← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

بيان الملازمة أنه لو لم يجز تأخير بيان المخصص في الأعيان، لكان ذلك؛ لأن تأخيره يوهم العموم، وهو جهل، وهذا المعنى قائم في تأخير المخصص في الأزمان، فعدم الجواز هناك يقتضي عدم الجواز هاهنا. فإن قيل: الفرق من وجهين: الأول: أن الخطاب المطلق معلوم أن حكمه مرتفع؛ لعلمنا بانقطاع سبب التكليف، وليس كذلك المخصوص. وثانيهما: أن احتمال النسخ في المستقبل لا يمنع المكلف في الحال من العمل؛ أما أن احتمال التخصيص في الحال يمنعه من العمل فلأنه لا يدري أنه، هل هو مندرج تحت الخطاب أم لا؟ والجواب عن الأول: أن الله - تعالى - لو قال لنا: (صلوا كل يوم جمعة) لاقتضى ظاهره الدوام، فإذا خرج منه ما بعد الموت للدلالة، بقى الباقي على ظاهره؛ فإن جاز أن يكون حكم الخطاب مرتفعًا مع الحياة والتمكن - ولا يدل ألبتة على ذلك، وإن ظاهر الخطاب يتناوله - جاز مثله في العموم. وعن الثاني: أن الفرق الذي ذكرتموه إنما يظهر لو أخر الله تعالى البيان عن وقت الحاجة؛ أما إذا أخره عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة لم يجب على المكلف الاشتغال بالفعل فلا حاجة في ذلك الوقت إلى تمييز المكلف به عن غيره، كما لا حاجة هناك إلى تمييز وقت التكليف عن غيره. الدليل الثاني: أجمعنا على أنه يجوز أن يأمر الله تعالى المكلفين بالأفعال مع أن كل واحد منهم يجوز أن يموت قبل وقت الفعل؛ فلا يكون مرادًا بالخطاب، وفي ذلك تشكيك فيمن أريد بالخطاب، وهذا هو تخصيص، ولم يتقدم بيانه.

стр. 2172

واحتج أبو الحسين ﵀ على المنع من تأخير بيان ما له ظاهر، إذا استعمل في غيره بوجهين. الأول: أن العموم خطاب لنا في الحال بالإجماع، والمخاطب إما ألا يقصد إفهامنا في الحال، أو يقصد ذلك. والأول باطل؛ لوجوه أحدها: أنه إن لم يقصد إفهامنا، انتقض كونه مخاطبًا لنا؛ لأن المعقول من قولنا: إنه مخاطب لنا، أنه قد وجه الخطاب نحونا، ولا معنى لذلك إلا أنه قصد إفهامنا. وثانيها: أنه لو لم يقصد إفهامنا في الحال مع أن ظاهره يقتضي كونه خطابًا لنا في الحال، لكان قد أغرانا بأن نعتقد أنه قد قصد إفهامنا في الحال، فيكون قد قصد أن نجهل؛ لأن من خاطب قومًا بلغتهم فقد أغراهم بأن يعتقدوا فيه أنه قد عنى ما عنوه. وثالثها: أنه لو يقصد إفهامنا لكان عبثًا؛ لأن الفائدة في الخطاب إفهام المخاطب. ورابعها: أنه لو جاز ألا يقصد إفهامنا بالخطاب، جازت مخاطبة العربي بالزنجية، وهو لا يحسنها، إذا كان غير واجب إفهام المخاطبين، بل ذلك أولى بالجواز؛ لأن الزنجية ليس لها ظاهر عند العربي يدعوه إلى اعتقاده معناه، ولو جازت مخاطبة العربي بالزنجية، وبين له بعد مدة، جازت مخاطبة النائم، وبين له بعد مدة، وأن يقصد الإنسان بالتصويت والتصفيق شيئًا يبينه بعد مدة

стр. 2173

فإن قلت: خطاب الزنج لا يفهم منه العربي شيئًا: فلم يجز أن يخاطبوا به، وليس كذلك خطاب العربي بالمجمل؛ لأن العربي يفهم منه شيئًا ما؛ لأن قول الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ٤٣] قد فهم منه الأمر بشيء، وإن لم يعرف ما هو. قلت: فإن جاز أن يكون اسم الصلاة واقعًا على الدعاء، ويريد الله به غيره، ولا يبين لنا، جاز أن يكون ظاهر قوله تعالى: ﴿وأقيموا﴾ [البقرة: ٤٣] للأمر، ولا يستعمله في الأمر ولا يبين لنا ذلك، وفي ذلك مساواته لخطاب الزنج؛ لأنا لا نفهم منه شيئًا أصلاً. وأما القسم الثاني: وهو أنه أراد إفهامنا في الحال، فلا يخلو: إما أن يريد أن يفهم أن مراده ظاهره، أو غير ظاهره: فإن أراد الأول: فقد أراد منا الجهل. وإن أراد الثاني: فقد أراد منا ما لا سبيل إليه. ثم قال أبو الحسين: وهذه الدلالة تتناول العام المستعمل في الخصوص، والمطلق المفيد للتكرار المنسوخ، والأسماء المنقولة إلى الشريعة، والنكرة إذا أريد بها شيء معين؛ لأن الكل مستعمل في خلاف ظاهره. الثاني: لو جاز أن يريد بالعموم الخصوص، ولا يبين لنا ذلك في الحال، ولا يشعرنا بأنه بخلافه، لم يكن لنا طريق إلى معرفة وقت الفعل الذي يقف وجوب البيان عليه؛ لأنه لو قيل لنا: صلوا غدًا، جوزنا أن يكون المراد بقوله: غدًا، بعد غد، وما بعده أبدًا؛ لأن كل ذلك يسمى غدًا مجازًا، ولا يبينه لنا، فلا يقف وجوب البيان على غاية، وفيه تعذر علمنا بالمراد بالخطاب.

стр. 2174

فإن قلت: إذا بين في غد صفة العبادة، ثم قال: (افعلوها الآن) علمنا أنه يجب فعلها في ذلك الوقت. قلت: لا يصح لكم ذلك؛ لأنه يجوز أن يكون عنى بقوله: الآن وقتًا متراخيًا على طريق المجاز، ولا يبينه لنا في الحال؛ كما جاز مثله في سائر الألفاظ. والجواب عن الأول من حيث المعارضة، ومن حيث الجواب: أما المعارضة فمن أربعة أوجه: أحدها: أن العموم خطاب لنا في الحال، مع أنه لا يجوز اعتقاد استغراقه عند سماعه، بل لابد من أن نفتش الأدلة السمعية والعقلية، فننظر، هل فيها ما يخصه، أم لا؟ فإن لم يوجد فيها ما يخصه، قضىَ بعمومه، وفي زمان التوقف: الخطاب بالعموم قائم مقامه، مع أنه لا يجوز اعتقاده ظاهره، فانتقض قولكم. أجاب أبو الحسين ﵀ عنه: بأن من لم يجوز أن يسمع المكلف العام دون الخاص، لا يلزمه هذا السؤال، ومن جوز ذلك، فله أن يجيب عن السؤال بأن ما يعلمه المكلف من كثرة الأدلة والسنن، يجوز معه أن يكون فيها ما يدل على أن المراد بالخطاب غير ظاهره، فيصير ذلك كالإشعار بالتخصيص. والجواب: أما أنه لا يجوز أن يسمع المكلف العام دون الخاص، فهذا المذهب باطل عندك، وتخريج النقض بالمذهب الباطل باطل. وأما قوله: (علمه بكثرة السنن، كالإشعار بالتخصيص): قلنا: فإذا جوزت أن يكون تجويزه لقيام المخصص في الحال مانعًا له من اعتقاد الاستغراق في الحال؛ فلم لا يجوز أن يكون تجويزه لحدوث المخصص في ثاني الحال مانعًا له من اعتقاد الاستغراق في الحال؟ فهذا أول المسألة.

стр. 2175

وثانيها: أجمعنا على أن يجوز تأخير بيان المخصص بزمان قصير، وأن تعطف جملة من الكلام على جملة أخرى، ثم تبين الجملة الأولى عقيب الثانية، وأن يبين المخصص بالكلام الطويل، وهذه الصور الثلاثة نقض على ما ذكره. فإن قلت: إنا لا نجوز تأخير البيان إلا مقدار ما لا ينقطع عن السامع توقع شرط يرد على الكلام، وإنما نجوز البيان بالطويل من القول، أو الفعل، إذا لم يتم البيان إلا بهما، وإذا لم يتم إلا كذلك، لم يكن فيه تأخير البيان. قلت: إن ظاهر لفظ العموم يفيد الاستغراق، فحالما سمع ذلك اللفظ، يتوجه عليه التقسيم الذي ذكره أبو الحسين؛ من أنه إما أن يكون غرض المخاطب به الإفهام، أو لا يكون غرضه الإفهام، والثاني باطل، فتعين الأول. فإما أن يكون غرضه إفهام ما أشعر به الظاهر، فيكون مريدًا للجهل، أو غيره، فيكون طالبًا ما لا سبيل إليه. فإن قلت: (تجويز السامع أن يأتي المتكلم بعد ذلك الكلام بشرط، أو استثناء، يمنعه من حمل هذا اللفظ على ظاهره). قلت: فلم لا يجوز أن يقال في مسألتنا: تجويز السامع أن يأتي المتكلم حال إلزام التكليف بدليل مخصص يمنعه من حمل اللفظ على ظاهره؟ وهذا أول المسألة. وثالثها: أنا نجوز أن يأمر الله - تعالى - المكلفين بالأفعال، مع أن كل واحد منهم يجوز أن يموت قبل وقت الفعل، فلا يكون مرادًا بالخطاب، وفي ذلك شككنا فيمن أريد بالخطاب، وهذا تخصيص، لم يتقدم بيانه ألبتة.

