بالشيء أمر بما هو من ضروراته؛ وإلا وقع التكليف بما لا يطاق.
وإذا كان المنهي من ضرورات المامور، كان مأمورا؛ فيعود غلى ما ذكرنا؛ من أنه يلزم كون الشيء الواحد مأمورا، ومنهيا معا.
وإن لم يتلازما: كان الأمر والنهي متعلقين بشيئين لا يلازم أحدهما صاحبه، وذلك جائز؛ إلا أنه يكون غير هذه المسألة التي نحن فيها.
стр. 1587
فإن قلت: هما شيئان يجوز انفكاك كل واحد منهما عن الآخر في الجملة؛ إلا أنهما في هذه الصورة الخاصة صارا متلازمين.
قلت: ففي هذه الصورة الخاصة المنهي عنه يكون من لوازم المأمور به، وما يكون من لوازم المامور به، يكون مأمورا به؛ فيلزم ان يصير المنهي عنه في هذه الصورة مامورا به؛ وذلك محال؛ فهذا برهان قاطع على فساد قولهم على سبيل الإجمال.
أما على سبيل التفصيل، فهو: أن الصلاة ماهية مركبة من أمور: أحد تلك الأمور: الحركات، والسكنات، وهما ماهيتان مشتركتان في قدر واحد من المفهوم، وهو شغالحيز؛ لأن الحركة: عبارة عن شغل الحيز بعد أن كان شاغلا لحيز آخر؛ والسكون: عبارة عن شغل حيز واحد أزمنة كثيرة، وهان المفهومان يشتركان في كون كل واحد منهما شغلا للحيز؛ فإذن: شغل الحيز جزء جزء ماهية الصلاة؛ فيكون جزاءا لها؛ لا محالة.
وشغل الحيز في هذه الصلاة منهي عنه؛ فإذن: أحد أجزاء ماهية هذه الصلاة منهي عنه؛ فيستحيل أن تكون هذه الصلاة مامورا بها؛ لأن الأمر بالمركب أمر بجميع أجزائه؛ فيكون ذلك الجزء مأمورا به، مع أنه كان منهيا عنه؛ فيلزم في الشيء الواحد أن يكون مأمورا به منهيا عنه؛ وهو محال.
أما قوله: " كونه صلاة وغصبا جهتان متباينتان يوجد كل واحد منهما عند عدم الآخر ":
قلنا: نعم، ولكنا بينا أن شغل الحيز جزء ماهية الصلاة، فكما أن مطلق الشغل جزء ماهية مطلق الصلاة، فذلك الشغل المعين يكون جزءا من ماهية.
стр. 1588
الصلاة المعينة، فإذا كان هذا الشغل منهيا عنه، وهذا الشغل جزء ماهية هذه الصلاة، كان جزء هذه الصلاة منهيا عنه، وإذا كان جزاؤها منهيا عنه، استحال كون هذه الصلاة مأمورا بها، بل الصلاة مامور بها، لكن النزاع ليس في الصلاة، من حيث إنها صلاة؛ بل في هذه الصلاة، وأما المثال الذي ذكروه، وهو: أن يقول السيد لعبده: " خط هذ االثوب، ولا تدخل هذه الدار " فهو بعيد؛ لأن هاهنا الفعل الذي هو متعلق الأمر، غير الفعل الذي هو متعلق النهي، وليس بينهما ملازمة؛ فلا جرم صح الأمر بأحدهما، والنهي عن الآخر.
إنما النزاع في صحة تعلق الأمر والنهي بالشيء الواحد؛ فأين أحدهما من الآخر؟
وأما المعارضة التي ذكروها، فمدار أمرها على أن قوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣] يفيد الأمر بكل صلاة، فهذا مع ما فيه من المقدمات الكثيرة، لو سلمناه، لكن تخصيص العموم بدليل العقل غ مستبعد، وما ذكرناه من الدليل عقلي قاطع؛ فوجب تخصيصه به، والله أعلم.
(تنبيه)
الصلاة في الدار المغصوبة ، وإن لم تكن مأمورا بها إلا أن الفرض يسقط عندها لا بها؛ لأنا بينا بالدليل امتناع ورود الأمر بها.
والسلف أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة، ولا طريق إلى التوفيق بينهما إا ما ذكرنا، وهو مذهب القاضي أبي بكر ﵀، والله أعلم.
стр. 1589
المسألة الثالثة
الشيء الواحد لا يكون مأمورا به منهيا عنه
قال القرافي: قوله: " الصلاة في الدار المغصوبة صلاة، والصلاة مامور بها، فالصلاة في الدار المغصوبة مأمور بها ".
стр. 1590
قلنا: أثبتم أن الصلاة مأمور بها بالآية، والآية عامة في افراد الصلاة، مطلقة في أحوالها، وأزمنتها، وبقاعها؛ لان العام في الأشخاص مطلق في جميع ذلك، وإنما يدل اللفظ العام على حكم أفراده بأنه يفيد المطلق من جميع ذلك، فيتناول لفظ الصلاة بعمومه كل فرد من أفراد الصلاة بوصف مطلق الزمان، ومطلق المكان، ومطلق الحال، فخصوص الدار المغصوبة لا يتناولها عموم الآية، فلا يصدق أن الصلاة في الدار المغصوبة مأمور بها.
قوله: " الأمر بالشيء أمر بما هو من ضروراته، وإلا لزم التكليف بما لا يطاق ".
قلنا: لا نسلم أنه يلزم تكليف ما لا يطاق - وقد تقدم بيانه في " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ".
قوله: " إن لم يتلازم الوجهان لا يكون عين هذه المسألة ".
