← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ولقائل أن يعترض على الأول: بأن لفظ " لناس، والجماعة، والأسود، والأحمر " لا يتناول إلا الموجودين؛ فيختص بالحاضرين. وعلى الثاني: بأن ذكر التخصيص، إنما يحتاج إليه لو جرى لفظ يوهم العموم، لكنا قلنا: إن الخطاب مشافهة لا يحتمل أن يدخل فيه الذين سيوجدون بعد ذلك؛ فلا حاجة فيه إلى بيان التخصيص. المسألة الحادية عشر قال القرافي: خطاب المشافهة والمخاطبة يخص الموجودين؛ كقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنو﴾ [البقرة: ١٧٨]. تقريره: أن النداء في لسان العرب لا يكون إلا مع القريب الموجود، أما البعيد جدا؛ كنداء من في المشرق من في المغرب، لا يناديه العرب، إلا على سبيل المجاز، وكذلك من لا يصلح للنداء؛ كقوله تعالى حكاية عن الكافر: ﴿ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦] فمناداة الحسرة ونحوها مما لا يعقل، (و) للعلماء فيه تأويلات مذكورة في موضعها، فالمعدوم أولى، غير أن فهرسة المسألة أعم من النداء، وما مثلها إلا تأكيدا؛ فإن المخاطبة صدق ضمائر الخطاب من غير نداء؛ نحو: أكرمتكم، وأمرتكم، وقوموا، و ﴿أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: ١٩٩] والكل أيضا لا يكون في لسان العرب إلا للموجود الذي يمكن مخاطبته بذلك الحكم، وما عدا ذلك فهو محمول على المجاز. (تنبيه) ينبغي أن تستحضر الفرق بين قوله تعالى: ﴿يأيها الناس﴾ [البقرة: ٢١] وبين قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] ونحوها مما لا نداء فيه، ولا خطاب، وبين قوله تعالى: ﴿يا

стр. 1822

عبادي الذين أسرفوا﴾ وبين قوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١]: أن الأول يشترط فيه الوجود والاتصال بتلك الصفة الواقعة في الخطاب، حتى يكون حقيقة، والثاني لا يشترط فيه الوجود، ولا حصول ذلك الوصف في كونه حقيقة، بل يصدق اللفظ حقيقة في المعدوم أيضا، وسر الفرق: ما تقدم بسطه في " باب المشتق " هل يشرط بقاؤه حالة إطلاق المشتق منه أم لا؟ من أن المشتق تارة يكون محكوما به، وتارة يكون متعلق الحكم، فإن كان محكوما به، اشترط وجوده، وإن كان متعلق الحكم، فلا، وبسطه هناك، وبيان مدركه، فلا أطول بإعادته، فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] و ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ [الأعراف: ٣١] يتناول الناس، وجملة المسرفين أبد الآبدين؛ ويكون حينئذ بخلاف القسم الآخر، وبه يظهر الجواب عن قوله في الرد على استدلال الجماعة؛ بأن لفظ الناس والجماعة والأسود والأحمر لا يتناول إلا الموجودين؛ لأنا نقول: قوله ﵇: " بعثت للأسود والأحمر ": هاهنا متعلق الحكم يعم الموصوفين بهذه الصفات إلى قيام الساعة، ويكون حقيقة؛ لأنه متعلق الحكم، لا محكوم به. فإذا قلنا: " هذا أحمر، هذا أسود " المعنى هاهنا محكوم به، وكذلك الجواب عن البقية، فتأمل ذلك وراجعه من " مسألة الاشتقاق " يتضح لك أكثره، ويندفع بهذه القاعدة أسئلة كثيرة في أصول الفقة، وفي الفقه والتفسير ومواضع كثيرة، ويعرف بها التخصيص من المجاز في هذه المواطن؛ حتى إنه ينبغي أن يجعل هذا من جملة الفروق المذكورة بين المجاز والحقيقة في باب المجاز؛ فقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] يتناول كل مشرك إلى قيام الساعة؛ بخلاف: هؤلاء مشركون، وقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ [النور: ٢] يتناول جميع الزناة، وقولنا: " واصحب العلماء والزهاد " يتناولهم إلى قيام الساعة؛ لأن هذا كله متعلق الحكم؛ لأن الله تعالى حكم

стр. 1823

بالقتل، وجعلهم متعلق الحكم، ولم يحكم بأن أحدا مشرك في هذه الآية، ولم يحكم أيضا بأن أحدا زنى ولا سرق، بل جعلهم متعلق حكم إيجاب الجلد والقطع، وكذلك جميع موارد الاستعمال فيها، الفرق بين كون المعنى محكوما به، أو متعلق الحكم. (سؤال) قال النقشواني: هذه المسألة تناقض قوله: إن المعدوم يكون مخاطبا بالخطاب السابق؛ فلم لا يجوز أن يكون الخطاب الموجود في زمان رسول الله ﷺ يتناول من أتى بعده، وإن كان معدوما؛ كما قالوه في تلك المسألة؟ (سؤال) قال: قوله: " من ليس موجودا لا يكون إنسانا " لا يستقيم ؛ لأن الإنسان في نفسه إنسان، والحقائق كلها في أنفسها يجب لها أن تكون على صفات أنفسها، وجدت أو عدمت، وهو ضروري، وكذلك لو حكمنا، فقلنا: " كل إنسان ناطق أو حيوان " اندرج كل إنسان في حكمنا، وإن كان معدوما؛ وإلا لما صدقت الكليات أبدا، والجواب عن الأول: أنه لا مناقضة؛ لأن قولنا: " مرادنا في المسألة المعدوم يجوز خطابه في الكلام النفساني " أي: هو متعلق بالمعدوم في الأزل، والكلام النفساني لا يدخله الحقيقة ولا المجاز؛ بل هما من عوارض الألفاظ اللغوية، وهذه المسألة خاصة باللفظ اللغوي ن فهل يتناول بالوضع المعدوم في المشافهة أم لا؟ فالمسألتان مفترقتان. وعن الثاني: أنا لا نسلم أن الحقائق في أنفسها تكون، حالة العدم يصدق عليها سواد، وبياض، وإنسان، بل المعدومات نفي صرف ليس فيها سواد ولا بياض، وإنما يأتي ذلك على رأي المعتزلة القائلين بأن المعدوم شيء؛ مع أنهم خصصوا ذلك في مقالاتهم بالبسائط من المعاني، أما المركبات، فلم

стр. 1824

يقل أحد من مشاهيرهم به، وإنما حكاه الإمام في (المحصل) عن شردمه قليلة منهم، فالإنسان من المركبات، وكذلك الأحمر والأسود، بخلاف الحمرة والسواد، فإنهما بسيطان؛ هذا تفصيل مذهب المعتزلة. وأما نحن، فنقول: لا يصير السواد سوادا، ولا غيره من الحقائق، إلا بقدرة الله تعالى فذلك تابع للإيجاد، ولا كائن قبله، فلم تصدق خصائص الحقائق عليها، وهي معدومة ألبتة. وقولنا: " من المحال ألا يكون السواد سوادا ". معناه: أنه إذا وجد السواد لا يكون سوادا، لا أنه حالة العدم سواد، بل ذلك مذهب المعتزلة. وقولنا: " كل إنسان حيوان " كلية صحيحة، ومعناها أن كل ما لو وجد وكان إنسانا، كان حيوانا، ومن المحال أن يتصف في الوجود بالإنسانية، ولا يتصف بالحيوانية؛ هذا معنى الكليات في جميع المدارك، لا أنا قضينا على المعدومات؛ بأنها أناسي وحيوانات، بل ذلك كله على تقدير الوجود. ***

