Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
المسألة السابعة
قال الرازي: الخطاب المتناول لما يندرج فيه الحر والعبد والمسلم والكافر لا يخرج عنه العبد والكافر، أما العبد: فلأن اللفظ عام، وقيام المانع الذي يوجب التخصيص خلاف الأصل.
وهذا القدر يوجب دخول العبد فيه، بل العبادة التي تترتب على المالكية لا تتحقق في حق العبد؛ لأن العبد ليس له صلاحية المالكية، فأما فيما عداه فهو داخل فيه.
فإن قلت: المانع من ذلك هو ما ثبت من وجوب خدمته لسيده في كل وقت يستخدمه فيه، وذلك يمنعه من العبادات في هذه الأوقات.
فإن قلتم: إنما يلزمه خدمة سيده، لو فرغ من العبادات، فنقول: لم كان تخصيص الدليل الدال على وجوب خدمة السيد بما دل على وجوب العبادة أولى من تخصيص ما دل على وجوب العبادة بما دل على وجوب خدمة السيد؟
قلت: ما دل على وجوب خدمة السيد في حكم العام، وما دل على وجوب العبادات في حكم الخاص؛ لأن كل عبادة يتناولها لفظ مخصوص كآية الصلاة وآية الصيام؛ والخاص متقدم على العام.
وأما بيان أن كونه كافرًا لا يخرجه عن العموم؛ فقد ثبت في باب أن الكفار مخاطبون بالشرائع، والله أعلم.
стр. 2067
المسألة السابعة
المتناول للأحرار والعبيد.
قال القرافي: قوله: (الدليل الدال على العبادات أقوى من الدليل الدال على وجوب خدمة السيد؛ فيقدم عليه؛ فيندرج العبيد): لا يتم؛ لأن تلك النصوص تتناول الأحرار مع العبيد، فهي أعم من وجه؛ فيجب التوقف؛ لأن كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه.
***
стр. 2068
المسألة الثامنة
قال الرازي: قصد المتكلم بخاطبه إلى المدح، أو إلى الذم لا يوجب تخصيص العام، ومنع بعض فقهائنا من عموم قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤] وأبطلوا التعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي، وقالوا: القصد به إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة، وليس القصد به العموم.
والجواب: أنا فهمنا الذم من الآية؛ لدلالة اللفظ عليه، واللفظ دل على العموم فوجب إثباته، وليست دلالتها على الذم مانعة من دلالتها على العموم.
المسألة الثامنة
خطاب المدح والذم لا يوجب تخصيص العام
قال القرافي: قوله: (خصص بعضهم قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ...﴾ الآية: [التوبة: ٣٤]، ومنعوا التمسك بها في الخيل، وقالوا: القصد إيجاب الذم بالكنز دون العموم).
تقريره: أن لهم قاعدة، وهي: أن اللفظ إذا سيق لمعني لا يستدل به في غير ذلك المعني؛ لأن المتكلم لم يتوجه عليه، كما قلنا لأبي حنيفة لما استدل بقوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر) على وجوب الزكاة في الخضراوات:
قلنا له: هذا الكلام سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الواجب فيه؛ فلا يستدل به على عموم المسقي من السماء؛ لأنه لم يقصد في هذا المقام دليل قوله ﵇: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) سيق لبيان أن المجوس يسوى بينهم، وبين أهل الكتاب في أخذ الجزية، فلا يستدل به على أن
стр. 2069
الجزية تؤخذ من المرأة والصغير ونحوهما؛ بطريق العموم؛ لأن ذلك لم يقصد، وإنما سيق للجزية، ولم يتوجه المتكلم بتقرير غير ذلك من القواعد، وكذلك لا يستدل به على جواز نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم؛ نظرًا لعموم اسم الجنس إذا أضيف في قوله ﵇: (سنة أهل الكتاب) فإنه يعم جميع ما ثبت لأهل الكتاب، وبالجملة: فهذه قاعدة مشهورة، إذا سيق الكلام بمعني، لا يستدل به على غيره؛ لعدم توجه المتكلم إليه، وحكاها القاضي عبد الوهاب المالكي في (الملخص) مسألة مستقلة وفرسها بتوقف العموم على المقصود فيه.
وحكي عن متقدمي المالكية، وبعض الشافعية منهم القفال: أنه موقوف على ما سيق لأجله، ويختص به، وإن كان عاما.
وحكي عن متأخري المالكية القول بإجرائه على عمومه، فمستند المانع من التمسك بالآية ظاهر، وإنما في المسألة غور آخر، وهو أن العام إن تقدمه حكم قوم نحو: (إن أكلة الربا ظلموا أنفسهم) ثم بقول: (إنه لا يفلح الظالمون) فهل يحمل اللفظ على عمومه؟ ونقول: لا يفلح كل ظالم، كيف كان من هؤلاء، أو من غيرهم، ونحو هذا، وكذلك إذا قال: صلوا أرحامكم، وأحسنوا لأقاربكم، ثم يقول: إن الله مع المحسنين، هل كان يحسن، أو يختص بمن تقدم؟
ونحو هذه السياقات هي التي يتجه فيها: أن المدح والذم لا يوجب تخصيصًا.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ويتعين التخصيص، إذا كان المتقدم شرطًا؛ نحو قوله تعالى: ﴿إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] فإنه يتعين أن تكون العدة بالغفران هاهنا مختصة بمن تقدم ذكره من المخاطبين في قوله تعالى: ﴿تكونوا﴾ ولا يعم هذا الحكم جميع
стр. 2070
الخلائق، ولا جميع- الأمم الماضية، بسبب أن التعاليق اللغوية أسباب، والجزء المرتب عليها مسببها وناشئ عنها، وصلاحنا نحن لا يكون سببًا للمغفرة لغيرنا من الأمم؛ لأنها عادة الله تعالى، بل صلاح كل أحد يختص به، إلا أن يكون لغيره في ذلك سبب، أو معونة لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩].
أما إذا لم يكن شرطًا، فالصحيح الحمل على العموم، وهذه مواطن في المسألة، لم يتعرض لها المصنف، وهي جل المقصود من المسألة، والذي يعرض له الصحيح فيه مع خصمه، ففاتت المسألة عليه بالكلية.
***
стр. 2071
المسألة التاسعة
قال الرازي: عطف الخاص على العام، لا يقتضي تخصيص العام.
مثاله: أن أصحابنا لما احتجوا على أن المسلم لا يقتل بالذمي؛ بقوله ﷺ : (لا يقتل مؤمن بكافر) قالت الحنفية: إنه ﷺ عطف عليه قوله: (ولا ذو عهد في عهده) فيكون معناه: (ولا ذو عهد في عهده بكافر) ثم إن الكافر الذي لا يقتل ذو العهد به هو: الحربي؛ فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو: الحربي؛ تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.
والكلام عليه يقع في مقامين:
الأول: ألا نسلم أن قوله ﷺ : (ولا ذو عهد في عهده) معناه: (ولا ذو عهد في عهده بكافر).
بيانه أن قوله ﷺ (ولا ذو عهد في عهده) كلام تام، وإذا كان كذلك لم يجز إضمار تلك الزيادة.
إنما قلنا: إنه كلام تام؛ لأنه [لو] قال: (ولا يقتل ذو عهد) لكان من الجائز أن يتوهم منه متوهم أن من وجد منه العهد، ثم خرج عن عهده، فإنه لا يجوز قتله، فلما قال: (في عهده) علمنا أن هذا النهي مختص بكونه في العهد.
وإذا ثبت أن هذا القدر كلام تام، لم يجز إضمار تلك الزيادة؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه إلا لضرورة.
سلمنا: أن قوله ﷺ : (ولا ذو عهد في عهده) معناه: (ولا ذو عهد في عهده بكافر) لكن لا نسلم أن هذا الكافر، لما كان هو: الحربي؛ وجب أن يكون المراد بقوله: (لا يقتل مؤمن بكافر) هو: الحربي.
بيانه: أن مقتضي العطف مطلق الاشتراك، لا الاشتراك من كل الوجوه، وإذا كان كذلك، لم يجب ما قالوه، والله أعلم.