قلنا: بل هي عينها؛ لأنا ندعي أن الشيء إنما تعلق بالغصب بما هو غصب، وأن الأمر تعلق بالصلاة بما هي صلاة، ولا شك ان الصلاة والغصب لا تلازم بينهما في الذهن ولا في الخارج، فإن اتفق اجتماعهما في بعض الصور لايصيرهما ذلك متلازمين؛ فإن كل ما هو عارض للشيء، غير لازم له يمكن أن يجتمع معه في بعض الصور، ولا يخرجه ذلك عن كونه ليس بلازم له، ولا نحن نقول: ما في الصلاة في الدار المغصوبة من مطلق الصلاة.
стр. 1591
مأمور بها؛ لانا نقول: الصلاة في الدار المغصوبة بما هي صلاة في الدار المغصوبة مأمور بها وبينهما فرق؛ لتنزيل الصلاة الخاصة بما هي صلاة في الدار المغصوبة محرمة إجماعا، وليس مأمورا بها من هذا الوجه إجماعا، ولا تناقض بين إيجاب الأعم، وعدم إيجاب الأخص؛ بل تحريم الأخص لا يتناقض إيجاب الأعم، كما أن الحيوان المخصوص الذي هو الخنزير حرام، ومطلق الحيوان ليس حراما، وحينئذ فيصح أن المنهي عنه ليس من لوازم المأمور به، فتأمل ذلك.
قوله: " الحيز له شغل الحيز بعد أن كان شاغلا لغيره ".
قلنا: ينتقض ذلك بامرين:
أحدهما: إذا أعدم الله تعالى الجسم من حيز، ثم أوجده في حيز آخر، فإنه يصدق عليه أنه شغل حيزا بعد أن كان شاغلا بحيز آخر، وليس هو متحركا، ولم يوجد الحركة بعد، مع وجود ما ذكرتموه من الحد، فيكون الحد غير مانع.
وثانيهما: أن الجوهر الفرد إذا تحرك في حيزه حركه دورية يصدق عليه أنه متحرك، ولم يشغل حيزا بعد أن كان في حيز آخر ضرورة إيجاده الحيز؛ لأن الجوهر الفرد له حيز فرد، فيكون ما ذكرتموه من الحد غير جامع، كما كان بالسؤال الأول غير مانع، فهو عكس الأول.
قوله: " السكون عبارة عن شغل الحيز الواحد أزمنة كثيرة ".
قنا: يكفي في حقيقة السكون زمانين إجماعا، ولا حاجة إلى أزمنة كثيرة.
قوله: " فيكون ذلك الحيز مأمورا به، منهيا عنه ".
قلنا: الشغل الواحد وإن كان شغلا واحدرا، فله وجهان: هو مأمور به.
стр. 1592
من أحد الوجهين، منهي عنه من الجهة الأخرى، فما يلزم من اتحاد الشغل اتحاد الجهة، فالمنع باق بحالة وإن اتحد الشغل، فإن الشغل الواحد هو صلاة وتقرب غلى الله تعال به في السجود وغيره، فمن هذا الوجه هو مأمور به، وكونه استيفاء لمنافع الغير، فهو من هذا الوجه محرم.
قوله: " ليس النزاع في الصلاة من حيث إنها صلاة، بل في هذه الصلاة ".
قلنا: مسلم أن النزاع في هذه الصلاة، لكن من حيث إنها هذه الصلاة أو من حيث إنها متضمنة لمطلق الصلاة، فالمأمور به فيها هو ما فيها من مطلق الصلاة لا من حيث هي هي.
قوله: " المثال في الخياطة، ودخول الدار، بعيد؛ لأن متعلق الأمر فيه غير متعلق النهي، والنزاع إنما هو الشيء الواحد، فتأمل ".
قلنا: بل مثال مطابق وخياطة للصلاة في الدار كصلاته في الدار المغصوبة.
وقولكم: النزاع إنما هو في الشيء الواحد.
قلنا: لكن غذا كان له جهتان كان كالشغل بالخياطة في الدار هو شغل واحد هو به خياط للثوب، وعاص بالكون في الدار، وكذلك المصلى له شغل واحد هو به مصل ومستوف لمنافع الغير، ففي الصورتين الشغل واحد، والجهات متعددة، والأمر والنهي متعلقان باعتبار شيئين، ولا مانع من تعلق الأمر بالماهية الكلية، بل ما وقع التكليف في الشريعة إلا بذلك فأمر الله تعالى بمطلق الصوم دون الصوم في المكان المخصوص، وكذلك الحج وسائر المأمورات، والواقع أبدا هو أخص من المأمور به دائما، ومتعلق العلم بأنه يقع أخص من المأمور به دائما، وقد تقدم تقريره في (الواجب المخير).
стр. 1593
قوله: " العموم: تخصيص بالدليل القاطع ".
قلنا: قد بينا أنه ليس بقاطع.
قوله: " الفرض يسقط عندها لا بها ".
تقريره: أن سبب براءة الذمة من الواجب إنما هو فعل الواجب، فإذا ثبت أن هذه الصلاة غير مأمور بها كانت غير واجبة، فلا يصلح أن تكون سببا لبراءة الذمة من الواجب، فلا يصدق ان الفرض سقط بها؛ لأن الباء للسببية، بل عندها؛ لأن الإجماع إذا انعقد على سقوط الفرض، ودل الدليل على أنه ما سقط بها كان السقوط عندها، كما إذا دفعت الدين عند حائط معين صدق أن الذمة برئت بالدراهم المدفوعة عند الحائط، ولو قلت: برئت بالحائط عند الدراهم لم يصدق ذلك، وما سببه إلا إنما هو سبب يصلح أن تدخل عليه الباء، وما ليس سببا لا تدخل عليه الباء، فلذلك قلنا: يسقط الفرض عندها لا بها، أما لا بها فقد تبين، وأما عندها فلأن العلماء إن افتوا بسقوط الفرض إنما هو به عند الصلاة، أما إن سكن الدار المغصوبة، ولم يصل لم يفتوا بإسقاط الفرض، فلذلك قلنا: (عندها).
