Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
قالوا: يحمل على أن مراده ﵇ جدد الأنكحة على أربع وأجيبوا بأن: هذا سرف في البعد عن الظاهر؛ ولأن النقلة لم ينقلوا تجديد عقود.
قالوا: لعل المشركين وقعت عقودهم قبل مشروعية الخطر، ثم أسلموا بعد الحظر، فأنكحتهم صحيحة، ولذلك أقرها ﵇.
أجيبوا بأن الأصل عدم هذه الاحتمالات.
مثل هذه الأمور لا تسمع في ألفاظه ﵇ في تقرير قواعد الشرع، ولو فتح هذا الباب، لما انتظم استدلال، ولما استقام ذلك في العدد ولبطل في الأختين؛ فإنه لم يقل أحد: إن الجمع بينهما، كان جائزًا في صدر الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] معناه: إلا ما قد سلف في الجاهلية قبل مبعثه ﵇.
(مسألة)
قال: لو صح، ما روى عنه ﵇ أنه قال: (من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه) لم يصح تأويل الشافعية بحمله على عمودي النسب الأصول والفصول؛ لأن قصد الرسول ﵇ العموم من هذا اللفظ لائح قوي؛ لأنه لم يتقدم سؤال سائل، ولا قرينة تصرفه لغير العموم، ومتى فهم عن الشارع قصد العموم في تأسيس القواعد، امتنع حمله على الخصوص؛ فإن الإنسان، لو اشتد به الضعف، وأخذه الضجر، ونزلت أحوال شاقة به، فقال لغلمانه: لا يدخل على أحد، فحملوا هذا العموم على طائفة، وأذنوا لسائر الناس، لاستحقوا الأدب، ولعدوا خارجين عن نمط كلام العرب.
ولم يكن السلف يعتمدون مثل هذه التأويلات في كلام صاحب الشرع،
стр. 2137
بل يوجبون إجراء الألفاظ على ظواهرها، لا سيما في تأسيس قواعد الشرائع، وتبيين ضوابط الأحكام.
ولو أراد الآباء - والبنين، لنص عليهم؛ هذا هو المعلوم من حال أدنى الناس فصاحة؛ فكيف به ﵇ كما علم أن الأقارب تنقسم إلى المحارم وغيرهم، فنص على المحارم دون غيرهم، بل أراد ضم وصف المحرمية إلى وصف القرابة، فيظهر فضل التعميم، فمن أراد مخالفة قصده، لم يقبل منه، فإن عضد تأويله بقياس، فإنما مسنده ظن لم يستفده من لفظ الشارع، فكيف يترك ما استفيد من لفظ الشارع؛ لظن لم يفهم منه، بل ظن اللفظ أولى.
إذا تقرر هذا، فنقول: تارة يلوح من كلام صاحب الشرع: أنه لم يرد العموم؛ فلا يتمسك به على العموم؛ كما قال أبو حنيفة بالزكاة في الخضروات اعتمادًا على قوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر) لأن هذا الكلام سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الذي يجب فيه وإذا سيق الكلام لمعنى، لا يستدل به في غيره؛ لأن المتكلم ليس له فيه داعية، وكما استدل الحنفية على أن الخل يزيل النجاسة بقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] فأطلق التطهير، ولم يخصص مزيلاً من مزيل، فيعم، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الآية إنما سيقت لبيان أصل التطهير لا الآلة المطهرة، فلا يستدل به فيها؛ كما قال تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... الآية﴾ [المائدة: ٦] فتعرض لصفة الوضوء، ولم يفصل فيما به يتوضأ، مع أنه مخصوص بالماء دون الخل اتفاقًا، وعلى هذا النمط يقبل التأويل، ولا يتمسك بالعموم.
والمرتبة الثانية: أن يظهر قصد الشارع التعميم؛ فلا يجوز تخصيصه بقياس مظنون؛ كما سبق.
стр. 2138
المرتبة الثالثة: أن يرد مجردًا عن الأمرين، فهذا محل الاجتهاد، وموطن التخصيص بالقياس، فيبذل الناظر جهده، فإن كان ظن القياس أقوى، عمل به وخصص، أو وجد ظن اللفظ أقوى، عمل باللفظ، واطرح القياس، وإن استويا، وجب التوقف، قاله القاضي.
قال: وأنا أرى تقديم الخبر، وإن استويا في الظن؛ لعلو رتبته.
مثاله: قوله ﵇: (الأعمال بالنيات) استدل الشافعي به على وجوب النية في الطهارة، وهو نقض للتأويل.
(مسألة)
قال: إن من التأويلات ما لا يجوز إلا في مضايق الشعر وضروراته ، فإذا حمل اللفظ عليه من غير ضرورة، كان ركيكًا، فإن حمل ذو مذهب على شيء من ذلك شيئًا من كلام الشرع، مع إمكان حمله على الظاهر، رد كما حمل الكسر في قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ [المائدة: ٦] على الجوار مع أنه ليس بين المعطوف والمعطوف عليه مشاركة في المعنى، وإنما يجوز ذلك؛ لضرورة القافية، كما قال امرؤ القيس [الطويل]:
كأن ثبيرًا في عرانين وبله .... كبير أناس في بجاد مزمل
стр. 2139
والأصل (مزمل) بالرفع، فخفض على الجوار، والأحسن ما قاله سيبويه: أن العرب يقرب عندها المسح من الغسل؛ لأنهما إمساس بالماء، فلما تقاربا في المعنى، حسن العطف؛ كقولهم [مجزوء الكامل]:
ولقد رأيتك في الوغى .... متقلدًا سيفًا ورمحًا
لأن كليهما يحمل، وإن كان الرمح لا يتقلد، بل يعتقل، فسواه به؛ لمقاربته له في المعنى، فمهما أمكن المشاركة في المعنى، حسن العطف، وإلا امتنع في فصيح الكلام إلا لضرورة.
قال: فإن قلت: فقد صرف في القرآن ما لا ينصرف، وهو إنما اتضح؛ للضرورة في قوله تعالى: ﴿سلاسلا وأغلالاً﴾ [الإنسان: ٤].
قال: قلت: الفرق أن الصرف رد للأصل، والعطف على الجوار خروج عن الأصل؛ فافترقا.
قال المازري في (شرح البرهان): وأجابوا بأجوبة أخرى:
أحدها: أن الخفض على الجوار إنما يجوز حيث يؤمن اللبس؛ كالبيت المتقدم، وقول العرب: (هذا جحر ضب خربٍ) والآية محتملة؛ فيمتنع.
وثانيها: أنه إنما يحسن مع عدم حرف العطف، وهاهنا حرف العطف فيمتنع؛ لأنه يؤدي إلى تغيير قواعد العوامل التي اقتضى العاطف التشريك فيها.
وثالثها: قال سيبويه قولهم: (هذا جحر ضب خربٍ) إنما جاز في
стр. 2140
غير الضرورة؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالجملة الواحدة، فكان نعت أحدهما نعتًا للآخر؛ بخلاف الآية.
ورابعها: أن التقدير في البيت (مزمل الكبير)، وفي الآخر ضرب جحره)، وحذف ذلك، وهذا متعذر في الآية.
(مسألة)
قال: أنكر الشافعي على من تناول ما يخرج الكلام إلى حيز التعطيل ، كما أولوا آية الصدقات بأن المراد الحاجة كيف كانت، وجوزوا الاقتصار على البعض؛ فلا يبقى لذكر هذه الأصناف فائدة.
واحتج الشافعي بالوصية، فإنه لو وصى لهذه الأصناف، لم يجز الاقتصار على بعض الأصناف، فكذلك كلام الشارع، مع أن بعض المتأخرين منع في الوصية أيضًا، وهو باطل.
(مسألة)
قال: ومن فاسد التأويل رد الحنفية قوله تعال: ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾ [ المجادلة: ٤] إلى أن معناه: فإطعام طعام ستين مسكينًا، قدروا العدد للطعام؛ لترويج مذهبهم في جواز إطعام الطعام كله لمسكين واحد، وهذا بعيد من قواعد العرب؛ لأن الإطعام يتعدى لمفعولين، تقول: أطعمت زيدًا خبزًا.