стр. 2072
المسألة التاسعة
عطف الخاص على العام
قال القرافي: قوله: (الكافر الذي لا يقتل به دون العهد هو الحربي):
تقريره: أن القاعدة الشرعية في القصاص أن كل آدمي يقتل بمن هو أعلى من إجماعًا، إنما الخلاف بيننا وبين الحنفية في قتل الأعلى بالأدنى، والذمي أعلى من المعاهد؛ لأن عقد الذمة يدوم لجميع الذرية إلى قيام الساعة، وعقدة المعاهدة تختص بزمان العهد، فيقتل المعاهد بالذمي فلم يبق أحد لا يقتل به المعاهد إلا الحربي.
والقاعدة اللغوية أن العطف يقتضي التسوية؛ فتساوي الجملة الأولى الجملة الثانية، وأن المسلم لا يقتل بالحربي، ويكون المراد بعموم الكافر خصوص الحربي، وهذا مجمع عليه، فسقط الاستدلال بالحديث على أن المسلم لا يقتل بالكافر، فصدر الحديث ينهض وآخره يعكر عليه.
قوله: (مقتضي العطف مطلق الاشتراك).
تقريره: أن أئمة النحو قالوا: إذا قلنا: مررت بزيد منطلقًا وعمرو؛ لا يقتضي أنك مررت بالمعطوف عليه منطلقًا، بل الاشتراك في مطلق المرور، كذلك جميع الظروف والأحوال والمتعلقات لا يلزم الاشتراك فيها.
فإذا قلت: لا يقوم زيد في الدار ولا عمرو، أمكن نفي قيام عمرو باعتبار غير الدار؛ لأنه متعلق، وهكذا هاهنا لا يشتركان فيمن يقتل به، بل في أصل القتل. هذه قاعدة النحاة، وللعلماء في الحديث أربعة أجوبة:
(الواو) للاستئناف ليست للعطف؛ لأن ما بعدها جملة مستقلة، سلمنا أنها عاطفة، لكن في أصل النفي، وهو الثاني في الكتاب، سلمنا أن العطف يقتضي التسوية مطلقًا، لكن لا نسلم أن (في) للظرفية، بل للسببية
стр. 2073
كقوله ﵇: (في النفس المؤمنة مائة من الإبل) أي: بسبب قتلها، فيكون صاحب الشرع قد نص بهذا الحديث على أن المعاهدة موجبة للعصمة، فيصير معني الحديث: لا يقتل ذو العهد بسبب عهده، وسلمنا أنها للظرفية، لكن نفي للتوهم كما قال في الكتاب، فقد يخطر بالبال أن عقد المعاهدة يدو لجميع الذراري كالذمة، فأخبر ﵇ أن ذلك لا يتعدي زمن المعاهدة.
(سؤال)
قال النقشواني هاهنا يرد [سؤال] على هذا المثال لا يختص بصاحب الكتاب، فإن المثال هو الموجود في جميع الكتب، وذلك أن عطف الخاص على العام له صورتان:
إحداهما: عام عطف على عام، ويعلم بالدليل أن الثاني دخله التخصيص، فهل يلحق ذلك بالأول المعطوف عليه كقولك: لا تضرب رجلًا ولا امرأة، ثم تبين لنا أن المراد بالمرأة غير القاذفة، وشارية الخمر.
والصورة الثانية: يعطف خاص بلفظه على عام بلفظه، فهل يقتضي ذلك تخصيص الأول كقولنا: لا تضرب رجلًا ولا امرأة كهلة، فالمرأة الكهلة أخص من المرأة، فهل يخصص الرجل بالكهل أيضًا؟
والمثال الذي هو من القسم الأول؛ لأن قولنا: ولا ذو عهد في عهده، تبينا بالدليل أن المراد بالكافر هو المقابل، فيبقي القسم الثاني لم يتعرضوا له.
***
стр. 2074
المسألة العاشرة
قال الرازي: اختلفوا في أن العموم إذا تعقبه استثناء، أو تقييد بصفة أو حكم وكان ذلك لا يتأتي إلا في بعض ما يتناوله، هل يجب أن يكون المراد بذلك العموم- ذلك البعض فقط، أم لا؟
مثال الاستثناء قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم، إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن، أو تفرضوا لهن فريضة﴾ [البقرة: ٢٣٦] ثم قال : ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ [البقرة: ٢٣٧] فاستثني العفو، وعلقه بكناية راجعة إلى النساء.
ومعلوم أن العفو لا يصح إلا من المالكات لأمورهن دون الصغيرة والمجنونة، فهل يجب أن يقال: الصغيرة والمجنونة غير مرادة بلفظ النساء في أول الكلام؟
مثال التقييد بالصفة: قوله تعالى: ﴿يأيها النبي، إذا طلقتم النساء، فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] ثم قال: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ [الطلاق: ١] يعني الرغبة في مراجعتهن، ومعلوم أن ذلك لا يتأتي في البائنة.
ومثال التقييد بحكم آخر: قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾. ثم قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهذا أيضًا لا يتأتي في البائن.
إذا عرفت هذا، فنقول: ذهب القاضي عبد الجبار إلى أنه لا يجب تخصيص ذلك العموم بتلك الأشياء، ومنهم: من قطع بالتخصيص، ومنهم: من توقف؛ وهو المختار.
стр. 2075
والدليل عليه: أن ظاهر العموم المتقدم يقتضي الاستغراق، وظاهر الكناية يقتضي الرجوع إلى كل ما تقدم؛ لأن الكناية يجب رجوعها إلى المذكور المتقدم، والمذكور المتقدم في الآية الأولى هو المطلقات لا بعضهن؛ ألا ترى أن الإنسان، إذا قال: (من دخل الدار من عبيدي، ضربته، إلا أن يتوبوا) انصرف ذلك إلى جميع العبيد، وجري مجري أن يقول: (إلا أن يتوب عبيدي الداخلون في الدار؟).
وإذا ثبت ذلك، فليست رعاية ظاهر العموم، أولى من رعاية ظاهر الكناية؛ فوجب التوقف، والله أعلم.
المسألة العاشرة
تعقب الاستثناء والصفة للعموم
قال القرافي: قوله: (في قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾.
تقريره: أن الواو الذي هو ضمير في (يعفون)، والأصل مطابقة الضمير لظاهره، فإذا كان الضمير خاصًا يكون العموم السابق الذي هو ظاهره خاصًا.
قوله: (مثال الصفة ...) ثم فسرها بالرغبة.
تقريره: أن الرغبة مثل الإنسان، ومثله صفته بخلاف قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فكونهم أحق حكم شرعي لا صفة للعبد، والحكم باستحقاق الرجعة، وتوقع الرغبة لا يتأتي إلا في الرجعيات، فهل يكون المراد بالأول الرجعيات؛ لأن الأصل مساواة الظاهر والمضمر، وذلك كله في تقدير الضمائر؛ لأن معني قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ [الطلاق: ١] أي: الرغبة فيهن.
***
стр. 2076
القسم الرابع
من كتاب العموم والخصوص
في حمل المطلق على المقيد، وفيه مسائل
قال الرازي: المطلق والمقيد إذا وردا، فإما أن يكون حكم أحدهما مخالفًا لحكم الآخر، أو لا يكون:
والأول: مثل أن يقول الشارع: (آتوا الزكاة، وأعتقوا رقبة مؤمنة) ولا نزاع في أنه لا يحمل المطلق على المقيد هاهنا؛ لأنه لا تعلق بينهما أصلًا.
وأما الثاني: فلا يخلو: إما أن يكون السبب واحدًا، أو لا يكون هناك سببان متماثلان، أو مختلفان: وكل واحد من هذه الثلاثة، فإما أن يكون الخطاب الوارد فيه أمرًا، أو نهيًا، فهذه أقسام ستة: فلنتكلم فيها:
أما إذا كان السبب واحدًا، وجب حمل المطلق على المقيد؛ لأن المطلق جزء من المقيد، والآتي بالكل آت بالجزء؛ لا محالة، فالآتي بالمقيد يكون عاملًا بالدليلين، والآتي بغير ذلك المقيد لا يكون عاملًا بالدليلين؛ بل يكون تاركًا لأحدهما.
والعمل بالدليلين عند إمكان العمل بهما أولى من الإتيان بأحدهما، وإهمال الآخر.
