Полный текст (4 032 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
المسألة الخامسة
في أن تخصيص الكتاب والسنة المتواترة،
بفعل الرسول ﷺ ، هل هو جائز أم لا؟
قال الرازي: والتحقيق فيه أن اللفظ العام: إما أن يكون متناولًا للرسول ﷺ ، أو لا يكون متناولًا له:
فإن كان متناولًا له: كان ذلك الفعل مخصصًا لذلك العموم في حقه، وهل يكون مخصصًا للعموم في حق غيره؟ فنقول:
إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه في الكل مطلقًا، أو في الكل إلا ما خصه الدليل، أو في تلك الواقعة- كان ذلك تخصيصًا في حق غيره، ولكن المخصص للعموم لا يكون ذلك الفعل وحده؛ بل الفعل مع ذلك الدليل، وإن لم يكن كذلك، لم يجز تخصيص ذلك العام في حق غيره.
وأما إن كان اللفظ العام غير متناول للرسول ﵇؛ بل للأمة فقط: فإن قام الدليل على أن حكم الأمة مثل حكم النبي ﷺ ، صار العام مخصوصًا بمجموع فعل الرسول ﵇، مع ذلك الدليل؛ وإلا فلا.
واحتج من منع هذا التخصيص مطلقًا؛ بأن المخصص للعام هو الدليل الذي دل على وجوب متابعته، وهو قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] وذلك أعم من العام الذي يدل على بعض الأشياء فقط، فالتخصيص بالفعل يكون تقديمًا للعام على الخاص؛ وهو غير جائز.
стр. 1997
والجواب: أن المخصص ليس مجرد قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] بل هو مع ذلك الفعل، ومجموعهما أخص من العام الذي ندعى تخصيصه بالفعل.
المسألة الخامسة
تخصيص الكتاب والسنة بفعله ﵇
قال القرافي: قوله: (إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه ﵇:
تقريره: أن الأدلة المقتضية لكوننا مثله- ﵇ في أحكام الشريعة، إلا ما أخرجه الدليل؛ كقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] ونحوه، تناولت الثقلين، فعلى تقدير أن الغير المشار إليه- هاهنا- الثقلان.
على هذا؛ يلزم النسخ، وإبطال العام بالكلية، وذلك ليس تخصيصًا؛ لأن التخصيص هو إخراج البعض وإبقاء البعض، وأما الجميع فلا؛ فيتعين حمل كلام المصنف- ﵀ على غير خاص هو بعض الأمة، ووجود مثل هذا عسير، غير أنه لم يلتزمه، بل قال: إن وجد، كان الحكم كذلك، مع أنه يمكن تمثيله؛ بأن العموم قد يكون تناول الثقلين، ويخرج ﵇ من عمومه بطريق أنه إمام، أو قاض، أو نحو ذلك من صفاته ﵇؛ فإنه إمام الأئمة، وحاكم الحكام، ومفتي المفتين، فيلحق به- ﵇ في التخصيص القضاة وحدهم، أو الأئمة؛ على حسب ذلك الوصف، كما إذا ورد (على اليد ما أخذت حتى ترده)،
стр. 1998
فسقط الضمان عنه- ﵇ بأحد الأسباب المتقدمة، فيسقط عمن شاركه في تلك الصفة، التي هي مدرك السقوط؛ فعلى هذا يتصور هذا البحث، لا على أدلة التسوية العامة الشاملة للثقلين؛ وعلى هذا يتعين أن يكون معنى قول المصنف: إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه في الكل مطلقًا، أو في الكل إلا ما خصه الدليل؛ أن مراده بالكل كلية ذلك الحكم دون كلية الشريعة.
وقوله: (أو في تلك الواقعة) يحمل على ذلك النوع الخاص من جنس ذلك الحكم، مع أن لفظه ما يقتضي إلا كلية الشريعة، هذا هو الظاهر من كلامه؛ وحينئذ يفسر الغير بفرقة مخصوصة من الثقلين، يساويه في كل الأحكام؛ حذرًا من النسخ، وإبطال جملة النص؛ وعلى هذا يعسر تقريره، فما أعلم فرقة من الثقلين ساوت رسول الله ﷺ من جميع الأحكام دون غيره من الفرق، وبالجملة هذا الموضع قلق يتعين تأويله على أحد الوجوه المذكورة، أو يحمل على وجه من وجوه الحديث دون الخروج من جملته بالكلية، كما حمل حديث النهي عن استقبال القبلة على الأفضلية دون الأبنية.
قوله: (المخصص ليس ذلك الفعل وحده، بل الفعل مع الدليل المسوي):
تقريره: أن الفعل لو انفرد وحده، ولم يرد دليل مسو، لم يجب التأسي والاقتداء؛ ولو ورد الدليل المسوي دون هذا الفعل، لم يلزم التخصيص؛ لاحتمال أن يكون حكم العموم ثابتًا في حق الكل.
стр. 1999
قوله: (وإن كان العام غير متناول له ﵇، بل الأمة فقط، وقام الدليل على أن حكم الأمة مثل حكم النبي- ﵇ صار العام مخصوصًا بمجموع فعله ﵇ مع ذلك الدليل، وإلا فلا):
تقريره: إذا فعل ﵇ فعلًا على خلاف العموم الخاص بنا، ودل الدليل على أنا مثله ﵇، جاز بمقتضي هذا الدليل المسوي فعل ذلك الذي فعله ﵇؛ فعلى هذا يبطل حكم العموم في حق الأمة؛ وعلى هذا يصير إبطالًا للنص بالكلية، وهذا ليس تخصيصًا بل نسخًا، وهذا الذي صرح به في هذا القسم هو مراده في القسم قبله، ويبقي الكلام في غاية الإشكال من جهة أنه صرح في التخصيص بما يمنع التخصيص، ولذلك لم يسلك سيف الدين هذا المسلك، بل قال: إما أن تقول بوجوب التأسي على كل من سواه أو لا.
والأول: يلزم منه النسخ دون التخصيص بخروج الجميع من النص، وإن لم نقل بالتأسي، كان الفعل تخصيصًا له- ﵇ وحده، وكان النص متناولًا له ولهم، وإن كان متناولًا للأمة فقط، لا يكون فعله ﵇ تخصيصًا له عن العموم؛ لعدم دخوله.
فإن قيل أيضًا بوجوب المتابعة على الأمة، كان نسخًا عن الأمة، لا تخصيصًا، ثم قال: وهذا التفصيل يحكي.
قال: ولا أرى الخلاف في التخصيص بفعله- ﵇ وجهًا، قال: فإن كان المراد تخصيصه وحده، فلا يتأتي فيه خلاف، أو تخصيص غيره، فلا تخصيص بل نسخ، مع أن الخلاف يحكي في تخصيص العموم بفعله ﵇، فقال به الأكثرون من الشافعية والحنفية والحنابلة، ونفاه
стр. 2000
الأقلون؛ الكرخي، قال: والأظهر عندي الوقف؛ لأن دليل التأسي عام، فليس مراعاة أحد العمومين أولى من الآخر، فهذا جملة كلامه في هذه المسألة في الإحكام، وما ذكر شيئًا من كلام المصنف.
قوله: (الدليل الدال على متابعة أعم من العام الذي يدل على بعض الأشياء).
تقريره: أن أدلة التسوية عامة في الشريعة، والنص المخصص أخص منه؛ لتناوله بعضها.
قوله: (مجموع الدليل والفعل أخص من ذلك العام).
تقريره: أن قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٥] مع استقباله- ﵇ لبيت المقدس، أيضًا الحاجة تقتضي خروجها من النهي في قوله ﵇: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبول أو غائط) في حالة كوننا في الأبنية، وهذا المجموع أخص من حديث النهي عن الاستقبال.
(سؤال)
تقدم أن كلمة (إن) لا يعلق عليها إلا المشكوك دون المعلوم .
