← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

تقريره: أن المراد هاهنا: بالنص ما أفاد معنى كيف كان. وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ١١٠] مفيد للوجوب، وقد يكون مفيدًا من وجه، ومجمل من وجه، فهي مجملة في أحوال الصلاة ومقاديرها، وكذلك قوله تعالى: ﴿واتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] ظاهر في أصل الحق، مجمل في مقداره. قوله: (إذا قال (اضرب عبيدي) لا يقول أحد: إنه نص على ضرب زيد من عبيده): قلنا: لا نسلم؛ فإنا إذا فسرنا النص باللفظ الدال، كيف كان، كانت العمومات نصوصًا في ثبوت الحكم في كل فرد من أفرادها. وكذلك نقول: الله - تعالى - نص على جواز بيع الغائب؛ بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] ونسبة اللفظ إلى الأفراد نسبة واحدة فلو لم يكن نص على فرد، يلزم ذلك في جميع الأفراد، ثم قولكم: لكن يقال: نصه على ضرب جميعهم يبطل ذلك؛ لأن ثبوت المجموع يتوقف على ثبوته في كل فرد، فإذا خرج الفرد عن أن يكون منصوصًا عليه، تعذر أن يكون المجموع منصوصًا عليه؛ فحينئذ يتعين أن يكون قولكم: (ولا يتناول أكثر منه) لا معنى له في الاحتراز. قوله: (الظاهر الذي لا يفتقر في إفادته لمعناه إلى غيره أفاد وحده، أو مع غيره): قلنا: ظاهر كلامكم: أنكم جعلتم الظاهر أعم؛ لقولكم: (أفاده وحده، أو مع غيره) ثم قلتم بعد هذا: (أو بالقيد الأخير يمتاز عن النص امتياز العام عن الخاص) ويلزم من هذا سؤالان: أحدهما: أن حد النص السابق لا يمنع من دخول الظاهر فيه؛ كقولكم:

стр. 2102

هو كلام تظهر إفادته لمعناه، وحينئذ لا عموم ولا خصوص، بل التفسيران عامان، وكل منهما لم يصدق إلا على الظاهر، وخصوص النص الذي هو قسيم الظاهر، لم يتعرضوا له؛ وهو الدال على معنى قطعًا، لا يقبل المجاز ألبتة؛ كأسماء الأعداد. وثانيهما: أن الظاهر إذا كان أعم؛ فيجب صدقه على نوعه، الذي هو النص، فيصدق على النص أنه ظاهر، والاصطلاح يأباه. قوله: (كما قلنا في باب اللغات؛ النص: هو الذي لا يمكن استعماله في غير معناه): قلنا: هذه العبارة لم تتقدم، لكنه قال: النص هو المانع من النقيض وتفسيره أنه يمنع المجاز، وقد تقدم البحث عليه هناك، وهو أن النقض أعم من المجاز؛ لاحتماله النسخ. قوله: (ولا منافاة بين التعريفين): تقريره: أن ذلك تعريف للنص المفسر بما دل على معنى قطعًا، ولا يحتمل غيره قطعًا، وهذا تعريف للنص بما له إفادة، كيف كانت، أو لفظ النص لفظ مشترك، وكل لفظ مشترك يكون لكل واحد من مسمياته تعريف غير التعريف الكائن للآخر؛ فلا منافاة حينئذ. قوله: (المجمل في عرف الفقهاء: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء هو معين في نفسه). قلنا: كونه معينًا في نفسه لم يأت من قبيل المجمل، إنما جاء من ظاهر حال المتكلم، أما اللفظ من حيث هو لفظ، فلا دلالة له على التعيين، ثم قولكم: (من أشياء) قد يكون من جملة شيئين؛ كالقرء، له مسميان فقط، وهذا ينبني على أقل الجمع، هل هو اثنان، أو ثلاثة؟

стр. 2103

قال سيف الدين (هو غير جامع؛ لأن الفعل قد يكون مجملاً، كما إذا قام من اثنتين، ولا يدري أقام سهوًا أو تعمدًا) وقال: (ينبغي أن يزاد في الحد بالنسبة إليه، فإنه قد يكون ظاهرًا من وجه). (فائدة) قال سيف الدين: قد يكون الإجمال في المشترك ؛ كالعين، والمختار للفاعل، والمفعول؛ والضدين؛ كالقرء، ولفظ مركب؛ لقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فإن جميع هذه الألفاظ مترددة بين الولي والزوج. وقد يكون يتردد الضمير؛ نحو: قولنا: (كل ما علمه الفقيه، هو كما علمه) يصح عوده على الفقيه، وعلى العلوم، أو التردد بين الأجزاء، والصفات؛ كقولنا: الخمسة زوج وفرد، يصح باعتبار الأجزاء دون الصفات؛ أو سبب الوقف كقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧] أو تردد صفة؛ نحو: زيد طبيب ماهر؛ يحتمل ماهر في الطب أو غيره، أو التردد بين مراتب الخصوص؛ كالمخصوص بطائفة مجملة، أو المجازان المستوية، إذا تعددت الحقيقة، فهذه عشرة أيام. وذكر الغزالي في (المستصفى) هذه الأقسام، وزاد: أنه قد يصلح للمتشابهين بوجه ما؛ كالنور للعقل، والنور للجسم، وقد يصلح لمتماثلين؛ كالجسم للسماء والأرض، وقد يكون موضوعًا لهما من غير تقديم وتأخير،

стр. 2104

وقد يكون مستعارًا من الآخر؛ كالأم للوالدة والأرض، ويكون سبب التردد بين العطف والابتداء في (الواو). وقوله: (لا يلزم عليه (اضرب رجلاً) لأنه يخرج عن العهدة بأي فرد كان): قلنا: لكن يلزم عليه (ضربت رجلاً)، فإنه معين في نفسه، والمتكلم لم يعينه، وله أن يقول: المتواطئ إذا أريد به بعض أشخاصه، كان مجملاً، كان في الماضي أو المستقبل. قوله: (المؤول احتمال يعضده دليل): قلنا: قد تقدم في أول اللغات: أنه الاحتمال المرجوح والمجاز فيه. وقال الإمام في (البرهان): (التأويل رد اللفظ الظاهر إلى ما إليه مآله في دعوى المتأول، فجعل التأويل صرف الظاهر لا نفس الاحتمال الخفي). قال الأبياري في (شرح البرهان): (قال أبو حامد: هو احتمال مقصود بدليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر). قال: وهو ضعيف، وليس من شرطه أن يعضد بدليل؛ ولهذا يقال: هذا تأويل، فما دليله؟ وقد يعضد بدليل يساوي به الظاهر. قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): التأويل قسمان في الفروع: مجمع عليه، وفي الأصول حتى قال به الظاهرية، وفي العقائد، وصفات الله - تعالى - فثلاثة مذاهب: إجراء تلك النصوص على ظاهرها عند المشبهة، وصرفها عن ظاهرها، فلا يعين مجازها، وهو مذهب السلف، وتعين المجاز، وهو مذهب الأشعرية.