فإن قيل: لا نسلم أن المطلق جزء من المقيد، بيانه: أن الإطلاق والتقييد ضدان، والضدان لا يجتمعان.
стр. 2077
سلمنا ذلك؛ لكن المطلق له عند عدم التقييد حكم، وهو تمكن المكلف من الإتيان بأي فرد شاء من أفراد تلك الحقيقة، والتقييد ينافي هذه المكنة؛ فليس تقييد المطلق أولى من حمل المقيد على الندب؛ وعليكم الترجيح.
والجواب: أما أن المطلق جزء من المقيد؛ فلأنا بينا أن المراد من المطلق نفس الحقيقة، والمقيد عبارة عن الحقيقة مع قيد زائد، ولا شك أن الإطلاق أحد أجزاء الحقيقة المقيدة.
قوله: (الإطلاق والتقييد ضدان):
قلنا: إن عنيت بالإطلاق كون اللفظ دالا على الحقيقة من حيث هي هي، مع حذف جميع القيود السلبية والإيجابية، فلا نسلم أن ذلك ينافي التقييد على ما بيناه.
وإن عنيت بالإطلاق كون اللفظة دالة على الحقيقة الخالية عن جميع القيود فنحن لا نريد بالإطلاق ذلك؛ بل الأول، وفرق بين الحقيقة بشرط لا، وبين الحقيقة بلا شرط؛ فإن عدم الشرط غير شرط العدم.
وأيضًا: فشرط الخلو عن جميع القيود غير معقول؛ لأن هذا الخلو قيد.
قوله: (المطلق: له بشرط عدم التقييد حكم، وهو التمكن من الإتيان بأي فرد شاء، من أفراد تلك الحقيقة).
قلنا: هذا الحكم غير مدلول عليه لفظًا، والتقييد مدلول عليه لفظًا، فهو أولى بالرعاية.
وأما في جانب النهي، فهو أن يقول: (لا تعتق رقبة)، ثم يقول: لا تعتق رقبة كافرة) والأمر فيه قريب مما مر.
стр. 2078
القسم الرابع
(في حمل المطلق على المقيد)
قال القرافي: قوله: (إما أن يكون أحدهما مخالفًا للآخر، أو لا يكون):
قلنا: هذا التقسيم غير منضبط، بل المنضبط ما قاله ابن العربي في (المحصول) وهو أن الحكم والسبب إما أن يتفقا، أو يختلفا، أو يختلف أحدهما دون الآخر، فإن اختلفا معًا، فلا حمل لأحدهما على الآخر؛ كتقييد الرقبة بالإيمان، وإطلاق الشاة في الزكاة.
وإن اتفقنا معًا، فهذا هو سبيله؛ لقوله ﵇: (في كل أربعين شاة شاة)، فهذا مطلق. وقال ﵇: (في الغنم السائمة الزكاة) فهذا مقيد بالسوم، فإن قلنا بالمفهوم، حملنا المطلق على المقيد على الخلاف، والسبب واحد، وهو الملك للمال النامي، والحكم واحد، وهو وجوب الزكاة، واختلاف الحكم فقط لقوله تعالى في الوضوء: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]، فقيد غسل اليدين بالمرافق، وفي آية التيمم أطلق فقال تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦]، فهل يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء، فيجب التيمم إلى المرافق أم لا؟ خلاف، والسبب واحد وهو الحدث، والأحكام مختلفة وهي الوضوء والتيمم، واختلاف السبب فقط والحكم واحد، كالظهار والقتل سببان مختلفان والحكم واحد، وهو وجوب الإعتاق.
فهذا تقسيم منضبط بخلاف الذي في (المحصول)، فذكر أولًا الاختلاف في الحكم وحده، ولم يذكر معه الاختلاف في السبب، ومثله بما هو مختلف الحكم والسبب.
стр. 2079
قال المازري في (شرح البرهان): إن اختلف السبب والحكم، لم يختلف فيه، وكذلك إن اتحدا واختلف السبب وحده، فهو في موضع الخلاف.
قال: واختلف العلماء في تمثيله، فالجمهور مثلوه بآيتي الظهار والقتل في الإعتاق، ومثله بعضهم بالوضوء والتيمم، وأنكره الأبهري، وقال: التقييد هاهنا بعضو، وهو الذراع، ومقصود المسألة التقييد بصفة.
وقال بعضهم: الكل سواء، ويمكن تمثيل الخلاف في السبب دون الحكم، ويكون القيد صفة بقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥] وقيد في الآية الأخرى في قوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢١٧] مالك بقي المطلق على إطلاقه، والشافعي حمل المطلق على المقيد.
قال: ويمكن أن يقال: المطلق هاهنا خطاب خاص بالنبي ﷺ والمقيد عام، فما استوي البابان.
قلت: وعليه سؤالان:
أحدهما: أن النبي ﷺ أعظم منصبًا، فتعظم مؤاخذته كما قال الله تعالى: ﴿إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء: ٧٥]، وقال تعالى في أزواجه ﵇: ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠] وهو كثير.
وثانيهما: سلمنا أن المراد أمته، لكن المقيد فيه أمران مرتبان، وهما الحبوط والخلود على أمرين، وهما الردة والموافاة، فأمكن التوزيع، فلم يقيد ذلك المطلق.
هذا السؤال للشيخ: عز الدين بن عبد السلام.
стр. 2080
قال المازري. ويمكن أن يعود على النبي- ﵇ بقوله تعالى ﴿ومن يفكر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: ٥].
قوله: (الخطاب الوارد في المطلق والمقيد إما أمر، أو نهي):
قلنا: أو خبر، أو استفهام، أو ترج، أو تمن، أو إباحة، فإن جميع أقسام الكلام متصور فيها حمل المطلق على المقيد، فلا ينبغي أن يخصص بالأمر والنهي، فلو قال الله تعالى: أبحت لكم ميتتين، أبحت لكم ميتة السمك، والجراد، حملنا المطلق على المقيد.
أو قال القائل: ليت لي مالًا، ثم قال: ليت لي إبلًا، حملنا تمنيه أولًا على الإبل.
أو قال ﵇: (آخر رجل يخرج من النار رجل من قريش)، ثم قال: (آخر رجل يخرج من النار رجل يقال له: هناد)، وحملنا المطلق على المقيد، وقلنا: ذلك الرجل القرشي هو هناد.
قوله: (أما إذا كان السبب واحدًا، فيحمل المطلق على المقيد؛ لأن الآتي بالكل آت بالجزء):
قلنا: مقتضي تقسيمكم أن الحكم أيضًا واحد؛ لأنكم رددتم في السبب على تقدير اتحاد الحكم، وعلى هذا التقدير يكون المنطبق على هذا التقسيم التمثيل بالمفهوم، كما تقدم في الغنم السائمة، وعلى هذا التقدير؛ لا نسلم أن الآتي بالمقيدات بالمطلق يلزم ترك المعلوفة؛ بسبب الحمل على المقيد، وحينئذ يتعين أن يقول: إذا اتحد الحكم والسبب، فلا يخلو: إما أن يكون مدلول اللفظ كلية، أو كليا، أو كلا، فإن كان كلية، بطل ما ذكرتموه، وإن كان كليا، استقام؛ لأن القائل إذا قال: من ظاهر، فليعتق رقبة مؤمنة، اتحد الحكم والسبب، وكان الآتي بالقيد آتيًا بالمطلق، واستقام الكلام، وفي
стр. 2081
القسم الآخر لا يستقيم، ولما اندرج القسمان في القسم الذي عنيتموه، ورد السؤال باعتبار الكلية، لا باعتبار الكل، وعلى هذا بقيت الكلية، لم يذكروا فيها دليلًا، إذا وقع التقييد والإطلاق فيها، ويكون المتجه ما قاله الخصم؛ لأن الآتي بالقيد غير آت بالمطلق فيتعين عدم الحمل، على هذا البحث يتجه لكلا الفريقين طريقة العرض، والتنافي الاستدلال؛ فيقول القائل بالحمل بعد تقرير الحمل في الكلي، وإذا ثبت ذلك في الكلي، وجب أن يثبت في الكلية؛ لأنه قائل بالفرق، ونقول: القائل بعدم الحمل الآتي بالمقيد غير آت بالمطلق في مسألة الكلية، وجب أن يثبت في الكلي؛ لأنه لا قائل بالفرق، فتأمل ذلك، فهو مجال في البحث للفريقين، وأما الكلي، فقد لا يحصل فيه المطلق في المقيد، كآيتي الوضوء والتيمم؛ فإن اليد اسم المجموع، فجعل المرفق غاية يخرج بقية المطلق.