стр. 2176

ورابعها: أن غير أبي الحسين من المعتزلة اتفقوا على جواز تأخير بيان النسخ إجمالاً وتفصيلاً، وحينئذ ينتقض دليلهم به؛ لأن اللفظ إذا أفاد الدوام مع أن الدوام غير مراد فإن أراد ظاهره فقد أراد الجهل، وإن أراد غير ظاهره فقد أراد ما لا سبيل إليه. وما يذكرونه من الفرق فقد ذكرناه، وأجبنا عنه. وأما من حيث الجواب فمن وجهين: الأول: أن نقول: ما المراد من قولك: المخاطب إما أن يكون غرضه إفهامنا، أو لا يكون غرضه ذلك؟. إن عنيت بالإفهام إفادة القطع واليقين، فليس غرضه ذلك، بل غرضه منه الإفهام بمعنى إفادة الاعتقاد الراجح، والظن الغالب، مع تجويز نقيضه، فلم قلت: إنه على هذا التقدير يكون عابثًا، ويكون مغريًا بالجهل؟ وبهذا الجواب: يظهر الفرق بين ما إذا كان الغرض ذلك، وبين خطاب العربي بالزنجية؛ لأن هناك لا يمكن أن يكون الغرض إفادة الاعتقاد الراجح، فإنه لا يفهم منه شيئًا. وإن عنيت به أن غرضه إفادة الاعتقاد الراجح، كيف كان، أعني القدر المشترك بين الاعتقاد الراجح المانع من النقيض، وبين الاعتقاد الراجح المجوز للنقيض، فهذا مسلم، ولكن هذا القدر لا يمنع من ورود المخصص؛ لأنه لو امتنع، لكان ذلك الاعتقاد مانعًا من النقيض مع أنا فرضناه غير مانع منه. ثم الذي يدل على أن الغرض من الخطاب إفادة أصل الاعتقاد الراجح،

стр. 2177

لا إفادة الاعتقاد الراجح المانع من النقيض: هو أن دلالة الأدلة اللفظية تتوقف على كون النحو، واللغة، والتصريف منقولاً بالتواتر، وعلى عدم الاشتراك، والمجاز، والتخصيص، والنسخ، والإضمار، والنقل، والتقديم، والتأخير، وعدم المعارض العقلي والنقلي، وكل هذه المقدمات ظني، وما يتوقف على الظني أولى أن يكون ظنيًا. فثبت أن الدلائل اللفظية لا تفيد إلا الاعتقاد الراجح، وهذا القدر لا ينافيه احتمال ورود المخصص بعده. ومما يحقق ذلك أن الغيم الرطب في الشتاء يفيد ظن نزول المطر، ثم قد لا يوجد في بعض الأوقات، ثم لا يكون هذا العدم قادحًا في ذلك الظن، وإلا لتوقف تحقق ذلك الظن على انتفاء هذا العدم. فحينئذ يكون ذلك الظن قطعًا، لا ظنًا، هذا خلف، فكذا هاهنا اللفظ العام لا يفيد إلا ظن الاستغراق، وهذا القدر لا يمنع من حدوث المخصص، والله أعلم. الوجه الثاني في الجواب: أن اللفظ العام إن وجد مع المخصص دل المجموع الحاصل منه، ومن ذلك المخصص على الخاص. وإن وجد خاليًا عن المخصص، دل هو مع عدم المخصص على الاستغراق، وذلك متردد بين هاتين الحالتين على السواء، فهو بالنسبة إلى هاتين الحالتين؛ كاللفظ المشترك بالنسبة إلى مفهوماته، والمتواطئ بالنسبة إلى جزئياته فكما أنه يجوز عند أبي الحسين ورود اللفظ المشترك والمتواطئ خاليًا عن البيان؛ لأنه يفيد أن المراد أحد تلك المسميات، فكذا هاهنا اللفظ العام قبل العلم بأنه وجد معه

стр. 2178

المخصص، أو عدم، نعلم أن المراد إما العموم أو الخصوص، ونعلم أن هذا اللفظ إن وجد معه المخصص، أفاد الخاص، وإن وجد معه عدم المخصص أفاد العام، فلا فرق بينه وبين المشترك، فكما جاز تأخير البيان، هناك، جاز هاهنا. فإن قلت: هذا عود إلى القول بأن هذه الصيغة مشتركة بين العموم والخصوص، ونحن الآن في التفريع على أنها للعموم فقط. قلت: لا نسلم أن هذا عود إلى القول بالاشتراك، وذلك أنا نسلم أنها وحدها موضوعة للاستغراق. وبهذا الكلام انفصلنا عن القائلين بالاشتراك، لكنا نقول: لا نزاع في حسن ورود المخصص، ولا نزاع في انه عند ورود المخصص لا يفيد إلا الخاص، فإذا شككنا في وجود المخصص وعدمه، لزمنا أن نشك في أنه هل يفيد الاستغراق أم لا؟؛ لأن الشك في الشرط شك في المشروط فأين هذا القول من مذهب القائلين بالاشتراك؟ والجواب عن الثاني: أن اللفظ، وإن كان محتملاً، إلا أنه قد يوجد من القرائن ما يفيد القطع بأن المراد من اللفظ ظاهره، وعلى هذا التقدير، يزول السؤال. فإن لم يوجد شيء من هذه القرائن، وحضر الوقت الذي دل ظاهر الصيغة على أنه وقت العمل، وجب عليه العمل؛ لأن الظن قائم مقام العلم في اقتضاء وجوب العمل في الحال، ولكنه لا يقوم مقامه فيما لا يتعلق به العمل فظن كون اللفظ دالاً على وجوب العمل في الحال، يكفي في القطع بعدم المخصص، فظهر الفرق، والله أعلم.

стр. 2179

القسم الثالث في وقت البيان قال القرافي: قلت: وهاهنا مباحث: (البحث الأول) أن صحيح مذهبنا جواز تكليف ما لا يطاق، فلا جرم يلزم أن الصحيح جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة فضلاً عن وقت الخطاب. (البحث الثاني) أن الجهل جهلان: جهل بسيط، وجهل مركب، فالجهل البسيط: أن يجهل، ويعلم أنه يجهل؛ كمن سئل عن شعر رأسه، هل هو جاهل بعدده أم لا؟ يقول: أعلم، وأقطع أني جاهل به. فهذا جهل بسيط. والجهل المركب: أن يجهل، ويجهل أنه يجهل؛ كاعتقادات الكفار وأرباب الأهواء ونحوها، فإنهم جهلوا الحق في نفس الأمر، وإذا قيل لهم: أنتم جاهلون أم لا؟ يقولون: نحن على علم ويقين في ذلك، فقد جهلوا الحق، وجهلوا جهلهم. وكذلك من اعتقد أن زيدًا في الدار، وليس هو في الدار، وأنه صالح، وهو غير صالح، أو بالعكس. وقد جمع المتنبي في ديوانه لشخص واحد ثلاث جهالات فقال [الطويل]: ومن جاهل بي وهو يجهل جهله .... ويجهل علمي أنه بي جاهل (البحث الثالث) أن الجهل المركب أعظم مفسدة؛ لأنه يمنع النظر في الحق والسعي في تحصيله، ويكون الجاهل فيه مفرطًا بالدخول فيه؛ فإنه لو اشتد تحرزه، لم يكن كذلك، ولأنه ليس من لوازم الخلق، فإن من الجائز على المخلوق أن