стр. 2105

(تنبيه) زاد سراج الدين فقال على حد النص والظاهر: لقائل أم يقول: ما ذكره يقتضي كون النص قسمًا من الظاهر، والمذكور في (كتاب اللغات) كونه قسيمًا له، وبينهما تناف، فهذا التعريفان لا يوافقان التعريفين المذكورين في (كتاب اللغات). قال التبريزي: المجمل: هو الكلام الذي لا يتبين منه مراد المتكلم لا بالوضع، ولا بالعرف، والمبين: هو الدليل إلا أنه في عرف العلماء يختص بقبيل الألفاظ، ثم قد يطلق بإزاء مطلق الدليل اللفظي، وقد يختص بالكاشف عن سابقة إشكال، ثم ذلك المشكل، إن كان مجملاً، سمى بعد البيان مبينًا، أو ظاهرًا؛ وإن أريد به خلافه، سمى مؤولاً، ولا يسمى بيانه تأويلاً. * ... * ... *

стр. 2106

القسم الأول في المجمل وفيه مسائل قال الرازي: المسألة الأولى: في أقسام المجمل. الدليل الشرعي: إما أن يكون أصلاً، أو مستنبطًا منه، والأصل إما أن يكون لفظًا، أو فعلاً: أما اللفظ: فإما أن يحكم عليه بالإجمال حال كونه مستعملاً في موضوعه، أو حال كونه مستعملاً في بعض موضوعه، أو حال كونه مستعملاً لا في موضوعه، ولا في بعض موضوعه: أما القسم الأول: فذاك هو أن يكون اللفظ محتملاً لمعان كثيرة فلم يكن حمله على بعضها أولى من الباقي. ثم تناول اللفظ لتلك المعاني: إما بحسب معنى واحد مشترك بين الكل وهو المتواطئ كقوله تعالى: ﴿واتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] أو لا، بحسب معنى واحد، وهو المشترك؛ كلفظ القرء. وأما القسم الثاني، وهو: أن يحكم عليه بالإجمال حال كونه مستعملاً في بعض مضوعه، فهو كالعام المخصوص بصفة مجملة، أو استثناء مجمل، أو بدليل منفصل مجهول. مثال الصفة قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾

стр. 2107

[النساء: ٢٤] فإنه تعالى، لو اقتصر على ذلك، لم يفتقر فيه إلى بيان؛ فلما قيده بقوله: ﴿محصنين﴾ ولم ندر ما الإحصان لم نعرف ما أبيح لنا. ومثال الاستثناء قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمنة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ [المائدة: ١]. ومثال الدليل المنفصل المجهول كما إذا قال الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]: المراد بعضهم، لا كلهم. وأما القسم الثالث، وهو: أن يحكم عليه بالإجمال حال كونه مستعملاً، لا في موضوعه، ولا في بعض موضوعه، فهو ضربان: أحدهما: الأسماء الشرعية، والآخر: غيرها. مثال الأول: كما إذا أمرنا الشرع بالصلاة ونحن لا نعلم انتقال هذا الاسم إلى هذه الأفعال احتجنا فيه إلى بيان. والثاني: الأسماء التي دلت الأدلة على أنه لا يجوز حملها على حقائقها، وليس بعض مجازاتها أولى من بعض، بحسب اللفظ؛ فلابد من البيان. أما الفعل فإن مجرد وقوعه لا يدل على وجه وقوعه، إلا أنه قد يقترن به ما يدل على الوجه الذي وقع عليه، وحينئذ يستغنى عن البيان، وقد لا يقترن به ذلك، فيكون مجملاً: مثال الأول: إذا رأينا الرسول ﵊ مواظبًا على الإتيان بالسجودين، علمنا أن ذلك من أفعال الصلاة.

стр. 2108

مثال الثاني: أن يقوم من الركعة الثانية، ولا يجلس قدر التشهد، جوزنا أن يكون قد سها فيه، وأن يكون قد تعمد ذلك؛ ليدلنا على جواز ترك هذه الجلسة. وأما المستنبط من الأصل، فهو القياس، ولا يتصور فيه الإجمال، والله أعلم. * * * القسم الأول في المجمل قال القرافي: قوله: (الأصل) إما لفظ أو فعل): قلنا: بقى التقرير، والاستحسان، والعوائد، وقرائن الأحوال، وظاهر الحال لم يندرج في القسمين، مع أنكم تعرضتم لتقسيم الدليل الشرعي بوصف الإجمال. قوله: (يكون اللفظ محتملاً لمعان كثيرة): تقريره: أن الاحتمال قد يكون ينشأ عن الوضع؛ كاللفظ المشترك، فإن وصفه مشتركًا هو سبب التردد، وقد ينشأ عن العقل؛ كاللفظ المتواطئ؛ فإنك إذا قلت: في الدار رجل، احتمل جميع رجال الدنيا، وهذا من تجويز العقل، لا من الوضع. وكذلك تقول: كل مشترك مجمل، وليس كل مجمل مشتركًا؛ فالمجمل أعم من المشترك، ثم المتواطئ لا يكون مجملاً، وهو مستعمل في موضوعه إلا بحسب خصوصيات محاله لا باعتبار ما استعمل فيه، بل هو ظاهر، وكذلك يبادر بفعل المطلقات، ويخرج عن العهدة بفعل أيها شئنا. قوله: (الدليل المجهول كما إذا قال ﵇: المراد بقتل المشركين بعضهم لا كلهم): قلنا: لابد أن يقال: بعضهم معين، أما لو قال: (بعضهم) من غير

стр. 2109

تفسير لم يكن مجملاً، بل يخرج عن العهدة بواحد؛ لأنه يصدق عليه أنه بعض؛ كسائر المطلقات. قوله: (مثال المستعمل لا في موضوعه، ولا في بعض موضوعه: الأسماء الشرعية): قلنا: الأسماء الشرعية في الغالب مستعملة في بعض أنواع ما وضعت له كـ (الحج) لغة: القصد، وهو مستعمل في قصد مخصوص، و (الصوم): الإمساك، وهو في إمساك مخصوص، و (العمرة): الزيارة، وهي في الشرع لزيارة (الصفا) و (المروة) وكذا الوضوء والغسل، وهو كثير. وقد قيل في (الصلاة): إنها كذلك؛ لاشتمالها على الدعاء المخصوص، وهو دعاء (الفاتحة) في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]. (تنبيه) زاد سراج الدين فقال: المتواطئ يكون مجملاً، إذا أريد به معين . قلت: وفي (المحصول) لم يشترط ذلك، بل أطلق، والإطلاق صحيح؛ لأن الله - تعالى - إذا قال: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] صدق أن لفظ (الرقبة) ظاهر بالنسبة إلى القدر المشترك، ومجمل؛ بالنسبة إلى خصوصيات الرقاب، في أنواعها وأشخاصها؛ لأن الإجمال عدم الفهم، وكذلك الذي قبله: اللفظ مجمل بالقياس إليه، وكونه لا يفهم لا يمنعنا من إعمال اللفظ فيما فهمناه، وهو القدر المشترك، فالإجمال قسمان: مانع من العمل: وهو الذي ذكره سراج الدين، وغير مانع: وهو ما في

стр. 2110

(المحصول)، والإطلاق أرجح؛ لأنه يشمل القسمين، والتقييد يخرج أحد النوعين، فكان مرجوحًا. (سؤال) جعله المتواطئ مجملاً، إذا استعمل في موضوعه، إذا أريد به أحد أنواعه، أو أشخاصه - مشكل؛ لأنه إذا أريد به ذلك، لا يكون مستعملاً في موضوعه. (تنبيه) الأصل في المتواطئ عدم الإجمال ، وأن يحمل على مسماه المعنى الكلي، حتى تدل قرينة على استعماله في أخص من مسماه، والأصل في المشترك الإجمال، حتى يتبين، فهما مفترقان. (سؤال) قال النقشواني: ما ذكره أولاً في حد المجمل يشعر بأن المسمى بالمجمل يصير حده الأول غير جامع. (سؤال) قال النقشواني: إخراج المتواطئ أولاً عن أن يكون مجملاً؛ حيث ضرب المثال بقوله: اضرب رجلاً، وفي التقسيم جعله من جملة المجمل. جوابه: أنه قد تقدم أن المتواطئ يصدق عليه الإجمال وعدمه، حال كونه مستعملاً في موضوعه، وأنه ظاهر من وجه، ومجمل من وجه، فباعتبار موضوعه ظاهر وغير مجمل، وباعتبار أشخاصه وأنواعه مجمل إجمالاً لا يمنع من العمل؛ لأن الإجمال هو عدم فهم المعنى من اللفظ، وهو أعم من كونه مانعًا؛ لاحتمال أن يكون مع غير المفهوم ما هو مفهوم من جهة أخرى، وقد تقدم.