ويجوز الاقتصار على أحدهما؛ لأنهما من باب (أعطى) و (كسا) لا من باب (ظننت) وأخواتها؛ لأنهما لا ينظم منهما مبتدأ وخبر، فأظهر الله - تعالى - أحد المفعولين؛ اعتناء به، وسكت عن الآخر الذي هو الطعام المطعم ليدل هذا المنطوق به عليه؛ فإن الستين يدل على عددهم على مقدار ما يطعمونه، فجعل هذا هو المهم لا يتم في معنى الآخذ الفاعل، فعكس الحنفية القضية، وجعلوا المهتم به الذي هو العدد المذكور ألغاه نظر الشرع،
стр. 2141
وما أخره الشرع في نظره، وسكت عنه، جعلوه هو المهم، وهذا عكس ما يقتضيه لسان العرب.
(مسألة)
قال: إذا ظهر تعليل الحكم من كلام الشرع، ليس لأحد أن يؤوله بقياس ؛ كقوله ﵇ لما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: (أينقص إذا جف)؟ فقالوا: (نعم) فقال: (فلا إذن) هذا ظاهر في أن النقصان عند الجفاف سبب المنع، فإذا تأوله أحد بقياس، رد ذلك القياس؛ لأن الظن المستفاد من كلام صاحب الشرع أولى من الظن الناشيء عن فكرة المجتهد، فإن كان ظن القياس نشأ عن كلام صاحب الشرع أيضًا، تقابل الأمران، وحصل التعارض.
(تنبيه)
مقصوده من هذه المسائل أن يبين قرب التأويل من بعده، وما يسوغ أن يذهب إليه منه مما يمتنع، وينعطف بحثه في هذه المسائل على ما تقدم فيما يجوز إليه تخصيص العموم، وفي تخصيص العموم بالقياس، فقد منع هاهنا في مواطن منوعًا تتعلق بهاتين المسألتين، واستبعد ما جوزه ثمت غاية الاستبعاد.
وقيل: وافقه على إيراد هذه المسائل، ونحو منها سيف الدين في (الإحكام) لهذا الغرض أيضًا، وكذلك الغزالي في (المستصفى) والقاضي عبد الجبار في كتاب (العمد)، وابن العربي في (المحصول).
وسلك الجميع في هذه المسائل طرق الخلاف في المناظرة في خصوص هذه المسائل، وهذا لائق بعلم الخلاف، لا بعلم الأصول، فلذلك تركها صاحب (المحصول) وتركت أنا أيضًا نقل تلك الحجاج التي لهم هنالك.
стр. 2142
القسم الثاني
في المبين، وفيه مسائل
قال الرازي: المسألة الأولى: في أقسام المبين:
الخطاب الذي يكفي نفسه في إفادة معناه إما أن يكون لأمر يرجع إلى وضع اللغة، أو لا يكون كذلك:
والأول: كقوله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ [العنكبوت: ٦٢].
أما الثاني: فإما أن يكون بيانه على سبيل التعليل، أو لا على سبيل التعليل.
أما التعليل: فضربان:
أحدهما: أن يكون الحكم بالمسكوت عنه أولى من الحكم بالمنطوق به، كما في قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣].
وثانيهما: كما في قوله ﷺ : (إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
وأما الذي لا يكون تعليلاً: فضربان:
أحدهما: أن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به.
وثانيهما: أن يظهر في العقل تعذر إجراء الخطاب على ظاهره، ويكون هناك أمر يكون حمل الخطاب عليه أولى من حمله على غيره كما في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢].
فهذه أقسام المبين، والله أعلم.
стр. 2143
القسم الثاني
في المبين
قال القرافي: قوله: (إنها من الطوافين) هو حديث روى أنه ﵇ دُعِىَ إلى دار قوم فيها كلب فلم يجب، ودُعِىَ إلى دار فيها هرة، فأجاب، فسئل عن ذلك فقال: (إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات).
أفاد بمفهومه أن الكلب نجس، وأن علة طهارة هذه بطوافها، والكلب لا يتخذ للطواف في البيوت، وعدم العلة علة لعدم المعلول، فحصل المفهوم في الحكم والعلة.
قوله: (إذا تعذر حمل اللفظ على ظاهره في العقل؛ كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢].
مراده بالعقل المناسبة؛ لأن سؤال القرية وإجابتها لا يستحيل عقلاً، بل المناسبة تقتضي أنهم لا يقيمون الحجة عند أيهم بسؤال الجمادات التي إجابتها من خوارق العادات التي قد تتفق للأنبياء، وقد لا تتفق في جميع الأحوال؛
فإن ذلك ريبة في حجتهم.
* ... * ... *
стр. 2144
المسألة الثانية
في أقسام البيانات
قال الرازي: اعلم أن بيان المجمل: إما أن يقع بالقول، أو بالفعل، أو بالترك.
أما بالقول فظاهر.
وأما بالفعل فإما أن يكون الدال على البيان شيئًا يحصل بالمواضعة أو شيئًا تتبعه المواضعة، أو شيئًا يتبع المواضعة.
فالأول: هو الكتابة، وعقد الأصابع.
فأما الكتابة فقد يقع بها البيان من الله تعالى بما كتب في اللوح المحفوظ، ومن الرسول ﷺ بما كتب إلى عماله.
وأما عقد الأصابع فقد بين به الرسول ﷺ إذ قال: (الشهر هكذا وهكذا) وحبس في الثالثة أصبعه.
وهذا الباب يستحيل على الله تعالى؛ لاستحالة الجوارح عليه.
وأما القسم الثاني: وهو الذي تتبعه المواضعة: فهو: الإشارة؛ لأن المواضعة مفتقرة إليها، وهي غير مفتقرة إلى المواضعة، وإلا لافتقرت إلى إشارة أخرى، ولزم التسلسل، وهو محال.
وقد بين الرسول ﷺ بالإشارة، وذلك حين أشار إلى الحرير بيده، وقال: (هذا حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها).
стр. 2145
وأما القسم الثالث: وهو الذي يكون تابعًا للمواضعة، فهو كما إذا قال الرسول ﷺ : هذا الفعل بيان لهذه الآية، أو يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
واعلم أنه لا يعلم كون الفعل بيانًا للمجمل، إلا بأحد أمور ثلاثة:
أحدها: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده.
وثانيها: أن يعلم بالدليل اللفظي، وهو أن يقول: هذا الفعل بيان لهذا المجمل، أو يقول أقوالاً يلزم من مجموعها ذلك.
وثالثها: بالدليل العقلي وهو: أن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل فعلاً يصلح أن يكون بيانًا له، ولا يفعل شيئًا آخر، فيعلم أن ذلك الفعل بيان للمجمل، وإلا فقد أخر البيان عن وقت الحاجة، وإنه لا يجوز.
وأما الترك فاعلم أن الفعل يبين الصفة، ولا يدل على وجوبها وترك الفعل يبين نفي وجوبه، وذلك على أربعة أضرب:
أحدها: أن يقوم من الركعة الثانية إلى الثالثة، ويمضي على صلاته، فيعلم أن هذا التشهد ليس بشرط في صحة الصلاة، وإلا لم تصح مع عدم شرط الصحة، ويدل على أنه ليس بواجب أنه ﷺ لا يجوز أن يتعمد ترك الواجب.
وثانيها: أن يسكت عن بيان حكم الحادثة فيعلم أنه ليس فيها حكم شرعي.
وثالثها: أن يكون ظاهر الخطاب متناولاً له، ولأمته على سواء، فإذا ترك الفعل دل على أنه كان مخصوصًا من الخطاب، ولم يلزمه ما لزم أمته.
ورابعها: أن يتركه بعد فعله إياه، فيعلم أنه قد نسخ عنه، ثم ينظر؛ فإن كان
стр. 2146
حكم الأمة حكمه، نسخ عنهم أيضًا، وإلا كان حكمهم بخلاف حكمه، والله أعلم.