ومن المعلوم بالضرورة أن حكم الأمة حكمه- ﵇ إلا ما خصه الدليل؛ فإن أدلة التسوية في الكتاب والسنة كثيرة مستفيضة؛ فكيف يحسن بالمصنف أن يقول: إن علم أن حكم الأمة مثل حكمه، أو حكمه مثل حكم الأمة، فهذه مناقشة لفظية.
قال الغزالي في (المستصفي): للمسألة ثلاثة أمثلة:
стр. 2001
أحدها: أنه نهي عن الوصال وواصل، وهذا نص لم يتناوله، وإنما قالوا (إنك تواصل)؛ لأنهم فهموا اندراجه في حكمهم.
وثانيها: نهي عن استقبال القبلة واستدبارها، وصيغة الحديث لا تتناوله، ثم إنه- ﵇ استدبر البيت الحرام، ويحتمل أن يكون هذا مخصصًا؛ لأنه كان في خلوة، والبيان يلزمه- ﵇ إظهاره.
ونهي ﵇ عن كشف العورة، ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر، ويحتمل أنه لم يدخل في النهي، أو أريد بالفخذ ما يقرب منه.
(سؤال)
قال النقشواني: إذا علم أنه- ﵇ فعل على خلاف العام، فقد حصل التخصيص؛ فلا حاجة إلى دليل آخر في حق الغير ؛ لأن ذلك زيادة تخصيص، ونحن إنما نبحث في أصل التخصيص لا في تكثيره، ثم ذلك الغير، إن كان كل الأمة، لزم النسخ، والكلام إنما هو في التخصيص.
جوابه: أن المصنف جزم بالتخصيص بفعله- ﵇ وحده.
ثم قال: وهل يكون مخصصًا في حق الغير؟
فذكر المدرك لهذا الفرع لا أصل التخصيص، فهذا تفريع لا تأصيل.
(سؤال)
بحثه في هذه المسألة يعكر عليه في موضعين:
стр. 2002
أحدهما: عند قوله القول في تخصيص العام، فذكر الحس، والسمع، والعقل، ولم يذكر الفعل النبوي، ثم إنه هاهنا قد جعل تخصيصًا من الفعل والسمع، وجعل المجموع هو المخصوص، وهذا المجموع لم يذكره هناك.
وثانيهما: أنه في هذه المسألة فهرس التخصيص بفعله ﵇، ثم اقتضاء الحال إلى أن المخصص هو مجموع الدليل المسوي مع الفعل، ولا يلزم من اقتضاء مجموع لشيء اقتضاء أجزائه له؛ غير أنه في هذه المسألة قد ذكر الفعل وحده تخصيصًا، في حقه ﵇، فخرج عن العهدة بهذا القسم، ثم فرع بعد ذلك.
***
стр. 2003
المسألة السادسة
قال الرازي: من فعل ما يخالف مقتضي العموم بحضرة الرسول ﷺ ، فلم ينكره عليه- فعدم الإنكار من الرسول ﷺ قاطع في تخصيص العام في حق ذلك الفاعل.
أما في حق غيره: فإن ثبت أن حكمه ﷺ في الواحد، حكمه في الكل- كان ذك التقرير تخصيصًا في حق الكل؛ وإلا فلا، والله أعلم.
المسألة السادسة
التخصيص بالإقرار
قال القرافي: قوله: (إن ثبت أن حكمه- ﵇ في الواحد حكمه في الكل، كان ذلك التقرير تخصيصًا في حق الكل، وإلا فلا):
قلنا: عليه سؤالان:
الأول: أنه علق على كلمة (إن) ما هو معلوم؛ لأنه يعلم ﵇ أنه إذا كرر حكمًا في حق شخص، فهو للأمة.
الثاني: أن كلامه يفضي إلى النسخ؛ كما تقدم، فإذا خرج الكل، أي شيء يبقي في النص، فيكون نسخًا، فيفضي تقرير النسخ إلى إبطاله، إلا أن يحمل على التأويلات المتقدمة.
***
стр. 2004
الفصل الرابع
في تخصيص المقطوع بالمظنون، وفيه مسائل:
قال الرازي: المسألة الأولى: يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد عندنا، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك- ﵏.
وقال قوم: لا يجوز أصلًا.
وقال عيسى بن أبان: إن كان قد خص قبل ذلك بدليل مقطوع به، جاز؛ وإلا فلا.
وقال الكرخي: إن كان قد خص بدليل منفصل، صار مجازًا- فيجوز ذلك، وإن خص بدليل متصل، أو لم يخص أصلًا، لم يجز.
وأما القاضي أبو بكر- ﵀ فإنه اختار التوقف.
لنا: أن العموم وخبر الواحد دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم؛ فوجب تقديمه على العموم.
إنما قلنا: إنهما دليلان؛ لأن العموم دليل بالاتفاق.
وأما خبر الواحد: فهو أيضًا دليل؛ لأن العمل به يتضمن دفع ضرر مظنون؛ فكان العمل به واجبًا؛ فكان دليلًا.
وإذا ثبت ذلك، وجب تقديمه على العموم؛ لأن تقديم العموم عليه يفضي إلى إلغائه بالكلية، أما تقديمه على العموم، فلا يفضي إلى إلغاء العموم بالكلية؛ فكان ذلك أولى؛ كما في سائر المخصصات.
стр. 2005
وأما جمهور الأصحاب، فقالوا: أجمعت الصحابة على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وبينوه بخمس صور:
إحداها: أنهم خصصوا قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] بما رواه الصديق- ﵁ أنه ﵊ قال: (نحن- معاشر الأنبياء- لا نورث).
وثانيها: خصصوا عموم قوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين، فلهن ثلثا ما ترك﴾ [النساء: ١١] بخبر محمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة أنه ﷺ (جعل للجدة السدس) لأن المتوفاة، إذا خلفت زوجًا، وبنتين، وجدة، فللزوج الرابع (=) ثلاثة، وللبنتين الثلثان (=) ثمانية، وللجدة السدس (=) اثنان؛ عالت المسالة إلى ثلاثة عشر، وثمانية من ثلاثة عشر أقل من ثلثي التركة.
وثالثها: أنهم خصصوا قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] بخبر أبي سعيد (في المنع من بيع الدرهم بالدرهمين).
ورابعها: خصصوا قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب).
وخامسها: خصصوا قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤] بخبر أبي هريرة: (في المنع من نكاح المرأة على عمتها، وخالتها، وبنت أخيها، وبنت أخيها).
ولقائل أن يقول: هل أجمعت الصحابة على تخصيص هذه العمومات، في هذه الصور، أو ما أجمعت؟
стр. 2006
فإن قلتم: (ما أجمعوا) فقد سقط دليلكم، وإن قلتم (أجمعوا) فلم لا يجوز أن يقال: المخصص لهذه العمومات ذلك الإجماع؟
فإن قلت: لابد لذلك الإجماع من مستند هو هذه الأخبار؛ إذ رب إجماع خفي مستنده لاستغنائهم بالإجماع عنه.
سلمنا أن ذلك المستند هو هذه الأخبار؛ لكن لعل هذه الأخبار كانت متواترة عندهم، ثم صارت آحادًا عندنا.
واحتج المانعون بالإجماع، والخبر، والمعقول:
أما الإجماع: فهو: أن عمر- ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس؛ وقال: (لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا؛ لقول امرأة لا ندري؛ لعلها نسيت أو كذبت).
وأما الخبر: فما روى أنه ﷺ قال: (إذا روى عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه) والخبر الذي يخصص الكتاب، على مخالفة الكتاب؛ فوجب رده.
وأما المعقول: فوجهان:
الأول: أن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد مظنون؛ والمقطوع أولى من المظنون.
والثاني: أن النسخ تخصيص في الأزمان، والتخصيص تخصيص في الأعيان؛ فنقول: لو جاز التخصيص بخبر الواحد في الأعيان، لكان لأجل أن تخصيص العام أولى من إلغاء الخاص، وهذا المعنى قائم في النسخ؛ فكان يلزم جواز النسخ بخبر الواحد، ولما لم يجز ذلك، علمنا أن ذلك أيضًا غير جائز.
