Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
لأن الخاص المتقدم لا شك أنه خاص في الأعيان، وهو أيضًا خاص في الأزمان، لأن الأمر لا يفيد التكرار.
أما العام المتأخر فإذا فرضناه نهيًا، كان أعم من المتقدم في الأعيان بالاتفاق، وفي الأزمان أيضًا؛ لأن الأمر لا يتناول كل الأزمان؛ بل يتناول زمانًا واحدًا، فهاهنا المتأخر أعم من المتقدم من كل الوجوه؛ فبطل ما قالوه، والله أعلم.
أما إذا لم يعرف التاريخ بينهما فعند الشافعي- ﵁: أن الخاص منهما يخص العام.
وعند أبي حنيفة- ﵁ يتوقف فيهما، ويرجع إلى غيرهما، أو إلى ما يرجح أحدهما على الآخر؛ وهذا سديد على أصله؛ لأن الخاص دائر بين أن يكون منسوخًا، وبين أن يكون مخصصًا، وناسخًا مقبولًا، وناسخًا مردودًا؛ وعند حصول التردد يجب التوقف.
واعتمد أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: أنه ليس للخاص مع العام إلا أن يقارنه، أو يتقدمه، أو يتأخر عنه، وقد ثبت تخصيص العام بالخاص عندنا على التقديرات الثلاثة، فعند الجهل بالتاريخ، يكون الحكم أيضًا كذلك، وهذا ضعيف؛ لأن الخاص المتأخر عن العام، إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، كان تخصيصًا، وإن ورد بعده، كان نسخًا.
وعلى هذا نقول: إن كان العام والخاص مقطوعين، أو مظنونين، أو العام مظنونًا، والخاص مقطوعًا- وجب ترجح الخاص على العام؛ لأن الخاص دائر بين أن يكون ناسخًا، أو مخصصًا.
стр. 2032
وعلى التقديرين؛ فالخاص مقدم في هذه الصورة.
أما إذا كان العام مقطوعًا به، والخاص مظنونًا، فبتقدير أن يكون الخاص مخصصًا؛ وجب العمل به؛ لأن التخصيص الكتاب بخبر الواحد جائز.
لكن بتقدير أن يكون ناسخًا؛ لم يجب العمل به؛ لأن نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز.
فالحاصل: أن الخاص دائر بين أن يكون مخصصًا، وبين أن يكون ناسخًا مقبولًا، وبين أن يكون ناسخًا مردودًا، وإذا كان كذلك، لم يجب تقديم الخاص على العام مطلقًا.
الثاني: أن العموم يخص بالقياس مطلقًا، فلأن يخص بخبر الواحد أولى. وهو ضعيف؛ لأن القياس يقتضي أصلًا يقاس عليه فذلك الأصل، إن كان متقدمًا على العام، لم يجز القياس عليه عندنا، وكذا القول، إذا لم يعرف تقدمه وتأخره، لا يجوز القياس عليه.
والمعتمد: أن فقهاء الأمصار: في هذه الأعصار: يخصصون أعم الخبرين بأخصهما، مع فقد علمهم بالتاريخ.
فإن قلت: إن ابن عمر- ﵄ لم يخص قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣]، بقوله ﷺ : (لا تحرم الرضعة، ولا الرضعتان).
وعنه أيضًا أنه لما سئل عن نكاح النصرانية حرمه؛ محتجًا بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١] وجعل هذا العام رافعًا لقوله
стр. 2033
تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ [المائدة: ٥] مع خصوصه.
قلت: ادعينا إجماع أهل هذه الأعصار، ويحتمل أن يكون ابن عمر امتنع من ذلك؛ لدليل.
تنبيه: إن الحنفية، لما اعتقدوا أن الواجب في مثل هذا العام والخاص؛ إما التوقف، وإما الترجيح، ذكر عيسى بن أبان ثلاثة أوجه في الترجيح:
أحدها: اتفاق الأمة على العمل بأحدها.
وثانيها: عمل أكثر الأمة بأحد الخبرين، وعيبهم على من لم يعمل به؛ كعملهم بخبر أبي سعيد، وعيبهم على ابن عباس؛ حين نفى الربا في النقدين.
وثالثها: أن تكون الرواية لأحدهما أشهر.
وزاد أبو عبد الله البصري وجهين آخرين:
أحدهما: أن يتضمن أحد الخبرين حكمًا شرعيًا.
وثانيهما: أن يكون أحد الخبرين بيانًا للآخر بالاتفاق؛ كاتفاقهم على أن قوله ﷺ : (لا قطع إلا في ثمن المجن) بيان لآية السرقة.
قال أبو الحسين البصري ﵀: (هذه الأمور أمارة، لتأخر أحد الخبرين؛ لأن الخبر لو كان متقدمًا منسوخًا لما اتفقت الأمة على استعماله، ولا عابوا من ترك استعماله، ولما كان نقله أشهر، ولما أجمعوا على كونه بيانًا لناسخه، وكون الحكم غير شرعي يقتضي كون الخبر الذي تضمنه مصاحبًا للعقل، وأن الخبر المتضمن للحكم الشرعي متأخر.
وهذا الوجه ضعيف، والله أعلم.
стр. 2034
القول في بناء العام على الخاص
قال القرافي: قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): عندنا يقدم الخاص، ويتوقف فيهما عند القاضي أبي بكر.
وعند الحنيفة: إن تأخر الخاص، خصص، وإن تقدم، نسخه العام.
وقال بعض أصحابنا: إن ورد الخاص بعد العام كان ناسخًا لما تناوله من العام؛ بناء على أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب؛ قاله بعض أصحابنا، كما قاله المعتزلة.
وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الخاص والعام متفقًا على العمل بهما، قضي الخاص على العام، لقوله ﵇: (في الرقة ربع العشر) مع قوله ﵇: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة).
وقال أهل الظاهر: إن كانا في القرآن قضي بالخاص على العام، أو في السنة، سقطا، فهذه ستة مذاهب.
قوله: (إذا روى خاص وعام، فهما كالمتباينين):
تقريره: هذا التشبيه: أن ظاهر اللفظ يقتضي التنافي، وإذا جمع بينهما، ذهب التنافي، فلذلك قال: كالمتباينين، ولم يقل: متباينان؛ فإن التنافي ليس محققًا؛ لأجل إمكان الجمع.
стр. 2035
قوله: (اعتبار الخاص لا يوجب إلغاء واحد منهما):
يريد بكليته: وإلا فهو يلزم منه إلغاء ظاهر العام، لكن ليس بكليته، بل ببعض أفراده.
قوله: (في الخيل زكاة) يقتضي وجوبها في الإناث.
قلنا: لا نسلم أن صيغة (في) تقتضي الإيجاب، بل هي أعم من الوجوب، والندب؛ لأن ثبوت الزكاة فيها يصدق بالطريقين.
قوله: (إن ورد الخاص بعد وقت العمل بالخاص، كان نسخًا وبيانًا لمراد المتكلم فيما بعد، دون ما قبل):
تقريره: أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة في عادة الشرع، وأن العقل يقتضي جوازه؛ بناء على تكليف ما لا يطاق، لكن تكليف ما لا يطاق غير واقع، فنعتقد إذا عملنا بالعام، ولم يأت بيان: أن العموم مراد، فيكون الرفع بعد ذلك نسخًا لما هو مراد، وبيانًا؛ لأن المتكلم أراد عدم الحكم فيما بعد ذلك، دون ما قبله؛ لأن الحكم الثابت قبل بالعموم، لا بالخصوص الناسخ.
