Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
المسألة الثانية
يجب أن يكون الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه عادة، وأحترزنا بقولنا: "عادة" عما إذا طال الكلام، فإن ذلك لا يمنع من اتصال الاستثناء، وكذلك قطع الكلام بالنفس والسعال لا يمنع من اتصاله به، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه جوز الاستثناء المنفصل.
وهذه الرواية؛ إن صحت: فلعل المراد منها: ما إذا نوى الاستثناء متصلاً بالكلام، ثم أظهر نيته بعده؛ فإنه يدين فيما بينه وبين اله تعالى فيما نواه.
لنا وجهان:
الأول: تأخير الاستثناء، لما استقر شيء من العقود؛ من الطلاق والعتاق، ولم يتحقق الحنت أصلاً؛ لجواز أن يرد عليه الاستثناء، فيغير حكمه.
الثانى: نعلم بالضرورة أن من قال لوكيله اليوم: "بع دارى من أى شخص كان" ثم قال بعد غد: "إلا من زيد" فإن أهل العرف لا يجعلون الاستثناء عائداً إلى ما تقدم.
احتجوا: بأنه يجوز تأخير النسخ والتخصيص؛ فكذا الاستثناء.
والجواب: أنه يبطل بالشرط، وخبر المبتدأ: ثم نطالبهم بالجامع، والله أعلم.
المسألة الثانية
قال القرافى: يجب اتصال الاستثناء بالكلام عادة.
стр. 1892
قال سيف الدين: جواز بعض أصحاب مالك جواز تأخير لفظه، إذا نواه مثلاً، وأضمره متصلاً، ويدين فيما بينه وبين الله ـ تعالى ـ وجوزه بعض الفقهاء منفصلاً فى كتاب الله دون غيره.
وقال فى "البرهان" إمام الحرمين عن بعض الفقهاء: فى كتاب الله ـ تعالى ـ دون غيره.
وعن بعض أصحاب مالك، كما نقله سيف الدين، وشبهه المخصص بكتاب الله ـ تعالى ـ أنه يرى أن كلام الله ـ تالى ـ أزلى، وهو منزل إلينا متراخ.
قال: وهذا غير متجه؛ فإن الاستثناء إنما هو فى العبادات فقط.
قال المازرى فى "شرح البرهان": والمحكى عن المالكية: هو الاستثناء بالمشيئة، إذا نواه، هل ينحل به اليمين أم لا؟ خلاف ما قاله سيف الدين.
قال سيف الدين: وروى عنه ﵇ انه قال: "والله، لأغزون قريشاً" ثم سكت، وقال بعده: "إن شاء الله" ولما نزل عليه قوله تعالى: (واذكر ربك إذا نسيت) الكهف: ٢٤. بعد بضعة عشر يوماً، فقال: "أن شاء الله"
والجواب عن الأول أن السكوت قليل، أو قاله للتبرك.
الثانى أنه للتبرك، أو المراد: إن شاء الله، ذكرت ربى، إذا نسيت، فلا يكون متعلقاً بالخبر الأول.
стр. 1893
قوله: "وعن ابن عباس، أنه جوز الاستثناء منفصلاً":
قلنا: الاستثناء من الألفاظ المشتركة بين معنيين:
أحدهما: الإخراج بـ"إلا" وأخواتها.
والثانى: يتعلق على مشيئة الله ـ تعالى ـ خاصة دون التعليق على غيرها، فمن قال: إن شاء الله، فقد استثنى.
قال رسول الله ﷺ : "من حلف واستثنى، عاد كمن لم يحلف".
ولو قال: أحد دخلت الدار فأنت حر، لم يقل له استثناء، فابن عباس ـ رضى الله عنه ـ إنما روى التأخير فى الاستثناء الذى هو التعليق على مشيئة الله ـ تعالى ـ إما إلا فما علمته.
ونقل العلماء أن مدركه فى ذلك غداً إلا أن يشاء الله، (واذكر ربك غذا نسيت) الكهف: ٢٤.
قالوا: معناه: إذا نسيت أن تقول: إن شاء الله، فقل ذلك بعد ذلك، ولم يخصص وقتاً؛ فيكون التقدير: واذكر مشيئة ربك، إذا نسيتها، فاعمل بها، وهاهنا لم يعين المصنف المقصود من غيره، بل بحثه يحتمل الأمرين، فإن ذكره للعقود من الطلاق وغيره يقتضى أن المراد إن شاء الله، وصرح بعد ذلك بـ"إلا" فى قوله: إلا زيد.
قال المازرى فى "شرح البرهان": عن ابن عباس فى تأخير المشيئة روايتان؛ قيل: مطلقاً، وقيل: سنة، ولم يختلف العلماء فى وجوب إيصال النعت،
стр. 1894
والتأكيد، والعطف، والشرط، والاستثناءات، وهذه التوابع كلها، ولا خالف فى ذلك أحد، وإنما وقع الإشكال فيما روى عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ واتهم العلماء الرواة عنه، وقيل: يؤول بالنية.
قوله: إن صخت الرواية، فيحمل على ما إذا نوى عند التلفظ، ثم بين بعد ذلك نيته.
قلنا: هذا لا يتم فى كل صور الاستثناء، أما بمشيئة الله ـ تعالى ـ فلأنه سبب حال لليمين، ورافع لها؛ فلأبد من وجود هـ، ولا يكفى القصد إليه؛
كالطلاق الرافع للنكاح، لا يكفى القصد إليه إجماعاً، وإنما الخلاف فى الطلاق بالكلام النفسى.
وأما إخراج البعض بالألفاظ قسمان: نصوص، وظواهر:
فالنصوص: لا يكفى فى هالإخراج منها النية؛ لأنها لا تقبل المجاز؛ حتى يطلق لفظ العشيرة مثلاً، ويريد بها الثمانية، ثم يتبين بعد ذلك، وإنما يتأتى ذلك فى الظواهر، فيطلق العام، ويريد الخاص، وتفسيره بعد ذلك؛ فعلمنا حينئذ أن أكثر الصور لا يتأتى فيها ما ذكرتموه، بل فى الظواهر خاصة؛ باعتبار إخراج بعض الأفراد عن الحكم؛ لأنه تخصيص، لا باعتبار الاستثناء الذى هو السبب الرافع.
قوله: "لو صح التأخير، لما استقر شيء من العقود من الطلاق والعتاق، ولا يتحقق حنث أصلاً " والخصم يقول بذلك، ولا يبالى بهذا التهويل.
ويحكى أن بعض الفقهاء ناظر من يقول بهذا المذهب عندبعض الخلفاء، فقال الخليفة: أتدرى ما يقول هذا؟ هو يقول: إن بيعتك على الجند لا تنعقد، وإن لهم حلها أبداً، فسفَّه الخليفة رأيه، ونصر مخالفه.
стр. 1895
وحكى ابن العربي فى "القبس": إنى سمعت "ببغداد" امرأة تقول لجاريتها: إن مطهب ابن عباس فى الاستثناء غير صحيح، ولو كان صحيحاً، لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: (وخذ بيدك ضغثاً، فاضرب به ولا تحنث) سورة ص: ٤٤. بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى هذا التخيل فى البر، فما فهم الناس كلهم عن صاحب هذا المذهب إلا أن العقود والحنث، وجميع ما ذكرتموه لا يستقر أبداً، ومتى ورد عليه الاستثناء، رفعه.
قوله: إذا قال لوكيله: "بع هذا" ثم قال بعد شهر: "إلا من زيد" ألا يعد هذا ﴿فى العرف استثناءً﴾.
قلنا: قد نقل المفسرون أن قوله تعالى: (غير أولى الضرر) النساء: ٩٥. نول منفصلاً مع أنه استثناء، وكلام لا يستقل بنفسه؛ فيكون ذلك حجة على العرف، ثم إن هذا من النوع الآخر من الاستثناء الذى هو الإخراج، والكلام مع ابن عباس فى المشيئة.
قوله: "احتجوا بتأخير النسخ والتخصيص":
قلنا: الفرق: أن النسخ لو تقدم الإعلام به، وقال: هذا الحكم بعد سنة؛ لكان هذا الحكم معنا من الآن بال سنة، فكان ينتهى بذاته لا بالناسخ؛ فتعجيل النسخ يبطل؛ بخلاف تعجيل الاستثناء لا يبطله.
