Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
الزنجي المخاطب له علم أنه قد أراد بخطابه شيئًا ما، إما الأمر، وإما النهي، وإما غيرهما.
والجواب: أن المعتبر في حسن الخطاب أن يتمكن السامع من أن يعرف به ما أفاده الخطاب.
وهذا التمكن حاصل في الاسم المشترك؛ لأنه موضوع لأحد هذين المعنيين، والسامع فهم ذلك منه؛ بخلاف العربي، فإنه لا يتمكن من أن يعرف ما وضع له خطاب لزنجي، فوضح الفرق، والله أعلم.
المسألة الثالثة
في الخطاب الذي لا ظاهر له
قال القرافي: قوله: (لأن المشترك يفيد أن المراد إما هذا، وإما هذا من غير تعيين، وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه):
تقريره: أن المشترك يفيد أن المراد إما هذا عينًا، أو ذاك عينًا، وليس المراد أنه يفيد مطلق أحدهما الذي هو مشترك بينهما؛ كما قلنا في خصال الكفارة، وتكون الخصوصات ساقطة عن الاعتبار، بل المراد هاهنا معين، والتردد بين التعينات في ظن السامع، لا في نفس الأمر.
* * *
стр. 2207
المسألة الرابعة
قال الرازي: يجوز أن يؤخر الرسول- ﵇ تبليغ ما يوحى إليه إلى وقت الحاجة، وقال قوم: يجب تقديمه عليه.
لنا: أن في المشاهد قد يكون تقديم الإعلام على حضور وقت العمل قبيحًا، وقد يكون ترك التقديم قبيحًا، وقد يكون بحيث يجوز الأمران.
وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يعلم الله تعالى اختلاف مصلحة المكلفين في تقديم الإعلام، وفي تركه، فيلزم ألا يكون التقديم واجبًا على الإطلاق.
احتجوا: بقوله: ﴿يأيها الرسول، بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧] والأمر للفور.
والجواب: لا نسلم أنه للفور، سلمناه؛ لكن المراد بذلك هو القرآن؛ لأنه هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل من الله تعالى، والله أعلم.
المسألة الرابعة
يجوز أن يؤخر الرسول- ﵇ تبليغ ما يوحى إليه.
قال القرافي: قوله: (قد يكون تقديم الإعلام قبيحًا):
تقريره: أن الله- تعالى- إذا أمر نبيه- ﵇ بقتال أهل (مكة) بعد سنة، فإنه إذا بلغه من الآن للخلق، شاع وذاع، ووصل للعدو، فاستعد وأدى ذلك إلى فساد عظيم في القتال، وذهاب الأنفس والأموال، فيكون الإعلام من حين النزول ممنوعًا، والتأخير متعينًا.
стр. 2208
قوله: (القرآن هو الذي يطلق عليه أنه منزل من عند الله تعالى):
تقريره: أن لفظ التنزيل اشتهر في القرآن في عرف الاستعمال، وإلا فالسنة أيضًا وحي منزل؛ لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣، ٤].
وقال بعض السلف: (اشتغلت بالقرآن سنة، وبالوحي سنتين) يريد بالوحي الأحاديث النبوية.
(فائدة)
أشكل على جمع كثير معنى قوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [ المائدة: ٦٧]، ويوردونه على الفضلاء.
ومعناه: وإن لم تفعل بمقتضى ما بلغت، فأنت في حكم غير مبلغ؛ كقولك لطالب العلم: إن لم تعمل بما عملت، فأنت لم تتعلم شيئًا، أي: أنت في حكم الجاهل، بل لعل الجاهل أفضل منك؛ لأن الحجة قائمة بحصول العلم أكثر، وهذا بناء على قاعدة العرب، وهي نفي الشيء لنفي ثمرته، كما قال تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم﴾ [التوبة: ١٢] فنفى أيمانهم؛ لعدم حصول المقصود منها، وهو التوثقة.
وقال الشاعر: [الطويل]
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمخضوب البنان يمين
وقال تعالى: ﴿صم بكم عمي﴾ [البقرة: ١٨] نفى عنهم الحواس؛ لنفي الانتفاع بها، ومنه قوله تعالى: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠] مع أنهم كانوا يسمعون ويعقلون، وهو كثير جدًا، فمعنى الآية الحض على العمل، وأنه بمثابة إذا لم يوجد العمل، يصير- ﵇ بمنزلة غير المبلغ؛ مجازًا؛ كما تقدم.
