Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
المسألة الخامسة
في الغاية التى لا يمكن أن ينتهي تخصيص العموم إلى أقل منها
قال الرازي: اتفقوا فى ألفاظ الاستفهام والمجازاة على جواز انتهائها فى التخصيص إلى الواحد، واختلفوا في الجمع المعرف بالألف واللام؛ فزعم القفال: أنهلا يجوز تخصيصه بما هو أقل من الثلاثة، ومنهم من جوز انتهاءه إلى الواحد.
ومنع أبو الحسين من ذلك في جميع ألفاظ العموم، وأوجب أن يراد بها كثرة، وإن لم يعلم قدرها، إلا أن يستعمل في حق الواحد على سبيل التعظيم والإبانة؛ فإن ذلك الواحد يجري مجرى الكثير؛ وهو الأصح.
أما أنه لا بد من بقاء الكثرة؛ فلأن الرجل لو قال: "أكلت كل ما في الدار من الرمان " وكان فيها ألف، وكان قد أكل رمانة واحدة، أو ثلاثة ــ عابه أهل اللغة، ولو قال: " كل من دخل داري، أكرمته " ثم قال: " أردت به زيداً وحده " عابه أهل اللغة.
أحتج من جوز ذلك: بأن استعمال العام في غير الاستغراق ــ استعمال له في غير ما وضع له؛ فليس جواز استعماله في البعض أولى منه في البعض الأخر؛ فوجب جواز استعماله في جميع الأقسام؛ إلى أن ينتهي إلى الواحد.
والجواب: لا نسلم أنه ليس بعض المراتب أولى من بعض، وتقريره ما ذكرناه.
стр. 1857
وأما أنه يجوز استعماله في حق الواحد؛ على سبيل التعظيم؛ فلقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ [الحجر: ٩]ــ وقوله: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣].
المسألة الخامسة
في الغاية التى يجوز إليها التخصيص
قال القرافي: " اتفقوا فى الاستفهام والشرط؛ أنه يجوز تخصيصه الى الواحد ":
مثاله: " من دخل داري، فأكرمه ".
والاستفهام: من فى الدار؟ وكذلك: ما رأى؟ وسبب اتفاقهم في هذا؛ على جواز التخصيص إلى الواحد: أن لفظه مفرد، والعرب تعامله معاملة المفرد فى عود الضمير عليه مفرداً، وإن أريد العموم؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن﴾ [الزخرف: ٣٦]. ولم يقل: يعشون، وهو كثير، ولا تقول العرب: " المشركون اقتله، بل اقتلهم" وكذلك لما كان لفظه مفردًا، جوزوا تخصيصه للمفرد؛ نظراً للفظه، ومعاملة العرب له في الضمائر والنعوت وغير ذلك، فكذلك تعامله في التخصيص؛ لأنه حكم من أحكامه اللغوية، فهذا هو الفرق بينه، وبين صيغ العموم في الجموع، ومنهم من جوزه في الجمع أيضاً؛ لأن الموجب للقبح: إنما هو المعنى دون اللفظ، والمعنى العام والكثرة التي هي غير متناهية موجودة فى لفظ " من " وما منع ذلك من التخصيص للواحد، فكذلك الجمع؛ لاشتراكهما في معنى العموم.
وأما أن المعنى هو الموجب لقبح تخصيص العموم بالواحد؛ فلأنه قد أعاده الشافعية والمالكية على أبي حنيفة ــ رحمة الله عليهم أجمعين ــ في
стр. 1858
تخصيص قوله ﵇: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير أذن وليها ...) الحديث خصصته الآية؛ فقالوا: هذا العموم العظيم يخصصه هذا الصنف القليل، وهو مستقبح لغة، مع أن هذا الصنف أفراده غير متناهية؛ لأنه عام فى نفسه، فإذا أنكر مثل هذا، فأولى أن ينكر العدد المحصور، وإن كثر، فأولى الواحد المعين، فهو أبعد المراتب في التخصيص.
قوله: يجوز التخصيص إلى الواحد فى المعظم نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ [الحجر: ٩]. وقوله تعالى: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣].
قلنا: هذا ليس من صيغ العموم التي نحن نتكلم فيها؛ لأن النحاة متفقون على أن العرب وضعت "نحن" للمتكلم مع غيره، كان ذلك الغير واحداً، أو أكثر، ولا خلاف عندهم أنه في الاثنين حقيقة، وإنما هومحتمل للزيادة، والعموم هو اللفظ الذى لا يكون حقيقة، إلا في عدد غير متناه، وفى دونه يكون مجازاً، بل هذا الضمير لصيغ الجموع المنكرة، إذا أريد بها الواحد، فإنها تكون مجازاً، ولا تكون لفظاً عاما خص؛ لأنها تدل على الاثنين، أو
стр. 1859
الثلاثة حقيقة؛ على الخلاف في أدنى مراتب مسماها، وإذا اقتصر بها عليه كانت حقيقة لا مجازاً، وفي الواحد تكون مجازاً؛ فهذا هو نظيرها لا صيغ العموم، وكذلك الضمير في قوله تعالى ﴿فقدرنا﴾ [المرسلات: ٢٣]. هو مثل "نحن" في اللغة للواحد مع غيره، كان ذلك الغير واحداً أو اكثر؛ بخلاف ضمير الخطاب والغيبة؛ نحو: أكرمتكم، وأنتم، وأهنتهم، وهم، وهن؛ فإنه لا بد من ثلاثة، وتكون حقيقة فيها، ولا يشترط أكثر، وليست من صيغ العموم فى شيء؛ فالحاصل أن التصور فى هذه الضمائر كلها، اذا استعملت في الواحد ــ للمجاز؛ لأن التخصيص فى لفظ عام، وإن صدق عليه التخصيص؛ من حيث هو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ من حيث الجملة، لا إخراج بعض مدلول لفظ عام، ولعل هذا هو الموجب لذكر الصنف، لكنه من غير الباب الذى نحن فيه، فلا يحسن ذكره.
(فائدة)
جاء فى التفسير فى قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس﴾ [ آل عمران: ١٧٣]. القائلون: نعيم بن مسعود الأشجعي، ويحسدون الناس: يحسدون نعم رسول الله ﷺ .
стр. 1860
المسألة السادسة
قال الرازي: اختلفوا فى أن العام الذى دخله التخصيص، هل هو مجاز، أم لا؟ فقال قوم من الفقهاء: إنه لا يصير مجازاً، كيف كان التخصيص، وقال أبو علي، وأبو هاشم: يصير مجازاً، كيف كان التخصيص.
ومنهم من فصل، وذكر فيه وجوهاً.
والمختار قول أبي الحسين ــ ﵀ ــ وهو: أن القرينة المخصصة، إن استقلت بنفسها، صار مجازاً؛ وإلا فلا: تقريره أن القرينة المخصصة المستقلة ضربان: عقلية، ولفظية:
أما العقلية: فكالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب بالعبادات.
وأما اللفظية: فيجوز أن يقول المتكلم بالعام: "أردت به البعض الفلاني" وفى هذين القسمين يكون العموم مجازاً.
والدليل عليه: أن اللفظ موضوع فى اللغة للاستغراق، فإذا استعمل هو بعينه في البعض، فقد صار اللفظ مستعملا فى جزء مسماه؛ لقرينة مخصصة؛ وذلك هو المجاز.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: لفظ العموم وحده حقيقة فى الاستغراق ومع القرينة المخصصة حقيقة في الخصوص؟
قلت: فتح هذا الباب يفضي إلى ألا يوجد فى الدنيا مجاز أصلاً؛ لأنه لا
стр. 1861
لفظ، إلا ويمكن أن يقال: إنه وحده حقيقة فى كذا، ومع القرينة حقيقة فى المعنى الذي جعل مجازاً عنه.