стр. 2007
والجواب عن الأول أنا لا ندعي تخصيص العموم بكل ما جاء من أخبار الآحاد؛ حتى يكون ذلك علينا؛ وإنما نجوزه بالخبر الذي لا يكون راويه متهمًا بالكذب والنسيان، وهذا الشرط ما كان حاصلًا هنا؛ لأن عمر- ﵁ قدح في روايتها بذلك؛ فلم يكن قادحًا في غرضنا؛ بل هو بأن يكون حجة لنا أولى؛ وذلك لأن عمر- ﵁ بين أن روايتها إنما صارت مردودة؛ لكون الراوي غير مأمون من الكذب والنسيان، ولو كان خبر الواحد المقتضي لتخصيص الكتاب مردودًا كيفما كان، لما كان لذلك التعليل وجه.
وعن الثاني: أن ما ذكرتموه يقتضي ألا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، فإن قلتم: إن ما يقتضي تخصيص الكتاب، لا يكون على خلافه قلنا: في مسألتنا ذلك بعينه.
وعن الثالث: أن البراءة الأصلية يقينية، ثم إنا نتركها بخبر الواحد؛ فبطل قولكم: (إن المقطوع لا يترك بالمظنون).
ثم نقول: لا نسلم حصول التفاوت؛ وبيانه من وجهين:
الأول: أن الكتاب مقطوع في متنه، مظنون في دلالته؛ والخبر مظنون في دلالته، فلم قلتم: إنه حصل التفاوت بينهما؛ على هذا التقدير؟!
الثاني: أن الدليل القاطع، لما دل على وجوب العمل بالخبر المظنون، لم يكن وجوب العمل مظنونًا؛ لأن تقدير ذلك: أن الله تعالى قال: (مهما حصل في قلبكم ظن صدق الراوي، فاقطعوا أن حكمي ذلك).
فإذا وجدنا ذلك الظن، واستدللنا به على الحكم، كنا قاطعين بالحكم؛ وإذا كان كذلك، فلم قلتم: إن التفاوت حاصل على هذا التقدير؟
стр. 2008
وعن الرابع: أن الأصوليين اعتمدوا في الجواب على حرف واحد، وهو أن العقل ليس يأبي ذلك، وإنما فصلنا بينهما؛ لإجماع الصحابة على الفصل بينهما؛ فقبلوا خبر الواحد في التخصيص، وردوه في النسخ.
وهذا الجواب ضعيف؛ لأنا بينا أن الذي عولوا عليه في أنهم قبلوا خبر الواحد في التخصيص- ضعيف.
وإذا ثبت ذلك، فنقول: ثبت بما ذكرنا أن القياس يقتضى أنه لو قبل خبر الواحد في التخصيص، لوجب قبوله في النسخ، وثبت بالاتفاق أنهم ما قبلوه في النسخ؛ فوجب أن يقال: إنهم ما قبلوه في التخصيص أيضًا؛ ضرورة العمل بالدليل.
والجواب الصحيح لا يحصل إلا بذكر الفرق بينهما، وهو: أن التخصيص أهو من النسخ، ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف تأثيره في الأقوى، والله أعلم.
تنبيه: فأما قول عيسى بن أبان، والكرخي، فمبنيان على حرف واحد، وهو أن العام المخصوص عند عيسى مجاز، والعام المخصوص بالدليل المنفصل مجاز عن الكرخي، وإذا صار مجازًا، صارت دلالته مظنونة، ومتنه مقطوعًا، وخبر الواحد متنه مظنون، ودلالته مقطوعة؛ فيحصل التعادل.
فأما قبل ذلك، فإنه حقيقة في العموم؛ فيكون قاطعًا في متنه، وفي دلالته؛ فلا يجوز أن يرجح عليه المظنون.
فهذا هو مأخذهم، والكلام عليه هو ما تقدم، والله أعلم.
стр. 2009
الفصل الرابع
في تخصيص المقطوع بالمظنون
قال القرافي: (قوله: وقال عيسى بن أبان: إن خص بدليل مقطوع، جاز، وإلا فلا):
تقريره: أنه إذا خص بمقطوع، قطع بكونه مجازًا، فقطع بضعفه، فسلط عليه، حينئذ خبر الواحد يخصصه، وإن لم يخص بمقطوع، لم يقطع بضعفه، فلم يجز تخصيصه بخبر الواحد.
(فائدة)
المحدثون والنحاة مجموعون على عدم صرف (أبان) وكذلك أبان بن عثمان بن عفان، المحدثون على منع صرفه، وحيث وقع، لا يصرفون، ومانع صرفه خفي، فإن العلمية محققة، ولكن أي شيء معها، وليس من أوزان الفعل المضارع مثل: أحمد أو يشكر أو تغلب أو نرجس ونحوه، فهو من المشكلات لخروجه عن علل الصرف، إلا في العلمية، وهي وحدها غير مانعة من الصرف.
стр. 2010
جوابه قال ابن يعيش في (شرح المفصل) من الناس من يصرفه على أن وزنه (فعال) من أبان يبين، والجمهور على عدم الصرف؛ بناء على أن وزنه أفعل، وأصله أبين صيغة مبالغة في الظهور، الذي هو البيان والإبانة، فيقول: هذا أبين من هذا، أي: أظهر منه، فلوحظ أصله؛ فلم يصرف، والفرق بينه وبين الاسم، إذا سمى بما لم يسم فاعله، نحو: بيع وقيل؛ فإن أصله بيع بضم الباء، ولو سمى بقيل لم ينصرف؛ لأنه من جملة الأوزان المانعة من الصرف، وزن ما لم يسم فاعله، فإذا غير لأجل الاعتدال، فقيل: بيع، وقيل، لا ينبغي أن يصرف، كما قلتم في (أبان) إذ اعترض الوزن الذي يمنع الصرف، وهو وزن أفعل.
قال: والفرق أن (بيع) صار إلى أبنية الأسماء مثل زيد وتين وفيل، وأما (أبان) فهو أفال، وليس في الأسماء له وزان، ولذلك لم ينصرف فالسؤال وجوابه، والفرق: الكل حسن، فينبغي أن يكون على الخاطر، فهي فوائد لا توجد في عموم الكتب، بل في أفرادها ونوادرها.
стр. 2011
قوله: (وقال الكرخي: إن خص بدليل منفصل، صار مجازًا؛ فيجوز تخصيصه بخبر الواحد):
تقريره: أن أبا الحسن الكرخي يجعل المخصصات المتصلة مع أصل الكلام كالكلام الواجد الدال على ما بقي، فيكون حقيقة أو كالحقيقة، فيكون قويا، فلا يسلط عليه خبر الواحد بالتخصيص، والمخصص المنفصل لا يتأتي له ذلك فيه، فمداره ومدار عيسى بن أبان على القوة؛ فلا يخصصان، وعلى الضعف؛ فيخصصان، غير أن مدرك الكرخي في القوة الحقيقة والمجاز، ومدرك الآخر انقطع بالمجاز وعدم القطع.
وقوله: (العموم دليل بالاتفاق): يريد اتفاق الخصمين، وإلا فالخلاف في كون العموم حجة معلوم).
قوله: (تقديم العموم عليه يفضي إلي الغاية):
تقريره: إذا ورد قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] وقوله ﵇: (لا تقتلوا الرهبان)، وبقيت (اقتلوا المشركين) على عمومه، بطل معنى قوله: (لا تقتلوا الرهبان).
وإن خصصنا العموم بالحديث، لم يبطل واحد منهما، فكان أولى.
قوله: (خصصوا قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] في المجوس بخبر عبد الرحمن بن عوف: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب).
تقريره: أن الآية اقتضت قتل الكل، وخبر عبد الرحمن إنما ورد في الجزية، أي: سنوا بهم سنة أهل الكتاب في الجزية، فبطل القتل فيهم مع أهل الكتاب، وخرج الجميع من عموم المشركين، وبقي عبدة الأوثان وما شاكلهم ممن لا يجوز أخذ الجزية عليه.