стр. 2209
القسم الرابع
في المبين له، وفيه مسائل
قال الرازي: المسألة الأولى: الخطاب المحتاج إلى البيان يجب بيانه لمن أراد الله إفهامه، دون من لم يرد أن يفهمه.
أما الأول: فلأنه لو لم يبينه له، لكان قد كلفه ما لا سبيل له إلى العلم به.
وأما الثاني: فلأنه لا تعلق له بذلك الخطاب، فلا يجب بيانه له، ثم الذين أراد الله منهم فهم خطابه ضربان:
أحدهما: أراد منهم فعل ما تضمنه الخطاب، إن كان ما تضمنه الخطاب فعلًا.
والآخر: لم يرد منهم الفعل.
والأولون هم: العلماء، وقد أراد الله تعالى أن يفهموا مراده بآية الصلاة، وأن يفعلوها.
والآخرون هم: العلماء في أحكام الحيض؛ فقد أريد منهم فهم الخطاب، ولم يرد منهم فعل ما تضمنه الخطاب.
والذين لم يرد الله تعالى أن يفهموا مراده، ولم يوجب ذلك عليهم ضربان:
أحدهما: لم يرد منهم أن يفعلوا ما تضمنه الخطاب.
والآخر: أراد منهم الفعل.
стр. 2210
والأولون هم: أمتنا مع الكتب السالفة؛ لأن الله تعالى ما أراد أن يفهموا مراده بها، ولا أن يفعلوا مقتضاها.
والآخر هو: النساء في أحكام الحيض؛ لأن الله تعالى أراد منهن التزام أحكام الحيض؛ بشرط أن يفتيهن المفتي، ولم يوجب عليهن فهم المراد بالخطاب؛ لأنه لم يوجب عليهن سماع أخبار الحيض، فضلًا عن بيان مجملها، وتخصيص عامها.
القسم الرابع
في المبين له
قال القرافي: قوله: (لم يرد الله- تعالى- من هذه الأمة فهم الكتب السالفة، ولا أن يعملوا بمقتضاها):
قلنا: هذا يصدق بطريقين:
أحدهما: أنه لم يوجب علينا فهم جميع ما فيها.
والثاني: أنه لم يوجب شيئًا من مقتضاها؛ من حيث هو مقتضى لها، وإن أراد إفهامنا بعض ما فيها من جهة أنه مقتضى ما أوحي إلينا، هذان معنيان صحيحان.
وأما أنه ما أراد إفهامنا شيئًا مما تضمنته مطلقًا، فليس كذلك؛ لأن فيها قواعد العقائد من الوحدانية وغيرها، وكليات الشرائع؛ كالكليات الخمس في حفظ الدماء وغيرها.
وقد أراد الله- تعالى-أن نفهم ذلك بالضرورة، لكن من كتبنا لا من تلك الكتب.
стр. 2211
قوله: (لم يوجب الله- تعالى- على النساء فهم الكتاب، بل يفتيهم العلماء):
قلنا: هذه الدعوى على إطلاقها باطلة، بل النساء كالرجال في جميع الشريعة، إلا ما دل عليه الدليل، فكما أن المرأة العاجزة عن فهم الخطاب لا يجيب عليها لعجزها، فكذلك الرجل الأبله العاجز، وكما أن الرجل الذكي المحصل يجب عليه فهم الخطاب، كذلك المرأة اليقظة الفطنة.
وهل يجوز أن نقول: إن عائشة- ﵂ لم يطلب منها فهم الخطاب مع قوله ﵇: (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء). وكم وجد في هذه الأمة المحمدية من النساء العظيمات المقدار، الجليلات في العلم والعمل ممن رجحن على العلماء المشهورين؛ فالحاصل أن الرجال والنساء سواء في توجه الطلب، غير أن العجزة من النساء المعذورات بالضعف أكثر من المعذورين من الرجال؛ فإن نوعهن يقتضي ذلك، فيجب البيان لهن، كما وجب للرجال، ويبطل هذا القسم من التقسيم، أو يضيف إليه ضعفة الرجال أيضًا، ويصير هذا القسم مسمى بالضعفة لا بالنساء، ويستقيم كلامه على هذا التقدير، والعجب من إطباق الجماعة معه على ذلك التقسيم، والتزام صحته. ذكره صاحب (المعتمد) والعالمي من الحنفية، وصاحب (العمد) والقاضي أبو يعلي من الحنابلة، وجماعة من المصنفين، وهو مقطوع ببطلانه في حق النساء، كما رأيت التقرير والإيراد.