قوله: (الإطلاق والتقييد ضدان):
قلنا: لا تنافي بين كون الإطلاق والتقييد ضدين، وبين كون المطلق جزء المقيد؛ لأن الصفتين قد تتضادان والموصوفان لا يتضادان؛ كماهية الإنسان يتصف بالحركة والسكون، والسواد والبياض المتضادة، وهي لا تضاد نفسها؛ ولذلك تتصف بالبياض وعدمه، وهما نقيضان، وهي لا تناقض نفسها، فما ذكرتموه في سند المنع لا يفيدكم صحة المنع علينا في أن الآتي بالمقيد غير آن بالمطلق.
قوله: (الإطلاق يقتضي المكنة من أي فرد):
قلنا: هذا الحكم عقلي متلقي من البراءة الأصلية؛ لأن الماهية الكلية، لما وجبت، وشهد العقل أن كل جزء من جزئياتها متضمن لها مع أن الأصل عدم وجوب جزئي معين، جزم العقل بالخروج عن العهدة بأي فرد كان، مع أن هذا البحث يختص بالأمر، أما النهي، فلا يتأتي ذلك فيه، فإنه إذا
стр. 2082
قال: لا يقرب ماهية الغصب، ثم قال: لا يقرب ماهية الغصب من المسلمين، أو لا يقرب الغصب المتكرر، فإن هذه الصورة ينتقض بها أمران:
أحدهما: قولهم فيما تقدم: الآتي بالمطلق آت بالمقيد؛ فإن مقتضي هذا الإطلاق اجتناب الماهية الكلية، ويلزم من اجتناب الماهية الكلية اجتناب جميع جزئياتها وأنواعها.
قوله: (الغصب من المسلمين، أو الغصب المتكرر) يخرج بعض الأنواع، وهو الغصب من غير المسلمين، والغصب الذي لا يتكرر، فصار الآتي بالمقيد آتيًا ببعض المطلق؛ لأن الماهية الكلية في النفي كصيغة العموم، وذلك تقدم هنالك في صدر المسألة أن بحثه إنما يتم في الكلي لا في الكلية، وبهذا يمنعه أيضًا تمامه في الكلي، إذا كان في سياق النهي أو النفي، فإن بقي الكل، بقي بجميع أنواعه وأفراده؛ ولم يبق له في تلك الدعوي إلا الكلي في الأمر، وخبر الثبوت.
ولأن النهي عن الماهية الكلية يتناول جميع جزئياتها، فيكون عاما، كما إذا قال له: (لا تعتق عبدًا)، يكون عاما في المؤمنين والكفار، فإذا قال بعد ذلك: لا تعتق رقبة كافرة، كان المقيد بعض ما يتناوله العام الأول، الذي هو المطلق، والقاعدة أن العام لا يخصص بذكر بعضه، فيبقي المطلق على عمومه في النهي عن الفريقين المؤمن والكافر، فلا حمل، لأن المقيد هاهنا بعض المطلق.
وثانيهما: في الانتقاض لهذا البحث، فإنه إذا نهاه عن الماهية الكلية، لم يكن متمكنًا من تركها بأي نوع كان، أو بأي فرد كان، بل يتعين للجميع الاجتناب، فالمكنة ذاهبة، فكذلك في خبر النفي لا مكنة فيه، بل الجميع؛ فيتعين للنفي، وإنما يكون في النهي، أو النفي متمكنًا، إذا كان المنهي عنه كلا لا كلية، ولا كليًا، وقد تقدم الفرق بينهما في أول العموم؛ فإن النهي
стр. 2083
عن الكل الذي هو المجموع يكفي فيه اجتنابه لجزء غير معين، كما إذا نهي عن خمس ركعات في الظهر، فإنه لا يتعين ركعة في الخمسة، كذلك لو قال الطبيب: (لا تأكل هذه الثلاثة أرغفة، بل اثنين منها) فإنه لا يتعين الرغيف المتروك، وكذلك النفي إذا أخبر عن نفي مجموع العشرة لا يتعين فرد منها؛ فتعين للنفي، بل أي فرد كان هذا موضع المكنة، أما في الأصول والفروع مع أن التصانيف يذكر فيها البحث عن المطلق والمقيد، ويعممون الدعوي في جميع الموارد مع اشتمالها على هذه التفاصيل، التي لو عرضت عليهم لم يسعهم إنكارها، وكان ينبغي أن توضع في الكتب مفصلة على هذه القوانين المذكورة، فكانت تخرج من الظلمات إلى النور.
قوله: (وفرق بين الحقيقة بشرط (لا)، وبين الحقيقة بلا شرط):
تقريره: أنها بشرط (لا) معناه: لا يكون معها قيد ألبتة، ولا بشخص، وعلى هذا التقدير يستحيل وجودها؛ فضلًا عن أن يكون جزءًا من المقيد.
وقولنا: بلا شرط، معناه: أن التشخيص والقيود غير معتبرة، بل إن وجدت؛ فذاك، وإن لم توجد، فذاك، فهذه هي التي تقبل الوجود، وتوجد في ضمن المقيد.
قوله: (في النهي: لا تعتق رقبة، لا تعتق رقبة كافرة، والأمر فيه قريب مما مر):
قلنا: لا نسلم أنه قريب؛ لما تقدم ما بينهما من الفرق العظيم، وأن المقيد لا يستلزم المطلق ألبتة، بل يخل به ضرورة، وكذلك في النفي، وقد تقدم بسطه.
***
стр. 2084
المسألة الثانية
قال الرازي: اختلفوا في الحكمين المتماثلين، إذا أطلق أحدهما، وقيد الآخر، وسببهما مختلف، مثاله: تقييد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان، وإطلاقها في كفارة الظهار، وفيه ثلاثة مذاهب: اثنان طرفان، والثالث هو الوسط، أما الطرفان، فأحدهما: قول من يقول من أصحابنا: تقييد أحدهما يقتضي تقييد الآخر لفظا.
وثانيهما: قول كافة الحنفية: إنه لا يجوز تقييد هذا المطلق بطريق ما ألبتة.
وثالثها: القول المعتدل، وهو مذهب المحققين منا: أنه يجوز تقييد المطلق بالقياس على ذلك المقيد، ولا ندعي وجوب هذا القياس، بل ندعي أنه إن حصل القياس الصحيح، ثبت التقييد، وإلا فلا.
واعلم: أن صحة هذا القول إنما تثبت، إذا أفسدنا القولين الأولين.
أما الأول فضعيف جدًا؛ لأن الشارع لو قال: (أوجبت في كفارة القتل رقبة مؤمنة، وأوجبت في كفارة الظهار رقبة كيف كانت) لم يكن أحد الكلامين مناقضًا للآخر، فعلمنا أن تقييد أحدهما لا يقتضي تقييد الآخر لفظًا.
احتجوا: بأن القرآن كالكلمة الواحدة، وبأن الشهادة، لما قيدت بالعدالة مرة واحدة، وأطلقت في سائر الصور، حملنا المطلق على المقيد، فكذا هاهنا.
والجواب عن الأول: أن القرآن كالكلمة الواحدة في أنه لا يتناقض، لا في كل شيء، وإلا وجب أن يتقيد كل عام ومطلق بكل خاص ومقيد.
стр. 2085
وعن الثاني: أنا إنما قيدنا بالإجماع.
وأما القول الثاني، فضعيف؛ لأن دليل القياس، وهو أن العمل به دفع للضرر المظنون عام في كل الصور.
شبهة المخالف: أن قوله: (أعتق رقبة) يقتضي تمكين المكلف من إعتاق أي رقبة شاء من رقاب الدنيا، فلو دل القياس على أنه لا يجزيه إلا المؤمنة، لكان القياس دليلًا على زوال تلك المكنة الثابتة بالنص؛ فيكون القياس ناسخًا، وإنه خلاف الأصل.