стр. 2111

المسألة الثانية قال الرازي: يجوز ورود المجمل في كلام الله - تعالى - وكلام رسوله ﷺ والدليل عليه وقوعه في الآيات المتلوة. واحتج المنكر: بأن الكلام: إما أن يذكر للإفهام، أو لا للإفهام، والثاني عبث غير جائز على الله تعالى. والأول: إما أن يكون قد قرن بالمجمل ما يبينه، أو لم يفعل ذلك، والأول: تطويل من غير فائدة؛ لأن التنصيص عليه أسهل وأدخل في الفصاحة من ذكره باللفظ المجمل، ثم بيان ذلك المجمل بلفظ آخر، وأيضًا فيجوز أن يصل الإنسان إلى ذلك المجمل قبل وصوله إلى ذلك البيان، فيكون سببًا للحيرة، وإنه غير جائز, والثاني: باطل؛ لأنه إذا أراد الإفهام مع أن اللفظ لا يدل عليه، وليس معه ما يدل عليه، كان تكليفًا بما لا يطاق، وإنه غير جائز. والجواب: أن هذا الكلام ساقط عنا؛ لأن عندنا يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد. وعند المعتزلة: فلا يبعد أن يكون في ذكره باللفظ المجمل، ثم إرداف ذلك المجمل بالبيان مصلحة لا يطلع عليها، ومع الاحتمال لا يبقى القطع، والله أعلم. * * * المسألة الثانية يرد المجمل في كتاب الله تعالى قال القرافي: قوله: (جواز وقوعه في الآيات المتلوة):

стр. 2112

يريد المتقدمة في التمثيل. قوله: (ذكر البيان بعد المجمل تطويل من غير فائدة): قلنا: لا نسلم به، بل فيه فوائد: أحدها: امتحان المكلف؛ حتى يظهر المتثبت الفاحص عن دينه الباذل لجهده في طلب البيان من المعرض المتواني في ذلك، فيعظم قد الأول دون الثاني. وثانيها: أن خطاب الله - تعالى - تشريف لعباده، فكلما كثر خطابه، كثر تشريفه، وتلك نعمة عظيمة منه ، ولذلك لما سأل الله - تعالى - موسى ﵇ فقال: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولىَ فيها مآرب أخرى﴾ [طه: ١٧ - ١٨] فزاد في الجواب عما لم يسأل عنه، وقد كمل الجواب بقوله: ﴿هي عصاي﴾ وشرع يعلم الله - تعالى - بما هو به عليم، وما ذلك إلا لتكثير مناجاته لله تعالى، وتضاعف شرفه باستمرار حالة المخاطبة مع رب الأرباب، ولقد يفعل الإنسان ذلك مع ملوك الدنيا وعظمائها، فكيف مع الله تعالى؟! وثالثها: أن ألفاظ القرآن بكل حرف منه عشر حسنات، كما جاء في الحديث الصحيح، فإذا كثرت التلاوة، كثرت الأجور. ورابعها: أن المعنى، إذا ذكر أولاً بلفظ مجمل، ثم ذكر بلفظ مفصل، كان أوقع في النفس؛ فإن النفس تشتاق إلى تمامه بعدل إجماله، وحصول الشيء بعد الشوق إليه، وصورة المنع منه، أبلغ عند النفس من حصوله ابتداءً، ويكون إقبالها على المعنى وفهمه، أتم: لتوفر الداعية بسبب الشوق إليه. قوله: (وقد يصل إليه المجمل دون البيان، وذلك سبب الحيرة): قلنا: التقصير يكون من جهته، لا من جهة المتكلم؛ فإن البيان قد حصل من جهة المتكلم.

стр. 2113

القول في أمور ظن أنها من المجملات وليست كذلك، وفيه مسائل قال الرازي: المسألة الأولى: ذهب الكرخي: إلى أن التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان؛ كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] يقتضي الإجمال. وعندنا: أنه يفيد بحسب العرف تحريم الفعل المطلوب من تلك الذات، فيفهم من قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] تحريم الاستمتاع، ومن قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] تحريم الأكل؛ لأن هذه الأفعال هي الأفعال المطلوبة في هذه الأعيان. والحاصل: أنا نسلم كونه مجازًا في اللغة؛ لكنه حقيقة في العرف. لنا وجوه: الأول: أن الذي يسبق إلى الفهم من قول القائل: (هذا طعام حرام) تحريم أكله، ومن قوله: (هذه المرأة حرام) تحريم وطئها؛ ومبادرة الفهم دليل الحقيقة. وثانيها: ما روى أنه ﷺ قال: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها، وباعوها) فدل هذا على أن تحريم الشحوم أفاد تحريم كل أنواع التصرف، وإلا لم يتوجه الذم عليهم في البيع. وثالثها: أن المفهوم من قولنا: (فلان يملك الدار) قدرته على التصرف فيها

стр. 2114

بالسكنى والبيع، ومن قولنا: (فلان يملك الجارية) قدرته على التصرف فيها بالبيع، والوطء، والاستخدام؛ وإذا جاز أن تتخلف فائدة الملك على هذا النحو، جاز مثله في التحريم والتحليل. احتج الكرخي: بأن هذه الأعيان غير مقدورة لنا، لو كانت معدومة، فكيف إذا كانت موجودة؟ فإذن لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، بل المراد تحريم فعل من الأفعال المتعلقة بتلك الأعيان، وذلك الفعل غير مذكور، وليس إضمار بعضها أولى من بعض، فإما أن نضمر الكل، وهو محالٌ؛ لأنه إضمار من غير حاجة وهو غير جائز، أو نتوقف في الكل، وهو المطلوب. وأيضًا: فالآية لو دلت على تحريم فعل معين، لوجب أن يتعين ذلك الفعل في كل المواضع، وليس كذلك؛ لأن المراد بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] حرمة الاستمتاع، وبقوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] حرمة الأكل. والجواب: لا نزاع في أنه لا يمكن إضافة التحريم إلى الأعيان، لكن قوله: (ليس إضمار بعض الأحكام أولى من بعض) ممنوع؛ فإن العرف يقتضي إضافة ذلك التحريم إلى الفعل المطلوب منه، والله أعلم. * * * القول فيما ظن أنه من المجملات قال القرافي: قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] مجاز لغوي حققة عرفية). تقريره: أن هذا من مجاز التركيب؛ على ما قاله من حذف المضاف، وقد تقدم أن حذف المضاف من باب المجاز، وتقدم أن إطلاقات العلماء

стр. 2115

تقتضي الخلاف في المضاف المحذوف، هل هو سبب المجاز، أو محل المجاز؟ وتقدم تقرير هذا وبسطه في باب المجاز، وتقدم في باب الحقيقة العرفية: أن أهل العرف كما ينقلون المفردات ينقلون المركبات أيضًا، كما أن العرب وضعت المفردات والمركبات، كذلك الوضع العرفي فيه القسمان، وهو معنى قوله: (حقيقة عرفية). هذا هو ظاهر كلامه، ويحتمل على وجه البعد أن يكون أراد مجاز - الإفراد؛ بأن يعتقد أن لفظ الأمهات عبر به عن الاستمتاع بها؛ من باب التعبير بالسبب المؤدى عن مسببه، أو مجاز الملازمة؛ لأن وضع النساء يقتضي قبولهن الاستماع كما يقبل الوادي الماء، والاستمتاع من لوازم النساء في غالب أمرهن إلا أن مجاز التركيب فيه أظهر، وقد تقدم في باب المجاز الفرق بين مجاز التركيب، ومجاز الإفراد، وحقائقهما وشروطهما. قوله: (روى عنه ﵇ أنه قال: (لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا أثمانها﴾ يدل على تحريم كل أنواع التصرف، وإلا لم يتوجه الذم في النفع): قلنا: عليه سؤالان: السؤال الأول: أن هذا يناقض ما قدمتموه: أن اللفظ موضوع لما يتبادر الذهن إليه فقط، والمتبادر هاهنا إنما هو الأكل وهو المفهوم من الشحوم، إذا قلنا: حرم الله الشحم، أما جميع الأنواع فلا، كما قررتموه في الطعام. السؤال الثاني: أن هذا الحديث في نفسه مشكل، استشكله جماعة من العلماء من جهة أن المتبادر إلى الفهم إنما هو الأكل كما تقدم، فيشكل اللعن على البيع؛ فإنه لا يلزم من تحريم الأكل تحريم البيع؛ كالبغال والحمير يحرم أكلها، ويجوز بيعها، وهو كثير، ومقتضى ذلك أن يعذر اليهود في كونهم حملوا التحريم على الأكل خاصة، فكيف يتوجه عليهم الذم، وأجاب

