Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
أجزائه فى الوجود؛ والحكم كان معلقاً على وجوده؛ فوجب أن يحصل الحكم فى ذلك الوقت.
وأما فى القسم الثالث فنقول: وجوده إنما يتحقق عند دخول جميع أجزائه فى الوجود دفعة واحدة؛ لكنا فى القسم الثانى عدلنا عن هذه الحقيقة؛ للضرورة، وهى مفقودة فى هذا القسم؛ فوجب اعتبار الحقيقة حتى إنه، إن حصل مجموع أجزائها دفعة واحدة، ترتب الجزاء عليه، وإلا فلا.
هذا مقتضى البحث الأصولى، اللهم إلا إذا قام دليل شرعى على العدول عنه.
المسألة الثالثة
فى أن المشروط، متى يحصل؟
قال القرافى: قوله: "من الشرط ما لا يدخل إلا دفعة، كان بسيطاً أو مركباً، لكن لا تدخل بعض أجزائه، إلا مع البعض الآخر".:
مثال الأول: النية؛ فإنه عرض فرد من أفراد المقصود، والعرض الفرد لا يوجد إلا فى زمان فرد.
وحيث قال الفقهاء: من شرط النية أن تنبسط على تكبيرة الإحرام.
معناها: أنه يجب أن يوالى إفراد النية، وأمثالها إلى حين الفراغ من التكبيرة؛ لأن العرض الفرد يتمادى حتى يفرغ ﴿من﴾ التكبير، فإن ذلك محال؛ لأن التكبير عدة أصوات وحروف، يحتاج عدداً من الأزمنة، والعرض الفرد يستحيل وقوعه بعينه فى عدة أزمنة.
ومثال الثانى: المتضايقان، إذا جعلتا شرطاً؛ كمجموع الأبوة والبنوة، فإن هذين المعنيين لا يمكن أن يتقدم أحدهما الآخر، بل هما معاً فى الوجود، والمتناقضان اللتان بين النقيضين، فإن هذا نقيض وذاك أيضاً حصل مثل
стр. 1962
هذه المناقضة، فهو نقيض هذا، وكذلك المتضادات والمتماثلات، وجميع المتضايفات التى لا يمكن أن تقع إلا معاً فى زمن واحد، فإذا جعل مجموعها شرطاً لشيء اتجه فيها ذلك.
ومثال الثالث: المصادر السيالة، كالكلام المؤلف من الحروف، والمجموع المركب من الأصوات، ومن هذا الباب إفراد الزمان وأيامه؛ ليستحيل حصولها معاً، ويستحيل أن يحصل يوم مع يوم آخر، أو ساعة مع ساعة، وكذلك أفراد الألوان كأفراد الاجتماع والافتراق، وأفراد الحركة والسكون لا يمكن أن يوجد من هذه فردان معاً، بل جميع هذه الأمور مترتبة بذاتها، فمتى علق على مجموع منها، استحال وجوده معاً.
ومثال الرابع: القائل الأمرين؛ كقول القائل: إن وضعت فى يدى عشرة دنانير، فأنت حر، فله وضعها جملة، وله وضعها مفرقة ديناراً بعد دينار.
قوله: "إن كان الشرط عدمها، حصل المشروط فى أول أزمنة عدمها":
تقريره: إذا قال القائل: إن لم ينو، أو لم يقرأ البقرة، أو إن لم يعط عشرة دنانير، فمضى زمن فرد، ولم يحصل شيء من ذلك، صدق الشرط، هذا إن فهم من التعليق مطلق العدم، كيف كانت، وإلا فقد يصدق.
وهو كثير فى الأيمان؛ لعدم الشامل للعمر؛ كقول القائل: إن لم أعتكف عشرة أيام، فعلى صدقة دينار، فإن ذلك لا يتعين له الزمن الحاضر، ولا يلزمه الصدقة بمجرد مضى زمن فرد لم يعتكف فيه، أو مضى زمن يسع الاعتكاف المذكور، وفتاوى الفقهاء على مثل هذا، وبالجملة: ذلك يتبع النيات والمقاصد، وما دلت عليه العوائد.
قوله: "وإن كان الشرط وجودها، ففى القسم الأول يحصل الوجود مقارناً لأول أزمنة حصول الشرط":
стр. 1963
قلنا: هذه المسألة مختلف فيها، هل المشروط يحصل مع الشرط أو بعده؟
وجه الأول: أن غاية الشرط أن يكون كالعلة العقلية، والعلة العقلية تحصل معها معاً فى الزمان، وإن كانت متقدمة عليه بالذات، ففى الزمان الذى قام بك العلم فيه بعينه، حصلت لك العالمية، وإن كان العلم قبل العالمية بالذات لا بالزمان.
ووجه الثانى: أنه لو حصل معه، لم يكن أحدهما مترتباً على الآخر فأولى من العلتين، فيجب أن يوجد الشرط فى زمان يترتب عليه المشروط فى الزمان الثانى، وعليه يتخرج: إن بعتك، فأنت حر، وإن قلنا بعده: فلا يعتق عليه؛ لأن بعد البيع يصير فى ملك المشترى.
قوله: "وفى الثانى يحصل عند آخر أزمنة أجزائه":
تقريره: إذا قال: إن قرأت البقرة، فأنت حر، فإن أهل العرف لا يعدونه قارئاً للبقرة، إلا إذا فرغ منها، وإن مجموعها يستحيل أن يوجد معاً؛ لكونها أصواتاً سيالة، بل الموجود منها دائماً إنما هو حرف واحد ليس إلا فقد اعتبرنا الوجود العرفى.
قوله: "وفى الثالث يحصل عند حصول جميع أجزائه فى الوجود دفعة":
تقريره: أنه إذا فهم من التعليق وجود المجموع بالهيئة الصورية، كان كما قال، وقد يفهم الوجود، كيف كان، مجتمعاً أو مفترقاً، فإذا قال: إذا أعطيتنى عشرة دنانير، فأنت حر، لا يفرق أهل العرف بين إعطائها جملة أو مفرقة، لا سيما إذا لم تفترق الأزمنة يسيرة، ولا تفوت مصلحة على أحد، فعلى هذا يحصل عند أجزائها، ولا يشترط اجتماعها دفعة، وهذا كله يتبع الألفاظ اللغوية كيف صدرت، والعوائد كيف قضت وخصصت.
стр. 1964
" تنبيه"
ترك التبريزي هذه المسألة، وغير تاج الدين "والمنتخب" العبارة فيها ، ووافق سراج الدين العبارة، فقال تاج الدين فى القسم الثانى: إن كان عدمه شرطاً، فعند فناء كل أجزائه، وإن كان وجوده شرطاً، فعند وجود الجزء الأخير*.
وقال فى الثالث: "إن كان الشرط عدمه، فعند فناء كل أجزائه" وهذه العبارة تشعر بالعدم اللاحق دون العدم السابق، وعبارة "المحصول" تقتضى الاكتفاء بالعدم السابق، أو بمطلق العدم كيف كان، ولا يشرط الوجود، وبينهما فرق.
قال "المنتخب" فى القسم الثانى: يحصل المشروط عند آخر زمان وجوده، وآخر زمان وجوده لا نهاية له، أو نقول: لا وجود له ألبتة؛ حتى يكون لأزمنة وجوده أجزاء، ففرق بين وجود أجزائه، وبين آخر أزمنة وجوده، والأولى عبارة "المحصول" فهى مستقيمة؛ بخلاف الثانى.
стр. 1965
المسألة الرابعة
الشرطان، إذا دخلا على جزاء:
قال الرازى: فإن كانا شرطين على الجمع، لم يحصل المشروط إلا عند حصولهما معاً، وهو كقوله: "إن دخلت الدار، وكلمت زيداً، فأنت طالق".
ولو رتب عليهما جزاءين، كان كل واحد من الشرطين معتبراً فى كل واحد من الجزاءين، لا على التوزيع؛ بل على سبيل الجمع.
