← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ولا من السنة يقول: لا تبرأ الذمة من أي واجب كان إلا بفعل ذلك الواجب، ويكون ذلك النص شاملا بجملة الشريعة. قوله: " لا نسلم أن النهي في تلك الصور تعلق بما تعلق به الأمر، بل بالمجاور ". قلنا: لا نسلم أنه لم يتعلق به أمر، غايته أنه لم يتعلق به الأمر بالصلاة، لكن تعلق به الأمر بتحصيل الشرط، فقد اجتمع الأمر بالسترة والنهي عن الصغب في الثوب، والبحث فيه كالبحث في الصلاة في الدار المغصوبة، وهو قد التزم هنالك تواردهما على شيء واحد، فيلزمه هاهنا. قوله: " لا يدل النهي في المعاملات بلفظه؛ لأنه لا يدل إلا على الزجر ". قلنا: هذه مصادرة في هذا الحصر، فلم لا يدل على الوجوب وعدم الملك؟ وتقريره: أن النهي لا يكون إلا لتضمن المنهي عنه مفسدة تقتضي التحريم المتضمن للمفاسد، لا ينبغي أن يمكن الشرع من التصرف فيه وتقريره، بل يأمر بنفيه وعدم تقريره؛ نافيا لذلك المفسدة، واقل الأحوال أن يكون دالا بمعناه، فدعواكم نفي الأمرين لا يستقيم، وأما قولكم: " لا استبعاد في أن يقول الشارع: " نهيتكم عن هذا البيع، فإن أتيت به جعلته سببا للملك ". قلنا: قد تقدم أن هذا إبداء الاحتمال، والاحتمال لا ينافي الظن؛ لأنه لازم، ولازم الشيء لا ينافيه. قوله: " المنهي عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة ". تقريره: أن المصلحة الراجحة كما في الجهاد؛ فإنه مصلحة نصرة الدين، ومحو الكفر من قلوب المشتركين، وفيه مفسدة ذهاب النفوس، والإضرار بالأولاد والعيال، وإفساد الأموال.

стр. 1612

وكذلك القول في المفسدة الخالصة كالكفر، والراجحة كالخمر لقوله تعالى: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: ٢١٩]. قوله: " النهي نقيض الأمر، لكن الأمر يدل على الإجزاء، فالنهي يدل على الفساد ". تقريره: أن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، بدليل حملهم (لا) النافية - في نصب المضاف - على (إن) وهي نقيضها؛ لأن النفي نقيض الإثبات، وحملوا (الغدايا) على (العشايا) في الجمع، فإن أصل (الفعال) للعشايا دون الغدايا، كزكية، وزكايا، وسرية وسرايا، لكن (بكرة) ضد (عشية)، فحمل عليه؛ لأن أصلهما واحد وهو المصدر، فـ (اضرب) و (لا تضرب) و (بع) و (لا تبع)، و (صل) و (لا تصل) كلاهما مصدره واحد، والأصل في اتحاد الأصول تساوي الفروع، فكما أن الأمر دل على شيئين: الوجوب والإجزاء - النهي - أيضا - يدل على شيئين: الزجر والفساد، فيكون لكل واحد منهما مدلولان عملا بتساوي الأصل الذي هو المصدر، وقد سلك المنصف في مسألة (الإجزاء) عكس هذا الاستدلال فقال: " النهي لا يدل على الفساد، فالأمر لا يدل على الإجزاء "، ولما كان في الكل قولان جاز له البناء على كلا القولين في أي وقت شاء. قوله: " المراد من الفساد في العبادات أنها لا تفيد براءة الذمة، ومن المعاملات أنها لا تفيد جميع الأحكام، وإذا اختلف البابان لا يرد أحدهما نقضا على الآخر ". قلنا: لا نسلم اختلاف الباب، بل الفساد في الجميع عدم ترتب الآثار، فأثر النهي في العبادة عدم براءة الذمة، واثر النهي في المعاملات عدم إفادة الملك، وتنوع الأمر يقتضي اختلاف الجنس، ألا ترى أن النهي في المعاملات

стр. 1613

واحد عندكم مع أن أثر البيع الملك في العين، وفي الإجارة الملك في المنفعة، وفي النكاح التمكن من الوطء وفي القراض الأمانة على المال واستحقاق النصيب؟ وفي كل موطن أثر يخالف أثر الآخر، وما يمنعكم الاختلاف من جعل الجمع شيئا واحدا؟ وكذلك العبادات جعلوها مع المعاملات، وصيروا الجميع بعدم ترتب الأثر، وفسروا الصحة في الجميع بترتيب الآثار، والآثار مختلفة، ويجمعها كونها أثرا كما يجمع الحيوان كله كونه حيوانا، وهو مختلف في نفسه. قوله: " الكلام عليه مذكور في الخلافيات ". تقريره: أن المذكور في الخلافيات أن الله تعالى رتب على ارتكاب المنهي عنه الحد في جنايات خاصة، والتعزيز فيما عداها، مع سقوط العدالة وغير ذلك مما قد استقر في الشريعة، فليس لأحد أن يزيد على ما رتبه الله تعالى، وعدم الملك زيادة على المفرد فوجب ألا يشرع، فلا ينتقم أحد لله تعالى بأكثر مما انتقم لنفسه. قوله: " والواجب عن الحديث: أن الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين: أحدهما: أنه غير مطابق لأمر الله تعالى. والثاني: أنه يثبت للبينونة، والأول يرد، والثاني محل النزاع ". قلنا: وقع في كثير من النسخ: أحدها أنه مطابق لأمر الله تعالى بإسقاط (غير) والنسخ الصحيحة بإثبات (غير) ثم نقول: الحديث عام في كل ما ليس من الدين، ورفع الواقع متعذر، فتعين صرفه لآثاره، فتعم جميع الآثار إلا ما أجمعنا عليه، فينتفي الأول والثاني وغيرهما.