стр. 2180

يكون عالمًا بالشيء، أو جاهلاً به جهلاً بسيطًا، ولا يقع له الجهل المركب أبدًا، ولا محال في ذلك. أما الجهل البسيط: فمن لوازم البشر، وجميع من هو حي من المخلوقات، فإن الله - تعالى - هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وغير الله - تعالى - يجب أن تكون مجهولاته غير متناهية، ومعلوماته متناهية، والدخول في النقيضة التي ليست من اللوازم أقبح من الإنصاف بما لا ينفك عنه أحد. وفي هذا المقام تفرع كلام الفرق الثلاث، فنحن لما جوزنا أن الله - تعالى - يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولم نقل بالحسن والقبح العقليين، لا جرم جوزنا على الله - تعالى - أن يبتلى عباده بالجهلين البسيط والمركب، ويتأخر البيان عن وقتي الخطاب والحاجة فيما له ظاهر، وما لا ظاهر له، والمعتزلة لما قالوا بالحسن والقبح، قالوا: يجب تعجيل البيان عند وقت الخطاب؛ لئلا يوقع المتكلم السامع في الجهل بمراده، والاحتراز عن المفاسد الممكنة الرفع واجب عقلاً على أصولهم. وأما أبو الحسين: فتوسط بيننا وبينهم، فقال: أما الجهل البسيط، الذي هو من لوازم البشر: فلا غرو؛ لقلة مفسدته، فلا جرم يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب فيما لا ظاهر له؛ لأن غايته حصول الجهل البسيط بمراد المتكلم. وأما ما له ظاهر: فيتعين تقديم البيان؛ لأنه إذا لم يتبين، يعتقد السامع أن الظاهر مراد، وليس مرادًا؛ فيقع في الجهل المركب، وهو مفسدة عظيمة، وإذا تعين تعجيل البيان؛ نفيًا لهذه المفسدة، فيلغى البيان الإجمالي بأن يقول: الظاهر غير مراد، فلا يبقى مع ذلك اعتقاد أن الظاهر مراد فينتفي الجهل المركب، ويبقى الجهل البسيط بمراد المتكلم فقط. (فائدة) قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): قال المعتزلة، وأصحاب أبي

стр. 2181

حنيفة: لا بد أن يكون الخطاب متصلاً بالبيان، أو في حكم المتصل؛ احترازًا مما ينقطع بعطاس أو غيره، ومن عطف الكلام بعضه على بعض، ونحو ذلك، ووافقهم بعض الشافعية والمالكية. (البحث الرابع) أن وقت الخطاب وقت الحاجة قد يتحدان؛ كالخطاب برد الغصوب، والتوبة من الذنوب، وجميع الواجبات الفورية، فلا يتأتى هذا التفريع، بل يتفق المعتزلةة على تعجيل البيان؛ لأنهم لا يجوزون تكليف ما لا يطاق، ونجوزه نحن كما تقدم. وقد يكون وقت الخطاب غير وقت الحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] فالآن: وقت الخطاب، ووقت الحاجة بعد انسلاخ الأشهر الحرم، فيتأتى الخلاف عن الفرق الثلاثة. قوله: (ما لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة): يريد: إذا أريد بها معين، فهي حينئذ ليست ظاهرة في ذلك المعين من نوع، أو شخص، وهي ظاهرة باعتبار مسماها الكلي، فإذا قال الله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] فهو ظاهر في وجوب إعتاق رقبة واحدة. نعم؛ لو أراد به نوعًا معينًا، أو شخصًا، كان مجملاً؛ بالنسبة إلى ذلك المعين. قال سيف الدين: قال أبو إسحاق المروزي، وأبو بكر الصيرفي من الشافعية، وبعض الحنفية، والظاهرية: يمنع تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما قاله المعتزلة.

стр. 2182

وقال الكرخي وبعض الفقهاء: يجوز تأخير بيان المجمل، دون غيره. وقيل: يتأخر في الأمر والوعد والوعيد، دون الخبر. وقال الجبائي وابنه وعبد الجبار: يتأخر بيان النسخ، دون غيره. قلت: وهذا يوهم الخلاف في النسخ، والغزالي حكى الاتفاق فيه و (المحصول) حكى عن أبي الحسين فيه وجوب البيان الإجمالي، فيجمع بين هذه النقول؛ بأن يكون الاتفاق على تأخير التفصيل، والخلاف في الإجمال، وكذلك حكاه صاحب (المعتمد) في (المعتمد). قوله: (تأخير بيان النسخ فيما له ظاهر استعمل في خلافه): قلنا: هذا يتجه، إذا قلنا: الأمر للتكرار أبدًا في الأزمة الممكنة، أو يكون الدليل من خارج على التكرار بأن يكون الأمر ليس للتكرار. وتقول: افعلوا هذا أبدًا، ويكون المأمور به فعلاً واحدًا؛ كذبح إسحاق ﵇ فإن الظاهر في هذه المواطن كلها النسخ؛ على خلاف الظاهر فيها. وأما إذا قلنا بأن الأمر للمرة الواحدة، أو للقدر المشترك بين الواحدة والتكرار، فلا يكون تأخير النسخ هاهنا على خلاف الظاهر؛ بأن يكون المتكلم قد أراد، ولم يدل دليل منفصل عليه، ثم نسخه، وهذا إنما يتجه على رأي القاضي القائل بأن المنسوخ كان دائمًا في نفس الأمر، والنسخ رفع له. وأما عند الفقهاء بأن النسخ بيان، فلا يتصور أن الله - تعالى - أراد بالخطاب الدوام أصلاً، وتكون حقيقة النسخ في هذا القسم مستحيلة.

стр. 2183

قوله: (تأخير بيان الأسماء الشرعية هو تأخير بيان ما له ظاهر): يريد أنها كذلك، إذا استعملت في غير المسميات الشرعية؛ بأن يستعمل الصلاة في الدعاء، والصوم في مطلق الإمساك، ونحو ذلك. قوله: (جوز المعتزلة تأخير بيان النسخ وحده): تقريره: أن الفرق عندهم: أن النسخ، لو عجل بيانه عند ذكر المنسوخ بأن يقول: ليقف الواحد منكم لعشرة، وهذا حكمي عليكم إلى سنة، وبعده يكون الحكم وجوب الواحد للاثنين - فكان إبطالاً للنسخ؛ لأن الوجوب حينئذ ينتهي بغايته عند مجيئها، ولا يبقى نسخ، كما لو انتهى الصوم بغروب الشمس لا يقال: إنه منسوخ، فتعجيل بيان النسخ يبطل النسخ ألبتة؛ فلا جرم وجب تأخير بيانه إلى وقت النسخ، ويبقى السامع عندهم في الجهل البسيط بمراد المتكلم على الدوام أبدًا في ذلك الفعل؛ حتى يأتي الناسخ. وهذا - وإن كان على خلاف قاعدتهم - إلا أن الإجماع اضطرهم إليه، وإلا فمقتضى قاعدتهم إحالة النسخ؛ لأن فيها تجهيلاً للسامع، لكن عجزوا عن إجراء قاعدتهم فيه؛ ولا جرم ينبغي إيراده نقضًا عليهم، ويقاس عليه غيره؛ فإنه لا حيلة لهم فيه؛ لأجل الإجماع قبل ظهورهم، وهو من ضروريات الشرائع قبل شرعنا، فاضطروا إليه قهرًا. قوله: (ثم) ترد بمعنى (الواو) كقوله تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ [الأنعام: ١٥٤]، ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ [البلد: ١٧] ﴿ثم الله شهيد﴾ [يونس: ٤٦]. قلنا: (ثم) موضوعة لأن يكون الثاني بعد الأول، ومتراخيًا عنه، وقد ورد على خلاف ذلك الثاني قبل الأول؛ كقوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ [الأعراف: ١١] فالتصوير بعد الخلق؛ لأن الخلق هاهنا التقدير، كقوله تعالى: ﴿هو الله الخالق البارئ

стр. 2184

المصور﴾ [الحشر: ٢٤] فجعل المصور غير الخالق، فـ (ثم) هاهنا على حقيقتها، وبابها، و (ثم) الثانية على خلاف الحقيقة؛ فإن إسجاد الملائكة الذي ذكره نبأ واقع في الوجود قبل المذكور قبلها. وكذلك قوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا ...﴾ الآية [البلد: ١٧] مع أن الإيمان يقع أولاً قبل الإعتاق والإطعام. ومنه قول الشاعر [الخفيف]: إن من ساد ثم ساد أبوه .... ثم قد ساد قبل ذلك جده فسيادة الأب قبل الابن، وسيادة الجد قبل سيادة الأب، فاختلف النحاة والعلماء في هذه المواطن. فقال بعضهم: دخلت هاهنا لتأخير الخبر مجازًا؛ فإنها وضعت للتأخير في الخبر، فاستعملت لتأخير المخبر مجازًا، وهذا باطل؛ لأن الإخبار بما بعدها لم يتراخ في الزمان والنطق عن الأول. وقال المحققون: بل هذا من مجاز التشبيه. وتقريره: أن الرتبة العلية متراخية عن الرتبة الدنية في شرفها، وبينهما بعد معنوي، فشبه البعد بين الرتبتين بالبعد بين الزمانين، فدخلت (ثم) للتراخي بين الرتبتين، فمرتبة الإيمان أعظم من رتبة ما معها، والإسجاد للملائكة كان أبدع في الوجود من أصل الخلق؛ لأنه مستمر مع الزمان، والإسجاد لمخلوق واحد بديع، وسيادة الأب كانت أبلغ من سيادة الابن، وسيادة الجد أبلغ من سيادة الأب، وذلك أبلغ في مدح المذكور أنه وإن كان عظيمًا فأبوه كان أعظم منه، وجده كان أعظم من أبيه؛ فإن هذا يدل على تأثُّل الرئاسة.