وإن كان على سبيل البدل، كان كل واحد منهما وحده كافياً فى الحكم؛ كقولك: "إن دخلت الدار، أو كلمت زيداً".
المسألة الرابعة
قال القرافى قوله: "الشرطان، إذا دخلا على جزء واحد":
قلت: بقى فى هذه المسألة قسم لم يذكره، فإنه ذكر أن الشرطين يكونان على الجمع؛ نحو: إن دخلت الدار، وكلمت زيداً، وبقى عليه قسم آخر، وهو قول القائل: إن دخلت الدار، إن كلمت زيداً، فأنت حرة، ولم يأت بشيء من حروف العطف.
قال الفضلاء: هذه المسألة صعبة التصور على أذهان الضعفاء.
فإنها إن دخلت الدار، ففى تحقق الفرق سر المسألة؛ فإنه لما قال: "إن دخلت الدار" جعل دخول الدار شرطاً، وسبباً لطلاق امرأته، ثم إنه جعل هذا الشرط شرطاً فى اعتباره، وهو كلام زيد، ولذلك يسمون الثانى شرطا؛
стр. 1966
فيكون كلام زيد سبباً وشرطاً فى اعتبار الدخول، واعتبار الدخول سبباً لطلاق امراته.
والقاعدة: أن الشئ، إذا وجد قبل سببه، كان ساقط الاعتبار؛ كوقوع الصلاة قبل الزوال، فإذا وقع دخول الدار قبل كلام زيد، لا يكون معتبراً، بل وجوده وعدمه سواء، فإذا كلمت زيداً بعد ذلك، لا يلزمه طلاق؛ لأنه لم يوجد سببه الذى هو دخول الدار فيعتبر، فإذا كلمت زيداً أولاً، ثم دخلت الدار بعد سبب اعتبار يعتبر؛ كوقوع الصلاة بعد الزوال، فيلزمه الطلاق أو العتق، أى شيء علقه عليه، فهذا هو الفرق، وللمسألة ضابط، وهو أن المؤخر فى اللفظ يجب أن يكون متقدماً فى الوقوع، وحينئذ يلزم المشروط، ومتى وقع المتأخر متأخراً، والمتقدم متقدماً لم يترتب المشروط، فهذا ضابطها وسرها، والفرق بين حالتيها، وهى من المسائل التى يطرحها الفضلاء بعضهم على بعض.
стр. 1967
المسألة الخامسة
الشرط الواحد، إذا دخل على مشرطين
قال الرازى: فإما أن يدخل عليهما؛ على سبيل الجمع، أو على سبيل البدل:
فالأول: كقولك: "إن زنيت، جلدتك، ونفيتك" ومقتضاه: حصولهما معاً.
والثانى: كقولك: "إن زنيت، جلدتك، أو نفيتك" ومقتضاه: أحدهما، مع أن التعيين فيه إلى القائل، والله أعلم.
المسألة الخامسة
الشرط الواحد، إذا دخل على مشروطين
قال القرافى: قوله: إن جعل الشرط لجزاءين، حصلا معاً
تقريره: أن التعاليق اللغوية أسباب، السبب الذى له مسببان، إذا حصل، حصلا معاً، فكذلك يحصل المشروطان معاً، بمعنى أنه يقتضى بهما، كما يقتضى بوجوب الجلد والنفى عند تحقق الزنا، وقد يقعان، وقد لا يقعان، ويكون الترتيب بينهما وبين السبب، فيكونان فى زمانه، أو يليان زمانه، ومتأخرين عنه بالذات قولاً واحداً، وإنما الخلاف فى الترتيب الزمانى، وهما فى أنفسهما لا يكون بينهما ترتيب لا بالذات، ولا بالزمان، فاعلم ذلك، بل هما معاً ذاتاً وزماناً.
قوله: "إن رتب أحدهما على البدل؛ التعيين فى ذلك للقائل":
تقريره: أنه جعل مفهوم أحدهما هو المسبب عن ذلك الشرط، فيصيران مثل خصال الكفارة؛ رتب الشرع أحدهما على الحنث، فكما أن للمكلف التعيين، للقائل هاهنا التعيين.
стр. 1968
فرع
قال سيف الدين*: هذه المسألة استوعبت* أقسامها، فقال: "الشرط والمشروط: إما أن يتحدا، أو يتعددا، أو يتعدد أحدهما: وما تعدد منهما: فإما على الجمع أو على البدل، فهذه تسعة* أقسام:
فإذا قال: "إن جاء زيد، وسلم عليك، فأعطه ديناراً، ودرهماً".
فإذا فعلهما، أعطيته إياهما، وإن اختل أحدهما، لم تعطه شيئاً.
وإن قال: "إن جاء، وسلم عليك، فأعطه ديناراً أو درهماً" فإذا فعلها، أعطيته أحدهما، وإن اختل أحدهما، لم تعطه شيئاً.
وإن قال: "إن جاء، أو سلم عليك، فأعطه ديناراً، ودرهماً" ففعل أحدهما، استحقهما.
وإن قال: إن جاء، وسلم عليك، فأعطه ديناراً أو درهماً" ففعلهما، استحق أحدهما، وإن اختل أحدهما، لم يستحق شيئاً.
وإن قال: "إن جاء، أو سلم عليك، فأعطه ديناراً، أو درهماً" ففعل أحدهما، استحق أحدهما.
وإن قال: "إن جاء، وسلم عليك، فأعطه ديناراً" فاختل أحدهما، لم يستحق شيئاً.
وإن قال: "إن جاء، أو سلم عليك، فأعطه، ديناراً" ففعل أحدهما، استحق.
стр. 1969
وإن قال: "إن جاء، فأعطه ديناراً ودرهماً" استحقهما بالمجئ، وإن اختل لم يستحق شيئاً.
وإن قال: "إن جاء، أو سلم عليك، فأعطه ديناراً" ففعل أحدهما، استحق، وهذه الأقسام فى "المعتمد" لأبى الجسن*.
فرع
فلو قال: "فأنت طالق، أو أنت حرة" ففيه الخلاف الذى بين العلماء، وظاهر مذهب مالك: يطلقان معاً، كما إذا قال: إحداكما طالق، وقد تقدم تقريره فى "الواجب المخير" وكذلك: "أنت حر أو أنت ... " يجرى الخلاف فيه الخلاف.
стр. 1970
المسألة السادسة
قال الرازى: اختلفوا فى أن الشرط الداخل على الجمل، هل يرجع حكمه إليهما بالكلية؟ فاتفق الإمامان الشافعى، وأبو حنيفة ـ رحمة اله عليهما ـ على رجوعه إلى الكل، وذهب بعض الأدباء إلى أنه يختص بالجملة التى تليه، حتى إنه، إن كان متأخراً، اختص بالجملة الأخيرة، وإن كان متقدماً، اختص بالجملة الأولى.
والمختار: التوقف؛ كما فى مسألة الاستثناء.
المسألة السادسة
الشرط الداخل على الجمل
قال القرافى: قوله: "اتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعى؛ على أنه يعم الجمل، وسوى بعض الأدباء بينه وبين الأستثناء":
قلت: والفرق قد تقدم أن الشروط اللغوية أسباب متضمنة للحكم والمقاصد؛ لأن ذلك شأن الأسباب؛ فيتعين عموم تعلقه بجميع الجمل؛ تكثيراً لتلك المصلحة؛ بخلاف الاستثناء إنما هو إخراج لما هو غير مراد، ولعله، لو بقى لم يخل بحكمه المذكور المراد، فأمر الاستثناء ضعيف، وهو يعكر على اللفظ بالتخصيص، فيختص بالأخير؛ تقليلاً لمفسدة التخصيص.
стр. 1971
المسألة السابعة
قال الرازى: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام؛ ودليله ما مر فى الاستثناء، واتفقوا على أنه يحسن التقييد بشرط أن يكون الخارج أكثر من الباقى، وإن اختلفوا فيه فى الاستثناء.