وأما التخصيص: فإن كان بالأدلة المتصلة؛ كالغاية والشرط والصفة، منعنا تأخيره، أو بالمنفصلة، جوزنا تأخيره، لكن الفرق أنه لفظ يستقل بنفيه؛ بخلاف الاستثناء.
قوله: "ينتقض بالشرط، وخبر المبتدأ":
стр. 1896
قلنا: الشرط تعليق، والتعليق اللغوية كلها أسباب، والسبب متضمن للحكمة، ومقصود المتكلم؛ فيكون تأخيره تأخير لما هو المقصود، أو جل المقصود، والاستثناء إخراج ماعساه يكون فى الكلام مما هو غير مقصود، وظهر الفرق أن الاستثناء يقع، والشرط مقصود، فهو مهم، والمهم لا يتأخر.
وأما خبر المبتدأ، فالفرق فيه وجهين:
الأول: أن الخبر، إذا لم ينطبق به، لا يكون الكلام تاما يحسن السكوت عليه، وإذا تأخر الاستثناء، كان الكلام تاما يحسن السكوت عليه، فظهر الفرق.
الثانى: أن الخبر المبتدأ هو موضع الفائدة، ومقصود الكلام، فإذا لم يؤت به، فات المقصود، والاستثناء ليس هو مقصود الكلام، بل ينفى عن الكلام ما ليس بمقصود، وبينهما فرق كبير.
قوله: "ثم يطالبهم بالجامع":
قلنا: الجامع: إبطال ما تناوله اللفظ، فإن الناسخ والمخصص مبطلان لما دل عليه ظاهر اللفظ، وكذلك الاستثناء، فهذا جامع حسن.
* * *
стр. 1897
المسألة الثالثة
استثناء الشيء من غير جنسه باطل؛ على سبيل الحقيقة،
وجائز؛ على سبيل المجاز
قال الرازى: ودليل الأول: أن الاستثناء من غير الجنس الأول، لو صح، لصح: إما م اللفظ، أو من المعنى.:
والأول باطل؛ لأن اللفظ الدال على الشيء فقط غير دال على ما يخالف جنس مسماه، واللفظ إذا لم يدل على شيء لا يحتاج إلى صارف يصرفه عنه.
والثانى أيضاً باطل؛ لأنه لو جاز حمل اللفظ على المعنى المشترك بين مسماه، وبين المستثنى، لصح الاستثناء، ولجاز استثناء كل شيء من كل شئ؛ لأن كل شيئين لا بد، وأن يشتركا فى بعض الوجوه، فإذا حمل المستثنى على ذلك المشترك، صح الاستثناء.
ولما علمنا أن العرب لم يصححوا استثناء كل شيء من كل شيء، علمنا بطلان هذا القسم.
احتجوا بالقراءن، والشعر، والمعقول:
أما القراءن: فخمس آيات:
إحداها: قوله : (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ً إلا خطأ) النساء: ٩٢.
стр. 1898
وثانيها: قوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس) الحجر: ٣٠. وهو ما كان منهم، بل كان من الجن.
وثالثها: قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) النساء: ٢٩.
ورابعها: قوله تعالى: (مالهم به من علم إلا اتباع الظن) النساء: ١٤٧. والظن ليس من جنس العمل.
وخامساً: قوله تعالى (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً) الواقعة: ٢٥ - ٢٦. والسلام ليس من جنس اللغو.
وأما الشعر: فقوله ﴿الرجز﴾:
"وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس"
وقوله النابغة ﴿البسيط﴾:
" ........................ وما بالربع من أحد"
"إلا أوارى ................................... "
والأوارى: ليس من جنس الأحد.
وأما المعقول: فهو: أن الاستثناء تارة: يقع عما يدل اللفظ عليه دلالة المطابقة أو التضمن، وتارة: عما يدل عليه دلالة الالتزام؛ فإذا قال: "لفلان على ألف دينار، إلا ثوباً" فمعناه: إلا قيمة الثوب.
والجواب: أما قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) النساء: ٩٢. فجوابه: أن "إلا" هاهنا بمعنى "لكان" أو يقال: وما كان
стр. 1899
لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا إذا خطأ؛ فغلب على ظنه أته ليس من المؤمنين: أما بأن يختلط بالكفار؛ فيظن الرجل أنه منهم، أو بأن يراه من بعيد؛ فيظنه صيداً، أو حجراً.
وأما قوله تعالى: (إلا إبليس) الحجر: ٣٠. فقيل: إنه كان من الملائكة، ولا بد من الدلالة على أن كونه من الجن ينفى كونه من الملائكة.
سلمنا: أنه ليس من الملائكة كانوا مأمورين بذلك؛ فكأنه قال: فسجد المأمورين$ بالسجود إلا إبليس.
وأما قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة) النساء: ٢٩. (إلا اتباع الظن) النساء: ١٥٧. فقد اتفقت النحاة على أنه ليس باستثناء، ثم فسره البصريون بقولهم: ولكن اتباع الظن، والكفيون بقولهم: سوى اتباع الظن.
والجواب عن الشعر: أن الأنيس، سواء فسرناه بالمؤنس أو بالمبصر، أمكن إدخال اليعافير والعيس فيه.
وعن الثالث: أنه لو صح الاستثناء من المعنى، لزم صحة استثناء كل شيء من كل شئ؛ على مابيناه، والله أعلم.
المسألة الثالثة
الاستثناء من غير الجنس
قال الجرافى: قوله: "لو صح المنقطع باعتبار المعنى، لصح استثناء كل شيء من كل شيء، وهو باطل عند العرب":
قلنا: لا نسلم بطلانه؛ فإن الاستثناء المنقطع لم يقل أحد من أئمة العربية: أنه يختص بنبل نوع من الكلام، بل أى شيء خطر فى نفس المتكلم، ثم
стр. 1900
قولكم لو صح: إما من اللفظ، أو من المعنى، هذا كله إنما يصح، إذا كان الاستثناء المنقطع إخراجاً، فلم قلتم: إن المنقطع إخراج، بل هو مقدار عند النحاة، ولكن إلا ليس فيها إخراج، فلا يستقيم تقسيمكم فى الإخراج.
" قاعدة"
لا تكاد تجد أحداً يفهم، إلا ويقول: المنقطع: هو المستثنى من غير الجنس، والمتصل: هو المستثنى من الجنس .
هذا هو المسطور فى كتب الأدباء والنحاة، والأصوليين، وهو غلط فى القسمين؛ فإن قوله تعالى: (لا تأكلوا أمواكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة) النساء: ٢٩. المحكوم عليه بعد "إلا" هو المحكوم عليه قبلها، ومع ذلك هو منقطع، وكذلك فوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) الدخان: ٥٦. والمحكوم عليه أولاً هو جملة أفراد الموت، والمحكوم عليه بعد "إلا" هو الموتة الأولى، وهى بعض أفراد الموت، ومن جنسه، ومع ذلك، فهو منقطع، وكذلك قوله تعالى: (إلا خطأ) النساء: ٩٢. أى: إلا قتلاًّ خطأ، ومعلوم أن القتل الخطأ بعض أفراد القتل، ومع ذلك، فهو منقطع؛ فيبطل بهذه النظائر حد المتصل؛ لأنه يصير غير مانع بدخولها فيه؛ لأنها من الجنس ـ وحد المنقطع؛ لأنه يصير غير جامع؛ لاشتراطهم فيه أن يكون المستثنى من غير الجنس؛ فيبطل التفسيران، بل الحق أن نقول: المتصل: هو أن تحكم على جنس ما حكمت عليه أولاً؛ بنقض ما حكمت به، وإلا فلا بد فى المتصل من هذين القيدين، ومتى انجزم أحدهما، صار منقطعاً، إما بأن يحكم على غير الجنس، أو بغير النقيض، قيكون المنقطع متنوعاً إلى نوعين، والمتصل نوع واحد؛ فقوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت) الدخان: ٥٦. حصل الانقطاع للحكم بعد "إلا"
стр. 1901
بغير النقيض؛ لأن نقيض (لا يذوقون فيها الموت): "يذوقون فيها الموت" وكان يكون معنى الآيه: إلا الموتة الأولى ذاقوها فيها، وليس كذلك، بل لم تحكم إلا بذوقها فى الدنيا، فحكم بغير النقيض، وكذلك (إلا أن تكون تجارة) النساء: ٢٩. لم يحكم بالنقيض؛ لأن نقيض (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل): "كلوها بالباطل" ولم يحكم به بعد "إلا" بل معنى الآية: إلا أن تكون تجارة، فكلوها بالسبب الحق فلم يحكم بالنقيض، بل بغيره؛ فكمان منقطعاً، ونقيض (ماكان لمؤمن أن يقتل مؤمناً): " له أن يقتله" ولم يحكم به؛ لأن الخطأ لا يقال فيه: هو له؛ لأنه حينئذ كان يكون مباحاً، والقتل الخطأ ليس مباحاً؛ فلم يحكم بالنقيض.