стр. 1614

قوله: " لا يلزم من دلالة الأمر على الإجزاء دلالة النهي على الفساد؛ لإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم ": تقريره: أنهم قاسوا النهي على الأمر في أن كل واحد منهما نقيض الآخر، فيقتضي تيقن الوجوب والإجزاء في الأمر، والتحريم والفساد في النهي، فقال في الواجب: هذا غي لازم لإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم، وهو غير واجب؛ فإن إمكان اشتراكهما في بعض اللوازم لا باشتراكهما في نفيها، ثم إن الخصم قال: النهي يقتضي الأمر، وقال: هو في الجواب: هو ضده، لكنه قصد كلاما، فنطق ببعضه، فقصد أن المتضادات وإن اشتركت في بعض اللوازم، فيجب اختلافها في بعض، وإلا لكانت أمثالا لا نقائض وأضداد، وإذا وجب اختلافهما في بعض اللوازم فلعل الحكم المطلوب هو مما وقع الاختلاف فيه، فلا يلزم ثبوته، فأراد أن يقول: الإمكان اشتراك المتضادات في بعض اللوازم، إختلافها في البعض، فاكتفى بمفهوم قوله: في بعض اللوازم؛ لأن مفهوم البعض يقتضي أن البعض الآخر ليس كذلك، وإلا لكان الكل، وأما عدول عن النقيض إلى الضد فتوسع في العبارة؛ فإنه كثيرا ما يستعمل أحدهما في الآخر. قوله: " سلمنا ذلك، لكن الأمر لما دل على الإجزاء وجب الا يدل النهي عليه، لا أنه يدل على الفساد ": تقريره: أن النهي إذا كان نقيض الأمر - كما قال الخصم - وشأن النقيض أن يثبت له نقيض حكم نقيضه، فغذا كان السواد يجمع البصر، فعدم السواد لا يجمع البصر، والواجب تعاقب عليه، فما ليس بواجب لا تعاقب عليه، فيكون اللازم هاهنا أن النهي لا يدل على الإجزاء؛ لانه نقيض ما دل عليه، أما دلالته على الفساد، فلا يلزم أن الفساد ليس نقيض الإجزاء، بل أمر آخر ثبوتي مع أن الحق في هذا الموطن أن النهي ضده وليس بنقيض، لأنهما ثبوتيان، والنقيضان لا بد أن يكون أحدهما عدميا، ثم إن ما تقدم من

стр. 1615

اشتراكهما في المصدر يقتضي اشتراكهما في جميع الأحكام إلا ما دل الدليل على عدم المشاركة فيه. (تنبيه) بقي من الأسئلة سؤال ما أجاب عنه، وهو قول السائل المنهي عنه: لا بد أن يكون مشتملا على مفسدة خالصة، أو راجحة، فوجب أن يقتضي الفساد كسائر المناهي الفاسدة. وأجاب عنه صاحب (الحاصل) فقال: اشتمال الفعل على المفسدة لا يمنع كونه مفيدا للحكم. تقريره: أن السبب الشرعي ليس من شرطه أن يكون مشروعا مأذونا في مباشرته، فالزنا سبب الرجم، والحرابه سبب القتل، والسرقة سبب القطع، وهو كثير، وعدم الفساد هو ترتب الأحكام على المنهي عنه، والأسباب قد تكون كذلك كما في النظائر المذكورة. (تنبيه) ترتب الأحكام على الأفعال المحرمة، وجعلها أسبابا يستدل العلماء على أن النهي قد لا يستلزم الفساد ، وفيه تحرير، وهو أن المترتب على الفعل المحرم قد يكون حكما رتب في أصل الشرع على التحريم، كالقطع في السرقة، وقد يكون الفعل المأذون فيه سببا في الشرع بحكم، فإذا وقع محرما قد يترتب عليه ذلك الحكم الذي شأنه أن يترتب على الجائز، كما في الطلاق في الحيض، والملك في البيع الفاسد عند أبي حنيفة، وقد لا يترتب كما في الملاقيح والمضامين، فكل شيء لا يقبل الملك كالخنزير والميتة، فهذا هو محل النزاع في هذه المسألة.

стр. 1616

أما القسم الأول فمتفق عليه فلا حجة فيه، إنما يصح الاستدلال بثبوت الأحكام التي شانها ان تترتب على المأذون فيه فقط. (سؤال) قال النقشواني: قوله في أول هذه المسألة: " لم يأت بالمأمور به، فوجب أن يبقى على العهدة " يناقض ما قرره في الصلاة في الدار المغصوبة ، أن هناك لم يأت بالمأمور به مع أن كلا الصورتين المصلى عاص فيهما بأمر مع الصلاة، وحكم ثمة بأنه لم يخرج عن العهدة، وهاهنا بأنه خارج عنها. (سؤال) إذا كانت الصحة ترتب الأحكام الشرعية والفساد عدم ترتبها فقبل الشرع لا يكون النهي دالا، فلا يكون البحث في هذه المسألة لغويا، بل شرعيا مع أن البحث في مسائل أصول الفقه إنما يقع في مدلول اللفظ لغة، وقد ينهي الإنسان الفاسق عن التصرفات الصحيحة الشرعية والعبادات الواجبة، فعلى هذا لا يكون النهي يقتضي الفساد لغة البتة. جوابه: أن النهي لغة يدل على الفساد، وهو عدم الآثار عند الناهي كائنا من كان، والناهي على العبادات الواجبة مقتضي نهيه أن لا يصح عنده هو، غير أن الشرع لم يعين مقصده. (فائدة) قال سيف الدين: جماهير الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية على ان النهي يقتضي الفساد في العقود ، ووافقهم جميع أهل الظاهر، وجماعة من المتكلمين، ثم اختلفت الفرق في ذلك:

стр. 1617

فمنهم من قال: إنه من جهة الشرع دون اللغة. ومنهم من قال: ذلك من جهة اللغة. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: الظاهر أنه يدل على الفساد بعرف شرعي ؛ لأنه كان شأن الصحابة رضوان الله عليهم في مناظراتهم، فيدعي نفي الأمر ثم يقول: سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن ذلك ويذكر الحديث؛ ولأن النهي لا بد له من فائدة وليست إلا الفساد؛ لأن طلب الامتناع أما المفسدة في الفعل، أو لعدم فائدة فيه، أو الفائدة في الامتناع، ودليل الحظر أنا لو فرضنا انتفاء الأقسام للزوم أن يكون الفعل مشتملا على المصلحة، خاليا عن المفسدة فيكون مطلوب لا منهيا عنه، وإذا ثبت الحظر لا يجوز أن يكون لعدم الفائدة؛ لانا فرضناه مفيدا لأحكامه ولا للمفسدة؛ لأنها تنشأ من نفس العبد، أو بواسطة ترتب الأحكام عليه، والأول باطل؛ لأن صيغ المعاملات لا مفسدة فيها، ولهذا لا يأثم بها في معظم الساعات، والثاني باطل لأن المفسدة لو نشات من الحكم لما ثبت الحكم نفيا لها؛ ولأن الحكم وضع شرعي والشرع لا يضع المفاسد، ولا يجوز حمله على فائدة الامتناع فإن الامتناع عما فيه فائدة وهي ترتب الحكم على رأي الخصم لا فائدة فيه. فإن قيل: فائدته الابتلاء والامتحان. قلنا: ذلك فائدة الامتناع لأجل النهي، ونحن نطلب فائدة في الامتناع عن الفعل، ليكون النهي حسنا معقولا؛ ولأن النهي ظاهر في التحريم، والاعتبار ينافي التحريم؛ لأنه تمكين للمكلف من تحصيل حكمة الاعتبار؛ بدليل جميع الأحكام المجمع على اعتبارها.