والكلام فى أن العام المخصوص بقرينة مستقلة بنفسها، هل هو مجاز أم لا، فرع على ثبوت أصل المجاز، وأما إن كانت القرينة لا تستقل بنفسها؛ نحو الاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة؛ كقول القائل: "جاءني بنو أسد الطوال" فهاهنا لا يصير مجازاً.
والدليل عليه: أن لفظ العموم حال انضمام الشرط، أو الصفة، أو الاستثناء إليه لا يفيد البعض؛ لأنه لو أفاده، لما بقي شيء يفيده الشرط، أو الصفة، أو الاستثناء، وإذا لم يفد البعض، استحال أن يقال: إنه مجاز في إفادة البعض، بل المجموع الحاصل من لفظ العموم، ولفظ الشرط، أو الصفة، أو الاستثناء دليل على ذلك البعض، وإفادة ذلك المجموع لذلك البعض، حقيقة.
(تنبيه)
إذا قال الله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ فقال النبي ﷺ في الحال: (إلا زيداً) فهذا تخصيص بدليل متصل، أو منفصل ؟ فيه احتمال.
المسألة السادسة
قال القرافى: هل المخصوص مجاز أم لا؟
قال سيف الدين الآمدي في (الإحكام): فيه ثمانية مذاهب: حقيقة مطلقاً، قاله الحنابلة، وكثير من أصحابنا.
стр. 1862
وقال الغزالي، وكثير من المعتزلة، وكثير من أصحابنا، وأصحاب أبي حنيفة؛ كعيسى بن أبان وغيره، هو مجاز مطلقا ً.
ومن الحنفية: من قال: إن كان الباقي جمعاً، فهو حقيقة، وإلا فلا، واختاره أبو بكر الرازي.
ومنهم من قال: إن خص بدليل لفظي، فهو حقيقة، مهما كان المخصص متصلا أو منفصلاً، وإلا فهو مجاز. واختار القاضي أبو بكر وغيره، إن خص بدليل متصل؛ من شرط؛ كقوله: "من دخل داري، أكرمته، سوى بني تميم" فحقيقة، وإلا فمجاز.
وقال القاضى عبد الجبار من المعتزلة: إن خصصه بشرط، كما سبق تمثيله أو صفة؛ كقوله: "من دخل دارى، أكرمته، حتى أكره ذلك" و"إلا أن أكره ذلك" أو "إلا بني تميم".
وقال أبو الحسين البصري: إن استعمل المخصص بنفسه؛ كانت عقلية، فالدلالة على أن غير القادر غير مراد فى العبادات، أو لفظية؛ كقول المتكلم: "أردت البعض الفلاني" فهو مجاز، وإلا فهو حقيقة؛ كانت القرينة شرطاً، أو صفة مقيدة، أو استثناء.
وقيل حقيقة؛ في تناول اللفظ، مجاز؛ فى الاقتصار عليه.
قلت: من لاحظ أن الحربيين مشركون مثلاً، قال: اللفظ حقيقة، ومن لاحظ أن اللام صيرت اللفظ للاستغراق ــ وقد استعمل فى غيره ــ قال: مجاز.
стр. 1863
ومن لاحظ أنها صيغة جمع، أو لعموم موضوع للجمع بقيد عدم النهاية، وقد ذهب القيد، وبقي الجميع، فيكون اللفظ حقيقة فيه؛ لأنه جمع؛ كالوجوب، إذا تناول الفعل بوصف الطهارة؛ فتعذرت الطهارة، وبقي الوجوب متناولاً له، كذلك العموم، ومن لاحظ أن المتصل مع اللفظ العام كالكلمة الواحدة، فيكون المجموع حقيقة فيما بقي، والمنفصل لا يمكن جعله مع الأصل كلاماً واحداً؛ لاستقلال المنفصل بنفسه ــ قال: هذا مجاز دون المنفصل، والفرق عند الآخر بين الشرط والصفة، وغيرهما: أنهما يتضمنان المقاصد؛ لأن الشرط اللغوي سبب، والأسباب متضمنة للحكم، والصفات متضمنة للمدح والذم.
وأما الغاية: فلبيان نهاية الشيء والاستثناء: لإخراج غير المراد، فهما تبعان لغيرهما في القصد، فاللفظ معهما مجاز؛ لضعفهما ولم يجعلهما من أصل الكلام، فيكونان مع الأصل كالكلمة الواحدة، والأولان قويان؛ فلقوتهما جعلا مع الأصل كلمة واحدة، فكان اللفظ حقيقة، والتفريق بين العقلي والفظي عسر المدرك، وكذلك المذهب الأخير.
قوله: "الدلالة العقلية كالدلالة على أن غير القادر غير مراد بالتزام العبادات":
قلت: هذا على قاعدة المعتزلة: أن الحسن والقبح يمنع من تكليف العاجز، أما على قاعدتنا؛ فم يدل العقل على ذلك؛ بل السمع فى قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله: "لم لا يكون العام وحده حقيقة فى الاستغراق، ومع القرينة فى الخصوص؟ ّ":
قلنا: لأن الحقيقة: هي استعمال اللفظ فيما وضع له.
стр. 1864
وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] مع قوله ﵇: (لا تقتلوا الرهبان) مثلاً، لم يوضع هذا المجموع لقتل الحربيين خصوصا، بل كل لفظ وضع لمعنى وحده؛ فلا يكون هذا حقيقة فى الأفراد، ويجوز أن يكون حقيقة من حيث التركيب؛ لأنه قد تقدم أن العرب وضعت المركبات، كما وضعت المفردات؛ وحينئذ يكون هذا التركيب مستعملاً فيما وضع له؛ لأنها وضعت، والكلام هاهنا فى المجاز في الأفراد، لا فى التركيب، ثم من المخصصات القرائن الحالية، وأدلة العقل، وهى ليست موضوعة ألبتة، فلا يكون المجموع حقيقة ألبتة؛ لعدم الوضع.
قوله: "والكلام فى العام المخصوص بقرينة مستقلة بنفسها، هل هو مجاز أم لا؟ "
تقريره: أن القرينة المستقلة لا يمكن أن يعتقد فيها أنها مع الأصل كاللفظة الواحدة الموضوعة لما بقي بعد التخصيص، إنما يحسن ذلك فيما لا يستقل، وهو الأربعة المتقدمة: الشرط، والغاية، والصفة، والاستثناء.
قوله: "لفظ العموم ــ حال انضمام الشرط أو الصفة أو الاستثناء إليه ــ لا يفيد البعض؛ لأنه لو أفاده ما بقي شيء يفيد الشرط أو الصفة أو الاستثناء، فإذا لم يفد البعض، استحال أن يقال: " إنه مجاز فى إفادة البعض، بل المجموع دليل على ذلك البعض":
تقريره: أن صيغة العموم لا تفيد البعض؛ اختصاراً حالة انضمام المخصص المتصل إليه، فإنه لو أفاد الأقتصار عليه لم يفد شيئاً، ويرد عليه أنه لا يلزم من عدم إفادته إياه على وجه الاقتصار ــ كون المجموع حقيقة، بل الحق أنه لا يفيد البعض اقتصاراً، بل يفيد مع غيره بالوضع لغة، والمخصص
стр. 1865
دل على عدم استعماله فى الشمول؛ فيكون مستعملاً فى غير ما وضع له، فيكون مجازاً؛ لأن المجموع ليس موضوعاً لما بقي؛ كما تقدم.
تقريره: بل بعضه موضوع للشمول، وهو الفظ العام، والبعض الأخر موضوع للغاية، أو للربط والتعليق، أو للإخراج كالاستثناء.
قوله: "إذا قال الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]ـ، فقال النبي ﵇ في الحال: (إلا زيداً) فهل هو تخصيص متصل أو منفصل؟
فيه احتمال، تقريره: أن كونه عقيب السماع من غير فصل يقتضي كونه متصلاً، وكونه من متكلمين يقتضي انفصاله، فحصل التردد.