стр. 2185

وكذلك إيتاء موسى الكتاب، وشهادة الله - تعالى - أعظم مما تقدمها، وهذا خير من القول الأول، وهما في الكتاب بمعنى (الواو)، ومهما أمكن الحمل عليه لا يعدل عنه؛ فإنه أنفس في المعنى، وقد تقدم بسطه قبل هذا. قوله: عليكم الترجيح): قلنا: القاعدة اللغوية: أن المضاف في كلام العرب يقع الاهتمام به أكثر، فإنك إذا قلت: غلام زيد منطلق، فإنك تخبر عن الغلام، وكذلك النعت والبدل ونحوه. وعود الضمائر إنما يقصد بها غالبًا المضاف دون المضاف إليه؛ ولذلك منع جمهور النحاة أن يكون الحال من المضاف إليه، وأجمعوا عليها من المضاف. إذا تقرر هذا، فقوله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٩] فقوله: (بيانه) هو اسم (إن) و (الهاء) مضاف إليها، فهي في القوة ليست مثل المضاف الذي هو البيان؛ لما تقدم، فصرف التخصيص عن القوى إلى غيره أولى من صرفه إليه، فهذا ترجيح نحوي من قواعد العربية. (سؤال) قال سيف الدين: البيان يراد به الإظهار لغة . تقول: تبيَّن الحق، وتبيَّن الكوكب، فيكون معنى الآية: إن علينا بيانه للخلق، وإظهاره فيهم، وإشهاره في الآفاق؛ فلا يكون فيها حجة على صورة النزاع. (سؤال) قلت: قوله: (إن الضمير عائد على كل القرآن) - يرد عليه أنه تقدم في

стр. 2186

وضع الحقيقة الشرعية: أن لفظ القرآن متواطئ بين الكل والبعض، فلا يكون ظاهرًا في الكل، ويؤكده قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل﴾ [القيامة: ١٦] والنهي إنما يتناول المستقبل، والمستقبل بعد هذا النهي، إنما هو بعض القرآن، وغيره من الضمائر ملحق به، لأن الأصل أن الضمائر تنسيق للتساوي. قوله: (الآية تدل على وجوب تأخير البيان): تقريره: ليس المراد - هاهنا - الوجوب الشرعي الذي هو خطاب الله - تعالى - بل المراد الوجوب العقلي الناشيء عن الخبر، فإن الله - تعالى - أخبر عن تأخير البيان؛ لكونه ورد بلفظ (ثم) الدالة على التراخي. وإذا قال القائل: جاء زيد فعمرو، فقد أخبر بالتعقيب، أو (ثم عمرو) فقد أخبر بالتراخي، أو (وعمرو) فقد أخبر بمطلق التشريك فقط، فيكون الله - تعالى - مخبرًا عن تأخير البيان، فيكون واجبًا عقلاً؛ لن خبر الله - تعالى - واجب المطابقة عقلاً، وباتفاق الأمم؛ غير أن الآية ظاهرة في هذا الوجوب، ليست قطعًا فيه؛ لأن خبر الله - تعالى - وإن كان واجب الصدق - غير أن اللفظ قابل للتخصيص، والتخصيص لا يحل بوجوب الصدق؛ لأن أيا فيما قصده المتكلم بالخبر والمخصوص لم يقصد فيه الإخبار عن ظاهره، فلا تنافي بين قبول التخصيص، ووجوب الصدق. قوله: (والجواز لم تدل عليه الآية): قلنا: لا نسلم؛ لأن الجواز له معنيان: الإمكان الخاص، والإمكان العام، والجواز بالمعنى العام لا ينافي الوجوب العقلي، بل هو شامل للوجوب والاستحالة، والجواز بخلاف الإمكان الخاص، وقد تقدم بسطه في الحسن والقبح، حيث فات في علم الله - تعالى - أن وجوبه لا ينافي صحته.

стр. 2187

قوله: المراد بالآيات التأخير في الحكم الظاهر يريد بالحكم ما تقدم. تقريره: لغيره من التأخير في الرتبة، أي رتبة حكم هذا متراخية عن رتبة هذا. قوله: (اللفظ مطلق، وتقييده خلاف الظاهر): قلنا: المطلق لا يتناول محل النزاع، إنما يتناول القدر المشترك، وأنتم حاولتم الدلالة على تأخير بيان خاص، والمطلق لا يتناوله. ولقائل أن يقول: إذا تأخر المطلق، تأخر كل أفراده؛ لأنه في معنى النفي، ويلزم من نفي المشترك نفي جميع جزئياته، فتأخر الإجمالي والتفصيلي، فهذا التقرير يتجه. أما تقرير صاحب الكتاب، فغير متجه؛ لأن السائل ما قيد مطلقًا، وإنما منع اندراج محل النزاع في الدليل، بل الأحسن أن يقول: هو عام؛ فإنه اسم جنس أضيف؛ فيعم كقوله ﵇: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) والأصل عدم التخصيص، أما الإطلاق، فليس واقعًا بل العموم. (سؤال على العموم) لأنا وإن قلنا: بل بيانه صيغة إضافة للعموم، فإنه لا يحصل المقصود؛ لأن البيان مضاف للضمير، إلا ما صدق عليه: أنه من جملة بيانه، وكونه من جملة بيان الإجمال هو موضع النزاع، فاندراجه في العموم هو فرع صدق كونه من جملة بيانه، وهذا كقوله تعال: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها﴾ [الإسراء: ١٩] لا يندرج فيه إلا السعي اللائق بها. وكذلك (الطهور ماؤه)، إنما يندرج منه ما ثبت بدليل خارجي؛ أنه ماء البحر؛ فحينئذ يحتاج كل فرد من أفراد البيان لدليل خارجي؛ أنه بيان للقرآن، ويحسن إضافته له، فلا يحصل المقصود بسبب أن الخصم لا يعتقد أن

стр. 2188

البيان الإجمالي بوصف التأخير في نفس الأمر من جملة بيانه ألبتة، بل هو مستحيل عقلاً عنده. قوله: (نحن نقول بوجوب تأخير البيان): تقريره: أن اسم الفاعل يصدق على بعضه كما تقدم، وبعض بيان القرآن تأخر بالضرورة، كما تأخر بيان مقادير الزكوات وغيرها، وإذا ثبت ذلك في البعض كان الخبر صادقًا، فأمكن القول بوجوب التأخير عقلاً؛ تصديقًا للخبر. قوله: (الآية تقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنهم كانوا محتاجين لذبح البقرة؛ لبيان أمر القتيل، ورفع الفتنة من بينهم، وأنتم لا تقولون به): قلنا: لا نسلم أنَّا لا نقول به، بل هذا هو الصحيح من مذهبنا؛ بناء على جواز تكليف ما لا يطاق، وهو الصحيح المشهور عندنا. فإن قلت: هاهنا سؤال آخر، وهو أن المصنف، إنما أجاب، بناء على أن الأمر ليس على الفور، وهذا الجواب ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه لا يعم مذاهب القائلين بالفور وغيره. وثانيهما: أن الأمر - وإن كان للتراخي - فذلك ما لم تحتف قرينة تقتضي الفور، وهاهنا قرينة، وهي الحاجة لرفع النزاع بسبب القتيل، وسد باب القتل والفساد والعناد؛ فهو للفور هاهنا. قلت: الجواب عنه: أن المقصود حاصل على كل تقدير؛ لأن الآية، إذا دلت على جواز التأخير عن وقت الحاجة، دلت على التأخير عن وقت الخطاب، لوجهين: أحدهما: أن كل من قال بتأخير البيان عن وقت الحاجة، قال بتأخير البيان عن وقت الخطاب، فلا قائل بالفرق.

стр. 2189

وثانيهما: أنه إذا ثبت تأخيره عن وقت الحاجة، جاز تأخيره عن وقت الخطاب بطريق الأولى؛ لأن المفسدة في التأخير عن وقت الحاجة أعظم. قوله: (الكنايات كنايات القصة والشأن): قلنا: هذه عبارة عادة النحاة يتوسعون فيها على هذه الطريقة، فيجمعون أبدًا بين لفظي القصة والشأن في كل ضمير يجدونه من هذا الباب، وطريق المناقشة عليهم: أن القصة مؤنثة، فضميرها لا يكون إلا مؤنثًا، والشأن مذكر، فضميره لا يكون إلا مذكرًا، فيحمل كل ضمير على ما يليق به، فهذا الضمير مؤنث، فيتعين أن يقال فيه: ضمير القصة ولا يذكر الشأن، وكذلك قوله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] ضمير الشأن فقط، وكذلك قوله تعالى: ﴿إنه من يأت ربه مجرمًا﴾ [طه: ٧٤] لأجل التذكير. وأيضًا، فإن ضمير الشأن، أو القصة أجمع النحاة على أنه لا بد في بيانه من جملة بعده لأنه لا يبين بالمفرد؛ بسبب أن الشأن والقصة في أنفسهما كلام تام، وتفسير الكلام التام بالمفرد مستحيل، إلا أن يكون اللفظ المفرد موضوعًا بإزائه، فيجمل؛ كلفظ الخبر والحديث ونحو ذلك، فإن مدلول هذه الكلمات كلام تام مفيد، فيصلح أن يفسر الشأن والقصة لحصول المطابقة في المعنى؛ بخلاف قولنا: (إنها بقرة صفراء) هذا القول بعد الضمير صفة وموصوف لا يستقل كلامًا، فيتعين أن يكون الضمير ضمير الشأن. قوله: (أمروا بذبح بقرة مطلقة، وذلك يقتضي سقوط التكليف بأي بقرة كانت): قلنا: هذا غير متجه؛ لأن مدعاكم أن المطلوب غير معين، فينبغي أن تأتوا