قال القرافى: قوله: "اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام":
تقريره: أنه سب متضمن للحكمة؛ كما تقدم، فيكون متعلق الاهتمام به والعناية، فلا يتأخر النطق ﴿به﴾ فى الزمان، فيعجل بالتنبيه عليه؛ لنفاسته، بخلاف الاستثناء؛ لضعفه: يجوز تأخير التنبيه عليه، هذا إن فسرنا الاستثناء بالإخراج بـ "إلا" ونحوها، وإن فسرنا بال؛ كما هو المروى عن ابن عباس رضى الله عنهما ـ فالفرق ـ وإن كان كل واحد منهما تعليقاً وسبباً متضمناً للحكمة؛ كما تقدم ـ أن الاستثناء بمشيئة الله ـ تعالى ـ رافع لما تقدم، ومعارض له، ومضاد، وهذه الأمور على خلاف الأصل، والشرط اللاحق للجمل لم تتعين معارضته لها، ولا لأسبابها، بل غايته أنه قد لا يوجد فى بعضها، أو بعض أفرادها، فينتفى الحكم من ذلك الفرد لعدم الشرط، مع اقتضاء اللفظ ثبوته فيه، فيحصل التعارض، غير أن ذلك لم يتعين عند التعليق، بل جاز حصول الشرط فى جميعها، فلا ينتفى الحكم فى شيء منها، ويكون الشرط زائداً فى المصالح، لا معارضاً لشيء منها؛ بخلاف المشيئة المعارضة، والمنافاة حاصلة قطعاً عند التعليق، وما يتعين فيه ذلك، فضعف عن رتبة الشرط العام، فلم تتوفر العناية على تعجيل النطق به عند ذكر الحكم، على رأى من يرى ذلك.
стр. 1972
قوله: "واتفقوا على حسن التقييد به، إن كان الخارج أكثر من الباقى":
تقريره: أن الاستثناء، إذا خرج به أكثر مما نطق به؛ نحو: "له عندى عشرة إلا تسعة" عند أهل العرف: المتكلم مقدم على النطق بما لا يحتاجه لغير ضرورة، وأنه أقر ثم أنكر، وأنه ناقض لفظه، واستعمل ما لا فائدة فيه، وهو النطق بذكر التسعة، وهو أيضاً يعلم ذلك؛ وأنه مقدم عليه فيعاب ذلك عليه، على رأى القاضى وغيره، وأما الشرط فلم يتعين فيه شيء من ذلك، فإذا قال: "أكرم قريشاً" فهذا يقتضى إكرام جميعهم، فإذا قال: "إن أطاعوا الله" يحتمل أنهم كلهم يطيعون الله، فلا ينخرم من الكلام الأول شئ، ويحتمل ألا يطيع أحد منهم، فلا يبقى من الكلام الأول شئ، ويحتمل البعض والبعض، لكن عند النطق لم يتعين الإبطال فى فرد منهم؛ فلم يكن ذلك قبيحاً، ولا عده أهل العرف مستعملاً الهذر من الكلام، ولا قاصداً لما لا يفيده، ولا ناطقاً بما لا يحتاجه لعدم تعين الإبطال؛ فلذلك حسن الشرط، وإن بطل أكثر الكلام، بل كله بخلاف الاستثناء.
стр. 1973
المسألة الثامنة
قال الرازى: لا نزاع فى جواز تقديم الشرط وتأخيره، إنما النزاع فى الأولى، ويشبه أن يكون الأولى هو التقديم؛ خلافاً للفراء.
لنا: أن الشرط متقدم فى الرتبة على الجزاء؛ لأنه شرط تأثير المؤثر فيه، وما يستحق التقديم طبعاً، يستحق التقديم وضعاً، والله أعلم.
المسألة الثامنة
يجوز تقديم الشرط وتأخيره فى اللفظ
قال القرافى: اختار الإمام التقديم، وعلل بأنه شرط تأثر المؤثر فى الجزاء، على قاعدته فى تفسير الشرط بما يتوقف عليه تأثير المؤثر.
وتقريره: أن الشيء متأخر عن المؤثر بالذات، وعن جزء مؤثره، وشرط مؤثره، فإذا كان هذا طبيعته فى ذاته، وجب أن يكون ذلك وضعه فى صيغته، والفراء يرى أن الشرط لا يستقل بنفسه، فأشبه الفضلات فى الكلام؛ كالاستثناء، والغاية، والصفة، وقد وافقوه فى هذه المواطن، غير أن الفرق بينهما: أن الشرط سبب متضمن للحكمة، والمصالح بخلافها؛ ولأن النحاة اتفقوا ـ فيما علمت ـ على أن الشرط له صدر الكلام، وإن تأخر فى الرتبة، وأن جوابه لا يتقدم عليه.
وأنا إذا قلنا: "أنت حر، إن دخلت الدار" فقولنا: "أنت حر" سد مسد الجواب عندهم، وليس بجواب حقيقى، بل وضع الجواب أن يكون متأخراً، بل بالغوا فى ذلك، فقالوا فى المفعول، إذا تقدم: مفعول مقدم، ولم يقولوا فى جواب الشرط: جواب مقدم، وإن كان كلاهما على خلاف
стр. 1974
الأصل، قالوا: سد مسد الجواب، ولم يقولوا: جواب مقدم، فقد سامحوا فى المفعول مالم يسامحوا فى جواب الشرط، وذلك يدل على أن الشرط يقتضى هذه الرتبة اقتضاء قويا، أشد من اقتضاء تأخير المفعول عن الفاعل، وعن الفعل، وهذا كله يؤكد بحث الإمام.
стр. 1975
الباب الثالث
فى تخصيص العام بالغاية والصفة، وفيه فصلان:
الفصل الأول: فى تقييد العام بالغاية، وفيه أبحاث:
قال الرازى: البحث الأول: أن غاية الشئ: نهايته، وطرفه، ومقطعه.
الثانى: ألفاظها وهى: "حتى" و "إلى" كقوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) البقرة: ٢٢٢. وقوله: (وأيديكم إلى المرافق) المائدة: ٦.
الثالث: التقييد بالغاية يقتضى أن يكون الحكم فيما وراء الغاية؛ بخلاف الحكم فيما قبلها؛ لن الحكم، لو بقى فيما وراء الغاية، لم يكن العام منقطعاً؛ فلم تكن الغاية.
والأولى، أن يقال: الغاية: إما أن تكون منفصلة عن ذى الغاية بمفصل معلوم؛ كما فى قوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة: ١٧٨. أو لا تكون كذلك؛ كقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) فإن المرفق غير منفصل عن اليد، بمفصل محسوس.
أما القسم الأول: فيجب أن يكون حكم ما بعد الغاية بخلاف حكم ما قبله؛ لأن انفصال أحدهما عن الآخر معلوم بالحس.
وأما الثانى: فلا يجب أن يكون حكم ما بعده، بخلاف ما قبله؛ لأنه لما لم
стр. 1976
يكن المرفق منفصلاً عن اليد بمفصل معلوم معين، لم يكن تعيين بعض المفاصل؛ لذلك، أولى من بعض؛ فوجب من هاهنا دخول ما بعده فيما قبله.
الرابع: يجوز اجتماع الغايتين؛ كما لو قيل: "لا تقربوهن حتى يطهرن، وحتى يغتسلن" فهاهنا الغاية فى الحقيقة هى الأخيرة، وعبر عن الأول بها؛ لقربه منها، واتصاله بها.
الباب الثالث
فى الغاية والصفة
قال القرافى: قوله: "غاية الشيء نهايته وطرفه ومنقطعه":
قلنا: أختلف الناس فى سطح الشئ، هل هو وجودى أو عدمى؟ بناء على أن السطح آخر أجزاء الجسم، فيكون وجودياً، أو فناء أجزائه، فيكون عدمياً، كذلك ينبغى أن يجرى الخلاف ـ هاهنا ـ إلى الغاية، هل هى وجودية أو عدمية؟
إن فسرناها بآخر أجزاء الشيء الموجود، فهى وجودية، أو بالعدم الذى يلى آخر أجزائه، فتكون عدمية.