(سؤال)
قال النقشوانى: اختياره ــ هاهنا ــ ناقص به ما اختاره فى مسألة إذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين، وجعل التخصيص من جملتها، وجعله قبالة الحقيقة، وما قرره فى أنواع المجاز؛ حيث قال: إطلاق الكل، وإرادة البعض، ومثله بالعام المخصوص، ثم إنه جعل التخصيص جنساً تحته ثلاثة أنواع:
أحدها: الاستثناء، فإذا كان التخصيص مجازاً؛ يلزم أن يكون الاستثناء مجازاً، وهو من جملة المخصصات المتصلة، ثم قوله: العام لا يفيد ذلك البعض، وإلا لما أفاد ذلك الشرط شيئاً، يلزمه أن سائر صور التخصيص كذلك، فإن المخصص المنفصل، إذا لم نلاحظه، لا يقتصر على ذلك البعض الباقي بعد التخصيص.
قلت: وتندفع هذه المناقضات؛ فإن قوله: "التخصيص مقدم على النقل وغيره" لم يتعرض ثمة لجميع أنواع التخصيص، بل لجنسه من حيث الجملة،
стр. 1866
وإذا كان الكلام فى تقرير قاعدة لا يحتج به فى غير تلك القاعدة؛ لأن المتكلم لم يوجه، لتجويز غير ما هو فيه؛ ولذلك قال العلماء: لا يتم أي احتجاج حقيقة بقوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة فى جميع الخضروات؛ لأن الشارع إنما قصد بذلك الكلام الجزء الواجب، لا الواجب فيه، فمتى سيق الكلام فى تحرير معنى، لا يكون حجة فى غيره، كذلك هناك سيق الكلام لترجيح أحد تلك الاحتمالات على غيرها، لا تقرير أنواع التخصيص والمجاز؛ فيحتمل كلامه هناك على التخصيص بقرينة منفصلة، وهو قد سلم هاهنا أنه مجاز، وكذلك نقول: حيث مثل أنه أحد أنواع المجاز؛ لم قلتم: إنه أراد استعمال اللفظ فى الجزء، إذا دلت عليه قرينة متصلة، بل لحمله على ما إذا كان المخصص منفصلاً؛ جمعا بين كلاميه، ولا ضرورة للتناقض؛ لأنه لم يتعين، وأما كونه جعل التخصيص جنساً تحته أنواع: أحدها: الاستثناء، فلا يلزمه أيضاً أن الاستثناء مجاز؛ لأن مطلق التخصيص هو المجعول جنساً، ومطلق التخصيص ليس مجازاً عنده، وإنما المجاز يعرض من المخصص المنفصل الذى هو أخص من مطلق التخصيص؛ فلا يلزم من ثبوت حكم الأخص ثبوته للأعم، بل الأعم عنده قابل لأن يكون مجازاً، وألا يكون كما نقول: الكلام يقبل أن يكون أمرا ً وألا يكون، وإذا قضى على بعض أنواعه بأنه أمر، لا يلزم أن يقضي على مطلق الكلام بأنه أمر، كذلك هاهنا، سلمنا أن هذا الاختيار لا يجتمع مع ذلك، أو أي محذور فى هذا، وذلك أن العلوم ليست تقليدية، ولا يجمد فيها على حالة واحدة طول عمره، إلا جامد العقل، فاتر الذهن، قليل الفكرة، فاتر الفطنة، إلا في الأمور الجليلة جدا؛ فإنها لا تتغير عند العقلاء، وليس هذا منها، بل هذا من محال النظر، وموارد التغير، فهذا الاختلاف مما يدل على وفور علم الإمام وجودة عقله ودينه، أما عقله وعلمه، فإنه دائم أبداً فى النظر والنقل، طالب للأزدياد والتحصيل
стр. 1867
والوصول إلى غاية بعد غاية، وكشف حقيقة بعد حقيقة؛ فيظهر له دائماً خلاف ما ظهر له أولاً، وكذلك قال عمر ﵁ في المشركة: "ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي" ورجع عما أفتى به أولاً، ولم يزل العلماء على ذلك قديماً وحديثاً.
وأما وفور دينه: فلأنه إذا ظهر رجحان شيء، رجع إليه، ولا يخشى أن يقال: غلط أولاً، ثم رجع للحق، بل يقول الحق متى ما ظهر له، ولا يكترث بمن يعتب عليه للاختيار الأول، وهذا عائد الدين، وصلابة الهمة، فهذا بأن يشكر به الإمام أولى وأحرى، وأن يجعل من صفات كماله، لا من صفات نقصانه.
ولقد رأيت جماعة قصدت هممهم عن فهم كلام الإمام، والاشتغال بتحصيل معاني كتبه، فيعيبونه بهذا، وينفرون الناس، ويقولون: هو ينقص كلامه بعضه بعضاً، فلا تشتغلوا به، وطول الزمان ينقلون عن الشافعى وغيره من السادة الكرام عدة أقوال فى المسألة الواحدة، ولا يعد ذلك أحد من معايبهم، بل من كمالهم؛ فلم لا يفعلون ذلك هاهنا؟ بل من جهل شيئاً، عاداه، وعادى أهله لا سيما، وفى هذه الاختلافات تنبيه الطالب على النظر، وتفنن من المدارك، ووجوه الترجيح، وقوة إيضاح الحق، فإن كثرة أقل المباحث مما يزيد الحق وضوحاً عند الفضلاء، وذوى العقول الراجحة، كما أن الأخوث، وناقص العقل، إذا اختلفت عليه المباحث يتيه ويضل، ولايبقى له حاصل ألبته، بل لا يعرف المشي إلا على تفنن واحد؛ كالدابة لا تعرف دار صاحبها إلا إذا لم تختلف الطرق عليها، أما ذو البصيرة الراجحة، فلا.
стр. 1868
المسألة السابعة
يجوز التمسك بالعام المخصوص
قال الرازى: وهو قول القهاء، وقال عيسى بن أبان، وأبو ثور: لا يجوز مطلقا.
ومنهم من فصل؛ فذكر الكرخى: أن المخصوص بدليل متصل يجوز التمسك به، والمخصوص بدليل منفصل لا يجوز التمسك به.
والمختار: أنه لو خص تخصيصاً مجملاً لا يجوز التمسك به، وإلا جاز؛ مثال التخصيص المجمل: كما قال اله تعالى: (اقتلو المشركين) ثم قال: لم أرد بعضهم.
لنا وجوه:
الأول: أن اللفظ العام كان متنا ولا للكل، فكونه حجة فى كل واحد من اقسام ذلك الكل: إما أن يكون موقوفاً على كونه حجة فى القسم الآخر، أو على كونه حجة فى الكل، أو لا يتوقف على واحد من هذين القسمين:
والأول باطل؛ لأنه، إن كان كونه حجة فى كل واحد من تلك الأقسام، مشروطاً بكونه حجة فى القسم الآخر، لزم الدور، وإن أفتقر كونه حجة فى هذا القسم إلى كونه حجة فى ذلك القسم، ولا ينعكس ــ فحينئذ يكون كونه حجة فى ذلك القسم يصح أن يبقى بدون كونه حجة فى هذا القسم؛ فيكون العام المخصوص حجة فى ذلك القسم.
стр. 1869
هذا؛ مع انا نعلم بالضرورة أن نسبة اللفظ إلى الكل الأقسام ــ على السوية، فلم يكن جعل البعض مشروطاً بالآخر أولى من العكس.
والقسم الثانى أيضاً باطل؛ لأن كونه حجة فى الكل يتوقف على كونه حجة فى كل واحد من تلك الأقسام؛ لأن الكل لا يتحقق إلا عند تحقق جميع الأفراد، فلو توقف كونه حجة فى البعض على كونه حجة فى الكل، لزم الدور؛ وهو محال.
