Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
أو متورع، بل يصح هذا القول، وإن لم يكن فى الوجود قاض، ومستند هذا الفرق أن "الباء" فى اللغة للإلصاق، فيفيد معنى الاشتراط، وهو إلصاق الولى بالنكاح، ولا يلزم العكس.
قلت: وقوله: "ولا يلزم العكس" أى: لا يلزم من كون الشرط يجب حصوله عند المشروط، ويلتصق به ـ أن يجب حصول المشروط عند حصول الشرط.
" فائدة "
هذه المستثنيات كلها فيها الموصوف محذوف تقديره: لا نكاح إلا نكاح ولى، ولا صلاة إلا صلاة بطهور؛ حتى يكون الاستثناء متصلاً، ويجد المجرور ما يتعلق به.
стр. 1927
المسألة السادسة
الاستثناءات إذا تعددت
قال الرازى: فإن كان البعض معطوفاً على البعض بحرف العطف، كان الكل عائداً إلى المستثنى منه؛ كقولك: "لفلان عندى عشرة إلا أربعة، إلا خمسة" وإن لم يكن كذلك، فالاستثناء الثانى، إن كان أكثر من الأول، أو مساوياً له، عاد إلى الأول؛ كقوله: "لفلان على عشرة إلا أربعة، إلا خمسة".
وإن كان أقل من الأول، كقولك: "لفلان على عشرة إلا خمسة، إلا أربعة"
فالاستثناء الثانى: إما أن يكون عائداً إلى الاستثناء الأول فقط، أو إلى المستثنى منه فقط، أوإليهما معاً، أو لا إلى واحد منهما:
والأول هو الحق، والثانى باطل؛ لأن القريب، إن لم يكن أولى من البعيد، فلا أقل من المساواة، والثالث أيضاً باطل؛ لوجهين:
أحدهما: أن المستثنى منه مع الاستثناء الأول، لا بد، وأن يكون أحدهما نفياً، والآخر إثباتاً، فالاستثناء الثانى، لو عاد إليهما معاً والاستثناء من النفى إثبات، ومن الإثبات نفى؛ فيكون الاستثناء الثانى قد نفى عن أحد الأمرين السابقين عليه ما أثبته للآخر؛ فينجبر النقصان بالزيادة، ويبقى ما كان حاصلاً قبل الاستثناء الثانى؛ فيصير الاستثناء الثانى لغواً.
وثانيهما: أن الاستثناء الثانى، لو رجع وثانيهما: أن الاستثناء الثانى، لو رجع إلى الاستثناء الأول، والمستثنى منه معاً، لزم أن يكون نفياً وإثباتاً معاً؛ وهو محال.
стр. 1928
فإن قلت: النفى والإثبات: إنما يتنافيان، لو رجعا إلى شيء واحد، من وجه واحد، فأما عند رجوعهما إلى شيئين، فلا يتنافيان.
قلت: لنفرض أنه قال: "على عشرة إلا اثنين، إلا واحداً" فالاستثناء الثانى، لما رجع إلى المستثنى منه، أخرج منه درهماُ آخر، ولما رجع إلى الاستثناء الأول، اقتضى ذلك إثبات ذلك الدرهم المستثنى منه؛ فيكون ذلك الاستثناء نفياً وإثباتاً من المستثنى منه؛ وهو محال.
أما الرابع وهو: ألا يرجع الاستثناء الثانى إلى الاستثناء الأول، ولا إلى المستثنى منه، فهو باطل بالاتفاق.
المسألة السادسة
الاستثناءات إذا تعددت
قال القرافى: قلت: هذه المسألة مبنية على خمس قواعد:
القاعدة الأولى: أن العرب لا تجمع بين الاستثناء، وواو العطف؛ لأن الاستثناء للإخراج، والواو للتشريك والضم؛ فيتناقضان.
القاعدة الثانية: الاستثناء من النفى إثبات، ومن الإثبات نفى.
القاعدة الثالثة: إستثناء الجملة، أو أكثر منها لا يجوز.
القاعدة الرابعة: أن العرب توجب الرجحان.
القاعدة الخامسة: إذا دار الكلام بين الإلغاء والإعمال؛ فالإعمال أولى.
"فائدة"
قال ابن العربى فى "المحصول" له الاستثناء من الاستثناء جائز؛ خلافاً لبعض الناس، كما قال: انت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة؛ فإنه
стр. 1929
يلزمه اثنتان، وقد جاء فى القرآن ﴿الكريم﴾: (إلا آل لوط ...... إلا امرأته ......) الحجر: ٥٩ ـ ٦٠ فحكى فيه الخلاف.
قوله: "إذا عطف البعض غلى البعض، عاد الكل إلى المستثنى منه":
تقريره: أنه إذا قال: "له عندى عشرة إلا أربعة، وإلا خمسة" يمنع أن يكون خمسة مستثناه من الأربعة؛ لأنها أكثر منها، وللعطف، وإن قال: إلا أربعة وإلا ثلاثة ـ امتنع للعطف فقط.
وإن قال: "إلا أربعة" من غير عطف، امتنع؛ لأن استثناء جملة الكلام، أو أكثر منه محال، فلا يعود الاستثناء على الاربعة، بل على العشرة. فإن قال: له ﴿على﴾ عشرة إلا أربعة إلا ثلاثة، فهاهنا، إن عاد على العشرة والأربعة، لزم أن يكون الكلام لغواً؛ لأن قوله: "له عشرة" إثبات، وقوله: "إلا أربعة" منفية، فيكون قد اعترف بستة قبل نطقه، فاستثنى الثلاثة، فقوله: "إلا ثلاثة" إذا أعدناه عليها؛ باعتبار عوده على أصل الكلام الذى هو إثبات، يكون قد أخرج ثلاثة؛ فيبقى من الستة ثلاثة، وباعتبار عوده على الأربعة التى هى منفية، يكون قد أثبت منها ثلاثة مضافة للثلاثة الباقية من الستة، وهى عوض الثلاثة المخرج منها؛ فيصير قد اعترف بستة، وهكذا كان حاصلاً قبل قوله: "إلا ثلاثة" فصار قوله: "إلا ثلاثة" لغواً؛ لأجل عود الاستثناء الثانى على أصل الكلام، وعلى الأربعة المستثناة؛ فتين ألا يعود عليها، وهذا مطرد فى جميع كل استثناء بعد استثناء يعود على أصل الكلام، وعلى الاستثناء؛ لأن أحدهما نفى، والآخر إثبات؛ فيحسن أحدهما، ويصير الكلام كما كان أولاً قبل الاستثناء الثانى.
قوله: "لو رجع إليها، يلزم أن يكون نفياً وإثباتاً، وهو محال":
قلنا: لا نسلم أنه محال؛ فإن كلامكم يشعر بأنه محال عقلاً؛ لأنه جمع بين النقيضين، وليس كذلك، بل هذان نقيضان؛ باعتبار إضافتين، فهو
стр. 1930
نفى؛ باعتبار إضافته إلى أصل الكلام، وإثبات؛ باعتبار إضافته إلى الاستثناء، والجمع بين النقيضين، باعتبار إضافتين، ليس محالاً؛ كما تقول: زيد أب لعمرو، وليس أباً لخالد؛ فهو أب، وليس أباً، وليس ذلك محالاً، بل لا بد فى التناقض من الشروط الثمانية المذكورة فى المنطق، ومتى عدم شرط منها، لم يكن التناقض محالاً، بل لا يكون تناقضاً، ثم إنكم أجبتم عن هذا؛ بأن ضيقتم الفرض، وقلتم: إذا قال: له عشرة إلا اثنين إلا واحداً، فالاستثناء الثانى، لما رجع إلى المستثنى منه، أخرج منه درهماً آخر، ولما رجع إلى المستثنى منه، اقتضى إثبات ذلك الدرهم، فيكون نفياً وإثباتاً، وهو محال، وهذا الجواب ليس بجواب، بل المسألة بحالها، والواحد منفى وثابت؛ باعتبار إضافتين.
" فائدة "
قال العلماء: قال العلماء: ذا قال: "له على عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحداً" يكون اعترافه بخمسة؛ بناء على الاستثناء الذى قبله دون أصل الكلام؛ لأن قوله: "إلا تسعة" منفية يكون الاعتراف بواحد، و"إلا ثمانية" استثناء من منفى؛ فتكون مثبتة مضافة للواحد؛ فيصير الاعتراف بتسعة.