стр. 2190

بما يدل على سلب التعيين، وينافيه؛ حتى يستقيم الدليل، ولم تأتوا به، بل أتيتم بالمطلق الذي هو الماهية الكلية، والماهية الكلية تقبل التعيين وعدمه؛ فلا منافاة بينهما. قوله: (لو كانت الكنايات كنايات القصة، لكان الباقي بعد ذلك، وهو بقرة صفراء، غير مفيد): يريد بذلك ما تقدم من أن ضمير القصة لا بد أن يكون جملة، وهذا ليس جملة؛ لأنه غير مفيد. قوله: (الكناية يجب أن تعود على ما تقدم ذكره، والقصة والبيان لم يتقدم لهما ذكر): قلنا: قاعدة العرب: أن ضمير الشأن أو القصة لا يشترط فيه تقدم ظاهر يعود عليه، بل من شرطه ألا يتقدم ظاهر يعود عليه، بل هو ضمير لما في النفس، ولذلك احتاج للتفسير، ولو كان عائدًا على سابق، لم يحتج للتفسير. وللعرب ضمائر لا تعود على ظاهر: هذا الضميران؛ ضمير الشأن وضمير القصة، والضمير في قولهم: (ربه رجلاً). فلو قلتم: إن جعلها ضمير الشأن والقصة خلاف الأصل؛ باعتبار أن الغالب في الضمائر غير هذا الجنس، بل الضمائر التي تعود على الظواهر فاستقام قوله: (لو تقدم البيان الإجمالي، لذكره الله - تعالى - إزالة للتهمة عنهم): قلنا: لم قلتم: إن الله - تعالى - يلزمه ذلك، فكم شيء من أحوال بني إسرائيل من مصالحهم ومحاسنهم ما ذكره الله تعالى. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١] اختلف فيه العلماء:

стр. 2191

فقيل: إن نفي فعل (كاد) إثبات، وإثباته نفي، ذكره ابن جنى وغيره، فهاهنا هو نفي، فهو إثبات؛ لأنهم فعلوا. قلنا: وإذا قلنا: (كاد النعام أن يطير) هو إثبات، فهو نفي، لأنه لم يطر، ونظائره كثيرة. وقيل: بل النفي نفي، والإثبات إثبات؛ كسائر الأفعال، ومعناه أنهم كانوا بصفة تقتضي أنهم لا يذبحون، ولا يقاربون الذبح، فهو إخبار عن حالهم، لا عن الواقع من فعلهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ [النور: ٤٠] أي: حالته كذلك، وإن كان قد رآها، وخرج على ذلك جميع الصور. (فائدة) قول الناس في العادة: لا كيد، ولا كرامة، ولا عزازة؛ معناه من هذا الباب أي: لا أفعل ولا أقارب الفعل، فلا كيد هو مصدر كاد يكيد كيدًا، أي: لا أفعل، ولا أقارب الفعل، ولا مقاربة للفعل منى. (تنبيه) زاد التبريزي، فقال: ويدل على جواز التأخير قوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت﴾ [هود: ٢] و (ثم) للتراخي، ولأن معظم الشريعة وردت مجملة، ثم تدرج تفصيلها على حسب الحاجة، ووقوع الوقائع، والعلم به ضروري من الشريعة المحمدية، كقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ١١٠] ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ [الحج: ٣٠] ثم قال ﵇: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (في كل أربعين شاة شاة) (في

стр. 2192

خمس من الإبل شاة) إلى تمام كتاب الصدقات، (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) (ليس للمرء من عمله إلا ما نواه) (خذوا عني مناسككم) (لا قطع فيما دون ربع دينار) و (لا قطع في ثمر ولا كثر) ثم بين موضع القطع بفعله ﵇ (وألا يقتل والد بولده، ولا مؤمن بكافر)، (ولا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها).

стр. 2193

وقال تعالى: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] ﴿حرمت عليكم أمهاتكم ...﴾ إلى تمام المحرمات [النساء: ٢٣] ويعلم قطعًا أن جميع هذه التفاصيل لم تقترن بمدة الحمل، وأن النبي ﵇ لم يذكر عقيب كل آية عند نزول الوحي، وإملائه هذه التفاصيل، بل يقطع بتأخير بعضها عن وقت الوحي. قوله: (وأما تأخير التخصيص، فللعقل والنقل). (فائدة) قال ابن الزبعري: قال المتحدثون على الأنساب من المحدثين، يقال (الزبعري) بفتح (الباء) وكسرها . قوله: (ما) (لا تتناول من يعقل). قلنا: قد قال النحاة: إنها تتناول نوع من يعقل، وصفة من يعقل؛ كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] والمراد الطيبات من النساء وكقوله تعالى ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [سورة ص: ٧٥] والمراد آدم، فهذان موضعان ما فيهما حيلة، والآية المراد بها الموصوف بالعبادة، فيندرج فيها من يعقل، إذا حصلت تلك الصفة. قوله: (المسألة علمية، فلا تثبت بهذا الخبر؛ لأنه من أخبار الآحاد): قلنا: قد تقدم أن مسائل أصول الفقه العلمية: مدرك العلم فيها إنما يحصل بسبب كثرة مطالعة أحوال الصحابة - رضوان الله عليهم - وفتاويهم ومناظراتهم، واستقراء النصوص، فمن بالغ في ذلك حصل له العلم بهذه المسائل، وليس في القدرة أن يوضع ذلك في كتاب، بل يوضع في الكتب

стр. 2194

ما ينبه على ذلك، ونظير ذلك: أنا نقطع بسخاء حاتم، وشجاعة عليٍّ؛ بسبب كثرة الاستقراء، ولو لم نجد لهما إلا سطورًا في كتاب، لم يحصل العلم، كذلك هذه المسائل تمسك فيها بأخبار الآحاد، والعلم يحصل لمن حصل له ذلك الاستقراء. قوله: (يدل على أن (ما) للعقلاء قوله تعالى: ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣] ﴿والسماء وما بناها﴾ [الشمس: ٥] ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: ٣]): قلنا: لا حجة في هذه الآيات؛ لأن (ما) فيها مصدرية تقديره: وخلق الذكر والأنثى، والسماء وبنائها، ولا أنتم عابدون عبادتي. قوله: (اتفق أهل اللغة على ورودها بمعنى (الذي) و (الذي) يتناول العقلاء، فكذلك (ما): قلنا: لا حجة في هذا؛ لأن (الذي) وضعت للقدر المشترك بين العقلاء وغير العقلاء؛ إما مفهوم الوجود الذي يتصف بصلتها، أو المعلوم الموصوف بالصلة. وعندنا: (ما) وضعت لأحد نوعي ما وضعت له (الذي) و (من) وضعت للنوع الآخر، فإذا قلت: (رأيت ما عندك) فمعناه: الذي عندك فعبرنا عن ذلك الذي لا يعقل بـ (ما)، كما يعبر عنه بـ (الذي) عندك، فهي مرادفة لها في أحد نوعيها؛ فلا يلزم من صدقها بمعنى (الذي) في ألف صورة مما لا يعقل، وصحة التعبير بكليهما عن تلك الألف - أن تكون موضوعة للعقلاء، وإنما يتم ذلك أن لو نقلتم عن أهل اللغة أنها تستعمل فيما يعبر عنه بـ (الذي) في جميع ما يعبر عنه بـ (الذي) أما في بعض ما يعبر عنه بـ (الذي) فلا يفيد شيئًا؛ لاحتمال وقوع الترادف بينهما؛ لأن (ما) موضوعة لأخص مما وضعت له (الذي) والموضوع للأخص لا يرادف ما وضع للأعم.