ولما بطل القسمان، ثبت أن كونه حجة فى ذلك البعض لا يتوقف على كونه حجة فى البعض الاخر، ولا على كونه حجة فى الكل؛ فإذن: هو حجة فى ذلك البعض، سواء ثبت كونه فى البعض الآخر أو فى الكل، أو لم يثبت ذلك؛ فثبت أن العام المخصوص حجة.
الثانى: هو أن المقتضى لثبوت الحكم فى غير محل التخصيص قائم، والمعارض الموجود لا يصلح معارضاً؛ فوجب ثبوت الحكم فى غير محل التخصيص.
إنما قلنل إن المقتضى قائم؛ وذلك لأن المقتضى هو اللفظ الدال على ثبوت الحكم، وصيغة العموم دالة على ثبوت الحكم فى كل الصور، والدال على ثبوت الحكم فى كل الصور دال على ثبوته فى محل التخصيص، وفى غير محل التخصيص؛ فثبت أن القتضى لثبوت الحكم فى غير صورة التخصيص قائم.
وأما المعارض الموجود لا يصلح أن يكون معارضاً؛ فلأن المعارض إنما هو بيان أن الحكم غير ثابت فى هذه الصورة المعينة، ولا يلزم من عدم الحكم في
стр. 1870
هذه الصورة المعينة عدمه فى الصورة الأخرى، فبيان عدم الحكم فى هذه الصورة لا يكون منافياً لثبوت الحكم فى الصورة الأخرى.
فثبت: أن المقتضى قائم، والمانع مفقود؛ فوجب ثبوت الحكم.
الثالث: أن عليا ــ كرم الله وجهه ــ تعلق فى الجمع بين الأختين فى الملك؛ بقوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) النساء: ٣. مع أنه مخصوص بالبنت والأخت، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة؛ فكان إجماعاً.
أحتجوا: بأن العام المخصوص لا يمكن إجراؤه على ظاهرة؛ فيجب صرفه عن الظاهر؛ وحينئذ لا يكون حمله على بعض المحامل أولى من بعض؛ فيصير مجملاً.
قلنا: لا نسلم أنه ليس البعض بأولى من البعض، بل عندنا يجب حمله على الباقى، واله أعلم.
المسألة السابعة
يجوز التمسك بالعام المخصوص
قال القرافى: قوله: "قال الكرخى: إن خص بمتصل جاز التمسك به، وإلا، فا":
تقيره: أن التخصيص، إذا كان متصلا، كان مع الأصل؛ كاللفظة الواحدة الموضوعة لما بقى، فيكون حقيقة، والمخصص المنفصل لا يمكن جعله مع الأصل كالكلمة الواحدة؛ فكان مجازاً، وليس بعض مراتب المجاز عنده فى التخصيص أولى من البعض؛ فيكون مجملاً، فلا يصح التمسك به، وقد تقدم تمثيل المتصلات بالشرط والغاية والصفة والاستثناء.
стр. 1871
قوله: "والمختار إن خص تخصيصاً مجملاً، لا يجوز التمسك به":
قلنا: هذا يوهم أن هذا المذهب قال به أحد، ومتى كان التخصيص مجملاً امتنع العنل به اتفاقاً فيما عملت، ولا يمكن العمل به، وبعضه قد حرم مثلاً، وبعضه مباح، وقال المتكلم: المحرم عندى معنى، ولا أبنيه لكم، كما مثلته فى المشركين، فكيف يسوغ من عقل الإقدام على مثل هذا، فهذا، والله أعلم، متفق عليه، فلا معنى لقوله: "والمختار" أما إذا قال: اقتلوا المشركين، والمراد بعضهم والبعض غير معين عند المتكلم، فيصير معنى الكلام: "أوجبت عليكم قتل جماعة لا أعينها" فهو مثل إيجاب عتق رقبة لا بعينها، فيخرج عن العهدة بقتل أى ثلاثة من المشركين كانوا، ولا يكون ذلك تخصيصاً مجملاً إنما يكون مجملاً، إذا كان متعيناً فى نفس الأمر، وامتنع المتكلم من تبيينه، وهو مراده فى الكتاب.
قوله: "كونه حجة فى كل واحد من الأقسام، إما أن يتوقف على كونه حجة فى القسم الآخر، أو كونه حجة فى الكل":
تقريره: كون لفظ المشركين مثلاً حجة فى الحربيين، إما أن يتوقف على كونه حجة فى الذميين، أو كونه حجة فى مجموع الفريقين من حيث هو مجموع، والمجموع من حيث هو مجموع مغاير للذميين، كمغايرة العشرة الخمسة.
قوله: "إن كان مشروطاً بكونه حجة فى القصسم الآخر، لزم الدور":
قلنا: التوقف أعم من توقف الشرط؛ لأن التوقف قد يكون على وجه المعية، وقد يكون على وجه السبقية من الطرفين.
والثانى هو الذى يلزم منه الدور، دون الأول.
فإذا قلت: "لا أخرج من الدار؛ حتى يخرج زيد قبلى" وقال زيد: "لا أخرج؛ حتى تخرج أنت قبلى" تعذر خروج واحد منكما، وصار محالاً.
стр. 1872
أما إذا قلت: "لا أخرج حتى يخرج زيد معى" وقال زيد: "لا أخرج؛ حتى تخرج أنت معى" خرجتما معاً، ولا يصير خروجكما محالاً، فظهر أن الدور إنما يلزم من التوقف السبقى، دون التوقف المعى، فجاز أن يكون ثبوت الحكم فى كل واحد من القسمين متوقفا على ثبوته فى الآخر، ويكون التوقف معيا لا سبقيا، ولا يلزم الدور، ولا كونه حجة بعد التخصيص لأجل أصل التوقف.
" سؤال"
العام بعد التخصيص حجة فيما خرج بالتخصيص ؛ لأن الحجة هى الدلالة، وصحة التمسك، وهو حاصل، غير أنها حجة لها معارض راجح، وقيام المعارض لا يبطل كون المعارض فى نفسه حجة، بل يمنع من ترتب حكمه عليه؛ فينبغى أن يقول: ثبوت الحكم فى هذا القسم، إما أن يتوقف على ثبوته فى ذلك القسم أم لا؟
فيجعل الترديد فى الحكم لا فى كون اللفظ حجة، والدور الذى ألزمه فى التوقف على الكل منحل بما تقدم فى التوقف على القسم الآخر؛ فلا دور فيهما.
قوله: "عدم الحكم فى تلك الصورة لا ينافى ثبوته فى الصورة الأخرى":
قلنا: هذه مصادرة من غير دليل؛ لأن الخصم يقول: هو مناف، وأنتم تقولون: غير مناف، ولم تذكروا دليلاً على ذلك، فقد صادرتم على مذهب الخصم من غير دليل، فلا يجوز ذلك فى البحث والإنصاف، بل إن صح لكم ذلك، فا حاجة للأدلة على ذلك.
"تنبيهّ"
زاد سراج الدين فقال: لقائل أن يقول: لا يلزم من عدم توقف الشيء
стр. 1873
على غيره جواز وجوده بدونه؛ كما فى المتلازمين، فإن عنى بتوقفه عليه امتنع وجوده بدونه، لا يلزم الدور، كما فى المتلازمين":
قلت: كل علة لها مسببات؛ كالنار للإحراق والإشراق والدخان، ووطء التناسل ينشأ عنه الأبوة والبنوة، وغير ذلك من العلل، فإن معلولاتها لا يوجد أحدها بدون الآخر، وهو غير متوقف عليه فى ذاته، بل كلاهما متوقف على العلة؛ فلا يلزم من عدم التوقف جواز الانفكاك، ووجود أحدهما بدون الآخر، وكذلك لا يلزم من امتناع وجود أحدهما بدون الآخر لدور، لأن التوقف قد يكون معيا لا سبقيا؛ كما تقدم تقريره، وهى فى المتلازمين كالمعلولين كذلك؛ فإن وجود أحدهما بدون الآخر ممتنع، ولا يلزم الدور؛ لأن أحدهما لا يوجد؛ حتى يوجد الآخر معه لا قبله؛ فلا انفكاك ولا دور.