стр. 1618

ولا يرد علينا مواقع السماع، فإنا لا نسلم أن في تلك المواضع نهيا عن نفس التصريف، غايته أن ظاهر الإضافة يقتضي ذلك، لكنه ترك بدليل، وكلامنا حيث ثبت هذا الظاهر. (فائدة) قال الغزالي في (المستصفى): المنهي عنه ثلاثة أقسام: تارة ينهي عنه لذاته كالزنا. وتارة ينهي عنه لغيره كالبيع عند النداء يوم الجمعة. وتارة لوصفه كالطلاق في الحيض والطواف بغير طهارة ونحو ذلك. واتفق الشافعي وأبو حنيفة على أن الأول يقتضي الفساد، والثاني لا يقتضيه، والثالث قال الشافعي: يقتضيه. وقال أبو حنيفة: لا يقتضيه، وجزم الشافعي بأن النهي عن صوم يوم النحر من القسم الأول؛ لان الله تعالى دعا الخلق لضيافته، فالمفسدة في نفس الصوم، وجعل ذلك فرقا بينه وبين الصلاة في الأوقات المكروهة. (فائدة) قال المصنف في (المعالم): أجمعوا على أن النهي لا يفيد الملك في جميع الصور ، بل الضابط أن المنهي عنه إما أن به يكون تمام الماهية، او جزؤها، او خارجا [عنها] لازما، أو خارجا مفارقا، أما القسمان الأولان فيبطل العقد فيهما لتمكن الفساد من نفس الماهية، ووافقنا الحنفي فيهما على الفساد، وأما الثالث وهو الخارج اللازم يكون منشأ المفسدة فقال أبو حنيفة: ينعقد مع وصف الفساد؛ لأنا لو قضينا بالصحة مطلقا لكنا قد سوينا.

стр. 1619

بين اللازم والمفارق الذي لا يفسد معنى كالبيع وقت النداء، ولو قضينا بالفساد مطلقا، لكنا قد سوينا بينما هو في الماهية، وما هو خارج عنها فوجب أن يقابل الأصل بالأصل والوصف بالوصف، يعني الأصل الصحة يقابل أصل العقد، ووصف الفساد يقابل وصف العقد في أحد أركانه، وهو الزيادة في الربا، قال: وهذا تدقيق حسن غير أنه بقى أن يقال: الجمع بين كون الماهية وجميع أجزائها خالية عن المفاسد مع كون لازمها منشأ المفسدة بحال؛ لأن الموجب لذلك اللازم هو تلك الماهية أو جزؤها، والمستلزم للفاسد فاسد. وأما القسم الرابع وهو الخارج المفارق: لا يمنع صحة العقد، كالوضوء بالماء المغصوب. ***

стр. 1620

المسألة الخامسة في ان النهي عن الشيء، هل يدل على صحة المنهي عنه؟ الذين قالوا: إن النهي عن التصرفات لا يدل على الفساد - اختلفوا في أنه، هل يدل على الصحة؟ فنقل عن أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن رحمهما الله أنه يدل على الصحة؛ ولأجل ذلك احتجوا بالنهي عن الربا على انعقاده فاسدا، وكذلك في نذر صوم يوم العيد، وأصحابنا أنكروا ذلك. لنا: قوله ﵌: " دعي الصلاة أيام أقرائك ". وروى أنه ﵌: " نهي عن بيع الملاقيح، والمضامين " فالنهي في هذه الصورة منفك عن الصحة. احتجوا بأن النهي عن غير المقدور عبث، والعبث لا يليق بالحكيم؛ فلا يجوز أن يقال للأعمى: (لا تبصر) ولا أن يقال للزمن: (لا تطر). والجواب عنه: النقض بالمناهي المذكورة، ثم نقول: لم لا يجوز حمل النهي على النسخ؟ كما غذا قال للوكيل: " لا تبع هذا " فإنه وإن كان نهيا في الصيغة، لكنه نسخ في الحقيقة. سلمنا أنه نهي؛ لكن متعلقه هو البيع اللغوي، وذلك ممكن الوجود؛ فلم قلت: إن المسمى الشرعي ممكن الوجود؟ والله أعلم.

стр. 1621

المسألة الخامسة النهي هل يدل على الصحة قوله: " احتجوا بالنهي في الربا يدل على انعقاده فاسدا ": تقريره: أن مذهب أبي حنيفة أن عقود ربا الفضل يرد الزائد، ويثبت الملك في المساوي، فإذا باع درهما بدرهمين يرد درهما، ويملك درهما.

стр. 1622

....................................................

стр. 1623

.....................................................

стр. 1624

..........................................................

стр. 1625

...................................................

стр. 1626

قوله: " لما قال ﵇: " دعي الصلاة أيام أقرائك ". تقريره: أن الصلاة ايام الحيض منهي عنها، وهو لا ينعقد إجماعا. ويرد عليه: ان الواقع عدم الصحة فلم قلتم: إنها مستفادة من لفظ النهي، وإنما ذلك بالإجماع، ولا يلزم من وقوع الشيء في موارد استعمال النهي كون اللفظ مستعملا فيه؛ وقد تقدم بسطه في ان (الواو) للترتيب. ولو قال قائل: إنما وقوع عدم الصحة بخصوص لفظ (دعي) او خصوص لفظ (الأقراء)، وبالجملة الخصم من وراء المنع في ذلك. وله أن يجيب: بأن المطلوب إنما هو عدم دلالة اللفظ على الصحة لا دلالته على عدم الصحة، وبينهما فرق، وهاهنا عدم الدلالة على الصحة، ولولا ذلك لوقعت الصحة عملا بالدليل، وإلا لزم النقض والتخلف.

стр. 1627

قوله: " النهي عن غير المقدور عبث ". قلنا: هاهنا قاعدة وهي أن الصحة العقلية كصحة وجود الأحكام، والصحة الشرعية كجواز الصوم في غير الأيام المنهي عنها، والصحة العرفية كالمسمى أياما. ويشارك الخلاف الطيران في الهواء، وموضع النزاع في هذه المسألة إنما هو في دلالة لفظ النهي على الصحة الشرعية، واما الصحة العقلية والعادية، فلا بد منها في كل ما يتعلق به التكليف، واللغة لم توضع لتكليف ما لا يطاق، فكلام الخصم لا يفيد دعواه، فما يتجه دليله لا يقول به، وما يقول به لا يتجه دليله. قوله: " لم لا يجوز حمل النهي على النسخ، كما يقول الموكل لوكيله: لا تبع هذا؟ " تقريره: الخصم يدعي أنه يدل على صحة تترتب على العقد المنهي عنه، كما قال في عقود الربا وغيرها، فقال المصنف: نحن وإن سلمنا أنه يدل على الصحة، لكن صحة سابقة أو لاحقة؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولا يحصل مقصودكم؛ لأن مقصودكم الصحة اللاحقة. وبيان أنه يدل على الصحة السابقة: أن الخلائق وكلاء الله تعالى في أرضه وخلفاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ [الحديد: ٧]، ولقوله تعالى: ﴿ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون﴾ [الأعراف: ١٢٩]، وقوله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم﴾ [يونس: ١٤]. وإذا كانوا خلائف وكلاء الله تعالى فتكون تصرفاتهم صحيحة جائزة بمقتضى الوكالة، فإذا نهاهم يكون ذلك نسخا في حقهم، كمن وكل وكيلا.