قوله: "حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها":
قلنا: قد تقدم ذلك، وإنه من باب المفهوم المدلول؛ التزاماً لامطابقة؛ لأن الغاية تخرج من أحد النقيضين، فالدخول فى النقيض الآخر إنما يكون لدلالة العقل على أنه لا واسطة بين النقيضين، فيتعين النقيض الأخر، فالدخول فيه ليس من اللفظ، فهو مفهوم لا منطوق، والتزام لا مطابقة.
قوله: "والأولى أن يقال: الغاية: إما أن تكون منفصلة عن ذى العاية بمفصل معلوم، فيكون ما بعدها مخالفاً لما قبلها": عليه سؤالان:
стр. 1977
الأول: أن قولكم: الأولى إلى آخر كلامكم، يقتضى أنكم اخترتم أحد الأقوال فيما بعد الغاية، والذى بعد الغاية ما فيه خلاف فيما علمت، إنما الخلاف فى الغاية نفسها، هل تدخل فى المغيا أم لا؟ فإذا قال الله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة: ١٨٧ فالليل هو الغاية، وإذا قال: (وأيديكم إلى المرافق) المائدة: ٦ المرافق هى الغاية، وهو موطن الخلاف، أما ما بعد ذلك فلم أعلم فيه خلافاً، وأنتم أولاً (ذكرتم) * ما بعد الغاية، ثم بحثكم أشعر بالخلاف فى الغاية نفسها، وليس كذلك.
السؤال الثانى: قولكم: "بمفصل معلوم" ليس هو المقصود، بل المحسوس الذى هو أخص من المعلوم، وكذلك من ختم به بعد ذلك، والمعلوم بالقرائن وغيرها ليس مقصوداً لكم، بدليل أن مفصل المرفق معلوم قطعاً، ولم يعتدوا به من هذا الباب.
" فائدة"
فى دخول الغاية فى حكم المغيا أربعة مذاهب:
ثالثها: الفرق بين أن يكون من جنس المغيا، فيندرج أولاً، كما إذا قال: "بعتك هذا الشجر من هاهنا إلى هذه الشجرة" وهو رمان، فإذا كانت الشجرة رماناً اندرجت، وإلا فلا.
ورابعها: ما قاله فى الكتاب من الفرق بين الحسى وغيره، فجعل الليل مما يدرك بالحس؛ لأن سواده يدركه بالبصر، أما مفصل المرفق، فإن الحس لا يدركه، وإنما البصر يدرك حركة اليد، وانتقالها فى الأحياز، أما أنها عظم واحد، وهو ينعطف وينثنى، أو العظم لا ينعطف، إنما يعلم ذلك بالعقل بواسطة العوائد، وكذلك أن البهيمة التى ليس لها إلا مجرد الحس، لا تفهم أن هناك مفصلاً، وتعلم طلوع الليل برؤيتها السواد، فهذا هو معنى الفرق الذى اختاره الإمام.
стр. 1978
" فائدة "
هذا الخلاف لا ينبغى أن يجرى فى "حتى" بل يختص بـ " بل يختص بـ "إلى" كقول النحاة: إن المعطوف بـ "حتى" يشترط فيه أربعة شروط:
أن يكون من جنسه، داخلاً فى حكمه آخر جزء منه، أو متصلاً به، فيه معنى التعظيم، أو التحقير، فاشترطوا الدخول، وما رأيتهم حكوا خلافاً، إنما الخلاف محكى فيما بعد "إلى".
ومعنى قولهم: "ومتصلاً به" احتراز من قول العرب: "نمت البارحة، حتى الصباح"، والصباح ليس آخر أجزاء الليل، بل متصل به.
وقولهم: التعظيم والتحقير احتراز من قولك: "أكرمت القوم حتى زيداً" ويكون زيد مساوياً لهم؛ فإن ذلك يمتنع؛ حتى يكون أعظم أو أحقر؛ كقول العرب: "قدم الحاج حتى المشاة، ومات الناس حتى الأنبياء"
"فائدة"
من شرط المغيا أن يثبت قبل الغاية، ويتكرر حتى يصل إليها؛ كقوله: سررت من "مصر" إلى "مكة" فالسير الذى هو المغيا ثابت قبل "مكة" ومتكرر فى طريقها، وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله تعالى: (المرافق) غاية لغسل اليد؛ لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط، فليس ثابتاً قبل المرفق الذى هو الغاية، فلا ينتظر غاية له، بل لو قال الله تعالى: اغسلوا إلى المرافق، ولم يقل: (أيديكم) انتظم؛ لأن مطلق الغسل ثابت قبل المرفق، ومتكرر إليه؛ بخلاف غسل جملة اليد.
قال بعض العلماء من الحنفية: فيتعين أن يكون المغيا غير الغسل، ويكون التقدير: اتركوا من إباطكم إلى المرافق، فيكون مطلق الترك ثابتاً قبل المرافق، ومتكرراً إليه، ويكون الغسل نفسه لم يغيا، وفى هذا المقام يتعارض
стр. 1979
المجاز والإضمار؛ فإن لنا: أن نتجاوز بلفظ اليد إلى جزئها؛ حتى يثبت المغيا قبل الغاية، ولا نحتاج إضماراً، أو لا نفعل ذلك، فنضمر ما قاله الحنفى، والمجاز أولى من الإضمار؛ على ما فى "المعالم"* أو هما سواء؛ على ما فى المحصول؛ ومن هذا قوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة: ١٨٧. يقتضى ثبوت الصيام بوصف التمام قبل غروب الشمس، ويتكرر إلى غروبها، وليس كذلك إجماعاً، فيشكل كون اليل غاية للصوم التام، نعم لو قال: "صوموا إلى الليل" انتظم؛ لأن الصوم الشرعى ثابت قبل الليل، ومتكرر إليه، بخلاف الصوم بوصف التمام، أورد هذا السؤال الصحيح عز الدين بن عبد السلام ـ رحمة الله عليه ـ وأجاب عنه بأن المراد: أتموا كل جزء من أجزاء الصوم بسننه وفضائله، وكرروا ذلك إلى الليل، والكمال فى الصوم قد يحصل فى جزء من أجزاء النهار، دون جزء من جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما يأباه الصوم، وكذلك آدابه الخاصة به؛ كترك السواك بالأخضر، واجتناب التجوزات، والتفكر فى أمور النساء، وغير ذلك مما نص عليه الفقهاء، فأمرنا بتكرير هذا إلى غروب الشمس.
قوله: "يجوز اجتماع الغايتين؛ كما لو قيل: لا تقربوهن؛ حتى يطهرن، وحتى يغتسلن":
قلنا: هاتان غايتان لشيئين، فما اجتمع غايتان.
بيانه: ان التحريم الناشيء عن دم الحيض غايته انقطاع الدم، وإذا انقطع الدم، حدث تحريم آخر ناشيء عن عدم الغسل، فالغاية الثانية غايته؛ ولذلك قال الفقهاء: "إن حكم الحائض بعد انقطاع الدم حكم الجنب، فإذا
стр. 1980
جوزنا للحائض قراءة القرآن خشية نسيانها لجزئيها، نمنعها حينئذ من القراءة؛ كما نمنع الجنب؛ لأنها متمكنة من إزالة المانع كالجنب.