وزاد التبريزى، فقال: يتجه أن يقال: دل العام على ثبوت الحكم فى ل فرد؛ بشرط استعماله فى الموضوع، وهو الاستغراق، فإذا لم يشتعمل فيه، جاز فى كل واحد أن يكون مراداً، وألا يكون مراداً؛ فلم يكن حجة فى شيء منه وهو سؤال حسن، غير أنه يقال: الأصل عدم هذه الشرطية، وقال فى أدلة أصل المسألة: استعمل المجاز من غير بيان إلغاز وتلبيس، وليس من عادة العرب؛ فيعلم انتقاؤه من الشرع قطعاً، وإرادة بعض ما وراء محل التخصيص.
قال: قيل: فلعل وراء هذا المخصص شخصاً آخر:
قلنا: مالم يظهر، فهو فى حكم العدم، كيف، فلو ظهر، لم يحل من الخصم عقدة الإصرار على المنع.
* * *
стр. 1874
المسألة الثامنة
قال الرازى: قال ابن سريج: لا يجوز التمسك بالعام، مالم يستقص فى طلب المخصص، فإذا لم يوجد ذلك الكخصص؛ فحينئذ يجوز التمسك به فى إثبات الحكم، وقال الصيرفى: يجوز التمسك به ابتداء مالم تظهر دلالة مخصصة.
واحتج الصيرفى بأمرين:
أحدهما: لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب أنه، هل وجد مخصص أم لا، لما جاز التمسك بالحقيقة إلا بعد طلب أنه، هل وجد ما يقتضى صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز؟ وهذا باطل؛ فذاك مثله.
بيان الملازمة: أن لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص، لكان ذلك لأجل الاحتراز عن الخطأ المحتمل؛ وهذا المعنى قائم فى التمسك بحقيقة اللفظ؛ فيجب اشتراكهما فى الحكم.
بيان أن التمسك بالحقيقة لا يتوقف على طلب ما يوجب العدول إلى المجاز: هو أن ذلك غير واجب فى العرف؛ بدليل أنهم يحملون الألفاظ على ظواهرها من غير بحث عن أنه، هل وجد ما يوجب العدول، أم لا؟
وإذا وجب ذلك فى العرف، وجب أيضاً فى الشرع؛ لقوله ﷺ : "ما رآه المسلمون حسناً، فهو حسن".
وثانيهما: أن الأصل عدم التخصيص، وهذا يوجب ظن عدم المخصص؛ فيكفى فى إثبات ظن الحكم.
стр. 1875
واحتج ابن سريج: أن بتقدير قيام المخصص لا يكون العموم حجة فى صورة التخصيص، فقبل البحث عن وجود المخصص، يجوز أن يكون العموم حجة وألا يكون، والأصل: ألا يكون حجة، إبقاء لشيء على حكم الأصل.
والجواب: أن ظن كونه حجة أقوى من ظن كونه غير حجة؛ لأن إجراءه على العموم أولى من حمله على التخصيص، ولما ظهر هذا القدر من التفاوت، كفى ذلك فى ثبوت الظن.
" فرع"
إذا قلنا: يجب نفي المخصص، فذاك مما لا سبيل إليه إلا بأن يجتهد فى الطلب ، ثم لا يجد، لكن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود، لا يورث إلا الظن الضعيف، واله أعلم.
المسألة الثامنة
لا يجوز التمسك بالعام مالم يستقص فى طلب المخصص
قوله: "لو لم يجز التمسك بالعام، إلا بعد طلب المخصص، لما جاز التمسك بالحقيقة، إلا بعد طلب أنه هل وجد مقتضى المجاز أم لا"؟
قلنا: الصحيح الذى لا ينبغى أت يختلف فيه هو قول ابن سريج، وحكى الشيخ أبو اسحاق فى "اللمع" مقالة ابن سريج عن ابى سعيد الإصطخرى وأبى اسحاق المروزى، وهى المقالة الصحيحة. قال التبريزى وغيره من المتأخرين والمتقدمين، والمسألتان سواء، ولا يجوز الاعتماد على شيء من الحقائق إلا بعد الفحص عن المجاز، ولا شيء من النصوص إلا بعد الفحص عن الناسخ، ولا شيء من الأقيسة إلا بعد الفحص عن المانع من اعتبار ذلك
стр. 1876
القياس من الفوارق أو النصوص أو غيرها، بل جميع مدارك الشرع كذلك لا يجوز التمسك بشيء منه إلا بعد بذل الجهد فى نفى المعارض، وهل له معارض يقدم عليه أم لا؟
فإذا غلب على ظنه عدم المعارض حينئذ يعتمد على المجتهد، وإلا فلا حتى اشترط فى رتبة الاجتهاد تلك الشروط العظيمة التى عجز عنها أهل الاعصار المتأخرة، ولو أن الظفر بالدليل فقط يبيح الفتيا بموجب ذلك الدليل، لكان العامى يتيسر له ذلك، بل لا بد من بذل الجهد، ولا يكفى بذل الجهد مع قلة الإحاطة بوجوه الحجاج الشرعية، ومواقع الخلاف والإجماع، وجميع ما يتوقع من الاطلاع عليه يقويه، أو خل من فنون النحو واللغة، ووجوه نصب الأدلة وتركيبها، فبذل الجهد حينئذ مبيح للفتيا، وأما بذل الجهد مع القصور والتقصير، فلا ينفع بذل الجهد شيئا.
وأما عدم النظر ألبته، فلو قيل: "إنه خلاف الإجماع" ما أبعد قائلة.
وأما قوله: "إن طلب المجاز فى العرف غير واجب":
فجوابه: لأن الناس فى العرف يكتفون فى معايشهم بأيسر الأسباب، وأولى مراتب الظنون، فإنه لا تقوم المعيشة إلا بالاكتفاء بذلك، ولو اشترط أهل العرف فى معيشتهم ما شرط فى فتاوى الشريعة، بطلت عليهم معيشتهم، وفسد حالهم.
وأما منصب الاجتهاد فى تقرير الشرائع على جميع الخلائق إلى قيام الساعة، وإباحة الدماء، والفروج، والأعراض، والأموال ــ فلا يقرر قاعدة منها إلا بعد بذل الجهد فى جميع الطرق التى يمكن أن يستعان بها جلباً، أو دفعاً، نفيا ً أو إثباتاً، ولا يعتمد على بادـ الراى، وأوائل النظر.
стр. 1877
وأما قوله ﵇: "ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن"، فلا نسلم صحته، سلمنا صحته؛ لكن المراد به ما رآه جميع المسلمين أو بعضهم؟
الأول: مسلم، ولم يحصل ذلك هاهنا.