стр. 1825

المسألة الثانية عشرة قال الرازي: قول الصحابي: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر " لا يفيد العموم ؛ لأن الحجة في المحكة لا في الحكاية، والذي رآه الصحابي؛ حتى روى النهي عنه يحتمل أن يكون خاصا بصورة واحدة، وأن يكون عاما، ومع الاحتمال؛ لا يجوز القطع بالعموم، وأيضا قول الصحابي:" قضى رسول الله ﷺ بالشاهد واليمين " لا يفيد العموم، وكذا القول فيما إذا قال الصحابي: سمعت النبي ﷺ يقول: " قضيت بالشفعة للجار " لاحتمال كونه حكاية عن قضاء لجار معروف ن وتكون الألف واللام للتعريف؛ وقوله: " قضيت " حكاية عن فعل معين ماض. فاما قوله ﷺ : " قضيت بالشفعة للجار " وقول الراوي: أنه ﷺ " قضى بالشفعة للجار " فالاحتمال فيهما قائم، ولكن جانب العموم أرجح. المسألة الثانية عشرة قال القرافي: " قول الصحابي: " نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر " لا يفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكى لا في الحكاية ". تقريره: أن هذا اللفظ ليس لفظ رسول الله ﷺ بل لفظ الراوي؛ والحجة إنما تقوم بقوله ﵇ لا بقول الراوي، ويرد عليه أن هذا

стр. 1826

رواية بالمعنى، ومن شرطها المساواة في اللفظ؛ في الجلاء والخفاء، والعموم والخصوص، والزيادة والنقصان، وإذا كان لفظ الراوي عاما، وجب أن يكون لفظ رسول الله ﷺ عاما أيضا، وإلا فعل الراوي بالرواية بالمعنى مالا يجوز، وذلك يخيل بعدالته؛ فيتناقض. وأما قوله " قضى رسول الله ﷺ بالشاهد واليمين " فالقضاء له معنيان: أحدهما: الحكم؛ بمعنى الف؛ كقوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣]. وثانيهما: الحكم؛ بمعنى فصل الخصومات بين الناس؛ فالأول ما ينافيه العموم، بل يتعين كما تقدم في النهي عن الغرر. وأما الثاني: فيتعين فيه الخصوص؛ فإن الفصل بين الخصوم يتنافى فيه الحكم بكل شاهد إلى قيام الساعة من رسول الله ﷺ بل إنما يقضي بشاهد خاص، وهذا القسم الثاني هو الظاهر من إرادة الراوي، وكذلك فهمه الفقهاء؛ وعلى هذا التقدير، يكون الراوي قد اعتمد على قرينة الحال الدالة على أن المراد بالشاهد واليمين حقيقة الجنس، لا استغراق الجنس، ويكون معنى الحديث: أن رسول الله ﷺ اعتبر هذين الجنسين في فصل الخصومات، وهو كلام صحيح، ولا يحتمل على العموم؛ بخلاف الغرر (و) هو ظاهر في الفتيا العامة إلى آخر الدهر، واللام فيه لعموم الشامل أي: لكل غرر من جميع أنواعه وأفراده. وكذلك قوله: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قضيت بالشفعة

стр. 1827

للجار " يحتمل القسمين المذكورين في الشاهد واليمين؛ وعلى هذا يكون المدرك في عدم الدلالة على العموم تردده بين العموم والخصوص، أما حيث لا تردد؛ كقوله: " نهى عن بيع الحصاة وحبل الحبلة " ونحو ذلك؛ فالتردد بعيد، فيدل على العموم. (تنبيه) زاد التبريزي، فقال: يتجه أن يقال: لو كان خاصا، لما كان مسمى بيع الغرر منهيا عنه ؛ فلا يصدق في قوله: نهى عن بيع الغرر، فإن النهي عن الخاص ليس نهيا عن المطلق، فالنهي عن شرب الخمر ليس نهيا عن الشرب، ولا النهي عن الأكل في زمان نهيا عن الأكل. فإذن إنما نقول: نهي عن بيع الغرر، مهما كان عدلا، إذا عرف أنه متعلق نهيه ﷺ فيفيد العموم ضرورة وجود المتعلق في كل فرد؛ ولهذا، إذا قال: قضي بالشفعة، أو قال النبي ﷺ : قضيته بالشفعة، فهو لسان أصل الشريعة؛ فيجب طلب السبب والمحل، ولا يلزم منه العموم. قلت: " قوله: " النهي عن الخاص ليس نهيا عن المطلق " له معنيان؛ لأن المطلق تارة يراد به القدر المشترك بين الحقائق؛ كمطلق الحيوان ومطلق الإنسان الموجود في كل شخص من أشخاصه، وتارة يراد به العموم المستغرق لكل فرد، ولد رأيت وأنا في أول اشتغالي بالعلم جماعة من الفضلاء يتباحثون

стр. 1828

في الفرق بينهم؛ بأن مطلق الحيوان والحيوان المطلق، ومطلق النهي والنهي المطلق، ونحو ذلك من هذا المعنى، وتقرر الفرق بينهم؛ بأن مطلق الحيوان ومطلق النهي للقدر المشترك [من] المفهوم الكلي للوجود في كل شخص من أشخاص تلك المادة لعرايته عن [لام] الاستغراق الموجبة للعموم؛ فكأنا أخذنا القدر المشترك الكلي، وأضفناه لمحله؛ فقلنا: مطلق النهي؛ فعلى هذا يكفي في صدقه فرد واحد، أما النهي المطلق، فقد صدرنا النهي بلام التعريف الموجبة؛ للعموم المستغرق لجميع الأفراد، ثم وضعنا هذا العموم. بيانه: مطلق لا مقيد بحالة، ولا زمان، ولا مكان؛ فيعم جميع الأفراد من تلك المادة، فيكون النهي المطلق شاملا لجميع أفراد النهي، وكذلك بقية النظائر؛ بهذا تقرير الفرق بينهم في ذلك الزمان، وأنا أسمعهم يبحثون، ولم يكن في أهلية مخالطتهم فيما هم فيه؛ غير أني أفهم عنهم حينئذ مقاصدهم وعباراتهم، وصغر السن يمنع من مداخلتهم، وهذا الفرق صحيح باعتبار الاصطلاحات الخاصة، أما بحسب اللغة، فلا يتجه؛ بناء على أن اسم الجنس، إذا أضيف، عم؛ لقوله ﵇: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " فيعم جميع المياه والميتات. إذا تقرر هذا، فكلام التبريزي لا يصح على المعنى الأول، فإن القضاء بالشفعة المعينة قضاء بمطلق الشفعة الذي هو القدر المشترك؛ لأنه لا يلزم من إباحة الخاص إباحة المشترك، ومن تمليك الخاص تمليك المشترك، وهذا بخلاف النهي عن الخاص، ونفي الخاص، فلا يتناولان المشترك؛ لأن الخاص مركب من المشترك والخصوصية، ويكفي في نفي المركب والنهي عنه، إعدام فرد، وهو الخصوص؛ وعلى هذا لا يستقيم قوله ﵇: في نهيه عن الغرر الخاص؛ بخلاف القضاء بالشفعة، فافهم هذا الفرق

стр. 1829

وأما المعنى الثاني: فيستقيم قوله عليه، وهو تفسير المطلق بالعموم الشامل، فإن النهي عن الغرر الخاص أو إباحته، لا يقتضي العموم، والظاهر أنه مراده، فتأمل كلامه وهذه التنبيهات والفروق والقواعد. وقوله: " إذا قال ﵇: " قضيت بالشفعة " فهو لبيان أصل الشريعة، فيجب طلب السبب والمحل، ولا يلزم منه العموم ". معناه: أنه بيان للماهية الكلية في أصل الشريعة، ولم يتعرض لجميع الأفراد، فيجب أن يطلب بعد ذلك دليلا يدل على تعيين الآيات الموجبة للشفعة؛ كالبيع، والهبة، والصدقة، وللمحل، كالعقار والبناء، دون الأرض والشجر، ونحو ذلك مما اختلف فيه العلماء ن هل فيه شفعة أم لا؟ واتفقوا على الشفعة فيه، فإن وجد إجماع، اكتفى به، وإلا طلب دليل شرعي، ويرد عليه أن لفظ الشفعة صيغة عموم، ولم يتعين القدر المشترك الذي هو بيان حقيقة الجنس، لاسيما مع قوله ﵇: " قضيت " هو إخبار عن الحكم والفتوى؛ بخلاف قول الراوي: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة " وهو متردد بين الفتوى، وبين فصل الخصومات؛ فكان مجملا بالنسبة إلى الدلالة على العموم. ***