стр. 1628

في بيع سلعة، ثم قال له: (لا تبعها)، فإن ذلك النهي يكون نسخا للجواز السابق، والصحة السابقة، فكان النهي يدل على الصحة لكن سابقة، ومطلوبكم صحة لاحقة، فلا يحصل المقصود لكم. قوله: " يحصل البيع على اللغوي؛ لأنه ممكن الوجود، فلم قلت: إن المسمى الشرعي ممكن الوجود؟ ": يعني ممكن الوجود في الصورة المنهي عنها، بل يبعد وجود البيع المشروع في صورة النهي، هذا كله بناء على تفسير الصحة بمعنى الجواز العقلي أو العادي، والتحقيق أنهما ليس محل النزاع كما تقدم، بل محل النزاع الصحة الشرعية، وهي ترتب آثار النص عليه شرعا. ***

стр. 1629

المسألة السادسة قال الرازي: المطلوب بالنهي عندنا فعل ضد المنهي عنه، وعند أبي هاشم: نفس ألا يفعل المنهي عنه: لنا: ان النهي تكليف، والتكليف إنما يرد بما يقدر عليه المكلف، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا للمكلف؛ لأن القدرة لابد لها من تأثير، والعدم نفي محض؛ فيمتنع إسناده إلى القدرة. وبتقدير أن يكون العدم أثرا؛ يمكن إسناده إلى القدرة، لكن العدم الأصلي لا يمكن إسناده إلى القدرة؛ لأن الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا. وإذا ثبت أن متعلق التكليف ليس هو العدم، ثبت أنه أمر وجودي ينافي المنهي عنه، وهو الضد. احتج المخالف: بأن من دعاه الداعي إلى الزنا، فلم يفعله، فالعقلاء يمدحونه على أنه لم يزن، من غير أن يخطر ببالهم فعل ضد الزنا؛ فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون متعلق التكليف. والجواب: أنهم لا يمدحونه على شيء لا يكون في وسعه، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وسعه؛ على ما تقدم؛ بل إنما يمدحونه على امتناعه من ذلك الفعل، وذلك الامتناع أمر وجودي؛ لا محالة، وهو فعل ضد الزنا. فإن قلت: إنه كما يمكنه فعل الزنا، فذلك يمكنه أن يترك ذلك الفعل على عدمه الأصلي، وألا يغيره؛ فعدم التغيير أمر مقدور له؛ فيتناوله التكليف.

стр. 1630

قلت: المفهوم من قولنا: " تركه على ذلك العدم الأصلي، وما غيره عنه " إما أن يكون محض العدم، أو لا يكون: فإن كان محض العدم: لم يكن متعلق قدرته، فاستحال أن يتناوله التكليف، وإن لم يكن محض العدم: كان أمرا وجوديا، وهو المطلوب. المسألة السادسة المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه قال القرافي: إذا قلنا: النهي عن الشيء امر بضده التزاما تعذر الجمع بينه وبين قولنا: متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه؛ لتعذر أن يكون المدلول مطابقة مدلولا التزاما. فإن قلنا: المراد الكلام النفساني، فالأمر بالشيء غير النهي عن ضده؛ لأن الكلام إنما يصير أمرا ونهيا، فالتعلق بالكلام المتعلق بالضمير. قوله: " العدم الأصلي لا يمكن أن يكون مقدورا ". قلنا: النهي قد يكون عن شيء لم يفعل، يكون معناه حصول العدم الأصلي السابق في الزمان المستقبل، وقد يكون في منع العدم اللاحق بعد طريان الوجود؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢] مع أنهم مسلمون في الوقت الحاضر، وجميع ما نهي عنه العباد وهم متصفون بضده من شرب الخمر، والقتل، والغيبة والنميمة وغير ذلك؛ فإن العدم الأصلي لم يرد في تلك الصور كلها، إنما أريد منع العدم اللاحق أن يدخل الوجود على رأي أبي هاشم، فعبارة المصنف لم تتناول

стр. 1631

الدعوى، بل العدم السابق فقط، بل كان ينبغي أن يقول: العدم غير مقدور مطلقا، ولا يفيد سابق ولا لاحق، ويكون كلاما صحيحا. (قاعدة) اللغات ما وضع فيها الطلب إلا للمقدور دون المعجوز عنه ، ونحن وإن قلنا بجواز تكليف ما لا يطاق، فنحن إنما نقول به في أحكام الربوبية لا في الموضوعات اللغوية، بل اللغات إنما وضعت لتحصيل المقاصد العادية، والمحال لا يحصل عادة فلم يوضع له، فلتعلم أن اللغات لا تتخرج على جواز تكليف ما لا يطاق، ولذلك جاء البحث في هذه المسألة مع أبي هاشم على هذا التقدير الذي ذكره المصنف. (فائدة) ما الفرق بين هذه المسألة وبين قولهم: النهي عن الشيء أمر بضده ؛ فإن في كلتا المسألتين صرحوا بطلب الضد من النهي، فإذا قلنا: المطلوب بالنهي إنما هو الضد يقتضي أن الضد هو مطلوب النهي وإيجاده وهو أمر به؛ لأن الطلب الإيجاد لا يكون إلا بالأمر كما أن طلب الإعدام لا يكون إلا بالنهي، ففي الصورتين الضد مأمور به. قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: انا إذا قلنا: المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه كان بحثا في المتعلقات بفتح اللام. وثانيهما: ان البحث في تلك المسألة في دلالة الالتزام على ضد المنهي عنه، فنحن نقول: متى نهي عن الشيء مطابقة دل على عدم طلب ضده التزاما، والبحث في هذه المسألة في الدلالة مطابقة ما مدلولها المطابقي هل هو العدم الذي سمعه السامع في قوله: (لا تتحرك) أو ضده الذي لا يسمعه السامع وهو السكون؟ والفرق بين دلالة المطابقة والالتزام ظاهر، وقد تقدم بسطه في: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده أم لا؟

стр. 1632

(تنبيه) زاد التبريزي فقال: اختار الغزالي ما قاله أبو هاشم ، واحتجا بأن متعلق التكليف على التحقيق هو الفعل؛ فإن النهي زجر فيتعلق بالفعل كالطلب ليبقى على النفي الأصلي، فتندفع المسألة المتعلقة بالفعل، وليس هو مطالبا بالعدم الذي هو نفي محض، فإن تركه عن غفلة فلا ثواب، أو بعد تمكن وحصول داعية، الحصول كيف وهو أمر وجودي يصلح للتقرب؟ قلت: استدل لهما بما لا يتلخص دليلا لهما؛ فإنه آل أمره إلى إثبات أمر وجودي يتقرب به، وهذا هو الصواب، فلا خلاف، وإنما كان ينبغي أن يقول: لما كان متمكنا من إيجاده اثبت على عدم الإيجاد بسبب تمكنه منه، ويمنع أن التكليف يتعلق بأمر وجودي، بل يتعلق بالإيجاد بالمأمورات، وبالتبعية على عدم الأصلي إذا كان متمكنا من إيجاد نقيضه. ***