قوله: (كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث):
قلنا: (الأحدث) صيغة عامة في أفراد الأحدث، مطلق في متعلقاته، وأحواله، وأزمنته، وبقاعه؛ كما تقدم غير مرة، فنحمله على بعض متعلقاته، وهو الأحدث من الأحكام دون الأدلة، والنزاع إنما هو في الأدلة، ويكون هذا تقييدًا لتلك الحالة والمتعلق، لا تخصيصًا للعموم، ويبقي لفظ الراوي على عمومه، والأحكام هي السابقة للفهم عند سماع هذه الصيغة.
ولذلك قال العلماء: أحكام أوائل الإسلام كان فيها الرخص كثيرة، ولما قويت عصابة الإسلام واستقر، تجددت العزائم ناسخة لتلك الأحكام السابقة، وهو معنى الحديث.
стр. 2036
قوله: (اللفظ العام قائم مقام التنصيص على الأعيان الخاصة، فقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] قائم مقام اقتلوا زيدًا، اقتلوا عمرًا) ولو قال ذلك، لكان ورود التخصيص بعد ذلك نسخًا):
قلنا: الفرق أن صيغة العموم تدل على كل نوع تضمنًا، وفي التنصيص على الأنواع تدل مطابقة، ولفظ التنصيص على الأفراد لا يقبل الاستثناء في كل فرد نص عليه، وفي العموم يقبله، فافترقا.
قوله: (إذا قال: لا تقتلوا اليهود، ثم بعد سنة قال: (اقتلوا المشركين) يكون الأول أعم في الأزمان).
تقريره: أن هذا البحث مبني على أن النهي يقتضي التكرار، فيتناول الأزمنة من حين وروده إلى آخر الدهر، والأمر- وإن سلمنا أنه للتكرار- فإنما يتناول الأزمنة، من حين وروده إلى آخر المستقبل؛ فينفصل النهي بالسنة الكائنة قبل ورود الأمر.
قوله: (وإذا كان كل واحد منهما أعم وأخص من وجه، وجب التوقف):
قلنا: عموم (المشركين) في الأشخاص، وعموم النهي الخاص في الأزمان، ودلالة اللفظ على الأشخاص- ليس من الأزمنة، والزمان أبعد عنها، وإن كان المقصود الأهم إنما هو الأشخاص، ودلالة الخاص على أفراده أقوى، فوجب ترجيحه.
قوله: (قول الصحابي ضعيف، فنحمله على ما إذا كان المتأخر هو الخاص).
قلنا: هذا تحكم؛ لأنه، إن كان حجة، فيجب ألا يخص عمومه إلا بدليل، ولم يذكروه، فإن لم يكن حجة، فلا يحمل على شيء.
стр. 2037
قوله: (وهذا سديد على أصله؛ لأن الخاص دائر بين أن يكون منسوخًا ومخصصًا، وناسخًا مقبولًا، وناسخًا مردودًا):
تقريره: أن الخاص يحتمل عند الجهل بالتاريخ أن يكون متقدمًا، فيكون منسوخًا على قاعدته أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، وإن كان متأخرًا، وورد قبل العمل بالعام، كان مخصصًا، أو بعد العمل بالعام، فيكون ناسخًا مقبولًا، إن كان مساويًا له، أو أقوى من حيث السند.
فأما المتقدم، إن كان متواترًا، لا ينسخه بالآحاد المتأخر، وإن كان متواترًا، نسخ العام المتقدم في الأفراد التي يتلوها الخاص، فلما تعارضت الاحتمالات، وجب التوقف.
قلت: وقع في (المحصول) في هذه المسألة ابن الفارض بالفاء، و (ابن العارض) بالعين مع الراء فيهما، وهما تصحيف، وإنما هو (ابن القاص) بالقاف والصاد بالمهملة من غير راء، وهو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري، صاحب أبي العباس بن سريج مات ب (طرمسوس) سنة خمس وثلاثمائة، وكان إمامًا عظيمًا من الشافعية، وله مصنفات: كتاب (المفتاح) و (أدب القضاء) و (المواقيت) و (التلخيص) وله يقول الشاعر: [الكامل]
عقم النساء فلا يلدن شبيهه .... إن النساء بمثله عقم
وعنه أخذ الفقه أهل (طبرستان) ذكره الشيخ أبو إسحاق في (طبقات الفقهاء) كذلك، وينبغي لابن القاص؛ ألا يتوقف إلا في الأفراد التي يتناولها
стр. 2038
الخاص من العام، أما ما عداها، فسالم عن معارضة هذه الشبهة، فلا يتوقف فيها.
قوله: (إذا دار الخاص بين أن يكون هو، والمعارض مقطوعين، أو مظنونين، أو العام مظنونًا، والخاص مقطوعًا): لا يقضي بتقديم الخاص على العام مطلقًا.
يريد: بل يفصل في النصوص، ويقال: هل هما حالة النظر مقطوعان، أو مظنونان، أو أحدهما؟ ويخرج أحدهما على هذه القواعد المتقدمة، ولا يجزم بالتقديم مطلقًا، بل يقدم العام المقطوع على الخاص المظنون، لاحتمال تأخره عن وقت العمل بالعام، ويقدم الخاص المقطوع على العام المظنون السند؛ لأنه أسوأ أحواله أن يكون ناسخًا، وهو يصلح لذلك.
قوله: (أصل القياس إن كان متقدمًا على العام، لم يجز القياس عليه عندنا):
تقريره: أن أبا حنيفة يجعل العام المتأخر ناسخًا للخاص المتقدم، فعلى تقدير ورود حديث عبادة في الأشياء الستة في الربا، وورود قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] كان ناسخًا لحديث عبادة، فلم يستقر الحكم في البر، حتى يقاس عليه الأرز، بل يبطل المنع في الجميع عنده، فلا يحتج عليه بمثل هذا القياس؛ به هذا تقرير كلامه بحسب الإمكان مع أن عبارته تقتضي أنا نحن أيضًا نقول بذلك، وما رأيت هذا في غير هذا الموضع.
قوله: (عابوا على ابن عباس نفي الربا في النقد):
يريد بالنقد الناجز في الربويات: كيف كان، لأنه يخصص الربا بالنسيئة؛ لقوله ﵇: (إنما الربا في النسيئة)، ولم يرد بالنقد الذهب، والفضة خاصة.
стр. 2039
قوله: (أحدهما: أن يتضمن أحد الخبرين حكمًا شرعيًا):
يريد: والآخر مضمونه حكم عقلي؛ لأنه- ﵇ إنما بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان العقليات.
قوله: (وثانيهما: أن يكون أحدهما بيانًا للآخر بالاتفاق؛ لقوله ﵇: (لا قطع إلا في ثمن المجن) اتفقوا على أنه بيان لآية السرقة):
تقريره: أنه لو لم يتفقوا على أنه بيان، لم يقدم؛ لأن التخصيص كله بيان، فلولا الإجماع، لوجب التوقف في هذا المخصص مع ذلك العموم، لكن لما دل الصادق المعصوم الذي هو الإجماع أنه بيان له، وجب المصير لما قاله الإجماع اضطرارًا.
قوله: (هذا الوجه ضعيف):
قال ابن يونس في تعليقه: (يريد أن هذا لا يفيد اعتقاد أنه متأخر، بل لعل سبب ذلك ما ذكره الجمهور من كونه خاصا، فينبغي تقديمه على العموم).