стр. 2012
(سؤال)
(على جميع هذه الآيات والمواضع)
وهو ما تقرر أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات، والآية تقتضي قتل كل مشرك في حالة ما، ونحن نفعل ذلك، لم يبطل في فرد من المشركين؛ لأنا نقتل كل فرد منهم في حالة الحرابة والامتناع من أداء الجزية، وهذه حالة خاصة، ومتى صدق الخاص، صدق العام، فيصدق حالة ما، فما تعين العموم، بل هذه المخصصات ليست مخصصات، بل مقيدات لتلك الحالة المطلقة، وقد تقدم مرارًا التنبيه على هذه القاعدة، وبسطها أكثر من هذا، فيراجع من هناك.
قوله: (لم لا يجوز أن يكون المخصص لذلك العموم هو ذلك الإجماع؟):
قلنا: هذا متعذر؛ فإنهم ما أجمعوا حتى أفتوا، وما أفتوا حتى سمعوا هذه الأحاديث، فالإجماع متأخر في الرتبة الثالثة عن تخصيص العموم؛ فلا يمكن أن يقال، خصصوا بإجماعهم، وكيف يتصور أن يجمعوا على التخصيص بغير مستند، وهل هذا إلا حكم التشهي في الدين، وهو حرام.
وقوله: (لعل المسند غير الأخبار):
قلنا: الأصل عدمه.
قوله: (لعل تلك الأخبار كانت متواترة عندهم):
قلنا: الأصل عدم التواتر، وعدم الاختلاف في الأحوال، وبقاء ما كان على ما كان.
стр. 2013
قوله: (أما الإجماع: فما روى (أن عمر- ﵁ رد خبر فاطمة بنت قيس):
قلنا: عمر وحده ليس إجماعًا، لكن مراد المصنف أنه لم ينكر أحد عليه، فكان إجماعًا سكوتيا.
قوله: (ما الخبر فقوله ﵇: (إذا روى لكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه):
قلنا: السابق إلى الفهم: أن مخالفة الحديث للكتاب إنما تكون لمعارضة ما فهم أنه مراد من الكتاب، فإنا إذا قلنا: (زيد يخالف عمرًا في كلامه) أي: فيما فهم عنه.
أما إذا خالفه في ظاهر لفظه، ووافق مقصوده، إنما يقال: موافق لا مخالف، والخصوص موافق للمراد من الكتاب، وبيان له، فلا يكون مخالفًا؛ فلا يتناول هذا الحديث الخبر المخصص.
قوله: (البراءة الأصلية يقينية، وقد تركناها بخبر الواحد) يريد أن البراءة الأصلية يقينية الأصل، مظنونة الاستصحاب، بمعنى أن الإنسان قطعنا بأنه ولد بريئًا من جميع الحقوق، ثم إنه إذا كبر، وصار بالغًا، لا يحصل لنا ذلك القطع في خصوص ذلك الزمان، بل نظنه، وكذلك نقبل في شغل ذمته البينة، والشاهد، واليمين، ولو كان ذلك اليقين باقيًا، لما رفعناه بالأسباب المظنونة، وكذلك العموم مقطوع السند، مظنون الدلالة، وخبر الواحد إنما يقبل في صرف الدلالة عن الفرد المخرج، وهي ظنية، وليس لخبر الواحد أثر في السند أصلًا، فحاصل الشبه بين البراءة والعموم: أن الخبر إنما رفع المظنون فيهما، دون أصلهما المقطوع.
стр. 2014
قوله: (خبر الواحد مظنون في سنده، مقطوع في دلالته):
تقريره: أن هذا من الإمام على سبيل التنزه، حتى يحصل التساوي بين العموم والخبر، وإلا فالخبر قد يكون مقطوع الدلالة، فإن النص قد يروى بالآحاد، ولو صرح به، لكان أقوى في دفع ما قاله الخصم من تقديم العموم على خبر الواحد.
قوله: (لما دل الدليل على العمل بخبر الواحد لم يكن العمل بخبر الواحد مظنونًا).
قلنا: عليه سؤالان:
الأول: أن خبر الواحد قد يخصص ما ليس فيه حكم شرعي؛ كالأخبار الصرفة، وما فيه حكم شرعي، لكن لا يكون فيه وجوب عمل بأن يكون إباحة، أو تحريمًا، أو كراهة، أو ندبًا، أو لنصب بسبب أو شرط، أو مانع؛ من باب خطاب الوضع، فوجوب العمل ليس لازمًا.
الثاني: الكلام فيما يثير الظنون التي يفتي عندها الإجماع بوجوب العمل، لا بوجوب العمل، فإن المجتهد يقدم ويؤخر ويرجح، فإذا نقرر عنده بذل جهده، وظن واستقر فكره ودواعيه حينئذ، ويفتيه الإجماع بوجوب العمل إن كان مما يجب العمل به، وإلا فلا.
قوله: (إذا قال الله تعالى: (إذا غلب على ظنكم صدق الراوي، فاقطعوا بأني حكمي ذلك):
قلنا: لم يقل الله- تعالى- ذلك، بل قال: إذا غلب على ظنكم صدق الراوي، فطلتم غاية الطلب، فلم تجدوا معارضًا لذلك الخبر، فلم تجدوه، وحينئذ يكون حكم الله- تعالى- ما غلب على ظننا، والخصم يقول: إن
стр. 2015
ظاهر الكتاب معارض لهذا الخبر، ومقدم عليه، فما حصل انقطع بوجوب العمل.
قوله: (التخصيص أضعف من النسخ، ولا يلزم من تأثيره في الأضعف تأثيره في الأقوى).
تقريره: أن التخصيص بيان المراد من اللفظ، وإخراج ما ليس بمراد عن اللفظ.
وأما النسخ، وإن كان تخصصيًا في الأزمان- لكن الإبطال ورد على ما اتصف بالإرادة في الزمن الماضي، وورود الإبطال على ما اتصف بأنه مراد يقتضي مزيد الاحتياط؛ فإن الذي كان متصفًا بالإرادة كان متضمنًا للمصلحة، وإلا لما أريد بالحكم، وإبطال ما علم؛ أنه كان فيه مصلحة- يحتاج لتفقد، هل بطلت تلك المصلحة منه أم لا؟ إذ لو بقيت لما نسخ في ظاهر الحال؛ فيحتاج ذلك إلى مزيد احتياط، بخلاف التخصيص، ورد الإخراج على ما لم يكن قط مرادًا، فلم يتقدم فيه مصلحة تقتضي مزيد الاحتياط فيه.
فهذا هو الفرق المحقق؛ بخلاف قولهم: النسخ إبطال يوهم أنه إبطال المراد في الزمن الذي هو مراد فيه.
قوله: في شبهة ابن أبان، والكرخي: (إن العام مقطوع الدلالة) يريد عندهم مع أنه لا يحتاج لذلك، بل يكفي ما تقدم من توجيه مذهبهما.
وأما ما ينسب إليهما: أن الدلالة في العام قطعية، فبعيد عن نظر العلماء، وأين القطع من دلالة العموم على الاستغراق؟
***
стр. 2016
المسألة الثانية
يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس وهو: قول الشافعي وأبي حنيفة، ومالك، وأبي الحسين البصري، والأشعري، وأبي هاشم أخيرًا.
ومنهم من منع منه مطلقًا، وهو قول الجبائي، وأبي هاشم أولًا.
ومنهم: من فصل، ثم ذكروا فيه وجوها أربعة:
الأول: قول عيسى بن أبان: إن تطرق التخصيص إلى العموم، جاز؛ وإلا فلا.
والثاني: قول الكرخي، وهو: أنه إن خص بدليل منفصل، جاز؛ وإلا فلا.
والثالث: قول كثير من فقهائنا، ومنهم ابن سريج: يجوز بالقياس الجلي دون الخفي، ثم اختلفوا في تفسير الجلي والخفي؛ على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الجلي: هو قياس المعني، والخفي: هو قياس الشبه.