المسألة الثانية
في أقسام البيانات
قال القرافي: قوله: (البيان يقع بالقول، مثاله قوله ﵇: (فيما سقت الشماء العشر):
قوله: (البيان بالكتابة يمكن في حق الله - تعالى - بخلاف عقد الأصابع والإشارة):
قلنا: الكتابة التي قالها في اللوح المحفوظ، إنما تتأتى بأن يخلق الله - تعالى - جسمًا يخلق فيه رقومًا، وأصباغًا، وأشكالاً دالة على المعاني، وإذا كان ذلك لا بد فيه من ذلك، فيخلق الله - تعالى - جسمًا يخلق فيه إشارات مخصوصة، أي إشارة كانت فيها مواضعة تدل الخلق على ذلك المعنى، فالحاصل أن كليهما مستحيل عليه في ذاته، بل يخلقهما في أجسام يخلقها، وممكنات بالطريق التي ذكرناها؛ فلا معنى للفرق بينهما.
قوله: (الإشارة تتبعها المواضعة، وهي غير مفتقرة للمواضعة):
قلنا: الإشارة بالوضع كاللفظ، فلو قالت العرب: إذا قلنا هكذا وهكذا وهكذا، وضممنا أصابعنا في المرة الأخيرة، كان زائدًا اعتقدناه ناقصًا، ولغى ذلك، وإنما اعتقدنا نقصان؛ لأنهم اصطلحوا على أنه ناقص، وكذلك تحريك اليد، وجميع الحركات إنما تدل بالوضع، وكذلك أهل العرف، إذا أخرج أحدهم ذقنه إلى جهة البعد، كان معناها (نعم) وإن قربها إليه، كان معناها (لا) وعند أهل (مصر) وغيرهم الأمر على العكس، ولا يفهم أهل كل قطر إلا ما تواضعوا عليه؛ فظهر أن الإشارة كالكتابة تفتقر للوضع، ثم
стр. 2147
إن المواضعة قد لا تحتاج لإشارة، بل تحصل باللفظ وغيره من العلوم الضرورية، وإنما تحصل المواضعة بالإشارة بشرطين:
أن تكون قد وضعت، وأن يقصد المتكلم ذلك، ويعينها للإفهام، وإلا لو عين غيرها، لم يحتج إليها، والكتابة كذلك يحصل بها المواضعة بهذين الشرطين، فهما سواء.
وأما قوله: (لو احتاجت للمواضعة، لافتقرت لإشارة أخرى، ولزم التسلسل):
قلنا: لا نسلم؛ بل قرائن الأحوال كافية في معرفة أوضاع الألفاظ والإشارات، وجميع الموضوعات كما تقدم في أول الكتاب في تعلم الصبي لغة أبويه.
وقوله ﵇ لما أشار إلى الحرير، وقال: (هذا حرام) لو لم يكن موضوعًا للإشارة، أعنى لفظ هذا، لما فهم السامعون الإشارة، ولا المشار إليه.
قوله: (الذي يكون تابعًا للمواضعة كقوله ﵇: (هذا الفعل بيان لهذه الآية):
تقريره: أن الألفاظ التي قال بها ﵇: هذا الفعل بيان لهذه الآية، لو لم تكن موضوعة، ما فهم السامعون المقصود، فصار هذا الفعل بيانًا بعد
стр. 2148
تقرر وضع تلك الألفاظ، فهو تابع للمواضعة؛ بخلاف الإشارة على زعمه، وأما الكتابة فليست تابعة لوضع غيرها، بل هي موضوعة؛ فلذلك قال فيها: (بالمواضعة) بصيغة (الباء) التي هي للسببية، ولم يجعلها تابعة، ولا متبوعة؛ لأن مقصوده بالتبعية وضع في غير التابع، والوضع هاهنا في نفس الكتابة، لا في غيرها.
فبهذا الطريق، صارت الأقسام عنده ثلاثة.
قوله: (يعلم كون الفعل بيانًا للمجمل بالفعل، إذا فعله عند وقت الحاجة):
قلنا: هذا متجه؛ على القول باستحالة تكليف ما لا يطاق، ويكون الفعل دالاً على أن ذلك بيانًا نفيًا للاستحالة، أما مع تجويزه، فلا يكون الفعل يدل على ذلك.
قوله: (الفعل يدل على الصفة، ولا يدل على وجوبه):
تقريره: أنه ﵇ لما بين فعل الجمعة والحج، أمكن أن يكون ذلك مندوبًا، وإنما علمنا الوجوب من صيغ الأوامر في الاثنين.
قوله: (الترك ينفي وجوب الفعل):
تقريره: أنه ﵇ معصوم لا يقع في فعله محرم، ولا ترك واجب، فمتى ارك شيئًا، دل على عدم وجوبه.
(سؤال)
جعله الفعل يدل على صفة الفعل دون حكمه؛ بخلاف الترك، فإنه يبين أن ذلك الفعل غير واجب يرد عليه: أن الفعل بين أن ذلك الفعل غير محرم، ولا مكروه، فإن لاحظنا العصمة، حصلت الدلالة فيهما، وإلا فلا دلالة فيهما؛ فلا فرق بينهما، لاختصاص كل واحد منهما بوجه من وجوه الدلالة والأحكام.
стр. 2149
قوله: إذا قام من اثنتين، ومضى على صلاته، علم أن التشهد ليس شرطًا في الصلاة، ودل على عدم وجوبه):
قلنا: هذا يتوقف على بحثين:
الأول: جاز أن يكون شرطًا مع الذكر، كما قاله جماعة من العلماء في طهارة الخبث، والموالاة، والتسمية في الذبيحة.
والثاني: أنه ﵇ ما كان متعمدًا؛ فلعله ﵇ استمر عليه؛ للسهو إلى آخر الصلاة، ولم يذكر التشهد، حتى فات موضعه، فسقط شرطيته؛ لانتفاء العمدية، ولا يحصل العصيان بالترك؛ لعدم العمد، ولا يدل الترك على عدم الوجوب حينئذ.
قوله: (إذا سكت عن حكم الواقعة، دل ذلك على أنه ليس فيها حكم شرعي):
قلنا: قد يكون البيان تقدم قبل هذا السؤال، فقد كان ﵇ يمكث عددًا من السنين، وهو لا يلزم نفسه الكريمة تكرار النهي عن عبادة الأصنام في كل يوم؛ لأنه قد تقدم، وما بقى لذكره كبير فائدة، فجاز أن يكون الترك لهذا المعنى، والسائل لا يتعلق به الحكم، ويكون ذكره له فيه مفسدة؛ لأن حاله بالنسبة إلى تلك الواقعة يقتضي ذلك؛ كما لو سأل المحرم الشاب عن تفاصيل أحوال الاستمتاع بالنساء، ويكون السؤال أمره به حلال؛ فإن المصلحة تقتضي أن صاحب المسألة يحضر، وأن يترك الحديث مع هذا؛ لئلا يهيج عليه داعية النساء؛ فيفسد حجه.
وكذلك لو سأل النساء المخدرات عن تفاصيل أحوال الرجال، وأمكن السكوت عنهم، ولا يدل ذلك على عدم الحكم في تلك الوقائع؛ فلابد مع ترك الجواب من ضميمة قيود؛ حتى يشعر بعدم الحكم.
стр. 2150
ولقائل أن يقول: الترك مطلقًا فيه ظهور على عدم الحكم الشرعي، وهذه صورة نادرة لا تقدح في الظن، بل متى سكت المفتي، غلب على الظن عدم الحكم عنده في تلك المسألة.
قوله: (إن ترك الفعل بعد أن فعله، دل على نسخه عنه)
قلنا: هذا بشرط أن يكون أصل الفعل واجبًا، ويترك في الوقت الذي يتعين فعله فيه، لا لمانع؛ وإلا فالمندوب يجوز تركه؛ كما ترك الخروج للمسجد للصلاة في قيام رمضان، وقال: (خشيت أن تفرض عليكم) وإن كان الوقت لم يأت، أو لم يتعين فعل الواجب، لا يدل ذلك على النسخ، وكذلك الاعتذار بترك الفعل، كتأخير الصلاة إلى دخول وقتها لتركه ﵇ للعذر في الجمع، وهو واجب لم ينسخ، فلا بد من هذه القيود كلها.