وقوله: "إلا سبعة" منفية، فيكون الاعتراف باثنين، و"إلا ستة" مثبتة؛ فيكون الاعتراف بثمانية.
وقوله: "إلا خمسة" منفية، يكون الاعتراف بثلاثة.
وقوله: "إلا أربعة" تكون مثبتة، فيبقى الاعتراف بسبعة.
وقوله: "إلا ثلاثة" تكون منفية، فيبقى الاعتراف بأربعة.
وقوله: "إلا اثنين" مثبتة، يكون الاعتراف بستة.
стр. 1931
وقوله: "إلا واحداً" منفية، يبقى الاعتراف بخمسة.
هذا إذا ابتدأ بعشرة مثبتة، آل الأمر باستثناء واحد يزاد أبداً على المقدار الأول إلى ثبوت خمسة، فإن ابتدأ بعشرة منفية، فقال: "ليس له عندى عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحداً" يكون الاعتراف بخمسة أيضاً؛ لأن التسعة مثبتة ـ هاهنا ـ لاغبة من النفى، والثمانية منفية؛ فيصير الاعتراف بواحد، والسبعة مثبتة؛ فيصير الاعتراف بثمانية، والستة منفية؛ فيصير الاعتراف باثنين، والخمسة مثبتة؛ فيصير الاعتراف بسبعة، والأربعة منفية؛ فيصير الاعتراف بثلاثة، والثلاثة مثبت؛ فيصير الاعتراف بستة، والاثنان منفيان؛ فيصير الاعتراف بأربعة، والواحد مثبت؛ فيصير الاعتراف بخمسة، وعلى هاتين القاعدتن تفرع الأعداد، وإن كثرت نفياً وإثباتاً.
стр. 1932
المسألة السابعة
الاستثناء المذكور عقيب جمل كثيرة
قال الرازى: هل يعود إليها بأسرها أم لا؟ مذهب الشافعى ـ رضى الله عنه ـ وأصحابه: عوده إلى الكل، ومذهب الإمام أبى حنيفة ـ رحمة الله عليه ـ وأصحابه: اختصاصه بالجملة الأخيرة.
وذهب القاضى منا، والمرتضى من الشيعة إلى التوقف، إلا أن المرتضى توقف للاشتراك، والقاضى لم يقطع بذلك أيضاً، من فصل القول فيه، وذكروا وجوهاً.
وأدخلها فى التحقق ما قيل: إن الجملتين من الكلام: إما أن يكونا من نوع واحد، أو يكونا من نوعين:
فإن كان الأول: فإما أن تكون إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى، أو لا تكون كذلك:
فإن كان الثانى: فإما أن يكونا مختلفى الاسم والحكم، أو متفقى الاسم مختلفى الحكم، أو مختلفى الاسم، متفقى الحكم:
فالأول كقولك: "أطعم ربيعة، واخلع على مضر إلا الطوال".
والأظهر هاهنا: اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة؛ لأن الظاهر: أنه لم ينتقل من الجملة المستقلة بنفسها إلى جملة أخرى مستقلة بنفسها؛ إلا وقد تم
стр. 1933
غرضه من الجملة الأولى، ولو كان الاستثناء راجعاً إلى جميع الجمل، لم يكن قد تم مقصوده من الجملة.
وأما الثانى: فكقولنا: "أطعم ربيعة، واخلع على ربيعة إلا الطوال".
وإما الثالث: فكقولنا: "أطعم ربيعة، وأطعم مضر إلا الطوال" والحكم هاهنا أيضاً كما ذكرنا؛ لأن كل واحدة من الجملتين مستقلة، فالظاهر أنه لم ينتقل من إحداهما، إلا وقد تم غرضه بالكلية منها.
وأما إن كانت إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى: فإما أن يكون حكم الأولى مضمراً فى الثانية؛ كقوله: "أكرم ربيعة، ومضر إلا الطوال" أو اسم الأولى مضمراً فى الثانية، كقوله: "أكرم ربيعة، واخلع عليهم إلا الطوال" فالاستثناء فى هذين القسمين راجع إلى الجملتين؛ لأن الثانية لا تستقل إلا مع الأولى؛ فوجب رجوع حكم الاستثناء إليهما.
وأما إن كانت الجملتان نوعين من الكلام: فإما أن تكون القضية واحدة، أو مختلفة:
فإن كانت مختلفة: فهو كقولنا: "أكرم ربيعة، والعلماء هم المتكلمون، إلا أهل البلدة الفلانية" فالاستثناء فيه يرجع إلى ما يليه؛ لاستقلال كل واحدة من تلك الجملتين بنفسها.
وأما إن كانت القضية واحدة فهو كقوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات) النور: ٤. فالقضية واحدة، وأنواع الكلام مختلفة؛ فالجملة الأولى أمر، والثانية نهى، والثالثة خبر؛ فالاستثناء فيها يرجع إلى الجملة الأخيرة؛ لاستقلال كل واحدة فى تلك الجمل بنفسها.
стр. 1934
والإنصاف: أن هذا التقسيم حق؛ لكنا إذا أردنا المناظرة، اخترنا التوقف؛ لا بمعنى دعوى الاشتراك؛ بل بمعنى أنا لا نعلم حكمه فى اللغة ماذا؟ وهذا هو اختيار القاضى.
واحتج الشافعى ـ رضى الله عنه ـ بوجوه:
أولها: أن الشرط، متى تعقب جملاٌ، عاد إلى الكل، فكذا الاستثناء؛ والجامع: أن كل واحد منهما لا يستقل بنفسه، وأيضاً: فمعناهما واحد؛ لأن قوله تعالى فى آية القذف: (إلا الذين تابوا) النور: ٥. جار مجرى قوله: (وأولئك هم الفاسقون) النور: ٤. إن لم يتوبوا.
ويقرب من هذا الدليل قولهم: أجمعنا على أن الاستثناء بمشيئة الله ـ تعالى ـ عائد إلى كل الجمل، فالاستثناء بغير المشيئة، يجب أن يكون كذلك.
وثانيها: أن حرف العطف يصير الجمل المعطوف بعضها على بعض ـ فى حكم الجملة الواحدة؛ لأنه لا فرق بين أن تقول: "رأيت بكر بن خالد، وبكر ابن عمرو" وبين أن تقول: "رأيت البكرين" وإذا كان الاستثناء الواقع عقيب الجملة الواحدة راجعاً إليها، فكذا ما صار بحكم العطف كالجملة الواحدة.
وثالثها: أنه تعالى، لو قال: "فاجلدوهم ثمانين "جلدة إلا الذين تابوا، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً إلا الذين تابوا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) لكان ركيكا جداً.
فبتقدير أن يريد الاستثناء عن كل الجمل، لا طريق له إلى ذلك إلا بذكر الاستثناء عقيب الجملة الأخيرة، ففى هذه الصورة، يكون الاستثناء راجعاً إلى
стр. 1935
كل الجمل، والأصل فى الكلام الحقيقة، وإذا ثبت كونه حقيقة فى هذه الصورة، كان كذلك فى سائر الصور؛ دفعاً للاشتراك.
ورابعها: لو قال: "لفلان على خمسة، وخمسة إلا سبعة" كان الاستثناء هاهنا عائداً إلى الجملتين، والأصل فى الكلام الحقيقة.
وإذا ثبت ذلك فى هذه الصورة، فكذا فى غيرها؛ دفعاً للاشتراك.
واحتج أبو حنيفة ـ رحمة الله عليه ـ بوجوه:
أحدها: أن الدليل ينفى اعتبار الاستثناء، تركنا العمل به فى الجملة الواحدة، فيبقى العمل بالباقى فى سائر الجمل.
بيان النافى: أن الاستثناء يقتضى إزالة العموم عن ظاهره، وهو خلاف الأصل.
بيان الفارق: أن الاستثناء لا استقلال له بالدلالة على الحكم؛ فلا بد من تعليقه بشئ؛ لئلا يصير لغواً، وتعليقه بالجملة الواحدة يكفى فى خروجه عن اللغوية؛ فلا حاجة إلى تعليقه بسائر الجمل.
وإذا ثبت النافى والفارق، ثبت أنه لا يجوز عوده إلى الجمل الكثيرة، والخصم قال به؛ فصار محجوباً.