وثانيها: أن الجلي: هو مثل قوله ﷺ : (لا يقضي القاضي، وهو غضبان) وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن إتمام الفكر، حتى يتعدي إلى الجائع والحاقن.
وثالثها: قول أبي سعيد الإصطخري، وهو: (أن الجلي هو الذي إذا قضي القاضي بخلافه، ينتقض قضاؤه).
والرابع: قول الغزالي- ﵀ وهو: أن العام والقياس، إن تفاوتا في إفادة الظن، رجحنا الأقوى، وإن تعادلا، توقفنا.
وأما القاضي أبو بكر وإمام الحرمين، فقد ذهبا إلى الوقف.
стр. 2017
قال إمام الحرمين: والقول بالوقف يشارك القول بالتخصيص من وجه، ويباينه من وجه:
أما المشاركة فلأن المطلوب من تخصيص العام بالقياس إسقاط الاحتجاج بالعام، والوقف يشاركه فيه.
وأما المباينة فهي: أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضي القياس، والواقف لا يحكم به.
تنبيه: نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر، وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد، والخلاف جار في الكل، وكذا القول في قياس الخبر المتواتر، بالنسبة إلى عموم الكتاب، وبالعكس.
أما قياس خبر الواحد، إذا عارضه عموم الكتاب، أو السنة المتواترة، وجب أن يكون تجويزه أبعد.
لنا: أن العموم، والقياس دليلان متعارضان، والقياس خاص؛ فوجب تقديمه.
أما أن العموم دليل: فبالاتفاق.
وأما أن القياس دليل: فلأن العمل به دفع ضرر مظنون، فكان العمل به واجبًا، وسيأتي تقرير هذه الدلالة في باب القياس، إن شاء الله تعالى، وإذا ثبت ذلك، فالتقرير ما تقدم في المسألة الأولى.
واحتج المانعون بأمور:
стр. 2018
أحدها: أن الحكم المدلول عليه بالعموم معلوم، والحكم المدلول عليه بالقياس مظنون؛ والمعلوم راجح على المظنون.
وثانيها: أن القياس فرع النص، فلو خصصنا العموم بالقياس لقدمنا الفرع على الأصل؛ وإنه غير جائز.
وثالثها: أن حديث معاذ دل على أنه لا يجوز الاجتهاد إلا بعد فقد ذلك الحكم في الكتاب والسنة؛ وذلك يمنع من تخصيص النص بالقياس.
ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن من شرط القياس ألا يرده النص، وإذا كان العموم مخالفًا له، فقد رده.
وخامسها: أنه لو جاز التخصيص بالقياس، لجاز النسخ به وقد تقدم تقريره.
والجواب عن الأول ما تقدم، وعن الثاني: أن القياس المخصص للنص يكون فرعًا لنص آخر؛ وحينئذ يزول السؤال.
فإن قلت: لما كان القياس فرعًا لنص آخر، فكل مقدمة لابد منها في دلالة النص على الحكم- كانت معتبرة في الجانبين، وأما المقدمات التي لابد منها في دلالة القياس، فهي مختصة بجانب القياس فقط.
فإذن إثبات الحكم بالقياس يتوقف على مقدمات أكثر، وبالعموم على مقدمات أقل، فكان إثبات الحكم بالعموم أظهر من إثباته بالقياس، والأقوى لا يصير مرجوحًا بالأضعف.
قلت: قد تكون دلالة بعض العمومات على مدلوله، أقوى وأقل مقدمات من دلالة عموم آخر على مدلوله.
стр. 2019
وعند هذا يظهر أن الحق ما قاله الغزالي ﵀ وهو: أن دلالة العموم المخصوص على مدلوله، إذا افتقرت إلى مقدمات كثيرة، ودلالة العموم الذي هو أصل القياس، إذا افتقرت إلى مقدمات قليلة؛ بحيث تكون تلك المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات قليلة؛ بحيث تكون تلك المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات قليلة؛ بحيث تكون تلك المقدمات مع المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات العموم المخصوص أو أقل- جاز؛ وحينئذ لا يتوجه ما قالوه.
وعن الثالث: أن حديث معاذ، إن اقتضي أنه لا يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، فليقتض ألا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، ولا شك في فساد ذلك.
وعن الرابع: أن نقول: ما الذي تريد بقولك: شرط القياس ألا يدفعه النص؟
إن أردتم: أن شرطه ألا يكون رافعًا لكل ما اقتضاه النص، فحق.
وإن أردتم: ألا يكون رافعًا لشيء مما اقتضاه النص فهو عين المتنازع.
وعن الخامس: ما تقدم في المسألة الأولي.
المسألة الثانية
يجوز التخصيص بالقياس
قال القرافي: قوله: (أبو هشام أولًا): يريد في قوله الأول، قوله: (قال عيسى بن أبان، إن تطرق التخصيص للعموم، جاز تخصيصه بالقياس).
تقريره: أن العموم إذ خص، صار مجازًا ضعيفًا، فيجوز أن يسلط عليه القياس، فيخصصه، وإذا لم يدخل التخصيص، يكن حقيقة، فلا يسلط
стр. 2020
عليه القياس. وقد تقدم السؤال عن (أبان) وما سبب منع صرفه في المسألة التي قبل هذه.
قوله: (وقال الكرخي: (إن خص بدليل منفصل، جاز، وإلا فلا):
تقريره: أن الدليل المنفصل يصير مع لفظ الأصل، كالكلمة الواحدة الدالة على ما بقي، فيكون حقيقة، فلا يسلط عليه القياس، أما المتصل، فلا يمكن ذلك فيه؛ لاستقلاله بنفسه، فيكون العموم بعد التخصيص مجازًا، فيخصصه القياس.
قوله: (الجلي: قياس المعني، والخفي: قياس الشبه):
تقريره: أن قياس المعني: مثل قياس النبيذ على الخمر؛ بجامع السكر، وهو معنى مناسب، وقياس الأرز على البر؛ بجامع الطعم، وهو معني مناسب، وقياس الشبه؛ كقياس الجلسة الأخيرة على الأولى في عدم الوجوب؛ للمشابهة في الصورة، وقياس العبد على الأموال؛ لأجل شبهه بها؛ في كونها تقارض عليه.
قوله: وثانيها: الجلي: هو مثل قوله ﵇: (لا يقضي القاضي، وهو غضبان) يريد ما يفهم علته من اللفظ، من غير سبر.
قوله: (وثالثها: هو ما لو قضي القاضي بخلافه، لنقضناه):
قلنا: هذا يلزم من الدور؛ لأن الفقهاء، هذا القائل وغيره، لما ضبطوا ما ينقض فيه قضاء القاضي، قالوا: هو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي فكل واحد من البابين يحال على الآخر، ويتوقف عليه، فيلزم الدور.
قوله: عن الغزالي: (إن العام والقياس، إن تفاوتا في إفادة الظن، رجحنا الأقوى، وإن تعادلا توقفنا):
стр. 2021
تقريره: أن مراتب الظنون الحاصلة من القياس متفاوتة، فالمنصوص العلة أقوى مما استنبطت علته من أوصاف مذكورة، وما استنبطت علته من أوصاف مذكورة أقوى مما استنبطت علته من أوصاف مذكورة أقوى مما استنبطت من أوصاف غير مذكورة، وما نص على علته بالصريح أولى مما نص على علته بالإيماء، وما كانت علته يشهد نوعها كنوع الحكم أقوى مما يشهد حسنها؛ لحسن الحكم، وما بنيت عيه بالمناسبة أقوى مما بنيت عليه بالدوران، ونحو ذلك مما هو مذكور في باب التعارض والترجيح، والعموم الذي قلت أفراده أقوى في إفادة الظن مما كثرت أفراده؛ لأن تطرق احتمال التخصيص إليه- أقل؛ فإن كثرة الأنواع توجب كثرة التخصيص، والعموم الذي لا يكاد يوجد إلا مخصوصًا أضعف مما يوجد قط مخصوصًا، والعموم الذي يستعمل لفظه مجازًا في كثير من الصور- أضعف مما لم يتجوز بلفظه، وهذا عين التخصيص؛ فإن اللفظ قبل دخول آلة العموم عليه قد يستعمل مجازًا، وقد يستعمل حقيقة، وحينئذ لا تخصيص، إنما التخصيص بعد القضاء بالعموم؛ إذا تقرر تفاوت مراتب الظنون في القياس والعموم، وقد تستوي المرتبتان، وقد ترجح إحداهما، فيتصور ما قاله الغزالي في إتباع الراجح منهما (إن وجد، وإلا توقفنا) فإن المقصود إنما هو القضاء بالراجح.