قوله: (وإن كان حكم الأمة كحكمه نسخ عنهم)
قلنا: قد تقدمت المناقشة على تعليقه المساواة على كلمة (إن) مع أنها لا يعلق عليها إلا المشكوك، والمساواة معلومة من الدين؛ فلا تعلق على (إن).
قال الغزالي في (المستصفى): الذي يدل على كون الفعل بيانًا سبعة طرق:
وروده عند وقت الحاجة؛ لئلا يتأخر البيان عنها.
الثانية: أن ينقل إلينا فعل غير مفصل؛ كمسحه رأسه وأذنه، ولم ينقل تجديد الماء، ثم ينقل تجديد الماء، فيكون بيانًا مع احتماله للفضيلة.
الثالثة: أن يترك ما يلزمه؛ فيكون نسخًا.
стр. 2151
الرابعة: ألا يقطع في سرقة اليمين، فيعلم تخصيص آية السرقة به، ونحو ذلك.
الخامسة: أن يفعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبًا، لأفسد الصلاة؛ كالركوعين في صلاة الكسوف.
السادسة: أن يأخذ الجزية والزكاة مفصلة بعد إجمال النصوص فيها.
السابعة: أن يعاقب عقوبة بمال أو غيره، ثم يبين سببها.
* * *
стр. 2152
المسألة الثالثة
قال الرازي: الحق أن الفعل قد يكون بيانًا؛ خلافًا لقومٍ.
لنا: أن الخصم إما أن يقول: إنه لا يصح وقوع البيان بالفعل، أو يقول: إنه يصح عقلاً، لكن لا يجوز في الحكمة.
والأول: ضربان: أحدهما: أن يقال: إن الفعل لا يؤثر في وقوع اليقين أصلاً، والآخر: أن يقال: إنه لا يؤثر في ذلك إلا مع غيره، وهو أن يقول الرسول ﷺ : هذا الفعل بيان لهذا الكلام.
والأول باطل؛ لأن فعل الرسول ﷺ للصلاة والحج أدل عليهما من صفته لهما، فإنه ليس الخبر كالمعاينة، ولهذا بين الرسول ﷺ الحج والصلاة، وقال: (خذوا عني مناسككم)، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وبين أصحاب رسول الله ﷺ الوضوء بفعلهم.
وأما الثاني وهو ألا يقع البيان بالفعل وحده، إلا عند قيام الدليل على أن ذلك الفعل بيان لذلك المجمل، فهذا مما لا خلاف فيه، إلا أن المبين هو الفعل؛ لأنه هو المتضمن لصفة الفعل، وإنما القول لتعليق الفعل الواقع بيانًا على المجمل.
وأما القسم الثاني: وهو أنه غير جائز في الحكمة، فهو لا يستقيم على أصلنا؛ لأن الله - تعالى - يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
стр. 2153
ثم إن سلمنا هذا الأصل، لكنه لا يمتنع أن يعلم الله تعالى من المكلف أن بيان المجمل بهذا الطريق أصلح له.
احتج المخالف: بأن الفعل يطول؛ فيلزم تأخير البيان.
والجواب: أن القول قد يكون أطول؛ لأن وصف أفعال الصلاة وتروكها على الاستقصاء أصول من الإتيان بركعة واحدة، فجوابكم جوابنا، والله أعلم.
* * *
المسألة الثالثة:
الفعل يكون بيانًا
قال القرافي: قوله: (إن منعوا البيان؛ لأنه ينافي الحكمة، فإن أصلنا أن الله - تعالى - يفعل ما يشاء):
قلنا: وقد تقدم أن الفعل دل على صفة الفعل؛ كما في الحج وغيره، فأمكن أن يكون ذلك الفعل؛ لغموضه، ونفاسته، يتعين بيانه بالفعل، ويمتنع بالقول في مقتضى الحكمة؛ صوتًا لنفاسة ذلك الفعل.
ولا يشك عاقل أن بيان عمل الصنعة الدقيقة كنسج الديباج البديع، والمعاجين العربية كالدرياق الفاروقي والكيمياء والسيماء، ونحو ذلك بالفعل أولى منه بالقول، بل يتعين الفعل، وإلا يفسد ذلك الموصوف بالقول حالة المباشرة غالبًا، والعادة دلت على ذلك.
* ... * ... *
стр. 2154
المسألة الرابعة
في أن القول هل يقدم على الفعل في كونه بيانًا؟
قال الرازي: القول والفعل، إذا وردا فإما أن يكونا متطابقين، أو متنافيين، فإن كانا متطابقين وعلم تقدم أحدهما على الآخر، فالأول بيان والثاني تأكيد؛ لأن الأول قد حصل التعريف به، فلا حاجة إلى الثاني.
وإن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر، حكم على الجملة بأن الجملة بأن الأول منهما بيان، والثاني تأكيد.
وإن كانا متنافيين، كقوله ﷺ : (من قرن الحج إلى العمرة، فليطف لهما طوافًا واحدًا) مع ما روى عنه ﷺ : أنه قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين، فالقول هو المقدم في كونه بيانًا؛ لأنه بيان بنفسه، والفعل لا يدل حتى يعرف ذلك: إنا بالضرورة، أو بالاستدلال بدليل قولي أو عقلي، فإذا لم يعقل ذلك، لم يثبت كون الفعل بيانًا، والله أعلم.
* * *
المسألة الرابعة
هل يقدم القول على الفعل؟
قال القرافي: قوله: (القول بيان بنفسه):
يريد أن الوضع يوجب الدلالة، والفعل لا شيء في تقتضي دلالته؛ حتى يقول: هذا بيان لذلك المجمل ونحوه.
قال سيف الدين: الحق: إن تقدم أحدهما كان بيانًا، والثاني تأكيدًا،
стр. 2155
إلا إذا كان دون الأول في الدلالة؛ لاستحالة تأكيد الأضعف للأقوى، وإن جهل التاريخ، وهما مستويان في الدلالة، فأحدهما بيان، والآخر تأكيد، وإن كان أحدهما أرجح؛ فالأشبه أن المرجوح هو المتقدم؛ لأنا لو فرضناه متأخرًا، امتنع أن يكون مؤكدًا، فيكون ملغي، ومنصب الشرع بعيد عن رصدان ما هو ملغي.
قلت: وهو غير متجه؛ لأن الأضعف يؤكد ويقوي، ويزيد في رتبة الظن الحاصلة قبله، كما لو شهد أربعة، ثم شهد خامس، فإن الظن يتأكد بالضرورة، وإن اختلف القول والفعل.
قال سيف الدين: قال أبو الحسين: المتقدم منهما البيان، وإن كان الفعل؛ فيكون الطواف الثاني في سعيه ﵇ واجبًا إن تقدم فعله ﵇ وإن تقدم القول، فالطواف الثاني غير واجب.
قال: والحق: إن تقدم القول، كان الطواف الثاني مندوبًا؛ لأنه لو كان واجبًا، لنسخ الفعل القول، والجمع أولى.
وتقدم الفعل، وإن دل على وجوبه، لكن القول المتأخر يدل على عدم وجوبه، وأن يحمل على أنه واجب عليه وحده، والأول سنة، فإن جهل التاريخ، فالأول فرض تقدم القول؛ حتى يكون الطواف الثاني مندوبًا، ولو فرضنا تقدم الفعل؛ لزم إلغاء القول، أو النسخ والإلغاء.
* ... * ... *
стр. 2156
المسألة الخامسة
في أن البيان كالمبين
قال الرازي: هذا الباب يشتمل على شيئين: أحدهما: هل البيان كالمبين في القوة؟ والآخر: هل هو كالمبين في الحكم؟
أما الأول: فقال الكرخي: المبين إذا كان لفظًا معلومًا وجب كون بيانه مثله، وإلا لم يقبل.