والجواب: هذا لا يتم على مذهبكم؛ لأنكم اعتبرتم سلامة الرقبة عن كثير من العيوب، فإن كان اشتراط الإيمان نسخًا، فكذا نفي تلك العيوب يكون نسخًا.
أيضًا: فقوله: (أعتق رقبة) لا يزيد في الدلالة على اللفظ العام، وإذا جاز تخصيص العام بالقياس، فلأن يجوز هذا التخصيص به أولى.
تنبيه: إذا أطلق الحكم في موضع وقيد مثله في موضعين بقيدين متضادين، كيف يكون حكمه؟
مثاله: قضاء رمضان الوارد مطلقًا في قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام آخر﴾ [البقرة: ١٨٤] وصوم التمتع الوارد مقيدًا بالتفريق في قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] وصوم كفارة الظاهر الوارد مقيدًا بالتتابع في قوله : ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ [المجادلة: ٤].
стр. 2086
اختلفوا فيه على حسب ما مر في المسألة السالفة، فمن زعم أن المطلق يتقيد بالمقيد لفظًا، ترك المطلق هاهنا على إطلاقه؛ لأنه ليس تقييده بأحدهما أولى من تقييده بالآخر، ومن حمل المطلق على المقيد لقياس، حمله هاهنا على ما كان القياس عليه، والله أعلم.
المسألة الثانية
في الحكمين المتماثلين سببهما مختلف
قال القرافي: قوله: (الشهادة أطلقت في مواطن، وقيدت في أخر بالعدالة، فحمل المطلق على المقيد، فكذلك هاهنا):
قلنا: سبب الاحتياج للبينات هو ضبط الحقوق، وهو واحد في جميع الصور، وسبب قبول قولها وتصديقها هو ظاهر حالها، وهو أن الغالب على العاقل البالغ المسلم الصدق، وهذا واحد في جميع الصور، وإذا اتحد سبب الحاجة وسبب القبول، ظهر الفرق؛ لأن الأسباب المختلفة مختلفة الحكم ظاهرًا؛ لأن مفسدة القتل أعظم من مفسدة الظهار؛ وحينئذ يتجه أن يقال: عظم المفسدة يقتضي زيادة الشروط في الكفارة؛ فإن الساتر يعظم المستور، والأصل في الكفارة الستر، فاختلاف الأسباب يوجب اختلاف الأحكام، فلا يحمل المطلق على المقيد، أما مع اتحاد السبب، كما في الشهادة، فيتعين؛ لأجل عدم الاختلاف في المصلحة، فظهر الفرق.
قوله: (اعترفتم بسلامة الرقبة عن الكثير من العيوب):
قلنا: الفرق بين السلامة من العيوب، وبين اشتراط الإيمان، وجميع القيود: أن الوضع تابع للتصور، والواضع إذا تصور مفهوم (الإنسان) ليضع له، فإنما يسبق إلى ذهنه الإنسان الذي هو حيوان ناطق إلفي الشكل، له حواس خمس، وجوارح مخصوصة، ويدل على ذلك أيضًا: أنا متى
стр. 2087
سمعنا لفظ (الإنسان) فإنما يسبق إلى ذهننا الإنسان الموصوف بهذه الصفة، والذهن إنما ينتقل في أول الأمر إلى الموضوع له، وكذلك أن الأصل في الاستعمال الحقيقة، فعلمنا أن الوضع إنما كان السليم، فيتناول السلامة من العيوب- اللفظ وضعًا، أما وصف الإيمان وغيره من القيود، فلم يتناول لفظ الإطلاق، ولو تناوله، لم يكن تقييدًا، وإذا لم يتناوله اللفظ إجماعًا، ظهر الفرق.
قوله: (فإذا كان اشتراط الإيمان نسخًا، فكذلك نفي تلك العيوب).
تقريره: أن الحنفية لهم قاعدة، وهي: أن الزيادة على النفي نسخ، وكذلك جعلوا اشتراط (الفاتحة) في الصلاة نسخًا، لقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ [المزمل: ٢٠] لأنه زيادة عليه.
ونسخ الكتاب بأخبار الآحاد ممنوع، فلا يشترط (الفاتحة) كذلك هاهنا، وإذا حملنا المطلق على المقيد، صار ذلك نسخًا للإطلاق؛ لأنه زيادة عليه فلذلك ذكر المصنف النسخ هاهنا.
قال المازري في (شرح البرهان): ورد على أبي حنيفة نقوض:
أحدها: اشتراط السلامة من العيوب.
وثانيها: اشتراط الفقر في ذوي القربى.
وثالثها: أنه يجزئ عنده عتق الأقطع دون الأبرص.
ورابعها: لو حلف؛ لا يشتري رقبة، فاشتري رقبة معيبة، حنث، فلم يعتبر السلامة في الحنث، فخالف قاعدة النسخ، فإن الزيادة عنده نسخ، وهاهنا نسخ القرآن بغير دليل قاطع.
قوله: (إذا أطلق الحكم في موضع، وقيد مثله بقيدين مختلفين، مثاله: قضاء رمضان أطلق، وقيد صوم التمتع بالتفريق، وصوم الظهار بالمتابعة اختلفوا فيه).
قلنا: هذه أحكام عن أسباب مختلفة، بل أمس منه؛ في عدم اعتبار
стр. 2088
القيدين، والرجوع إلى الإطلاق ما اتفق لي مع سيدنا قاضي القضاة صدر الدين الحنفي؛ حكي لي يومًا أنه: اجتمع ب (دمشق) مع السيد الشريف قاضي العسكر شمس الدين نقيب الأشراف في الدولة الكاملية؛
قال: فقلت له: إن الشافعية نقضوا أصلهم: فإنهم قالوا بحمل المطلق على المقيد، وقد ورد قوله- ﵇ في الغسل من ولوغ الكلي في الإناء: (فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب) وورد مقيدًا بقوله ﵇:
(أولاهن بالتراب) ومع ذلك، لم يحملوا المطلق على المقيد، بل بقوا المطلق على إطلاقه.
قال: فلم يجدوا جوابًا ولم يجيبوا عنه.
فقلت له- حفظه الله-: إن لنا قاعدة، وهي أن المطلق، إذا قيد بقيدين متضادين بقي على إطلاقه باتفاق المذهبين، وهاهنا كذلك؛ لأنه ورد في الحديث أيضًا: (أخراهن بالتراب) فسقط أولاهن وأخراهن؛ لأنه ليس اعتبار أحدهما أولى من الآخر، وبقي المطلق علي إطلاقه.
وهذا أحسن ما مثل به المسألة؛ فإن السبب واحد، والحكم واحد، والقيود متضادة فيه.
(تنبيهات أربعة)
الأول: أنه بحث في هذا القسم المختلف الأسباب عن الأمر، وترك النهي ما يعرض له، وكذلك الخبر وبقية أقسام الكلام؛ فإنها يلاحظ فيها هذا من جهة الوضع على الخلاف، فينبغي أن تراجع تلك الضوابط المتقدمة في المسألة الأولى، وتخرج هذه المسألة أيضًا عليها.
التنبيه الثاني: أنه كيف يتجه أن يقول بالقياس مذهبًا ثالثًا، مع أن مدرك القوم أن اختلاف الأسباب يوجب اختلاف الحكم والمصالح، ومع الاختلاف كيف يتأتي القياس؛ حتى يصار إليه مذهبًا ثالثًا؟
стр. 2089
جوابه: أن الأسباب قد تختلف، وتختلف مصالحها، كما تقدم في القتل والظهار، وقد تتفق مصالحها، كالأسباب النواقض للطهارة الكبرى والصغرى؛ فإن حكمتها واحدة، وإلا لما كان حكمها واحدًا، وكشرب الخمر والقذف حدهما واحد، ومقتضي ذلك أن تكون حكمتهما واحدة؛ وإلا لاختلف الحد، إذا تقرر ذلك، فجاز أن يقع التقييد والإطلاق فيما حكمتهما واحدة، وهما مختلفان في الصورة.