стр. 2195

ونظير (ما) و (الذي) في مواردهما على شيء واحد؛ كترادف (الإنسان) و (الحيوان) على الرجال والنساء يقال لكل واحد منهما: إنسان وحيوان، ويعبر عنه بكلا اللفظين، ولا ترادف بينهما. ولفظ (الذي) كلفظ (الحيوان) موضوع للأعم، ولفظ (من) كلفظ (الإنسان) موضوع للأخص، ولفظ (ما) موضوع للنوع الآخر الذي هو غير الناطق فـ (ما) و (من) و (الذي) متباينة؛ كالحيوان، والإنسان، وغير الناطق، وإن كانت (من) تستعمل بمعنى (الذي) و (ما) بمعنى (الذي) كما يستعمل الإنسان بمعنى يصدق عليه لفظ الحيوان، ولفظ الفرس؛ مع أن الحيوان والإنسان والفرس متباينة. فتأمل هذا المكان؛ فكثير من النحاة اغتر به، ويقول: (ما) تكون بمعنى (الذي)، و (الذي) موضوع للعقلاء، فـ (ما) موضوع للعقلاء، ووجه الغلط في هذا الإنتاج من جهة المنطق، وصناعته في البراهين جاء من جهة أن هذا الدليل مركب من الشكل الأول، ومن شرطه أن يكون كبراه كلية، وهي هاهنا جزئية؛ لأن تقدير الكلام والتركيب في الدليل مدلول (ما) مدلول (الذي)، وبعض مدلول (الذي) عقلاء، ولو صرح بهذا منعناه صحة المقدمة الكبرى، لكن يقع في الكلام تلفيف، فلا يكاد يتفطن لوجه الغلط في الترادف؛ ولا في الدليل، وكلاهما باطل، كما ترى. (فائدة) قال سيف الدين: قال النبي ﵇ لابن الزبعرى لما ذكر: (ما أجهلك بلغة قومك؟ أما علمت أن (ما) لما لا يعقل، و (من) لمن يعقل) وهذا يسقط أصل الاستدلال بالآية والحديث؛ لأن اتباع النبي ﵇ أولى من ابن الزبعرى.

стр. 2196

قوله: (لو قال: ما في ملكي صدقة، أو ما في بطن جاريتي حر، تناول الإنسان): قلنا: أما قوله: صدقة، فأمكن النزاع في أنه يجب عليه التصدق برقيقه؛ بمقتضى اللفظ لغة. ويقول القائل: لا يتناول الإنسان إلا بقرينة تدل على أن المقصود العقلاء وغيرهم، إما لأن أهل اللغة يقصدون ذلك، أو قرينة تخص القائل لذلك. وأما قوله: (ما في بطن أمتي حر)، فهذه قرينة ضرورية أنه ما أراد إلا الإنسان، فإنه لا يكون ما في بطنها يقبل العتق إلا ذلك، ومتى دلت القرينة حصل الاتفاق؛ فإن لفظ (ما) يصح استعماله في العقلاء اتفاقًا، إنما النزاع في كون ذلك الاستعمال حقيقة، أو مجازًا. قوله: (كان من العرب من يعبد الملائكة): تقريره: أن العرب لم يكن لها دين مطرد، بل كانوا أشتاتًا، فكل فرقة على دين من جاورت، فكان بعضهم يهود لمجاورتهم اليهود، وبعضهم نصارى، وبعضهم يعبد الكواكب، وبعضهم الأصنام، وبعضهم دهرية. قوله: (بينا أن التمسك بالأدلة اللفظية، حيث كان، لا يفيد اليقين): قلنا: الذي تقدم بيانه: أن الألفاظ لا تفيد اليقين؛ من حيث الوضع فقط، وإنما إذا احتفت بها قرائن الاستعمال، حصلت اليقين، فلا تفيد أن جميع ما يستدل به في هذه المسألة لا يفيد اليقين. قوله: (لو امتنع التخصيص في الأعيان، لكان؛ لأن تأخيره يوهم العموم، وهذا قائم في تأخير البيان في الأزمان، فعدم الجواز هناك يقتضي عدم الجواز هنا): قلنا: هذا النظم فيه إشكال؛ لأن صيغة هناك للبعيد، وهاهنا للقريب،

стр. 2197

والعادة: أن صورة النزاع يشار إليها بالقريب، والمنظر به يشار إليه بالبعيد، وأنتم هاهنا قررتم أن الملزوم الموجب هو المفسدة في صورة النزاع، فكان حق الدليل أن يكون هكذا، لو امتنع هاهنا لإيهام العموم، وهو جهل، لامتنع هناك في النسخ، لإيهامه عموم الأزمان، ثم تقولون: فعدم الجواز هاهنا يقتضي عدم الجواز هناك؛ لأن وجود الملزوم هو الذي يوجب وجود اللازم، ثم تقولون: لكن عدم الجواز هنالك باطل إجماعًا، فينتفي ملزومه، وهو عدم الجواز هاهنا. أما قولكم: (عدم الجواز هناك يقتضي عدم الجواز هاهنا) فعكس مقصود النظم؛ لأنكم جعلتم الملزوم ينشأ عن اللازم، وليس كذلك، واعتبرت عدة نسخ، فوجدتها هكذا، وصوابه: فعدم الجواز هاهنا يقتضي عدم الجواز هناك. ثم ما ذكرتموه من الملازمة غير مسلم؛ لأن الفرق: أن تعجيل الإعلام بالنسخ يفضي إلى إبطال حقيقة النسخ، ويكون الفعل ينتهي بوصوله لغايته لا بالناسخ، ولا يصير يقبل النسخ؛ كما لو قال الله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] لا يتصور أن يقال: إنه نسخ الصوم عند دخول الليل، بل انتهى بغايته بانقطاع سبب التكليف. قلنا: هذا الكلام فيه بعد عما نحن فيه؛ لأن ظاهره يقتضي أن حكم الخطاب مرتفع بعد الموت، وكذلك حصل الجواب عنه من المصنف بما يقتضي هذا، مع أن خروج ما بعد الموت ليس من باب النسخ في شيء، بل ذلك تخصيص، فإن النسخ إنما يتصور فيه أن لو اعتقدنا أن الله - تعالى - أراده، ولا يتصور ذلك، بل نحن نعتقد أن الشرائع كلها ما أراد الله - تعالى - بقاء شيء منها يجري حكمه التكليفي على الموتى، كما كانوا في الحياة، فهذا كلام حائد عن الملازمة المتقدمة. قوله: (احتمال التخصيص يمنع):

стр. 2198

قلنا: لا نسلم؛ لأن الاحتمال لا يمنع من ظهور العموم، فالعمل بالظن واجب على المكلف. قوله: (يجوز أن يأمر الله - تعالى - المكلفين مع أنه يجوز أن يموت بعضهم قبل الوقت، وهذا تخصيص لم يتقدم بيانه): قلنا: لا نسلم أنه لم يتقدم بيانه؛ لأن العقل والسمع دل على أن جميع التكليف يرد مشروطًا بالقدرة، وانتفاء الموانع العادية، والشرعية من الحيض، والجنون، والإغماء، والنوم، والعجز، بالهرم، ونحو ذلك، فعند الخصم: ذلك مستثنى بالعقل. وعندنا وعنده أيضًا بالنصوص الواردة في تلك الوقائع؛ على التفصيل المعلوم عند حملة الشريعة، ومنها ما هو معلوم بالضرورة؛ كالموت ونحوه، فيصير معنى صيغ التكاليف: أن من كان موصوفًا بهذه الصفات من القدرة وغيرها، فهو المراد، وهذا لم يدخل فيه تخصيص ألبتة، ومن ليس موصوفًا بتلك الصفات، فهو معلوم الخروج من صيغ التكاليف، خصوصًا الموتى، فإنهم معلومو الخروج بالضرورة. (سؤال) قال ابن التلمساني في (شرح المعالم): المعتزلة تمنع التكليف في حق من علم الله - تعالى - أن شرط الفعل في حقه مفقود، وقد تقدم ذلك في الأوامر . قلت: كلامه لا يتجه؛ لأن التكليف إذا لم يتناوله - بناء على قاعدتهم، مع أن اللفظ تناوله - كان ذلك تخصيصًا ناجزًا. قوله: (لا معنى لتوجيه الخطاب نحونا، إلا قصد إفهامنا): قلنا: لا نسلم؛ بل قد يوجه الخطاب نحو المخاطب، ويقصد الإلباس

стр. 2199

عليه؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، أو لا يكون المتكلم حكيمًا، فلا يراعي المصلحة، وعلى كل تقدير فيصدق عليه أنه مخاطب له. قوله: (إذا لم يقصد إفهامنا في الحال، فقد أغرانا بالجهل): قلنا: حديث الجهل ونحوه لا يصح عندنا منه شيء؛ لأنا لا نقول بالقبح العقلي، وكذلك العبث ونحوه. قوله: (جاز أن يستعمل الأمر في غير موضوعه، وذلك مساو لخطاب الزنجي بالعربية): قلنا: لا نسلم المساواة؛ لأن السامع، وإن جوز صرف الأمر عن ظاهره، لكنه يعلم من لغة العرب أن المجاز لابد فيه من علاقة، فالعلاقة مرشدة لما يصلح أن يكون مجازًا، فيقع التردد بين الحقيقة وبين ما يصلح أن يكون مجازًا وهو محصور؛ بخلاف الزنجي لا ينضبط له ذلك بشيء. قوله: (هذه الدلالة تتناول استعمال المطلق في المقيد، ثم قال: والنكرة في المعين): قلنا: ما الفرق بين المطلق والنكرة، وهل هما إلا سواء، وقد تقدم البحث في هذا في أول العموم في الفرق بين المطلق والعام، مما انفرد به صاحب (الحاصل). نعم المطلق أعم من المعين، فإن كل معين فلابد له من مخصصات هي قيوده، والمقيد قد يكون نوعًا؛ كما يقيد الحيوان بالناطق، وقد يكون شخصيًا؛ كما تقدم. قوله: (لو جاز إطلاق العموم، ويريد الخصوص، ولا يبين، لم يبق لنا طريق إلى معرفة وقت الفعل؛ لأنه إذا قال: افعلوا غدًا أو الآن، جاز أن يريد غير غد، وغير الآن، ونحن لان نعلمه):