(سؤال)
قال النقشواني: قوله في الخاص المتقدم: (لو نسخناه بالعام المتأخر، لزم إلغاؤه) ممنوع ، بل يبقي معمولًا به في الزمان المتقدم، وإنما يبطل في الزمن المتأخر.
جوابه: أن الترجيح والحجة باعتبار المستقبل إلى آخر الدهر، فإنا إذا قدمنا
стр. 2040
العام على الخاص، بطل الخاص في المستقبل مطلقًا، وإذا قدمنا الخاص على العام، لا يلغو واحد منهما في المستقبل، فكان أولى
(سؤال)
قال النقشواني: جوابه بأن (المتقدم) إذا فرض أمرًا، لا يلزم ما قاله ابن القاص لا يتم له؛ بل لا فرق بين الأمر والنهي سواء قلنا: الأمر يفيد التكرار أم لا؛ لأنا إذا قلنا: الأمر لا يفيد التكرار، فمعناه: لم يوضع له لغة، ومع ذلك فتناول الأزمنة المستقبلة إلى يوم القيامة باعتبار الإمكان، كما إذا قلنا: الحج لم يرد أمره بالتكرار فيه، فإنه يلزم كل أحد حجة واحدة إلى قيام الساعة، وكذلك إيجاب الصلاة على النبي ﷺ مرة واحدة في العمر، وهي متكررة في جميع الأعصار، فحينئذ لا فرق بين البابين.
(سؤال)
قال النقشواني: الذي اختاره المصنف في النهي أنه لا يفيد التكرار، وهاهنا ألزم التكرار ، إن كان النهي متقدمًا، فقد ناقض.
جوابه: أنه ألزم ابن القاص مذهبه في النهي، ولم يفرع على مذهبه هو، بل على مذهب خصمه؛ ليتبين له أن مدركه يطرد في الأمر؛ كما قاله في النهي.
(سؤال)
قال النقشواني: الشهادتان، إذا علم تقدم إحداهما، عمل بها، وقدمت، وإن جهل التاريخ، عمل بها مع أن كل واحدة منهما يمكن أن تكون مقبولة ومردودة؛ فعلى هذا لا ينبغي التوقف عند جهل التاريخ، بل يعمل بهما، وإلا فما الفرق؟
قلت: الظاهر أنه يريد بالشهادتين، إذا شهدت إحداهما بأنه أقرضه مائة، وشهدت أخرى بأنه أبرأه من خمسين حتى يبقي فيهما أهم وأخص، فإن علم
стр. 2041
تقدم الإبراء، لغي أو تقدم القرض، اعتبر، وأبرئ من خمسين، وإن جهل الحال، اعتبرت البينتان، وألزم بخمسين فقط مع جهل التاريخ، ولا يحصل هاهنا توقف أصلًا، مع جواز أن يكون الإبراء قبل القرض؛ فلا يؤثر شيئًا في الإسقاط، والمائة على حالها؛ لتأخرها عن زمن الإبراء، مع أنه لم يقل أحد به، فكما لم يحصل التوقف في الشهادتين في حالة من الحالات، علم التاريخ، أو جهل ذلك في الخبرين، وهذا مستند أعابهم في ترك العمل بالخاص في الربا في النقد، فقدم احتمال التخصيص على احتمال النسخ؛ لأنه أخف، وكما في الشهادتين.
(سؤال)
قال النقشواني: ثم قوله: (إذا تقدم النص، الذي هو أصل القياس، لا يصح القياس عنده) لا يتجه ؛ لأن النص، الذي هو أصل القياس، قد يتقدم على العام، ولا يكون بينه وبين العام معارضة، من حيث اللفظ، كما إذا ورد الأمر بأخذ الجزية من النصارى، ثم ورد الأمر بقتل اليهود، فهذان نصان، لا تعارض بينهما، مع أنه لو رغب أحد من اليهود في بذل، الجزية أمكن قياسه على النصارى؛ بجامع المصلحة، مع أن هذا ليس من باب الخاص والعام، الذي يقول أبو حنيفة بنسخه، ومنع القياس عليه؛ لعدم التعارض في اللفظ، ولو صح ما قاله، لانسد باب تخصيص العموم بالقياس.
(تنبيه)
وافقه سراج الدين في قوله عندنا في تقدم أصل القياس، وسكت تاج الدين عن هذا البحث بالكلية، وكذلك التبريزي، و (المنتخب) قال: إذا كان أصل القياس مقدمًا على العموم، مع انتفاء التاريخ، لم يجز القياس عليه بالإجماع، فغير العبارة، وحكي الإجماع، وما أدري، هذا الشرط
стр. 2042
في القياس من قاله من المتقدمين، ولا من المتأخرين غير (المحصول) ومختصراته تبع له.
ولم يزل الناس وجماهير الفقهاء يقيسون، ويخصصون، مع أن أصل ذلك القياس غير معلوم التاريخ فهو مشكل، وقد خطر، فيه جواب حسن، وهو أن قوله: (وهذا ضعيف إلى آخر كلامه) السؤال هو من جهة الحنيفة، فأمكن أن يكون الإمام أورد هذا على ألسنتهم، ويكون قوله (عندنا) عائدًا على الحنيفة، والضمير الذي هو النون والألف عائد عليهم، وهو مستقيم، كما قررته أول المسألة على أصولهم، ولا يكون في هذا التأويل كبير بعد، ويكون الإجماع الذي حكاه (المنتخب) خطأ؛ فإن المصنف لم يقله، ويندفع الإشكال بالكلية.
ثم إني بعد الوصول إلى هذه الغاية في الكلام، وجدت أبا الحسين في (المعتمد) قد صرح بهذا، فقال: والجواب عن القياس: أن أصله، إذا تقدم على العام، وكان منافيًا له- امتنع القياس عليه عند الخصم؛ لأنه منسوخ بالعام، فإذا جهل التقدم، امتنع القياس، لاحتمال التقدم.
قال: وإن كان أصل القياس متقدمًا على وجه لا ينافيه لنهيه- ﵇ عن بيع البر، ثم يقول بعده: (أحللت لكم بيع ما سوى البر) - فيجوز القياس على البر؛ لأنه لا نسخ حينئذ لعدم المنافاة؛ بخلاف لو قال: (أحللت لكم البياعات) فإنه ينافيه وينسخه، ويمتنع القياس، فصرح أن هذا المنع إنما هو على مذهب الخصم.
وفصل هذا التفصيل الحسن، وزال الإشكال، ولله الحمد، وظهر أن الذي ظهر لي أن الضمير ضمير الحنفية في قوله: (عندنا)، وأن لفظ (المحصول) صواب، ولفظ (المنتخب) خطأ.
وكذلك رأيت العالمي الحنفي ذكر في كتابه (الموضوع في أصول الفقه)
стр. 2043
على أصولهم ذكر حججنا عليهم، ومنع صحة القياس على أصولهم، وعلله بأن أصل القياس، إن تقدم، كان منسوخًا؛ فلا يصح القياس عليه، وإنما يصح القياس عليه، وهو متقدم، إذا لم يتناوله العام اللاحق، كما قاله صاحب (المعتمد) حرفًا بحرف، ولم يدع موافقتنا على ذلك، ولا إجماعًا، ولم يرد على المنع بناءً على أصله.