قوله: " السلف أجمعوا على أن الظلمة لا يمؤمرون بقضاء الصلوات ".
قلنا: هذا الإجماع فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن غايته أن ما نقل إلينا أنهم افتوا بالقضاء، ومن أين لنا أن بعضهم في بعض البلاد، او شعاب الجبال، أو بطون الأودية، أو بعض القرى، افتى بذلك، ولا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، لا سيما وهؤلاء الظلمة المشار إليهم هم الكائنونفي زمن بني أمية، حيث اتسع قطر الإسلام وممالكه، وبلاده من مشرق الشمس إلى مغربها؛ لأن الإشارة بلك إلى تلك العين الواقعة في زمن، فالإجماع بعد عصر الصحابة غير
стр. 1594
منضبط، ولذلك إنا لا نكاد نجد إجماعا إلا من زمن الصحابة رضوان الله عليهم مع أن الإمام في (البرهان) منع صحة هذا الإجماع، وقال: كان في السلف متعمقون في التقوى يأمرون بالقضاء بأقل من هذا.
وثانيهما: أن أحمد بن حنبل ﵁ وعبد الحميد من المالكية قالا ببطلان الصلاة ووجوب القضاء، وكونهما أخطآ وخالفا الإجماع خلاف ظاهر حالهما مع كثرة حفظهما، وما نقلاه من الأحاديث والأقضية والوقائع ومكانيهما من الدين والعلم والتحرز.
(تنبيه)
زاد سراج الدين فقال: لقائل أن يقول: لا نزاع في أن الفعل المعين غذا أمر به بعينه لا ينهى عنه ، إنما النزاع في الفعل المعين إذا كان فردا من أفراد الفعل المامور به هل ينهى عنه وما نفيتموه جوازه بين؛ إذ عندكم الأمر بالماهية ليس أمرا بشيء من افرادها؛ ولأنه لو امتنع ذلك لامتنع النهي عن فعل ما؛ لأن نفس الفعل مأمور به لكونه جزءا من الفعل المأمور به، وكل منهي عنه فرد من أفراد نفس الفعل.
стр. 1595
قلت: يريد أن الأمر بالماهية إذا لم يكن أمرا بشيء من أفرادها كان الخصوص غير متعرض إليه بالأمر، فأمكن أن يكون منهيا عنه، وإذا كان مطلق الفعل مامورا به لكونه جزء المأمور به، ويلزم من تعلق الخطاب بالعموم تعلقه بالخصوص على سياق ما قالوه، فيكون الخصوص مأمورا به في كل صورة، فيمتنع أن يكون الخصوص محرما في صورة، وهو خلاف الإجماع والضرورة.
وزاد التبريزي: فقال: الصحيح صحة الصلاة، واجتمع الأمر والنهي باعتبار جهتين.
قلنا: البعيد اتحاد المتعلق، واختلاف وجوه الفعل يبطل اتحاد المتعلق، وكونه لازم الوقوع في الصورة المعينة لا يوجب دخوله في التعلق؛ لأن الأمر هو الطلب، ومتعلقه المعلوم، وما لا يتعلق به العلم لا يتعلق به الطلب، ولذلك لو تعلق به العلم، ولم يتعلق به الغرض - ولو قدرنا الأمر قولا ذكر - فمتعلقه المذكور، فما ليس بمذكور فليس بمأمور، ولو سلم فاللازم لمسماه الصلاة، وهو شغل الحيز لا شغل تلك الغير، والغاصب لم يؤمر بالصلاة في المكان المعين، بل بالصلاة وهو متمكن من إيقاعها بدون شغل تلك الغير، إلا ألا يجد مكانا غيره، فلا يكون منهيا عن الشغل، وليس كلامنا فيه، وإذا لم يدخل الشغل الذي هو متعلق النهي في مسمى الصلاة المأمور بها، ولا كان من لوازم وقوعها لم يتناوله الأمر بالصلاة فتجرد تعلق الأمر عن متعلق النهي إلا أنهما افترقا في الوقوع، وذلك لا يمنع الإجزاء بالمأمور به، كما لو أمر بكسر أحد الكوزين، ونهى عن كسر الآخر فضرب احدهما بالآخر فكسرهما، وكما لو صلى في زحمة، فكما قام أو قعد أدى، أو في ثوب مغصوب أو حرير مع ان الستر جزء الصلاة، فالمأمور به، وهو مقصود بالشغل ليس بمقصود، ويكفي القاطع في سقوط الغرض عنه، وهو الإجماع.
стр. 1596
وقوله: (عندها) لأنها روغان في دفع القاطع؛ فإنا نعلم انحصار جهات سقوط فرض العين في الأداء وتعذره، وورود النسخ، ولا ينفك في انتفاء الأخيرين، فتعين الأول. ثم هب أن القاضي أبا بكر اضطر إلى ارتكاب هذا التكليف فما بال المصنف والإجماع عنده دليل ظني، ودليل كونه حجة عنده ظني، فهلا ترك موجبه لما يعتقده من الدليل القاطع؟
قلت: يريد بقوله: (متعلق الطلب) المعلوم أي ما قصد بالطلب، وإن كان اعتبارا في فعل؛ لأن ما لا شعور به متعذر طلبه.
وقوله: " لو قدرنا بالأمر ذكريا " يعني لسانيا؛ لأنه كان أولا يبحث في الطلب النفساني.
وقوله: " الستر جزء الصلاة المأمور بها " ممنوع بل شرطها، والفق أن الشرط خارج، والجزء داخل، والداخل يستحيل أن يكون خارجا، والشرط لا يكون جزءا.
وقوله: " يعلم انحصار جهات سقوط فرض العين في الأداء وتعذره في النسخ ":
مثال الأول: الصلاة المجموع على صحتها.
مثال الثاني: أغمى عليه حتى مات.