(التنبيه الثالث) أن الإطلاق والتقييد أمران إضافيان، قرب مقيد بالنسبة إلى لفظ، مطلق بالنسبة إلى لفظ آخر، ورب مطلق بالنسبة إلى لفظ، مقيد بالنسبة إلى لفظ آخر، فلفظ (الإنسان) مطلق؛ بالنسبة إلى الإنسان المؤمن، ومعناه حيوان ناطق، وهو مقيد؛ بالنسبة إلى الحيوان، والحيوان مطلق؛ بالنسبة إلى الإنسان، ومعناه مقيد؛ لأنه جسم حساس، فهو مقيد، بالنسبة إلى الجسم، وكذلك كلما انتقلت من أخص إلى أعم، يصير المطلق مقيدًا، وعكسه، كلما انتقلت من الأعم إلى أخص، يصير المقيد مطلقًا.
فتأمل ذلك، فيتلخص لك أن المطلق الاقتصار على مجرد اللفظ المذكور، والمقيد هو أن يزيد عليه قيدًا زائدًا، ولا يعتقد أن القيد يجب أن يكون مقيدًا بكل اعتبار، بل قد يعتبر بالنسبة إلى معنى آخر، فيكون مطلقًا، والضابط ما سمعته.
(التنبيه الرابع) أن التقييد والإطلاق أسماء للألفاظ؛ باعتبار معانيها، لا أسماء للمعاني؛ باعتبار ألفاظها، وكذلك نقول: لفظ مطلق، ولا نقول: معنى مطلق في هذا المقام، فاللفظ المطلق كلفظ النكرة، والمقيد كالمعرفة والموصوفة، ونحو ذلك، كل ذلك من أسماء الألفاظ.
стр. 2090
(فائدة)
قال ابن العربي في (المحصول) له: جعل الأصوليون المطلق والمقيد من العموم، وليس منه .
قلت: وقوله صحيح غير أنهم لاحظوا أن العموم قد يطلق؛ باعتبار المعاني؛ كما تقدم في أول العموم، والمطلق أكثر ما يستعملونه هاهنا؛ باعتبار الحقائق الكلية، وهي عامة عمومًا معنويًا، لشمولها أنواعها وأشخاصها، فلذلك جعلوا المطلق كالعام، والمقيد كالخاص.
(تنبيه)
قال التبريزي: في حمل المطلق على المقيد ثلاثة مذاهب ، الحق هو الثالث وهو: الحمل إن اتحد السبب؛ فإن الأسباب المختلفة لا يجب أن تكون سواء، بل الغالب اختلافها، وأما مع اختلاف السبب، فيتعذر العمل بمقتضاها؛ للتناقض، فيقدم التقييد؛ لأنه مدلول لفظًا.
***
стр. 2091
النوع الرابع
في المجمل والمبين، وفيه مقدمة، وأربعة أقسام
أما المقدمة: ففي تفسير الألفاظ المستعملة في هذا الباب، وهي سبعة:
الأول:
البيان: وهو في أصل اللغة: اسم مصدر مشتق من التبيين، يقال: بين يبين تبيينًا وبيانًا، كما يقال: كلم يكلم تكليمًا وكلامًا، وأذن يؤذن تأذينًا وأذانًا.
فالمبين يفرق بين الشيء، وبين ما يشاكله، فلهذا قيل: البيان عبارة عن الدلالة؛ يقال: بين فلان كذا بيانًا حسنًا، إذا ذكر الدلالة عليه، ويدخل فيه الدليل العقلي، وفي اصطلاح الفقهاء هو: الذي دل على المراد بخطاب، لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد.
والثاني:
المبين، وله معنيان: أحدهما: ما احتاج إلى البيان، وقد ورد عليه بيانه.
والثاني: الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان.
الثالث:
المفسر، وله معنيان: أحدهما: ما احتاج إلى التفسير، وقد ورد عليه تفسيره.
وثانيهما: الكلام المبتدأ المستغني عن التفسير؛ لوضوحه في نفسه.
الرابع:
стр. 2092
النص، وهو كلام تظهر إفادته لمعناه، ولا يتناول أكثر منه، واحترزنا بقولنا: (كلام) عن أمرين: أحدهما: أن أدلة العقول والأفعال لا تسمى نصوصًا.
وثانيهما: أن المجمل مع البيان لا يسمى نصًا؛ لأن قولنا: (نص) عبارة عن خطاب واحد دون ما يقرن به؛ ولأن البيان قد يكون غير القول، والنص لا يكون إلا قولاً.
واحترزنا بقولنا: (تظهر إفادته لمعناه) عن المجمل.
فإن قلت: أليس قد يقال: نص الله تعالى على وجوب الصلاة، وإن كان قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣]، مجملاً؟
قلت: إنه ليس نصًا إلا في إفادة الوجوب؛ وهو فيها ليس بمجمل.
واحترزنا بقولنا: (ولا يتناول أكثر منه) عن قولهم: (اضرب عبيدي) لأن الرجل، إذا قال لغيره: (اضرب عبيدي) لم يقل أحد: إنه نص على ضرب زيد من عبيده؛ لأنه لا يفيده، على التعيين، ويقال: إنه نص على ضرب جملة عبيده؛ لأنه لا يفيد سواهم.
الخامس:
الظاهر، وهو: ما لا يفتقر في إفادته لمعناه إلى غيره، سواء، أفاد وحده، أو أفاده مع غيره.
وبهذا القيد الأخير يمتاز عن النص امتياز العام عن الخاص.
وكنا قد قلنا في باب اللغات: إن النص هو: اللفظ الذي لا يمكن استعماله
стр. 2093
في غير معناه الواحد، والظاهر هو: الذي يحتمل غيره احتمالاً مرجوحًا، ولا منافاة بين التعريفين.
السادس: المجمل، وهو في عرف الفقهاء: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء، هو متعين في نفسه، واللفظ لا يعينه، ولا يلزم عليه قولك: (اضرب رجلاً) لأن هذا اللفظ أفاد ضرب رجل، وهو ليس بمتعين في نفسه، فأي رجل ضربته جاز، وليس كذلك اسم القرء؛ لأنه يفيد، إما الطهر وحده، وإما الحيض وحده واللفظ لا يعينه.
وقول الله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣] يفيد وجوب فعل متعين في نفسه، غير متعين بحسب اللفظ.
السابع: المؤول، والتأويل عبارة: عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر.
وأما المحكم، والمتشابه فقد مر تفسيرهما في باب اللغات، والله أعلم.
* * *
القسم الرابع
في المجمل والمبين
قال القرافي: هذا هو القسم الرابع من أصل الكتاب، والمطلق والمقيد
стр. 2094
سماه أيضًا القسم الرابع، فلا يشكل عليك ذلك؛ فإنه الرابع بالنسبة إلى كتاب العموم، وهذا هو الرابع بالنسبة إلى أصل الكتاب؛ لأنه لما ذكر ترتيب أبواب أصول الفقه، جعل هذا القسم الرابع.
(فائدة)
المجمل مشتق من الجمل، وهو الخلط ، ومنه قوله ﵇: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها) أي: خلطوها بالسبك على النار، ومنه العلم الإجمالي؛ لاختلاط المعلوم بالمجهول في تلك الحقيقة، وهاهنا سمى اللفظ (مجملاً) لاختلاط المراد بغير المراد فلذلك سمى مجملاً.
(فائدة)
قال صاحب (المجمل في اللغة)، وسيف الدين: هو الجمع، ومنه (أجمل الحساب) إذا جمعه.
стр. 2095
وقيل: هو المحصل؛ ومنه: (أجملت الشيء، إذا حصلته).
قال سيف الدين: وفي الاصطلاح قيل: هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء، وهو باطل لدخول المهمل فيه، وليس مجملاً؛ لأن الإجمال والبيان من صفات الموضوعات، ولدخول المستحيل؛ لأنا إذا قلنا: مستحيل لا يفهم منه شيء، وليس مجملاً، فيكون ليس بمانع، وهو أيضًا ليس بجامع؛ لأن اللفظ المجمل قد يفهم منه أحد الأشياء لا بعينها، وقد يكون مجملاً من وجه، ظاهرًا من وجه؛ كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] لأن الإجمال قد يكون في الأفعال، كما سيأتي في تردده بين السهو وبين التعمد؛ ليدل على عدم الشرطية، بل هو ماله دلالة على أحد أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه، والقيد الأخير: احتراز عما له ظاهر من وجه.
قال أبو الحسين في (المعتمد): ما أفاد جملة؛ ومنه (جملت الحساب)، فعلى هذا يوصف العموم بأنه مجمل؛ لشموله، ويراد به أيضًا ما لا يمكن معرفته.