وقول الشاعر ﴿الرجز﴾:
..................... إلا اليعافير .............
حصل الانقطاع للحكم على غير الجنس، إن كان منقطعاً.
وإن حكمت بالنقيض نحو ﴿البسيط﴾:
.................. إلا أوارى ..............
стр. 1902
فإنه حكم بالنقيض؛ لأن الأوارى بالرفع هو ثبوت، والمحكوم به قبل "إلا" سلب، فهو نقيض، وكذلك إن حكمت على غير الجنس بالنقيض، وعلى غير الجنس بغير النقيض، وعلى الجنس بالنقيض فهذه الأقسام الثلاثة هى المنقطعة باعتبار الضابط المتقدم، والمتصل نوع واحد، وهو: أن يحكم على الجنس بالنقيض، فهذا تحرير المتصل، والمنفصل، والمنقطع، وعليه تخرج آيات الكتاب، والسنة، ولسان العرب، ولا يشكل بعد ذلك شيء، بخلاف ما سطره الأدباء وغيرهم.
" فائدة"
قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) مريم: ٦٢.
قيل: اللغو: هو الذى لا فائدة فيه، والسلام فيه فائدة، فليس من جنس اللغو، فيكون منقطعاً.
وقيل: السلام فى الدنيا دعاء بالسلامة، وفى الآخرة حصل الأمان لأهل الجنة، فتعذر الدعاء لهم بالسلامة، فصار السلام لغواً؛ لبطلان معناه المقصود.
وقيل: على هذا التقدير؛ لم يبطل أيضاً، بل هو فى الدنيا لدعاء، والتحية، والإكرام؛ فبطل أحد مقاصده، وبقيت المكارمة والتعظيم، فليس لغواً؛ لحصول هذه الفوائد فيه.
" فائدة"
قال بعض العلماء: قوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) الدخان: ٥٦. متصل ؛ لأن أصل الذوق حقيقة: إنما هو إدراك الطعوم باللسان، وإطلاق على الشدائد والموت ونحوه؛ أنما هو مجاز؛ لأنها ليست من ذوات الطعوم، وإذا كان ذلك مجازاً، فيحمل على الآية مطلق العلم،
стр. 1903
ويصير معناها: لا يعلمون فيها الموت إلا الموتة الأولى يعلمونها فيها؛ لأنهم فى الجنة يعلمون أنهم ماتوا فى الدنيا؛ فيكون الاستثناء متصلاً؛ للحكم بالنقيض على الجنس، غايته وقوع المجاز فى لفظ الذوق، والقائل بأنه منقطع يجوز به إلى إدراك ما هو قائم بالإنسان من الموت وغيره، ونحن نجوز بأنه إلى أصل الإدراك ويكون المجاز على المذهبين من باب التعبير بلفظ الأخص عن الأعم، فيتعارض المجاز الأخص، والانقطاع؛ أيهما يقدم، فالقائل بالانقطاع التزم المجاز الأخص والانقطاع؛ أيهما يقدم، فالقائل بالانقطاع التزم المجاز الأخص والانقطاع، والقائل بالاتصال، قال بالمجاز الأعم، وفاته قوة المجاز فى الأخص، فهذا تلخيص هذه الآية.
" فائدة"
اليعافير جمع "يعفور" وهو حمار الوحش ، والعيس جمع عيساء، وهى الناقة الصفراء الذى يخالط بياضها اصفرار.
وقول النابغة ﴿البسيط﴾:
............................ وما بالدار من أحد
يروى برفع "من أحد" وقبله ﴿البسيط﴾:
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... أعيت جواباً وما بالربع من أحد
إلا الأوارى لأياً ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
стр. 1904
فالأوارى: جمع آرية، وهى العروة التى يربط فيها الخيل فى الأرض؛ تكون ثابتة مغروزة فى الأرض فى وتد، وتلك العروة ثابتة أبداً، فمتى جيء بالفرس ربطت فيها.
وقوله: "لأيا، أى: ملوية؛ عبر بالمصدر عن اسم المفعول، والنوئ: حفيرة تكون قريبة من البيت.
والمظلومة: الأرض التى لم ينزل عليها المطر، وهو من الألفاظ المشتركة تطلق على وضع الشيء فى غير محله، وهو الظلم المشهور، وعلى عدم المطر والجدب. والجلد: الصلب، صارت صلبة لعدم الماء الذى يلينها.
قوله: الاستثناء يقع من المطابقة، والتضمين، والالتزام:
أما المطابقة: فله عشرة إلا اثنين.
وأما الالتزام: فله مائة إلا ثوباً؛ لأن المائة قيمة الأعيان والعروض، فلما كان من لوازمها القيمة، استثنى منها قيمة الثوب من اللازم، لا من المطابقة، وأما التضمين فهو عسر جداً، وسألت عنه جماعة من الفضلاء، فلم أجد منه عندهم شيئاً، والذى أراه أن المركبات قسمان: مركب: أجزاؤه متفقة مستوية؛ كالعشرة، فإن الوحدات التى فيها متماثلة، فأى شيء أخرجه منها، كان من المطابقة، وليس لك أن تقول: إذا قال: إلا الاثنين، اجعل هذه الاثنين من الخمسة التى هى جزء؛ فيكون استثناءً من التضمين؛ لأن ذلك يبطل عليك الاستثناء من المطابقة؛ لأنه ما من مطابقة إلا ويجوز أن يقال ذلك فيها، إلا أن يستثنى جميع الأجزاء إلا جزءاً واحداً؛ نحو: عشرة إلا تسعة، أو اثنان إلا واحداً، ويتأتى ذلك فى كل مركب له جزءان فقط، وما عداه يدخله التأويل المذكور، لكن المفهوم عند أهل عرف الاستعمال:
стр. 1905
أن ذلك كله من المطابقة، نفى جزء من المستثنى منه، أو أكثر، فالصواب أن يقول: كل ما أجزاؤه مستوية لا يتصور فيه الاستثناء من التضمين، والمركب: الذى أجزاؤه مختلفة؛ كالسرير المركب من المسامير والخشب والباب، ونحو ذلك، فإن بعض أجزائه يتعين على الأجزاء.
فإذا قلنا: بعته سريراً إلا مسماراً، فإن هذا المسمار المستثنى، أنما استثنى من المسامير، ولم يستثن من الخشب، فتعين أن يكون من الجزء، فيكون من التضمين، بخلاف اثنين من العشرة؛ ليس نسبتها لإحدى الخمستين أولى من نسبتها للخمسة الأخرى، فهذا وجه حسن فى تمثيل الاستثناء من التضمين.
" فائدة"
قال إمام الحرمين فى "البرهان": جوز الشافعى الاستثناء من اللازم ؛ كما إذا قال له: على ألف درهم إلا ثوباً، وعبر بالثوب عن قيمته، ولم يستغرق الألف، ومنعه أبو حنيفة، وجوز استثناء المكيل بعضه من بعض، وإن اختلفت الأجناس؛ للتأويل الذى ذكره الشافعى فى الثوب، واستثناء الموزون من المكيل، والمكيل من الموزون.