***
стр. 2044
القول فيما ظن أنه من مخصصات العموم، مع أنه ليس كذلك، وفيه مسائل
المسألة الأولى
قال الرازي:
الخطاب الذي يرد جوابًا عن سؤال سائل: إما ألا يكون مستقلا بنفسه، أو يكون:
والأول على قسمين؛ لأن عدم استقلاله إما أن يكون لأمر يرجع إليه؛ كقوله ﷺ ، وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: (أينقص، إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا، إذن).
وإما أن يكون لأمر يرجع إلى العادة كقوله: (والله لا آكل) في جواب من يقول: (كل عندي) لأن هذا الجواب مستقل بنفسه، غير أن العرف اقتضي عدم استقلاله، حتى صار مفتقرًا إلى السبب الذي خرج عليه.
والقسم الثاني على ثلاثة أنواع؛ لأن الجواب إما أن يكون أخص، أو مساويًا، أو أعم، والأعم إما أن يكون أعم مما سئل عنه؛ كقوله ﷺ لما سئل عن بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء).
أو يكون أعم في غير ما سئل عنه؛ كقوله ﷺ ، وقد سئل عن ماء البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).
إذا عرفت هذه الأقسام فنقول: أما الجواب الذي لا يستقل بنفسه؛ فإنه يفيد مع سببه، فيكون السبب موجودًا في كلام المجيب تقديرًا، وإلا لم يفد.
стр. 2045
ولو أن المتكلم أتي بالسبب في كلامه؛ فقال: (والله، لا آكل عندك) لكان اليمين مقصورًا على الأكل عنده.
وأما الجواب المستقل المساوي، فلا إشكال فيه، وأما الأخص فهو جائز بثلاث شرائط:
أحدها: أن يكون فيما خرج عن الجواب تنبيه على ما لم يخرج منه.
وثانيها: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد.
وثالثها: ألا تفوت المصلحة، باشتغال السائل بالاجتهاد.
وبدون هذه الشرائط، لا يجوز.
وأما إذا كان الجواب أعم في غير ما سئل عنه، فلا شبهة في أنه يجري على عمومه.
أما إذا كان الجواب أعم مما سئل عنه، فالحق أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب خلافًا للمزني، وأبي ثور؛ فإنهما زعما أن خصوص السبب يكون مخصصًا لعموم اللفظ.
قال إمام الحرمين: (وهو الذي صح عن الشافعي- ﵁)
لنا وجهان:
الأول: أن المقتضي للعموم قائم، وهو اللفظ الموضوع للعموم، والمعارض الموجود، وهو خصوص السبب، لا يصلح معارضًا؛ لأنه لا منافاة. بين عموم اللفظ، وخصوص السبب؛ فإن الشارع لو صرح؛ وقال: يجب عليكم أن
стр. 2046
تحملوا اللفظ العام على عمومه، وألا تخصصوه بخصوص سببه، كان ذلك جائزًا، والعلم بجوازه ضروري.
الثاني: أن الأمة مجمعة على أن آية اللعان، والظهار، والسرقة، وغيرها، إنما نزلت في أقوام معينين، مع أن الأمة عمموا حكمها، ولم يقل أحد: إن ذلك التعميم خلاف الأصل.
واحتج المخالف: بأن المراد من ذلك الخطاب إما بيان ما وقع السؤال عنه أو غيره:
فإن كان الأول: وجب ألا يزاد عليه؛ وذلك يقتضي أن يتخصص بتخصص السبب.
وإن كان الثاني: وجب ألا يتأخر ذلك البيان عن تلك الواقعة.
والجواب: أن ما ذكروه يقتضي أن يكون ذلك الحكم مقصورًا على ذلك السائل، وفي ذلك الزمان، والمكان، والهيئة.
وأيضًا فلم لا يجوز أن يكون ذلك السؤال الخاص اقتضي ذلك البيان العام؟ لابد على امتناعه من دليل، والله أعلم.
تنبيه: هذا العام، وإن كان حجة في موضع السؤال، وفي غيره، إلا أن دلالته على موضع السؤال، أقوى منها على غير ذلك الموضع، وهذا يصلح أن يكون من المرجحات، والله أعلم.
قال القرافي: قوله: (الذي يستقل بنفسه، إن كان لأمر يرجع إليه):
стр. 2047
يريد لأمر يرجع إلى نفس لفظ الجواب؛ فإن قوله ﵇: (فلا إذن ....) لو نطق به وحده لم يفهم منه السامع شيئًا أصلًا.
وقوله: (لا آكل) جملة مستقلة؛ لحسن السكون عليها، ويستقل العقل بفهم معناها، وإنما جاء عدم الاستقلال من جهة العادة أن مثل هذا الكلام، إذا قيل عقيب قول القائل: (كل عندي) إنما يفهم منه تعلقه بما تقدم، أما لو لم يتقدمه هذا السؤال، استقل بنفسه، ولم يضم إليه غيره، عادة، ولا لغة.
(فائدة)
لم يسأل رسول الله ﷺ عن الرطب، هل ينقص، إذا جف ؟ لأنه كان لا يعلم ذلك، بل كان يعلمه، وإنما قصد بهذا السؤال تنبيههم على علة المنع، وسبب السؤال والجواب، ومحاولة اللفظ، تتقرر العلة في أذهانهم، ويتضح الحكم إيضاحًا قويا، فهذا هو حكمة السؤال، لا يحصل العلم بالمسئول عنه.؟
قوله: (إن كان أعم فيما سئل عنه):
قلنا: هذه العبارة غير وافية بالمقصود، بل ينبغي أن يقول: (أعم مما سئل عنه) حتى يكون أزيد أفرادًا من السؤال.
أما قوله: (فيما سئل عنه يقتضي أن عمومه لا يتعداه، فجعل السؤال ظرفًا له، والمظروف لا يتعدي الظرف؛ لأن لفظة (في) تقتضي الظرفية.
(فائدة)
لم يقض رسول الله ﷺ على بئر (بضاعة) بشيء، لا بطهارة، ولا بنجاسة، بل ذكر ضابطًا عاما للماء ، فكأنه قال: اعرضوا بئر (بضاعة) على هذا الضابط، فإن كان لم يتغير، فهو طهور، وإلا فنجس.
стр. 2048
وقد فهم جماعة من أئمة الحديث وغيرهم أن رسول الله ﷺ حكم في بئر (بضاعة) بالطهورية، حتى قال بعضهم: (دخلت إلى البستان الذي فيه البئر بالمدينة، فوجدته صغيرًا): ذكر مساحته، ثم قال: قيل: هذه المساحة لا يضرها التغير؛ لأنه- ﵇ حكم له بالطهورية مع قولهم: (إنه يلقي فيه الجيف والنتن) ذكره أبو داود، وهذا غير متجه لمن تأمل وجه الصواب.
قوله: (أعم من غير ما سئل عنه، لقوله- ﵇ لما سئل عن البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته):
تقريره: أنه ليس هاهنا لفظ مفرد هو أعم من ماء البحر، بل مجموع اللفظين الماء، والميتة هو الأعم من السؤال، فالجواب أعم من السؤال.
قوله: (لو صرح الشارع بحمل اللفظ على عمومه، لجاز):
قلنا: لا نزاع في الجواز، بل في الطهور؛ فالخصم يدعي أن اللفظ ظاهر في القصر على السبب؛ كظهور اللفظ في الحقيقة دون المجاز، مع أن التصريح بالمجاز جائز إجماعًا، بل المفيد أن يقولوا: لو صرح بحمل اللفظ على عمومه، لم يكن ذلك مخالفة للظاهر، فهذا هو محل النزاع.