" فائدة "
زاد سيف الدين* فى تفاريع هذه المسألة؛ فقال: إما: أن تكون الغاية بعد جملة واحدة، أو جمل متعددة، والأول إما: أن تكون الغاية واحدة، أو متعددة، فالواحدة: كقوله: "أكرم بنى تميم أبداً أن يدخلوا الدار" فلولا الغاية، لعم الإكرام ما بعد الغاية، والمتعددة: إما على الجميع، أو على البدل: الأول: كقولك: "أكرمهم أبداً إلى أن يدخلوا الدار، ويأكلوا الطعام" فيستمر الإكرام إلى تمام الغايتين، والبدل: كقولك: "أكرمهم إلى أن يدخلوا الدار، أو يأكلوا الطعام" يستمر الإكرام إلى حصول إحدى الغايتين، لا بعينها دون ما بعدها، وإن كانت عقيب جمل، فهل يختص بالأخيرة أو تعم الجمل، كانت واحدة أو متعددة؛ على الجميع، أو على البدل؟ والكلام فيه كالكلام فى الاستثناء عقيب الجمل فى الشمول، والاختصاص بالأخيرة بعينه.
" تنبيه"
زاد سراج الدين؛ فقال: يجوز أن يكون لحكم واحد غايتان؛ كقوله تعالى: (حتى يطهرن) البقرة: ٢٢٢. بالتخفيف والتشديد والتحديد.
قلت: قرئت الآية بالتشديد* فيهما؛ فيكون المراد بالأول الاغتسال بالماء؛ لأن التفعل إنما يكون من كسبهن، وانقطاع الدم ليس من كسبهن، فيتعين الغسل بالماء، وعلى هذا يكون قوله تعالى: (فإذا تطهرن) البقرة:
стр. 1981
٢٢٢]، أى: إذا وقع ذلك منهن، أى: اغتسلن، فأتوهن؛ كقوله: " لا تكرم زيداً؛ حتى يأتيك، فإذا أتاك فأكرمه " فليس هنا غايتان، بل أعاد الغاية الأولى؛ ليترتب عليها الحكم بطريق التنصيص؛ فإن قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) البقرة: ٢٢٢. شيء مغيا، واحتمال أن تتعقبه الإباحة، واحتمال أن يتعقبه عدم الحكم بالكلية؛ فإن عدم التحريم أعلم، فأعاد الله ـ تعالى ـ الوصف ليترتب عليه الإذان الشرعى، فما هو تأكيد، ولا هنا غايتان.
وقال التبريزى: "هل يجب أن تكون الغاية أول جزء من المجعول غاية، إذا كان أجزاء، أو آخر جزء منه؟ فيه خلاف.
قال: وقيل: إن كانت الغاية منفصلة عن ذى الغاية، فالغاية أول أجزائها؛ كقوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة: ١٨٧. وإن لم تكن منفصلة؛ كقوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) المائدة: ٦. فالغاية آخر أجزائها.
قلت: وهذا خلاف آخر حكاه التبريزى فى اندراج الغاية فى الُمغيا، هل بكل أجزائها أو ببعضها؟ ولم أره إلا له، والخلاف الذى يحكيه غيره مطلقاً فى الغاية م حيث الجملة.
стр. 1982
الفصل الثانى
فى تقييد العام بالصفة
قال الرازى: والصفة: إما أن تكون مذكورة عقيب شيء واحد؛ كقولنا: "رقبة مؤمنة" ولا شك فى عودها إليه.
أوعقيب شيئين، وهاهنا: إما أن يكون أحدهما متعلقاً بالآخر؛ كقولك: "أكرم العرب، والعجم المؤمنين" فها هنا الصفة تكون عائدة إليهما، وإما ألا تكون كذلك؛ كقولك: "أكرم العلماء، وجالس الفقهاء الزهاد" فهاهنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة، وإن كان للبحث فيه مجال كما فى الاستثناء، والشرط، والله أعلم.
القول فى تخصيص العام بالأدلة المنفصلة
فنقول: تخصيص العام: إما أن يكون بالعقل، أو بالحس، أو بالدلائل السمعية وهو على وجهين:
تخصيص المقطوع بالمقطوع.
وتخصيص المقطوع بالمظنون.
فلنعقد فى كل واحد فصلاً:
الفصل الأول فى تخصيص العموم بالعقل
هذا قد يكون بضرورة العقل؛ كقوله تعالى: (الله خالق كل شئ) الزمر: ٦٢. فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقاً لنفسه ـ وبنظر العقل؛ كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) آل عمران: ٩٧. فإنا نخصص الصبى المجنون؛ لعدم الفهم فى حقهما.
стр. 1983
ومنهم من نازع فى تخصيص العموم بدليل العقل، والأشبه عندى أنه لا خلاف فى المعنى؛ بل فى اللفظ.
أما أنه لا خلاف فى المعنى: فلأن اللفظ، لما دل على ثبوت الحكم فى جميع الصور، والعقل منع من ثبوته فى بعض الصور: فإما أن نحكم بصحة مقتضى العقل والنقل؛ فيلزم صدق النقيضين؛ وهو محال.
أو نرجح النقل على العقل؛ وهو محال؛ لأن العقل أصل النقل؛ فالقدح فى العقل قدح فى أصل النقل، والقدح فى الأصل؛ لتصحيح الفرع، يوجب القدح فيهما معاً.
وإما أن نرجع حكم العقل على مقتضى العموم، وهذا هو مرادنا من تخصيص العموم بالعقل.
وإما البحث اللفظى: فهو أن العقل، هل يسمى مخصصاً أم لا؟
فنقول: إن أردنا بالمخصص الأمر الذى يؤثر فى اختصاص اللفظ العام ببعض مسمياته، فالعقل غير مخصص؛ لأن المقتضى لذلك الاختصاص هو الإرادة القائمة بالمتكلم، والعقل يكون دليلاً على تحقيق تلك الإرادة؛ فالعقل يكون دليل المخصص، لا نفس المخصص، ولكن على هذا التفسير؛ وجب ألا يكون الكتاب مخصصاً للكتاب، ولا السنة للسنة؛ لأن المؤثر فى ذلك التخصيص هو الإرادة، لا تلك الألفاظ.
فإن قيل: لو جاز التخصيص بالعقل، فهل يجوز النسخ به؟ قلنا: نعم؛ لأن من سقطت رجلاه، سقط عنه فرض غسل الرجلين؛ وذلك إنما عرف بالعقل.
стр. 1984
الفصل الثاني في التخصيص بالحس
وهو كما في قوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: ٢٣] فإنه لم يكن شيء من السماء، والعرش، والكرسي- في يدها.
الفصل الثاني
في التقييد بالصفة
قال القرافي: قوله: (إن كان أحدهما متعلقًا بالآخر، عادت الصفة إليهما؛ كقوله: (لزم العرب والعجم المؤمنين):
تقريره: أن قولك: (العجم) لا يستقل بنفسه، فهو معطوف على العرب في عامله، فلما كان العامل واحدًا، والتشريك وقع بالعطف، كان أحدهما متعلقًا بالآخر.
(تنبيه)
ترك تاج الدين كلامًا متعينًا؛ فقال: عادت الصفة عليهما، ولم يقل: للبحث فيه مجال، كما في الاستثناء والشرط، فسكوته عن ذلك يوهم أن الصفة مخالفة للاستثناء، وليس كذلك، و (المنتخب) وسراج الدين وافقا (المحصول) وخالف تاج الدين.
القول في التخصيص بالأدلة المنفصلة
قوله: (تخصيص العام: إما بالعقل، أو الحس، أو الدلائل السمعية):
قلنا: الحصر غير ثابت؛ فبقي التخصيص بالعوائد؛ كقول القائل: (رأيت الناس، فلم أر أحسن من زيد) والعادة تقتضي أنه ما يري كل الناس، وكذلك إذا قال القاضي لعبده: (من دخل داري، فأكرمه) العادة تقتضي أنه ما أراد ملوك الهند، ولا الملائكة، وكذلك التخصيص بقرائن
стр. 1985
الأحوال؛ كقول القائل لغلامه: (ائتني بمن يخدمني) فإن ذلك يختص بمن يصلح لخدمته في مثل حاله، والتخصيص بالواقع؛ كقوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: ٢٣] فإن الواقع أنها لم تعط النبوة، والسموات، والأرض، وذلك لا يدرك بالحس، ولا بالعقل، فإن الملك لا يدرك عدمه، بل العقل يجوز أن يعطي ذلك، والحس لا يتعلق بعدم الملك؛ بخلاف قوله: ﴿تدمر كل شيء﴾ [الأحقاف: ٢٥] فإن الحس يدرك أن الريح لم تهلك الأرض، والجبال، والسموات، وغيرها، وبقي التخصيص بالقياس وغيره، وبالجملة؛ فالحصر غير حاصل.