وقال المازرى فى "ّشرح البرهان" وأبو الحسن فى "المعتمد": هذا من باب الإضمار فى الاستثناء، لا من باب المجاز فى المفرد، بل من باب إضمار المضاف للمحذوف؛ تقديره: قيمة ثوب، فالاختلاف بينهما وبين إمام الحرمين، هل هو من مجاز الإضمار والحذف، أو من باب نقل اللفظ من مفرد إلى مفرد؛ كالأسد الشجاع.
قوله: "إلا فى آية الخطأ، ليست استثناء، بل بمعنى "لكن":
قلنا: ولا معنى لصورة النزاع التى هى الاستثناء المنقطع إلا ذلك؛ فكل
стр. 1906
استثناء منقطع عند النحاة مقدر بـ"لكن" فما حصل جواب "بل" ﴿و﴾ هذه صورة المسألة.
قوله: (ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) النساء: ٩٢. فغلب على ظنه أنه كافر أو صيد":
قلنا: وإذا ظنه صيداً أو كافراً، لا نسلم أنه يصدق أن الله ـ تعالى ـ جعل قتل المؤمن له، بل أذن له فى الرمى مسلم، والمستثنى منه ليس الرمى، كيف كان، إنما المستثنى منه ما كان له قتل المؤمن؛ فينبغى أن يكون المستثنى له قتل المؤمن، حتى يكون من الجنس، وبالنقيض؛ فيتحقق الاتصال، وما ذكرتموه لا يحققه.
قوله: "لابد من الدلالة على كون إبليس من الجن":
قلنا: قوله تعالى: (إلى إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه) الكهف: ٥٠. مع أن النزاع وقع فى هذه الآية.
وقيل: الجن من الاجتنان، وهو الستر، ومنه المجن؛ لأن الدرقة تستر صاحبها، والجنون يستر العقل، والجنان؛ لأنها مستورة بالشجر، والجنين؛ لأنه مستتر فى بطن أمه، فإذا كان هذا أصل هذه المادة واشتقاقها، فالملائكة محجوبون مستورون عن البصر، فيصدق عليهم أنهم جان، فلا حجة فى الآية، على أن عرف الاستعمال خصص لفظ الجن والجنة بالمخلوق من النار، ولما قال الله تعالى: (من الجنة والناس) الناس: ٦. لم يفهم أحد الملائكة، ومثل هذه المناقشة ترد أيضاً فى الملائكة؛ لأنه مشتق من الألوكة، أو المألكة، التى هى الرسالة، وإبليس قد أرسله الله ـ تعالى ـ حالة الرضا عنه إلى الأرض فى قتال الجن، فيصدق عليه أيضاً لفظ الملك، وكان يشارك الملائكة فى أحوالهم، ومن جملتها الرسائل، مع أنه قد قيل: إنه من الجن، وأنهم لما أفسدوا، بعث الله الملائكة إليهم، فقتلوهم، وسَبَوا منهم إبليس
стр. 1907
صغيراً، فتربى بين الملائكة، وكان اسمه عزازيل، وكنيته أبو مرة، وإنما لقب بـ"إبليس" لما انقطعت حجته بعد امتناعه من السجود، وكذلك قاله صاحب كتاب "الزينة" فى اللغة، وأنشد عليه ﴿الرجز﴾:
يا صاح! ............ ؟
قال: نعم أعرفه وأبليسا
стр. 1908
أى انقطع صوته الذى عادته أن يجيب عند النداء من الصدى، كما جرت عادة الجبال: أن تجيب المنادى، بمثل صوته، فإذا خرجت، لم تجب، وكذلك قال الشاعر ﴿السريع﴾:
صم صداها وعفا رسمها .............
قوله: "حسن استثناؤه؛ لأنه كان مأموراً":
قلنا: ذلك لا يمنع الانقطاع؛ فإن المأمورين لم يصدر لهم الكلام، إنما صدر للملائكة.
"قاعدة"
لا يشترط فى المتصل استواء الفظين، بل لا بد أن يكون الأول شاملاً بلفظ، فإذا قلت: رأيت الحيوان إلا إنساناً، كان متصلاً لشمول الأول، وإن اختلف اللفظ، لا يضر، وإن كان الأول لا يشمل؛ كقولك: رأيت الإنسان إلا فرساً، أو الحيوان إلا نباتاً، كان منقطعاً، فهذان قسمان مميزان: شامل مطلقاً، وغير شامل مطلقاً، بقى قسم ثالث يتصور فيه الشمول، وعدم الشمول؛ كقولك: رأيت الحيوان إلا أبيض، فالحيوان يقبل أن يكون أبيض، وغير أبيض، والأبيض يقبل الحيوان، وغير الحيوان، فكل واحد منهما أعم، وأخص من الآخر من وجه، والأولان أعم مطلقاً، ومباين مطلقاً، فهذا القسم موضع النظر، هل ينظر إلى وجه العموم؛ فيجوز، أو إلى وجه الألتباس وإمكان الافتراق؛ فيمتنع؟
والملائكة مع المأمورين من هذا القسم، فإن الملك قد يكون مأموراً، وقد
стр. 1909
لا يكون، والمأمور يقبل أن يكون ملكاً، وألا يكون، فتأمل هذا الموضوع؛ فهو موضع النظر، هل يكون منقطعاً ومتصلاً، وبهذا يمكن أن يقال: السلام: يقع لغواً، وغير لغو، واللغو: يقع سلاماً، وغير سلام؛ فيكون متصلاً من هذا الوجه أيضاً؛ لأن كل واحد أعلم من الآخر من وجه، فهو من القسم الثالث، وقد يتفق اللفظ فى الاستثناء، مع اتفاق المعنى واختلافه؛ فتقول: قبضت الدراهم إلا درهماً، فيتفق المعنى، ورأيت العيون إلا عيناً، فإن أردت بالعيون استعمال اللفظ فى أحد مسمياته، فاستثنيت منه، كان متصلاً، أو من غيره، كان منقطعاً، أو استعملت اللفظ فى جميع مسمياته، فإن الظاهر أنه متصل؛ لأنه بعض ما قبل "إلا" ويحتمل أن يقال: منقطع؛ لأن المتصل هو إخراج بعض الجنس والحقيقة الواحدة، وهذه أجناس وحقائق مختلفة، أخرجت بعضها؛ فيكون منقطعاً، فهو موضع نظر، فيتلخص أن الاستثناء ثمانية أقسام: إن اتفق اللفظ والمعنى، فمتصل، وإن اختلف اللفظ والمعنى، فمنقطع، وإن اختلف اللفظ، واتحد المعنى، والمستثنى منه أعم مطلقاً، فمتصل، أو أعم من وجه، فموضع الاحتمال، والظاهر الاتصال، أو اتحد اللفظ، وكان مشتركاً، واستعمل فى أحد مسمياته، واستثنى فيه، فمتصل، أو قصد الاستثناء من غيره بغير ذلك اللفظ، أو به، فمنقطع، أم منه، فمتصل، أو استعمل فى جميع مسمياته، فموضع النظر. واعلم أن مباحث الاستثناء كثيرة جليلة تقبل أن نجمع فيها تصنيفاً مستقلاً كبيراً جليلاً، وأنا ـ إن شاء الله تعالى ـ أنبه على جمل منه فى هذا الباب، من غير إسهاب.
قوله: (إلا أن تكون تجارة) النساء: ٢٩. و (إلا اتباع الظن ....) النساء: ١٥٧.
قال النحاة: "إنه ليس باستثناء، بل هو مقدر بـ"لكن".
стр. 1910
قلنا: قد تقدم أن المقدر بـ"لكن" هو المنقطع، وهذا هو صورة النزاع، وأن جميع المنقطع كذلك.
وقولهم: "ليس بالاستثناء" يحمل على أنه ليس باستثناء متصل، وإلا فالاستثناء موجود قطعاً.
قوله: "الأنيس يدخل فيه اليعافير والعيس":
تقريره: أن الماشى فى البرية، أو القفر، أو المهمه الواسع، يحصل له وحشة شديدة جدا، فإذا رأى طائراً، تأنس به؛ لأنه يشعر بقرب الماء منه، وكذلك الوحوش والعيس بطريق الأولى؛ لأنها تشعر بقرب بنى آدم منه، فيحصل الأنس الشديد والفرح بذلك، والسيارة تحكى ذلك عن أسفارها، فصدق على العيس أنها من المؤنس، فكان الاستثناء متصلاً.