مثال الثالث: ذبح إسحاق ﵇؛ فإنه نسخ قبل وقوعه، لكن برئت الذمة لوجود النسخ لا إيقاع المأمور به على وجه الصحة.
قوله: " الإجماع عنده دليل ظني ".
стр. 1597
قلنا: إلا أنه لم يفرع عليه، بل على المشهور، وكذلك في جميع الكتاب لا يكاد يوجد له عليه تفريع.
(فائدة)
قال سيف الدين: اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد من جهة واحدة لا على جواز تكليف ما لا يطاق .
وإنما اختلفوا في انقسام النوع إلى: واجب كالسجود لله تعالى، وإلى محرم: كالسجود للصنم، فمنعه بعض المعتزلة، وقال: إنما المحرم تعظيم الصنم، وهو غير السجود، وقال: النوع الواحد لا يكون حسنا قبيحا.
وفي الفعل الواحد إذا كان ذا جهتين، فأكثر الفقهاء على الجواز، وخالف فيه الجبائي، وابنه، وابن حنبل، وأهل الظاهر.
والزيدية قالوا بعدم صحة الصلاة في الدار المغضوبة؛ فإن الفرض لا يسقط بها ولا عندها، ووافقهم القاضي ابو بكر إلا في سقوط الفرض، فقال: يسقط الفرض عندها لا بها، ووافقه في (المستصفى)، و (البرهان) الغزالي والإمام في نقل عدم الصحة فيها عن هؤلاء الجماعة.
وزاد صاحب (البرهان) فقال: ويعزي هذا المذهب لطوائف من سلف الفقهاء، وأن الجميع قالوا بوجوب القضاء، وبقاء الأمر متوجها بالصلاة عليه.
وقال ابن برهان في كتاب (الأوسط): كذلك الخلاف في الثوب المغصوب، والماء المغصوب إذا تطهر منه، والزكاة إذا أديت بمكيال مغصوب أو ميزان مغصوب، أو حج على [جمل] مغصوب، أو صلى وعليه ديون ماطل.
стр. 1598
بها، وهذه الفائدة بجملتها في (المستصفى)، و (البرهان)، وكذلك الفائدة التي بعدها.
(فائدة)
قال سيف الدين: المحرم بوصفه يضاد الواجب بأصله عند الشافعي ﵁ خلافا لأبي حنيفة.
كما إذا أوجب الله تعالى الصوم، وحرم إيقاعه في يوم العيد، ونحو ذلك.
فالشافعي يعتقد أن المحرم هو الصوم الواقع، وألحقه بالمحرم باعتبار أصله، فكان تحريمه مضادا للوجوب.
واعتقد أبو حنيفة ان المحرم نفس الوقوع لا الواقع، وهما غيران، فلا يضاد إلحاقا بالمحرم باعتبار غيره، حيث قضى بتحريم صلاة المحدث وبطلانها، إنما كان لفوات شرطها من الطهارة لا للنهي عن إيقاعها مع الحدث، بخلاف الطواف، حيث لم يقم الدليل عنده على اشتراط الطهارة فيه.
حجة الشافعي: أن اللغوي لا يفرق عند سماعه لقول القائل: " حرمت عليك الصوم في هذا اليوم " مع كونه موجبا للتحريم، وبين قوله: حرمت عليك إيقاع الصوم في هذا اليوم "، من جهة أنه لا معنى لإيقاع الصوم في اليوم سوى فعل الصوم في اليوم، فكان فعل الصوم فيه محرما، وكان ضدا للوجوب.
واختلفوا: بان التحريم غيقاع الفعل في الوقت لو كان تحريما للواقع لكان
стр. 1599
تحريم إيقاع الصلاة زمن الحيض تحريما للطلاق، وكذا إيقاع الصلوات في الأوقات والبقاع المنهي عنها فيها.
جوابه: أنا لم نعص بعدم التحريم في الطلاق؛ لقيام المانع من ذلك وهو الإجماع، وصرفته إلى صفته وهو تطويل العدة، وكذلك الصلاة.
(فائدة)
قال الغزالي في (المستصفى): يلزم أحمد بن حنبل - القائل بأن الصلاة باطلة، وجميع العقود محرمة، وحتى البيع وقت النداء ألا تحل امرأة لزوجها من في ذمته دانق ظلم، ولا صلاته، ولا جميع تصرافته، ولا يحصل التحليل بوطء من هذا شانه؛ لأنه عاص بترك رد المظلمة، ولم يتركه إلا بتزويجه، وبيعه، وجميع تصرافته، فيلزم تحريم أكثر النساء وبطلان أكثر الأملاك، وهو خرق الإجماع.
***
стр. 1600
المسألة الرابعة
قال الرازي: ذهب أكثر الفقهاء غلى أن النهي لا يفيد الفساد ، وقال بعض أصحابنا: إنه يفيده، وقال أبو الحسين البصري: إنه يفيد الفساد في العبادات، لا في المعاملات، وهو المختار.
والمراد من كون العبادة فاسدة: انه لا يحصل الإجزاء بها، أما العبادات: فالدليل على أن النهي فيها يدل على الفساد: أن نقول: إنه بعد الإتيان بالفعل المنهي عنه، لم يأت بما أمر به؛ فبقى في العهدة.
إنما قلنا: إنه لم يأت بما أمر به؛ لأن المأمور به غير المنهي عنه؛ كما تقدم بيانه، فلم يكن الإتيان بالمنهي عنه إتيانا بالمأمور به.
وإنما قلنا: إنه وجب أن يبقى في العهدة؛ لأنه تارك للمأمور به، وتارك المأمور به عاص، والعاصي يستحق العقاب؛ على ما مر تقريره في مسألة أن الأمر للوجوب.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالفعل المنهي عنه سببا للخروج عن عهدة الأمر؛ فإنه لا تناقض في أن يقول الشارع: " نهيتك عن الصلاة في الثوب المغصوب؛ ولكن، إن فعلته، أسقطت عنك الفرض بسببه؟
سلما أن ما ذكرته يدل على أن النهي يقتضي الفساد؛ لكنه معارض بدليلين:
الأول: أن النهي لو دل على الفساد، لدل عليه: إما بلفظه، أو بمعناه، ولم يدل عليه في الوجهين، فوجب ألا يدل على الفساد أصلا.