قوله في السمع: (إنه ينقسم إلى تخصيص المقطوع بالمقطوع، وتخصيص المقطوع بالمظنون):
قلنا: بقي تخصيص المظنون بالمقطوع؛ كتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص المظنون بالمظنون؛ كتخصيص السنة بالسنة، فهي أربعة أقسام، تركتم منها قسمين.
قوله: (يعلم أنه- تعالى- ليس خالقًا لنفسه):
تقريره: أن القاعدة أن التأثير لا يحصل إلا في الممكنات؛ لاستغناء الواجبات لذواتها عن الموجد؛ لأن الوجود حاصل لها لذاتها، وعدم قبول المستحيلات للوجود، فتعينت الممكنات والواجبات بذواتها لله وصفاته العلا، ويلحق به من النسب والإضافات؛ نحو كون العشرة زوجًا، والخمسة فردًا، ونحو ذلك من الأحكام والإضافات، لا يمكن أن يقال: إنها كذلك بجعل جاعل، بل ذلك لها لذاتها، وكذلك كون العلم مشروطًا بالحياة، والإرادة مشروطة بالعلم، ووجود العرض مشروطًا بوجود الجوهر، ويصلح ذلك في موارده فليس للتأثير مدخل في شيء من ذلك، بل التأثير إنما يكون في الموجودات التي يمكن أن تكون وألا تكون.
стр. 1986
قوله: (أو بنظر العقل؛ كإخراج الصبي، والمجنون من آية الحج):
قلنا: هذا إنما يأتي على مذهب المعتزلة.
أما على رأينا: فيجوز تكليف ما لا يطاق، فيكلف من لا يعلم، ويعاقبه على الترك؛ لأن غايته التكليف بالمستحيل ونحن نجوزه؛ فالتخصيص في هذه الصورة إنما هو بالسمع.
قوله: (إن حكم بمقتضي العقل والنقل، اجتمع النقيضان):
تقريره: أن النقل اقتضي ثبوت التكليف عليهما، والعقل نفاه، فيكون ثابتًا ليس ثابتًا، وهو جمع بين النفي والإثبات، ويرد عليه أنه قد تقدم المنع؛ لأن العقل ليس له هاهنا اقتضاء، بل ذلك للسمع.
قوله: (العقل أصل في النقل):
تقريره: أن أصل النقل ثبوت النبوة، وثبوت النبوة بالمعجزة، وثبوت المعجزة بالعقل، بمعني أنه هو الناظر فيها؛ وإلا فالعقل لا يخيل انخراق العادة، ولا توجب المعجزة أن من ظهرت على يده أنه نبي؛ لأنه على أصولنا: يجوز إظهار المعجزة على يد الكاذب عقلًا؛ وإنما امتنع ذلك بالعادة، كما يجوز العقل أن البحر يكون زئبقًا وعسلًا في كل زمان، وإنما امتنع ذلك عادة، فالعقل أصل للمعجزة بهذا التفسير، فهو أصل للنقل؛ لأنه أصل أصله.
(فائدة)
حكي سيف الدين منع التخصيص بدليل العقل عن طائفة من المتكلمين شاذة؛ بشبهات ثلاث:
стр. 1987
إحداها: أن دلالة اللفظ بالوضع، والواضع لا يضع لما هو معلوم الخروج مقطوع به، وإنما يضع لما يريده، والمحال لا يراد، فلا يتناوله اللفظ، فلا يتصور التخصيص؛ لأنه فرع التناول.
وثانيها: أن التخصيص بيان، والخارج بالعقل بين، فلا يحتاج للبيان؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل.
وثالثها: العقل لا يكون ناسخًا؛ فلا يكون مخصصًا.
والجواب عن الأول: أن اللفظ المفرد هو الموضوع للعموم؛ فإن كل شيء متناول للواجب وغيره، وإنما جاء الامتناع من جهة التركيب؛ فيلزم عدم الإرادة في هذا المركب الخاص، ولا يلزم من ذلك عدم وضع المفرد للعموم.
وعن الثاني: أن البيان إنما حصل بدليل العقل.
وعن الثالث: أن النسخ بيان مدة الحكم، والعقل يتعذر عليه بيان المدة، وإنما يعلم ذلك بالسمع، فإن العقل لا يفرق بين زمان وزمان، بل الكل في نظر العقل سواء؛ بخلاف التفرقة بين الممكن والواجب في قبول التأثير فيه.
قوله: (المقتضي للتخصيص الإرادة القائمة بالمتكلم):
قلنا: قد تقدم أن ذلك لا يصح، وأن المخصص على التحقيق هو الدال على الإرادة لا عين الإرادة، وقد تقدم تقريره في التخصيص.
قوله: (يكون النسخ بالعقل في حق من سقط رجلاه، فإنه يسقط عنه غسل الرجلين):
قلنا: لا نسلم أن هذا نسخ؛ لأن الوجوب ما ثبت في أول الأمر إلا مشروطًا بالقدرة، والاستطاعة، وبقاء المحل، ودوام الحياة وعدم الحكم عند عدم الشرط ليس نسخًا؛ فإن الموانع تطرأ على المحال والأحكام مع طول الزمان، وكذلك بعدم الشروط؛ فلا يقال لذلك: نسخ، وليس هو نسخًا
стр. 1988
في نفسه، فإن من سافر في رمضان، لم ينسخ عنه الصوم والصلاة؛ لأنه إنما وجب بشرط الإقامة، وإذا حاضت المرأة، لا يقال: نسخ عنها الصوم والصلاة، هذا لا سبيل إليه، بل النسخ إنما يتحقق في حكم ترتب على شرط، فلم يبق مترتبًا على ذلك الشرط، أو في محل بغير شرط، فلم يبق في ذلك المحل، وحاصله أنه رفع الحكم بعد ثبوته، وهذه الأحكام ما ثبتت في أصل الشريعة إلا مشروطة بهذه الشروط على هذه الأوضاع، فما تغير شيء؛ حتى يقال: إنه نسخ.
قوله: (التخصيص بالحس: كقوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: ٢٣]):
قلنا: قد تقدم أن الحس لا يدرك عدم ملكها للسماء وغيرها، إنما ذلك بالواقع، وهو غير العقل والحس كما تقدم بيانه.
***
стр. 1989
الفصل الثالث
في تخصيص المقطوع بالمقطوع، وفيه مسائل:
قال الرازي: المسألة الأولى: في تخصيص الكتاب بالكتاب، وهو جائز؛ خلافًا لبعض أهل الظاهر.
لنا: أن وقوعه دليل جوازه؛ لأن قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] مع قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١] مع قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: ٥] لا يخلو: إما أن نجمع بين دلالة العام على عمومه، والخاص على خصوصه؛ وذلك محال.
وإما أن نرجح أحدهما على الآخر؛ وحينئذ زوال الزائل، إن كان على سبيل التخصيص، فقد حصل الغرض.
وإن كان بالنسخ، فقد حصل الغرض أيضًا؛ لأن كل من جوز نسخ الكتاب بالكتاب، جوز تخصيصه به أيضًا.
احتجوا بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] فوض البيان إلى الرسول ﵊؛ فوجب ألا يحصل البيان إلا بقوله.
والجواب: أنه معارض بقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب؛ تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩] ولأن تلاوة النبي ﷺ آية التخصيص بيان منه له، والله أعلم.