والحق أنه يجوز أن يكون البيان والمبين معلومين وأن يكونا مظنونين، وأن يكون المبين معلومًا، وبيانه مظنونًا؛ كما جاز تخصيص القرآن بخبر الواحد والقياس.
وأما الآخر: فهو: أنه هل إذا كان المبين واجبًا، كان بيانه واجبًا كذلك؟ قال به قوم:
فإن أرادوا به أن المبين، إذا كان واجبًا، فبيانه بيان لصفة شيء واجب، فصحيح.
وإن أرادوا به أنه يدل على الوجوب، كما يدل المبين، فغير صحيح؛ لأن البيان إنما يتضمن صفة المبين، وليس يتضمن لفظًا يفيد الوجوب؛ ألا ترى أن صورة الصلاة ندبًا وواجبًا، صورة واحدة؟
وإن أرادوا: أنه إذا كان المبين واجبًا كان بيانه واجبًا على الرسول ﷺ ، وإذا لم يكن الفعل المبين واجبًا، لم يكن بيانه واجبًا على الرسول ﷺ فباطل؛ لأن بيان المجمل واجب، سواء تضمن فعلاً واجبًا، أو لم يتضمن، وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق، والله أعلم.
стр. 2157
المسألة الخامسة
البيان كالمبين
قال القرافي: قوله: (بيان المجمل واجب على الرسول ﵇ كان الفعل الذي تضمنه المجمل واجبًا أم لا، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق):
قلنا: لا نسلم لزوم تكليف ما لا يطاق؛ لأن البيان، إذا فرض غير واجب لا بد من مقدمة أخرى، وهي أن الفعل واجب علينا حالة عدم البيان؛ وحينئذ يلزم ذلك، فقد نفرض البيان غير واجب على النبي ﵇ ويكون الفعل أيضًا غير واجب حالة عدم البيان، كما هو الواقع في الشريعة أنه لا يلزمنا العمل بالمجملات، بل إن وقع بيانها، وجب العمل بها، وإلا فجاز أن يكون الواقع ذلك، ويكون البيان مندوبًا عليه ﷺ ولا يلزم من ذلك تكليف ما لا يطاق، ولا إجمال للأمر الوارد بطريق الإجمال؛ لأن البيان يقع غالبًا؛ لأن وصف الندب حادث على الفعل، وحاله ﵇ تقتضي المبادرة إلى المندوبات، وعدم الإخلال بها.
أما إن كان المجمل يتضمن فعلاً غير واجب، فتكليف ما لا يطاق منفي أيضًا لما تقدم؛ ولأن المندوب لو ترك بعد البيان، لم يكن فيه حرج، فأولى قبل البيان، وإنما يلزم تكليف ما لا يطاق فيما يلزم من تركه عقاب.
وأما إن كان مباحًا، فبطريق الأولى، وكلامكم يتضمن هذه الأقسام؛ كقولكم: تضمن فعلاً واجبًا، أو غير واجب، ويندرج أيضًا المحرم والمكروه، فإنهما قد يردان بلفظ مجمل؛ فقد يقول السيد لعبده: حرمت عليك النظر للعين، وهو مشترك بين الباصرة والفوارة وغيرهما، فيتوقف العبد إلى عين البيان، ولا يرد البيان بكونه غير واجب مثلاً على السيد، فلا يقع العبد في المخالفة؛ لأنه قد علم أن ثم في هذه المسميات محرمًا، ولم
стр. 2158
يتعين، فيتعين اجتناب الجميع؛ كالمذكاة إذا اختلطت بميتة، أو أخته من الرضاعة بأجنبية؛ فعلمنا أنه لا يلزم من عدم وجوب البيان تكليف ما لا يطاق على الإطلاق.
قال سيف الدين: قيل: البيان يجب أن يكون مساويًا للمبين في الحكم، وقيل: لا.
قال: والمختار التفصيل: إن كان المبين بقى في تعيين أحد محتملاته أدنى دلالة، أو عامًا، أو مطلقًا، فلابد أن يكون أقوى دلالة من العام على صورة التخصيص، ومن المطلق على صورة التقييد، لئلا يلزم من المساواة التوقف، ومن المرجوح الإلغاء؛ فلا بيان حينئذ.
وأما المساواة في الحكم، فلا تجب؛ لأنه لو دل البيان على ما دل عليه المبين، لم يكن كون أحدهما بيانًا للآخر أولى من العكس، وإنما يكون بيانًا، إذا كان أحدهما دالاً على صفة ما دل عليه الآخر، لا على مدلوله؛ فيدل البيان على الصفة، والمبين على الأصل.
قلت: قوله: (يكون المقيد أقوى من دلالة المطلق على المقيد) - غير متجه، فإن المطلق لا دلالة له ألبتة في جميع الصور؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص ضرورة، وإذا انتفت دلالته، بطل اشتراط القوة، وتعين أن يكون أدنى دليل يوجب التقييد؛ لعدم المعارضة.
وقوله: (لا يدل البيان على ما دل عليه المبين، بل على صفته، فلا يستويان في حكم الوجوب) فلا يتجه أيضًا؛ لأنه قد يدل على الصفة والوجوب أيضًا لقوله ﵇: (صلوا كما رأيتموني أصلي)
стр. 2159
و (خذوا عني مناسككم)، هذا القول مع الفعل بيان، وهو دال على الوجوب كالمبين.
قال الغزالي في (المستصفى): بيان الأحكام كلها واجب.
وقال بعض القدرية: بيان الواجب واجب، وبيان المندوب مندوب، وبيان المباح مباح.
قال: ويلزم على ذلك أن بيان المحرم محرم.
* ... * ... *
стр. 2160
القسم الثالث
قال الرازي: في وقت البيان، وفيه مسائل
المسألة الأولى: القائلون بأن لا يجوز تكليف ما لا يطاق اتفقوا على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن التكليف به مع عدم الطريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق.
والإشكالات التي ذكرناها في أن تكليف الساهي غير جائز قائمة هاهنا والجواب واحد.
المسألة الثانية: اختلفوا في جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب:
الخطاب المحتاج إلى البيان ضربان:
أحدهما: ما له ظاهر قد استعمل في خلافه.
والثاني: لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة.
والأول أقسام: أحدها: تأخير بيان التخصيص.
وثانيها: تأخير بيان النسخ. وثالثها: تأخير بيان الأسماء الشرعية.
ورابعها: تأخير بيان اسم النكرة، إذا أراد به شيئًا معينًا.
إذا عرفت ذلك، فنقول: مذهبنا: أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة في كل هذه الأقسام، وأما المعتزلة فأكثر من تقدم أبا الحسين ﵀ اتفقوا على المنع من تأخير البيان في كل هذه الأقسام، إلا في النسخ، فإنهم جوزوا تأخير بيانه.
стр. 2161
وأما أبو الحسين: فإنه منع من تأخير البيان فيما له ظاهر قد استعمل في خلافه، وزعم أن البيان الإجمالي كاف فيه، وهو أن يقول عند الخطاب اعلموا أن هذا العموم مخصوص، وأن هذا الحكم سينسخ بعد ذلك.
وأما البيان التفصيلي: فإنه يجوز تأخيره.
وأما الذي لا يكون له ظاهر؛ مثل الألفاظ المتواطئة، والمشتركة فقد جوز فيه تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
وهذا التفصيل ذكره كثير من فقهاء أصحابنا؛ كأبي بكر القفال، وأبي إسحاق المروزي، وأبي بكر الدقاق.
واعلم أن الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:
أحدهما: أن يستدل في الجملة على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
وثانيهما: أن يستدل على جواز ذلك في كل واحدة من الصور المذكورة.
أما المقام الأول: فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٧ - ١٨ - ١٩] و (ثم) في اللغة للتراخي، وهو المطلوب.