стр. 1601
أما أنه لا يدل عليه بمعناه؛ فلأن الدالة المعنوية: إنما تتحقق إذا كان لمسمى الشيء لازم، فاللفظ الدال على الشيء دال على لازم المسمى؛ بواسطة دلالته على المسمى.
وهاهنا الفساد غير لازم للمنع؛ لأنه استبعاد في أن يقول الشارع: " لا تصل في الثوب المغصوب، ولو صليت، صحت صلاتك، ولا تذبح الشاة بالسكين المغصوب، ولو ذبحتها بها، حلت ذبيحتك " وإذا لم تحصل الملازمة، انتفت الدلالة المعنوية.
الثاني: لو اقتضى النهي الفساد، لكان أينما تحقق النهي، تحقق الفساد.
لكن الأمر ليس كذلك؛ بدليل النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، والوضوء بالماء المغصوب مع صحتهما.
والجواب: قوله: " لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالنهي عنه سببا للخروج عن العهدة؟ ":
قلنا: لانه غذا لم يات بالمأمور به، بقي الطلب كما كان؛ فوجب الإتيان به؛ وإلا لزم العقاب بالدليل المذكور.
قوله: " الصلاة في الثوب المغصوب منهي عنها، ثم إن الإتيان بها يقتضي الخروج عن العهدة ".
قلنا: الدليل الذي ذكرناه يقتضي ألا يخرج الإانسان عن عهدة الأمر؛ إلا بفعل المأمور به؛ إلا انه قد يترك العمل بهذا الدليل في بعض الصور لمعارض.
стр. 1602
والفرق أن مماسة بدن الإنسان للثوب ليست جزءا من ماهية الصلاة، ولا مقدمة لشيء من أجزائها، وإذا كان كذلك، كان آتيا بعين الصلاة المأمور بها؛ من غير خلل في ماهيتها اصلا.
أقصى ما في الباب: أنه أتى مع ذلك بفعل آخر محرم، ولكن لا يقدح في الخروج عن العهدة.
أما المعارضة الأولى: فجوابها: أن النهي دل على أن المنهي عنه مغاير للمأمور به، والنص دل على أن الخروج عن عهدة الأمر لا يحصل إلا بالإتيان بالمأمور به؛ فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن الإتيان بالمنهي عنه لا يقضي الخروجعن العهدة.
وأما المعارضة الثانية: فنقول: لا نسلم أن النهي في الصور التي ذكرتموها تعلق بنفس ما تعلق به الأمر؛ بل بالمجاور، وحيث صح الدليل أن الفعل المأتي به غير الفعل المنهي عنه - فلا نسلم أنه لا يفيد الفساد، والله أعلم.
وأما المعاملات: فالمراد من قولنا: " هذا البيع فاسد ": أنه لا يفيد الملك، فنقول: لو دل النهي على عدم الملك، لدل عليه: إما بلفظه، أو بمعناه؛ ولا يدل عليه بلفظه؛ لأن لفظ النهي لا يدل إلا على الزجر.
ولا يدل عليه بمعناه أيضا؛ لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع: " نهيتك عن هذا البيع، ولكن إن أتيت به، حصل الملك " كالطلاق في زمان الحيض، والبيع وقت النداء.
وإذا ثبت أن النهي لا يدل على الفساد، لا بلفظه، ولا بمعناه، وجب ألا يدل عليه أصلا.
стр. 1603
فإن قيل: هذا يشكل بالنهي في باب العبادات؛ فإنه يدل على الفساد:
ثم نقول: لا نسلم أنه لا يدل عليه بمعناه؛ وبيانه من وجهين:
الأول: أن فعل المنهي عنه معصية، والملك نعمة، والمعصية تناسب المنع من النعمة، وإذا لاحت المناسبة فمحل الاعتبار جميع المناهي الفاسدة.
الثاني: أن النهي عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة؛ أو المساوية:
وعلى التقديرين الأولين: وجب الحكم بالفساد؛ لا، هـ إذا لم يفد الحكم أصلا، كان عبثا، والعاقل لا يرغب في العبث ظاهرا، فلا يقدم عليه؛ فكان القول بالفساد سعيا في إعدام تلك المفسدة.
وعلى التقدير الثالث، وهو التساوي: كان الفعل عبثا، والاشتغال بالعبث محذور عند العقلاء، والقول بالفساد يفضي إلى دفع هذا المحذور؛ فوجب القول به.
سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك؛ لكنه معارض بالنص، والإجماع والمعقول:
أما النص: فقوله ﵊: " من أدخل في ديننا ما ليس منه، فهو رد "
стр. 1604
والمنهي عنه ليس من الدين؛ فيكون مردودا، ولو كان سببا للحكم، لما كان مردودا.
وأما الإجماع: فهو أنهم رجعوا في القول بفساد الربا، وفساد نكاح المتعة -إلى النهي.
وأما المعقول: فمن وجهين:
الأول: أن النهي نقيض الأمر، لكن الأمر يدل على الإجزاء؛ فالنهي يدل على الفساد.
الثاني: أن النهي يدل على مفسدة خالصة، أو راجحة، والقول بالفساد سعي في إعدام تلك المفسدة؛ فوجب أن يكون مشروعا؛ قياسا على جميع المناهي الفاسدة.
والجواب: قوله: " يشكل بالنهي في العبادات ":
قلنا: المراد في الفساد في باب العبادات: أنها غير مجزئة، والمراد منه في باب المعاملات: أنه لا يفيد سائر الأحكام، وإذا اختلف المعنى، لم يتجه أحدهما نقضا على الآخر.