قوله: "لو صح الاستثناء من المعنى، لصح استثناء كل شيء من كل شئ":
قلت: وإنه كذلك؛ فإن أحداً من النحاة لم يخصص جنساً دون جنس ألبته، بل ما خطر فى بال المتكلم، فهذا اللازم حق يلتزمه، ولا يكرهه، وهو حق.
" تنبيه"
زاد سراج الدين: فقال فى قوله: "إبليس مستثنى من المأمورين":
إنه استثناء من المعنى، وقد تقدم إبطاله .
وقال التبريزى: قيل فى قوله تعالى: (إلا خطأ) النساء: ٩٢. أى: ولا خطأ؛ كقول الشاعر ﴿الوافر﴾:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
стр. 1911
أى: و ﴿لا﴾ الفرقدان، واعتذروا عن الآيات أنها مقدرة بـ"لكن" ولا أرى لهذا الاعتذار معنى، فإن اللفظ إذا لم يتناول ما بعد "إلا" لم يكن ثنياً، ولا إخراجاً، فإن كان الاستثناء هو الإخراج، وحرف "إلا" صيغة موضوعة له، فهو مجاز قطعاً، وإلا فليغير حد الاستثناء عن الإخراج إلى غيره، أو يدعى الاشتراك فى حرف "إلا".
" فائدة "
إذا أردت تغير الحد، فقل فيه: هو إخراج بعض الجملة، كانت جزيئات، أو أجزاء، أو إخراج ما يعرض فى نفس المتكلم ﴿فقط﴾، بلفظ "إلا" وأخواتها، فقولنا: "جزئيات": كالعام والعدد.
وقولنا: "أو أجزاء": كإخراج جزء من الشاة، ونحوه بما تقدم من المثل.
وقولنا: "ما يعرض فى نفس المتكلم": ليدخل المنقطع؛ لأنه لا ضابط له إلا ما يعرض فى نفس المتكلم، هذا إذا فرعنا على أنه حقيقة، وأن لفظ الاستثناء ليس مشتركاً، أما إذا فرعنا على أنه مجاز، فلا حاجة لذكره، فإن الحدود إنما جعلت لما يتناوله اللفظ حقيقة، وأما إذا فرعنا على أن اللفظ مشترك، فلا حاجة لإدخاله فى الحد؛ لأن القاعدة: أن اللفظ المشترك لا يشمل مسمياته حد واحد، بل لكل مسمى حد.
стр. 1912
المسألة الرابعة
قال الرازى: أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق، ثم من الناس من قال: شرط المستثنى ألا يكون أكثر مما بقى؛ بل يجب أن يكون مساوياً، أو أقل.
وقال القاضى: بل شرطه ألا يكون أكثر ولا مساوياً بل أقل.
ويدل على فساد القولين أن الفقهاء أجمعوا على أن من قال: "لفلان على عشرة إلا تسعة" يلزمه واحد، ولولا أن هذا الاستثناء صحيح لغة وشرعاً، وإلا لما كان كذلك.
ويدل على فساد القول الثانى خاصة قوله تعالى: (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) الحجر: ٤٢. وقال؛ حكاية عن إبليس: (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) الحجر: ٣٩ - ٤٠. فلو كان المستثنى أقل من المستثنى منه، لزم فى أتباع إبليس، وفى المخلصين أن يكون كل واحد منهما أقل من الآخر؛ وذلك محال.
حجة القاضى ﵀: أن المقتضى لفساد الاستثناء قائم، وما لأجله ترك العمل به فى الأقل ـ غير موجود فى المساوى والأكثر؛ فوجب أن يفسد الاستثناء فى المساوى والأكثر.
بيان مقتضى الفساد: أن الاستثناء بعد المستثنى منه إنكار بعد الإقرار؛ وإنه غير مقبول.
بيان الفارق: أن الشيء القليل يكون فى معرض النسيان؛ لقلة التفات النفس
стр. 1913
إليه، والكثير يكون متذكراً محفوظاً؛ لكثرة التفات القلب إليه، فإذا أقر بالعشرة، فربما كانت تلك العشرة بنقصان شيء قليل، وإن كانت تامة، لكنه أدى منها شيئاً قليلاً، ثم إنه نسى ذلك القدر؛ لقلته؛ فلا جرم أقر بالعشرة الكاملة، ثم إنه بعد الإقرار، تذكر ذلك القدر؛ فوجب أن يكون متمكناً من استدراكه؛ فلأجل هذا شرعنا استثناء الأقل من الأكثر، ولم يوجد هذا المعنى فى استثناء المثل أو الأكثر؛ لما ذكرنا أن الكثرة مظنة الذكر، وإذا ظهر الفارق، بقى المقتضى سليماً عن المعارض.
والجواب عندنا: أن الاستثناء مع المستثنى منه، كاللفظ الواحد الدال على ذلك القدر؛ وعلى هذا الفرض يسقط ما ذكرتم، والله أعلم.
المسألة الرابعة
قال القرافى: أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق.
قلنا: نقل ابن طلحة فى مختصره المعروف بـ"المدخل" إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ـ قولين:
أحدهما: أنه استثناء، وينفعه الآخر يلزمه الثلاث ويعد نادماً.
وقال سيف الدين: منع بعض أهل اللغة استثناء عقد، فلا يقول له: مائة إلا عشرة، بل إلا خمسة؛ لأنها بعض العقد أما عقد كامل فلا.
قال المازرى: وهؤلاء منعوا: له عندى عشرة إلا ثلاثة؛ لأنه ليس كسراً، وإنما جاز عندهم قوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) العنكبوت: ١٤. لأنه كسر، وأجمع الفقهاء على قوله: هى طالق ثلاثاً
стр. 1914
إلا واحدة: أنه لا يلزمه إلا اثنتان، فيكون حجة عليهم، وكذلك يجرى الخلاف فى: عشرة إلا واحداً، ونحو ذلك، فإنه ليس بكسر؛ لأن نسبة الآحاد إلى العشرة كنسبة العشرات للمائة، والمئين للألف، وهذا القائل لم يجد فى الكتاب إلا الكسر، وكذلك السنة؛ ففى حديث: "الأسماء مائة إلا واحداً".
قال الأيبارى فى "شرح البرهان": ومذهب القاضى: هو مذهب سيبويه، والخليل، والنضر بن شميل، وجماهير البصريين، وهو الوارد فى الكتاب والسنة، ولم يجد إلا استثناء الأقل فى قوله تعالى: (إلا خمسين عاما) العنكبوت: ١٤. و"مائة إلا واحداً ... ".
قال الغزالى فى "المستصفى": قال كثير من أهل اللغة: لا يجوز استثناء عقد، فلا يجوز: مائة إلا عشرة، ولا عشرة إلا درهماً، بل مائة إلا خمسة، وعشرة إلا دانقاً، ونحو ذلك.
قوله: أجمع الفقهاء على أن من قال: له عندى عشرة إلا تسعة، لا يلزمه إلا واحد، ولولا أنه صحيح لغة وشرعاً، لما كان كذلك.
стр. 1915
قلنا: قد اتفق العلماء على أنه لو قال: له عندى دنانير، أو دراهم: أنه يلزمه ثلاثة لا يزاد على ذلك، واللغة تقول: اللفظ موضوع لما فوق العشرة، وما قال أحد من الفقهاء فيما علمت: إنه يلزمه أحد عشر، فلعل هذا مثله.
" فائدة "
هذا الإجماع نقله الغزالي في "المستصفى"، وغيره من الأصوليين.
وقال شرف الدين بن التلمسانى فى "شرح المعالم": الإجماع بعيد مع خلاف أحمد وغيره.
وقال القاضى أبو يعلى الحنبلى: فى كتاب "العمدة" فى الأصول: لا يصلح استثناء الأكثر عندنا.