(سؤال)
يلزم الغزالي- على هذا التدقيق الحسن- أن يقول بذلك في خبر الواحد مع العموم؛ فإن هذه الترجيحات متجهة هنالك، كما هي متجهة هاهنا؛ من جهة غلبة المجاز على أحدهما، وقلته في الآخر، وكثرة الأفراد، وقلتها، وكثرة اعتوار المجاز عليه في موارد الاستعمال، وقلتها، ونحو ذلك، وهذا السؤال قد يتخيل أنه لازم للواقفية أيضًا، فيقال: لم توقفوا هاهنا، ولم يتوقفوا في خبر الواحد، مع العموم؛ لاختلاف الأحوال بينهما؛ كما تقدم؟ غير أنه غير وارد عليهم؛ لأنهم لم يسلكوا مسلك الغزالي في اعتبار
стр. 2022
مراتب الظنون، بل خصصوا العموم بخر الواحد بعمل الصحابة وقوة شهرة ذلك بينهم، ولم يجدوا مثل ذلك الاشتهار في القياس، فتوقفوا؛ لتقارب المدارك، والغزالي إنما لزمه ذلك من جهة ما ذكره من التعليل، وأشار إليه من المدرك الذي لم يعرجوا هم عليه، بل توقفوا في ذلك.
قوله: (المطلوب بالقياس إسقاط الاحتجاج بالعام):
قلنا: ليس هذا الإطلاق على ظاهره، بل إنما سقط الاحتجاج به في الصورة التي يخرجها القياس.
قوله: (والوقف يشارك في ذلك):
يريد أنه لا يثبت الاحتجاج بالعام في تلك الصورة.
قوله: (نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر):
يريد بقياس الخبر المتواتر القياس الذي الحكم ثابت في أصله بخبر متواتر، وبقياس الكتاب الذي الحكم ثابت في أصله بالكتاب، وكذلك بقية ما ذكره من النظائر.
قوله: (الحكم الثابت بالعموم معلوم).
قلنا: لا نسلم، بل مظنون؛ لأن دلالة العموم ظنية، وإن كان سنده قطعيا.
قوله: (حديث معاذ دل على أنه: لا يجوز الاجتهاد إلا بعد فقد الحكم في الكتاب):
قلنا: ولا نسلم أن عموم الكتاب، إذا عارضه القياس المخصص لبعض صوره، يكون الحكم ثابتًا في تلك الصورة التي يتناولها القياس بالكتاب، والحكم مفقود عندنا، حينئذ من الكتاب.
стр. 2023
قوله: (أجمعت الأمة على أن النص لا يرده القياس):
قلنا: الذي وقع عليه الإجماع: هو أن القياس لا ينسخ المتواتر، أما رده لأخبار الآحاد بجملة ذلك الخبر، ففيه خلاف عند الحنفية والمالكية، وغيرهم من الفقهاء، إذا تعارض قياس وخبر واحد، وإن كان نصا ظاهرًا؛ هل يعرض عن الخبر بالكلية، أو عن القياس بالكلية؟ خلاف، وإذا أبطل الخبر الصحيح الصريح بجميع أفراده، فأول تخصيص العموم الذي فيه ليس إلا إخراج بعض الأفراد عن اللفظ، فهو أسهل من الإبطال بالكلية، وليس في هذين الموطنين إجماع، فكيف يدعي الإجماع مطلقًا؟
قوله: (القياس المخصص للنص فرع لنص آخر، فلا دور):
تقريره: أن النص المخصوص غير النص الذي هو أصل القياس، كما نقول: حديث عبادة في الأشياء الستة هو أصل قياس الأرز على البر في تحريم الربا، فهذا القياس يخصص بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] والنص الذي هو أصل غير النص الذي هو أصل القياس، فلا يلزم الدور، ولا تقديم فرع على أصل، بل قدمناه على أنه البيع في حكم الأرز، وليس أصلًا للقياس.
قوله: (مقدمات القياس أكثر من مقدمات العام):
تقريره: أن النصوص تتوقف على عصمة قائلها، وصحة سندها، وعدم إجمالها في دلالتها، ونحو ذلك من مقدمات النصوص المعتبرة فيها، وهي كلها مشتركة بين النص، الذي هو أصل القياس، وبين النص، الذي يخصصه القياس، والقياس في نفسه يحتاج لكون حكمه مما يقبل التعليل، وأن أصله معلل بكذا، ووجود تلك العلة في الفرع، وانتفاء الفوارق، فهذه مقدمات
стр. 2024
تختص بالقياس، مضافة إلى مقدمات النص الذي هو أصله؛ فحينئذ القياس، باعتبار مقدماته، ومقدمات أصله أكثر مقدمات من النص الذي يخصصه، فيكون أضعف عنه، فيقدم العموم عليه.
قوله: (قد تكون دلالة بعض العمومات على مدلوله أقوى وأقل مقدمات من دلالة عموم آخر على مدلوله):
تقريره: ما تقدم في بيان تفاوت الظنون الناشئة من الظنون، في تقرير كلام الغزالي؛ وحينئذ جاز أن يكون النص القليل المقدمات هو أصل القياس، والكثير المقدمات هو النص المخصوص، فيكون مجموع مقدمات القياس مع أصله أقل من مقدمات النص المخصوص، فيكون القياس أرجح، فيقدم على العموم.
قوله: (وبهذا يظهر أن الحق قول الغزالي):
تقريره: أن القائلين بأن القياس يخصص العموم، قالوا به مطلقًا في كل قياس مع كل عموم يعارضه القياس، ولم يفصلوا هذا التفصيل، والجواب بهذا التفصيل لا يعم جميع العمومات؛ فإن من العمومات ما مقدماته أكثر، فجاز أن يكون هو أصل القياس؛ فلا يقدم ذلك القياس على العموم الذي مقدماته أقل، فلا يصح العموم في هذه الدعوي، فيتجه قول الغزالي بالتفصيل، فإنه لا يرد عليه هذا السؤال؛ لأن الظن، متى كان أقوى، كانت المقدمات مساعدة على ذلك، وإلا لما كان الظن أقوى.
قوله: (وعن الخامس: ما تقدم في المسألة الأولى).
قلنا: قد تقدم في المسألة الأولى: أن النسخ رفع لحكم علم ثبوته في ذلك المحل، فيتوقف عن رفعه حتى يتيقن؛ بخلاف التخصيص؛ لم يثبت في تلك الأفراد المخرجة بالتخصيص حكم، فسهل الإقدام عليه، وقد تقدم بسطه في تلك المسألة أكثر من هذا.
стр. 2025
المسألة الثالثة
قال الرازي: إذا قلنا: المفهوم حجة فلا شك أن دلالته أضعف من دلالة المنطوق، فهل يجوز تخصيص العام به؟
مثاله: إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم، ثم قال الشارع: (في سائمة الغنم زكاة) فهذا مفهومه يقتضي تخصيص ذلك العام.
ولقائل أن يقول: إنما رجحنا الخاص على العام؛ لأن دلالة الخاص على ما تحته أقوى من دلالة العام على ذلك الخاص؛ والأقوى راجح.
وأما هاهنا فلا نسلم أن دلالة المفهوم على مدلوله أقوى من دلالة العام على ذلك الخاص؛ بل الظاهر أنه أضعف، وإذا كان كذلك كان تخصيص العام بالمفهوم ترجيحًا للأضعف على الأقوى؛ وإنه لا يجوز، والله أعلم.