قوله: " الملك نعمة؛ فلا تحصيل من المعصية ":
قلنا: الكلام عليه وعلى الوجه الثاني مذكور في الخلافيات.
وأما الحديث: فنقول: الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين: أحدهما: أنه غير مطابق لأمر الله تعالى، والثاني: أنه سبب للبينونة:
أما الأول: فالقول به إدخخال في الدين ما ليس منه؛ فلا جرم كان ردا.
стр. 1605
وأما الثاني: فلم قلت: إنه ليس من الدين؛ حتى يلزم منه أن يكون ردا؛ فإن هذا عين المتنازع فيه؟
وأما الإجماع: فلا نسلم أن الصاحبة ﵃ رجعوا في فساد الربا والمتعة إلى مجرد النهي؛ بدليل أنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة، وعند ذلك لا بد وأن يكون أحد الحكمين لأجل القرينة، وعليكم الترجيح.
ثم هو معنا؛ لانا لو قلنا: إن النهي يدل على الفساد، لكان الحكم بعدم الفساد في بعض الصور تركا للظاهر.
أما لو قلنا بأنه لا يقتضي الفساد، لم يكن إثبات الفساد في بعض الصور لدليل منفصل؛ تركا للظاهر؛ فكان ما قلناه أولى.
قوله: " الأمر دل على الإجزاء؛ فوجب أن يدل على النهي على الفساد ":
قلنا: هذا غير لازم؛ لإمكان اشتراك المتضادات في بعض الصور اللوازم، ولو سلمنا ذلك، لكان الأمر: لما دل على الإجزاء، وجب ألا يدل النهي عليه، لا أن يدل على الفساد، والله أعلم.
المسألة الرابعة
النهي يقتضي الفساد
قلت: في هذه المسألة خمسة أقوال:
стр. 1606
............................................
стр. 1607
.................................................
стр. 1608
يدل على الفساد.
يدل على الصحة.
لا يدل عليهما.
على شبه الصحة، وهو تفريع المالكية؛ لأن البيع الفاسد عندهم المنهي عنه يفيد شبهة الملك، فإذا اتصل به البيع أو غيره - على ما قرروه - يثبت الملك فيه بالقيمة، وإن كانت قاعدتهم: أن النهي يدل على الفساد في الأصول، غير أنهم راعوا الخلاف في اصل القاعدة في الفروع، فقالوا: شبهة الملك، ولم يمحضوا الفساد، ولا الصحة جمعا بين المذاهب.
التفرقة بين المعاملات والعبادات، فيفسد الثاني دون الأول.
قوله: " أتى بالمنهي عنه، ولم يأت بالمأمور به لأنه غيره ":
قلنا: صدق قولنا: " أتى بالمنهي عنه " أعم من كونه أتى بالمأمور به، أو لم يأت به؛ لأنه قد تقدم أن الخاص قد يكون منهيا عنه، والمفهوم العام قد يكون مباحا كمطلق اللحم في تحريم لحم الخنزير، وواجبا كالصلاة في الدار المغصوبة، ومندوبا كالنافلة في الأوقات المكروهة والبقاع المكروهة، وحراما كالكفر والشرك؛ فإن أصل الكفر حرام، وإذا كان أعم من هذه الأقسام الأربعة لا يستدل به على أحدهما؛ لأن الأعم لا يدل على الأخص.
стр. 1609
قوله: " لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالمنهي عنه سببا للخروج عن العهدة؛ فإنه لا تناقض بين أن يقول الشارع: " نهيتك عن الصلاة في الثوب المغصوب "، و " إذا فعلته خرجت عن العهدة ".
قلنا: أما النهي عنه بما هو منهي عنه لا يكون سببا لبراءة الذمة من الواجب؛ لأن المندوب الذي هو راجح الفعل ومتضمن المصلحة لا يجزئ عن الواجب؛ فإن صلاة ألف ركعة نفلا لا يبرئ الذمة من صلاة الصبح، وأما الصلاة في الثوب المغصوب فإن الذمة غنما برئت؛ لأن المصلي معظما لله تعالى بما شرعه في الصلاة، غير أن ذلك المأمور به صحبه استيفاء حق الغير بغير غذنه، وهذا أمر خارج عن الصلاة، فلم تبرأ الذمة من الواجب إلا بواجب.
قوله: " لا يدل النهي بلفظه على الفساد؛ لأنه لا يدل بلفظه إلا على الزجر فقط ":
قلنا: دعواكم الحصر مصادرة؛ فإن الخصم هو يقول: هو يدل على الأمرين.
سلمنا أنه لا يدل بلفظه، فلم لا يدل بالالتزام؟
قوله: " لا استبعاد في أن يقول الشارع: " لا تصل في الثوب المغصوب وإذا صليت أجزأ عنك "، ولا " لا تذبح الشاة بسكين الغير، وإذا ذبحت أبحتها لك ":
قلنا: الملازمة على قسمين: ظنية، وقطعية، فدلالة الالتزام تنقسم لذلك أيضا هذين القسمين، كما يقول في دلالة المفهوم وغيره: إنه دلالة التزام، وهي دلالة ظنية؛ لأن الملازمة ظنية، وذلك ككأس الحجام؛ لفظه يدل على النجاسة ظاهرا كما يدل لفظ سوسية القصار على الطهارة ظاهرا.
стр. 1610
وإذا تقرر أن دلالة الالتزام - هاهنا - ظنية، فلا يناقضها قولكم: " لا استبعاد في أن يقول الشارع " لأن هذا إشارة إلى الاحتمال، ومن ادعى الظن فقد التزم الاحتمال لازما لدعواه، فلا يرد عليه سؤال ما ادعاه لازما لدعواه؛ لأن لازم الشيء لا يناقضه، والاحتمال لازم للظن، والسؤال والمعارضات كلها لا بد أن تكون منافية متناقضة.