قال: ونص عليه الخرقى فى كتاب "الإقرار" فى الفروع، فنص على بطلانه فى مذهب أحمد، وهو من أجل الفقهاء، فلا يصح حكاية إجماع الفقهاء.
وقاله ابن جنى فى كتاب "الجامع"، وأبو إسحاق الزجاج فى كتاب "المعانى" كما قاله الخرقى، ونقله المازرى عن عبد الملك ابن الماجشون المالكى، كما قاله الخرقى.
قوله: "يدل على فساد الثانى": يعنى اشتراط الأقل.
стр. 1916
قوله تعالى: (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) الحجر: ٤٢.
وقوله تعالى عن إبليس: (ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منم المخلصين) الحجر: ٣٩ ـ ٤٠.
قلنا: لا يلزم القاضى من الآية إلزام؛ لأن القاضى يقول: إن الاستثناء، إنما شرع فى الكلام؛ لإخراج ما عساه لا يشعر به المتكلم، وذلك فى غاية الندرة؛ لأنه يصير الكلام منتقضاً باطلاً فيما استثنى، وهذان المدركان لا يوجدان فى الاثنين؛ لأن ذلك، إنما يتحقق حالة الخطاب، وكونه معلوما ً حينئذ وأن المتكلم مقدم عليه مع علمه، وحالة قول إبليس كذلك، لم يكن فى ظاهر الحال يعلم المخلصين منهم، فلو ظهر الكل مخلصين، لم يكن فى عرف الاستعمال مقدماً على القدر من الكلام، ولا ناقصاً لقوله.
وأما قوله تعالى: (إلا من اتبعك) الحجر: ٤٢. فهو غير معلوم للخلق حينئذ، وإن كان الله ـ تعالى ـ يعلم المتبع من غيره، غير أن خطاب الله ـ تعالى ـ يجرى على القانون العربى، فكل ما لو تكلم به العرب، كان سائغاً، كان ذلك فى القرآن على ذلك الوجه، وخصوص الربوبية لا تنقض استعمال اللغات؛ ألا ترى أن كلمة "إن" لا يعلق عليها المحتمل المشكوك فيه، والله ـ تعالى ـ: ذلك فى حق محال، مع أنها فى القرآن فى غاية الكثرة، وما المحسن لها إلا كون المتكلم، لو كان عربياً، لحسن ذلك، فكان صدورها عن الله ـ تعالى ـ حسناً عربيا، وخصوص الربوبية لا مدخل له فى ذلك، فتأمل هذا المعنى، فهو محتاج إليه فى كثير من الكتاب العزيز، فظهر أن الاثنين لا يلزم القاضى منها سؤال، وإنما كان يلزمه أن لو كان ذلك معلوماً للخلق عند النطق بذلك الكلام، كما ينكره القاضى فى قول القائل: له عشرة إلا تسعة.
стр. 1917
يقول القاضي: إقدامه على النطق بالعشرة مع علمه بأن أكثرها لا يلزمه اشتغال باللغو من الكلام؛ بخلاف إذا لم يعلم، فهذا فرق عظيم بين البابين، أو يقول: سلمنا استواء البابين؛ لكن المستثنى فى الصورتين أقل.
أما قوله: (إلا عبادك منهم المخلصين) الحجر: ٤٠. فهؤلاء يشملون العباد المخلصين؛ لقوله "منهم" إشارة لبنى آدم، وأنه بعضهم، ومعلوم أن المخلصين من بنى آدم أقل.
وأما قوله: (إلا من اتبعك من الغاوين) الحجر: ٤٢. فهو أقل أيضاً؛ لأن قوله تعالى (إن عبادى) يشمل الملائكة؛ لكونه اسم جنس أضيف، والمتبع له بعض الغاوين؛ فإن الغاوين منهم من يتبع هواه، ومنهم من يتبع الشيطان، وغير ذلك، فيصيب المتبع له بعض الغاوين، ومعلوم أن كل الغاوين أقل من الكلائكة وحدهم، فكيف إذا أضيف إليهم صالحو بنى آدم؟
وفى الحديث: أن الملائكة يطوفون بالمحشر بمن فيه سبعة أدوار، وذلك أعظم مسمى فى المحشر.
وقال ﵇: "أطت السماء، وحق لها أن
تثط؛ ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك يسبح لله" ومعلوم أن هذا عدد عظيم.
وفى الحديث: "يدخل البيت المعمور كل يوم سبعون ألفاً لا يرجعون إليه أبداً" وهذا يتناول ﴿مَا﴾ قبل خلق آدم إلى قيام الساعة، وأن ابن آدم يأتيه كل يوم وليلة أربعة من الملائكة لا يرجعون إليه أبداً.
стр. 1918
قوله: "الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظة الواحدة":
قلنا: لا نسلم ذلك؛ بل لفظ العشرة موضوع لمعنى و"إلا" للإخراج، وهذا الكلام الذى تقولونه توسع غير مساعد عليه، ويلزم أن يقولوا مثله فى كل مجاز معه قرينة لفظية، وكل عام معه تخصيص لفظى: أن الجميع حقيقة فيما بقى، وهو ظاهر البطلان.
" فائدة"
قال الأبياري فى "شرح البرهان": كون الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظة الواحدة هو مذهب القاضي .
تقول: وضع العشرة للعشرة وضع استثناء الخمسة للخمسة، كما تقول: زيد للمفرد، وتزيد الواو والنون، فيكون موضوعاً للجمع، والجمهور على خلافه.
" تنبيه "
زاد التبريزي فقال: "قوله: لا يلزمه إلا واحد إجماعاً" لعله مريد إجماع المذهبين، وإلا فالإمام أحمد يخالف فيه.
стр. 1919
وقال في الحجة على القاضى أن يقول: إن حملنا اللفظ على معنى واحد يناقص؛ لأنه أثبت فى الأول السلطنة على بعضهم، وفى الثانية نفاها عن كلهم، فإذاً لا بد من حمل لفظ العباد فى الأول على معنى أعم، أو حمل الاستثناء على الانقطاع، وقد يبطل الاحتجاج.
قلت: وتقرير هذا الكلام يفهم مما تقدم.
стр. 1920
المسألة الخامسة
الاستثناء من الإثبات نفى، ومن النفى إثبات
قال الرازى: مثال الأول: قوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) العنكبوت: ١١٤. ومثال الثانى: قوله تعالى: (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) الحجر: ٤٠.
وزعم أبو حنيفة ﵀ أن الاستثناء من النفى لا يكون إثباتاً؛ قال: لأن بين الحكم بالنفى، وبين الحكم بالإثبات واسطة، وهى عدم الحكم؛ فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه، لا بالنفى ولا بالإثبات.
لنا: لو لم يكن الاستثناء فى النفى إثباتاً، لما كان قولنا: "لا إله إلا الله" موجباً ثبوت الإلهية لله ﷻ ؛ بل كان معناه نفى الإلهية عن غيره، وأما ثبوت الإلهية له، فلا، ولو كان كذلك، لما تم الإسلام؛ ولما كان ذلك باطلاً، علمنا أنه يفيد الإثبات.
احتج أبو حنيفة ﵀ بقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولى"، و"لا صلاة إلا بطهور" ولم يلزم منه تحقق النكاح عند حضور الولى، ولا تحقق الصلاة عند حضور الوضوء؛ بل يدل على عدم صحتها عند عدم هذين الشرطين، والله أعلم.
стр. 1921
المسألة الخامسة
الاستثناء من الإثبات نفى
قال القرافى: قوله: "مثال الاستثناء من الإثبات نفى: قوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) العنكبوت: ١٤ ".
стр. 1922
قلنا: للحنفية أن يقولوا: الخمسون غير محكوم عليها بالنفى فى هذه الآية، ولا تنافى بين كونها غير محكوم عليها فى هذه الآية، وكونها منفية فى نفس الأمر، ويعلم نفيها بدليل غير هذه الآية، وكذلك تمثيله كون الاستثناء من النفى إثباتاً بقوله تعالى: (إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك) الحجر: ٤٢.
يقولون: المتبع غير مخبر عنه بالسلطنة من هذه الآية، وتكون السلطنة عليهم معلومة من غير هذه الآية.