فإن قيل: لا نسلم أن كلمة (ثم) للتراخي فقط بل قد تجيء بمعنى (الواو) كقوله تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ [الأنعام: ١٥٤] ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ [البلد: ١٧] ﴿ثم الله شهيد﴾ [يونس: ٤٦] سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن المراد بالبيان في هذه الآية البيان الذي اختلفنا فيه، وهو بيان المجمل والعموم؛ فلم لا يجوز أن يكون المراد به إظهاره بالتنزيل؟ غاية ما في
стр. 2162
الباب أن يقال: هذا مخالفة الظاهر، لكن نقول: يلزم من حفظ هذا الظاهر مخالفة ظاهر آخر وهو أن الضمير الذي في قوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ راجع إلى جميع المذكور، وهو القرآن، ومعلوم أن جميعه لا يحتاج إلى البيان، فليس حفظ أحد الظاهرين بأولى من الآخر، وعليكم الترجيح.
سلمنا أن المراد من البيان ذلك، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد به تأخير البيان التفصيلي، وذلك عند أبي الحسين جائز؟
سلمنا أن المراد مطلق البيان لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ هو: أن يجمعه في اللوح المحفوظ، ثم إنه بعد ذلك ينزله على الرسول ﷺ ويبينه له، وذلك متراخ عن الجمع.
سلمنا أن البيان ما ذكرتموه؛ لكن الآية تدل على وجوب تأخير البيان، وذلك ما لم يقل به أحد، فما دلت عليه الآية لا تقولون به، وما تقولون به، وهو الجواز، لم تدل الآية عليه؛ فبطل الاستدلال.
والجواب: أما أن كلمة (ثم) للتراخي، فذلك متواتر عند أهل اللغة، والآيات التي تلوتموها المراد هناك التأخير في الحكم.
قوله: لم لا يجوز أن يكون المراد من البيان إظهاره بالتنزيل؟
قلنا: لأن قوله: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨] أمر للنبي ﷺ باتباع قرآنه، وإنما يكون مأمورًا بذلك بعد نزوله عليه، فإنه قبل ذلك لا يكون عالمًا به، فكيف يمكنه اتباع قرآنه؟
فثبت أن المراد من قوله: ﴿فإذا قرأناه﴾ [القيامة: ١٧] هو الإنزال، ثم
стр. 2163
إنه - تعالى - حكم بتأخير البيان عن ذلك، وذلك يقتضي تأخير البيان عن وقت الإنزال.
وإذا كان كذلك وجب ألا يكون المراد من البيان هو الإنزال؛ لاستحالة كون الشيء سابقًا على نفسه.
سلمنا أنه يمكن ما ذكروه، ولكنه خلاف الظاهر.
قوله: يلزم من مخالفة المحافظة على هذا الظاهر، احتياج القرآن جميعه إلى البيان.
قلنا: لا نسلم؛ فإن لفظ القرآن يتناول كله وبعضه؛ بدليل أنه لو حلف ألا يقرأ القرآن، ولا يمسه، فقرأ آية، أو لمس آية؛ فإنه يحنث في يمينه.
سلمنا أن لفظ القرآن ليس حقيقة في البعض؛ لكن إطلاق اسم الكل على البعض، أسهل من إطلاق لفظ البيان على التنزيل؛ لأن الكل مستلزم للجزء، والبيان غير مستلزم للتنزيل.
قوله: (نحمله على البيان التفصيلي):
قلنا: اللفظ مطلق فتقييده خلاف الظاهر.
قوله: لم لا يجوز أن يكون المراد من الجمع جمعه في اللوح المحفوظ؟
قلنا: لما بينا أنه تعالى آخر البيان عن القراءة التي يجب على النبي ﵊ متابعتها، وذلك يستدعي تأخير البيان عن وقت الإنزال.
قوله: هذا يقتضي وجوب تأخير البيان.
قلنا: ونحن نقول به.
стр. 2164
فإن قلت: الضمير عائد إلى كل القرآن فيجب تأخير بيان الكل وذلك لم يقل به أحد.
قلت: قد تقدم بيان أن الضمير غير عائد إلى الكل، والله أعلم.
أما الذي يدل على كل واحدة من الصور التي ذكرناها فنقول: الدليل على أنه يجوز تأخير البيان في النكرة أن الله تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة غير منكرة، ثم إنه لم يبينها لهم، حتى سألوا سؤالاً بعد سؤال.
إنما قلنا: إنه لم يرد بقرة منكرة؛ لوجهين:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ [البقرة: ٦٨] و ﴿ما لونها﴾ وقول الله تعالى: ﴿إنها بقرة لا فارض، ولا بكر﴾ [البقرة: ٦٩] ﴿إنها بقرة صفراء﴾ ﴿إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض﴾ [البقرة: ٧١] ينصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل، وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة منكرة، بل ذبح بقرة معينة.
الثاني: أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني، إما أن يقال: إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولاً، أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال، وانتسخ ما كان واجبًا عليهم قبل ذلك.
والأول: هو المطلوب، والثاني: يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة أخرًا، وألا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك، ولما أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم.
فإن قيل: لا يجوز التمسك بهذه الآية؛ لأن الوقت الذي أمروا فيه بذبح
стр. 2165
البقرة، كانوا محتاجين إلى ذبحها، فلو أخر الله البيان، لكان ذلك تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة، وأنه لا يجوز، فإذن ما تقتضيه الآية لا تقولون به، وما تقولون به لا تقتضيه الآية.
نزلنا عن هذا المقام، لكن لا نسلم أن المأمور به كان ذبح بقرة موصوفة، بل ذبح بقرة كيف كانت، فلما سألوا تغيرت المصلحة، ووجبت عليهم بقرة أخرى.
وأما الكنايات: فلا نسلم عودها إلى البقرة، ولم لا يجوز أن يقال: إنها كنايات عن القصة، والشأن؟ وهذه طريقة مشهورة عند العرب.
سلمنا أن هذه الكنايات تقتضي كون البقرة المأمور بها موصوفة، لكن هاهنا ما يدل على كونها منكرة، وهو من ثلاثة أوجه:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] أمر بذبح بقرة مطلقة، وذلك يقتضي سقوط التكليف بذبح بقرة أي بقرة كانت، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفًا جديدًا.
الثاني: لو كان المراد ذبح بقرة معينة، لما استحقوا التعنيف على طلب البيان، بل كانوا يستحقون المدح عليه، فلما عنفهم الله - تعالى - في قوله: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١] علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولاً، وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولاً ذبح بقرة منكرة.
الثالث: ما روىَ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لو ذبحوا أية بقرة أرادوا، لأجزات عنهم، لكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم).
سلمنا أن المأمور به ذبح بقرة معينة موصوفة؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: البيان
стр. 2166
التام قد تقدم، لكنهم لم يتبينوا ليلادتهم، فاستكشفوا طلبًا للزيادة، فحكى الله تعالى ذلك؟
سلمنا أن البيان التام لم يتقدم؛ فلم لا يجوز أن يقال: إن موسى ﵇ كان قد أعلمهم بأن البقرة ليست مطلقة، بل معينة، فطلبوا البيان التفصيلي؟
فالحاصل أن البيان الإجمالي كان مقارنًا، والبيان التفصيلي كان متأخرًا؛ وهو جائز عند أبي الحسين ﵀.
والجواب: قوله: الآية تقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قلنا: لا نسلم؛ لأن ذلك إنما يلزم لو كان الأمر مقتضيًا للفور، لكنا لا نقول به.
قوله: (الكنايات عائدة إلى القصة والشأن):
قلنا: هذا باطل لوجوه:
أحدها: أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن، لكان الذي يبقى بعد ذلك غير مفيد؛ لأنه لا فائدة في قوله: ﴿بقرة صفراء﴾ [البقرة: ٦٩] بل لابد من إضمار شيء آخر، وذلك خلاف الأصل، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولاً لم يلزم هذه المحذور.
وثانيها: أن الحكم برجوع الكنايات إلى القصة والشأن خلاف الأصل؛ لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره، والقصة والشأن لم يجر ذكرهما، فلا يجوز عود الكتابة إليهما؛ لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع، فيبقى فيما عداه على الأصل.