يبقى أن يقال: فلم خصصتموه بالجملة الأخيرة؟ فنقول: هذا تفريع قولنا ولنا فيه وجهان:
الوجه الأول: اتفاق أهل اللغة على أن للقرب تأثيراً فى هذا المعنى، ثم يدل عليه أموراً أربعة:
стр. 1936
الأول: اتفاق أهل اللغة البصريين على أنه إذا اجتمع على المعمول الواحد عاملان، فإعمال الأقرب أولى.
الثانى: أنهم قالوا فى: "ضرب زيد عمراً، وضربته": إن هذه "الهاء" بأن ترجع إلى عمرو المضروب ـ أولى من أن ترجع إلى زيد الضارب؛ للقرب.
الثالث: أنهم قالوا فى قولنا: "ضربت سلمى سعدى": إنه ليس فى إعراب اللفظ، ولا فى معناه، ما يجعل أحدهما بالفاعلية أولى من الآخر؛ فاعتبروا المجاورة؛ فقالوا: الذى يلى الفعل أولى بالفاعلية.
الرابع: أنهم قالوا فى قولهم: "أعطى زيد عمراً بكراً": أن لما احتمل أن يكون كل واحد من عمرو وبكر، مفعولاً أول، وليس فى اللفظ ما يقتضى الترجيح ـ وجب اعتبار القرب.
الوجه الثانى: أن كل من صرف الاستثناء إلى جملة واحدة، خصصه بالجملة الأخيرة؛ فصرفه إلى غيرها خرق للإجماع؛ فهذا تمام هذه الحجة.
وثانيها: أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل، لو رجع إلى جميعها لم يخل: إما أن يضمر مع كل جملة استثناء يعقبها، أو لا يضمر ذلك؛ بل الاستثناء المصرح به فى آخر الجمل هو الراجع إلى جميعها:
والأول باطل؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه إلا لضرورة، ولا ضرورة هاهنا.
والثانى أيضاً باطل؛ لأن العامل فى نصب ما بعد حرف الاستثناء، هو ما قبله؛ من فعل أو تقدير فعل، فإذا فرضنا رجوع ذلك الاستثناء إلى كل الجمل، كان
стр. 1937
العامل فى نصب المستثنى أكثر من واحد؛ لكن لا يجوز أن يعمل عاملان فى إعراب واحد، أما أولاً: فلأن سيبويه نص عليه، وقوله حجة، وأما ثانياً: فلأنه يجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان؛ وهو محال.
وثالثها: أن الاستثناء من الاستثناء مختص بما يليه، فكذا فى سائر الصور؛ دفعاً للاشتراك عن الوضع.
ورابعها: أن الجمل، إذا كان كل واحد منها مستقلا بنفسه، فالظاهر أنه لم ينتقل عن واحد منها إلى غيره، إلا إذا تم غرضه منه؛ لأنه كما أن السكوت يدل على استكمال الغرض المطلوب من الكلام، فكذا الشروع فى كلام آخر لا تعلق له بالأول ـ يدل على استكمال الغرض من ذلك الأول.
إذا ثبت هذا، فلو حكمنا برجوع الاستثناء إلى كل الجمل المتقدمة، نقض ذلك قولنا؛ أنه لما انتقل عن الكلام الأول، تم غرضه.
واحتج الشريف المرتضى على الاشتراك بوجوه:
أحدها: أن القائل، إذا قال: "اضرب غلمانى، وأكرم جيرانى إلا واحداً" جاز أن يستفهم المخاطب، هل أراد استثناء الواحد من الجملتين أو من الجملة الواحدة؟ والاستفهام دليل الاشتراك.
وثانيها: أنا وجدنا الاستثناء فى القرآن والعربية، تارة عائداً إلى كل الجمل، وأخرى مختصا بالأخيرة، وظاهر الاستعمال دليل الحقيقة؛ فوجب الاشتراك.
وثالثها: أن القائل إذا قال: "ضرب غلمانى، وأكرمت من جيرانى قائماً، أو فى الدار، أو يوم الجمعة": احتمل فيما ذكره من الحال والظرفين أن يكون المتعلق
стр. 1938
به جميع الأفعال، وأن يكون ما هو أقرب، والعلم باحتمال الأمرين من مذهب أهل اللغة ضرورى، فإذا صح ذلك فى الحال والظرفين، صح أيضاً فى الاستثناء، والجامع أن كل واحد منهما فضلة تأتى بعد تمام الكلام.
فهذا مجموع أدلة القاطعين:
أما أدلة الشافعية:
فالجواب عن الأول: أن نمنع الحكم فى الأصل، وبتقدير تسليمه؛ فنطالب بالجامع.
قوله: "إنهما يشتركان فى عدم الاستقلال، وأقتضاء التخصيص":
قلنا: لا يلزم من اشتراك شيئين فى بعض الوجوه، اشتركهما فى كل الأحكام.
قوله ثانياً: "معنى الشرط والاستثناء واحد":
قلنا: إن ادعيتم أنه لا فرق بينهما أصلاً، كان قياس أحدهما على الآخر قياساً للشيء على نفسه، وإن سلمتم الفرق، طالبناكم بالجامع؛ وبهذين الجوابين نجيب عن الاستدلال بمشيئة الله تعالى.
والجواب عن الثانى: أنكم، إن ادعيتم أنه لا فرق بين الجملة الواحدة، وبين الجمل المعطوف بعضها على بعض، كان قياس أحدهما على الآخر قياساً للشيء على نفسه؛ وإن سلمتم الفرق، طالبناكم بالجامع.
وعن الثالث: أنه يمكن رعاية الاختصار؛ بذكر الاستثناء الواحد عقيب الجمل، مع التنبيه على ما يقتضى عوده إلى الكل، وذلك لا يقدح فى الفصاحة.
стр. 1939
وعن الرابع: أن هناك إنما رجع إلى الجملتين؛ لأنه لا بد من اعتبار كلام العاقل، ولما تعذر رجوعه إلى الجملتين، وجب رجوعه إليهما، وهذه الضرورة غير حاصلة فى سائر المواضع.
وأما أدلة الحنفية:
فالجواب عن الأول من وجهين:
أحدهما: أنه ينتقض بالاستثناء بمشيئة الله تعالى وبالشرط؛ فإن ذلك غير مستقل بنفسه، مع أنهما يعودان إلى كل الجمل عندهم.
فإن قلت: الفرق هو أن الشرط، وإن تأخر صورة، فهو متقدم معنى، وإذا كان متقدماً معنى، صار كل ما جاء بعده مشروطاً به.
وأما الاستثناء بالمشيئة: فإنه يقتضى صيرورة الكلام بأسره موقوفاً؛ فلا يختص بالبعض دون البعض.
قلت: لا نسلم أن الشرط يجب أن يكون مقدماً على الكل، بل يجوز أن يكون مقدماً على الجملة الأخيرة، وإن سلمنا ذلك، فلا نسلم أن التقدم يقتضى الرجوع إلى الكل، بل لعله يكون مختصاً بما يليه.
وأما الاستثناء بالمشيئة: فلم لا يجوز ألا يقتضى كون الكل موقوفاً، بل يختص ذلك بالجملة الأخيرة؟
والأصوب للحنفية أن يمنعوا هذين الإلزامين؛ حتى يتم دليلهم.
وثانيها: أنا لا نسلم أن الاستثناء على خلاف الأصل.
قوله: "لأنه يوجب صرف العموم عن ظاهره":
قلنا: لا نسلم؛ لأنا بينا فى مسألة أن العام المخصوص بالاستثناء لا يكون
стр. 1940
مجازاً، وأن لفظ الاستثناء يصير كاللفظ الواحد الدال على ما بقى بعد الاستثناء.
وعلى هذا التقدير؛ لا يكون الاستثناء على خلاف الأصل.
وعن الثانى: أنا لا نسلم أنه لا يجوز أن يجتمع على المعمول الواحد عاملان، ونص سيبويه على أنه لا يجوز ـ معارض بنص الكساءى على أنه لا يجوز.
وقوله: "يجتمع عل الأثر الواحد مؤثران مستقلان":
فجوابه: أن العوامل الإعرابية معرفات لا مؤثرات، واجتماع المعرفين على الواحد غير ممتنع.