قوله: (البيان: اسم مصدر مشتق من التبيين):
قلنا: عليه سؤالان:
الأول: قوله: (اسم مصدر) هذا غير متجه، وأما على خلاف الاصطلاح، فإن اسم المصدر عند النحاة هو: الذي لا يجرى عليه الفعل، كما يقولون: التسبيح اسمه (سبحان) فـ (سبحان) اسم مصدر لا مصدر، فهو إن أراد هذا، فهو الاصطلاح، غير أن الأمر ليس كذلك، بل هو مصدر في نفسه يجرى عليه الفعل، وإن لم يرد هذا؛ فهو اصطلاح له غير اصطلاح القوم.
стр. 2096
الثاني: قوله: (مشتق من التبيين) هذان مصدران لفعلين، فالتبيين مصدر تبيين، والبيان مصدر بان، والمصادر كلها جامدة، ليس فيها اشتقاق، فكيف يجعل أحدهما من الآخر؟ هذا خلاف اصطلاح النحاة؛ غير أن الاشتقاق اشتقاقان: أصغر، وأكبر، فالاشتقاق الأصغر يختص بأن يكون من المصادر، وباعتباره تكون المصادر غير مشتقة، وهو الذي يغلب استعماله.
والاشتقاق الأكبر: لا يتوقف على ذلك، بل يقال: (سوف) مشتق من (سوف): ونون من النون فيحصل الاشتقاق من الحروف، وكذلك استحجر الطين، واستنوق البعير، واستنسر الببغاء: اشتقاق من (الحجر) و (الناقة) و (النسر) وهي أسماء أجناس، ويقولون: (الخمر) مشتق من (الخمرة) لأنها تغلب على الوحوش منها، و (البقر) من (البقر) الذي هو الشق؛ لأنها تشق الأرض بالحرث، وهو كثير، وقد تقدم بسطه في (باب الاشتقاق) وعلى هذا يستقيم ما قاله.
قوله: (البيان الدلالة):
يريد الدلالة باللفظ لا دلالة اللفظ؛ لأن قولنا: (بين)، أي: تعاطى البيان، والتعاطي إنما هو دلالة باللفظ، أي: استعماله لأجل الإفهام، والدلالة قد تحصل بقصد المتكلم، وبغير قصده، فيفهم السامع الحقيقة، والمتكلم يريد إفهام المجاز.
قال سيف الدين: قال أبو بكر الصيرفي: في البيان: التعريف.
وقال أبو عبد الله البصري وغيره: هو العلم الحاصل من الدليل.
стр. 2097
قال القاضي أبو بكر، وأكثر الشافعية، والمعتزلة؛ كأبي هاشم، والجبائي، وأبي الحسين، وغيرهم: (هو الدليل).
قال: وهو المختار؛ لأنه يقال لمن بين بدليل: ثم بيانه، إذا تم دليله، ويبطل الحد الأول بإيضاح الشيء من غير سابقة إجمال، فإنه لا يسمى بيانًا، ويرد على الحد الثاني، أن الحاصل من الدليل يسمى بينًا لا بيانًا، والأصل عدم الترادف.
قوله: (في اصطلاح الفقهاء: هو الذي دل على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد):
قلنا: قولكم (هو الذي دل بخطاب يقتضي أن يتعاطى التفهيم): هو البيان؛ لأنكم جعلتم الخطاب أداةً له، والبيان إنما هو الخطاب نفسه، والمصنف يريد أن يقول: هو اللفظ الذي دل على المراد بخطاب، وعبر بـ (الذي) عن اللفظ، وأن ذلك اللفظ بصيغة لا تستقل بنفسها، وأحسن من هذه العبارة أن يقول: هو الخطاب المبين المراد الذي لا يستقل بنفسه.
ثم قوله: (بخطاب) البيان قد يكون بالفعل، كما بين ﵇ صلاة الجمعة بفعله، فإنها في كتاب الله - تعالى - مجملة، وبين أوقات الصلاة بفعله في يومين، وقال في آخر اليوم الثاني: (أين السائل؟ ما بين هذين الوقتين).
стр. 2098
قوله: (لا يستقل بنفسه):
قد يستقل البيان بنفسه؛ كقوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر) فهو كلام مستقل، وهو بيان لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] ويسميه العلماء بيانًا في الاصطلاح.
وقد لا يستقل البيان بنفسه؛ كقوله تعالى: ﴿إنها بقرة صفراء﴾ [البقرة: ٦٩] فهذا إن لم يضم لما تقدم، عسر فهمه من أجل الضمير، وهذا هو مقصود المصنف غير أن ليس كل بيان كذلك، فكان تفسيره غير جامع.
قوله: (المبين: يقال على ما ورد عليه بيانه) وهذا اسم المفعول فيه ظاهر، إنما يشكل على المبين الذي هو واضح في أصل غنى عن البيان.
وتقرير تسميته مبينًا من جهة أن الناطق به أوضحه في أصل النطق به، وأتى به مفسرًا فصيحًا، معربًا عن المقصود، فهو أثره، فهو مفعول، فنقول لمن نطق بالنص الصريح: لفظه مبين واضح، والمفسر مرادف للمبين، وتعليلهما واحد.
قوله: (المفسر يقال على معنيين).
(فائدة)
قال اللغويون: هذه المادة إنما تؤخذ للظهور والبيان ، ومنه فسر، إذا بين، وسفر عن وجهه، إذا كشف، وأسفرت الشمس، إذا عظم نورها، وسافر؛ لأن السفر يكشف عن أخلاق الناس.
стр. 2099
والسفارة: الرسالة؛ لأن الرسول يكشف للمرسل ما أرسله فيه.
قوله: (النص: كل كلام تظهر إفادته لمعناه):
قلنا: قد تقدم أول الكتاب: أن النص له ثلاثة معان:
ما دل على معنى قطعًا، ولا يحتمل غيره قطعًا؛ كأسماء الأعداد، وما دل على معنى قطعًا، وإن احتمل غيره؛ كصيغ الجموع في العموم، فلابد فيها من ثلاثة؛ كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] وما دل على معنى كيف كان، وهو غالب استعمال الفقهاء، يقولون: (نص الشافعي على كذا) ولنا النص والقياس على كذا، ولا يريدون إلا لفظًا دالاً كيف كان، وأصله من توصيل الشي إلى غايته، ومنه قول جابر: (كان رسول الله ﷺ يسير العنق، فإذا وجد مزجة نص) أي: رفع السير إلى غايته.
ومنه منصة العروس؛ لأنها ترفع إلى الغاية الممكنة في الارتفاع بها.
قال امرؤ القيس: [الطويل]:
стр. 2100
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش .... إذا هي نصته ولا بمعطل
فمن لاحظ أعلى مراتب رفع الشيء إلى غايته، قال بالتفسير الأول، أو أدنى مراتبه، فالثالث، أو المتوسط، فالمتوسط.
قوله: (احترزنا بقولنا: (كلام) عن المجمل مع بيانه؛ فإنه لا يسمى نصًا).
قلنا: عليه سؤالان:
أحدهما: أنكم ذكرتم في الحد لفظ (الكلام) لا لفظ (النص) فينبغي لكم أن تقولوا: المجمل مع مبينه لا يسمى كلامًا؛ أما النص: فلا مدخل له هاهنا؛ لأنه لفظ المحدد لا لفظ المقيد الواقع في حد الاحتراز.
وثانيهما: سلمنا صحة الاحتراز، لكن لا نسلم أن المجمل مع بيانه لا يسمى كلامًا ولا نصًا، بل الكلمات، وإن كثرت، والجمل المفيدة، وإن تعددت تسمى كلامًا؛ لقوله تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]، والمراد جملة القرآن، واتفق المسلمون على تسمية القرآن كلام الله تعالى.
وأما النص: فأصله مصدر تقول: نص كلامه ينص نصًا، والمصدر يصدق على القليل والكثير لغة.
فإن قلتم: إنه نقل في عرف الاستعمال للفظ المفرد، قلنا: الأصل عدم النقل والتغيير.
قوله: (ولأن البيان قد يكون بغير القول، والنص لا يكون إلا قولاً):
قلنا: مسلم، لكن المجمل الذي بيانه قول لا يخرج حينئذ لما تقدم، ويكفي في النقض صورة.