стр. 1633

المسألة السابعة النهي عن الأشياء إما أن يكون نهيا عنها عن الجميع، او عن الجمع، أو نهيا عنها؛ على البدل، او عن البدل: أما النهي عنها عن الجميع: فهو أن يقول الناهي للمخاطب: " لا تفعل هذا ولا هذا " - فيكون ذلك موجبا للخلو عنهما أجمع، ثم تلك الأشياء التي أوجب الخلو عنها، إن كان الخلو عنها ممكنا، فلا شك في جواز النهي. وإن لم يكن، كان ذلك النهي جائزا، عند من يجوز التكليف بما لا يطاق. وأما النهي عن الجمع بين أشياء: فهو مثل أن تقول: " لا تجمع بين كذا وكذا ". ثم تلك الأشياء، غن أمكن الجمع بينها، فلا كلام في جواز ذلك النهي؛ وإلا لم يجز عند من لا يجوز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه عبث يجري مجرى نهي الهاوي من شاهق جبل عن الصعود. وأما النهي عن الأشياء على البدل: فهو أن يقال للإنسان: " لا تفعل هذا، إن فعلت ذلك، ولا تفعل ذلك، إن فعلت هذا " وذلك بأن يكون كل واحد منهما مفسدة عند وجود الآخر، وهذا يرجع إلى النهي عن الجمع بينهما، وأما النهي عن البدل، فيفهم منه شيئان: أحدهما: أن ينهى الإنسان عن أن يفعل شيئا، ويجعله بدلا عن غيره، وذلك يرجع إلى النهي عن أن يقصد به البدل؛ وذلك غير ممتنع.

стр. 1634

والآخر: أن ينهى عن أن يفعل أحدهما دون الآخر، لكن يجمع بينهما. وهذا النهي جائز، إن أمكن الجمع، وغير جائز، إن تعذر؛ على قول من لا يجوز تكليف ما لا يطاق، والله أعلم. المسألة السابعة النهي عن الأشياء قوله: " النهي عن الجمع ": معناه: على الجمع في التحريم، كما تقول: نهيته على وجه لا يعود للفعل، فعلى هذا [هل] يقتضي الحال الذي استقر عليها الواقع من الأفعال. قوله: " في النهي عن الجميع إن لم يمكن الجمع بينهما امتنع إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق ": تقريره: أن من شرط المنهي عنه أن يكون ممكنا أن يفعل، ولذلك لا يصح أن ينهى عن المستحيلات؛ لأن المكلف لا بد له فيما كلف به من نوع اختيار، فما لا خيرة فيه لا يصح التكليف به، الا ترى ان النازل من شاهق لا ينهى عن الصعود ولا يؤمر به ولا عن النزول، ولا يؤمر به لما ذكرناه من عدم الخيرة؟ قوله: " النهي عن البدل ": تقريره: أنه يرجع النهي عن المجموع كالأم وابنتها وإحدى الأختين لا بعينها، ومعناه المجموع، وقد تقدم في حد الواجب أن النهي على التخيير لا يتصور كما يتصور إيجاب أحد الأمور على التخيير، وإن أصحابنا قالوا به، كما حكاه سيف الدين هناك، وفيه خلاف.

стр. 1635

وتقريره الصحيح من ذلك مبسوط، وأن كل ما وقع من هذا النوع إنما هو راجع إلى تحريم المجموع. (فائدة) قال ابن برهان: إذا نهي عن إحدى الحالتين لا يفعل هذا أو هذا عندنا لا يجب عليه ترك الحالتين جميعا . وقالت المعتزلة: يجب تركهما، بخلاف ما قالوه في الواجب المخير، قالوا: لا يجب عليه الكل، وإن اتصف بالكلب بالوجوب. ومنشأ الخلاف أن الأشياء عندنا ما حسنت ولا تجب لصفاتها، بل بالشرع، وعندهم لصفاتها، فإذا خير بينهما فقد استويا في المفسدة، فيترك الجميع. وظاهر لفظ التخيير معناه حجة عليه، ووافقه المازري في شرح (البرهان) على هذا النقل، ونقل عن المعتزلة احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ [الإنسان: ٢٤]، فالواجب ترك الجميع. وأجاب بأن ذلك علم من الإجماع لا من اللفظ، وقد تقدم في حد المحرم الجواب عن هذا، وأن التخيير في المحرم محال. والله أعلم. ***

стр. 1636

الكلام في العموم والخصوص قال الرازي: وهو مرتب على أقسام:

стр. 1637

القسم الأول: في العموم وهو مرتب على شطرين: الشطر الأول: في ألفاظ العموم وفيه مسائل: قال القرافي: أقدم قبل الخوض فيه مباحث: البحث الأول: أن العموم من عوارض المعاني، ومن عوارض الألفاظ: أما المعاني فكقولك: مطر عام، ورحمة عامة، وغلاة عامة، وقاعدة عامة، والأجناس والأنواع وجميع الأمور الكلية - كذلك. وأما الألفاظ: فكل ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في هذا الباب. قال سيف الدين: اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، واختلفوا في عروضه للمعاني حقيقة؛ فنفاه الجمهور، وأثبته الأقلون:

стр. 1638

احتج المثبتون بالاستعمال في المثل المتقدم ذكرها، والأصل في الإطلاق الحقيقة. وقال النافون: بل مجاز؛ لوجهين: الأول: عدم الاطراد في زيد وعمرو، والمعاني الجزئية؛ لوجود الأجناس فيها، ولأن العام يكون متحدا متناولا لأمور، وهاهنا لكل قوم مطرد، ولكل شخص حظ من تلك الأمور التي يصفونها بالعموم. والجواب عن الأول: أنه امتنع؛ لأجل الخصوص، كما امتنع أن تسمي الحيوانية التي فيها حسا لأجل الخصوص، وعن الثاني أن تلك الجزئيات بينها قدر مشترك، وهو العام. قال المازري في (شرح البرهان): أصل العموم الشمول، ومنه العامة؛ لكونهم أكثر الناس؛ لكونهم مشتملين على الخاصة، والخصوص: التعلق ببعض ذلك الجنس، أو بجنس دون جنس. وهل يتصور العموم والخصوص في الكلام النفسي؟: مشهور الأشعرية تصورهما منه؛ كالأمر والنهي. وأنكر الإمام في (البرهان) ذلك وصرفه للعموم؛ فإن الإنسان يمكنه تصوره بمعنى العموم؛ فإن الإنسان يمكنه تصوره بمعنى العموم. قلت: وتصويره سهل؛ فإن ذلك الغسناد الخاص أو العام الذي فهم من الألفاظ إنما دل به على معنى قائم في النفس، فذلك هو العموم وأو الخصوص النفساني. قال المازري: وهل يتصور في الأحكام؛ حتى يقال: قطع السارق عام؟ أنكره القاضي، وأثبته أبو المعالي.