المسألة الثالثة
لا يخصص المفهوم العموم
قال القرافي: قوله: قوله: (مثاله: إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم، ثم قال الشارع: (في سائمة الغنم الزكاة).
قلنا: لا معني لقولكم: إذا ورد، وقد ورد وهو مشهور، وهو قوله ﵇: (في كل أربعين شاة شاة).
قال سيف الدين: لا أعرف خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم: أنه
стр. 2026
يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، كان مفهوم موافقة، أو مخالفة، حتى إنه إذا قال: (من دخل داري، فأضربه) ثم قال: (إذا دخل زيد داري، فلا تقل له، أف) فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم مفهوم الموافقة.
قال الغزالي في (المستصفى): (مفهوم الموافقة؛ كتحريم الضرب من تحريم التأفيف- قاطع، كالنص يخصص به، ومفهوم المخالفة عند القائلين به كالنص يخصص به؛ حتى إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم، ثم قال: (في سائمة الغنم الزكاة) خصص العام بالمعلوفة، وبقيت السائمة وخدها؛ لأجل المفهوم.
***
стр. 2027
القول في بناء العام على الخاص
إذا روى عن رسول الله ﷺ خبران: خاص، وعام، وهما كالمتنافيين فإما أن نعلم تاريخهما، أو لا نعلم:
فإن علمنا التاريخ: فإما أن نعلم مقارنتهما، أو نعلم تراخي أحدهما عن الآخر:
فإن علمنا مقارنتهما؛ نحو أن يقول: (في الخيل زكاة) ويقول عقيبه: (ليس في الذكور من الخيل زكاة) فالواجب أن يكون الخاص مخصصًا للعام، ومنهم من قال: بل ذلك القدر من العام يصير معارضًا للخاص.
لنا وجوه:
الأول: أن الخاص أقوى دلالة على ما يتناوله من العام، والأقوى راجح؛ فالخاص راجح.
بيان الأول: أن العام يجوز إطلاقه من غير إرادة ذلك الخاص، أما ذلك الخاص فلا يجوز إطلاقه من غير إرادة ذلك الخاص؛ فثبت أنه أقوى.
الثاني: أن السيد إذا قال لعبده: اشتر كل ما في السوق من اللحم ثم قال عقيبه: (لا تشتر لحم البقر) فهم منه إخراج لحم البقر من كلامه الأول.
الثالث: أن إجراء العام على عمومه إلغاء للخاص، واعتبار الخاص لا يوجب إلغاء واحد منهما؛ فكان ذلك أولى.
فإن قلت: هلا حملتم قوله: (في خيل زكاة) على التطوع، وقوله: (لا
стр. 2028
زكاة في الذكور من الخيل) على نفي الوجوب، وهذا وإن كان مجازًا، لكن التخصيص أيضًا مجاز، فلم كان مجازكم أولى من مجازنا؟!
قلت: إنا نفرض الكلام فيما إذا قال: (أوجبت الزكاة في الخيل) ثم قال: (لا أوجبها في الذكور من الخيل).
ولأن قوله: (في الخيل زكاة) يقتضي وجوبها في الإناث والذكور، فلو حملناه على التطوع، لكنا قد عدلنا باللفظ على ظاهره في الإناث، لدليل لا يتناول الإناث، وليس كذلك، إذا أخرجنا الذكور في قوله: (في الخيل زكاة) لأنا نكون قد أخرجنا من العام شيئًا، لدليل يتناوله، واقتضي إخراجه.
أما إذا علمنا تأخير الخاص عن العام، فإن ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام كان ذلك بيانًا للتخصيص.
ويجوز ذلك عند من يجوز تأخير بيان العام، ولا يجوز عند المانعين منه.
وإن ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام، كان ذلك نسخًا وبيانًا لمراد المتكلم فيما بعد، دون ما قبل؛ لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة، أما إن كان العام متأخرًا عن الخاص، فعند الشافعي وأبي الحسين البصري: أن العام يبتني على الخاص؛ وهو المختار.
وعند أبي حنيفة، والقاضي عبد الجبار بن أحمد: أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم.
وتوقف ابن [القاص] فيه.
стр. 2029
لنا وجوه:
الأول: الخاص أقوى دلالة على ما يتناوله من العام، والأقوى راجح؛ فالخاص راجح.
الثاني: أن إجراء العام على عمومه يوجب إلغاء الخاص، واعتبار الخاص لا يوجب إلغاء واحد منهما؛ فكان أولى.
واحتج أبو حنيفة وأصحابه- ﵏ بأمور:
أحدها: ما روى عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (كنا نأخذ بالأحدث، فالأحدث) فإذا كان العام متأخرًا، كان أحدث؛ فوجب الأخذ به.
وثانيها: لفظان تعارضا، وعلم التاريخ بينهما فوجب تسليط الأخير على السابق، كما لو كان الأخير خاصًا، واحترزنا بقولنا: (لفظان) عن العام الذي يخصه العقل، فإنا هناك سلطنا المتقدم.
وثالثها: أن اللفظ العام في تناوله لآحاد ما دخل تحته- يجري مجري ألفاظ خاصة، كل واحد منها يتناول واحدًا فقط من تلك الآحاد؛ لأن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] قائم مقام قوله: (اقتلوا زيدًا المشرك، اقتلوا عمرًا، اقتلوا خالدًا) ولو قال ذلك بعدما قال: (لا تقتلوا زيدًا) لكان الثاني ناسخًا.
واحتج ابن القاص على التوقف: بأن هذين الخطابين، كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه آخر؛ لأنه إذا قال: (لا تقتلوا اليهود) ثم قال بعده: (اقتلوا المشركين) فقوله: لا تقتلوا اليهود أخص من قوله: (اقتلوا المشركين) من حيث إن اليهودي أخص من المشرك، وأعم منه؛ من
стр. 2030
حيث إنه دخل في المتقدم من الأوقات ما لم يدخل في المتأخر، وهو ما بين زمان ورود المتقدم والمتأخر.
فظهر أن الخاص المتقدم أعم في الأزمان، وأخص في الأعيان، والعام المتأخر بالعكس؛ فكل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه آخر وإذا ثبت ذلك وجب التوقف والرجوع إلى الترجيح، كما في كل خطابين هذا شأنهما.
والجواب عن الأول: أن هذا قول الصحابي؛ فيكون ضعيف الدلالة؛ فنخصه بما إذا كان الأحدث هو الخاص.
وعن الثاني: أن الفرق ما ذكرنا من أن الخاص أقوى من العام؛ فوجب تقديمه عليه، ولأنا لو لم نسلط الخاص المتأخر على العام المتقدم، لزم إلغاء الخاص، أو لو لم نسلط العام المتأخر على الخاص المتقدم، فلا يلزم ذلك؛ فظهر الفرق.
وعن الثالث: أنه إذا كان اللفظ عاما احتمل التخصيص وليس كذلك، إذا كان خاصًا، ولهذا لو كان قوله: (لا تقتلوا اليهود) مقارنًا لقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] لخصه، ولو قارن المفصل، لناقضه، ولم يخصه؛ لأن الخاص لا يحتمل التخصيص.
وأما الذي تمسك به ابن القاص فهو ضعيف؛ لأنه فرض الخاص المتقدم نهيًا؛ فلا جرم عم الأزمان، وفرض العام المتأخر أمرًا؛ فلا جرم لم يعم الأزمان، فصح له ما ادعاه من كون الخاص أعم من العام؛ من هذا الوجه.
أما لو فرضنا الخاص المتقدم أمرًا، والعام المتأخر نهيًا؛ فإنه لا يستقيم كلامه؛
стр. 2031
لأن الخاص المتقدم لا شك أنه خاص في الأعيان، وهو أيضًا خاص في الأزمان، لأن الأمر لا يفيد التكرار.