وعن الثالث: أن الاستثناء من الاستثناء، لوعاد إليه وإلى المستثنى معاً، لزم الفسادان المذكوران فيما تقدم، وذلك غير حاصل فى الاستثناء من الجمل.
وعن الرابع: أن نقول: ما تريدون بقولكم: إنه لم ينتقل عن إحدى الجملتين إلى غيرها إلا بعد فراغه من الأولى؟
إن عنيتم به: أنه لم ينتقل منها إلى غيرها إلا بعد فراغه من جميع أحكام الأولى، فهذا ممنوع، بل هو أول المسألة؛ لأن عندنا من جملة أحكامها ذلك الاستثناء الذى ذكرتموه فى آخر الجمل، وإن عنيتم شيئاً آخر، فاذكروه لننظر فيه.
وأما أدالة الشريف المرتضى:
فالجواب عن الأول والثانى منها ما تقدم فى باب العموم.
وعن الثالث: أنا لا نسلم التوقف فى الحال والظرفين، بل نخصهما بالجملة الأخيرة؛ على قول أبى حنيفة ﵀ أو بالكل؛ على قول الشافعى ـ رضى الله عنه ـ
стр. 1941
سلمنا التوقف؛ لكن لا على سبيل الاشتراك، بل على سبيل أنا لا ندرى أن الحق، ماهو عند أهل اللغة؟
فإن تمسك على الاشتراك بالاستفهام والاستعمال، كان ذلك منه عوداً إلى الطريقتين الأوليين.
سلمناه؛ فلم قلتم: إنه يجب أن يكون الأمر كذلك فى الاستثناء؟
قوله: "الجامع: هو كون كل واحد من هذه الثلاثة فضلة تأتى بعد تمام الكلام":
قلنا: الاشتراك من بعض الوجوه لا يقتضى التساوى من جميع الوجوه، والله أعلم.
المسألة السابعة
الاستثناء المذكور عقيب الجمل
قال القرافي:
стр. 1942
" سؤال "
لا تستقيم حكاية الخلاف فى هذه المسألة مطلقاً، ولا فى الشرط، ولا فى الصفة؛ لأن الجمل المعطوفة قد تعطف بالحروف الجامعة "الواو" و"الفاء" و"ثم" فيكون هذا موطن الخلاف، وتكون الستة الباقية غير موطن الخلاف؛ حتى لا يستقيم ذلك فيها اتفاقاً؛ لأن المراد بها أحد الشيئين، فكيف يعمهما الاستثناء؟ وينبغى التوقف فى "حتى" من جهة أنها تتمة لغيرها، فتلحق بالتعميم اتفاقاً، ولا يختلف فيها، ويقال: فيها أمران، شملهما الحكم؛ فيجرى الخلاف فيهما.
قوله: "إما أن يكونا من نوع واحد" يريد أمرين، أو نهيين، أو خبرين، بخلاف أن يكون أحدهما أمراً، والآخر خبراً، والمتفقى الاسم: ربيعة، وربيعة، يذكر اللفظ الواحد فى الجملتين، واتحاد الحكم؛ نحو: أكرم ربيعة أكرم ربيعة، فتتفق الجملتان فى الاسم والحكم، أو: أكرم ربيعة، وأكرم مضر اتفقا فى الحكم دون الاسم، و: "أكرم ربيعة، واخلع على مضر" اختلفا فيهما، والجملتان التى لا تعلق لإحداهما نحو ما تقدم، وإضمار حكم إحداهما فى الأخرى؛ كقوله: أكرم ربيعة ومضر، كما قال: "مضر" مفعول بفعل مضمر يدل عليه الأول، تقديره: وأكرم مضر، وهذا يتخرج
стр. 1943
على اختلاف النحاة فى الواو العاطفة، هل نابت مناب العامل، أو هى العامل، أو العامل مضمر معها؟
ثلاثة أقوال لهم: فعلى الثالث؛ يتجه دعوى الإضمار، وأطلقه فى هذه المسألة.
قال المازرى فى "شرح البرهان": مذهب مالك عوده إلى جميع الجمل.
قوله: "أو أضمر اسم إحداهما فى الأخرى؛ كقوله: أكرم ربيعة، واخلع عليهم" يريد أن المجرور فى الثانية يفتقر عوده على الظاهر الذى هو المنصوب الأول، فلإحدى الجملتين بالأخرى ارتباط من هذا الوجه، كما حصل الارتباط من جهة إضمار الحكم؛ فصارت الجملتان كالجملة الواحدة من هذا الوجه.
قوله: "يختص الاستثتاء فى الآية بالجملة الأخيرة":
تقريره: أن الله ـ تعالى ـ قال: (فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) النور: ٣ ـ ٥. فيختص بالآخر، فيكون التائبون لا يقتضى عليهم بأنهم فاسقون، ويقام عليهم الحد، ولا تقبل شهادتهم؛ لكونهم حدوا فى القذف، وإن لم يكونوا فسقة، وهذا فيه خلاف بين العلماء، هل تقبل شهادة المحدود فى غير ما حد فيه؟ وهو مذهب مالك، أو لا تقبل مطلقاً؛ لحديث ورد فى ذلك؛ خلاف، وإن أعدناه على جملة الجمل، لا يقام الحد عليهم، ولا ترد شهادتهم، ولا يقضى بفسقهم، وهذا أيضاً مختلف فيه وهل تسقط التوبة الحد أم لا؟
والصحيح عدم إسقاطها للحد؛ لقوله ﵇ فى الغامدية: "تابت توبة، لو تابها صاحب مكس، لغفر له" مع أنه ﵇ أمر برجمها.
стр. 1944
قوله: "يعود إلى الكل كالشرط":
قلنا: فيه خلاف؛ فيمتنع الحكم فى الأصل، سلمناه، لكن الفرق أن الشروط اللغوية أسباب، وهى موطن المقاصد والمصالح، فيكون أشرف وأنفع؛ فيتناسب عودها على الكل؛ تكثيراً لتلك المصلحة، أما الاستثناء، فلإخراج ما عساه اندرج فى الكلام مم ليس منه، فهو يلغى غير المقصود، ولا يحقق مقصوداً، فضعف عن رتبة الشرط؛ فظهر الفرق.
قوله: "إن الاستثناء يجرى مجرى الشرط؛ لأن قوله تعالى: (إلا الذين تابوا) النور: ٥.
يجرى مجرى قوله تعالى: (وأولئك هم الفاسقون) النور: ٤. إن لم يتوبوا.
قلنا: لا نسلم ن هذا معناه؛ لأن ما ذكرتموه يقتضى أن عدم التوبة: هو سبب الفسوق؛ لأنك إذا قلت: إن أكرمتنى، أكرمتك، وإن آمنت، دخلت الجن، يقتضى أن هذه الشروط أسباب، وكذلك غالب تعاليق اللغة، وهاهنا ليس سبب الفسوق عدم التوبة، بل القذف سبب مستقل فى ثبوت حكم الفسوق؛ فلا يحتاج إلى ضم شيء آخر إليه، ولكن قولنا: "إن لم يتوبوا" إشارة إلى نفى المانع من القضاء بالفاسق، ففيه توسع بالنسبة إلى قواعد الشروط.
قوله: "الاستثناء بمشيئة الله ـ تعالى ـ عائد إلى كل الجمل، فكذلك الاستثناء":
قلنا: فيه خلاف فنمنعه، لكن الفرق أن الاستثناء بالمشيئة جعله الشرع سبباً رافعاً لليمين؛ كقوله ﵇: "من حلف واستثنى، عاد كمن لم يحلف".
стр. 1945
أى: ارتفع عنه الانعقاد الذى ترتب عليه بالحلف موجباً للكفارة، وإذا كان سبباً رافعاً ـ والأسباب مواطن الحكم، والمصالح الشرعية والعادية ـ فيناسب التعميم؛ تكثيراً للمصلحة، بخلاف الاستثناء لما تقدم.
قوله: "المعطوفات كالجملة الواحدة":
قلنا: لا نسلم، ويدل على عدم التسوية وجوه:
أحدها: أنه لا يجوز: رأيت زيداً وعمراً، ويجوز: رأيت العمرين إلا عمراً.
وثانيها: أن المعطوفات لفظ، كل واحد منها يدل عليه مطابقة؛ استقلالاً، وهو سبب منع استثنائه بجملتة، والدلالة فى الجملة الواحدة، إنما هى تضمن، وهذا يناسب ألا يعود فى الأول، ويعود فى الثانى؛ لعدم الاستقلال.