قوله: (حملوا آية السرقة وغيرها على العموم، ولم يقل أحد: إن ذلك خلاف الأصل):
قلنا: إن ادعيتم أن أحدًا لم يعتقد ظهور اللفظ في اختصاصه بسببه، فهذا مصادرة، فالمسألة ليس فيها إجماع، لا في السلف، ولا في الخلف، فدعوى الإجماع باطلة قطعًا، وإن ادعيتم أنه لم يقل أحد: إن ذلك خلاف القرائن المرشدة لحمل تلك العمومات على عمومها فمسلم، ولكن لا نزاع عند قيام القرائن، إنما النزاع عند التجرد عن القرائن؛ فإن الأصل يراد به الظاهر الراجح، وقد يكون الرجحان للقرائن، وقد لا يكون لاقتضاء السبب، والسؤال المتقدم كذلك.
стр. 2049
قوله: (إن كان المقصود بيان غير المسئول عنه، وجب ألا يتأخر البيان إلى تلك الواقعة):
قلنا: لم لا يجوز أن يقصد بالعموم إنشاء معنى عام، يلزم منه بيان جواب السؤال، لا أنه يقصد به بيان مشكل تقدم حتى يلزم تأخير البيان إلى هذه الواقعة، بل قصد به الإشارة، والبيان في السؤال يحصل ضمنًا؟
قوله: (يلزم أن يكون ذلك الحكم مقصورًا على ذلك السائل في ذلك الزمان، والمكان، والهيئة):
قلنا: لا مدخل للزمان، والمكان، والهيئة في ذلك، بل ذلك المعني المسئول عنه فقط، وليس في كلامنا ما يقتضي ما ذكرتموه.
قوله: (لم لا يجوز أن يكون ذلك السؤال الخاص اقتضي ذلك البيان العام لابد على امتناعه من دليل):
قلنا: قد بينا ذلك الامتناع من جهة أن الأصل في الأجوبة: أن تكون مطابقة للأسئلة، وأن تأخير البيان من واقعة، حتى تذكر في واقعة أخرى خلاف الظاهر.
(تنبيه)
زاد التبريزي؛ فقال؛ على قوله: (إن صاحب الشرع، لو صرح بذلك لجاز): إنه ضعيف ؛ لأن الشارع لو تعبدنا بترك التخصيص بكل ما دل الدليل على كونه مخصوصًا- جاز، ولا يوجب ذلك خروجه عن كونه مخصصًا على قوله: إن آية السرقة ونحوها لم تختص بسببها، إنا إنما ندعي أن السبب قرينة مخصصة، ويجوز أن يعلم قصد العموم في مواضع بصريح أو قرينة على وجه يسقط هذه القرينة.
стр. 2050
(فائدة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): (لا يجوز تخصيص العموم بسببه ؛ لأنه يدخل فيه دخولًا أوليا، ونقل عن أبي حنيفة تخصيصه به، وهو بعيد جدا، وظهر ذلك منه للناقلين عنه ذلك في حديثين:
أحدهما: حديث العجلاني في اللعان، فإنه لاعن امرأته، وهي حامل، ونفي حملها، فانتفى، ومنع أبو حنيفة نفي الحمل باللعان).
قلت: لم يرد في اللعان غير قضية العجلاني، والحديث الآخر: حديث
стр. 2051
عبد بن زمعة وكان سئل عن ولد أمه في ملك اليمين، فقال: ولد على ملك أبي، فقال رسول الله ﷺ : (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، فألحق أبو حنيفة الولد بالنكاح، وإن استحال الوطء، ولم يلحق ولد المملوكة بمولاها، وإن أقر بالوطء والافتراش.
قال: ولا يليق نسبة هذا له، بل يحمل على أن الحديثين لم يبلغاه بتمامهما.
***
стр. 2052
المسألة الثانية
قال الرازي: الحق أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي وهو قول الشافعي- ﵁ لأنه قال: (إن كان الراوي حمل الخبر على أحد محمليه، صرت إلى قوله، وإن ترك الظاهر لم أصر إلى قوله) خلافًا لعيسى ابن أبان.
ومثاله: خبر أبي هريرة في: (أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب سبعًا) فإنه خص ذلك بمذهب أبي هريرة في أنه يغسل ثلاثًا.
ومنهم من فصل؛ فقال: (إن وجد خبر يقتضي تخصيصه، أو وجد في الأصول ما يقتضي ذلك، لم يخص الخبر بمذهبه؛ وإلا خص بمذهبه.
لنا: أن مخالفة الراوي تحتمل أقسامًا ثلاثة: طرفين، وواسطة:
أما طرف الإفراط فهو أن يقال: الراوي عالم بالضرورة أنه ﷺ أراد بذلك العام الخاص؛ إما لخبر آخر قاطع يقتضي ذلك، أو لشيء من قرائن الأحوال، وهذا الاحتمال يعارضه أنه لو كان كذلك، لوجب على الراوي أن يبين ذلك؛ إزالة للتهمة عن نفسه وللشبهة.
وأما طرف التفريط: فهو أن يقال: إنه ترك العموم بمجرد الهوى؛ وهو معارض بما أن الظاهر من عدالته خلافه.
وأما الوسط: فهو: أنه خالفه بدليل ظنه أقوى منه: إما خبر محتمل، أو قياس.
وذلك الظن يحتمل أن يكون خطأ، ويحتمل أن يكون صوابًا.
стр. 2053
وإذا تعارضت الاحتمالات في مخالفة الراوي، وجب تساقطها، والرجوع إلى العموم.
واحتج المخالف: بأن مخالفة الراوي، إن كانت لا عن طريق، كان ذلك قادحًا في عدالته، فالقدح في عدالته قدح في متن الخبر.
وإن كانت عن طريق، فذلك الطريق إما محتمل، أو قاطع، ولو كان الدليل محتملًا لذكره إزالة للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره؛ ولما بطل ذلك، تعين القطع.
والجواب: أن إظهاره لذلك الدليل المحتمل إنما يجب عليه مع من ناظره؛ فلعله لم تتفق تلك المناظرة.
سلمنا أنه ذكره؛ لكن لعله لم ينقل، أو نقل؛ لكنه لم يشتهر، والله أعلم.
المسألة الثانية
قال القرافي: الحق أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي.
قوله: (قال الشافعي: إن حمل الراوي الخبر على أحد محمليه صرت إليه):
تقريره: أن اللفظ تارة يكون مجملًا؛ كالقرء، فيحمله الراوي على الطهر؛ فيصار إليه؛ لأنه لم يخالف ظاهرًا، وإن حمل العموم على الخصوص، لم يصر إليه؛ لأن ظاهر كلام الشارع حجة دون مذهب الراوي خلافًا لعيسى بن أبان، وقد تقدم في تخصيص العموم الكلام؛ على (أبان) وسبب منعه من الصرف.
قوله: (ومثاله خبر أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، فإنه كان يغسله ثلاثًا):
стр. 2054
قلنا: هذا اسم عدد، والكلام في صيغ العموم؛ فلا يتجه؛ ولأن الأعداد نصوص لا تقبل التخصيص؛ لأنه مجاز، والكلام في التخصيص، ومثله إمام الحرمين في (البرهان) بقوله ﵇: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا هاء وهاء) وحمله راويه عمر بن الخطاب- ﵁ على التقابض في المجلس.
وحكي القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص) في هذه المسألة خمسة مذاهب: تقديم ظاهر الخبر مطلقًا، وتقديم تفسير الراوي مطلقًا.