قوله: " لو دل على الفساد لكان حيث تحقق النهي تحقق الفساد، لكنه ليس كذلك؛ فإن الصلاة في الأوقات المكروهة، وبالماء المغصوب صحيحة ".
قلنا: لا نسلم الصحة فقد نقل الغزالي في (المستصفى) عدم صحة الصلاة في الأوقات المكروهة عن بعض العلماء والمنقول عن مذهب أحمد بن حنبل عدم الصحة في الوضوء بالماء المغصوب والذبح بسكين الغير، وطرد القاعدة.
قوله: " الفرق أن مماسة الثوب ليس جزءا من ماهية الصلاة، فالصلاة في نفسها في ماهيتها لا فساد فيها ":
قلنا: لكن الشارع أمره أن ياتي بشرطه كما أمره أن ياتي بصلاة، فكما أنه إذا أتى بصلاة محرمة قدح فيها ذلك عندكم، ولم يعتد بها، وكان كمن لم يصل، وكان من أتى بالشرط المنهي عنه لم يأت بالشرط في نظر الشرع، والصلاة بدون شرطها لا يعتد بها، فنحن لا نورد الفساد على ماهية الصلاة، بل على ماهية الشرط.
قوله: " النص دل على أن الخروج عن العهدة لا يحصل إلا بالإتيان بالمأمور به ".
تقريره: أن هذا النص هو الاجماع إن تيسر نقله، أو يكون معلوما من الدين بالضرورة، فلا يحتاج إلى النقل، وإلا فلا يجد نصا من الكتاب،
стр. 1611
ولا من السنة يقول: لا تبرأ الذمة من أي واجب كان إلا بفعل ذلك الواجب، ويكون ذلك النص شاملا بجملة الشريعة.
قوله: " لا نسلم أن النهي في تلك الصور تعلق بما تعلق به الأمر، بل بالمجاور ".
قلنا: لا نسلم أنه لم يتعلق به أمر، غايته أنه لم يتعلق به الأمر بالصلاة، لكن تعلق به الأمر بتحصيل الشرط، فقد اجتمع الأمر بالسترة والنهي عن الصغب في الثوب، والبحث فيه كالبحث في الصلاة في الدار المغصوبة، وهو قد التزم هنالك تواردهما على شيء واحد، فيلزمه هاهنا.
قوله: " لا يدل النهي في المعاملات بلفظه؛ لأنه لا يدل إلا على الزجر ".
قلنا: هذه مصادرة في هذا الحصر، فلم لا يدل على الوجوب وعدم الملك؟
وتقريره: أن النهي لا يكون إلا لتضمن المنهي عنه مفسدة تقتضي التحريم المتضمن للمفاسد، لا ينبغي أن يمكن الشرع من التصرف فيه وتقريره، بل يأمر بنفيه وعدم تقريره؛ نافيا لذلك المفسدة، واقل الأحوال أن يكون دالا بمعناه، فدعواكم نفي الأمرين لا يستقيم، وأما قولكم: " لا استبعاد في أن يقول الشارع: " نهيتكم عن هذا البيع، فإن أتيت به جعلته سببا للملك ".
قلنا: قد تقدم أن هذا إبداء الاحتمال، والاحتمال لا ينافي الظن؛ لأنه لازم، ولازم الشيء لا ينافيه.
قوله: " المنهي عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة ".
تقريره: أن المصلحة الراجحة كما في الجهاد؛ فإنه مصلحة نصرة الدين، ومحو الكفر من قلوب المشتركين، وفيه مفسدة ذهاب النفوس، والإضرار بالأولاد والعيال، وإفساد الأموال.
стр. 1612
وكذلك القول في المفسدة الخالصة كالكفر، والراجحة كالخمر لقوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩].
قوله: " النهي نقيض الأمر، لكن الأمر يدل على الإجزاء، فالنهي يدل على الفساد ".
تقريره: أن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، بدليل حملهم (لا) النافية - في نصب المضاف - على (إن) وهي نقيضها؛ لأن النفي نقيض الإثبات، وحملوا (الغدايا) على (العشايا) في الجمع، فإن أصل (الفعال) للعشايا دون الغدايا، كزكية، وزكايا، وسرية وسرايا، لكن (بكرة) ضد (عشية)، فحمل عليه؛ لأن أصلهما واحد وهو المصدر، فـ (اضرب) و (لا تضرب) و (بع) و (لا تبع)، و (صل) و (لا تصل) كلاهما مصدره واحد، والأصل في اتحاد الأصول تساوي الفروع، فكما أن الأمر دل على شيئين: الوجوب والإجزاء - النهي - أيضا - يدل على شيئين: الزجر والفساد، فيكون لكل واحد منهما مدلولان عملا بتساوي الأصل الذي هو المصدر، وقد سلك المنصف في مسألة (الإجزاء) عكس هذا الاستدلال فقال: " النهي لا يدل على الفساد، فالأمر لا يدل على الإجزاء "، ولما كان في الكل قولان جاز له البناء على كلا القولين في أي وقت شاء.
قوله: " المراد من الفساد في العبادات أنها لا تفيد براءة الذمة، ومن المعاملات أنها لا تفيد جميع الأحكام، وإذا اختلف البابان لا يرد أحدهما نقضا على الآخر ".