وثالثها. أن الفعل كمل عمله فى الجملة الأولى قبل النطق بالثانية، فهى مستقلة، والثانية لها فعل آخر، فهى مستقلة.
ورابعها: أن الأولى يحسن السكوت عليها؛ بخلاف بعض الجملة الواحدة، وإذا حصل التباين فى هذه اللوازم والأحكام، ظهر الاختلاف، والمختلفات لا يجب اشتراكها فى جميع اللوازم، ولا فى لازم معين، إلا بدليل منفصل؛ بل قاعدة الاختلاف التباين فى اللوازم.
أما التسوية فلا.
قوله: "تعليقه بالجملة الواحدة يكفى فى خروجه عن اللغوية":
تقريره: أن اللغوية ـ هاهنا ـ بفتح اللام من اللغو؛ الذى هو الهذر، لا من اللغة؛ التى هى النطق المخصوص، ومعناه يخرج عن أن يكون لغواً.
стр. 1946
قوله: "إذا اجتمع عاملان، فإذا اجتمع عاملان، فإعمال الأقرب أولى":
تقريره: قام وقعد، فهل زيد مرفوع بالأول، ويضمر فى الثانى؛ قاله الكوفيون، لأن الأول استحق العمل قبل ورود الثانى، أو يرتفع بالثانى؛ لأن أقرب إليه، ويضمر فى الأول، ويكون إضماراً قبل الذكر؛ على خلاف الأصول؛ قاله البصريون.
أو نمنع المسألة؛ قاله بعضهم، وكذلك: أكرمت وأكرمنى زيد، فعلى اعتبار الأول ينصب زيداً؛ لأنه مفعول، وعلى اعتبار الثانى برفعه، وقد نقض البصريون أصلهم بما إذا اجتمع الشرط والقسم؛ أن الجواب للأول دون القريب من الجواب؛ كقوله تعالى: (كلا لئن لم ينته انسفعاً بالناصية) العلق: ١٥. فاللام جواب القسم الذى أشعرت به اللام، ولم يؤت بجواب الشرط، ولهم فروق ومباحث مذكورة فى كتب النحو، لا نطول بذكرها هاهنا، وإنما ذكرت البعض ليتأتى منه السؤال على أبى حنيفة فى ترجيح القرب، وأن البصريين الذين احتج بهم؛ قواعدهم مختلفة، ثم إنهم معارضون بمذهب الكوفيين.
قوله: "أعطى زيد عمراً بكراً":
تقريره: أن المفعول الأول هو الآخر أبداً؛ فهو فى معنى الفاعل.
قوله: "العامل فى الاستثناء الفعل الذى قبله":
قلنا: فيه أقوال للنحاة:
أحدها: أن الفعل الذى قبل "إلا"عدته "إلا" فنصب ما بعدها.
وثانيها: أن "إلا" هى الناصبة؛ لأن معناها أخراج من الكلام كذا، كما نصبوا بـ "إن" وهى حرف؛ لأن معناها أؤكد، ونصبوا الحال بها للتنبيه، وهى حرف؛ لأن معناها أشير وأنبه.
стр. 1947
وثالثها: أن معها فعلاً مضمراً دل عليه الظاهر؛ لأن الأول قد استوفى مفعوله، فلم يبق فيه ما ينصب اسماً آخر، فيضمر غيره، وهذه الأقوال الثلاثة إنما تأتى فى الجملة الفعلية. أما الاسمية، فلا يأتى فيها إلا قولان؛ نحو: القوم قريش إلا زيداً.
قوله: "الاستثناء فى القرآن عاد على كل الجمل، وعلى بعضها، والأصل الحقيقة":
مثال عوده على الكل قوله تعالى: (كيف يهدى الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) آل عمران: ٨٦، ٨٧، ٨٨، ٨٩. هذا فى آل عمران.
وفى المائدة قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) المائدة: ٣.
فقيل: منقطع، لكن "ما ذكيتم" من غير المذكور.
وقيل: متصل يعود على المنخنقة، وما بعدها، أى: ما أدركتم ذكاته من المذكورات، ومثال العائد على جملة واحدة قوله تعالى: (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) هود: ٨١.
قرئ بالنصب والرفع، فعلى النصب هى مستثناة من الجملة الأولى؛
стр. 1948
لأنها موجبة، وعلى الرفع مستثناة من الثانية؛ لأنها منفية، وتكون خرجت معهم، ثم رجعت وهلكت ـ قاله المفسرون.
وقوله تعالى: (إن الله مبتليكم ينهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة ﴿بيده، فشربوا منه إلا قليل منهم﴾) البقرة: ٢٤٩. فهذا يتعين عوده إلى الجملة الأولى دون الثانية؛ لأن مناسبة المعنى تقتضيه.
ومما يلتبس قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً) الفرقان: ٦٨ ـ ٧٠. فيتخيل أنه من الجمل، وإنما هو من لفظ "م ن" وهو مفرد.
قوله: "احتمل ما ذكره فى الحال، والظرفين":
يريد بالظرفين قوله: فى الدار، ويوم الجمعة؛ لأنه اشتهر فى اصطلاح النحاة؛ تسمية المجرور بالظرف، فهما ظرفان.
قوله: "لا يلزم من اشتراك شيئين من بعض الوجوه اشتراكهما فى كل الأحكام":
قلنا: إن ادعيتم نفى اللزوم العقلى، فمسلم، ولكن هذه مباحث لغوية يكفى فيها القياس المفيد للظن؛ بناء على جواز القياس فى اللغات، والقياس يكفى فيه الشبه من بعض الوجوه.
قوله: "إن ادعيتم الفرق، طالبناكم بالجمع":
قلنا: الجامع كون كل واحد من اللفظين لا يستقل بنفسه.
стр. 1949
قوله: "ينتقض بالاستثناء بالمشيئة وبالشرط؛ فإنه يعود إلى الكل عندهم":
قلنا: قد تقدم الفرق، أن الشروط اللغوية أسباب، والأسباب متضمنة للحكم والمصالح، فعادت للكل؛ تكثيراً للمصالح، والحكم بخلاف الاستثناء؛ لإخراج ما عساه دخل فى الكلام، وهو غير مقصود.
قوله: "الشرط، وإن تأخر صورة، فهو متقدم معنى":
قلنا: قد منع الفراء ذلك؛ على ما يحكيه الإمام عنه بعد هذا، واختار الإمام التقديم، مع أنه حكى الخلاف فيه، فيمنع؛ بناء على الخلاف.
قوله: "لفظ الاستثناء مع الأصل يصير كاللفظة الواحدة":
قلنا: قد تقدم أن ذلك مسامحة فى القول، بل يعلم بالضرورة أنهما لفظان متعارضان:
أحدهما: ينفى شيئاً.
والآخر يثبته.
قوله: "واجتماع المعرفات على مدلول واحد غير محال":
تقريره: أن الصنعة معرفة للصانع، وكل ذرة فى العالم، فهى دليل على وجود الله ـ تعالى ـ ووجود صفاته العلا ﴿المتقارب﴾:
وفى كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
ومع ذلك، فأجزاء العالم أعظم من أن نحصيها نحن بالعدد.
وقوله: "نص سيبويه معارض بنص الكسائى؛ لأن القاعدة: من تمسك بشاذ ومشهور، لا يرد عليه الشاذ من تلك القاعدة، وهذه قاعدة قررها
стр. 1950
النظار فى المناظرات فمن قال: "الأمر للوجوب" لا يمنع؛ بناء على القول الآخر، وكذلك الصيغة للعموم ونحو ذلك.
نعم، لو كنا نبحث فى النحو، اتجه ذلك.
قوله: "الاستثناء من الاستثناء، لو عاد إليه، وإلى المستثنى، منه لزم الفسادان المذكوران":
تقريره: أنه يلزم خبر الزيادة بالنقص، والنقص بالزيادة؛ من جهة النفى والإثبات، ويصير الثانى لغواً؛ كما تقدم تقريره فى الاستثناءات إذا تكررت، والفساد الثانى: مساواة القرب للبعد مع القرب يوجب الرجحان.