стр. 1830

المسألة الثالثة عشرة قال الرازي: قول الراوي: " كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر " لا يقتضي العموم ؛ لأن لفظ [كان] لا يفيد إلا تقدم الفعل، فأما التكرار، فلا. ومنهم من قال: إنه يفيد التكرار في العرف؛ لأنه لا يقال: كان فلان يتهجد بالليل، إذا تهجد مرة واحدة في عمره. المسألة الثالثة عشرة قال القرافي: قول الراوي: " كان رسول الله ﷺ يجمع بين الصلاتين ..... " قلت: أصل [كان] أن يكون كسائر الأفعال يدل على تقدم الفعل في الزمن الماضي، وإنما انتقلت في العرف كما حكاه عن بعضهم. ***

стр. 1831

المسألة الرابعة عشرة قال الرازي: إذا قال الراوي: " صلى رسول الله ﷺ بعد الشفق " فقال قائل: الشفق شفقان: الحمرة والبياض؛ وأنا أحمله على وقوعه بعدهما جميعا؛ فهذا خطأ؛ لأن اللفظ المشترك لا يمكن حمله على مفهوميه معا؛ كما تقدم. أما المتواطئ: فمثاله قول الراوي: " صلى رسول الله في الكعبة " فلا يمكن أن يستدل به على جواز أداء الفرض في البيت؛ لأنه إنما يعم لفظ الصلاة لافعلها، فذاك الواقع، إن كان فرضا، لم يكن نفلا، وبالعكس؛ فلا يدل على العموم. المسألة الرابعة عشرة قال القرافي: قول الراوي: صلى رسول الله ﷺ بعد الشفق ... " قوله: " اللفظ المشترك ". تقريره: أن لفظ الشفق موضوع للحمرة والبياض، وهما حدان؛ فيكون مشتركا؛ لأنه سمع عن العرب في الثوب الأحمر: هو أشد حمرة من الشفق وصيغة [أفعل] تقتضي المشاركة، والبياض أيضا يسمى شفقا. نقله أئمة اللغة. وقال بعضهم: هو من الشفقة، وصيغة " أفعل " تقتضي المشاركة، والبياض أصفى من الحمرة؛ فيكون على هذا مسلكا، ويكون في البياض أقوى، ولا يكون مشتركا، وعلى هذا يعم الشفقين؛ لأن صيغة العموم، إذا دخلت على المشكك عمت المختلفات، فإذا قلنا: " خلق الله النور " عم نور الشمس الذي هو أقوى، ونور السراج الذي هو أضعف.

стр. 1832

قوله: " لا يعم قول الراوي: صلى رسول الله ﷺ في البيت ". تقريره: أن (صلى): فعل في سياق النفي. قوله: لأنه، إنما يعم لفظ الصلاة لا فعلها، هذه هي الرواية الصحيحة، ومعناها: أن لفظ الصلاة المحلي بلام التعريف هو الذي يعم أفرادها، أما كون النبي ﷺ فعل فعلا واحدا في البيت الحرام، فلا يعم الأنواع، وفي بعض النسخ: إنما يعم الصلاة لا فعلها، وهو قد سقط عنه لفظ الصلاة. (سؤال) قال النقشواني: " لفظ الشفق قد يقال: هو متواطئ لا مشترك ". وإذا قيل: إنه مشترك، لا يلزم استعماله في مفهوميه، كما قال، بل الخصم يحمله على أحدهما عينا، وهو المتأخر زمانا؛ فيلزم من ذلك أن تقع الصلاة بعدهما، لا أنه استعمل اللفظ فيهما. ***

стр. 1833

المسألة الخامسة عشرة قال الرازي: قال الغزالي ﵀: المفهوم لا عموم له ؛ لأن العموم لفظ تتشابه دلالته بالإضافة إلى مسمياته، ودلالة المفهوم ليست لفظية؛ فلا يكون لها عموم. والجواب: إن كنت لا تسميه عموما؛ لأنك لا تطلق لفظ العام إلا على الألفاظ، فالنزاع لفظي. وإن كنت تعني: أنه لا يعرف منه انتفاء الحكم عن جميع ما عداه، فباطل؛ لأن البحث عن أن المفهوم، هل له عموم، أم لا؟ فرع على أن المفهوم حجة، ومتى ثبت كونه حجة، لزم القطع بانتفاء الحكم عما عداه؛ لأنه لو ثبت الحكم في غير المذكور، لم يكن لتخصيصه بالذكر فائدة، والله أعلم. المسألة الخامسة عشر قال القرافي: قال الغزالي: المفهوم لا عموم له. قوله: " إن عنى به أنه لا يعرف منه انتفاء الحكم عن جميع ما عداه ". قلنا: هذه العبارة غير متجهة؛ لأن المفهوم: ثبوت أو إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه من ذلك الجنس؛ وحينئذ الحكم بالسلب إنما هو ثابت فيه لا فيما عداه، فالانتفاء فيه لا في غيره، فقولكم: " ما عداه " يقتضي أن ينتفي الحكم عن المنطوق، وهو خلاف الإجماع، وقولكم: " ما عداه " إذا أردتم به المسكوت، وسلكتم للتوسع في العبارة ينبغي تقييدها بقولكم: " من ذلك الجنس " فإنكم قد حكيتم قولين في مسألة المفهوم؛ فإن الصحيح أنه

стр. 1834

لا يحصل الانتفاء إلا عن المسكوت عنه من ذلك الجنس، ولا يعم غيره؛ فقوله ﵇: " في سائمة الغنم الزكاة " يقتضي مفهومه سلب الحكم عن معلوفة الغنم؛ على الصحيح، دون غيرها، وعلى القول الآخر يقتضي سلب الحكم عن كل جنس، فيتعين التقييد؛ على المذهب الصحيح. (مسألة) قال الشيخ سيف الدين: اختلف العلماء في عموم قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [ التوبة: ١٠٣] هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، أو أخذ صدقة واحدة من نوع واحد. قال بالأول الأكثرون، وبالثاني الكرخي. حجة الأول: أن الله تعالى أضاف الصدقة إلى جميع الأموال، والجمع المضاف من صيغة العموم؛ فيتعدد بتعدد الأموال. حجة الثاني: أن " صدقة " نكرة؛ فيصدق بأخذ صدقة واحدة من مال واحد، لاسيما أن لفظ (من) تقتضي التبعيض؛ فيصدق أنه أخذ من بعض الأموال. قلت: وهذا هو المتجه؛ لأن الله تعالى لو قال: " اقتلوا من المشركين رجلا " خرجنا عن العهدة برجل واحد، فيصغة العموم من صيغة التبعيض يبطل عمومها في ذلك الحكم المتبعض؛ فيصدق على كل أحد أنه ابن رجل من جملة رجال العالم. (مسألة) قال سيف الدين: اللفظ العام، إذا قصد به المخاطب الذم، أو المدح ؛ كقوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ [الانفطار:

стр. 1835

١٣ - ١٤] وكقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣٤]. منع الشافعي عمومه، وأن يتمسك به في زكاة الحلي؛ لأن العموم لم يقع مقصودا في الكل، بل للمدح أو الذم. وقال الأكثرون: يصح التمسك به؛ لأن قصد ذلك لا يمنع إرادة العموم. (مسألة) قال إمام الحرمين في (البرهان): " قولهم: " النكرة في سياق الثبوت لا تعم " ليس على إطلاقه، بل النكرة في سياق الشرط تعم؛ كقوله: " من جاءني بمال، جازيته عليه " يعم جميع الأموال؛ لأنها في سياق النفي، إنما عمت؛ لعدم اختصاص النفي بمعين في غرض المتكلم، وكذلك في سياق الشرط تعم ". قلت: وفي التحقيق: ليس هذا نقضا؛ لأن الشرط في معنى الكلام المنفي؛ لأن المشترط لم يجزم بوقوع الشرط حيث فعله شرطا، وإنما مرادهم بالنكرة في سياق الثبوت؛ كقولنا: في الدار رجل ونحوه، أما النفي، والاستفهام، والشرط، فهو عند النحاة: كله كلام غير موجب مع أن الأبياري في (شرح البرهان) رد عليه، ,أنكر العموم، وقال: لو كانت للعموم، كما قال، لما استحق المجازاة إلا من أتى بكل مال، كما لو قال: " من جاءني بكل مال، جازيته " فإنه لا يستحق ببعض الأموال، والله أعلم. ***

стр. 1836

القسم الثاني في الخصوص، وفيه مسائل: قال الرازي: المسألة الأولى: حد التخصيص على مذهبنا: إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه. وعند الواقفية: إخراج بعض ما صح أن يتناوله الخطاب، سواء كان الذي صح واقعا، أم لم يكن واقعا. وأما قولنا: " العام المخصوص " فمعناه: أنه استعمل في بعض ما وضع له. وعند الواقفية: أن المتكلم أراد به بعض ما يصلح له ذلك اللفظ دون البعض. وأما الذي به يصير العام خاصا: فهو قصد المتكلم؛ لأنه إذا قصد بإطلاقه تعريف بعض ما تناوله اللفظ، أو بعض ما يصلح أن يتناوله؛ على اختلاف المذهبين فقد خصه. وأما المخصص للعموم: فيقال على سبيل الحقيقة على شيء واحد، وهو إرادة صاحب الكلام؛ لأنها هي المؤثرة في إيقاع ذلك الكلام؛ لإفادة البعض؛ فإنه إذا جاز أن يرد الخطاب خاصا، وجاز أن يرد عاما، لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بالإرادة. ويقال: بالمجاز؛ على شيئين: أحدهما: من أقام الدلالة على كون العام مخصوصا في ذاته. وثانيهما: من اعتقد ذلك أو وصفه به، كان ذلك الاعتقاد حقا أو باطلا.