والثانى: ممنوع؛ فإن بعض المسلمين، أى بعض كان، لم يقل أحد إنه حجة، ولا هو عند الله ـ تعالى ــ ثم إنه يلزمه منه القول بالنقيضين؛ لأن كل خصم قد رأى نقيض ما قال به خصمه؛ فيلزمه اجتماع النقيضين، ثم إن أهل العرف إنما يرو ذلك حسناً فى معايشهم، فيكون عند الله ـ تعالى ـ حسناً فى معياشهم؛ لأن الضمير فى قوله: فهو عند الله حسن ـ عائد إلى المرئى لأهل العرف على ذلك الوجه الذى رواه فيه، كما تقول: زيد يلبس الفراء فى الشتاء، ويرى ذلك حسناً، وما رآه زيد سناً، فهو عند عمرو حسن، إنما يفهم من ذلك لبس الفراء فى الشتاء، لا لبس الفراء كيف كان، ونحن نقول بذلك فالتمسك بالحقيقة مع عدم الفحص عن المجاز حسن عند اله ـ تعالى ــ فى المعاش دون المعاد؛ لأنه هو الذى رآه أهل العرف حسناً، وفى هذا الكلام الأخير بحث؛ لأن رؤية الله ـ تعالى ـ حينئذ تكون بمعنى أنه يعلمه كذلك، وعلى ما قاله المصنف: يكون معناه: أن الله ـ تعالى ـ شرعه فى شرعه حسناً، والقاعدة أن لفظ صاحب الشرع، إذا دار بين الحكم العقلى والشرعى، تعين حمله على الشرعى؛ لأنه ﵇ إنما بعث لبيان الشرعيات.
قوله: "الأصل عدم التخصيص، وهذا يفيد ظن عدم التخصيص":
قلنا: مسلم؛ لكن لم قتلتم: إن مطلق الظن كاف فى منصب الاجتهاد، بل لا بد من الظن الناشئ عن بذل الجهد بعد كثرة التحصيل، كما تقدم بيانه، أما مطلق الظن فلا.
стр. 1878
قوله: " قبل الاطلاع على المخصص يجوز أن يكون العام حجة فى صورة التخصيص، وألا يكون حجة":
قلنا: لا نسلم أن الأصل ألا يكون حجة، بل الأصل أن يكون حجة يعمل بها؛ غير أن الشرع شرط التثبيت والفحص على المجتهد؛ لاحتمال قيام المعارض، فإذا لم يجده ببعد بذلالجهد، عمل بمقتضاه.
قوله: "ظن كونه حجة أقوى، وهذا القدر كاف"
قلنا: "لا نسلم أنه كاف، بل لا بد من الفحص، وإلا لذهبت حقيقة رتبة الاجتهاد، فساوى المجتهد العامى.
قوله: "الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود لا يورث إلا الظن الضعيف":
قلنا: لا نسلم؛ وإنما يكون الظن ضعيفاً فى حق من لم يكثر تحصيله، أما المجتهد الذى قارب الإحاطة بالكتاب والسنة، وجميع مدارك الشريعة، فعدم وجدانه يقارب القطع بعدم الوجود، فظنه فى غاية القوة.
" تنبيه "
قال التبريزي: الصحيح أنه لا يجوز التمسك به إلا بعد الاستقصاء فى طلب المخصص، وحد الاستقصاء: أن يجد ف نفسه سكوتاً تاما إلى عدمه؛ كالطالب متاعاً فى البيت يعرف مظانه، إذا لم يجده، ورعاية أقصى الممكن واجبة فى الاجتهاد، كما فى البينات.
" تنبيه"
كلام المصنفين في "أصول الفقه" يخالف لفظه الذي وضعه فى هذه المسألة ؛ فإن الإمام فى "البرهان" قال: "إذا وردت الصيغة الظاهرة فى اقتضاء العموم، لم يدخل وقت العمل"
стр. 1879
قال الصيرفي: يجب اعتقاد العموم، على الجزم، فإن تبين خلافه، رجع، قال: وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء، وإنما هو قول صدر عن غباوة استمرار فى عمائه، وكيف يتصور الجزم مع احتمال ظهور المخصص، وكشف الغطاء عن المسألة: أنا نغلب على ظننا أولاً العموم، ثم إذا دخل وقت العمل، ولم يرد مخصص، فقد يقطع بالتعميم للقرائن، وقد لا يحصل القطع، فيقطع بوجوب العمل لا بإرادة العموم، بل بظنها.
قال المازرى فى "شرح البرهان": المعممون على خلاف مذهب الصيرفى فى اعتقاد العموم جزماً، والكلام فى هذه المسألة مبنى على أن الحاجة لم تدع للعمل بالعموم بعد، وإذا دعت الحاجة لا يمكن تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإذا قال الصيرفى: أنا أردت اعتقاد وجوب العمل لا اعتقاد إرادة العموم:
قلنا: فقد يرد المخصص بعد ذلك عند وقت العمل؛ فلا نجزم الآن بوجوب العمل، وإن أراد أنه إذا حضر وقت العمل، أجراه على عمومه من غير التفات إلى طلب ما يخصصه من النصوص والقواعد، فهذا غلط؛ لأن الفقيه لا يباح له أن يفتى بأول خاطر يسنح له، ولو سنح له قياس، لم يجز الفتيا به، حتى يبحث هل فى الشريعة ما يخالفه أم لا؟
قال الأيبارى فى "شرح البرهان": مذهب الصيرفى أنه يمنع تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فهذا هو موجب قوله: هذا المذهب.
قال الغوالى فى "المستصفى": لا خلاف أنه لا تجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم، قبل البحث عن الأدلة التى يجوز التخصيص بها فى جميع
стр. 1880
الشريعة؛ لأن العموم دليل بشرط انتقاء المخصص، والشرط لم يظهر، وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل؛ ولكن إلى متى يجب البحث؛ فإن المجتهد، وإن استقصى، أمكن أن يشذ عنه دليل مخصص، والناس فى هذا ثلاثة مذاهب:
قيل: يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء، عند الاستقصاء فى البحث؛ كالذى يبحث عن متاع فى البيت.
وقيل: لا بد من اعتقاد جازم، وسكون نفس، ومتى جوز، لم يحكم، فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حراماً؟!!
وقيل: لا بد، وأن يقطع بانتفاء الأدلة المعارضة، وإليه ذهب القاضى، لكن يشكل طريق تحصيل هذا القطع، فذكر القاضى مسلكين:
أحدهما: البحث فى مسألة كثر الاختلاف فيها، كالمسلم يقتل الذمى، ويستحيل فى العادة ألا يظهر لجميعهم دليل فى نفس الأمر.
قال: وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه حجر على الصحابة أن يتمسكوا بالعموم فى كل واقعة، لم يشتهر الخلاف فيها، والمعلوم من حالهم خلافه.
وثانيهما: أن طول مدة الخلاف والبحث لا يحصل اليقين؛ فلعله مذكور، ولم يبلغ إلينا.
المسلك الثانى للقاضى: أن الحكم لو كان مخصوصاً، لنصب الله ــ تعالى ــ عليه دليلاً يخصصه.
قال الغزالى: وهذا أيضاً من الطراز الأول، فقد يكون الله ــ تعالى ــ بصره، وما بلغ هذا المجتهد.
стр. 1881
قال: والمختار: أصول الاعتقاد إلى هذا الحد لا يشترط، والمبادرة قبل البحث لا تجوز، ويفعل غاية جهده حتى يحس العجز.
قلت: فانظر هذه المباحث والتلخيصات لما فى "المحصول" وصدر المسألة فى "المحصول" بالتمسك بالعام، والمسألة إنما هى فى الاعتقاد قبل ورود وقت العمل، وأين أحدهما من الآخر؟ والجماعة يحكمون الإجماع فى أنه: لا يجوز العمل بأول خاطر، ولا بدليل؛ حتى يفحص عن مخصصاته ومعارضاته، واشترط القاضى القطع، وبعضهم نحو ما سمعته مسطورا ً هاهنا، فهذا يظهر لك الحق فى المسألة يقيناً.
стр. 1882
القسم الثالث
فيما يقتضى تخصيص العموم
قال الرازى: والكلام فى هذا القسم يقع فى أطراف أربعة:
أحدهما: الأدلة المتصلة المخصصة.
وثانيها: الأدلة المنفصلة المخصصة.
ثالثها: بناء العام على الخاص.
ورابعها: ما يظن أنه من مخصصات العموم، وليس كذلك.