قلنا: لا نسلم اختلاف الباب، بل الفساد في الجميع عدم ترتب الآثار، فأثر النهي في العبادة عدم براءة الذمة، واثر النهي في المعاملات عدم إفادة الملك، وتنوع الأمر يقتضي اختلاف الجنس، ألا ترى أن النهي في المعاملات
стр. 1613
واحد عندكم مع أن أثر البيع الملك في العين، وفي الإجارة الملك في المنفعة، وفي النكاح التمكن من الوطء وفي القراض الأمانة على المال واستحقاق النصيب؟
وفي كل موطن أثر يخالف أثر الآخر، وما يمنعكم الاختلاف من جعل الجمع شيئا واحدا؟ وكذلك العبادات جعلوها مع المعاملات، وصيروا الجميع بعدم ترتب الأثر، وفسروا الصحة في الجميع بترتيب الآثار، والآثار مختلفة، ويجمعها كونها أثرا كما يجمع الحيوان كله كونه حيوانا، وهو مختلف في نفسه.
قوله: " الكلام عليه مذكور في الخلافيات ".
تقريره: أن المذكور في الخلافيات أن الله تعالى رتب على ارتكاب المنهي عنه الحد في جنايات خاصة، والتعزيز فيما عداها، مع سقوط العدالة وغير ذلك مما قد استقر في الشريعة، فليس لأحد أن يزيد على ما رتبه الله تعالى، وعدم الملك زيادة على المفرد فوجب ألا يشرع، فلا ينتقم أحد لله تعالى بأكثر مما انتقم لنفسه.
قوله: " والواجب عن الحديث: أن الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين:
أحدهما: أنه غير مطابق لأمر الله تعالى.
والثاني: أنه يثبت للبينونة، والأول يرد، والثاني محل النزاع ".
قلنا: وقع في كثير من النسخ: أحدها أنه مطابق لأمر الله تعالى بإسقاط (غير) والنسخ الصحيحة بإثبات (غير) ثم نقول: الحديث عام في كل ما ليس من الدين، ورفع الواقع متعذر، فتعين صرفه لآثاره، فتعم جميع الآثار إلا ما أجمعنا عليه، فينتفي الأول والثاني وغيرهما.
стр. 1614
قوله: " لا يلزم من دلالة الأمر على الإجزاء دلالة النهي على الفساد؛ لإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم ":
تقريره: أنهم قاسوا النهي على الأمر في أن كل واحد منهما نقيض الآخر، فيقتضي تيقن الوجوب والإجزاء في الأمر، والتحريم والفساد في النهي، فقال في الواجب: هذا غي
لازم لإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم، وهو غير واجب؛ فإن إمكان اشتراكهما في بعض اللوازم لا باشتراكهما في نفيها، ثم إن الخصم قال: النهي يقتضي الأمر، وقال: هو في الجواب: هو ضده، لكنه قصد كلاما، فنطق ببعضه، فقصد أن المتضادات وإن اشتركت في بعض اللوازم، فيجب اختلافها في بعض، وإلا لكانت أمثالا لا نقائض وأضداد، وإذا وجب اختلافهما في بعض اللوازم فلعل الحكم المطلوب هو مما وقع الاختلاف فيه، فلا يلزم ثبوته، فأراد أن يقول: الإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم، إختلافها في البعض، فاكتفى بمفهوم قوله: في بعض اللوازم؛ لأن مفهوم البعض يقتضي أن البعض الآخر ليس كذلك، وإلا لكان الكل، وأما عدول عن النقيض إلى الضد فتوسع في العبارة؛ فإنه كثيرا ما يستعمل أحدهما في الآخر.
قوله: " سلمنا ذلك، لكن الأمر لما دل على الإجزاء وجب الا يدل النهي عليه، لا أنه يدل على الفساد ":
تقريره: أن النهي إذا كان نقيض الأمر - كما قال الخصم - وشأن النقيض أن يثبت له نقيض حكم نقيضه، فغذا كان السواد يجمع البصر، فعدم السواد لا يجمع البصر، والواجب تعاقب عليه، فما ليس بواجب لا تعاقب عليه، فيكون اللازم هاهنا أن النهي لا يدل على الإجزاء؛ لانه نقيض ما دل عليه، أما دلالته على الفساد، فلا يلزم أن الفساد ليس نقيض الإجزاء، بل أمر آخر ثبوتي مع أن الحق في هذا الموطن أن النهي ضده وليس بنقيض، لأنهما ثبوتيان، والنقيضان لا بد أن يكون أحدهما عدميا، ثم إن ما تقدم من
стр. 1615
اشتراكهما في المصدر يقتضي اشتراكهما في جميع الأحكام إلا ما دل الدليل على عدم المشاركة فيه.
(تنبيه)
بقي من الأسئلة سؤال ما أجاب عنه، وهو قول السائل المنهي عنه: لا بد أن يكون مشتملا على مفسدة خالصة، أو راجحة، فوجب أن يقتضي الفساد كسائر المناهي الفاسدة.
وأجاب عنه صاحب (الحاصل) فقال: اشتمال الفعل على المفسدة لا يمنع كونه مفيدا للحكم.
تقريره: أن السبب الشرعي ليس من شرطه أن يكون مشروعا مأذونا في مباشرته، فالزنا سبب الرجم، والحرابه سبب القتل، والسرقة سبب القطع، وهو كثير، وعدم الفساد هو ترتب الأحكام على المنهي عنه، والأسباب قد تكون كذلك كما في النظائر المذكورة.
(تنبيه)
ترتب الأحكام على الأفعال المحرمة، وجعلها أسبابا يستدل العلماء على أن النهي قد لا يستلزم الفساد ، وفيه تحرير، وهو أن المترتب على الفعل المحرم قد يكون حكما رتب في أصل الشرع على التحريم، كالقطع في السرقة، وقد يكون الفعل المأذون فيه سببا في الشرع بحكم، فإذا وقع محرما قد يترتب عليه ذلك الحكم الذي شأنه أن يترتب على الجائز، كما في الطلاق في الحيض، والملك في البيع الفاسد عند أبي حنيفة، وقد لا يترتب كما في الملاقيح والمضامين، فكل شيء لا يقبل الملك كالخنزير والميتة، فهذا هو محل النزاع في هذه المسألة.
следующие страницы →