стр. 1639

(البحث الثاني) أن إطلاقات الأصوليين اختلفت، فمنهم: من يقول: للمعاني والألفاظ خاص وعام . ومنهم من يفصل، فيفصل للمعاني: أعم وأخص، وللألفاظ: عام وخاص؛ لأن صيغة (أفعل) للتفضيل، والمعاني أبلغ وافضل من الألفاظ، فخصت بصيغة التفضيل.

стр. 1640

(البحث الثالث) في صيغ العموم، وهي نيف وعشرون صيغة: (من) و (ما) و (أي) و (الذي) وتثنيتهما وجمعهما، و (كل) و (جميع) و (أين) و (حيث) و (متى) ولام التعريف في الإفراد والتثنية والجمع، والنكرة في سياق النفي، واسم الجنس، وتثنيته وجمعه، إذا أضيفت هذه الثلاثة، عمت في المضاف، وترك الاستفصال في حكاية الأحوال يقوم مقام العموم في المقال. واختلف في (سائر)؛ فقيل: وهو من السؤر بالهمز الذي هو البقية، فلا يعم، وهو المشهور من استعمال الفصحاء. ومنه قوله ﵇: " أمسك أربعا، وفارق سائرهن "، أي: باقيهن.

стр. 1641

وقيل: من (السور) بغير همز الذي هو سور المدينة المحيط بها؛ فعلى هذا يكون للعموم، ونص عليه الجوهري، ونصره الشيخ أبو عمرو بن الحاجب، وهو قليل من حيث الصحة، وإن كان استعمال العرف إنما هو عليه غالبا دون الأول، والجمهور يغلطونهم في ذلك. ويقول الفقهاء وغيرهم: سائر الفقهاء يعتقدون أن النية شرط في الصلاة، أي: جميعهم، نقل هذا جميعه القاضي عبد الوهاب المالكي في (كتاب الإفادة). وعندي أنها من جمله صيغ العموم التي هي حرف جر؛ لما يأتي تقريره في أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم؟ وطالعه من هنالك. (البحث الرابع في تحفيق موضوع صيغ العموم) وهو في غاية الإشكال، ولقد وقع البحث فيه مع جماعة من الفضلاء فما تيسر لهم من جواب. وتقرير الإشكال في تحقيق موضوعه: أن صيغ العموم بين أفرادها قدر مشترك، ولها خصوصيات. والصيغة: إما أن تكون موضوعة للمشترك بينها، او لخصوصياتها، أو للمجموع المركب منها في كل فرد، او لمجموع الأفراد؛ والقدر المشترك يفيد العدد. أما المشترك: فلأن اللفظ حينئذ يكون متواطئا مطلقا، يقتصر بحكمه على فرد من أفراده؛ لأنا لا نعني بالمطلق إلا اللفظ الموضوع للقدر المشترك؛ كقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [المائدة: ٨٩]. والعام قسيم المطلق، فلا يكون مطلقا، ولأنه لا يقتصر بحكمه على فرد. وأما الخصوصيات في افراد المشتركين مثلا: فالخصوصيات متباينة مختلفة؛

стр. 1642

كالطول والقصر والسود والبياض، ونحو ذلك، فلو كان اللفظ موضوعا لها، لزم أن تكون صيغة العموم مشتركة لوضعها بإزاء المختلفات؛ لكنها ليست مشتركة لوجوه: احدها: أن المشترك لا تكون مسمياته غير متناهية؛ لأن الوضع فرع التصور، [و] جميع ما يتصوره الواضع متناه، والاستقراء أيضا دل على ذلك، لكن خصوصيات مسميات المشترك غير متناهية؛ فلا يكون اللفظ مشتركا. وثانيها: أن المشترك لا يستعمل في كل أفراده؛ على قول جماعة من المعممة، والعام يستعمل في جميع أفراده؛ باتفاق المعممة. وثالثها: أن المشترك مجمل يفتقر في حمله على شيء إلى قرينة، والعام عند المعمعة غير مجمل؛ فلا يكون لفظا لعموم مشترك. وأما المشترك مع الخصوصية في كل فرد؛ مثل أن يكون موضوعا لمفهوم الشرك مثلا، ومع وصف الطول في زيد، والمفهوم الشرك مع وصف القصر في عمرو، فيتحصل في كل شخص مجموع مخالف للمجموع المتحصل من الشخص؛ لأن المشترك أبدا مع الخصوصية في كل فرد مخالف للمشترك مع الخصوصية في الفرد الآخر؛ فيكون اللفظ موضوعا لحقائق مختلفة؛ لأنها مجموعات متباينة، وقد تقدم أن اللفظ العام لا يكون مشتركا. وأما مجموع الأفراد المركب من جميع المشتركين مثلا: فلا يجوز أن يكون اللفظ موضوعا بإزائه؛ لأن صيغة العموم لو كانت موضوعة للمجموع، لتعدد الاستدلال بها على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النفي والنهي؛ بخلاف الأمر والثبوت؛ لأنه يكفي في نفي المجموع فرد من أفراده، وإذا نهى عنه يخرج من عدته بفرد من أفراده؛ لأن معنى النهي لا يعين المجموع للوجود، وإذا ترك منه فرد، فما عين المجموع للوجود.

стр. 1643

فإذا قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: ١٥١] فعلى تقدير كون اللفظ موضوعا للمجموع، يكون معنى الآية: " لا تقتلوا مجموع النفوس "، فمن قتل الإماء من النفوس، لا يصدق عليه أنه قتل مجموع النفوس، فلا يكون عاصيا؛ لانه لم يقتل المجموع، فظهر أنه لو كان المجموع، لما أمكن الاستدلال به على ثبوت حكمه بكل فرد من افراده، فلا يكون اللفظ على هذا التقدير للعموم، هذا خلف، وهذا بخلاف الأمر بالمجموع، او الإخبار عن ثبوت المجموع؛ لأن وجوب المجموع يقتضي وجوب كل افراده، والإخبار عن ثبوته يقتضي أنه لا يصدق إلا بثبوت كل أفراده؛ فظهر الفرق بين النهي والنفي، وبين الأمر وخبر الثبوت. وأما ان صيغة العموم لا تكون موضوعة للمشترك بقيد العدد؛ لأن مفهوم العدد أمر كلي، ومفهوم المشترك كلي. والقاعدة: أن إضافة الكلي إلى الكلي يقتضي أن المجموع كلي، فيكون موضوع العموم على هذا التقدير كليا، فيكون مطلقا، وهو باطل لما تقدم. وأما المشترك بقيد يسلب النهاية، فباطل أيضا؛ لأن المعنى حينئذ: " لا تقتلوا النفوس " بقيد سلب النهاية، فمن قتل العالم يخالف هذا النهي، فيئول البحث إلى تعذر الاستدلال بنفي النفي، والنهي دون الأمر، وخبر الثبوت، وقد تقدم إبطاله، وإذا بطلت هذه الأقسام كلها، أشكل حينئذ مسمى لفظ العموم غاية الإشكال، ويظهر أنه يلزم مما يتخيل فيها ثلاثة أمور: الاشتراك، والإطلاق، أو تعدد الاستدلال بها في النفي والنهي؛ فجميع ما يتخيل من هذا القبيل لا يخرج عن هذه الأمور الثلاثة، وحينئذ يتعين كشف الغطاء عن المعنى الذي وضعت له صيغة العموم. فأقول: إن صيغة العموم موضوعة للقدر المشترك مع قيد يتبعه بحكمه في جميع موارده.