القول فى الأدلة المتصلة، وفيه أبواب:
الباب الأول
فى الاستثناء، وفيه مسائل
المسألة الأولى: الاستثناء: إخراج بعض الجملة من الجملة بلفظ "إلا" أو ما أقيم مقامه.
أو يقال: ما يدخل فى الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظه، ولا يستقل بنفسه. والدليل على صحة هذا التعريف:
أن الذى يخرج بعض الجملة عنها: إما أن يكون معنويا؛ كدلالة العقل والقياس، وهذا خارج عن التعريف.
стр. 1883
وإما أن يكون لفظيا: وهو إما أن يكون منفصلا؛ فيكون مستقلا بالدلالة، وإلا كان لغواً، وهذا أيضاً خارج عن هذا الحد.
أو متصلاً، وهو: إما التقييد بالصفة، أو الشرط، أو الاستثناء، أو الغاية:
أما التقييد بالصفة: فالذى خرج لم يتناوله لفظ التقيبد بالصفة؛ لأنك إذا قلت: "أكرمنى بنو تميم الطوال" خرج منهم القصار، ولفظ "الطوال" لم يتناوله القصار؛ بخلاف قولنا: "أكرمنى بنو تميم إلا زيداً"
فإن الخارج، وهو زيد، تناولته صيغة الاستثناء، وهذا هو الاحتراز عن التقييد بالشرط.
وأما التقييد بالغاية: فالغاية قد تكون داخلة؛ كما فى قوله تعالى: (إلى المرافق): المائدة: ٦. بخلاف الاستثناء؛ فثبت أن التعريف المذكور للستثناء منطبق عليه.
القسم الثالث
فيما يقتضى تخصيص العموم
قال القرافى:
الباب الأول
فى الاستثناء، وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قوله: "هو إخراج بعض الجملة من الجملة بـ"لا" أو ما أقيم مقامه":
تقريره: أنه يتغير ـ هاهنا ـ أن ترتيب الجملة لجزيئات؛ نحو: أفراد العام، وأفراد العدد، والآخر نحو: أكلت السمكة إلا رأسها، حتى ينتظم الحد، وإلا فلا يكون جامعاً.
وقوله: "أو ما أقيم مقامه":
стр. 1884
يريد: "غيراً" و"حاشا" و"خلا" و"عدا" و"لا يكون" و"ليس".
تقول: قام القوم إلا زيداً، وحاشا زيد، وعدا زيد، وخلا زيد، ولايكون زيداً، وليس زيداً، وسوى زيد.
قال المازرى فى "شرح البرهان": أدواته اثنا عشر: "إلا" و"غير"
стр. 1885
و"بله" و"سوى"
стр. 1886
و"سيما" و"خلا" و"عدا"
стр. 1887
و"حاشا" و"ما خلا" و"ما عدا" و"ليس"
стр. 1888
و"لا يكون".
قوله: " ويقال: ما لا يدخل فى الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظه، ولا يستقل بنفسه":
تقريره: أن المخرج قد يكون بالجمل المستقلة، نحو: لا تقتلوا الرهبان، بعد أن يقول: أقتلوا المشركين؛ لكن هذا لم ينحصر وضعه فى الكلام للإخراج، بل لو ذكر ابتداءً، لم يكن مخرجاً.
стр. 1889
أما "إلا" ونحوها، فلا تدخل إلا للإخراج.
وقوله: "بلفظه" يريد المخرج، لا لفظ الذى به يخرج؛ كما قرره فى شرح الحد، فقال: الصفة بالقصر تخرج الطوال، لكن لفظ القصر لم يتناول الطول، بخلاف قولنا: إلا زيداً، فإن الاستثناء تناول المخرج، وهو زيد؛ فيكون هذا التقييد احترازاً عن الصفة والشرط.
وقوله: " ولا يستقل بنفسه": احتراز من أدلة المعقول، فإنها تستقل بنفسها، ومن الجمل، غير أنها قد خرجت بالقيد الأول؛ فلا حاجة إلى هذا القيد الأخير.
" سؤال"
قال النقشواني: لفظ "غير" من صيغ الاستثناء، وهى تدخل فى الكلام لا للإخراج ، كما تقول: زيد غير عمرو، ومررت برجل غيرك، فتكون صفة تارة؛ ومخرجة أخرى، وكذلك "ليس" و"لا يكون" للسلب المحض تارة؛ نحو: لا يكون زيد فى الدار أبداً، وليس زيد فى الدار، مع أنها للاستثناء، وكذلك إذا قلت: أكرم القوم ولا تكرم كلهم، صارت هذه اللفظة التى هى "لا" للاستثناء، وليست مختصة به؛ فلا ينبغى له أن يشترط فى الاستثناء: أن يكون لفظاً خاصاً به.
قلت: وقد تقدم أن الاستثناء أربعة أقسام: ما لولاه لعلم دخوله؛ كالاستثناء من العدد؛ لأنه نص، وما لولاه لظن دخوله؛ كالاستثناء من العموم، وما لولاه لجاز دخوله من غير ظن، ولا علم، وهو أربعة:
الاستثناء من المحال؛ نحو: أكرم رجلا إلا زيداً وعمراً.
ومن البقاع؛ نحو: أكرم رجلاً إلا فى الحمام والمزبلة.
стр. 1890
والأزمنة؛ نحو: أكرم رجلاً إلا يوم الأحد.
والأحوال؛ نحو: أكرم رجلاً إلا أن يغلب؛ لقوله تعالى: (لتأتننى به إلا أن يحاط بكم) يوسف: ٦٦. أى فى كل حالة من الحالات، إلا فى حالة الإحاطة، وهذه الأمور الأربعة لا يغلب على الظن دخول ما استثنى قبل أن يستثنى، بل يجوز أن يدخل فقط. وما لولاه لامتنع دخوله؛ كالاستثناء المنقطع؛ نحو: قام القوم إلا الخيل، فيقطع بعدم دخوله، فهذه تبطل بما لولاه لجاز، أو امتنع فإن الاستثناء فيهما استثناء، وليس فيهما إخراج، لأن الإخراج، إنما يصدق قيقة فيمن اتصف بالدخول؛ فلا يقال: خرج زيد من الدار، ولم يكن قد دخلها إلا مجازاً، مع أن له أن يمنع فى الجائز على أحد القولين فى منع الاستثناء عن النكرات؛ فإن المشهور منعه.
وفى المنقطع قولان: هل هو حقيقة أم لا؟
فله منع الآخر على أحد القولين.
" تنبيه"
زاد التبريزي؛ فقال: اشتقاقه من الثني، وهو الصرف .
وزاد سراج الدين: لقائل أن يقول: "التعريف الثانى تعريف الاستثناء بالاستثناء":
قلت: وهذا غير متجه، لأن كل حد هكذا، إذا قلنا: الإنسان الحيوان الناطق، فالحيوان الناطق هو الإنسان، وإنما تغيرت العبارات، وكذلك هاهنا: العبارات تختلف، والمعنى واحد، ولا إشكال فى ذلك.
стр. 1891
المسألة الثانية
يجب أن يكون الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه عادة، وأحترزنا بقولنا: "عادة" عما إذا طال الكلام، فإن ذلك لا يمنع من اتصال الاستثناء، وكذلك قطع الكلام بالنفس والسعال لا يمنع من اتصاله به، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه جوز الاستثناء المنفصل.
وهذه الرواية؛ إن صحت: فلعل المراد منها: ما إذا نوى الاستثناء متصلاً بالكلام، ثم أظهر نيته بعده؛ فإنه يدين فيما بينه وبين اله تعالى فيما نواه.
لنا وجهان:
الأول: تأخير الاستثناء، لما استقر شيء من العقود؛ من الطلاق والعتاق، ولم يتحقق الحنت أصلاً؛ لجواز أن يرد عليه الاستثناء، فيغير حكمه.