أما العام المتأخر فإذا فرضناه نهيًا، كان أعم من المتقدم في الأعيان بالاتفاق، وفي الأزمان أيضًا؛ لأن الأمر لا يتناول كل الأزمان؛ بل يتناول زمانًا واحدًا، فهاهنا المتأخر أعم من المتقدم من كل الوجوه؛ فبطل ما قالوه، والله أعلم.
أما إذا لم يعرف التاريخ بينهما فعند الشافعي- ﵁: أن الخاص منهما يخص العام.
وعند أبي حنيفة- ﵁ يتوقف فيهما، ويرجع إلى غيرهما، أو إلى ما يرجح أحدهما على الآخر؛ وهذا سديد على أصله؛ لأن الخاص دائر بين أن يكون منسوخًا، وبين أن يكون مخصصًا، وناسخًا مقبولًا، وناسخًا مردودًا؛ وعند حصول التردد يجب التوقف.
واعتمد أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أنه ليس للخاص مع العام إلا أن يقارنه، أو يتقدمه، أو يتأخر عنه، وقد ثبت تخصيص العام بالخاص عندنا على التقديرات الثلاثة، فعند الجهل بالتاريخ، يكون الحكم أيضًا كذلك، وهذا ضعيف؛ لأن الخاص المتأخر عن العام، إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، كان تخصيصًا، وإن ورد بعده، كان نسخًا.
وعلى هذا نقول: إن كان العام والخاص مقطوعين، أو مظنونين، أو العام مظنونًا، والخاص مقطوعًا- وجب ترجح الخاص على العام؛ لأن الخاص دائر بين أن يكون ناسخًا، أو مخصصًا.
стр. 2032
وعلى التقديرين؛ فالخاص مقدم في هذه الصورة.
أما إذا كان العام مقطوعًا به، والخاص مظنونًا، فبتقدير أن يكون الخاص مخصصًا؛ وجب العمل به؛ لأن التخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز.
لكن بتقدير أن يكون ناسخًا؛ لم يجب العمل به؛ لأن نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز.
فالحاصل: أن الخاص دائر بين أن يكون مخصصًا، وبين أن يكون ناسخًا مقبولًا، وبين أن يكون ناسخًا مردودًا، وإذا كان كذلك، لم يجب تقديم الخاص على العام مطلقًا.
الثاني: أن العموم يخص بالقياس مطلقًا، فلأن يخص بخبر الواحد أولى. وهو ضعيف؛ لأن القياس يقتضي أصلًا يقاس عليه فذلك الأصل، إن كان متقدمًا على العام، لم يجز القياس عليه عندنا، وكذا القول، إذا لم يعرف تقدمه وتأخره، لا يجوز القياس عليه.
والمعتمد: أن فقهاء الأمصار: في هذه الأعصار: يخصصون أعم الخبرين بأخصهما، مع فقد علمهم بالتاريخ.
فإن قلت: إن ابن عمر- ﵄ لم يخص قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣]، بقوله ﷺ : (لا تحرم الرضعة، ولا الرضعتان).
وعنه أيضًا أنه لما سئل عن نكاح النصرانية حرمه؛ محتجًا بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١] وجعل هذا العام رافعًا لقوله
стр. 2033
تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: ٥] مع خصوصه.
قلت: ادعينا إجماع أهل هذه الأعصار، ويحتمل أن يكون ابن عمر امتنع من ذلك؛ لدليل.
تنبيه: إن الحنفية، لما اعتقدوا أن الواجب في مثل هذا العام والخاص؛ إما التوقف، وإما الترجيح، ذكر عيسى بن أبان ثلاثة أوجه في الترجيح:
أحدها: اتفاق الأمة على العمل بأحدها.
وثانيها: عمل أكثر الأمة بأحد الخبرين، وعيبهم على من لم يعمل به؛ كعملهم بخبر أبي سعيد، وعيبهم على ابن عباس؛ حين نفى الربا في النقدين.
وثالثها: أن تكون الرواية لأحدهما أشهر.
وزاد أبو عبد الله البصري وجهين آخرين:
أحدهما: أن يتضمن أحد الخبرين حكمًا شرعيًا.
وثانيهما: أن يكون أحد الخبرين بيانًا للآخر بالاتفاق؛ كاتفاقهم على أن قوله ﷺ : (لا قطع إلا في ثمن المجن) بيان لآية السرقة.
قال أبو الحسين البصري ﵀: (هذه الأمور أمارة، لتأخر أحد الخبرين؛ لأن الخبر لو كان متقدمًا منسوخًا لما اتفقت الأمة على استعماله، ولا عابوا من ترك استعماله، ولما كان نقله أشهر، ولما أجمعوا على كونه بيانًا لناسخه، وكون الحكم غير شرعي يقتضي كون الخبر الذي تضمنه مصاحبًا للعقل، وأن الخبر المتضمن للحكم الشرعي متأخر.
وهذا الوجه ضعيف، والله أعلم.
стр. 2034
القول في بناء العام على الخاص
قال القرافي: قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): عندنا يقدم الخاص، ويتوقف فيهما عند القاضي أبي بكر.
وعند الحنيفة: إن تأخر الخاص، خصص، وإن تقدم، نسخه العام.
وقال بعض أصحابنا: إن ورد الخاص بعد العام كان ناسخًا لما تناوله من العام؛ بناء على أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب؛ قاله بعض أصحابنا، كما قاله المعتزلة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الخاص والعام متفقًا على العمل بهما، قضي الخاص على العام، لقوله ﵇: (في الرقة ربع العشر) مع قوله ﵇: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة).
وقال أهل الظاهر: إن كانا في القرآن قضي بالخاص على العام، أو في السنة، سقطا، فهذه ستة مذاهب.
قوله: (إذا روى خاص وعام، فهما كالمتباينين):
تقريره: هذا التشبيه: أن ظاهر اللفظ يقتضي التنافي، وإذا جمع بينهما، ذهب التنافي، فلذلك قال: كالمتباينين، ولم يقل: متباينان؛ فإن التنافي ليس محققًا؛ لأجل إمكان الجمع.
стр. 2035
قوله: (اعتبار الخاص لا يوجب إلغاء واحد منهما):
يريد بكليته: وإلا فهو يلزم منه إلغاء ظاهر العام، لكن ليس بكليته، بل ببعض أفراده.
قوله: (في الخيل زكاة) يقتضي وجوبها في الإناث.
قلنا: لا نسلم أن صيغة (في) تقتضي الإيجاب، بل هي أعم من الوجوب، والندب؛ لأن ثبوت الزكاة فيها يصدق بالطريقين.
قوله: (إن ورد الخاص بعد وقت العمل بالخاص، كان نسخًا وبيانًا لمراد المتكلم فيما بعد، دون ما قبل):
تقريره: أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة في عادة الشرع، وأن العقل يقتضي جوازه؛ بناء على تكليف ما لا يطاق، لكن تكليف ما لا يطاق غير واقع، فنعتقد إذا عملنا بالعام، ولم يأت بيان: أن العموم مراد، فيكون الرفع بعد ذلك نسخًا لما هو مراد، وبيانًا؛ لأن المتكلم أراد عدم الحكم فيما بعد ذلك، دون ما قبله؛ لأن الحكم الثابت قبل بالعموم، لا بالخصوص الناسخ.
قوله: (كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث):
قلنا: (الأحدث) صيغة عامة في أفراد الأحدث، مطلق في متعلقاته، وأحواله، وأزمنته، وبقاعه؛ كما تقدم غير مرة، فنحمله على بعض متعلقاته، وهو الأحدث من الأحكام دون الأدلة، والنزاع إنما هو في الأدلة، ويكون هذا تقييدًا لتلك الحالة والمتعلق، لا تخصيصًا للعموم، ويبقي لفظ الراوي على عمومه، والأحكام هي السابقة للفهم عند سماع هذه الصيغة.
ولذلك قال العلماء: أحكام أوائل الإسلام كان فيها الرخص كثيرة، ولما قويت عصابة الإسلام واستقر، تجددت العزائم ناسخة لتلك الأحكام السابقة، وهو معنى الحديث.
следующие страницы →