стр. 1644

فبقولنا: " القدر المشترك ": خرجت الأعلام؛ لأن ألفاظها موضوعة بإزاء جزئية لا كلية مشتركة، أعني: علم الشخص لا علم الجنس، وبقولننا: " مع قيد يتبعه بحكمه في جميع موارده ": خرج المطلق؛ لأن المطلق يقتصر بحكمه على فرد من أفراده، والعموم منهما وجد منه فرد رتب فيه ذلك الحكم. ونعني (بحكمه) القدر المشترك بين الأمر والنهي، والخبر والاستخبار والنداء، وجميع الأحكام المقصودة في تركيب اللفظ لا تقتصر بذلك لى نوع معين من الأحكام، ولا يلزم أن يكون مشتركا حينئذ؛ لأن المسمى واحد، وهو المشترك مع قيد التتبع، فالمسمى مركب من هذين القيدين، وهذا المركب هو المسمى، ولم توضع اللفظه بإزاء غيره، فلا يكون اللفظ إلا مسمى واحدا، فلا يكون اللفظ مشتركا، فاندفعت جميع الإشكالات، وتحرر معنى العموم، وأمكن الاستدلال به على ثبوت حكمه في جميع موارده، من غير إشكال ألبتة، فتأمل ذلك فهو صعب التحرير، وعظيم الإشكالات كما ترى. (البحث الخامس) اتفقت النحاة على أن أربع صيغ من جموع التكسير وهي التي يجمعها قول الشاعر (البسيط): بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد

стр. 1645

وجموع السلامة مذكرة ومؤنثة - للقلة، وهو العشرة، فما دونها نحو أفلس وأجمال، وأرغفة، وصبية، ومسلمين، ومسلمات. واتفق الأصوليون القائلون بالعموم، وهم أهل الفقه، وجل حملة الشريعة؛ على أن صيغة (المشركين) للعموم، وكذلك الأجمال والأرغفة ونحوها، وهاتان فرقتان عظيمتان ينقلان عن العرب، وكل فرقة تنقل عكس ما نقلته الأخرى، فاين العموم الذي هو غير متناه فوق الآلاف المضاعفة من العشرة فما دونها؛ كما قاله النحاة، ولا سبيل إلى تكذيب واحدة منهما؛ لجلالتها وعظم قدرها، وشأنها في الدين والعلم والعدالة، فتعين الجمع، وطريق الجمع قاله الإمام فخر الدين في أثناء كلامه في المباحث في (المحصول) في باب العموم، وكذلك إمام الحرمين في (البرهان)، وهو أن نقل النحاة عن العرب أنها للعشرة فما دونها - إذا كانت نكرة، نحو (مشركين) و (أجمال) ونقل الأصوليين محمول على ما إذا كانت معرفة بـ (اللام) وأما النكرات فلا، وكذلك ما قيل: " إن الجمع المنكر للعموم " إلا شذوذا. (البحث السادس) في أن مدلول العموم كلية لا كل ولا كلي ، وذلك يتوقف على بيان الكل، والكلية، والجزء، والجزئية. أما الكلي: فهو القدر المشترك بين جميع الأفراد لمفهوم المشترك في المشركين، ومفهوم الحيوان في أنواعه، كذلك جميع الأجناس والأنواع. وأما الكل: فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد، ويكون الحكم فيه على المجموع من حيث هو مجموع، لا على الأفراد. والكلية: يكون الحكم فيها على كل فرد فرد، بحيث لا يبقى فرد.

стр. 1646

فإذا قلنا: " كل رجل يشبعه رغيفان " صدق ذلك باعتبار الكلية لا باعتبار الكل، أي: كل رجل على حالة يشبعه رغيفان غالبا، ولا يصدق هذا الحكم باعتبار الكل، اي: المجموع من حيث هو مجموع لا يكفيه رغيفان، ولا قناطير؛ لا، الكل والكلية يندرج فيها الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة، وجميع ما في مادة الإمكان، وإذا قلنا: كل رجل يحمل الصغرة العظيمة، صدق ذلك باعتبار الكل دون الكلية، لأن المجموع، إذا اجتمع، شال أي صخرة عظيمة أشير إليها، واما كل واحد على حياله فيعجز عنها. وإذا قلنا: " الحيوان جنس، والإنسان نوع " صدق ذلك باعتبار الكل الذي هو القدر المشترك دون الكل؛ لأن المجموع ليس جنسا؛ لأن من شرط الجنس أن يصح حمله على كل فرد من افراده، وكذلك الكلية لا تصدق على شخص معين؛ لأن من شرط الكلية والكلي ألا يبقى فرد إلا وقد اندرج في الحكم، وجميع الأفراد لا تصدق على الشخص المعين، فحينئذ إنما تصدق على الشخص المعين الكلي دون الكل والكلية، فتتغاير هذه الأحكام، ويصدق بعضها على شيء يظهر لك الفرق بينهما. إذا تقرر الفرق بين الكل والكلية والكلي، فالفرق [بين] الجزء، والجزئية، والجزئي: أن الجزء بعض الكل؛ كالخمسة بالنسبة إلى العشرة، والجزئية بعض الكلية؛ نحو كل عام مخصوص، والجزئي: هو الكلي وقد زائد، وهو تشخصه، فالجزئي عكس الجزء؛ لأن الجزئي كلي، والكلي بعضه، والجزء بعض الكل، فهو عكسه. إذا تقرر الفرق بين السببية، فاعلم أن مسمى العموم كلية لا كل، وإلا لتعذر الاستدلال في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده؛ كما تقدم، وإنما يصح الاستدلال به على ثبوت حكمه للفرد المعين في النفي والنهي، إذا كان معناه الكلية التي الحكم فيها على كل فرد فرد، بحيث لا