стр. 1837

القسم الثاني في الخصوص، وفيه مسائل قال القرافي: واشتقاقه من التخصيص ببعض ما يقبل ذلك المخصص به، ومنه خص السلطان فلانا بالعطايا. (وفيه مسائل) المسألة الأولى في حد التخصيص قوله: " هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه ". قلنا: يندرج في هذا الاستثناء بإخراج بعض العام عنه بعد العمل به؛ فإنه نسخ لا تخصيص، وبإخراج بعض ما تناوله الخطاب بمفهومه؛ كقوله ﵇: " إنما الماء من الماء " مفهومه أن ما ليس بإنزال لا يجب منه غسل، وقد أخرج بعض هذا المفهوم قوله ﵇: " إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل "، بل ينبغي أن تقول: هو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ بمنطوقه، أو مفهومه بلفظ لم يوضع بذاته للإخراج؛ احترازا من الاستثناء؛ فإن ألفاظه وضعت وضعا أولا؛ للإخراج، وجميع المخصصات ليست كذلك؛ لأن المخصص: إما منفصل: نحو نهيه ﵇ عن حبل الحبلة ونحوه، فإنه لم يوضع في أصل وضعه للإخراج، وإن لزم عنه الإخراج في أنه البيع.

стр. 1838

وإما متصل: وهو ثلاثة: الغاية، والشرط، والصفة، وهي لم توضع للإخراج. أما الغاية: فوضعت لبيان النهاية لا للإخراج. وأما الشرط: فللتعليق، وربط أمر بأمر. والصفة: وضعت لبيان زيادة في المذكور لا لتنقيصه؛ بخلاف (إلا) ونحوها بما وضع للاستثناء، إنما وضع للإخراج والتنقيص مما تناوله اللفظ الأول. وقولنا: " قبل تعذر حكمه ": أحتراز من أن يعمل بالعام؛ فإن الإخراج بعد ذلك يكون نسخا. قوله: " وعند الواقفية: إخراج بعض ما صح أن يتناوله الخطاب ". تقريره: أن الواقفية يجوز عدهم أن يراد العموم، ولا يجب ذلك في الوضع؛ لأنهم لا يعترفون بوضع الصيغة للعموم، وهذا من رحمة الله فيتجه إذا فسر الموقف بعد العلم بالوضع، وهو أحد القولين للأشعري. أما عن القول بالاشتراك وبقية الأقوال، التي تقدمت حكايتها عن الواقفية، فلا يتأتى هذا؛ فإن الصيغة عندهم موضوعة للعموم والخصوص، والتوقف، إنما هو في الحمل لا في الوضع، فاللفظ عندهم متناول للجميع بالفعل وضعا ولغة. قوله: " أما الذي يصير به اللفظ مخصوصا، فهو قصد المتكلم ما يتناوله، وهذا هو المخصوص حقيقة، وغيره مجاز ". قلنا: حكى القاضي عبد الوهاب في (الملخص) في هذا قولين: قيل: بالإرادة.

стр. 1839

وقيل: بالدليل الدال على الإرادة، وهو الصحيح؛ لان ورود التخصيص على اللفظ العام لا يبطل دلالته على العموم؛ فإن الدلالة هي الإفهام عند التجرد، وهذا المعنى لا يبطل بالمخصص؛ فإن لفظ المشركين يفهم منه الآن المشرك الذمي وغيره، وإن كان الذمي قد خرج منه وقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾ [الجن: ٢٣] يفهم منه الآن العموم، وقد دخله التخصيص؛ إجماعا بالثابت وغيره، ممن يتفضل الله تعالى بالمغفرة عليه من غير توبه، فالمخصص حينئذ ليس مخرجا له عن الدلالة، ولا عن الإرادة، فإنه لم يرد قط بالحكم، ولا ثبوت الحكم في نفس الأمر؛ فإنه لم يثبت فيه، بل مخرج له عن ثبوت الحكم في اعتقادنا؛ لأنا قبل التخصيص نعتقد شمول الحكم، وبعد التخصيص لا نعتقد ذلك؛ فتعين الإخراج من اعتقادنا ليس غلا، وإذا كان الإخراج من الاعتقاد فقط، تعين أن يكون المخصص في الحقيقة غنما هو الدال على الإرادة، لا نفس الإرادة؛ فإن الغرادة أمر خفي لا يصرف اعتقادنا عن العموم. فإن قلت: اللفظ العام، غذا أطلق فليس معه غرادة ثبوت الحكم، ولا غرادة عدمه، وذهل المتكلم عن ذلك ثبت الحكم في جميع الأفراد؛ بدليل الأيمان والنذور، وغير ذلك؛ غجماعا من القائلين بالعموم، فإذا وجدت غرادة المتكلم، اقتضت اختصاص الحكم ببعض الافراد [و] منع ذلك ثبوته في البعض الذي قصد إخراجه؛ فصارت الإرادة مخرجة له عما يستحقه بالوضع؛ فاللفظ يأتي بعد ذلك دليلا على ما في النفس؛ فالمخصص حقيقة إنما هو الإرادة [فقط]. قلت: هذا تقرير حسن غير أن على رأيكم: أن الإرادة مخرجة له عما يستحقه بالوضع، فهي مخرج له عما هو قائل به، وقد وجد سببه؛ فهو حاصل له بالقوة لا بالفعل. وأما الإخراج عن الثبوت في الاعتقاد: فهو إخراج له عما هو ثابت له

стр. 1840

بالفعل، والإخراج إنما يكون حقيقة فيما حصل فيه الدخول حقيقة بالفعل، وفيما هو بالقوة مجاز؛ من باب تسمية الشيء بما هو قابل له؛ فما ذكرناه أولى. (فائدة) الإرادة العارضة مع العموم قسمان: مؤكدة، ومخصصة، وهما يلتبسان على كثير من الفقهاء، وتحقيق الفرق بينهما: أن المخصصة لابد وأن تكون منافية، والمؤكدة موافقة، فمن أطلق العموم، وأراد ثبوت الحكم في جميع أفراده فموافقة مؤكده للفظ في جميع الأفراد. وإن اراد ثبوت الحكم في البعض، غافلا عن البعض الآخر، فغرادته مؤكدة للفظ في البعض المراد، ويثبت الحكم في البعض الآخر باللفظ السلام عن المعارض، ومن أراد غخراج بعض الأفراد عن الحكم، فهذه هي المخصصة؛ لأنها منافية للفظ في ذلك البعض، ففرق بين إرادة ثبوت الحكم في البعض، وبين غرادة عدم ثبوته في البعض، وهاهنا يغلط أكثر المفتين، فإذا قال لهم الحالف: " حلفت، والله، لا لبست ثوبا، ونويت ثياب الكتان " فيقولون: لا يحنثه بغير الكتان، وهذا غلط؛ لأن قصده الكتان لا يقتضي عدم حنثه بغيره؛ لأن لفظه في غير الكتان سالم ن معارضة إبطال الحكم فيه؛ بل ينبغي أن يقولوا له: يحنث بالكتان باللفظ والنية، وبغير الكتان باللفظ فقط. فغذا قلا: نويت عدم الحنث يلبس غير الكتان، او نويت إخراج غير الكتان من اليمين، أما لو قال: نويت الكتان باليمين، فهذا مؤكد