قوله: (الآية نص في وجوب الصلاة فقط).
стр. 2101
تقريره: أن المراد هاهنا: بالنص ما أفاد معنى كيف كان.
وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ١١٠] مفيد للوجوب، وقد يكون مفيدًا من وجه، ومجمل من وجه، فهي مجملة في أحوال الصلاة ومقاديرها، وكذلك قوله تعالى: ﴿واتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] ظاهر في أصل الحق، مجمل في مقداره.
قوله: (إذا قال (اضرب عبيدي) لا يقول أحد: إنه نص على ضرب زيد من عبيده):
قلنا: لا نسلم؛ فإنا إذا فسرنا النص باللفظ الدال، كيف كان، كانت العمومات نصوصًا في ثبوت الحكم في كل فرد من أفرادها.
وكذلك نقول: الله - تعالى - نص على جواز بيع الغائب؛ بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] ونسبة اللفظ إلى الأفراد نسبة واحدة فلو لم يكن نص على فرد، يلزم ذلك في جميع الأفراد، ثم قولكم: لكن يقال: نصه على ضرب جميعهم يبطل ذلك؛ لأن ثبوت المجموع يتوقف على ثبوته في كل فرد، فإذا خرج الفرد عن أن يكون منصوصًا عليه، تعذر أن يكون المجموع منصوصًا عليه؛ فحينئذ يتعين أن يكون قولكم: (ولا يتناول أكثر منه) لا معنى له في الاحتراز.
قوله: (الظاهر الذي لا يفتقر في إفادته لمعناه إلى غيره أفاد وحده، أو مع غيره):
قلنا: ظاهر كلامكم: أنكم جعلتم الظاهر أعم؛ لقولكم: (أفاده وحده، أو مع غيره) ثم قلتم بعد هذا: (أو بالقيد الأخير يمتاز عن النص امتياز العام عن الخاص) ويلزم من هذا سؤالان:
أحدهما: أن حد النص السابق لا يمنع من دخول الظاهر فيه؛ كقولكم:
стр. 2102
هو كلام تظهر إفادته لمعناه، وحينئذ لا عموم ولا خصوص، بل التفسيران عامان، وكل منهما لم يصدق إلا على الظاهر، وخصوص النص الذي هو قسيم الظاهر، لم يتعرضوا له؛ وهو الدال على معنى قطعًا، لا يقبل المجاز ألبتة؛ كأسماء الأعداد.
وثانيهما: أن الظاهر إذا كان أعم؛ فيجب صدقه على نوعه، الذي هو النص، فيصدق على النص أنه ظاهر، والاصطلاح يأباه.
قوله: (كما قلنا في باب اللغات؛ النص: هو الذي لا يمكن استعماله في غير معناه):
قلنا: هذه العبارة لم تتقدم، لكنه قال: النص هو المانع من النقيض وتفسيره أنه يمنع المجاز، وقد تقدم البحث عليه هناك، وهو أن النقض أعم من المجاز؛ لاحتماله النسخ.
قوله: (ولا منافاة بين التعريفين):
تقريره: أن ذلك تعريف للنص المفسر بما دل على معنى قطعًا، ولا يحتمل غيره قطعًا، وهذا تعريف للنص بما له إفادة، كيف كانت، أو لفظ النص لفظ مشترك، وكل لفظ مشترك يكون لكل واحد من مسمياته تعريف غير التعريف الكائن للآخر؛ فلا منافاة حينئذ.
قوله: (المجمل في عرف الفقهاء: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء هو معين في نفسه).
قلنا: كونه معينًا في نفسه لم يأت من قبيل المجمل، إنما جاء من ظاهر حال المتكلم، أما اللفظ من حيث هو لفظ، فلا دلالة له على التعيين، ثم قولكم: (من أشياء) قد يكون من جملة شيئين؛ كالقرء، له مسميان فقط، وهذا ينبني على أقل الجمع، هل هو اثنان، أو ثلاثة؟
стр. 2103
قال سيف الدين (هو غير جامع؛ لأن الفعل قد يكون مجملاً، كما إذا قام من اثنتين، ولا يدري أقام سهوًا أو تعمدًا) وقال: (ينبغي أن يزاد في الحد بالنسبة إليه، فإنه قد يكون ظاهرًا من وجه).
(فائدة)
قال سيف الدين: قد يكون الإجمال في المشترك ؛ كالعين، والمختار للفاعل، والمفعول؛ والضدين؛ كالقرء، ولفظ مركب؛ لقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فإن جميع هذه الألفاظ مترددة بين الولي والزوج.
وقد يكون يتردد الضمير؛ نحو: قولنا: (كل ما علمه الفقيه، هو كما علمه) يصح عوده على الفقيه، وعلى العلوم، أو التردد بين الأجزاء، والصفات؛ كقولنا: الخمسة زوج وفرد، يصح باعتبار الأجزاء دون الصفات؛ أو سبب الوقف كقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧] أو تردد صفة؛ نحو: زيد طبيب ماهر؛ يحتمل ماهر في الطب أو غيره، أو التردد بين مراتب الخصوص؛ كالمخصوص بطائفة مجملة، أو المجازان المستوية، إذا تعددت الحقيقة، فهذه عشرة أيام.
وذكر الغزالي في (المستصفى) هذه الأقسام، وزاد: أنه قد يصلح للمتشابهين بوجه ما؛ كالنور للعقل، والنور للجسم، وقد يصلح لمتماثلين؛ كالجسم للسماء والأرض، وقد يكون موضوعًا لهما من غير تقديم وتأخير،
стр. 2104
وقد يكون مستعارًا من الآخر؛ كالأم للوالدة والأرض، ويكون سبب التردد بين العطف والابتداء في (الواو).
وقوله: (لا يلزم عليه (اضرب رجلاً) لأنه يخرج عن العهدة بأي فرد كان):
قلنا: لكن يلزم عليه (ضربت رجلاً)، فإنه معين في نفسه، والمتكلم لم يعينه، وله أن يقول: المتواطئ إذا أريد به بعض أشخاصه، كان مجملاً، كان في الماضي أو المستقبل.
قوله: (المؤول احتمال يعضده دليل):
قلنا: قد تقدم في أول اللغات: أنه الاحتمال المرجوح والمجاز فيه.
وقال الإمام في (البرهان): (التأويل رد اللفظ الظاهر إلى ما إليه مآله في دعوى المتأول، فجعل التأويل صرف الظاهر لا نفس الاحتمال الخفي).
قال الأبياري في (شرح البرهان): (قال أبو حامد: هو احتمال مقصود بدليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر).
قال: وهو ضعيف، وليس من شرطه أن يعضد بدليل؛ ولهذا يقال: هذا تأويل، فما دليله؟ وقد يعضد بدليل يساوي به الظاهر.
قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): التأويل قسمان في الفروع: مجمع عليه، وفي الأصول حتى قال به الظاهرية، وفي العقائد، وصفات الله - تعالى - فثلاثة مذاهب: إجراء تلك النصوص على ظاهرها عند المشبهة، وصرفها عن ظاهرها، فلا يعين مجازها، وهو مذهب السلف، وتعين المجاز، وهو مذهب الأشعرية.
стр. 2105
(تنبيه)
زاد سراج الدين فقال على حد النص والظاهر: لقائل أم يقول: ما ذكره يقتضي كون النص قسمًا من الظاهر، والمذكور في (كتاب اللغات) كونه قسيمًا له، وبينهما تناف، فهذا التعريفان لا يوافقان التعريفين المذكورين في (كتاب اللغات).
قال التبريزي: المجمل: هو الكلام الذي لا يتبين منه مراد المتكلم لا بالوضع، ولا بالعرف، والمبين: هو الدليل إلا أنه في عرف العلماء يختص بقبيل الألفاظ، ثم قد يطلق بإزاء مطلق الدليل اللفظي، وقد يختص بالكاشف عن سابقة إشكال، ثم ذلك المشكل، إن كان مجملاً، سمى بعد البيان مبينًا، أو ظاهرًا؛ وإن أريد به خلافه، سمى مؤولاً، ولا يسمى بيانه تأويلاً.
* ... * ... *
следующие страницы →