* * *
стр. 2212
المسألة الثانية
قال الرازي: يجوز من الله- تعالى- أن يسمع المكلف العام من غير أن يسمعه ما يخصصه، وهو قول النظام، وأبي هاشم، والفقهاء.
وقال أبو الهذيل، والجبائي: لا يجوز ذلك في العام المخصوص بدليل السمع، وإن جاز أن يسمعه المخصوص بأدلة العقل وإن لم يعلم السامع أن في العقل ما يدل على تخصيصه.
لنا ثلاثة أوجه:
الأول: أن ذلك قد وقع كثيرًا؛ لأن كثيرًا من الصحابة سمعوا قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] مع أنهم لم يسمعوا قوله ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) وسمعوا قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] مع أنهم لم يسمعوا قوله ﷺ : (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) إلى زمان عمر ﵁.
الثاني: أجمعنا على جواز خطابه بالعام المخصوص بالعقل، من غير أن يخطر بباله ذلك المخصص؛ فوجب أن يجوز خطابه بالعام المخصوص بالسمع من غير أن يسمعه ذلك المخصص؛ والجامع كونه في الصورتين متمكنًا من معرفة المراد.
الثالث: أن الواحد منا كثيرًا ما يسمع الألفاظ العامة المخصوصة قبل مخصصاتها، وإنكاره مكابرة في الضروريات.
احتجوا بأمور:
أحدها: أن إسماع العام، دون إسماع المخصص، إغراء بالجهل.
стр. 2213
وثانيها: أن العام لا يدل على مراد المخاطب بإسماعه وحده؛ كخطاب العربي بالزنجية.
وثالثها: أن دلالة العام مشروطة بعدم المخصص، فلو جاز سماع العام دون سماع المخصص، لما جاز الاستدلال بشيء من العمومات إلا بعد الطواف في الدنيا، و سؤال كل علماء الوقت: أنه هل وجد له مخصص؟ وذلك يفضي إلى سقوط العمومات.
والجواب عن الأول: أن الإغراء غير حاصل؛ لما قدمنا من أنه يفيد ظن العموم، لا القطع به، وبه خرج الجواب عن الثاني.
وعن الثالث: أن كون اللفظ حقيقة في الاستغراق، مجازًا في غيره- يفيد ظن الاستغراق، والظن حجة في العمليات، والله أعلم.
المسألة الثانية
يجوز من الله- تعالى- إسماع المكلف العام من غير إسماعه المخصص
(سؤال)
ما الفرق بين هذه المسألة، وبين المسألة الأخرى، يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب؟ لأن في كلا الصورتين سمع المكلف العام بدون المخصص؟
جوابه: أن تلك المسألة: لم ينزل وحي في البيان أصلًا وقت الخطاب، وهاهنا نزل البيان، وفهمه بعض المكلفين، وبقى النزاع هل يجوز أن يسمع البعض دون البعض الآخر العموم، ولا يسمع ذلك البيان؟ ولذلك استدل بأن بعض الصحابة لم يسمع كثيرًا من النصوص، مع أنها في صدور الحفاظ، ولهذا وافق في المسألة أبو هاشم وغيره من المعتزلة، مع أنهم يمنعون تأخير
стр. 2214
البيان عن وقت الخطاب، وما ذلك إلا أن البيان قد حصل في الجملة، وسمعه المكلفون من حيث الجملة، وجوزه المانعون في المخصوص بدليل العقل؛ لأن الدليل العقلي حصل في الفطرة، وإنما التقصير من جهة السامع؛ فإنه وإن كان قصر في الاطلاع عليه، لكنه ليس في فطرته، بل أمر خارج بعيد عنه يحتاج إلى نقل إليه، فهذا هو الفرق.
قوله: (العام لا يدل على مراد المخاطب بإسماعه وحده):
قلنا: لا سنلم؛ لأن مراده الخصوص، ومتى فهم الكلية، التي هي العموم، فهي الجزئية التي هي الخصوص، ففهم المراد حاصل، غير أن فهم ما ليس بمراد غير حاصل، والفرق بين عدم فهم المراد، وفهم غير المراد- ظاهر، بل لو غلط، وأجرى العموم على عمومه، حصل المراد قطعًا، غير أنه قد تحصل مفسدة من الامتثال في غير المراد، وقد لا تحصل، فدعوى أن العام المخصوص، إذا لم يظهر مخصصه، لا يفهم المراد- غير متجه.