قاعدتهم: أن المستثنى أبداً غير محكوم عليه بشيء، وقد يكون حكمه معلوماً من غير الاستثناء.
قوله: "بين الحكم بالنفى، والحكم بالإثبات واسطة، وهى عدم الحكم ":
قلنا: قد قرر هذا فى "المعالم" بأبسط من هذا؛ فقال: الأحكام الخارجية إنما تثبت بواسطة الأحكام الذهنية، فإذا صرفنا الاستثناء إلى الصور الذهنية، أفادها بغير واسطة، وإلى الأحكام الخارجية، لا تفيدنا إلا بوسط، يريد أن الإنسان إذا قال: قام القوم، أو ما قام القوم، أنما يفهم من ذلك ابتداءً أنه يعتقد ذلك، ثم يقول: ظاهر حاله الصدق، فيكون زيد ليس قائماً فى الخارج، أو قائماً، فصار حكمنا بأنه قائم بعد حكمنا بأن المتكلم اعتقد لك، وإذا صرفنا الاستثناء إلى الأحكام الذهنية، يكون معناه: الحكم على كل واحد من القوم إلا زيداً، لا أحكم ﴿به﴾ عليه فى هذه القضية، فيكون غير محكوم عليه؛ فيجوز أن يكون موافقاً للمستثنى منه فى حكمه، وأن يخالفه، ويكون الاستثناء لا يصرف لما هو مستغن عن الواسط، وإذا صرفناه للأحكام الخارجية، صرفناه لما هو محتاج للأحكام الذهنية، وبوسطها، والاستغناء عن الوسط أرجح، ويرد عليه أن المتبادر فى العرف هو الأحكام الخارجية، والأصل عدم النقل، كما أن الأصل عدم الوسط، فيتعارض الأصلان، وتبقى المبادرة سالمة عن المعارض.
стр. 1923
قوله: "لو لم يكن الاستثناء من النفى إثباتاً ﴿لما كانت كلمة التوحيد تفيد﴾ بمفردها التوحيد" وإنما يقولون: أحتفت به القرائن والمقاصد، واشتهر أن هذا هو المقصود؛ فلذلك أفادت الوحدانية، لا اللفظ بما هو لفظ، ومن زعم أن هذه الصيغة تتجرد عن هذه القرائن، فهذا بعيد عن الإنصاف.
قوله: "لا نكاح إلا بولى ولا صلاة إلا بطهور" يدل على أن الاستثناء من النفى ليس إثباتاً":
قلنا: الاستثناء يقع من خمسة أشياء:
من الأحكام؛ نحو: ما قام القوم إلا زيداً.
ومن العلل والأسباب؛ نحو: لا عقوبة إلا بجناية.
ومن الشروط؛ نحو: لا صلاة إلا بطهور.
ومن الموانع؛ نحو: لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحيض.
ومن الأمور العامة، والأزمنة، والبقاع، والمحال، ومن الأحوال؛ كقوله تعالى، حكاية عن يعقوب ﵇: (لتأتننى به إلا أن يحاط بكم) يوسف: ٦٦. أى: فى كل حال من الحالات، إلا فى حالة الإحاطة، وقد تقدم تمثيل البقية، والأمور العامة؛ فحيث قال العلماء رضى الله عنهم: إن الاستثناء من النفى إثبات: إنما هو فيما عدا الشروط؛ فإنه تقدم أن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ فإن وجود الوضوء لا يلزم منه صحة الصلاة، ولا عدم صحتها، وكذلك الولى فى النكاح؛ فلا يلزم من القضاء بعدم المشروط حالة عدم الشرط ـ القضاء بثبوت المشروط حالة ثبوت الشرط بمجرده، فجميع الأقسام بقول العلماء: الاستثناء من النفى إثبات، إلا فى الشروط، فلا يحتج فى الشروط على أن الاستثناء من النفى ليس إثباتاً؛ فإنها مستثناة من القاعدة،
стр. 1924
فاعلم ذلك، واعلم أن الشروط خارجة من جميع تلك الأقسام الخمسة؛ فلا حجة للحنفية فى هذه الصور كلها، وهو من دقائق مباحث الاستثناء.
" فائدة"
نقل الإمام فخر الدين فى "المعالم" الإجماع على أن الاستثناء من الإثبات نفي ؛ بخلاف الاستثناء من النفى هو مواطن الخلاف؛ ولذلك قال تاج الدين فى اختصاره فى "الحاصل": زاده على لفظ الأصل، وقد سألت أعيان الحنفية عن ذلك؛ فقالوا: نحن نخالف فى القسمين، وفروعنا مبنية عليه فى النفى والإثبات، وهما عندنا ليسا إثباتاً من النفى، ولا نفياً من الإثبات.
" فائدة"
قال الحنفية: لا فرق بين الاستثناء من النفى أو الإثبات، وبين الاستثناء المفرغ ؛ كقولنا: لم يقم إلا زيد، ولم أكرم إلا عمراً.
قالوا: وزيد وعمرو فى المثالين غير محكوم عليهما من مجرد اللفظ؛ بل قد تحتف القرائن، فيحصل العلم بالنفى، أو الثبوت، لا بمجرد اللفظ.
" فائدة"
اتفق العلماء أبو حنيفة وغيره على أن "إلا" للإخراج، وأن المستثنى مخرج ، وأن كل من خرج من نقيض، دخل فى النقيض الآخر، فهذه ثلاثة أمور متفق عليها، وبقى أمر رابع مختلف فيه، وهو أنه إذا قلنا: قام القوم، فهناك أمران: القيام والحكم به، فاختلفوا، هل المستثنى يخرج من القيام، أو الحكم به، فنحن نقول: من القيام، فيدخل فى نقيضه، وهو عدم القيام، والحنفية يقولون: هو مستثنى من الحكم، فيخرج لنقيضه، وهو عدم
стр. 1925
الحكم، فيكون غير محكوم عليه، فأمكن أن يكون قائماً، وألا يكون قائماً، فعندنا انتقل إلى عدم القيام، وعندهم انتقل إلى عدم الحكم، وعند الفريقين هو مخرج، وداخل فى نقيض ما أخرج منه، فافهم ذلك، حتى يتحرر لك محل النزاع، والعرف فى الاستعمال شاهد بأنه إنما قصد إخراجه من القيام، لا من الحكم به، ولا يفهم أهل العرف إلا ذلك، فيكون هو اللغة؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير.
" تنبيه "
زاد سراج الدين فقال فى الجواب عن قوله فى الجواب عن قو أبى حنيفة: "لا صلاة إلا بطهور" ونظائره: "الإثبات أعم منه بصفة العموم":
قلت: يريد أن المتقدم ﴿قبل "إلا"﴾ سالبة كلية، فيكفى فى مناقضتها الموجبة الجزئية، فيكفى مطلق الثبوت، وقد تقرر مطلق ثبوت الصلاة مع الوضوء فى عدة صور، وكذلك صحة النكاح وغيره يثبت مع شروطها فى عدة صور.
وقال التبريزى فى الجواب عن قولهم: لا صلاة إلا بوضوء ونحوه: إن الفرق بين النمطين ضرورى فى الفهم، فمن قال: لا قاضى فى البلد إلا فلان، سبق إلى الذهن ثبوت القضاء له.
ومن قال: لا قضاء إلا بالعلم أو بالورع، لم يفهم منه ثبوته لكل عالم،
стр. 1926
أو متورع، بل يصح هذا القول، وإن لم يكن فى الوجود قاض، ومستند هذا الفرق أن "الباء" فى اللغة للإلصاق، فيفيد معنى الاشتراط، وهو إلصاق الولى بالنكاح، ولا يلزم العكس.
قلت: وقوله: "ولا يلزم العكس" أى: لا يلزم من كون الشرط يجب حصوله عند المشروط، ويلتصق به ـ أن يجب حصول المشروط عند حصول الشرط.
" فائدة "
هذه المستثنيات كلها فيها الموصوف محذوف تقديره: لا نكاح إلا نكاح ولى، ولا صلاة إلا صلاة بطهور؛ حتى يكون الاستثناء متصلاً، ويجد المجرور ما يتعلق به.