стр. 2167
وثالثها: أن الضمير في قوله تعالى: ﴿ما لونها﴾ [البقرة: ٦٩] و ﴿ما هي﴾ [البقرة: ٧٠] لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها؛ فوجب أن يكون الضمير في قوله: ﴿إنها بقرة صفراء﴾ [البقرة: ٦٩] عائدًا إلى تلك البقرة، وإلا لم يكن الجواب مطابقًا للسؤال.
قوله: إن قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] أمر بذبح بقرة مطلقة.
قلنا: هب أن ظاهره يفيد الإطلاق، ونحن نسلمه، لكنا نقول: المراد كان غير الظاهر مع أنه تعالى ما بينه، فما قلتموه لا يضرنا.
قوله: لو كان ذلك لطلب البيان، لما استحقوا التعنيف بقوله: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١].
قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١]، ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة، أو أنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير، وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان، توقفوا عند ذلك، وما كادوا يفعلون.
قوله: نقل عن ابن عباس أنه قال: (شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم):
قلنا: هذا من أخبار الآحاد، ومع تقدير الصحة، فلا يصلح معارضًا لنص الكتاب.
قوله: لم لا يجوز أن يقال: كان البيان حاصلاً، لكنهم لم يتبينوا:
قلنا لوجهين:
стр. 2168
الأول: أنهم كانوا يلتمسون البيان، ولو كان البيان حاصلاً، لما التمسوه، بل كانوا يطلبون التفهيم.
الثاني: أن فقد التبيين عند حضور هذا البيان متعذر هاهنا؛ لأن ذلك البيان ليس إل وصف تلك البقرة، والعاقل العارف باللغة، إذا سمع تلك الأوصاف استحال ألا يعرفها.
قوله: (كانوا يطلبون البيان التفصيلي).
قلنا: لو كان كذلك، لذكره الله تعالى إزالة للتهمة.
أما الدليل على جواز تأخير بيان المخصص: فالنقل و [المعقول]:
أما النقل: فهو: أن الله تعالى لما أنزل قوله: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال ابن الزبعري: (قد عبدت الملائكة وعبد المسيح، فهؤلاء حصب جهنم).
فتأخر بيان ذلك؛ حتى أنزل الله تعالى قوله: ﴿إن الذين سبقت لهم منَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١].
فإن قيل: لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿وما تعبدون من دون الله﴾ [الأنبياء: ٩٨] يندرج فيه الملائكة، والمسيح.
وبيانه من وجهين:
الأول: أن كلمة (ما) لما لا يعقل، فلا يدخلها المسيح، والملائكة.
الثاني: أن قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون﴾ [الأنبياء: ٩٨] خطاب مع العرب، وهم ما كانوا يعبدون المسيح والملائكة، بل كانوا يعبدون الأوثان.
стр. 2169
سلمنا ذلك، لكن تخصيص العام بدليل العقل جائز، وهاهنا دل العقل على خروج الملائكة والمسيح، فإنه لا يجوز تعذيب المسيح بجرم الغير وهذا الدليل كان حاضرًا في عقولهم.
ثم نقول: المسألة علمية، وهذا خبر واحد، فلا يجوز إثباتها به.
سلمنا صحة الرواية، لكن الرسول ﵇ إنما سكت انتظارًا لنزول الوحي عليه في تأكيد البيان العقلي، واللفظي.
والجواب: لا نسلم أن صيغة (ما) مختصة بغير العقلاء، والدليل عليه وجوه:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣] ﴿والسماء وما بناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: ٣].
وثانيها: اتفاق أهل اللغة على ورود (ما) بمعنى (الذي) وكلمة (الذي) متناولة للعقلاء، فكلمة (ما) أيضًا كذلك.
وثالثها: أن ابن الزبعرى كان من الفصحاء، فلولا أن كلمة (ما) تتناول المسيح والملائكة، وإلا لما أورده نقضًا على الآية.
ورابعها: أن الرسول ﷺ لم يرد عليه ذلك، بل سكت وتوقف إلى نزول الوحي، ولو كان ذلك خطأ في اللغة، لما سكت الرسول ﷺ عن تخطئته.
وخامسها: أنه يقال: (ما في ملكي، فهو صدقة) و (ما في بطن جاريتي، فهو حر) وهو يتناول الإنسان.
وسادسها: أنها لو كانت مختصة بغير من يعلم، لما كان لقوله تعالى: ﴿من
стр. 2170
دون الله﴾ [الأنبياء: ٩٨] فائدة؛ لأنه إنما يحتاج إلى الاحتراز؛ حيث يصلح الاندراج.
قوله: الخطاب كان مع العرب، وهم ما كانوا يعبدون الملائكة والمسيح):
قلنا: الرواية المشهورة: أنه قد كان من العرب من يعبد الملائكة والمسيح، وقد ذكر الواحدي وغيره ذلك في سبب نزول هذه الآية.
ولأن هذه الآية لو كانت خطابًا مع عبدة الأوثان فقط لما جاز توقف النبي ﷺ عن تخطئة السائل.
قوله: (كل أحد يعلم أن تعذيب الرجل بجرم الغير لا يجوز).
قلت: نعم، لكن؛ ألا يصح دخول الشبهة في أن أولئك المعبودين كانوا راضين بذلك أم لا؟ وعند ذلك يصح السؤال.
قوله: هذه الرواية من باب الآحاد.
قلنا: لا نسلم، فإن المفسرين اتفقوا على ذكرها في سبب نزول هذه الآية؛ وذلك يدل على الإجماع.
سلمنا أنه من الآحاد؛ لكنا بينا أن التمسك بالأدلة اللفظية، أينما كان، لا يفيد إلا الظن، ورواية الآحاد صالحة لذلك، والله أعلم.
وأما المعقول: فمن وجهين:
أحدهما: وهو أن نقول لأبي علي، وأبي هاشم: لو لم يجز تأخير بيان التخصيص في الأعيان، لما جاز تأخير بيان التخصيص في الأزمان، لكن جاز هذا، فجاز ذلك.
стр. 2171
بيان الملازمة أنه لو لم يجز تأخير بيان المخصص في الأعيان، لكان ذلك؛ لأن تأخيره يوهم العموم، وهو جهل، وهذا المعنى قائم في تأخير المخصص في الأزمان، فعدم الجواز هناك يقتضي عدم الجواز هاهنا.
فإن قيل: الفرق من وجهين:
الأول: أن الخطاب المطلق معلوم أن حكمه مرتفع؛ لعلمنا بانقطاع سبب التكليف، وليس كذلك المخصوص.
وثانيهما: أن احتمال النسخ في المستقبل لا يمنع المكلف في الحال من العمل؛ أما أن احتمال التخصيص في الحال يمنعه من العمل فلأنه لا يدري أنه، هل هو مندرج تحت الخطاب أم لا؟
والجواب عن الأول: أن الله - تعالى - لو قال لنا: (صلوا كل يوم جمعة) لاقتضى ظاهره الدوام، فإذا خرج منه ما بعد الموت للدلالة، بقى الباقي على ظاهره؛ فإن جاز أن يكون حكم الخطاب مرتفعًا مع الحياة والتمكن - ولا يدل ألبتة على ذلك، وإن ظاهر الخطاب يتناوله - جاز مثله في العموم.
وعن الثاني: أن الفرق الذي ذكرتموه إنما يظهر لو أخر الله تعالى البيان عن وقت الحاجة؛ أما إذا أخره عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة لم يجب على المكلف الاشتغال بالفعل فلا حاجة في ذلك الوقت إلى تمييز المكلف به عن غيره، كما لا حاجة هناك إلى تمييز وقت التكليف عن غيره.
الدليل الثاني: أجمعنا على أنه يجوز أن يأمر الله تعالى المكلفين بالأفعال مع أن كل واحد منهم يجوز أن يموت قبل وقت الفعل؛ فلا يكون مرادًا بالخطاب، وفي ذلك تشكيك فيمن أريد بالخطاب، وهذا هو تخصيص، ولم يتقدم بيانه.