стр. 1841

لا مخصص، فافهم هذا الموضع، فغنه مهمل عند أكثرهم، والسر الذي عليه العول: أن من شرط المخصص أن يكون منافيا، والمؤكد لا يكون منافيا. قوله: " ويقال: المخصص بالمجاز على من أقام الدلالة على التخصيص ". قلنا: التخصيص معناه هاهنا: الإخراج، والإخراج: إنما يكون حقيقة لغوية في الانتقال في الأحياز والخروج من حيز إلى حيز، وهو هنا منتف؛ فلم يبق في الجميع إلا المجاز اللغوي، والحقيقة العرفية التي هي مجاز راجح، فلا يختلف اثنان من أهل العرف الخاص من الأصوليين والفقهاء في أن يقولوا: خصص الشافعي هذه الآية بكذا، وإذا أطلقوا الفعل، وأجمعوا عليه، واشتهر ذلك بمعنى أن اسم الفاعل من ذلك الفعل يكون مع الفعل حقيقة عرفية خاصة، وكذلك هم مطبقون على إطلاق قولنا: هذه لذاتها خصصت هذه لذاتها، وهذا الخبر خصص هذا الخبر، فيكون الفعل حقيقة عرفية، فيتبعه اسم الفاعل بعين ما تقدم، وكذلك من اطلع عليه من العلماء؛ أنه يعتقد التخصيص، قالوا: " إنه خصصه بكذا " فيكون الجميع حقيقة عرفية، وماجزا لغويا في الإرادة وغيرها. (تنبيه) مقتضى حد التخصيص: ألا يكون قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] مخصوصا الآن؛ لأن لنا قواعد: (القاعدة الأولى) أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والأزمنة، والبقاع ، فإذا قال الله تعالى: ﴿يايها النبي جاهد الكفار﴾ [التوبة: ٧٣] فهو عام فيهم،

стр. 1842

ولا يدل على أمكنتهم المعينة، بل لابد للقتل من مكان ما، ولا أنهم يكونون طوالا قصارا، أو فقيرا أو غنيا، بل لابد لهم من حالة ما. وإذا قلنا: لا علم لي بخروج زيد من الدار، فهو عام في العموم، مطلق في متعلق العلم، وهو المعلومات. (القاعدة الثانية) من شرط المخصص أن يكون منافيا ، وقد تقدم تقريره. (القاعدة الثالثة) أن جمع السلامة المذكر لا يتناول الإناث ، وحينئذ نقول: ليس مخصوصا بالنساء؛ لعدم تناوله إياهن، والتخصيص فرع التناول، وليس مخصوصا بالذمة؛ لأن اللفظ اقتضى قتل كل مشرك في حالة ما، والواقع الآن أنا نقتل كل مشرك في حالة ما؛ لأنا نقتلهم في حالة الحرابة، ومتى قتلناهم في حالة الحرابة، قتلناهم في حالة ما؛ لأن المطلق في ضمن المقيد، والعام في ضمن الخاص، ولا تنافي بين قتل كل كافر في حالة، وبين عدم قتلهم في حالة مخصوصة؛ لأنه لا يلزم من المنع عن الأخص المنع عن الأعم؛ كما لم يلزم من المنع من مانع الخمر المنع من مطلق المانع؛ وحينئذ لا يلزم من المنع من قتلهم في هذه الحالة الخاصة المنع من قتلهم في مطلق الحالة، وغذا لم يكن ذلك منافيا، لم يكن مخصصا للقاعدة الثانية، وكذلك لا يكون مخصصا بالرهبان ولا الفلاحين ولا المجانين، ونحو ذلك؛ لانها أحوال خاصة لا يلزم من المنع منها وفيها المنع من العام. وعلى هذا التقرير؛ لا يصدق التخصيص غلا إذا خرج بعض العام في جميع الأحوال، لأن الموجبة الجزئية التي هي حالة ما، لا يتناقضها إلا السلابة الكلية التي هي المنع في كل حالة؛ فيقول الله تعالى: ﴿وأوتيت من

стр. 1843

كل شئ﴾ [النمل: ٢٣] مخصوص؛ لأنها لم تعط السماوات والأرض ولا شيئا من الكواكب ولا النبوات في شيء من الأحوال. وكذلك قوله تعالى: ﴿تدمر كل شئ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فإنها لم تدمر الكواكب في شيء من الحالات، وقوله تعالى: ﴿وخلق كل شئ﴾ [الفرقان: ٢] مخصوص؛ لأن الواجبات لا تخلق في حالة من الحالات؛ وبهذا القانون يتضح لك ما دخله التخصيص مما لم يدخله التخصيص، ويظهر لك أن كثيرا مما يقول الناس: " إنه مخصوص " ليس بمخصوص. (تنبيه) زاد التبريزي؛ فقال: " التخصيص: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ وضعا عن الإرادة باللفظ ، ويصح أن يقال: ÷وإطلاق العام بإزاء بعض ما يتناوله، وعلى هذا: المخصص على الحقيقة هو المتكلم؛ فإنه الذي قصر إفادة العام على البعض بإرادته، ولكن يطلق لفظ المخصص مجازا على الدليل المعرف له ". قلت: قوله: " عن الإرادة " لا يتجه؛ لأن البعض المخرج لم يتناوله الإرادة؛ حتى يصدق أنه خرج منها. وقوله: " غطلاق العام على بعض ما يتناوله اللفظ " لا يفيد شيئا من التخصيص؛ لأنه لو أطلقه على الكل، صدق أنه أطلقه على البعض؛ لأن الكل لا ينافي البعض، بل يستلزمه، وبقية الكلام تقدم التنبيه عليه. ***

стр. 1844

المسألة الثانية في الفرق بين التخصيص والنسخ قال الرازي: النسخ: لا معنى له إلا تخصيص الحكم بزمان معين بطريق خاص؛ فيكون الفرق بين التخصيص والنسخ فرق ما بين العام والخاص، لكن الناس اعتبروا في التخصيص أمورا لفظينة أخرجوه لأجلها عن جنس النسخ، وتلك الأمور خمسة: أحدها: أن التخصيص: لا يصح إلا فيما يتناوله اللفظ، والنسخ: قد يصح فيما علم بالدليل؛ أنه مراد، وإن لم يتناوله اللفظ. وثانيها: أن نسخ شريعة بشريعة أخرى يصح، وتخصيص شريعة بشريعة أخرى لا يصح. وثالثها: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، والتخصيص ليس كذلك. ورابعها: أن الناسخ يجب أن يكون متراخيا، والمخصص لا يجب أن يكون متراخيا، سواء وجبت المقارنة أو لم تجب؛ على اختلاف القولين. وخامسها: أن التخصيص قد يقع بخبر الواحد والقياس، والنسخ لا يقع بهما. وأما الفرق بين التخصيص والاستثناء، فهو فرق ما بين العام والخاص عندي، ومنهم من تكلف بينهما فروقا.

стр. 1845

أحدها: أن الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظة الواحدة الدالة على شيء واحد؛ فالسبعة مثلا لها اسمان: سبعة، وعشرة إلا ثلاثة، والتخصيص ليس كذلك. وثانيها: أن التخصيص يثبت بقرائن الأحوال؛ فإنه إذا قال: " رايت الناس " دلت القرينة على أنه ما رأى كلهم، والاستثناء لا يحصل بالقرينة. وثالثها: أن التخصيص يجوز تأخيره لفظا، والاستثناء لا يجوز فيه ذلك، وهذه الوجوه متكلفة، والحق أن التخصيص جنس تحته أنواع؛ كالنسخ، والاستثناء، وغيرهما. المسألة الثانية الفرق بين التخصيص والنسخ قال القرافي: قوله: " النسخ لا معنى له، إلا تخصيص الحكم بزمان معين ". قلنا: هذا يتجه فيما فعل، لو مرة واحدة، لكن من صور النسخ عندنا: النسخ قبل التمكن، وقبل إتيان زمان الفعل؛ وحينئذ يكون النسخ إبطالا للحكم بالكلية، فلا يقال: إن ذبح غسحاق ﵇ تخصيص ببعض الأزمنة، بل ما وقع ولا يقع، وهذا التفسير يتجه على طريق المعتزلة، أما عندنا فلا. قوله: " فيكون الفرق بين النسخ والتخصيص فرق ما بين العام والخاص ". قلنا: هذا غير متجه؛ لأن التخصيص قد يكون في الأشخاص؛ كإخراج بعض الأشياء عن قوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: ٢٣] وقد يكون بإخراج بعض الأزمنة؛ كقولك: والله، لا كلمته في جميع الأيام، وتريد بعضها، والنسخ لا يكون في بعض الأزمنة، كما تقولون، لكن ذلك الحكم المنسوخ قد لا يكون ثابتا بالنصوص، بل بالفعل، أو