стр. 2116

العلماء عنه بأن هذا الحديث يقتضي أنه قد تقدم عند نزول التحريم عليهم في الشحوم قرائن حالية، أو مقالية تقتضي تعميم التحريم عليهم في جميع المنافع؛ فيكون معنى قوله ﵇: (حرمت عليهم الشحوم) أي حرم عليهم جميع منافعها، فباعوها؛ بناء على أنهم كانوا يعملون ذلك بدليل منفصل ورد عليهم؛ لأن كل ما يتوقف عليه تصحيح كلام صاحب الشرع يجب اعتقاد وقوعه، وإلا فظاهر الحديث على خلاف القواعد. قوله: (المفهوم من قولنا: (فلان يملك الدار) قدرته على التصرف بالبيع والتصرف، و (يملك الجارية) قدرته على البيع والوطء، وإذا جاز أن تتخلف فائدة الملك على هذا النحو، جاز مثله في التحريم والتحليل): تقريره: أن التحريم سلب القدرة شرعًا، فإذا كانت القدرة تختلف حالة الثبوت، والسلب إنما يدخل على الحاصل حالة الثبوت، فيكون السكوت مختلفًا؛ لأنه عين الثابت، والتخيل إثبات القدرة شرعًا، فيختلف في الأعيان المحللة. قوله: (هذه الأعيان غير مقدورة لنا، لو كانت معدومة، فكيف إذا كانت موجودة؟): تقريره: أن العقلاء حيث قال بعضهم: إن الحيوان يوجد أفعال نفسه، كما قالت الفلاسفة والمعتزلة، إنما قالوه في أنواع من الأفعال عدها العلماء في كتبهم نحو العشرة: الحركة والسكون، والعلم والظن، والاجتماع والفكر، والافتراق، والنية والإرادة، وأنواع العزوم، والطاعة والمعصية، وهما خصوصان للأفعال ونحو ذلك.

стр. 2117

وأما إيجاد الآدمي أو غيره من الحيوانات، وخلق الجبال والسموات والشجر والنبات ونحو ذلك، فلم يقل به أحد، بل جميع الحيوانات عاجزة عن ذلك؛ باتفاق العقلاء، ونقلها من العدم إلى الوجود، إنما هو لله - تعالى - وأما إذا كانت موجودة، فأصعب وأبعد؛ فإن الموجود يستحيل إيجاده على القدرة القديمة فضلاً عن الحادثة، والأثر إنما يفتقر للمؤثر حالة حدوثه لا حالة بقائه؛ فلذلك الاستحالة علينا بعد الوجود أقوى وأشد. * ... * ... *

стр. 2118

المسألة الثانية قال الرازي: ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] مجمل؛ لأنه يحتمل مسح جميع الرأس، ومسح بعضه، وإذا ظهر الاحتمال، يثبت الإجمال. وقال آخرون: لو خلينا واللفظ لمسحنا جميع الرأس؛ لأن الباء للإلصاق. وقال ابن جنى: (لا فرق في اللغة بين أن تقول: مسحت بالرأس، وبين أن تقول: مسحت الرأس؛ لأن الرأس اسم للعضو بتمامه؛ فوجب مسحه بتمامه). وقال بعض الشافعية: إنها للتبعيض فهو يفيد مسح بعض الرأس. وقال آخرون: لا إجمال فيه؛ لأن لفظ المسح مستعمل في مسح الكل بالاتفاق، وفي مسح البعض كما يقال: (مسحت يدي بالمنديل، ومسحت يدي برأس اليتيم) وإن كان إنما مسحها ببعض الرأس، والأصل عدم الاشتراك، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بين مسح الكل، ومسح البعض فقط، وذلك هو مماسة جزء من اليد جزءًا من الرأس. فثبت أن اللفظ ما دل إلا عليه، فكان الآتي به عاملاً باللفظ؛ وحينئذ لا يتحقق الإجمال، ويكفي في العمل به مسح أقل جزء من الرأس. وهو قول الشافعي ﵁.

стр. 2119

المسألة الثانية قال الرازي: (قال بعض الحنفية: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ مجمل؛ لاحتماله البعض والكل). قلنا: لفظ (الرأس) اسم للجميع وهو ظاهر فيه، و (الباء) للإلصاق، ومع الظهور لا إجمال؛ لأن الإجمال إنما يكون مع الاحتمالات المستوية. قوله: (وقال بعضهم: إنها للتبعيض): قلنا: قد تقدم في باب الحروف إبطال هذا، وأن (مسح) له مفعولان، وتمام التقرير هنالك. قوله: لفظ المسح يستعمل في البعض، كما يقال: مسحت برأس اليتيم، وإنما كان المسح ببعضها. قلنا: (مسحت برأس اليتيم) (الباء) للآلة، أي: جعلت رأس اليتيم آلة للمسح، ومسحت برأس اليتيم بيدي، أي: يدي هي آلة المسح عن رأسه، وجميع الرأس هو الآلة، فلا بعض حينئذ حتى يدل الدليل على أنه استعمل لفظ الرأس في بعضها، فيعتقد حينئذ؛ المجاز، وأما مجرد اللفظ، فاللفظ ظاهر في الكل، ليس إلا، وعلى هذا لا يكون اللفظ حقيقة في المشترك، بل في جميع الرأس. وفرق بين قوله: (امسحوا) وبين قوله: (امسحوا برءوسكم)، فالأول لا يقتضي إلا مطلق المسح؛ لأن الفعل في سياق الثبوت لا يدل إلا عليه، والثاني يقتضي تعميم الرأس، كما لو قال: (صوموا) اكتفينا بيوم، وصوموا رمضان، لابد من جملته، ففرق بين الاقتصار على أصل الفعل، وبين إضافته لمحل مخصوص، وإنما يتم مقصود الشافعي أن لو كان لفظ الآية من القسم الأول. * ... * ... *

стр. 2120

المسألة الثالثة قال الرازي: اختلفوا في حرف النفي، إذا دخل على الفعل؛ كقوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) و (لا عمل لمن لا نية له). فقال أبو عبد الله البصري: إنه مجملٌ؛ لأن ذات الصلاة والعمل موجودة؛ فلا يمكن صرف النفي إليها؛ فوجب صوفه إلى حكم آخر، وليس البعض أولى من البعض. فإما أن يحمل على الكل، وهو إضمار من غير ضرورة؛ ولأنه قد يفضي إلى التناقض؛ لأنا لو حملناه على نفي الصحة، ونفي الكمال معًا، وفي نفي الكمال ثبوت الصحة، فيلزم التناقض. أو لا يحمل على شيء من الأحكام، بل يتوقف، وهذا هو الإجمال. ومن الناس من فصل؛ وقال: هذا النفي إما أن يكون داخلاً على مسمى شرعي، أو على مسمى حقيقي، فإن كان الأول، فلا إجمال؛ لأن الصلاة اسم شرعي، والشرع أخبر عن انتفاء الوصف المخصوص. فإن قلت: يقال: هذه الصلاة فاسدة؛ فدل على بقاء المسمى مع الفساد، وقال ﷺ : (دعِى الصلاة أيام أقرائك). قلت: التوفيق بين الدليلين أن نصرف ذلك إلى المسمى الشرعي، وهذا إلى المسمى اللغوي. ومن هذا الباب، قوله: (لا نكاح إلا بولي) و (لا صيام لمن لم يبيت الصيام