стр. 2172
واحتج أبو الحسين ﵀ على المنع من تأخير بيان ما له ظاهر، إذا استعمل في غيره بوجهين.
الأول: أن العموم خطاب لنا في الحال بالإجماع، والمخاطب إما ألا يقصد إفهامنا في الحال، أو يقصد ذلك.
والأول باطل؛ لوجوه
أحدها: أنه إن لم يقصد إفهامنا، انتقض كونه مخاطبًا لنا؛ لأن المعقول من قولنا: إنه مخاطب لنا، أنه قد وجه الخطاب نحونا، ولا معنى لذلك إلا أنه قصد إفهامنا.
وثانيها: أنه لو لم يقصد إفهامنا في الحال مع أن ظاهره يقتضي كونه خطابًا لنا في الحال، لكان قد أغرانا بأن نعتقد أنه قد قصد إفهامنا في الحال، فيكون قد قصد أن نجهل؛ لأن من خاطب قومًا بلغتهم فقد أغراهم بأن يعتقدوا فيه أنه قد عنى ما عنوه.
وثالثها: أنه لو يقصد إفهامنا لكان عبثًا؛ لأن الفائدة في الخطاب إفهام المخاطب.
ورابعها: أنه لو جاز ألا يقصد إفهامنا بالخطاب، جازت مخاطبة العربي بالزنجية، وهو لا يحسنها، إذا كان غير واجب إفهام المخاطبين، بل ذلك أولى بالجواز؛ لأن الزنجية ليس لها ظاهر عند العربي يدعوه إلى اعتقاده معناه، ولو جازت مخاطبة العربي بالزنجية، وبين له بعد مدة، جازت مخاطبة النائم، وبين له بعد مدة، وأن يقصد الإنسان بالتصويت والتصفيق شيئًا يبينه بعد مدة
стр. 2173
فإن قلت: خطاب الزنج لا يفهم منه العربي شيئًا: فلم يجز أن يخاطبوا به، وليس كذلك خطاب العربي بالمجمل؛ لأن العربي يفهم منه شيئًا ما؛ لأن قول الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣] قد فهم منه الأمر بشيء، وإن لم يعرف ما هو.
قلت: فإن جاز أن يكون اسم الصلاة واقعًا على الدعاء، ويريد الله به غيره، ولا يبين لنا، جاز أن يكون ظاهر قوله تعالى: ﴿وأقيموا﴾ [البقرة: ٤٣] للأمر، ولا يستعمله في الأمر ولا يبين لنا ذلك، وفي ذلك مساواته لخطاب الزنج؛ لأنا لا نفهم منه شيئًا أصلاً.
وأما القسم الثاني: وهو أنه أراد إفهامنا في الحال، فلا يخلو: إما أن يريد أن يفهم أن مراده ظاهره، أو غير ظاهره:
فإن أراد الأول: فقد أراد منا الجهل.
وإن أراد الثاني: فقد أراد منا ما لا سبيل إليه.
ثم قال أبو الحسين: وهذه الدلالة تتناول العام المستعمل في الخصوص، والمطلق المفيد للتكرار المنسوخ، والأسماء المنقولة إلى الشريعة، والنكرة إذا أريد بها شيء معين؛ لأن الكل مستعمل في خلاف ظاهره.
الثاني: لو جاز أن يريد بالعموم الخصوص، ولا يبين لنا ذلك في الحال، ولا يشعرنا بأنه بخلافه، لم يكن لنا طريق إلى معرفة وقت الفعل الذي يقف وجوب البيان عليه؛ لأنه لو قيل لنا: صلوا غدًا، جوزنا أن يكون المراد بقوله: غدًا، بعد غد، وما بعده أبدًا؛ لأن كل ذلك يسمى غدًا مجازًا، ولا يبينه لنا، فلا يقف وجوب البيان على غاية، وفيه تعذر علمنا بالمراد بالخطاب.
стр. 2174
فإن قلت: إذا بين في غد صفة العبادة، ثم قال: (افعلوها الآن) علمنا أنه يجب فعلها في ذلك الوقت.
قلت: لا يصح لكم ذلك؛ لأنه يجوز أن يكون عنى بقوله: الآن وقتًا متراخيًا على طريق المجاز، ولا يبينه لنا في الحال؛ كما جاز مثله في سائر الألفاظ.
والجواب عن الأول من حيث المعارضة، ومن حيث الجواب:
أما المعارضة فمن أربعة أوجه:
أحدها: أن العموم خطاب لنا في الحال، مع أنه لا يجوز اعتقاد استغراقه عند سماعه، بل لابد من أن نفتش الأدلة السمعية والعقلية، فننظر، هل فيها ما يخصه، أم لا؟ فإن لم يوجد فيها ما يخصه، قضىَ بعمومه، وفي زمان التوقف: الخطاب بالعموم قائم مقامه، مع أنه لا يجوز اعتقاده ظاهره، فانتقض قولكم.
أجاب أبو الحسين ﵀ عنه: بأن من لم يجوز أن يسمع المكلف العام دون الخاص، لا يلزمه هذا السؤال، ومن جوز ذلك، فله أن يجيب عن السؤال بأن ما يعلمه المكلف من كثرة الأدلة والسنن، يجوز معه أن يكون فيها ما يدل على أن المراد بالخطاب غير ظاهره، فيصير ذلك كالإشعار بالتخصيص.
والجواب: أما أنه لا يجوز أن يسمع المكلف العام دون الخاص، فهذا المذهب باطل عندك، وتخريج النقض بالمذهب الباطل باطل.
وأما قوله: (علمه بكثرة السنن، كالإشعار بالتخصيص):
قلنا: فإذا جوزت أن يكون تجويزه لقيام المخصص في الحال مانعًا له من اعتقاد الاستغراق في الحال؛ فلم لا يجوز أن يكون تجويزه لحدوث المخصص في ثاني الحال مانعًا له من اعتقاد الاستغراق في الحال؟ فهذا أول المسألة.
стр. 2175
وثانيها: أجمعنا على أن يجوز تأخير بيان المخصص بزمان قصير، وأن تعطف جملة من الكلام على جملة أخرى، ثم تبين الجملة الأولى عقيب الثانية، وأن يبين المخصص بالكلام الطويل، وهذه الصور الثلاثة نقض على ما ذكره.
فإن قلت: إنا لا نجوز تأخير البيان إلا مقدار ما لا ينقطع عن السامع توقع شرط يرد على الكلام، وإنما نجوز البيان بالطويل من القول، أو الفعل، إذا لم يتم البيان إلا بهما، وإذا لم يتم إلا كذلك، لم يكن فيه تأخير البيان.
قلت: إن ظاهر لفظ العموم يفيد الاستغراق، فحالما سمع ذلك اللفظ، يتوجه عليه التقسيم الذي ذكره أبو الحسين؛ من أنه إما أن يكون غرض المخاطب به الإفهام، أو لا يكون غرضه الإفهام، والثاني باطل، فتعين الأول.
فإما أن يكون غرضه إفهام ما أشعر به الظاهر، فيكون مريدًا للجهل، أو غيره، فيكون طالبًا ما لا سبيل إليه.
فإن قلت: (تجويز السامع أن يأتي المتكلم بعد ذلك الكلام بشرط، أو استثناء، يمنعه من حمل هذا اللفظ على ظاهره).
قلت: فلم لا يجوز أن يقال في مسألتنا: تجويز السامع أن يأتي المتكلم حال إلزام التكليف بدليل مخصص يمنعه من حمل اللفظ على ظاهره؟ وهذا أول المسألة.
وثالثها: أنا نجوز أن يأمر الله - تعالى - المكلفين بالأفعال، مع أن كل واحد منهم يجوز أن يموت قبل وقت الفعل، فلا يكون مرادًا بالخطاب، وفي ذلك شككنا فيمن أريد بالخطاب، وهذا تخصيص، لم يتقدم بيانه ألبتة.
следующие страницы →