قوله: "والجواب عن الأول والثانى ما تقدم فى باب العموم":
تقريره: أنه قد تقدم فى "فى باب العموم" أن الاستفهام لا يلزم أن يكون للإجمال؛ بل يكون لفرط التعظيم والإقبال على المعنى، ولفرط الخوف منه، ولتوقع المجاز والإضمار من المتكلم فى كلامه، وأغراض كثيرة؛ تقدمت هناك.
ويريد الثانى: أن الاستثناء، لما ورد فى القرآن بالمعنين، وجب أن يعتقد أنه مجاز فى أحدهما؛ لئلا يلزم الاشتراك، والمجاز أرجح من الاشتراك.
" تنبيه "
قول العلماء فى هذه المسألة بالاشتراك بين عود الاستثناء إلى الكل أو الأخيرة: إنما يكون من باب الاشتراك فى المركبات لا فى المفردات، ويكون هذا مبنيا على وضع العرب المركبات، كما وضعت المفردات، ولا يمكن أن يقال: العود من المفردات.
стр. 1951
" سؤال "
قال النقشوانى: على تقدير تسليم العود على الكل تارة، وعلى البعض أخرى؛ لا يلزم الاشتراك، بل يكون متواطئاً فى الكل، وتكون "إلا"وضعت للإخراج كيف كان، وهذه أنواع المخرج، كما يكون للإخراج تارة فى الحيوان، وتارة فى النبات، وفى الجماد أخرى.
"تنبيه"
الجمل قد يعطف بعضها على البعض بـ "الواو" أو "الفاء" أو "ثم" أو "حتى"، فيأتى فيها خلاف العلماء.
أما بقية الحروف التى هى لأحد الشيئين لا بعينه نحو "أو" و"أم" و"أما" فلا يتأتى ذلك؛ لأن المعتبر واحدة من الجمل فى تلك الجملة فقط؛ فيكون الاستثناء كذلك مختصاً بمورد الحكم، فتأمل ذلك.
وذلك لما فهرس سيف الدين المسألة قال: "الجمل المتعاقبة بالواو" ولم يطلق كما أطلق المصنف، ووافق المصنف فى الإطلاق "البرهان".
"تنبيه"
فى القرآن والسنة، اتفق الناس على أنه عائد على الجملة الأولى، وليس ذلك خلاف الإجماع فى هذه المسألة، بل الخلاف فى هذه المسألة، إنما هو في
стр. 1952
صورة اللفظ، ماذا تقتضى لغة؟ مالم يعارضه معارض، هل يعود على جميع الجمل أو الأخيرة؟
ولم يقل أحد بالأولى، أما إذا جاء معارض، فذلك من غير صورة النزاع، فلا يرد عليها كما ورد الأمر لخمسة عشر جملاً، ولم يقل أحد بأكثرها، لكن ذلك لموجب خارجى عن اللفظ، والنزاع إنما هو فى اللفظ من حيث هو لفظ.
" تنبيه "
زاد سراج الدين فقال على قوله: "لا يلزم من الاشتراك فى عدم الاستقلال الاشتراك فى جميع الأمور": "لقائل أن يقول: "هذا يقدح فى أصل القياس".
وقال على قوله: "يكفى استثناء واحد عقيب الجمل مع التنبيه":
"القائل أن يقول: هذا ظاهر الضعف، بل جوابه المعارضة بمثله"
يعنى: إن أراد عوده على الأخيرة فقط، كيف يصنع؟ لأن التقدير أنه فى اللغة يعود على جميعها، فيتعذر على المتكلم إشعار السامع بمقصوده، ف السامع بمقصوده، فإن قالوا: يأتى بقرينة.
قلنا: وهاهنا أيضاً يأتى بقرينة، فما هو جوابهم جوابنا.
وقال على قوله: "إن الاستثناء إنما امتنع للفسادين المذكورين": "لقائل أن يقول: " إن الاستثناء الثالث لا يلغو العودة على الكل؛ نعم يساويه عوده إلى مايليه فى الإفادة".
قلت: يريد بالاستثناء الثالث قولنا له: "على عشرة إلا خمسة إلا أربعة
стр. 1953
إلا ثلاثة" فالثلاثة هى الاستثناء الثالث، فإن المقر به قبل قوله: "إلا ثلاثة" سبعة، يعود الثلاثة على الكل، يبقى من العشرة ثلاثة، ويثبت من الخمسة ثلاثة؛ لأنها منفية، ويبقى من الأربعة ثلاثة، لأنها مثبتة؛ فيصير المقر به سبعة، فقد نقص الإقرار اثنين، وظهر لعوده على الكل أثر؛ بخلاف إذا عادت الثلاثة على استثناء هو ثلاثة مساوٍ لها فى الإفادة؛ فيستثنى ثلاثة من ثلاثة تليها، فإن ذلك يمتنع، ويتعين عوده على الأول فقط.
فقوله: "يساويه": الضمير فى "يساويه" عائد على اللازم المتضمن للفساد الذى قصده المصنف، وعبارة سراج الدين لم يفصح بها إفصاحاً حسناً، بل إشارة خفية.
وقال التبريزى فى قول الماضى: إذا استثنى واحد من الجملتين، حسن الاستفهام الواحد، إن كان معيناً، لا يتصور أن يكون من الجملتين؛ فيتعين الاستفهام؛ بخلاف إذا استثنى موصوفاً؛ كقوله: إلا الفقيه، ونحو ذلك.
стр. 1954
الباب الثاني
فى التخصيص بالشرط
قال الرازى: وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الشرط الذى يقف عليه المؤثر فى تأثيره، لا فى ذاته، ولا ترد عليه العلة؛ لأنها نفس المؤثر، والشيء لا يقف على نفسه ـ ولا جزء العلة، ولا شرط ذاتها؛ لأن العلة تقف عليه فى ذاتها.
ثم الشرط قد يكون عقليا، وهو معلوم، وقد يكون شرعياً، فهذا هو الشرط الشرعى، وهو كالإحصان، فإنه شرط اقتضاء الزنا، لوجوب الرجم.
المسألة الأولى
قال القرافى: قوله: "الشرط هو الذى يتوقف عليه المؤثر فى تأثيره، لا فى ذاته ش:
قلنا: الشرط قد يكون فى التأثير؛ كالحول فى تأثير النصاب فى وجوب الزكاة، وقد يكون شرطاً فى وجوب ذات عين مؤثرة؛ كالحياة شرط فى وجود أنواع الإدراكات، وليست العلوم مؤثرات، فما ذكرتموه من الحد غير جامع لخروج هذه الأقسام عنه، ثم إنا نتكلم فى الشرط المخصص: هذه الشروط ليست مخصصة؛ بل المخصص هو الشرط المفسر بالتعليق اللغوى الذى هو سبب فى نفسه؛ لا شرط، وقد تقدم أن لفظ الشرط مشترك بين ما أشتهر أنه شرط؛ كالوضوء فى الصلاة، والحول فى الزكاة، وبين نوع من الأسباب، وهو التعاليق اللغوية؛ لأنها أسباب؛ لأنه يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، وهذا هو حقيقة السبب.
стр. 1955
إذا تقرر أن لفظ الشرط مشترك، والمشترك يحتاج كل مسمى من مسمياته بحد يخصه، فنقول هاهنا فى حد الشرط الذى هو قصد المصنف ﵀: تحديده الشرط هو الذى يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته.
فالقيد الأول: احتراز من المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شئ.
والقيد الثانى: احتراز من السبب؛ لأنه يلزم من وجود الوجود.
والقيد الثالث: احتراز من مقارنة وجود الشرط تقدم السبب، أو مقارنته، فليزم الوجود، كما إذا دار الحول بعد تقدم النصاب، لكن ذلك ليس للحول، بل لتقدم السبب، فقلنا: "لذاته" احترازاً من هذا المعارض، والسبب هو الذى يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته.
فالقيد الأول: احتراز من الشرط؛ فإنه لا يلزم من وجوده شئ.
فالقيد الثانى: احتراز من المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شئ.
والقيد الثالث: احتراز من مقارنة وجود السبب قيام المانع، أو عدم الشرط، فلا يلزم الوجود، أو مقارنة عدمه إخلافه بسبب آخر؛ فلا يلزم العدم، لكنه بالنظر إلى ذاته، يلزم الوجود عند الوجود، والعدم عند العدم، فهذه ضوابط الأسباب، والشرط، والموانع؛ على النحو الذى شرع فيه المصنف.