стр. 1647

يبقى فرد؛ فحينئذ لفظها دال على ثبوت الحكم لأي فرد شاء من أفرادها في النفي والنهي. وأما في الأمر وخبر الثبوت: فلا يختلف الحال بين الكل والكلية؛ لأنه يلزم من إيجاب الكل والكلية - إيجاب الأفراد، ويلزم من صدق الخبر عن ثبوت الحكم للكل - ثبوته لكل فرد؛ كوجوب أربع ركعات في الظهر، يلزم منه وجوب كل ركعة، وكذلك الإخبار عن ثوبت أربعة يقتضي ثبوت كل فرد منها، وإنما يفرق بين البابين النهي وخبر النفي، لأن الانتهاء يكفي فيه فرد واحد من المجموع، ونفي المجموع يكفي فيه فرد، فإذا قلنا: ليس في الدار عشرة، يكفي نفي واحد منها؛ فيصدق الخبر، ولو كان في الدار تسعة، وكذلك يصدق أن الله تعالى نهى عن خمس ركعات في الظهر، وإن كانت الأربعة واجبة؛ فظهر حينئذ أن مدلول العموم كلية لا كل؛ لصحة الاشتراك به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به إجماعا. (سؤال) دلالة العموم على كل فرد من أفراده؛ نحو: زيد مثلا من المشركين " لا يمكن أن يكون بطريق المطابقة؛ لأن دلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على مسماه بكماله، ولفظ العموم لم يوضع لـ (زيد) فقط، حتى تكون الدلالة عليه مطابقة، ولا بطريق التضمن؛ لأن دلالة التضمن هي: دلالة اللفظ على جزء مسماه، والجزء لا يصدق إلا إذا كان المسمى كلا، ومدلول لفظ العموم ليس كلا كما تقدم، فلا يكون زيد جزءا، فلا يدل اللفظ عليه تضمنا، ولا بطريق الالتزام؛ لأن دلالة الالتزام في دلالة اللفظ على لازم مسماه ولازم المسمى لابد وأن يكون خارجا عن المسمى، و (زيد) ليس خارجا عن مسمى العموم؛ لأنه لو خرج زيد عن مسمى العموم، خرج عمرو وخالد، وحينئذ لا يبقى من المسمى شيء، فعلمنا أن زيدا ليس خارجا.

стр. 1648

عن مسمى العموم، بل هو من جملة المسمى، ولا معنى للمسمى إلا هذه الأفراد، وإذا بطل لفظ العموم على (زيد) مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما، بطل أن يدل لفظ العموم مطلقا؛ لانحصار الدلالة في الأقسام الثلاثة. وقد تقدم شيء في دلالات الألفاظ في هذا الكتاب، وفي (شرح المنتخب) أن الجواب عن هذا السؤال: انه يدل بطريق التضمين؛ لأن لفظ العموم موضوع للقدر المشترك بين افراده مع قيد يتبعه بحكمه في جميع محاله، والتبعيض في البعض يقتضي التتبع في الكل، هذا ما قدمته جوابا. وأما الآن: فلا أرتضيه؛ لأن التتبع في جميع المحال، أو في كل المحال معناه: إثبات الحكم لكل محل محل على حياله، بحيث لا يبقى محل، وهذا معنى الكلية، ولولا تفسير الكلية بهذا، للزم أن يتعذر الاستدلال بلفظ العموم على ثبوته لكل فرد من أفراده في النهي والنفي؛ كما تقدم فحينئذ لا معنى لذلك التتبع إلا الكلية، فيكون بعضها جزئية لا جزءا. ودلالة التضمن: إنما هي دلالة اللفظ على جزء مسماه الداخل فيه باعتبار ان المسمى كلي، وهاهنا ليس كلا؛ فلا تصدق دلالة التضمن، فحينئذ يبقى السؤال بغير جواب. وتكون صيغ العموم كلها نقضا على تقسيم دلالات الألفاظ، وحصرها في الثلاثة: المطابقة، والتضمن، والالتزام، وتقدم في (باب الجزء، والكل) أول الكتاب أنها نقض على حصر الجزئي في المضمر والعلم؛ فإن مفهومها يمنع تصور وقوع الشركة فيه؛ فيكون جزئيا، مع أنه لم يذكره،

стр. 1649

فيكون الحصر في المضمر والعلم باطلا؛ فتكون صيغ العموم نقضا على هذين البابين، ولا يخلص من السؤال القائلون بعدم العمون؛ لأنا نفرض صيغا وضعت للكليات؛ لأنه ممكن، فغذا وقع هذا الجائز، كيف تكون دلالته؟ ويعود السؤال، فاعلم ذلك. (فائدة) إذا علمت أن صيغ العموم مدلولها كلية لا كلي، فافهم ذلك أيضا في الضمائر بأسرها ، وصيغ الجموع النكرات، فإذا قال السيد لعبيده: (لا تخرجوا) ليس المراد: لا يخرج كلكم من حيث هو كل، بل المراد بهذه (الواو) التي هي ضمير في (تخرجوا): كل واحد واحد على حياله، وكذلك إذا اخبره بالنفي كقوله: " لا اغضب عليكم أو على أحدكم " فالمراد: ثبوت هذا الحكم لكل فرد فرد مما دلت عليه هذه (الكاف) وكذلك جميع الضمائر، والجموع المنكرة كذلك، فإذا قال: " لأكرمن رجالا اليوم " فالمراد: أكرم كل واحد واحد، مما دل عليه (رجال): وكذلك قوله تعالى ﴿عليكم أنفسكم﴾ [المائدة: ١٠٥] اي: على كل واحد واحد بنفسه، وليس المراد المجموع، فجميع الضمائر والجموع النكرات: الحكم فيها على كل واحد واحد على حياله، وهذا معنى الكلية. (البحث السابع) إذا تقرر أن مدلول العمومات كلية لا كل، فاعلم أن هذا عموم باعتبار أفراد المشترك من ذلك العموم فقط ، وهو مطلق باعتبار الازمان والبقاع والأحوال والمتعلقات، فتفطن لهذه الأربعة؛ فإنها لا عموم فيها من جهة العموم في الأشخاص؛ بل إنما يدخلها العموم بصيغة وضعت للعموم فيها؛ نحو قولك: (لا كلمته) للإمام و (لا هجرته) في جميع البقاع، و (لا

стр. 1650

سلمت عليه) في جميع الأحوال، فهذه عمومات خالصة بها، وإنما الكلام غذا كانت صيغة العموم في غيرها، فغن ذلك العام مطلق فيها. فإذا قال الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] بعمومه، باعتبار كل مشرك مشرك بحيث لا يبقى مشرك، ولا دلالة له على أن المشركين في ارض الشام، ولا بلاد الهند، بل يعلم بطريق الالتزام أنه لا بد لكل مشرك من بقعة يكون فيها، وزمان يكون فيه، وحال يكفر فيها، وكما لا يدل على خصوص المكان، فكذلك الزمان؛ لا يدل لفظ المشركين على يوم السبت، ولا يوم الأحد، ولا ان بهم جوعا أو خوفا أو غير ذلك من الأحوال، وكذلك المتعلقات، فإذا قلت: (لا علم لي) فهو عام في جميع افراد العلم، مطلق في متعلقه. فغذا قلت: (لا علم لي بوجود زيد في الدار) بعد قولك: (لا علم لي) لا يكون ذلك مناقضا للعموم الأول؛ بل تفسيرا لذلك المطلق بمتعلق مخصوص. فمن استدل بعموم المشركين على خصوص حالة أو مكان أو زمان أو متعلق فاسد لإله باطل، فإن الدال على المطلق لا يدل على الخصوصيات، فاعلم ذلك، فإنك تجد نفعه في باب التخصيص؛ على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى. (البحث الثامن) في ان إطلاق العلماء العموم بالاشتراك على معنيين: أحدهما: ما تقدم. والآخر: عموم الصلاحية. فعندهم: كل مطلق عام عموم البدلية والصلاحية؛ باعتبار أنه يصدق على
следующие страницы →