الثانى: نعلم بالضرورة أن من قال لوكيله اليوم: "بع دارى من أى شخص كان" ثم قال بعد غد: "إلا من زيد" فإن أهل العرف لا يجعلون الاستثناء عائداً إلى ما تقدم.
احتجوا: بأنه يجوز تأخير النسخ والتخصيص؛ فكذا الاستثناء.
والجواب: أنه يبطل بالشرط، وخبر المبتدأ: ثم نطالبهم بالجامع، والله أعلم.
المسألة الثانية
قال القرافى: يجب اتصال الاستثناء بالكلام عادة.
стр. 1892
قال سيف الدين: جواز بعض أصحاب مالك جواز تأخير لفظه، إذا نواه مثلاً، وأضمره متصلاً، ويدين فيما بينه وبين الله ـ تعالى ـ وجوزه بعض الفقهاء منفصلاً فى كتاب الله دون غيره.
وقال فى "البرهان" إمام الحرمين عن بعض الفقهاء: فى كتاب الله ـ تعالى ـ دون غيره.
وعن بعض أصحاب مالك، كما نقله سيف الدين، وشبهه المخصص بكتاب الله ـ تعالى ـ أنه يرى أن كلام الله ـ تالى ـ أزلى، وهو منزل إلينا متراخ.
قال: وهذا غير متجه؛ فإن الاستثناء إنما هو فى العبادات فقط.
قال المازرى فى "شرح البرهان": والمحكى عن المالكية: هو الاستثناء بالمشيئة، إذا نواه، هل ينحل به اليمين أم لا؟ خلاف ما قاله سيف الدين.
قال سيف الدين: وروى عنه ﵇ انه قال: "والله، لأغزون قريشاً" ثم سكت، وقال بعده: "إن شاء الله" ولما نزل عليه قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) الكهف: ٢٤. بعد بضعة عشر يوماً، فقال: "أن شاء الله"
والجواب عن الأول أن السكوت قليل، أو قاله للتبرك.
الثانى أنه للتبرك، أو المراد: إن شاء الله، ذكرت ربى، إذا نسيت، فلا يكون متعلقاً بالخبر الأول.
стр. 1893
قوله: "وعن ابن عباس، أنه جوز الاستثناء منفصلاً":
قلنا: الاستثناء من الألفاظ المشتركة بين معنيين:
أحدهما: الإخراج بـ"إلا" وأخواتها.
والثانى: يتعلق على مشيئة الله ـ تعالى ـ خاصة دون التعليق على غيرها، فمن قال: إن شاء الله، فقد استثنى.
قال رسول الله ﷺ : "من حلف واستثنى، عاد كمن لم يحلف".
ولو قال: أحد دخلت الدار فأنت حر، لم يقل له استثناء، فابن عباس ـ رضى الله عنه ـ إنما روى التأخير فى الاستثناء الذى هو التعليق على مشيئة الله ـ تعالى ـ إما إلا فما علمته.
ونقل العلماء أن مدركه فى ذلك غداً إلا أن يشاء الله، (واذكر ربك غذا نسيت) الكهف: ٢٤.
قالوا: معناه: إذا نسيت أن تقول: إن شاء الله، فقل ذلك بعد ذلك، ولم يخصص وقتاً؛ فيكون التقدير: واذكر مشيئة ربك، إذا نسيتها، فاعمل بها، وهاهنا لم يعين المصنف المقصود من غيره، بل بحثه يحتمل الأمرين، فإن ذكره للعقود من الطلاق وغيره يقتضى أن المراد إن شاء الله، وصرح بعد ذلك بـ"إلا" فى قوله: إلا زيد.
قال المازرى فى "شرح البرهان": عن ابن عباس فى تأخير المشيئة روايتان؛ قيل: مطلقاً، وقيل: سنة، ولم يختلف العلماء فى وجوب إيصال النعت،
стр. 1894
والتأكيد، والعطف، والشرط، والاستثناءات، وهذه التوابع كلها، ولا خالف فى ذلك أحد، وإنما وقع الإشكال فيما روى عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ واتهم العلماء الرواة عنه، وقيل: يؤول بالنية.
قوله: إن صخت الرواية، فيحمل على ما إذا نوى عند التلفظ، ثم بين بعد ذلك نيته.
قلنا: هذا لا يتم فى كل صور الاستثناء، أما بمشيئة الله ـ تعالى ـ فلأنه سبب حال لليمين، ورافع لها؛ فلأبد من وجود هـ، ولا يكفى القصد إليه؛
كالطلاق الرافع للنكاح، لا يكفى القصد إليه إجماعاً، وإنما الخلاف فى الطلاق بالكلام النفسى.
وأما إخراج البعض بالألفاظ قسمان: نصوص، وظواهر:
فالنصوص: لا يكفى فى هالإخراج منها النية؛ لأنها لا تقبل المجاز؛ حتى يطلق لفظ العشيرة مثلاً، ويريد بها الثمانية، ثم يتبين بعد ذلك، وإنما يتأتى ذلك فى الظواهر، فيطلق العام، ويريد الخاص، وتفسيره بعد ذلك؛ فعلمنا حينئذ أن أكثر الصور لا يتأتى فيها ما ذكرتموه، بل فى الظواهر خاصة؛ باعتبار إخراج بعض الأفراد عن الحكم؛ لأنه تخصيص، لا باعتبار الاستثناء الذى هو السبب الرافع.
قوله: "لو صح التأخير، لما استقر شيء من العقود من الطلاق والعتاق، ولا يتحقق حنث أصلاً " والخصم يقول بذلك، ولا يبالى بهذا التهويل.
ويحكى أن بعض الفقهاء ناظر من يقول بهذا المذهب عندبعض الخلفاء، فقال الخليفة: أتدرى ما يقول هذا؟ هو يقول: إن بيعتك على الجند لا تنعقد، وإن لهم حلها أبداً، فسفَّه الخليفة رأيه، ونصر مخالفه.
стр. 1895
وحكى ابن العربي فى "القبس": إنى سمعت "ببغداد" امرأة تقول لجاريتها: إن مطهب ابن عباس فى الاستثناء غير صحيح، ولو كان صحيحاً، لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: (وخذ بيدك ضغثاً، فاضرب به ولا تحنث) سورة ص: ٤٤. بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى هذا التخيل فى البر، فما فهم الناس كلهم عن صاحب هذا المذهب إلا أن العقود والحنث، وجميع ما ذكرتموه لا يستقر أبداً، ومتى ورد عليه الاستثناء، رفعه.
قوله: إذا قال لوكيله: "بع هذا" ثم قال بعد شهر: "إلا من زيد" ألا يعد هذا ﴿فى العرف استثناءً﴾.
قلنا: قد نقل المفسرون أن قوله تعالى: (غير أولى الضرر) النساء: ٩٥. نول منفصلاً مع أنه استثناء، وكلام لا يستقل بنفسه؛ فيكون ذلك حجة على العرف، ثم إن هذا من النوع الآخر من الاستثناء الذى هو الإخراج، والكلام مع ابن عباس فى المشيئة.
قوله: "احتجوا بتأخير النسخ والتخصيص":
قلنا: الفرق: أن النسخ لو تقدم الإعلام به، وقال: هذا الحكم بعد سنة؛ لكان هذا الحكم معنا من الآن بال سنة، فكان ينتهى بذاته لا بالناسخ؛ فتعجيل النسخ يبطل؛ بخلاف تعجيل الاستثناء لا يبطله.
وأما التخصيص: فإن كان بالأدلة المتصلة؛ كالغاية والشرط والصفة، منعنا تأخيره، أو بالمنفصلة، جوزنا تأخيره، لكن الفرق أنه لفظ يستقل بنفيه؛ بخلاف الاستثناء.
قوله: "ينتقض بالشرط، وخبر المبتدأ":
следующие страницы →