والثالث: إن عدل عن الظاهر، قد الظاهر، أو كان تاويلًا، فالتفسير أولى.
والرابع لبعض المالكية: إن كان مما يعلم بمشاهدة الحال، وبمخارج الكلام، فهو أولى، أو بالاستدلال، فالخبر أولى.
والخامس: زيادة على الرابع، إن كان لا طريق إلا ذلك، فهو أولى، وإن احتمل ذلك وغيره، فالخبر أولى.
وقال الأبياري في (شرح البرهان): (ما علمت أحدًا يقول بتقديم تفسير الراوي على الخبر بكون تفسيره يدل على دليل تقدم على الخبر، وإلا لما قدمه الراوي لعدالته:.
قلت: وهذا ليس بخلاف الجماعة؛ لأنه مقصودهم.
ومثل ابن برهان المسألة بقوله ﵇: (من بدل دينه فاقتلوه) وخصه بالرجل دون المرأة، وحكي الخلاف عن الحنفية.
***
стр. 2055
المسألة الثالثة
قال الرازي: الحق أنه لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه خلافًا لأبي ثور.
مثاله: قوله ﷺ : (أيما إهاب دبغ، فقد طهر) قال: المراد جلد الشاة؛ لأنه قال ﷺ في جلد شاة ميمونة: (دباغها طهورها).
لنا: أن المخصص للعام، لابد، وأن يكون بينه، وبين العام منافاة، ولا منافاة بين كل الشيء وبعضه؛ لأن الكل محتاج إلى البعض، والمحتاج إليه لا ينافي المحتاج.
احتج المخالف: بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه؛ فتخصيص الخاص بالذكر يدل على نفي الحكم عن غيره؛ وذلك يقتضي تخصيص العام.
والجواب: أنا لا نقول بدليل الخطاب.
سلمناه؛ لكن التمسك بظاهر العموم أولى من التمسك بالمفهوم على ما تقدم.
المسألة الثالثة
لا يخص العام بذكر بعضه
قال القرافي:
قوله: (مثاله: قوله ﵇: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) مع قوله
стр. 2056
- ﵇ في شاة ميمونة: (دباغها طهورها).
تقريره: أن جلد شاة ميمونة هو فرد من أفراد ذلك العام، لكن لا يمكن أن يقال: إن ذلك العموم، إنما أطلق، وأريد به هذا الجلد الشخص لوجهين:
أحدهما: أن هذه صيغة قوية في التعميم فتخصيصها بالواحد بعيد عن كلام العرب، كما تقدم فيما يجب أن ينتهي التخصيص إليه.
وثانيهما: أن هذا الجلد لم يكن معلومًا، ولا وقع في تلك الحالة؛ حتى يقصد، فتعين أن يكون المراد من جهة الخصم حمله على نوع جلود شاة، دون جلود البقر، وغيرها من الأنعام والسباع، فيتجه حينئذ قوله، أما أن الخصم يريد حمل العموم على هذا الجلد فبعيد.
(فائدة)
الإهاب: الجلد قبل الدباغ ، أما بعده، فلا يسمي إهابًا، بل أديما، ونحو ذلك.
قوله: (لا منافاة بين كل الشيء وبعضه).
قلنا: مسلم؛ لكن ليس هذا هو مدرك الخصم، ففرق بين كل الشيء
стр. 2057
وبعضه، وبين كل الشيء وذكر بعضه؛ على وجه الاختصاص، فإن تخصيص البعض بالذكر يقتضي تخصيص الحكم به، كما إذا قال الإنسان: (قبضت بعض الدين) لا يفهم العرب من هذا إلا أن حكم القبض يختص بالبعض، وأن البعض الآخر لم يقبض، فكذلك هاهنا، فالتخصيص عند الخصم بذكر البعض من جهة المفهوم؛ لأن البعض ينافي الكل؛ ولأن المنطوق ينافي المفهوم.
***
стр. 2058
المسألة الرابعة
قال الرازي: اختلفوا في التخصيص بالعادات.
والحق أن نقول: العادات إما أن يعلم من حالها: أنها كانت حاصلة في زمان الرسول ﷺ ، وأنه ﷺ ما كان يمنعهم منها، أو يعلم أنها ما كانت حاصلة، أو لا يعلم واحد من هذين الأمرين:
فإن كان الأول: صح التخصيص بها، لكن المخصص في الحقيقة هو تقرير الرسول ﷺ عليها.
وإن كان الثاني: لم يجز التخصيص بها؛ لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع، بل لو أجمعوا عليه لصح التخصيص بها، لكن المخصص حينئذ هو الإجماع، لا العادة.
وإن كان الثالث: كان محتملًا للقسمين الأولين، ومع احتمال كونه غير مخصص، لا يجوز القطع بذلك، والله أعلم.
المسألة الرابعة
التخصيص العادات
قال القرافي: قوله: (إذا جهل مقارنة العادة لزمن الخطاب، لا يجوز القطع بالتخصيص، ولا الظن؛ لأن العموم ظاهر لا ينصرف عن عمومه إلا لمانع، والأصل عدمه، فالراجح الذي يغلب على الظن عدمه عملًا بالأصل، فلا يكون التخصيص مظنونًا.
стр. 2059
(تنبيه)
العادة قد تكون عادة الناس، وقد تكون عادة صاحب الشرع ، فإن كانت عادة الناس؛ خصصت عموم الناس الذي يلفظون به في وصاياهم، وأيمانهم وغير ذلك، فكل من له عادة في لفظه، حمل لفظه على عرفه الذي تقدم نطقه، أما المتأخر عن نطقه، فلا، كانت العادة خاصة به، أو عامة، في بلده؛ كالنقود وغيرها، أو في جميع الأقاليم.
ولا يحمل كلام متكلم على عادة غيره، ولا يخصص بها عموم أهل بلد بعادة بلد آخر، وكذلك يمتنع التقييد، كما امتنع التخصيص، والعوائد المتأخرة مطلقًا لا تخصص ولا تقيد، وما علمت في ذلك خلافًا.
وأما عرف الشارع وعادته، فيحمل لفظه عليها كما تقول: للشرع عادة في الإيمان، وهي الحلف بالله تعالى، فيحمل عليها قوله ﵇: (من حلف، واستثني، عاد كمن لم يحلف) والمخصص في هذه الصور كلها إنما هو العوائد، ولم يتعرض صاحب الكتاب لهذه العوائد، إنما تعرض لعوائد الأفعال دون الأقوال، إذا قررهم عليها.
(قاعدة)
العوائد قسمان: فعلية، وقولية:
فالعوائد القولية: تخصص وتقيد، بخلاف الفعلية، فإنها ملغاة؛ لأن العوائد القولية معناها أن الناس يطلقون ذلك اللفظ، ولا يريدون به في عوائدهم إلا ذلك الشيء المخصوص ك (الدابة) لا يراد بها إلا (الفرس) في (العراق) والحمار ب (مصر) وكذلك الغائط والنجو، وغير ذلك مما جرت العادة بأنه يستعمل في غير مسماه، فيحمل على ذلك المنقول إليه في الاستعمال، ثم النقل.
стр. 2060
والعوائد قد تكون في الألفاظ المفردة، وقد تكون في الألفاظ المركبة، وقد تقدم بسطه في الحقيقة العرفية.