وأما الشرط المفسر بالتعاليق، وهو الذى يحتاج فى التخصيص؛ قوله: "أقتلوا المشركين، إن حاربوا" فهذا سبب من الأسباب، يتناوله ضابط السب، فلا يحتاج إعادة حد له.
" فائدة"
قال سيف الدين: الشرط شرطان: شرط السبب، وشرط الحكم:
стр. 1956
فما كان عدمه مخلاً بحكمة السبب: فهو شرط السبب؛ كالقدرة على التسليم فى البيع.
وما كان عدمه مشتملاً على حكمة مقتضاها نقيض حكمة السبب مع بقاء حكم السبب: فهو شرط الحكم؛ كعدم الطهارة فى الصلاة منع الإتيان بمسمى الصلاة، كما أن المانع مانعان: مانع السبب، ومانع الحكم:
فمانع السبب: كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب نفياً؛ كالدين فى باب الزكاة مع ملك النصاب، ومانع الحكم: كما وصف وجودى حكمته مقتضاها نقيض حكمة السبب؛ كالأبوة فى باب القصاص، مع القتل العمد العدوان، وقد تقدم أول الكتاب فى الكلام على خطاب الوضع بين جزء العلة والشرط، والوصفان اللذان كل واحد منهما علة مستقلة، وبين الذى هو جزء العلة، وفوائد جمة وتفاصيل تتعلق بهذا الموضع، ذكرها هنالك أليق، وقد تقدمت هنالك.
قوله: "الشرط قد يكون عقليا وشرعيا":
قلت: وعاديا؛ كنصب السلم؛ لصعود السطح.
стр. 1957
المسألة الثانية
قال الرازى: صيغة الشرط: "إن" و "إذا" وهما بعد الاشتراك فى كون كل واحد منهما صيغة الشرط ـ يفترقان فى أن "إن" تدخل على المحتمل، لا على المتحقق، و "إذا" تدخل عليهما؛ تقول: "أنت طالق، إذا احمر البسر، وإن دخلت الدار" فالأول محقق، والثانى محتمل، ولا تقول: "أنت طالق، إن احمر البسر" إلا إذا لم يتيقن ذلك.
المسألة الثانية
قال القرافى: قوله: صيغة الشرط "إن" و "إذا":
قلنا: صيغ الشرط كثيرة "مهما" و "كيف" و "ما" و "أينما" و "أنى" و "متى" و "ما" و "أى" والموصولات، والنكرات الموصوفات، إذا كانت الصلة، أو الصفة ظرفاً، أو فعلاً؛ نحو: (الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار) إلى قوله تعالى: (فلهم أجرهم عند ربهم) البقرة: ٢٧٤. والنكرة؛ نحو كل رجل يأتينى أو عندك، فله درهم، وصيغ الشرط أكثر من هذا، فلا نطول بها.
قوله: "إن" تدخل على المحتمل ": و "إذا" تدخل على المحقق والمحتمل":
تقريره: "إن": وضعت لا يعلق بها "إلا" غير المعلوم مما هو مشكوك فيه، فلا نقول: إن زالت الشمس، فأتنى، بل إن جاء زيد، فأتنى وتقول: إذا زالت الشمس، وإذا جاء زيد.
" سؤال "
إذا قلتم: إن "إن" لا يعلق عليهما إلا المحتمل، كيف يرد فى كتاب الله
стр. 1958
تعالى ـ والله تعالى بكل شيء عليم، فكان يلزم ألا يرد تعليق فى كتاب الله ـ تعالى ـ إلا بـ "إذا" ونحوها أما بـ "إن" فلا.
وقد قال الله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة) التوبة: ٨٠. (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) فاطر: ٤. وهو كثير: جوابه: أن القرآن عربى، فكل ما يحسن من العربى استعماله، ورد القرآن به على منوال العرب؛ ليكون القرآن عربيا، فكل ما لو كان العربى هو المعلق فيه بـ "إن" يأتى فى القرآن بـ "إن" وكل ما لو كان المعلق عربيا لا يأتى فيه بـ "إن" لا يأتى فى القرآن تحقيقاً لكونه عربيا، ولا يأخذ وصف الربوبية فى كونه قرآناً عربياً، بل منوال العرب فقط، وهذه قاعدة حسنة يحتاج إليها فى عدة مواطن من كتاب الله ـ تعالى ـ فاضبطها، تنتفع بها. ونظير "إن" فى أنها لا يعلق بها إلا غير المعلوم "متى" ولا يسأل بها إلا عند زمان مبهم؛ فلا تقول: متى تطلع الشمس، وكذلك لا يعلق عليها معلوم، فلا تقول: متى زالت الشمس، فأتنى، وبقية صيغ الشرط لا تكاد تدخل إلا على غير المعلوم.
" قاعدة"
عشر حقائق لا تتعلق إلا بالمستقبل من الزمان: الشرط، وجزاؤه، والأمر، والنهى، والدعاء، والوعد، والوعيد، والترجى، والتمنى، والإباحة.
فإذا قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق، لا يريد دخلة مضت، ولا طلاقاً تقدم، بل الجميع مستقبل، وكذلك بقية العشرة، وفى هذه القاعدة فوائد كثيرة بمعرفتها إشكالات كثيرة، ويتخرج بها مسائل كثيرة فقهية.
стр. 1959
" فائدة "
"إذا": قد تعرى عن الشرط؛ كقوله تعالى: (والليل إذا يغشى) الليل: ١.
إى: أقسم بالليل زمان غشياته أو فى حالة غشيانه؛ فلا شرط فيها، بل ظرف محض.
وكذلك قوله تعالى: (والضحى والليل إذا سجى) الضحى: ١ ـ ٢.
وهو كثير، مع أن الأكثر أنها متضمنة الشرط، وأصلها الظرفية، وإنما الشرط وارد عليها، وأصل الشروط كلها إنما هى "إن" وغيرها متضمن لمعناها.
стр. 1960
المسألة الثالثة
فى أن المشروط، متى يحصل؟
قال الرازى: وذلك يستدعى مقدمة، وهى أن الشرط على أقسام ثلاثة:
أحدها: الذى يستحيل أن يدخل فى الوجود إلا دفعة واحدة بتمامه، سواء كان ذلك؛ لأنه فى نفسه واحد لا تركيب فيه، أو إن كان مركباً، لكن يستحيل أن يدخل شيء من أجزائه فى الوجود إلا مع الآخر.
وثانيها: ما يستحيل أن يدخل بجميع أجزائه فى الوجود؛ كالكلام، والحركة، فإن المتكلم بلفظة، يكون حينما وجد الحرف الأول منها، لا يكون الثانى حاصلاً، وحين حصل الثانى، صار الأول فانياً.
وثالثها: ما يصح أن يدخل فى الوجود، تارة بمجموعه، وتارة بتعاقب أجزائه. ثم نقول: على هذه التقديرات الثلاثة: فالشرط إما عدمها، وإما وجودها:
فإن كان الشرط عدمها: حصل الحكم فى الأقسام الثلاثة فى أول زمان عدمها. وإن كان الشرط وجودها: فنقول: أما فى القسم الأول: فالحكم يحصل مقارناً لأول زمان وجود الشرط.
وأما فى القسم الثانى: فإنه يحصل عند حصول آخر جزء من أجزاء الشرط فى الوجود؛ لأنه ليس لذلك المجموع وجود فى التحقيق، بل أهل العرف يحكمون عليه بالوجود؛ وإنما يحكمون عليه بذلك عند دخول آخر جزء من
стр. 1961
أجزائه فى الوجود؛ والحكم كان معلقاً على وجوده؛ فوجب أن يحصل الحكم فى ذلك الوقت.
وأما فى القسم الثالث فنقول: وجوده إنما يتحقق عند دخول جميع أجزائه فى الوجود دفعة واحدة؛ لكنا فى القسم الثانى عدلنا عن هذه الحقيقة؛ للضرورة، وهى مفقودة فى هذا القسم؛ فوجب اعتبار الحقيقة حتى إنه، إن حصل مجموع أجزائها دفعة واحدة، ترتب الجزاء عليه، وإلا فلا.
هذا مقتضى البحث الأصولى، اللهم إلا إذا قام دليل شرعى على العدول عنه.