стр. 1846

بالقرائن الحالية، او المقالية، أو بعلم ضروري يخلقه الله تعالى في الصدور؛ وحينئذ يكون النسخ قد وجد بدون تناول الخطاب؛ فيكون النسخ أعم من هذا الوجه، ويكون التخصيص أعم من جهة تناول الأشخاص في بعض صوره دون الأزمنة، ويجتمعان في إخراج بعض الأزمنة؛ فيكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه؛ كالحيوان والابيض، كل واحد منهما يوجد مع الآخر، وهذا هو حقيقة الأعم من وجه، والأخص من وجه، وظاهر كلامكم يقتضي أن التخصيص أعم مطلقا. قوله: " يصح نسخ شريعة بشريعة ". قلنا: هذا الإطلاق وقع في كتب العلماء كثيرا، فالمراد: ان الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة، أما كلها فلا؛ لأن الله تعالى أجرى عادة في الشرائع؛ أنه لا ينسخ منها قواعد العقائد بأصول الدين، ولا ينسخ الكليات الخمسة، وهي حفظ [الدين] والدماء، والعقول، والأنساب، والأموال، فحرم القتل، والسكر، والزنا، والسرقة، في جميع الشرائع، وإنما نسخ في بعضها القدر الذي لا يسكر. أما القدر الذي يسكر، فقد حكى الغزالي إجماع الشرائع على تحريمه، وقد لا ينسخ منها شيء، فقد بعث الله أنبياء كثيرين بتأكيد التوراة، والعمل بجميع ما أنزل فيها من غير نسخ؛ فحينئذ النسخ إنما يقع في بعض الأحكام الفروعية، وإطلاق قولنا: " الشريعة تنسخ الشريعة " يقتضي نسخ الجميع، وليس كذلك، وهو جائز عقلا، غير ان البحث في هذا المقام، إنما هو في الواقع في عادة الله تعالى لا في الجائز عقلا؛ وإلا فيجز التخصيص بين الشرائع؛ لأنه جائز عقلا. قوله: " لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة ". تقريره: أن عادة الله تعالى جارية بألا يتأخر البيان عن وقت الحاجة،

стр. 1847

وأهل الشريعة السابقة محتاجون للعمل بمقتضيات نصوصهم في زمانهم، فلو كانت الشريعة المتأخرة مخصصة للمتقدمة، لتأخر البيان عن وقت الحاجة، ولا تخصص المتقدمة المتأخرة؛ لأن الله تعالى أجرى عادته؛ ألا يترك في شريعته غلا ما يختص بتلك الأمة، وذلك القرن؛ فلا يحصل منه بيان الشريعة الآتية، وهذه عادة أجرها الله تعالى لذلك، ومن الممكن خلافها عقلا، وهو ممنوع عادة ربانية، لا عقلا. قوله: " النسخ: رفع للحكم بعد ثبوته دون التخصيص ". قلنا: هذه العبارة غير متجهة؛ فإن الله ذا أوجب صوم يوم عاشرواء غلى زمان معين؛ فنسخ وجوبه، فالحكم تعالى إذا أوجب صوم يوم عاشوراء إلى زمان معين؛ فنسخ وجوبه، فالحكم كان ثابتا قبل النسخ، وكان الله تعالى يعلم أنه ثابت إلى زمان ورود الناسخ، وأنه غير ثابت بعده؛ فالناسخ حينئذ؛ لما ورد، لم يرفع الثبوت الكائن قبل حد النسخ؛ لأنه مستمر إليه إجماعا، ولم يرفع الحكم بعد ورود النسخ؛ لأنه لم يثبت إجماعا، فما رفع حكما بعد ثبوته، بل بين أن هذا هو حد الثبوت الكائن في نفس الامر ومنتهاه، فبعد النسخ لم يكن الحكم ثابتا في نفس الأمر، وكذلك بقى بعد النسخ، وقبل النسخ كان الحكم ثابتا، وكذلك بقى، فإن رفع الماضي الواقع محال، والقسمان في النسخ الثابت، وغير الثابت باعتبار ما بين القسمين في التخصيص المراد، وغير المراد باعتبار المخرج، والنفي في التخصيص، والنسخ فكان الاعتقاد حاصلا بأن المخصوص والمنسوخ على خلاف ما ثبت بعد النسخ والتخصيص؛ فاستوى البابان باعتبار الاعتقاد، وباعتبار الواقع في نفس الأمر، وباعتبار التبين، ولم يبق سوى فرق واحد، وهو أن الذي كان موصوفا ثابتا مرادا بالحكم في الزمن الأول في النسخ، حكم عليه بعينه بأنه غير مراد بالحكم بعد ورود الناسخ، وفي التخصيص الذي قيل فيه: " إنه غير مراد " لم يكن مرادا قط، فتوارد الإرادة وعدمها في

стр. 1848

النسخ على شيء واحد باعتبار زمانين، وفي التخصيص مورد الإرادة غير مورد عدمها، فهذا فرق محقق؛ لكنه لا يلزم منه رفع الحكم بعد ثبوته؛ لأنه لم يرتفع شيء إلا باعتبار الاعتقاد، وهو مشترك في التخصيص. قوله: " النسخ يجب أن يكون متراخيا، والتخصيص لا يجب أن يكون متراخيا " تقريره: أن الناسخ لو تعجل للإعلام به، فقال: يجب عليكم صوم عاشرواء إلى سنة كذا، ثم أنسخه عنكم، صار الوجوب معينا ينتهي بذاته، والمنتهي بذاته لا يصدق عليه النسخ؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا لصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنه لا يصدق عليه بعد غروب الشمس أنه نسخ، ولا يقبل النسخ، فهذا هو موجب التراخي في النسخ؛ لئلا تبطل حقيقته؛ ولذلك قالت المعتزلة: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب، إلا في النسخ. قالوا: يجوز لذلك، وأما التخصيص، فقد يكون مقارنا، لاسيما بالغاية، والصفة، والشرط؛ نحو:" اقتلوا المشركين؛ حتى يعطوا الجزية، أو اقتلوا المشركين المحاربين " فهذه تخصيصات يجب اتصالها بالعمومات؛ لأنها لا تستقل بأنفسها. قوله: " على اختلاف القولين " يشير إلى ما سيأتي من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب عندنا؛ خلافا للمعتزلة، فإنا، وإن قلنا: بجواز التأخير لا نقول به في المخصصات المتصلة التي هي الغاية، والصفة، والشرط؛ لأنها ألفاظ لا يجوز النطق بها مفردة لغة؛ لعدم إفادتها، بل لا ينطق بها إلا مع العمومات. قوله: " التخصيص [قد] يقع بخبر الواحد، والقياس، والنسخ لا يقع بهما ". قلنا: بلى، يصح بهما، إذا كان المنسوخ أخبار آحاد، وإنما يصح ما