стр. 2121

من الليل) أما إن كان المسمى حقيقيًا، فإما أن يكون له حكم واحد، أو أكثر من حكم واحد، والأول: كقولنا: لا شهادة لمجلود في قذف؛ لأنه لا يمكن صرف النفي إلى ذات الشهادة؛ لأنها قد وجدت، فلابد من صرف النفي إلى حكمها، وليس لها إلا حكم واحد، وهو الجواز؛ لأن الشهادة، إذا كانت فيما كانت، ندبنا إلى ستره، لم يكن لإقامتها مدخل في الفضيلة؛ كقولنا: لا إقرار لمن أقر بالزنا مرة واحدة؛ لأن الأولى له أن يستر ذلك على نفسه؛ فإذن لا حكم له إلا الجواز، وإذا لم يكن له إلا هذا الحكم الواحد انصرف النفي فصح التعلق به. أما إذا كان له حكمان: الفضيلة، والجواز، فلم يكن صرفه إلى أحدهما أولى من الآخر، فيتعين الإجمال، هذا قول الأكثرين. ولقائل أن يقول: لكن صرفه إلى الجواز أولى من صرفه إلى الفضيلة؛ لوجوه: أحدها: أن المدلول عليه باللفظ نفي الذات، والدال على نفي الذات دال على نفي جميع الصفات؛ لاستحالة بقاء الصفة مع عدم الذات. فإذن قوله: (لا عمل) يدل على نفي الذات، وعلى نفي الصحة، ونفي الكمال، ترك العمل به في الذات؛ فوجب أن يبقى معمولاً به في الباقي. فإن قلت: اللفظ لم يدل على نفي الصحة بالمطابقة، وإنما دل عليها بالالتزام؛ ضرورة أنه يلزم من انتفاء الذات انتفاء الصفة؛ ودلالة الالتزام تابعة لدلالة المطابقة التي هي الأصل.

стр. 2122

فهاهنا، لما لم توجد دلالة المطابقة التي هي الأصل، فكيف تبقى دلالة الالتزام التي هي الفرع؟ وأيضًا: فقد جاء هذا اللفظ لنفي الفضليلة فقط؛ والأصل في الكلام الحقيقة. والجواب عن الأول: أنه لا نزاع في أن دلالة هذا اللفظ على نفي الصفة، تابعة لدلالته على نفي الذات، لكن بعد استقرار تلك الدلالة، صار اللفظ كالعام بالنسبة إليها بأسرها، فإذا خص عنها، في بعض الأمور، وهو الذات، وجب أن يبقى معمولاً به في الباقي. وعن الثاني: أنا بينا: أن اللفظ عام بالنسبة إلى نفي الذات، ونفي الصفات ثم تارة يختص بالنسبة إلى الذات فقط، وحينئذ يفيد نفي بقية الأحكام، وتارة يختص بالنسبة إلى الذات، والصحة، فيبقى معمولاً به في الباقي وهو نفي الفضيلة. وثانيها: هو أن المشابهة بين المعدوم، وبين ما لا يصح، أتم من المشابهة بين المعدوم، وبين ما يوجد ويصح، ولا يفضل، والمشابهة إحدى أسباب المجاز، فكان حمل اللفظ على نفي الصحة أولى. وثالثها: أن الخلل الحاصل في الذات عند عدم الصحة أشد من الخلل الحاصل فيها عند بقاء الصحة، وعدم الفضيلة، وإطلاق اسم العدم على المختل أولى من إطلاقه على غير المختل. سلمنا أنه لا يجوز حمل هذا النفي على هذه الأحكام، ولا يجوز حمله على نفي الذات، فلم قلت: إنه مجمل؟

стр. 2123

بيانه: أن قولنا: هذا الشيء لفلان معناه: يعود نفعه إليه، وقولنا: (لا عمل لمن لا نية له) معناه لا يعود نفعه إليه، وهذا يقتضي نفي الصحة؛ لأنه لو صح ذلك العمل لعاد، نفعه إليه، واللفظ دل على نقيضه، والله أعلم. * * * المسألة الثالثة حرف النفي إذا دخل على الفعل قال القرافي: قوله: (ذات الصلاة موجودة لا يمكن صرف النفي إليها): قلنا: لا نسلم؛ لأن المنفى هو الصلاة الشرعية، وهي غير موجودة. قوله: (في نفي الكمال ثبوت الصحة): قلنا: لا نسلم؛ بل نفي الكمال بمقتضى اللفظ أعم قد ينتفي لانتفاء أصل الصلاة، وقد ينتفي لوقوعها فاسدة أو غير كاملة، إن كانت صحيحة، غير أن المفهوم لا المنطوق في قولنا: (صلاة غير كاملة): أن الإجزاء حاصل، أما المنطوق فلا، كما إذا قلنا: (ليس في الدار رجل طويل) لنفيه طريقان: ألا يكون في الدار رجل، أو فيها، لكنه رجل غير طويل. وإذا كان نفي الكمال أعم، فلا تناقض حينئذ في نفيهما. قوله: (إن كان المسمى شرعيًا، انتفى كالصلاة): تقريره: أن مفهوم الصلاة استفيد من الشرع وضعه، فهو مسمى شرعي، بخلاف قوله ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)؛ فإن الخطأ لم يحدد فيه الشرع وضعًا؛ بل حقيقة الخطأ والنسيان واقعتان، وسلب التأثيم عنهما، وهما لغويان واقعان في الوجود مستحيل رفعهما، وأما الصلاة الشرعية لم تقع ألبتة، فأمكن الإخبار عنها بالنفي، ويكون صادقًا. قوله: (يصرف قولنا: (هذه صلاة فاسدة) إلى المسمى اللغوي، وكذلك (دعِىَ الصلاة أيام أقرائك):

стр. 2124

قلنا: أما الثاني، فلا يتعين ذلك له، بل أمرت بأن تترك المسمى الشرعي أيام أقرائها، وما أمرت بترك الدعاء أيام الحيض، فلا يتجه المثال الثاني، وأما (هذه صلاة فاسدة)، فتقريره: أن المسمى اللغوي فسد، لا بمعنى أن الدعاء فسد بما هو دعاء؛ إنما معناه فسد أن يصير صلاة شرعية، وهذا غاية ما يمكن تقريره به، وعليه سؤالان: أحدهما: أن عدم انتقال الحقيقة إلى حقيقة أخرى لا يقتضي القضاء على غير المنتقل بأنه فاسد في الاصطلاح، ونحن إنما أطلقنا الفساد؛ باعتبار الاصطلاح. وثانيهما: أن الصلاة قد تفسد؛ لعدم القراءة فيها؛ فلا يكون فيها دعاء ألبتة؛ فلا يكون المسمى اللغوي موجودًا؛ حتى يقضى عليه بالفساد. قوله: (نفي شهادة القاذف له حكم واحد): يريد أن القاذف إذا شهد في الزنا مع امرأته امرأتان لا يشهد هو ولا غيره في الزنا، فلا تتجه الفضيلة والجواز، بل لم يخبر الشرع حينئذ إلا عن نفي الجواز، وكذلك أمر الإنسان بالستر على نفسه في الزنا ونحوه؛ لقوله ﵇: (من بلى بشيء من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله؛ فإنه من يبدي لنا صفحة وجهه، نقم عليه حد الله).