стр. 2200

قلنا: هذا الاحتمال لا يمنع الظهور والظن، والعمل بالظن واجب. قوله: (لا يجوز اعتقاد العموم إلا بعد الفحص عن المخصص). قلنا: قد تقدم الخلاف في هذه المسألة في التخصيص بين الصيرفي، وابن سريج، ورجحتم هنالك مذهب الصيرفي، وهاهنا رجحتم مذهب ابن سريج، غير أن تلك المسألة فهرست هنالك بجواز التمسك بالعام، قبل طلب التخصيص، وهاهنا بالاعتقاد، وقد بينا في تلك المسألة: أن فهرستنا خلاف الإجماع، وأن المقصود إنما هو الاعتقاد. قوله: (إذا جوزتم أن يكون تجويزه لقيام المخصص في الحال مانعًا من اعتقاد الاستغراق في الحال، فلم لا يجوز أن يكون تجويز الحدوث في ثاني الحال مانعًا من اعتقاد الاستغراق؟): قلنا: الفرق أن المتكلم هنالك أبدى المخصص، وإنما لم يصل لهذا لقصوره غالبًا؛ فلا قبح من جهة المتكلم، وهاهنا لم يبين المتكلم شيئًا، فكان القبح من جهته لا من تقصير السامع، والبحث في هذه المسألة، إنما هو فيما يتعلق بالقبح من جهة المتكلم فقط. قوله: (يجوز تأخير البيان بالزمان القصير، وأن يعطف كلامًا على كلام قبل البيان): قلنا: المدار في هذه المسألة على القبح العادي؛ لأنه عند المعتزلة عقلي، فإنهم سووا في حق الله- تعالى- بين العاديات والعقليات، فكل ما يقبح عادة جعلوه يقبح عقلًا، وهذه الصورة ليس فيها قبح عادي؛ بخلاف ما نحن فيه. قوله: (العموم لا يفيد إلا الاعتقاد الراجح؛ لتوقفه على أمور عشرة). قلنا: هذا بالنظر إلى الوضع، وأما بالنظر إلى القرائن الحالية والمقالية،

стр. 2201

فقد يحصل القطع بظاهر العموم، ويتعذر التخصيص لغة وعادة، وقد تقدم تقريره في فصل التأويل عند ذكر المجمل، والمؤول؛ لإمام الحرمين. قوله: (تردد العام بين الخصوص إن وجد معه المخصص، والعموم، إن عدم المخصص- كتردد المشترك): قلنا: أبو الحسين يفرق؛ فيقول: التردد في المشترك لا يوجب جهلًا مركبًا، وهاهنا يوجبه، وقولكم: (الشك في الشرط الذي هو ورود المخصص يوجب الشك في المشروط الذي هو العموم): قلنا: عنه جوابان. أحدهما: أن التخصيص من قبيل الموانع، لا أن عدمه شرط، وقد تقدم أن لاشك في المانع يوجب غلبة الظن بترتيب الحكم؛ لأن الأصل في كل شيء العدم، ولذلك رتبنا الأحكام الشرعية على أسبابها في هذه المواطن، فإذا شك هل طلق أم لا؟ فلا شيء عليه، أو هل ارتد أم لا؟ ورثناه، أو قتل أم لا؟ عصمنا دمه وعلى هذه الطريقة. فعلمنا أن الشك في المانع لا يمنع من ترتيب أحكام السبب، ويظهر بهذا أيضًا أن عدم المانع ليس شرطًا. وكثير من الفقهاء يغلظ فيه؛ فيقول: عدم المانع شرط؛ لأن الشك في الشرط يوجب ترتب الحكم على سببه؛ كالشك في الطهارة والنية، وغير ذلك، فلو كان عدم المانع شرطًا، لوجب الترتب لكونه عدم مانع، وعدم الترتب لكونه شرطًا، إذا حصل الشك، فيلزم اجتماع النقيضين. وثانيهما: سلمنا أنه شرط، لكن لا نسلم أن الشك حاصل، بل تجويزه على التأويل، وذلك احتمال خفي لا يمنع الظن والاعتقاد؛ بخلاف اللفظ المشترك لا يحصل فيه ظن البتة، فلا يكون الجهل المركب حاصلًا، فلا مفسدة في تأخير البيان عن وقت الخطاب.

стр. 2202

(سؤال) قال النقشواني: الفرق عند المعتزلة بين التخصص والنسخ: أن المكلف يمكنه أن يعتقد أنه مهما بقى أصل الخطاب، فالعمل باق مع تجويزه النسخ، ولا يمكنه أن يعتقد أنه مهما فقد المخصص، كان العموم للاستغراق، كما أنا نعتقد أنه مهما بقى أصل عقد البيع، فالملك باق، فكذلك النسخ. وإذا تقدم البيان الإجمالي في النسخ، لا يمنع ذلك ورود النسخ بعد ذلك، لأنه بالبيان الإجمالي لا يصير مغيًا بغاية، وبالتفصيلي يصير مغيًا بغاية، فيتعذر أن يكون نسخًا؛ لأنه ينتهي لغايته؛ بخلاف الإجمالي. والتخصيص لا يبطل بتقدم البيان. (سؤال) قال التبريزي: البيان والتخصيص تارة يكون كليًا؛ كتخصيص الموتى، وأرباب الأعذار من التكاليف، وتارة يكون جزئيًا، كإخراج زيد بخصوصه، وتعيينه للإخراج، أو إخراج نوع معين. وعلى هذا؛ من مات قبل وقت الخطاب، هو معلوم التخصيص بالبيان الكلي، فلم يكن بيانًا تأخر عن وقت الخطاب. (تنبيه) زاد سراج الدين؛ فقال: في التخصص بالموت شرط وجود المخصص، والمخصص العقلي معلوم في الأزمان دون الأعيان . قلت: وبسط هذه العبارة بما تقدم، وقال على قوله: ينتقض بالكلام الطويل الذي يأتي الكلام بعده: فإنا نعيد التقسيم الذي ذكره أبو الحسين.

стр. 2203

وينتقض أيضًا بتوقع شرط يتعقب الكلام يمنع من الحمل على الظاهر. قال في هذا: ولقائل أن يقول: الاحتمالان المذكوران في الصورتين راجحان في الاحتمال المذكور في صورة النزاع، فمنع الراجح من الحمل على الظاهر لا يستلزم منع المرجوح منه. قلت: هو يريد أن احتمال توقع البيانات قبل السكوت وفراغ الكلام راجح؛ لأن الكلام بآخره، فهذا الرجحان يمنع من الحمل على العموم وغيره، فلا يحصل الجهل المركب، واحتمال المخصص في صورة النزاع حيث فرغ الكلام، وتراخى الزمان مرجوح، فلا يمنع من الحمل، فيحصل الجهل المركب، فلا يلزم من منع ذلك منع هذا. وقال في قوله: إن تردد العموم بين اقتران المخصص وعدمه، كتردد المشترك، فقال: ولقائل أن يقول: الإفهام بمعنى إفادة ظن الظاهر إرادة الظن الكاذب، وأنه يمنع، وأما تسوية الاحتمالين فممنوع لا كالمجمل والمتواطئ. قلت: يريد أن الإفهام؛ إذا كان معناه أنه أفهمنا أن الظاهر مراد، فقد أراد منا الظن الكاذب، والوقوع في الجهل، وهو محال عند المعتزلة. وأما أن الاحتمالين سواء، فذلك ممنوع، بل الظن يحصل من العام عند عدم المخصص، ويكون ظنًا كاذبًا. * * *

стр. 2204

المسألة الثالثة قال الرازي: وأما الخطاب الذي لا ظاهر له، وهو الاسم المشترك؛ كالقرء بين الطهر والحيض، فإن له ظاهرًا من وجه دون وجه: أما الوجه الذي يكون ظاهرًا فيه: فهو أنه يفيد أن المتكلم لم يرد شيئًا غير الطهر وغير الحيض، وأنه أراد إما هذا، وإما هذا، فمن هذا الوجه لا يحتاج إلى بيان. وأما الوجه الذي يكون غير ظاهر فهو أنه لا يفيد أي الأمرين أراده المتكلم الطهر أو الحيض؟ ولا يجب أن يقترن به بيان في الحال. والدليل عليه: أن الاسم المشترك يفيد أن المراد إما هذا، وإما هذا، من غير تعيين، وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه؛ لأن الإنسان قد يقول لغيره: (لي إليك حاجة مهمة أوصيك بها) ولا يكون غرضه في الحال إلا الإعلام بهذه الجملة. وقد يقول: رأيت رجلًا في موضع كذا، وهو يكره وقوف السامع على عينه، أو يكره وقوفه عليه من جهته، ولهذا وضع في اللغة ألفاظ مهمة، كما وضعت ألفاظ لمعان معينة. قال الله تعالى: ﴿ورسلا لم نقصصهم عليك﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿فيضاعفه له أضعافًا كثيرة﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وأيضًا: فقد يحسن من الملك أن يدعو بعض عماله، فيقول له: (قد وليتك البلد الفلاني، فاخرج إليه ف يغد، وأنا أكتب إليك بتفصيل ما تعلمه، ويحسن