стр. 1849

ذكرتموه في المتواتر؛ لأنا نشترط في الناسخ أن يكون متساويا، أو أقوى؛ فينسخ الآحاد بالآحاد؛ لأنها متساوية، ولا ينسخ بها المتواتر؛ لعدم المساواة. قوله: " والفرق بين التخصيص والاستثناء فرق ما بين العام والخاص ". يريد: أن التخصيص هو الإخراج، فهو أعم من الاستثناء؛ لأن الاستثناء إخراج خاص بصيغ خاصة، فهو نوع من أنواع الإخراج. قوله: " الاستثناء مع المستثنى منه، كاللفظ الواحد؛ بخلاف التخصيص ". قلنا: أما التخصيص المنفصل الذي يقع بالأدلة المستقلة، فمسلم، وأما التخصيص المتصل، وهو الغاية، والشرط، والصفة، فهو مساو للاستثناء في أنه كلام لا يصلح النطق به وحده، بل يفتقر إلى ما يصلح ضمه إليه، والموجب لكون الاستثناء صار مع المستثنى منه كالكلمة الواحدة هو عدم استقلاله بنفسه، فهذه أيضا كذلك، فيكون مع المخصص كالكلمة الواحدة الدالة على ما بقى بعد التخصيص، كما قال الحنفية في الاستثناء: " هو تكلم بالباقي بعد الثنيا " يريدون: هو كلام وضع للباقي بعد الذي أخرج. قوله: " والحق: أن التخصيص جنس تحته أنواع النسخ والاستثناء وغيرهما ". قلنا: أما النسخ: فلأنه إخراج بعض الأزمنة عن الإرادة، كما تقدم، والاستثناء إخراج أيضا (وغيرهما) يريد تخصيص العمومات؛ فإنه ليس نسخا، ولا استثناء، فإذا كان هذا هو النوع الثالث، لزم أن يكون القسم قسما؛ لأن شأن الأقسام أن يكون كل واحد منهما قسيما للآخر منافيا له بالتضاد، وإذا جعل القسيم أحدهما، لزم أن يكون منافيا لأقسامه، والشيء

стр. 1850

لا ينافي أقسامه؛ لأنه جزء من أقسامه، والجزء لا ينافي الكل، فلا يتجه جعل التخصيص جنسا لنفسه ولغيره؛ إلا أن يريد مطلق الإخراج الذي هو أعم من التخصيص في الاصطلاح، فالعدول عنه إلغاز. (تنبيه) زاد التبريزي؛ فقال، في الفرق بين التخصيص والنسخ: إن النسخ يتطرق للحكم المعين ، دون التخصيص؛ بالإجماع، ويصح التخصيص في الخبر دون النسخ. ***

стр. 1851

المسألة الثالثة فيما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز قال الرازي: الذي يتناول الواحد لا يجوز تخصيصه؛ لأن التخصيص عبارة عن إخراج البعض عن الكل، والواحد لا يعقل ذلك فيه. وأما الذي يتناول أكثر من واحد، فعمومه: إما من جهة اللفظ، ويصح تطرق التخصيص إليه. وأما من جهة المعنى، وهو أمور ثلاثة: أحدها أن العلة الشرعية، هل يجوز تخصيصها؟ وسيأتي الكلام فيه فى باب القياس؛ إن شاء الله تعالى. وثانيها: مفهوم الموافقة؛ كدلالة حرمة التأفيف، على حرمة الضرب. والتخصيص فيه جائز، إذا لم يعد بالنقض على الملفوظ؛ مثل تقييد الأم، إذا فجرت، وضرب الوالد، إذا أرتد، ولايجوز، إذا عاد بالنقض عليه. وثالثها: مفهوم المخالفة: فإنه يفيد السكوت عنه انتفاء مثل حكم المذكور، ويجوز أن تقوم الدلالة على ثبوت مثل حكم المذكور، لبعض المسكوت عنه. المسألة الثالثة فيما يجوز تخصيصه قال القرافي: قال سيف الدين: يجوز تخصيص الألفاظ، كيف كانت له في تبعة التخصيص في الخبر؛ لأنه يوهم الكذب.

стр. 1852

قوله: "الذي يتناول الواحد لا يجوز تخصيصه؛ لأن التخصيص إخراج البعض عن الكل، وهو غير معقول في الواحد": قلنا: يندرج في هذا الكلام الواحد بالشخص، وهو يصح إخراج بعض أجزائه، وإن تعذر فيه إخراج بعض الجزئيات؛ لصحة قولنا: "رأيت زيداً" ونريد بعضه يده أو رجله، و"أكلت هذه السمكة" ونريد رأسها فقط، تعم الواحد بكل اعتبار؛ كالجوهر الفرد؛ يتعذر تخصيصه مطلقاً في ذاته دون جهاته ونسبه وإضافاته، فإن له جهات ستة، ونسبًا كثيرة، وإضافات، فهو نصف الأثنين، وثلث الثلاثة، وربع الأربعة، وغير ذلك من النسب، والواحد حينئذ ينقسم إلى أقسام يبقى الفصل. قوله: " العلة الشرعية يجوز تخصيصها ": تخصيص العلة: عبارة عن وجودها في صورة فأكثر، بدون حكمها، وهو المسمى بالنقض على العلة، وفيه أربعة مذاهب: ثالثها: الفرق بين المنصوصة؛ فتجوز، والمستنبطة، فلا تجوز. ورابعها: الفرق بين أن يوجد في صورة النقض فارق، فتجوز، وإلا فلا تجوز. قوله: "يجوز تخصيص مفهوم الموافقة، إذا لم يعد بالنقض على أصله؛ كتقييد الأم، إذا فجرت، وضرب الأب إذا أرتد ": تقريره: أن الله تعالى قال: ﴿فلا تقل لهما أف﴾] الإسراء: ٢٣ [ فتحريم التأفيف يقتضي تحريم الضرب؛ بطريق الأولى، وكذلك جميع أنواع الأذى التي هي أعظم من أذية التأفيف، أو مساوية لها، فإذا دل الدليل

стр. 1853

من خارج على جواز أذيتهما بما هو مساو، أو أعظم منأذية التأفيف، كان ذلك مناقضأ في نظر الحكمة؛ لتحريم التأفيف، إلا أن يكون ذلك بسبب حادث يعارض الأبوة، ويقدم عليها؛ كضرب الأب، أو قتله إذا أرتد، فإن قتله بالردة لعارض الردة المقدم على الأبوة المقتضية للبر، أما إباحة أذيته لغير سبب، فنقض على حكمة تحريم التأفيف. قوله: " يجوز أن يخصص مفهوم المخالفة ": تقريره قوله ﵇: " إنما الماء من الماء " يقتضي مفهومه عدم وجوب الغسل من الملامسة، والقبلة، وإلتقاء الختانين، وأكل الطعام، وأمور كثيرة غير متناهية، السلب عام فيها، فقوله ﵇: (إذا التقى الختانان؛ فقد وجب الغسل) أخرج هذا الفرد الذي هو التقاء الختانين من عموم ذلك السلب، وكذلك قوله ﵇: (إنما الربا في النسيئة) خرج منه بحديث عبادة ربا التفاضل؛ فيقدم الدليل المثبت عل عموم ذلك السلب؛ لأنه أخص وأقوى؛ لكونه منطوقاً؛ فيكون هذا تخصيصاً، ويرد عليه أنه لم يتعرض له ولا لمفهوم الموافقة في حد التخصيص، وقد تقدم التنبيه عليه هناك.

стр. 1854

المسألة الرابعة قال الرازي: يجوز إطلاق اللفظ العام لإرادة الخاص، أمراً كان، أو خبراً؛ خلافاً لقوم: لنا: الدليل على جوازه وقوعه في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] ﴿الله خالق كل شئ﴾ [الزمر: ٦٢] ويقال في العرف " جاءنى كل الناس " والمراد أكثرهم؛ احتجوا: بأنه إذا أريد بالخبر العام بعضه، أوهم الكذب، ولو كان جواز حمله على التخصيص مانعاً من كونه كذباً؛ لما وجد في الدنيا كذب. وجزاز التخصيص في الأمر يوهم البداء. والجواب: إذا علمنا أن اللفظ في الأصل محتمل للتخصيص، فقيام الدلالة على وقوعه لا يوجب الكذب، ولا البداء، واله أعلم. المسألة الرابعة يجوز إطلاق العام لإرادة الخاص قال القرافى: قوله: "لو كان التخصيص يمنع الكذب، لما بقي في الدنيا كذب ": قلنا: التخصيص ليس من الكذب في شيء، ولا من البداء؛ لأن الكذب هو أن يستعمل المتكلم اللفظ في شيء، ولا يكون ذلك الشيء واقعاً في نفس الأمر؛ كان الاستعمال حقيقة؛ كقوله: " دخلت الدار " وما كان دخلها، أم مجازاً؛ كقوله " رأيت أسداً " يريد رجلا ً، وهو في غاية الخوف