стр. 2125

قوله: (بعد استقرار تلك الدلالة، صار اللفظ كالعام بالنسبة لنفي الذات والصفات): قلنا: إن أردتم باستقرارها اعتقاد نفي الذات وصفاتها، فممنوع؛ لأنا لا نعتقد نفي الذات ألبتة، ويلزم من اعتقادنا نفي الذات: ألا نعتقد نفي الصفات؛ لانتفاء الوجوب من ذهننا. وإن أردتم باستقرار الدلالة: أن عند سماع اللفظ يحصل إفهام نفي الذات، ونفي الصفات؛ فإنه لا يلزم من عدم اعتقاد المفهوم انتفاء الفهم، كما أن اللفظ العام إذا خص لانتفاء دلالته على جميع الأفراد بمعنى إشعاره بها - وإن انتفى اعتقاد العموم - فكذلك لفظ الحقيقة، إذا دل الدليل على أنه أريد به المجاز، لا يبطل إشعاره بالحقيقة. ونقول: اللفظ يدل على العموم والحقيقة، وإنما منعنا من حمله عليه وجود المعارض، ويحكم بوقوع التعارض، والتعارض فرع تحقيق المتعارضين؛ فعلمنا حينئذ أن الدلالة في العموم وغيره باقية بعد اعتقاد أن المفهوم غير مراد، كذلك هاهنا استقرار الدلالة معناه استقرار الإشعار الذهني، وقد تقدم في باب الدلالة أن معناها الشعور، أو الإشعار، أو كون اللفظ بحيث إذا أطلق؛ أشعر، وبهذا التقدير؛ إذا كان هو المراد تستقيم دعوى استقرار الدلالة بالتفسير الأول، والسائل إنما أورد عليه السؤال في الكتاب من القسم الأول.

стр. 2126

قوله: (المشابهة بين المعدوم وما لا يصح أتم من المشابهة، وما لا يفضل، والمشابهة أحد أسباب المجاز): قلنا: ينبغي أن تقولوا: اشتراك المجازان في أصل المشابهة، ومجازنا أرجح، فيجب المصير إليه. (تنبيه) ويتعين هاهنا أن يكون المجاز مجازًا في التركيب، لا في الإفراد، كما تقدم في هذا الباب، وفي باب المجاز تمام تقريره، وأن يكون هذا المجاز لغويًا، لا عرفيًا؛ لأنه ادعى أن النقل حصل فيه عرفًا عند قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] وهذا مثله. قوله: (هذا الشيء لفلان) أي: يعود نفعه عليه، فقولنا: لا عمل له، أي: لا يعود نفعه عليه): تقريره: كما تقدم أن النفي يتناول ما كان ثابتًا، فإذا كان الثابت هو النفع، يكون السكوت هو النفع. * * *

стр. 2127

المسألة الرابعة قال الرازي: قال بعضهم: آية السرقة مجملة في اليد، وفي القطع: أما اليد فلأنه يطلق اسم اليد على هذا العضو من أصل لمنكب، وعليه من الزند، وعليه من الكوع، وعليه من أصول الأنامل، وأما القطع: فلأنه قد يراد به الشق فقط كما يقال: برى فلان قلمه فقطع يده، وقد يراد به: الإبانة. والجواب عن الأول: أن اسم اليد موضوع لهذا العضو من المنكب ولا يتناول الكف وحده؛ لأنه لا يقال: قطعت يد فلان بالكلية إذا قطعت من الكف. وعن الثاني: أن القطع في اللغة: الإبانة، فإذا أضيف إلى شيء أفاد إبانة ذلك الشيء. والشق إذا حصل في الجلد، فقد حصلت الإبانة في تلك الأجزاء، بلى أطلق اسم اليد عليه على سبيل إطلاق اسم الكل على الجزء، فيكون المجاز هاهنا في لفظ اليد، لا في لفظ القطع، والله أعلم. * * * المسألة الرابعة آية السرقة مجملة قال القرافي: قوله: (حقيقة الشق، إذا حصل في جلد اليد، حصلت افبانة في تلك الأجزاء، بل إطلاق اسم اليد على سبيل إطلاق اسم الكل على الجزء؛ فيكون المجاز هاهنا في لفظ اليد لا في لفظ القطع): قلنا: هذا الجواب حسن بالنسبة إلى تسمية الشق قطعًا، لكن الواقع في

стр. 2128

الآية ليس هو هذا، بل قطع جملة اليد وإبانتها بالكلية؛ فيكونن حقيقة؛ لأن قطع اليد حقيقة لا يتوقف على إبانتها من الكتف، بل من قطع عمامة من وسطها، يقال لغة حقيقة: إنه قطع العمامة، فكذلك اليد، وكذلك إذا قطع الخشبة من وسطها. * ... * ... *

стр. 2129

المسألة الخامسة قال الرازي: قيل في قوله ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان): إنه مجمل؛ لأن نفس الخطأ غير مرفوع، فلابد من صرفه إلى الحكم، فيلزم الإجمال على ما تقدم تقريره. والأقرب: أنه ليس بمجمل؛ لأن المولى، إذا قال لعبده: رفعت عنك الخطأ، كان ذلك في العرف منصرفًا إلى نفي المؤاخذة بذلك الفعل، فكذا إذا قال الرسول ﷺ لأمته مثل هذا القول، وجب أن ينصرف إلى ما يتوقع مؤاخذته لأمته به وهو الأحكام الشرعية، فكأنه قال: رفعت عنكم الأحكام الشرعية من الخطأ، والله أعلم. * * * المسألة الخامسة قال القرافي: (قوله ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ) يحمل قوله: طأن ذلك في العرف منصرف إلى نفي المؤاخذة) ينبغي أن يعلم أنه يكون من باب نقل المركبات، لا من باب نقل المفردات كما تقدم بسطه في الحقيقة العرفية، ويكون مجازًا لغويًا من باب المجاز في التركيب دون الإفراد، ويكون على حذف المضاف، هل المضاف المحذوف سبب التجوز، أو محل التجوز؛ على ما تقدم في باب المجاز تقريره. قوله: (ينصرف النفي إلى ما يتوقع المؤاخذة به، وهو الأحكام الشرعية): قلنا: لا نسلم أنه نفي للأحكام الشرعية، بل للإثم فقط، وأما الضمان، فهو ثابت، بل الصادق هاهنا أن نقول: الأحكام الشرعية لا يبقى منها نفي؛

стр. 2130

لأن المؤاخذة ليست حكمًا شرعيًا، بل هي تنشأ عن الخبر بالمؤاخذة، لا عن الأحكام؛ لأن الحكم الشرعي خطاب الله - تعالى - المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء، والتخيير، والعقوبة ليست مطلوبة، ولا مخيرًا فيها، بل مخيرًا عنها، فالمنفى حينئذ ليس من الأحكام ألبتة، بل الأحكام كلها ثابتة إلا أن يقال: المنفى: الحكم الذي يوجب المؤاخذة، وهو التحريم؛ فإن المؤاخذة لم تنتف إلا بانتفائه، فهذا متجه، لكنه ليس جملة الأحكام، بل بعضها لبقاء الضمان. (فائدة) قوله ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ): ليس له مفهوم، فلا يعتقد أن من ليس بأمته لم يرفع عنه ذلك، بل مرفوع؛ لأن الكفار إن قلنا: إنهم ليسوا مخاطبين بالفروع، فالمؤاخذة ذاهبة قطعًا، أو مخاطبون، فهم تكون أحكامهم كأحكامنا في العزائم والرخص، فكل ما هو رخصة في حقنا، فهو رخصة في حقهم، ولا يمكن أن يقال: هم مؤاخذون بما لا نؤاخذ نحن به، بل كل ما لو صدر منهم، وأوخذوا به، فكذلك نحن، إذا صدر منّا، أوخذنا به، فنحن وهم سواء في المؤاخذة، وعدمها في الفروع على تقدير الخطاب بها، فالمسكوت عنه كالمنطوق. (مسألة) قال سيف الدين: اللفظ الوارد من الشارع، الدائر بين حكم شرعي، أو موضوع لغوي كقوله ﵇: (الاثنان فما فوقهما جماعة)؛ احتمل أن يراد الإخبار عن صورة الاجتماع، وهو لغوي .