المسألة الثالثة
فى أن المشروط، متى يحصل؟
قال القرافى: قوله: "من الشرط ما لا يدخل إلا دفعة، كان بسيطاً أو مركباً، لكن لا تدخل بعض أجزائه، إلا مع البعض الآخر".:
مثال الأول: النية؛ فإنه عرض فرد من أفراد المقصود، والعرض الفرد لا يوجد إلا فى زمان فرد.
وحيث قال الفقهاء: من شرط النية أن تنبسط على تكبيرة الإحرام.
معناها: أنه يجب أن يوالى إفراد النية، وأمثالها إلى حين الفراغ من التكبيرة؛ لأن العرض الفرد يتمادى حتى يفرغ ﴿من﴾ التكبير، فإن ذلك محال؛ لأن التكبير عدة أصوات وحروف، يحتاج عدداً من الأزمنة، والعرض الفرد يستحيل وقوعه بعينه فى عدة أزمنة.
ومثال الثانى: المتضايقان، إذا جعلتا شرطاً؛ كمجموع الأبوة والبنوة، فإن هذين المعنيين لا يمكن أن يتقدم أحدهما الآخر، بل هما معاً فى الوجود، والمتناقضان اللتان بين النقيضين، فإن هذا نقيض وذاك أيضاً حصل مثل
стр. 1962
هذه المناقضة، فهو نقيض هذا، وكذلك المتضادات والمتماثلات، وجميع المتضايفات التى لا يمكن أن تقع إلا معاً فى زمن واحد، فإذا جعل مجموعها شرطاً لشيء اتجه فيها ذلك.
ومثال الثالث: المصادر السيالة، كالكلام المؤلف من الحروف، والمجموع المركب من الأصوات، ومن هذا الباب إفراد الزمان وأيامه؛ ليستحيل حصولها معاً، ويستحيل أن يحصل يوم مع يوم آخر، أو ساعة مع ساعة، وكذلك أفراد الألوان كأفراد الاجتماع والافتراق، وأفراد الحركة والسكون لا يمكن أن يوجد من هذه فردان معاً، بل جميع هذه الأمور مترتبة بذاتها، فمتى علق على مجموع منها، استحال وجوده معاً.
ومثال الرابع: القائل الأمرين؛ كقول القائل: إن وضعت فى يدى عشرة دنانير، فأنت حر، فله وضعها جملة، وله وضعها مفرقة ديناراً بعد دينار.
قوله: "إن كان الشرط عدمها، حصل المشروط فى أول أزمنة عدمها":
تقريره: إذا قال القائل: إن لم ينو، أو لم يقرأ البقرة، أو إن لم يعط عشرة دنانير، فمضى زمن فرد، ولم يحصل شيء من ذلك، صدق الشرط، هذا إن فهم من التعليق مطلق العدم، كيف كانت، وإلا فقد يصدق.
وهو كثير فى الأيمان؛ لعدم الشامل للعمر؛ كقول القائل: إن لم أعتكف عشرة أيام، فعلى صدقة دينار، فإن ذلك لا يتعين له الزمن الحاضر، ولا يلزمه الصدقة بمجرد مضى زمن فرد لم يعتكف فيه، أو مضى زمن يسع الاعتكاف المذكور، وفتاوى الفقهاء على مثل هذا، وبالجملة: ذلك يتبع النيات والمقاصد، وما دلت عليه العوائد.
قوله: "وإن كان الشرط وجودها، ففى القسم الأول يحصل الوجود مقارناً لأول أزمنة حصول الشرط":
стр. 1963
قلنا: هذه المسألة مختلف فيها، هل المشروط يحصل مع الشرط أو بعده؟
وجه الأول: أن غاية الشرط أن يكون كالعلة العقلية، والعلة العقلية تحصل معها معاً فى الزمان، وإن كانت متقدمة عليه بالذات، ففى الزمان الذى قام بك العلم فيه بعينه، حصلت لك العالمية، وإن كان العلم قبل العالمية بالذات لا بالزمان.
ووجه الثانى: أنه لو حصل معه، لم يكن أحدهما مترتباً على الآخر فأولى من العلتين، فيجب أن يوجد الشرط فى زمان يترتب عليه المشروط فى الزمان الثانى، وعليه يتخرج: إن بعتك، فأنت حر، وإن قلنا بعده: فلا يعتق عليه؛ لأن بعد البيع يصير فى ملك المشترى.
قوله: "وفى الثانى يحصل عند آخر أزمنة أجزائه":
تقريره: إذا قال: إن قرأت البقرة، فأنت حر، فإن أهل العرف لا يعدونه قارئاً للبقرة، إلا إذا فرغ منها، وإن مجموعها يستحيل أن يوجد معاً؛ لكونها أصواتاً سيالة، بل الموجود منها دائماً إنما هو حرف واحد ليس إلا فقد اعتبرنا الوجود العرفى.
قوله: "وفى الثالث يحصل عند حصول جميع أجزائه فى الوجود دفعة":
تقريره: أنه إذا فهم من التعليق وجود المجموع بالهيئة الصورية، كان كما قال، وقد يفهم الوجود، كيف كان، مجتمعاً أو مفترقاً، فإذا قال: إذا أعطيتنى عشرة دنانير، فأنت حر، لا يفرق أهل العرف بين إعطائها جملة أو مفرقة، لا سيما إذا لم تفترق الأزمنة يسيرة، ولا تفوت مصلحة على أحد، فعلى هذا يحصل عند أجزائها، ولا يشترط اجتماعها دفعة، وهذا كله يتبع الألفاظ اللغوية كيف صدرت، والعوائد كيف قضت وخصصت.
стр. 1964
" تنبيه"
ترك التبريزي هذه المسألة، وغير تاج الدين "والمنتخب" العبارة فيها ، ووافق سراج الدين العبارة، فقال تاج الدين فى القسم الثانى: إن كان عدمه شرطاً، فعند فناء كل أجزائه، وإن كان وجوده شرطاً، فعند وجود الجزء الأخير*.
وقال فى الثالث: "إن كان الشرط عدمه، فعند فناء كل أجزائه" وهذه العبارة تشعر بالعدم اللاحق دون العدم السابق، وعبارة "المحصول" تقتضى الاكتفاء بالعدم السابق، أو بمطلق العدم كيف كان، ولا يشرط الوجود، وبينهما فرق.
قال "المنتخب" فى القسم الثانى: يحصل المشروط عند آخر زمان وجوده، وآخر زمان وجوده لا نهاية له، أو نقول: لا وجود له ألبتة؛ حتى يكون لأزمنة وجوده أجزاء، ففرق بين وجود أجزائه، وبين آخر أزمنة وجوده، والأولى عبارة "المحصول" فهى مستقيمة؛ بخلاف الثانى.
стр. 1965
المسألة الرابعة
الشرطان، إذا دخلا على جزاء:
قال الرازى: فإن كانا شرطين على الجمع، لم يحصل المشروط إلا عند حصولهما معاً، وهو كقوله: "إن دخلت الدار، وكلمت زيداً، فأنت طالق".
ولو رتب عليهما جزاءين، كان كل واحد من الشرطين معتبراً فى كل واحد من الجزاءين، لا على التوزيع؛ بل على سبيل الجمع.
وإن كان على سبيل البدل، كان كل واحد منهما وحده كافياً فى الحكم؛ كقولك: "إن دخلت الدار، أو كلمت زيداً".
المسألة الرابعة
قال القرافى قوله: "الشرطان، إذا دخلا على جزء واحد":
قلت: بقى فى هذه المسألة قسم لم يذكره، فإنه ذكر أن الشرطين يكونان على الجمع؛ نحو: إن دخلت الدار، وكلمت زيداً، وبقى عليه قسم آخر، وهو قول القائل: إن دخلت الدار، إن كلمت زيداً، فأنت حرة، ولم يأت بشيء من حروف العطف.
قال الفضلاء: هذه المسألة صعبة التصور على أذهان الضعفاء.
فإنها إن دخلت الدار، ففى تحقق الفرق سر المسألة؛ فإنه لما قال: "إن دخلت الدار" جعل دخول الدار شرطاً، وسبباً لطلاق امرأته، ثم إنه جعل هذا الشرط شرطاً فى اعتباره، وهو كلام زيد، ولذلك يسمون الثانى شرطا؛
следующие страницы →