أما العوائد الفعلية: فتظهر بالمثال: فإذا حلف الملك لا أكلت خبزًا، فأكل خبز الشعير، حنث؛ وإن كانت عادته ألا يأكل إلا القمح.
وإن حلف؛ لا يلبس ثوبًا، حنث بلبس ثوب كتان، وإن كانت عادته لبس الحرير.
والسبب في ذلك أن العرف القولي ناسخ للغة، وناقل للفظ، والناسخ مقدم على المنسوخ، والفعل لا ينقل؛ لأنه لا يلزم من لباس الثياب الصوف دائمًا تغيير لفظ الثوب عن موضوعه، فلا معارضة بين العرف الفعلي والوضع اللغوي، فلذلك لم يخصص ولم يقيد.
والعرف القولي معارض للغة [و] يقضي به عليها، فتأمل الفرق، فكثير من الفقهاء لا يخطر بباله هذا البحث، ولا هذا الفرق، وقد قال سيف الدين: إذا كان قوم لا يأكلون إلا طعامًا مخصوصًا، فورد تحريم الطعام بصيغة العموم، حمل على عمومه في المعتاد وغيره عند الجمهور؛ خلافًا لأبي حنيفة، وذكر عنهم القياس لأحد البابين على الأخير، وهو غير متجه؛ لما تقدم من الفرق.
وحكي الغزالي هذا المثال بعينه، وجزم بعدم التخصيص به، ولم يحك خلافًا.
وقال المازري: (العادة الفعلية ليست مخصصة؛ بخلاف القولية).
قال: ومثال الفعلية قوله ﵇: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛
стр. 2061
فليغسله سبعًا) مع أنه عادتهم لا يضعون في أوانيهم التي تصلها الكلاب إلا الماء، فيختص ذلك بالماء، ويعم جميع ما يتصور فيه الولوغ، خلاف في مذهب مالك، قال: وكأنها عادة قولية، فلم يجزم بذلك.
قلت: وتوقف في موضع التوقف، بل المخصص عادة قوليه؛ لأنهم لم يكونوا يضعون في الآنية التي تصلها الكلاب غير الماء [و] كان غالب نطقهم بصيغة (ولغ) في الماء خاصة، فكان ذلك كغلبة نطقهم بلفظ (الدابة) في الفرس، لا أن مدرك التخصيص الفعل.
ولم يحك خلافًا غير ما عرض له من التردد، وكذلك صاحب (المعتمد) حكي أن العادة قولية، وأن التخصيص إنما يقع بالقولية، دون الفعلية.
ومثل الفعلية بنحو ما مثله سيف الدين، ولم يحك خلافًا.
ولم أر أحدًا حكي الخلاف في العادة الفعلية إلا سيف الدين، وأخشى أن يكون ذلك، كما حكاه المازري عن المالكية، ويكون مدرك الحنفية في تلك الفروع هو عادة قولية، وقد التبست بالفعلية، كما تقدم بيانه في ولوغ الكلب، فيظن أنهم خالفوا، وما خالفوا.
وأظن أني سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحكي فيها الإجماع، وهو المتجه؛ لما تقدم أن ملابسة بعض المسمي لا يقتضي نسخ ذلك اللفظ عن ذلك المسمي، فلا تعارض ألبتة، فكيف يقضي على اللفظ بما لا يعارضه.
قال العالمي في (أصول الفقه) على مذهب أبي حنيفة، لأنه حنفي: العادة
стр. 2062
الفعلية لا تكون مخصصة، إلا أن مجموع الأمة على استحسانها، ثم قال: ولقائل أن يقول: هذا تخصيص بالإجماع، لا بالعادة، فلعل هذا أيضًا مستند سيف الدين، وهو باطل، كما قاله العالمي.
وأما تقريره- ﵇ على عوائد الناس في أفعالهم فالمخصص- كما قال صاحب الكتاب- هو تقريره- ﵇ دون ذلك الفعل.
(قاعدة)
إذا قررت عادة في زماننا، وتنازعنا، هل كانت في زمانه- ﵇ أم لا؟ لا نقضي بها، كما قال .
وقال بعض أهل العصر: يقضي بها؛ عملًا بالاستصحاب، وهذا غلط؛ لأن الاستصحاب إنما يكون من الماضي للمستقبل والحاضر، لا من الحاضر للماضي، فجر الحوادث إلى ماضي الزمان غلط، وإنما يقال: الأصل عدم النقل والتغيير، إذا تقرر شيء فيقوله باعتبار الحاضر، أو باعتبار المستقبل، فتأمل هذه القاعدة في الاستصحاب؛ فإن كثيرًا يغلطون فيها.
***
стр. 2063
المسألة الخامسة
قال الرازي: كونه مخاطبًا هل يقتضي خروجه عن الخطاب العام؟ أما في الخبر فلا؛ لقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٩] لأن اللفظ عام، ولا مانع من الدخول.
وأما في الأمر الذي جعل جزاء؛ كقوله: (من دخل داري، فأكرمه) فيشبه أن يكون كونه أمرًا قرينة مخصصة، والله أعلم.
المسألة الخامسة
قال القرافي: قوله: (أما في الأمر الذي جعل جزءًا؛ كقوله: (من دخل داري، فأكرمه) يشبه أن يكون كونه أمرًا قرينة مخصصة):
قلنا: بل ذلك ضعيف؛ لأنه لا مانع من أمره بإكرام نفسه، بل ذلك أهم مطالبه.
قلنا: وربما يختص به العام في بعض صور التعاليق؛ نحو قوله: (من دخل داري، فعبده حر، وامرأته طالق) فإن هذا الحكم العام لا يتعداه، ولا تطلق إلا امرأته بالدخول فقط.
***
стр. 2064
المسألة السادسة
قال الرازي: الخطاب المتناول لما يندرج فيه النبي ﷺ والأمة كقوله: ﴿يأيها الناس﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ [البقرة: ١٠٤] عام في حقهما، ومنهم من خصصه بالأمة قال: لأن منصب الرسول ﷺ يقتضي إفراده بالذكر؛ وهو باطل؛ لأن اللفظ عام، ولا مانع من دخول الرسول ﷺ فيه.
وقال الصيرفي: كل خطاب لم يصدر بأمر الرسول ﵊ بتبليغه، ولكن ورد مطلقًا فالرسول ﷺ مخاطب به؛ كغيره.
وكل ما كان مصدرًا بأمر الرسول بتبليغه فذلك لا يتناوله؛ كقوله: ﴿قل يأيها الناس﴾ [الأعراف: ١٥٨].
المسألة السادسة
الخطاب المتناول للأمة غير متناول لرسول الله ﷺ
قال القرافي قوله: (منصب رسول الله ﷺ يقتضي إفراده بالذكر):
تقريره: أن عوائد الملوك والعظماء، إذا خاطبوا عامة رعيتهم، خصصوا وزراءهم وكبراء خاصتهم بخطاب يخصهم، وإذا كانت هذه العادة في الخطاب، وكلام الله- تعالى- يخصص بالعوائد، فتخصص بهذه العادة؛ لأن رسول الله ﷺ أعظم البرية وسيد الكونين.
(سؤال)
إنما كانت عوائد الملوك كذلك؛ لأن عظماء دولتهم يقاربونهم في الجلالة والحرمة وتمام العظمة؛ فاقتضاء الحال في سياستهم أن يميزوا عن الرعية؛ حفظًا لقولهم عن الفساد، وما يخشي من غوائلهم في إفساد الممالك.