стр. 2131

قال الغزالي: هو مجمل؛ لتردده بينهما. وقال غيره: يحمل على الشرعي؛ لأنه ظاهر حاله ﵇. (مسألة) اللفظ الشرعي المتردد بين مسمى شرعي، ومسمى لغوي على القول بالمسميات الشرعية: قال القاضي تفريعًا على القول بالوضع الشرعي: هو مجمل . وقال بعض الشافعية، والحنفية: يحمل على الشرعي؛ لأنه المناسب للشارع. وقال الغزالي: يحمل في الإثبات على الشرعي؛ لقوله ﵇: (إني صائم) لما دخل على عائشة ﵂ وسألها: هل عندها شيء. وهو في النهي: مجمل؛ كنهيه ﵇ عن صوم يوم النحر؛ لأن النهي عما لا يتصور وقوعه محال، فهو متردد بينها. (مسألة) قال: إذا دار بين معنى وبين معنيين، فهو يحمل للتردد. وقيل: يحمل على المعنيين؛ لأنه أمثر فائدة، كما إذا دار بين ما يفيد، وبين ما لا يفيد، والفرق أنه هنالك، إذا لم يحمل، يصير لغوًا.

стр. 2132

(فصل) ذكر الإمام في (البرهان) من هذه المسائل التي فرع البحث فيها عددًا، وسماه (كتاب التأويل) وكذلك ذكره جماعة من الأصوليين، وسموه بهذا الاسم، وذكروا هذه المسائل، فينبغي ذكره هاهنا؛ تحصيلاً لتلك الفوائد، وتوفية بما اشترطته في هذا الشرح أنى لا أجد فائدة إلا ذكرتها. قال الإمام: التأويل بمجرده ليس مسموعًا، بل لابد من دليل عاضد، وذلك الدليل ينقسم إلى مقبول، وغير مقبول: قال: فأذكر مسائل اضطرب فيها نظر العلماء؛ يظهر فيها المقبول من غير المقبول: (مسألة) استدل القاضي في اشتراط الولي بقوله ﵇: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل) الحديث . قال الحنفية: يحمل على الصغيرة. أجيبوا بأنها لا تسمى امرأة، كما لا يسمى الصبي رجلاً، ثم إن الصغيرة عندهم، لو عقدت على نفسها كان العقد موقوفًا على إجازة الولي. قالوا: معناه: يؤول للبطلان عند رد الولي، كما في قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠]. أجيبوا بأن النكاح له عاقبتان: الجواز، إن أمضى، والرد، إن رد فلا يتعين أحدهما للتعيين؛ بخلاف الموت، قالوا: يحمل على الأمة. أجيبوا بأن نكاحها صحيح موقوف، وبأنه ﵇ قال: (فإن مسها فلها المهر) ومهر الأمة لسيدها.

стр. 2133

قال متأخروهم: إرادة التحقيق تحمل على المكاتبة؛ لأنها تستحق المهر. قال: فأكثر أصحابنا قبل هذا التأويل، ورده القاضي والشافعي؛ لأن أدوات الشرط غاية، فتخصيصها بغير دليل لا يصح، لا سيما في ابتداء تأسيس القواعد منه ﷺ . قال المازري في (شرح البرهان): إذا تأكد العموم، يمتنع تخصيصه، وهاهنا قد أكد بقوله: (باطل باطل باطل) ثلاث مرات، ورد عليه أن التأكيد لا يمنع المجاز، ولا التخصيص؛ لأن قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤] مؤكد بالمصدر، وهو مجاز خلافًا للأكثرين؛ لأن تكليم الله - تعالى - خلق علمًا ضروريًا في نفس موسى ﵇ أو غيره تكون نسبته إلى ما قام بذات الله - تعالى - كنسبة السماع للأصوات، وخلق العلم في اللغة لا يسمى تكليمًا في اللغة حقيقة، بل مجازًا؛ من مجاز التشبيه من جهة استواء النسبة. وكذلك قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: ٣٣] مصدر مؤكد، ومع ذلك فالتطهير هاهنا ليس إزالة النجاسة حقيقة، إنما هي معنوية، فهو مجاز مع التأكيد، والمجاز أبعد من التخصيص، فجواز التخصيص أولى. وكقوله تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مع أنه مخصوص بالكفر إجماعًا، وبأحاديث الشفاعة، فإنها دلت على دخول جماعة النار، ولا مغفرة مع العذاب. وأكثر المتقدمين يشيرون إلى أن التأكيد يمنع المجاز، فأردت أن أعرف أن الواقع خلافه، ويقولون: التكليم في الآية يجب أن يكون حقيقة؛ لأنه أكد بالمصدر، والأمر كما ترى.

стр. 2134

(مسألة) قال: استدل الشافعي في اشتراط تبييت النية في رمضان لقوله ﵇: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) قالوا: يحمل

стр. 2135

على القضاء، والنذر المطلق، أجيبوا بأنه نكرة في سياق النفي؛ فيعم، وحمله على الخصوص خلاف الظاهر؛ لأن المتبادر الصوم الذي هو قاعدة الإسلام، فحمله على توابع الإسلام خلاف الظاهر. قالوا: هو نهى عن الاكتفاء بنية صوم الغد في بياض نهار اليوم، فعليه أن يؤخر النية إلى غيبوبة الشمس؛ حتى يكون بإيقاع النية في الليل مبيتًا؛ وأجيبوا بأنه لا يسبق للفهم أنه نهى عن إيقاع نية صوم الغد في يوم قبله؛ ولأن المفهوم من هذا الكلام النهي عن الذهول والحث على تقديم التبييت، فإذا حمل على النهي عند التقديم على الليل، كان إلغازًا. قالوا: يحمل على نفي الكمال. أجيبوا بأن نفي الكمال غير ممكن في القضاء والنذر، وهما من أفراد العموم، وإذا تعين حمل اللفظ في بعض أفراده على حقيقته، تعين في الكل. (مسألة) قال: استدل الشافعي في نكاح المشركات بالقصص المشهورة في الذين أسلموا على الخمس والأختين، وقوله ﵇ لغيلان: (أمسك أربعًا، وفارق سائرهن) فإذا أسلم كافر على أكثر من أربع، فارق الزائد، ولا يراعى الأوائل والأواخر.