стр. 1855

والجبن، والمتكلم إذا استعمل العام في الخاص كما في الواقع، فهو صدق قطعاً، فلا كذب قطعاً، وأما البداء: فهو أنه يأمر بالشيء لمصلحة يظنها، ثم يظهر له خلافها؛ فتبدو له في طلب ذلك الفعل، وهو على الله - تعالى - محال؛ لأنه بكل شيء عليم، بل الله ــ تعالى ــ يطلق العام، ويريد الخاص في أوامره، وهو عالم أزلاً وأبداً بنوع تلك المصلحة ومقدارها وأهلها، وجميع مايتعلق بها؛ فلا بداء حينئذ في حقه - تعالى - واستحالة الكذب والبداء عقلا يمنع من توهم ذلك في حق الله - تعالى - قام دليل على التخصيص أم لا؟ وقيام الحجة على صدق الرسل ﵈ يمنع من ذلك في حقهم، قام دليل التخصيص أم لا؟ * * *

стр. 1856

المسألة الخامسة في الغاية التى لا يمكن أن ينتهي تخصيص العموم إلى أقل منها قال الرازي: اتفقوا فى ألفاظ الاستفهام والمجازاة على جواز انتهائها فى التخصيص إلى الواحد، واختلفوا في الجمع المعرف بالألف واللام؛ فزعم القفال: أنهلا يجوز تخصيصه بما هو أقل من الثلاثة، ومنهم من جوز انتهاءه إلى الواحد. ومنع أبو الحسين من ذلك في جميع ألفاظ العموم، وأوجب أن يراد بها كثرة، وإن لم يعلم قدرها، إلا أن يستعمل في حق الواحد على سبيل التعظيم والإبانة؛ فإن ذلك الواحد يجري مجرى الكثير؛ وهو الأصح. أما أنه لا بد من بقاء الكثرة؛ فلأن الرجل لو قال: "أكلت كل ما في الدار من الرمان " وكان فيها ألف، وكان قد أكل رمانة واحدة، أو ثلاثة ــ عابه أهل اللغة، ولو قال: " كل من دخل داري، أكرمته " ثم قال: " أردت به زيداً وحده " عابه أهل اللغة. أحتج من جوز ذلك: بأن استعمال العام في غير الاستغراق ــ استعمال له في غير ما وضع له؛ فليس جواز استعماله في البعض أولى منه في البعض الأخر؛ فوجب جواز استعماله في جميع الأقسام؛ إلى أن ينتهي إلى الواحد. والجواب: لا نسلم أنه ليس بعض المراتب أولى من بعض، وتقريره ما ذكرناه.

стр. 1857

وأما أنه يجوز استعماله في حق الواحد؛ على سبيل التعظيم؛ فلقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ [الحجر: ٩]ــ وقوله: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣]. المسألة الخامسة في الغاية التى يجوز إليها التخصيص قال القرافي: " اتفقوا فى الاستفهام والشرط؛ أنه يجوز تخصيصه الى الواحد ": مثاله: " من دخل داري، فأكرمه ". والاستفهام: من فى الدار؟ وكذلك: ما رأى؟ وسبب اتفاقهم في هذا؛ على جواز التخصيص إلى الواحد: أن لفظه مفرد، والعرب تعامله معاملة المفرد فى عود الضمير عليه مفرداً، وإن أريد العموم؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن﴾ [الزخرف: ٣٦]. ولم يقل: يعشون، وهو كثير، ولا تقول العرب: " المشركون اقتله، بل اقتلهم" وكذلك لما كان لفظه مفردًا، جوزوا تخصيصه للمفرد؛ نظراً للفظه، ومعاملة العرب له في الضمائر والنعوت وغير ذلك، فكذلك تعامله في التخصيص؛ لأنه حكم من أحكامه اللغوية، فهذا هو الفرق بينه، وبين صيغ العموم في الجموع، ومنهم من جوزه في الجمع أيضاً؛ لأن الموجب للقبح: إنما هو المعنى دون اللفظ، والمعنى العام والكثرة التي هي غير متناهية موجودة فى لفظ " من " وما منع ذلك من التخصيص للواحد، فكذلك الجمع؛ لاشتراكهما في معنى العموم. وأما أن المعنى هو الموجب لقبح تخصيص العموم بالواحد؛ فلأنه قد أعاده الشافعية والمالكية على أبي حنيفة ــ رحمة الله عليهم أجمعين ــ في

стр. 1858

تخصيص قوله ﵇: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير أذن وليها ...) الحديث خصصته الآية؛ فقالوا: هذا العموم العظيم يخصصه هذا الصنف القليل، وهو مستقبح لغة، مع أن هذا الصنف أفراده غير متناهية؛ لأنه عام فى نفسه، فإذا أنكر مثل هذا، فأولى أن ينكر العدد المحصور، وإن كثر، فأولى الواحد المعين، فهو أبعد المراتب في التخصيص. قوله: يجوز التخصيص إلى الواحد فى المعظم نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ [الحجر: ٩]. وقوله تعالى: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣]. قلنا: هذا ليس من صيغ العموم التي نحن نتكلم فيها؛ لأن النحاة متفقون على أن العرب وضعت "نحن" للمتكلم مع غيره، كان ذلك الغير واحداً، أو أكثر، ولا خلاف عندهم أنه في الاثنين حقيقة، وإنما هومحتمل للزيادة، والعموم هو اللفظ الذى لا يكون حقيقة، إلا في عدد غير متناه، وفى دونه يكون مجازاً، بل هذا الضمير لصيغ الجموع المنكرة، إذا أريد بها الواحد، فإنها تكون مجازاً، ولا تكون لفظاً عاما خص؛ لأنها تدل على الاثنين، أو

стр. 1859

الثلاثة حقيقة؛ على الخلاف في أدنى مراتب مسماها، وإذا اقتصر بها عليه كانت حقيقة لا مجازاً، وفي الواحد تكون مجازاً؛ فهذا هو نظيرها لا صيغ العموم، وكذلك الضمير في قوله تعالى ﴿فقدرنا﴾ [المرسلات: ٢٣]. هو مثل "نحن" في اللغة للواحد مع غيره، كان ذلك الغير واحداً أو اكثر؛ بخلاف ضمير الخطاب والغيبة؛ نحو: أكرمتكم، وأنتم، وأهنتهم، وهم، وهن؛ فإنه لا بد من ثلاثة، وتكون حقيقة فيها، ولا يشترط أكثر، وليست من صيغ العموم فى شيء؛ فالحاصل أن التصور فى هذه الضمائر كلها، اذا استعملت في الواحد ــ للمجاز؛ لأن التخصيص فى لفظ عام، وإن صدق عليه التخصيص؛ من حيث هو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ من حيث الجملة، لا إخراج بعض مدلول لفظ عام، ولعل هذا هو الموجب لذكر الصنف، لكنه من غير الباب الذى نحن فيه، فلا يحسن ذكره. (فائدة) جاء فى التفسير فى قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس﴾ [ آل عمران: ١٧٣]. القائلون: نعيم بن مسعود الأشجعي، ويحسدون الناس: يحسدون نعم رسول الله ﷺ .

стр. 1860

المسألة السادسة قال الرازي: اختلفوا فى أن العام الذى دخله التخصيص، هل هو مجاز، أم لا؟ فقال قوم من الفقهاء: إنه لا يصير مجازاً، كيف كان التخصيص، وقال أبو علي، وأبو هاشم: يصير مجازاً، كيف كان التخصيص. ومنهم من فصل، وذكر فيه وجوهاً. والمختار قول أبي الحسين ــ ﵀ ــ وهو: أن القرينة المخصصة، إن استقلت بنفسها، صار مجازاً؛ وإلا فلا: تقريره أن القرينة المخصصة المستقلة ضربان: عقلية، ولفظية: أما العقلية: فكالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب بالعبادات. وأما اللفظية: فيجوز أن يقول المتكلم بالعام: "أردت به البعض الفلاني" وفى هذين القسمين يكون العموم مجازاً. والدليل عليه: أن اللفظ موضوع فى اللغة للاستغراق، فإذا استعمل هو بعينه في البعض، فقد صار اللفظ مستعملا فى جزء مسماه؛ لقرينة مخصصة؛ وذلك هو المجاز. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: لفظ العموم وحده حقيقة فى الاستغراق ومع القرينة المخصصة حقيقة في الخصوص؟ قلت: فتح هذا الباب يفضي إلى ألا يوجد فى الدنيا مجاز أصلاً؛ لأنه لا
следующие страницы →