стр. 1990
المسألة الثانية: في تخصيص السنة المتواترة بالسنة المتواترة، وهو جائز أيضًا؛ لأن العام والخاص مهما اجتمعا: فإما أن يعمل بمقتضاهما، أو يترك العمل بهما، أو يرجح العام على الخاص.
وهذه الثلاثة باطلة؛ والإجماع، فلم يبق إلا تقديم الخاص على العام.
الفصل الثالث
في تخصيص المقطوع بالمقطوع
قال القرافي: (قوله: (كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]):
قلنا: قد تقدم أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات.
وقوله تعالى: ﴿والمطلقات ...﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨] تقتضي أنهن تكون عدتهن الأقراء في حالة، وهو كذلك، فإن في حالة عدم الحمل تكون عدتهن بالأقراء، وهذه حالة مخصوصة تعتد فيها جميع المطلقات بالأقراء، فالحالة المخصوصة حالة ما، فما خرج شيء من العموم.
نعم لو كان بعض المطلقات لا تعتد بالأقراء في حالة ما، أعني: في جميع الأحوال، صدق التخصيص؛ لأن العموم اقتضي مطلق الحالة، وهي موجبة في جميع الأحوال، تناقضها السالبة الكلية، فيتحقق التخصيص؛ لأن من شرطه المنافاة.
أما ما يمكن اجتماعه مع العموم، فليس مخصصًا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة:
стр. 1991
٢٢١] يقتضي تحريم نكاحهن في حالة مطلقة، لا في جميع الأحوال؛ للقاعدة المتقدمة.
وقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: ٥] والمراد بالإحصان- هاهنا- الحرائر، وهذا لا يناقض العموم الأول؛ لأن النكاح جائز لمجموع النصين في حالة الحرية، وتبقي حالة الرق لا يقع فيها جواز النكاح، وإذا جاز نكاح كل مشركة في حالة الحرية، فقد جاز نكاح كل كتابية في حالة مطلقة، فالعموم باق على عمومه، ولم تحصل منافاة بين النصين، نعم لو كان بعض المشركات لا يجوز نكاحها في جميع الحالات، حصل التناقض والتخصيص؛ لمنافاة السالبة الكلية الموجبة الجزئية، بل الحاصل من هذه النصوص كلها التي يتوهم أنها مخصصات: التقييد لتلك الحالة المطلقة، فإنها تصير مخصوصة معينة.
والتقييد ليس بتخصيص؛ لأنه ضده؛ لأن التقييد زيادة على موجب النص، والتخصيص نقصان من موجب النص.
والتخصيص أيضًا مخالفة الظاهر، والتقييد ليس مخالفة للظاهر؛ فالتقييد ليس بتخصيص ضرورة، وإذا جريت على هذه القوانين عسر التخصيص، في كثير من النصوص التي يدعي فيها التخصيص، بل نجدها كلها تقييدات لمطلق تلك الأحوال التي في تلك العمومات، ولا تجد التخصيص إلا في مثل قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الزمر: ٦٢] ونحوه؛ فإن الواجبات لم تخلق في حالة، ولم تعط السماء ل (بلقيس) في حالة، ولا دمرت الريح الكواكب في حالة، فهذه تخصيصات محققة لتحقق السالبة الكلية، فناله مطلق الحال الذي هو موجبة جزئية، فعلى هذا التحقيق يتقرر التخصيص، وإلا فلا.
وكم من الفقهاء من يعتقد أن هذه الأمور كلها مخصوصة.
стр. 1992
قوله: (إن بقي العام على عمومه، والخاص على خصوصه، فهو محال):
تقريره: أنه يلزم اجتماع النقيضين فيما تناوله الخاص، فإن أحد النصين يثبت الحكم فيه، والآخر ينفيه، فيكون منفيا ثابتًا، فيجتمع النقيضان.
قوله: (احتجوا بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]):
قلنا: صيغة (تبين) فعل في سياق الإثبات؛ فيكون مطلقًا لا يتناول إلا فردًا من أفراد البيان.
وقوله تعالى: ﴿ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] يقتضي العموم في كل ما نزل، وهو يتناول الكتاب والسنة؛ لأن السنة منزلة، ووحي؛ غير أنها وحي لم يتعبد بتلاوته، والقرآن تعبدنا بتلاوته، فيكون الرسول- عليه السلامة- مبينًا للكتاب والسنة، غير أن ما به البيان، لم يذكر، فيحتمل أن يكون بالكتاب، ويحتمل أن يكون بالسنة؛ لاستحالة نطقه- ﵇ عن الهوى: ﴿إن هو إلا وحى يوحى﴾ [النجم: ٤] فلا حجة فيه حينئذ أن البيان إنما يكون بالسنة، ثم الاستدلال به إنما هو بالمفهوم لا بالمنطوق.
وقوله تعالى: ﴿تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩] منطوق؛ فيتقدم عليه.
***
стр. 1993
المسألة الثالثة
قال الرازي: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، قولًا كان أو فعلًا، جائز؛ للدليل الذي مر.
وأيضًا فقد وقع ذلك.
أما بالقول: فلأنهم خصصوا عموم قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ : (لا يتوارث أهل ملتين).
وأما بالفعل: فلأنهم خصصوا قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢] بما تواتر عنه ﷺ ؛ من رجم المحصن، وأيضًا: تخصيص السنة المتواترة بالكتاب جائز.
وعن بعض فقهائنا: أنه لا يجوز، ودليله التقسيم الذي مر.
المسألة الرابعة: في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع، وهو جائز؛ لأنه واقع؛ فإنهم خصصوا آية الإرث بالإجماع على أن العبد لا يرث، وخصصوا آية الجلد بالإجماع على أن العبد كالأمة في تنصيف الحد.
وأما تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة؛ فإنه غير جائز للإجماع؛ ولأن إجماعهم على الحكم العام مع سبق المخصص- خطأ، والإجماع على الخطأ لا يجوز.
стр. 1994
المسألة الثالثة
تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة
قال القرافي: قوله: خصصوا قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] بقوله- ﵇: (القاتل لا يرث).
قلنا: قد تقدم أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فكل ولد أوجب العموم؛ توريثه في حالة مطلقة، وهذا باق على عمومه؛ لأن كل ولد يرث في حالة عدم القتل والرق والكفر، وهذه حالة مخصوصة، فيصدق لنا عملنا بمقتضي العموم، ويكون الحديث مقيدًا لتلك الحالة المطلقة، لا مخصصًا للعموم.
وكذلك الكلام على حديث الرجم.
(سؤال)
كيف يدعى أن هذه الأحاديث متواترة؛ مع أن رواتها في الصحاح ما بلغوا حد التواتر ، بل غايته ثبوت الصحة؛ لثبوت العدالة، وهي رواية واحد أو
стр. 1995
اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة عن أربعة عن أربعة، وهذه الأعداد لا تحصل التواتر.
جوابه: أن السؤال، إنما يرد، إن كان زماننا هو زمان النسخ وانقضائه، لكنا لا نقول به، بل زمان النسخ هو زمان الصحابة- رضوان الله عليهم- وهذه الأحاديث كانت في ذلك الزمان متواترة، والمتواتر يصير آحادًا، فكم من قضية كانت متواترة في الدول الماضية، ثم صارت آحادًا، بل نسيت بالكلية، فلا تنافي بين كون الخبر متواترًا قديمًا، ثم يصير آحادًا في الأزمنة الأخيرة.