стр. 2065
أما الله تعالى، فالعالم كله، وجميع المخلوقات بالنسبة إلى عظمة جلاله، لا أقول: كالذرة الملقاة في الفلاة، بل العدم الصرف، والنفي المحض، فالتسوية بين أجزاء العالم بالنسبة إلى الله- تعالى- ضعيفة جدا، بل ذلك جناب عظيم، كل عظيم بالنسبة إليه ليس بعظيم، فهذا فرق عظيم يمنع من ملاحظة عوائد الملوك في خطاب الله تعالى.
قوله: (إن كان الخطاب أمرًا بالتبليغ، لم يشاركه لقوله تعالى: ﴿قل يأيها الناس﴾ [يونس: ١٠٤]):
قلنا: لا مانع من أن الله- تعالى- يأمره بأن يأمر نفسه بالأوامر الشرعية، وقد روى عنه- ﵇ أنه كان يقول، إذا جاء من الغزو: (جئنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر).
قال العلماء: هو مجاهدة النفوس بأمرها وحضها على طاعة الله- تعالى- فإن عدو الكفر إن قتلك، أو قتلته، دخلت الجنة، وإن قتلت نفسك دخلت النار، والأمور كثيرة مذكورة في كتب الرقائق، ليس هذا موضعها؛ فإن أمر الإنسان لنفسه هو دأب كل عاقل في ليله ونهاره.
***
стр. 2066
المسألة السابعة
قال الرازي: الخطاب المتناول لما يندرج فيه الحر والعبد والمسلم والكافر لا يخرج عنه العبد والكافر، أما العبد: فلأن اللفظ عام، وقيام المانع الذي يوجب التخصيص خلاف الأصل.
وهذا القدر يوجب دخول العبد فيه، بل العبادة التي تترتب على المالكية لا تتحقق في حق العبد؛ لأن العبد ليس له صلاحية المالكية، فأما فيما عداه فهو داخل فيه.
فإن قلت: المانع من ذلك هو ما ثبت من وجوب خدمته لسيده في كل وقت يستخدمه فيه، وذلك يمنعه من العبادات في هذه الأوقات.
فإن قلتم: إنما يلزمه خدمة سيده، لو فرغ من العبادات، فنقول: لم كان تخصيص الدليل الدال على وجوب خدمة السيد بما دل على وجوب العبادة أولى من تخصيص ما دل على وجوب العبادة بما دل على وجوب خدمة السيد؟
قلت: ما دل على وجوب خدمة السيد في حكم العام، وما دل على وجوب العبادات في حكم الخاص؛ لأن كل عبادة يتناولها لفظ مخصوص كآية الصلاة وآية الصيام؛ والخاص متقدم على العام.
وأما بيان أن كونه كافرًا لا يخرجه عن العموم؛ فقد ثبت في باب أن الكفار مخاطبون بالشرائع، والله أعلم.
стр. 2067
المسألة السابعة
المتناول للأحرار والعبيد.
قال القرافي: قوله: (الدليل الدال على العبادات أقوى من الدليل الدال على وجوب خدمة السيد؛ فيقدم عليه؛ فيندرج العبيد): لا يتم؛ لأن تلك النصوص تتناول الأحرار مع العبيد، فهي أعم من وجه؛ فيجب التوقف؛ لأن كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه.
***
стр. 2068
المسألة الثامنة
قال الرازي: قصد المتكلم بخاطبه إلى المدح، أو إلى الذم لا يوجب تخصيص العام، ومنع بعض فقهائنا من عموم قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤] وأبطلوا التعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي، وقالوا: القصد به إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة، وليس القصد به العموم.
والجواب: أنا فهمنا الذم من الآية؛ لدلالة اللفظ عليه، واللفظ دل على العموم فوجب إثباته، وليست دلالتها على الذم مانعة من دلالتها على العموم.
المسألة الثامنة
خطاب المدح والذم لا يوجب تخصيص العام
قال القرافي: قوله: (خصص بعضهم قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ...﴾ الآية: [التوبة: ٣٤]، ومنعوا التمسك بها في الخيل، وقالوا: القصد إيجاب الذم بالكنز دون العموم).
تقريره: أن لهم قاعدة، وهي: أن اللفظ إذا سيق لمعني لا يستدل به في غير ذلك المعني؛ لأن المتكلم لم يتوجه عليه، كما قلنا لأبي حنيفة لما استدل بقوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة في الخضراوات:
قلنا له: هذا الكلام سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الواجب فيه؛ فلا يستدل به على عموم المسقي من السماء؛ لأنه لم يقصد في هذا المقام دليل قوله ﵇: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) سيق لبيان أن المجوس يسوى بينهم، وبين أهل الكتاب في أخذ الجزية، فلا يستدل به على أن
стр. 2069
الجزية تؤخذ من المرأة والصغير ونحوهما؛ بطريق العموم؛ لأن ذلك لم يقصد، وإنما سيق للجزية، ولم يتوجه المتكلم بتقرير غير ذلك من القواعد، وكذلك لا يستدل به على جواز نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم؛ نظرًا لعموم اسم الجنس إذا أضيف في قوله ﵇: (سنة أهل الكتاب) فإنه يعم جميع ما ثبت لأهل الكتاب، وبالجملة: فهذه قاعدة مشهورة، إذا سيق الكلام بمعني، لا يستدل به على غيره؛ لعدم توجه المتكلم إليه، وحكاها القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص) مسألة مستقلة وفرسها بتوقف العموم على المقصود فيه.
وحكي عن متقدمي المالكية، وبعض الشافعية منهم القفال: أنه موقوف على ما سيق لأجله، ويختص به، وإن كان عاما.
وحكي عن متأخري المالكية القول بإجرائه على عمومه، فمستند المانع من التمسك بالآية ظاهر، وإنما في المسألة غور آخر، وهو أن العام إن تقدمه حكم قوم نحو: (إن أكلة الربا ظلموا أنفسهم) ثم بقول: (إنه لا يفلح الظالمون) فهل يحمل اللفظ على عمومه؟ ونقول: لا يفلح كل ظالم، كيف كان من هؤلاء، أو من غيرهم، ونحو هذا، وكذلك إذا قال: صلوا أرحامكم، وأحسنوا لأقاربكم، ثم يقول: إن الله مع المحسنين، هل كان يحسن، أو يختص بمن تقدم؟
ونحو هذه السياقات هي التي يتجه فيها: أن المدح والذم لا يوجب تخصيصًا.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ويتعين التخصيص، إذا كان المتقدم شرطًا؛ نحو قوله تعالى: ﴿إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] فإنه يتعين أن تكون العدة بالغفران هاهنا مختصة بمن تقدم ذكره من المخاطبين في قوله تعالى: ﴿تكونوا﴾ ولا يعم هذا الحكم جميع
стр. 2070
الخلائق، ولا جميع- الأمم الماضية، بسبب أن التعاليق اللغوية أسباب، والجزء المرتب عليها مسببها وناشئ عنها، وصلاحنا نحن لا يكون سببًا للمغفرة لغيرنا من الأمم؛ لأنها عادة الله تعالى، بل صلاح كل أحد يختص به، إلا أن يكون لغيره في ذلك سبب، أو معونة لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩].
أما إذا لم يكن شرطًا، فالصحيح الحمل على العموم، وهذه مواطن في المسألة، لم يتعرض لها المصنف، وهي جل المقصود من المسألة، والذي يعرض له الصحيح فيه مع خصمه، ففاتت المسألة عليه بالكلية.
***
следующие страницы →