стр. 2205

من أحدنا أن يقول لغلامه: (أنا آمرك أن تخرج إلى السوق يوم الجمعة، وتبتاع ما أبينه لك يوم الجمع) ويكون القصد بذلك التأهب لقضاء الحاجة، والعزم عليها. وهذا هو نظير ما اخترناه من تأخير بيان المجمل. وإذا كان كذلك: ثبت أنه يجوز إطلاق اللفظ المشترك، من غير بيان التعيين. فإن قلت: الغرض من التكليف هو الفعل، والعلم والاعتقاد تابعان، وهذا الإبهام يخل بالتمكين من الفعل. قلت: الغرض من التكليف قبل الوقت هو العلم، لا الفعل، فأما في وقت الحاجة فالغرض هو الفعل، وهناك يجب البيان. احتجوا: بأنه لو حسنت المخاطبة بالاسم المشترك، من غير بيان في الحال لحسنت مخاطبة العربي بالزنجية، مع القدرة على مخاطبته بالعربية، ولا يبين له في الحال، والجامع أن السامع لا يعرف مراد المتكلم بهما على حقيقته. فإن قلت: الفرق: أن العربي لا يفهم من الزنجية شيئًا، وهاهنا يفهم أن المراد أحد معنيي الاسم. قلت: إما أن تعتبروا في حسن الخطاب حصول العلم بكمال المراد، أو تكتفوا بمعرفة المراد من بعض الوجوه. والأول: يقتضي امتناع تأخير بيان المجمل. والثاني: يوجب حسن مخاطبة العربي بالزنجية؛ لأن العربي إذا عرف لغة

стр. 2206

الزنجي المخاطب له علم أنه قد أراد بخطابه شيئًا ما، إما الأمر، وإما النهي، وإما غيرهما. والجواب: أن المعتبر في حسن الخطاب أن يتمكن السامع من أن يعرف به ما أفاده الخطاب. وهذا التمكن حاصل في الاسم المشترك؛ لأنه موضوع لأحد هذين المعنيين، والسامع فهم ذلك منه؛ بخلاف العربي، فإنه لا يتمكن من أن يعرف ما وضع له خطاب لزنجي، فوضح الفرق، والله أعلم. المسألة الثالثة في الخطاب الذي لا ظاهر له قال القرافي: قوله: (لأن المشترك يفيد أن المراد إما هذا، وإما هذا من غير تعيين، وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه): تقريره: أن المشترك يفيد أن المراد إما هذا عينًا، أو ذاك عينًا، وليس المراد أنه يفيد مطلق أحدهما الذي هو مشترك بينهما؛ كما قلنا في خصال الكفارة، وتكون الخصوصات ساقطة عن الاعتبار، بل المراد هاهنا معين، والتردد بين التعينات في ظن السامع، لا في نفس الأمر. * * *

стр. 2207

المسألة الرابعة قال الرازي: يجوز أن يؤخر الرسول- ﵇ تبليغ ما يوحى إليه إلى وقت الحاجة، وقال قوم: يجب تقديمه عليه. لنا: أن في المشاهد قد يكون تقديم الإعلام على حضور وقت العمل قبيحًا، وقد يكون ترك التقديم قبيحًا، وقد يكون بحيث يجوز الأمران. وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يعلم الله تعالى اختلاف مصلحة المكلفين في تقديم الإعلام، وفي تركه، فيلزم ألا يكون التقديم واجبًا على الإطلاق. احتجوا: بقوله: ﴿يأيها الرسول، بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧] والأمر للفور. والجواب: لا نسلم أنه للفور، سلمناه؛ لكن المراد بذلك هو القرآن؛ لأنه هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل من الله تعالى، والله أعلم. المسألة الرابعة يجوز أن يؤخر الرسول- ﵇ تبليغ ما يوحى إليه. قال القرافي: قوله: (قد يكون تقديم الإعلام قبيحًا): تقريره: أن الله- تعالى- إذا أمر نبيه- ﵇ بقتال أهل (مكة) بعد سنة، فإنه إذا بلغه من الآن للخلق، شاع وذاع، ووصل للعدو، فاستعد وأدى ذلك إلى فساد عظيم في القتال، وذهاب الأنفس والأموال، فيكون الإعلام من حين النزول ممنوعًا، والتأخير متعينًا.

стр. 2208

قوله: (القرآن هو الذي يطلق عليه أنه منزل من عند الله تعالى): تقريره: أن لفظ التنزيل اشتهر في القرآن في عرف الاستعمال، وإلا فالسنة أيضًا وحي منزل؛ لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣، ٤]. وقال بعض السلف: (اشتغلت بالقرآن سنة، وبالوحي سنتين) يريد بالوحي الأحاديث النبوية. (فائدة) أشكل على جمع كثير معنى قوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [ المائدة: ٦٧]، ويوردونه على الفضلاء. ومعناه: وإن لم تفعل بمقتضى ما بلغت، فأنت في حكم غير مبلغ؛ كقولك لطالب العلم: إن لم تعمل بما عملت، فأنت لم تتعلم شيئًا، أي: أنت في حكم الجاهل، بل لعل الجاهل أفضل منك؛ لأن الحجة قائمة بحصول العلم أكثر، وهذا بناء على قاعدة العرب، وهي نفي الشيء لنفي ثمرته، كما قال تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم﴾ [التوبة: ١٢] فنفى أيمانهم؛ لعدم حصول المقصود منها، وهو التوثقة. وقال الشاعر: [الطويل] وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمخضوب البنان يمين وقال تعالى: ﴿صم بكم عمي﴾ [البقرة: ١٨] نفى عنهم الحواس؛ لنفي الانتفاع بها، ومنه قوله تعالى: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠] مع أنهم كانوا يسمعون ويعقلون، وهو كثير جدًا، فمعنى الآية الحض على العمل، وأنه بمثابة إذا لم يوجد العمل، يصير- ﵇ بمنزلة غير المبلغ؛ مجازًا؛ كما تقدم.

стр. 2209

القسم الرابع في المبين له، وفيه مسائل قال الرازي: المسألة الأولى: الخطاب المحتاج إلى البيان يجب بيانه لمن أراد الله إفهامه، دون من لم يرد أن يفهمه. أما الأول: فلأنه لو لم يبينه له، لكان قد كلفه ما لا سبيل له إلى العلم به. وأما الثاني: فلأنه لا تعلق له بذلك الخطاب، فلا يجب بيانه له، ثم الذين أراد الله منهم فهم خطابه ضربان: أحدهما: أراد منهم فعل ما تضمنه الخطاب، إن كان ما تضمنه الخطاب فعلًا. والآخر: لم يرد منهم الفعل. والأولون هم: العلماء، وقد أراد الله تعالى أن يفهموا مراده بآية الصلاة، وأن يفعلوها. والآخرون هم: العلماء في أحكام الحيض؛ فقد أريد منهم فهم الخطاب، ولم يرد منهم فعل ما تضمنه الخطاب. والذين لم يرد الله تعالى أن يفهموا مراده، ولم يوجب ذلك عليهم ضربان: أحدهما: لم يرد منهم أن يفعلوا ما تضمنه الخطاب. والآخر: أراد منهم الفعل.

стр. 2210

والأولون هم: أمتنا مع الكتب السالفة؛ لأن الله تعالى ما أراد أن يفهموا مراده بها، ولا أن يفعلوا مقتضاها. والآخر هو: النساء في أحكام الحيض؛ لأن الله تعالى أراد منهن التزام أحكام الحيض؛ بشرط أن يفتيهن المفتي، ولم يوجب عليهن فهم المراد بالخطاب؛ لأنه لم يوجب عليهن سماع أخبار الحيض، فضلًا عن بيان مجملها، وتخصيص عامها. القسم الرابع في المبين له قال القرافي: قوله: (لم يرد الله- تعالى- من هذه الأمة فهم الكتب السالفة، ولا أن يعملوا بمقتضاها): قلنا: هذا يصدق بطريقين: أحدهما: أنه لم يوجب علينا فهم جميع ما فيها. والثاني: أنه لم يوجب شيئًا من مقتضاها؛ من حيث هو مقتضى لها، وإن أراد إفهامنا بعض ما فيها من جهة أنه مقتضى ما أوحي إلينا، هذان معنيان صحيحان. وأما أنه ما أراد إفهامنا شيئًا مما تضمنته مطلقًا، فليس كذلك؛ لأن فيها قواعد العقائد من الوحدانية وغيرها، وكليات الشرائع؛ كالكليات الخمس في حفظ الدماء وغيرها. وقد أراد الله- تعالى-أن نفهم ذلك بالضرورة، لكن من كتبنا لا من تلك الكتب.
следующие страницы →