***
стр. 1996
المسألة الخامسة
في أن تخصيص الكتاب والسنة المتواترة،
بفعل الرسول ﷺ ، هل هو جائز أم لا؟
قال الرازي: والتحقيق فيه أن اللفظ العام: إما أن يكون متناولًا للرسول ﷺ ، أو لا يكون متناولًا له:
فإن كان متناولًا له: كان ذلك الفعل مخصصًا لذلك العموم في حقه، وهل يكون مخصصًا للعموم في حق غيره؟ فنقول:
إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه في الكل مطلقًا، أو في الكل إلا ما خصه الدليل، أو في تلك الواقعة- كان ذلك تخصيصًا في حق غيره، ولكن المخصص للعموم لا يكون ذلك الفعل وحده؛ بل الفعل مع ذلك الدليل، وإن لم يكن كذلك، لم يجز تخصيص ذلك العام في حق غيره.
وأما إن كان اللفظ العام غير متناول للرسول ﵇؛ بل للأمة فقط: فإن قام الدليل على أن حكم الأمة مثل حكم النبي ﷺ ، صار العام مخصوصًا بمجموع فعل الرسول ﵇، مع ذلك الدليل؛ وإلا فلا.
واحتج من منع هذا التخصيص مطلقًا؛ بأن المخصص للعام هو الدليل الذي دل على وجوب متابعته، وهو قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] وذلك أعم من العام الذي يدل على بعض الأشياء فقط، فالتخصيص بالفعل يكون تقديمًا للعام على الخاص؛ وهو غير جائز.
стр. 1997
والجواب: أن المخصص ليس مجرد قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] بل هو مع ذلك الفعل، ومجموعهما أخص من العام الذي ندعى تخصيصه بالفعل.
المسألة الخامسة
تخصيص الكتاب والسنة بفعله ﵇
قال القرافي: قوله: (إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه ﵇:
تقريره: أن الأدلة المقتضية لكوننا مثله- ﵇ في أحكام الشريعة، إلا ما أخرجه الدليل؛ كقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] ونحوه، تناولت الثقلين، فعلى تقدير أن الغير المشار إليه- هاهنا- الثقلان.
على هذا؛ يلزم النسخ، وإبطال العام بالكلية، وذلك ليس تخصيصًا؛ لأن التخصيص هو إخراج البعض وإبقاء البعض، وأما الجميع فلا؛ فيتعين حمل كلام المصنف- ﵀ على غير خاص هو بعض الأمة، ووجود مثل هذا عسير، غير أنه لم يلتزمه، بل قال: إن وجد، كان الحكم كذلك، مع أنه يمكن تمثيله؛ بأن العموم قد يكون تناول الثقلين، ويخرج ﵇ من عمومه بطريق أنه إمام، أو قاض، أو نحو ذلك من صفاته ﵇؛ فإنه إمام الأئمة، وحاكم الحكام، ومفتي المفتين، فيلحق به- ﵇ في التخصيص القضاة وحدهم، أو الأئمة؛ على حسب ذلك الوصف، كما إذا ورد (على اليد ما أخذت حتى ترده)،
стр. 1998
فسقط الضمان عنه- ﵇ بأحد الأسباب المتقدمة، فيسقط عمن شاركه في تلك الصفة، التي هي مدرك السقوط؛ فعلى هذا يتصور هذا البحث، لا على أدلة التسوية العامة الشاملة للثقلين؛ وعلى هذا يتعين أن يكون معنى قول المصنف: إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه في الكل مطلقًا، أو في الكل إلا ما خصه الدليل؛ أن مراده بالكل كلية ذلك الحكم دون كلية الشريعة.
وقوله: (أو في تلك الواقعة) يحمل على ذلك النوع الخاص من جنس ذلك الحكم، مع أن لفظه ما يقتضي إلا كلية الشريعة، هذا هو الظاهر من كلامه؛ وحينئذ يفسر الغير بفرقة مخصوصة من الثقلين، يساويه في كل الأحكام؛ حذرًا من النسخ، وإبطال جملة النص؛ وعلى هذا يعسر تقريره، فما أعلم فرقة من الثقلين ساوت رسول الله ﷺ من جميع الأحكام دون غيره من الفرق، وبالجملة هذا الموضع قلق يتعين تأويله على أحد الوجوه المذكورة، أو يحمل على وجه من وجوه الحديث دون الخروج من جملته بالكلية، كما حمل حديث النهي عن استقبال القبلة على الأفضلية دون الأبنية.
قوله: (المخصص ليس ذلك الفعل وحده، بل الفعل مع الدليل المسوي):
تقريره: أن الفعل لو انفرد وحده، ولم يرد دليل مسو، لم يجب التأسي والاقتداء؛ ولو ورد الدليل المسوي دون هذا الفعل، لم يلزم التخصيص؛ لاحتمال أن يكون حكم العموم ثابتًا في حق الكل.
стр. 1999
قوله: (وإن كان العام غير متناول له ﵇، بل الأمة فقط، وقام الدليل على أن حكم الأمة مثل حكم النبي- ﵇ صار العام مخصوصًا بمجموع فعله ﵇ مع ذلك الدليل، وإلا فلا):
تقريره: إذا فعل ﵇ فعلًا على خلاف العموم الخاص بنا، ودل الدليل على أنا مثله ﵇، جاز بمقتضي هذا الدليل المسوي فعل ذلك الذي فعله ﵇؛ فعلى هذا يبطل حكم العموم في حق الأمة؛ وعلى هذا يصير إبطالًا للنص بالكلية، وهذا ليس تخصيصًا بل نسخًا، وهذا الذي صرح به في هذا القسم هو مراده في القسم قبله، ويبقي الكلام في غاية الإشكال من جهة أنه صرح في التخصيص بما يمنع التخصيص، ولذلك لم يسلك سيف الدين هذا المسلك، بل قال: إما أن تقول بوجوب التأسي على كل من سواه أو لا.
والأول: يلزم منه النسخ دون التخصيص بخروج الجميع من النص، وإن لم نقل بالتأسي، كان الفعل تخصيصًا له- ﵇ وحده، وكان النص متناولًا له ولهم، وإن كان متناولًا للأمة فقط، لا يكون فعله ﵇ تخصيصًا له عن العموم؛ لعدم دخوله.
فإن قيل أيضًا بوجوب المتابعة على الأمة، كان نسخًا عن الأمة، لا تخصيصًا، ثم قال: وهذا التفصيل يحكي.
قال: ولا أرى الخلاف في التخصيص بفعله- ﵇ وجهًا، قال: فإن كان المراد تخصيصه وحده، فلا يتأتي فيه خلاف، أو تخصيص غيره، فلا تخصيص بل نسخ، مع أن الخلاف يحكي في تخصيص العموم بفعله ﵇، فقال به الأكثرون من الشافعية والحنفية والحنابلة، ونفاه
стр. 2000
الأقلون؛ الكرخي، قال: والأظهر عندي الوقف؛ لأن دليل التأسي عام، فليس مراعاة أحد العمومين أولى من الآخر، فهذا جملة كلامه في هذه المسألة في الإحكام، وما ذكر شيئًا من كلام المصنف.
قوله: (الدليل الدال على متابعة أعم من العام الذي يدل على بعض الأشياء).
تقريره: أن أدلة التسوية عامة في الشريعة، والنص المخصص أخص منه؛ لتناوله بعضها.
قوله: (مجموع الدليل والفعل أخص من ذلك العام).
تقريره: أن قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٥] مع استقباله- ﵇ لبيت المقدس، أيضًا الحاجة تقتضي خروجها من النهي في قوله ﵇: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبول أو غائط) في حالة كوننا في الأبنية، وهذا المجموع أخص من حديث النهي عن الاستقبال.
(سؤال)
تقدم أن كلمة (إن) لا يعلق عليها إلا المشكوك دون المعلوم .
ومن المعلوم بالضرورة أن حكم الأمة حكمه- ﵇ إلا ما خصه الدليل؛ فإن أدلة التسوية في الكتاب والسنة كثيرة مستفيضة؛ فكيف يحسن بالمصنف أن يقول: إن علم أن حكم الأمة مثل حكمه، أو حكمه مثل حكم الأمة، فهذه مناقشة لفظية.
قال الغزالي في (المستصفي): للمسألة ثلاثة أمثلة:
следующие страницы →