стр. 1927
المسألة السادسة
الاستثناءات إذا تعددت
قال الرازى: فإن كان البعض معطوفاً على البعض بحرف العطف، كان الكل عائداً إلى المستثنى منه؛ كقولك: "لفلان عندى عشرة إلا أربعة، إلا خمسة" وإن لم يكن كذلك، فالاستثناء الثانى، إن كان أكثر من الأول، أو مساوياً له، عاد إلى الأول؛ كقوله: "لفلان على عشرة إلا أربعة، إلا خمسة".
وإن كان أقل من الأول، كقولك: "لفلان على عشرة إلا خمسة، إلا أربعة"
فالاستثناء الثانى: إما أن يكون عائداً إلى الاستثناء الأول فقط، أو إلى المستثنى منه فقط، أوإليهما معاً، أو لا إلى واحد منهما:
والأول هو الحق، والثانى باطل؛ لأن القريب، إن لم يكن أولى من البعيد، فلا أقل من المساواة، والثالث أيضاً باطل؛ لوجهين:
أحدهما: أن المستثنى منه مع الاستثناء الأول، لا بد، وأن يكون أحدهما نفياً، والآخر إثباتاً، فالاستثناء الثانى، لو عاد إليهما معاً والاستثناء من النفى إثبات، ومن الإثبات نفى؛ فيكون الاستثناء الثانى قد نفى عن أحد الأمرين السابقين عليه ما أثبته للآخر؛ فينجبر النقصان بالزيادة، ويبقى ما كان حاصلاً قبل الاستثناء الثانى؛ فيصير الاستثناء الثانى لغواً.
وثانيهما: أن الاستثناء الثانى، لو رجع وثانيهما: أن الاستثناء الثانى، لو رجع إلى الاستثناء الأول، والمستثنى منه معاً، لزم أن يكون نفياً وإثباتاً معاً؛ وهو محال.
стр. 1928
فإن قلت: النفى والإثبات: إنما يتنافيان، لو رجعا إلى شيء واحد، من وجه واحد، فأما عند رجوعهما إلى شيئين، فلا يتنافيان.
قلت: لنفرض أنه قال: "على عشرة إلا اثنين، إلا واحداً" فالاستثناء الثانى، لما رجع إلى المستثنى منه، أخرج منه درهماُ آخر، ولما رجع إلى الاستثناء الأول، اقتضى ذلك إثبات ذلك الدرهم المستثنى منه؛ فيكون ذلك الاستثناء نفياً وإثباتاً من المستثنى منه؛ وهو محال.
أما الرابع وهو: ألا يرجع الاستثناء الثانى إلى الاستثناء الأول، ولا إلى المستثنى منه، فهو باطل بالاتفاق.
المسألة السادسة
الاستثناءات إذا تعددت
قال القرافى: قلت: هذه المسألة مبنية على خمس قواعد:
القاعدة الأولى: أن العرب لا تجمع بين الاستثناء، وواو العطف؛ لأن الاستثناء للإخراج، والواو للتشريك والضم؛ فيتناقضان.
القاعدة الثانية: الاستثناء من النفى إثبات، ومن الإثبات نفى.
القاعدة الثالثة: إستثناء الجملة، أو أكثر منها لا يجوز.
القاعدة الرابعة: أن العرب توجب الرجحان.
القاعدة الخامسة: إذا دار الكلام بين الإلغاء والإعمال؛ فالإعمال أولى.
"فائدة"
قال ابن العربى فى "المحصول" له الاستثناء من الاستثناء جائز؛ خلافاً لبعض الناس، كما قال: انت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة؛ فإنه
стр. 1929
يلزمه اثنتان، وقد جاء فى القرآن ﴿الكريم﴾: (إلا آل لوط ...... إلا امرأته ......) الحجر: ٥٩ ـ ٦٠ فحكى فيه الخلاف.
قوله: "إذا عطف البعض غلى البعض، عاد الكل إلى المستثنى منه":
تقريره: أنه إذا قال: "له عندى عشرة إلا أربعة، وإلا خمسة" يمنع أن يكون خمسة مستثناه من الأربعة؛ لأنها أكثر منها، وللعطف، وإن قال: إلا أربعة وإلا ثلاثة ـ امتنع للعطف فقط.
وإن قال: "إلا أربعة" من غير عطف، امتنع؛ لأن استثناء جملة الكلام، أو أكثر منه محال، فلا يعود الاستثناء على الاربعة، بل على العشرة. فإن قال: له ﴿على﴾ عشرة إلا أربعة إلا ثلاثة، فهاهنا، إن عاد على العشرة والأربعة، لزم أن يكون الكلام لغواً؛ لأن قوله: "له عشرة" إثبات، وقوله: "إلا أربعة" منفية، فيكون قد اعترف بستة قبل نطقه، فاستثنى الثلاثة، فقوله: "إلا ثلاثة" إذا أعدناه عليها؛ باعتبار عوده على أصل الكلام الذى هو إثبات، يكون قد أخرج ثلاثة؛ فيبقى من الستة ثلاثة، وباعتبار عوده على الأربعة التى هى منفية، يكون قد أثبت منها ثلاثة مضافة للثلاثة الباقية من الستة، وهى عوض الثلاثة المخرج منها؛ فيصير قد اعترف بستة، وهكذا كان حاصلاً قبل قوله: "إلا ثلاثة" فصار قوله: "إلا ثلاثة" لغواً؛ لأجل عود الاستثناء الثانى على أصل الكلام، وعلى الأربعة المستثناة؛ فتين ألا يعود عليها، وهذا مطرد فى جميع كل استثناء بعد استثناء يعود على أصل الكلام، وعلى الاستثناء؛ لأن أحدهما نفى، والآخر إثبات؛ فيحسن أحدهما، ويصير الكلام كما كان أولاً قبل الاستثناء الثانى.
قوله: "لو رجع إليها، يلزم أن يكون نفياً وإثباتاً، وهو محال":
قلنا: لا نسلم أنه محال؛ فإن كلامكم يشعر بأنه محال عقلاً؛ لأنه جمع بين النقيضين، وليس كذلك، بل هذان نقيضان؛ باعتبار إضافتين، فهو
стр. 1930
نفى؛ باعتبار إضافته إلى أصل الكلام، وإثبات؛ باعتبار إضافته إلى الاستثناء، والجمع بين النقيضين، باعتبار إضافتين، ليس محالاً؛ كما تقول: زيد أب لعمرو، وليس أباً لخالد؛ فهو أب، وليس أباً، وليس ذلك محالاً، بل لا بد فى التناقض من الشروط الثمانية المذكورة فى المنطق، ومتى عدم شرط منها، لم يكن التناقض محالاً، بل لا يكون تناقضاً، ثم إنكم أجبتم عن هذا؛ بأن ضيقتم الفرض، وقلتم: إذا قال: له عشرة إلا اثنين إلا واحداً، فالاستثناء الثانى، لما رجع إلى المستثنى منه، أخرج منه درهماً آخر، ولما رجع إلى المستثنى منه، اقتضى إثبات ذلك الدرهم، فيكون نفياً وإثباتاً، وهو محال، وهذا الجواب ليس بجواب، بل المسألة بحالها، والواحد منفى وثابت؛ باعتبار إضافتين.
" فائدة "
قال العلماء: قال العلماء: ذا قال: "له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحداً" يكون اعترافه بخمسة؛ بناء على الاستثناء الذى قبله دون أصل الكلام؛ لأن قوله: "إلا تسعة" منفية يكون الاعتراف بواحد، و"إلا ثمانية" استثناء من منفى؛ فتكون مثبتة مضافة للواحد؛ فيصير الاعتراف بتسعة.
وقوله: "إلا سبعة" منفية، فيكون الاعتراف باثنين، و"إلا ستة" مثبتة؛ فيكون الاعتراف بثمانية.
وقوله: "إلا خمسة" منفية، يكون الاعتراف بثلاثة.
وقوله: "إلا أربعة" تكون مثبتة، فيبقى الاعتراف بسبعة.
وقوله: "إلا ثلاثة" تكون منفية، فيبقى الاعتراف بأربعة.
وقوله: "إلا اثنين" مثبتة، يكون الاعتراف بستة.
следующие страницы →