стр. 2136

قالوا: يحمل على أن مراده ﵇ جدد الأنكحة على أربع وأجيبوا بأن: هذا سرف في البعد عن الظاهر؛ ولأن النقلة لم ينقلوا تجديد عقود. قالوا: لعل المشركين وقعت عقودهم قبل مشروعية الخطر، ثم أسلموا بعد الحظر، فأنكحتهم صحيحة، ولذلك أقرها ﵇. أجيبوا بأن الأصل عدم هذه الاحتمالات. مثل هذه الأمور لا تسمع في ألفاظه ﵇ في تقرير قواعد الشرع، ولو فتح هذا الباب، لما انتظم استدلال، ولما استقام ذلك في العدد ولبطل في الأختين؛ فإنه لم يقل أحد: إن الجمع بينهما، كان جائزًا في صدر الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] معناه: إلا ما قد سلف في الجاهلية قبل مبعثه ﵇. (مسألة) قال: لو صح، ما روى عنه ﵇ أنه قال: (من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه) لم يصح تأويل الشافعية بحمله على عمودي النسب الأصول والفصول؛ لأن قصد الرسول ﵇ العموم من هذا اللفظ لائح قوي؛ لأنه لم يتقدم سؤال سائل، ولا قرينة تصرفه لغير العموم، ومتى فهم عن الشارع قصد العموم في تأسيس القواعد، امتنع حمله على الخصوص؛ فإن الإنسان، لو اشتد به الضعف، وأخذه الضجر، ونزلت أحوال شاقة به، فقال لغلمانه: لا يدخل على أحد، فحملوا هذا العموم على طائفة، وأذنوا لسائر الناس، لاستحقوا الأدب، ولعدوا خارجين عن نمط كلام العرب. ولم يكن السلف يعتمدون مثل هذه التأويلات في كلام صاحب الشرع،

стр. 2137

بل يوجبون إجراء الألفاظ على ظواهرها، لا سيما في تأسيس قواعد الشرائع، وتبيين ضوابط الأحكام. ولو أراد الآباء - والبنين، لنص عليهم؛ هذا هو المعلوم من حال أدنى الناس فصاحة؛ فكيف به ﵇ كما علم أن الأقارب تنقسم إلى المحارم وغيرهم، فنص على المحارم دون غيرهم، بل أراد ضم وصف المحرمية إلى وصف القرابة، فيظهر فضل التعميم، فمن أراد مخالفة قصده، لم يقبل منه، فإن عضد تأويله بقياس، فإنما مسنده ظن لم يستفده من لفظ الشارع، فكيف يترك ما استفيد من لفظ الشارع؛ لظن لم يفهم منه، بل ظن اللفظ أولى. إذا تقرر هذا، فنقول: تارة يلوح من كلام صاحب الشرع: أنه لم يرد العموم؛ فلا يتمسك به على العموم؛ كما قال أبو حنيفة بالزكاة في الخضروات اعتمادًا على قوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر) لأن هذا الكلام سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الذي يجب فيه وإذا سيق الكلام لمعنى، لا يستدل به في غيره؛ لأن المتكلم ليس له فيه داعية، وكما استدل الحنفية على أن الخل يزيل النجاسة بقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] فأطلق التطهير، ولم يخصص مزيلاً من مزيل، فيعم، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الآية إنما سيقت لبيان أصل التطهير لا الآلة المطهرة، فلا يستدل به فيها؛ كما قال تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... الآية﴾ [المائدة: ٦] فتعرض لصفة الوضوء، ولم يفصل فيما به يتوضأ، مع أنه مخصوص بالماء دون الخل اتفاقًا، وعلى هذا النمط يقبل التأويل، ولا يتمسك بالعموم. والمرتبة الثانية: أن يظهر قصد الشارع التعميم؛ فلا يجوز تخصيصه بقياس مظنون؛ كما سبق.

стр. 2138

المرتبة الثالثة: أن يرد مجردًا عن الأمرين، فهذا محل الاجتهاد، وموطن التخصيص بالقياس، فيبذل الناظر جهده، فإن كان ظن القياس أقوى، عمل به وخصص، أو وجد ظن اللفظ أقوى، عمل باللفظ، واطرح القياس، وإن استويا، وجب التوقف، قاله القاضي. قال: وأنا أرى تقديم الخبر، وإن استويا في الظن؛ لعلو رتبته. مثاله: قوله ﵇: (الأعمال بالنيات) استدل الشافعي به على وجوب النية في الطهارة، وهو نقض للتأويل. (مسألة) قال: إن من التأويلات ما لا يجوز إلا في مضايق الشعر وضروراته ، فإذا حمل اللفظ عليه من غير ضرورة، كان ركيكًا، فإن حمل ذو مذهب على شيء من ذلك شيئًا من كلام الشرع، مع إمكان حمله على الظاهر، رد كما حمل الكسر في قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ [المائدة: ٦] على الجوار مع أنه ليس بين المعطوف والمعطوف عليه مشاركة في المعنى، وإنما يجوز ذلك؛ لضرورة القافية، كما قال امرؤ القيس [الطويل]: كأن ثبيرًا في عرانين وبله .... كبير أناس في بجاد مزمل

стр. 2139

والأصل (مزمل) بالرفع، فخفض على الجوار، والأحسن ما قاله سيبويه: أن العرب يقرب عندها المسح من الغسل؛ لأنهما إمساس بالماء، فلما تقاربا في المعنى، حسن العطف؛ كقولهم [مجزوء الكامل]: ولقد رأيتك في الوغى .... متقلدًا سيفًا ورمحًا لأن كليهما يحمل، وإن كان الرمح لا يتقلد، بل يعتقل، فسواه به؛ لمقاربته له في المعنى، فمهما أمكن المشاركة في المعنى، حسن العطف، وإلا امتنع في فصيح الكلام إلا لضرورة. قال: فإن قلت: فقد صرف في القرآن ما لا ينصرف، وهو إنما اتضح؛ للضرورة في قوله تعالى: ﴿سلاسلا وأغلالاً﴾ [الإنسان: ٤]. قال: قلت: الفرق أن الصرف رد للأصل، والعطف على الجوار خروج عن الأصل؛ فافترقا. قال المازري في (شرح البرهان): وأجابوا بأجوبة أخرى: أحدها: أن الخفض على الجوار إنما يجوز حيث يؤمن اللبس؛ كالبيت المتقدم، وقول العرب: (هذا جحر ضب خربٍ) والآية محتملة؛ فيمتنع. وثانيها: أنه إنما يحسن مع عدم حرف العطف، وهاهنا حرف العطف فيمتنع؛ لأنه يؤدي إلى تغيير قواعد العوامل التي اقتضى العاطف التشريك فيها. وثالثها: قال سيبويه قولهم: (هذا جحر ضب خربٍ) إنما جاز في

стр. 2140

غير الضرورة؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالجملة الواحدة، فكان نعت أحدهما نعتًا للآخر؛ بخلاف الآية. ورابعها: أن التقدير في البيت (مزمل الكبير)، وفي الآخر ضرب جحره)، وحذف ذلك، وهذا متعذر في الآية. (مسألة) قال: أنكر الشافعي على من تناول ما يخرج الكلام إلى حيز التعطيل ، كما أولوا آية الصدقات بأن المراد الحاجة كيف كانت، وجوزوا الاقتصار على البعض؛ فلا يبقى لذكر هذه الأصناف فائدة. واحتج الشافعي بالوصية، فإنه لو وصى لهذه الأصناف، لم يجز الاقتصار على بعض الأصناف، فكذلك كلام الشارع، مع أن بعض المتأخرين منع في الوصية أيضًا، وهو باطل. (مسألة) قال: ومن فاسد التأويل رد الحنفية قوله تعال: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ [ المجادلة: ٤] إلى أن معناه: فإطعام طعام ستين مسكينًا، قدروا العدد للطعام؛ لترويج مذهبهم في جواز إطعام الطعام كله لمسكين واحد، وهذا بعيد من قواعد العرب؛ لأن الإطعام يتعدى لمفعولين، تقول: أطعمت زيدًا خبزًا. ويجوز الاقتصار على أحدهما؛ لأنهما من باب (أعطى) و (كسا) لا من باب (ظننت) وأخواتها؛ لأنهما لا ينظم منهما مبتدأ وخبر، فأظهر الله - تعالى - أحد المفعولين؛ اعتناء به، وسكت عن الآخر الذي هو الطعام المطعم ليدل هذا المنطوق به عليه؛ فإن الستين يدل على عددهم على مقدار ما يطعمونه، فجعل هذا هو المهم لا يتم في معنى الآخذ الفاعل، فعكس الحنفية القضية، وجعلوا المهتم به الذي هو العدد المذكور ألغاه نظر الشرع،
следующие страницы →