قوله: (دلالة العام مشروطة بعدم المخصص):
قلنا: لا نسلم أن عدم المخصص شرط، بل المخصص من قبيل الموانع، وعدم المانع ليس شرطًا، وقد تقدم بسطه، وغلط كثير فيه.
قوله: (يلزم ألا يصح الاستدلال بالعمومات إلا بعد التطويف في الدنيا، وسؤال جميع العلماء عن المخصص):
قلنا: قد تقدم في الخصوص أنه لا يجوز التمسك بالعام إلا بعد الفحص عن المخصص على قدر الوسع والطاقة مع حصول الأهلية، وهل من شرطه الوصول إلى القطع، أو الاعتقاد، أو الظن الغالب خلاف مذكور هناك، وأن خلاف ذلك خلاف الإجماع، فهذا اللازم نحن نلتزمه؛ فإنه حق، ولا يلزم من ذلك سقوط العمومات، بل متى عجز عن وجدان المخصص، عمل
стр. 2215
بالعموم، فيعمل بكل عموم؛ لأنه إن وجد، خصص وعمل، وإلا عمل به معممًا.
قوله: (يفيد ظن العمومات لا القطع بها).
تقريره: أن الظن إذا كان حاصلًا، لا يكون إغراء بالجهل؛ لأن الاحتمال لما كان قائمًا، فجزمه بإرادة العموم تقصير منه لا من المتكلم.
(المسألة)
قال سيف الدين في (الإحكام): المجوزون لتأخير البيان عن وقت الخطاب بالعام، اختلفوا في جواز التدريج في البيان؛ بأن نتبين تخصيصًا بعد تخصيص، فقيل: يمتنع؛ لأن تخصيص البعض بالإخراج أولًا يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي، وامتناع التخصيص بعد ذلك، وهو تجهيل المكلف، وجوزه المحققون؛ لأن آية السرقة ثبتت في موطن كثيرة ببيان النصاب تارة، وبغيره أخرى في الحرز، وعدم الشبهة، وكذلك غير السرقة، ووافقه الغزالي في نقل هذه المسألة.
* * *
стр. 2216
الكلام في الأفعال، وفيه مسائل
قال الرازي: المسألة الأولى: اختلفت الأمة في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على قولين:
أحدهما: قول من ذهب إلى أنه لا يجوز أن يقع منهم ذنب، صغيرًا كان، أو كبيرًا، لا عمدًا، ولا سهوًا، ولا من جهة التأويل، وهو قول الشيعة.
والآخر: قول من ذهب إلى جوازه عليهم، ثم اختلفوا فيما يجوز من ذلك، وما لا يجوز:
والاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة:
أحدها: ما يقع في باب الاعتقاد، وقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يقع منهم الكفر، وقالت الفضيلية من الخوارج: إنه قد وقعت منهم ذنوب، وكل ذنب عندهم كفر وشرك.
وأجازت الشيعة إظهار الكفر؛ على سبيل التقية، فأما الاعتقاد الخطأ الذي لا يبلغ الكفر؛ مثل أن يعتقد مثلًا أن الأعراض باقية ولا يكون كذلك، فمنهم من أباه؛ لكونه منفرًا، ومنهم من جوزه.
وثانيها: باب التبليغ، واتفقوا على أنه لا يجوز عليهم التغيير، وإلا لزال الوثوق بقولهم.
وقال قوم: يجوز ذلك من جهة السهو.
وثالثها: ما يتعلق بالفتوى، واتفقوا أيضًا على أنه لا يجوز عليهم الخطأ فيه، وجوزوه قوم على سبيل السهو.
стр. 2217
ورابعها: ما يتعلق بأفعالهم، واختلفت الأمة فيه على أربعة أقوال:
أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر عمدًا، وهؤلاء منهم من قال بوقوع هذا الجائز، وهم الحشوية.
وقال القاضي أبو بكر: هذا وإن جاز عقلًا، ولكن السمع منع من وقوعه.
وثانيها: أنه لا يجوز أن يرتكبوا كبيرة ولا صغيرة عمدًا، لكن يجوز أن يأتوا بها، على جهة التأويل، وهو قول الجبائي.
وثالثها: أنه لا يجوز ذلك، لا عمدًا، ولا من جهة التأويل، لكن على سبيل السهو، وهم مؤاخذون بما يقع منهم؛ على هذه الجهة، وإن كان موضوعًا عن أمتهم؛ لأن معرفتهم أقوى، فيقدرون على التحفظ عما لا يتأتى لغيرهم.
ورابعها: أنه لا يجوز أن يرتكبوا كبيرة، وأنه قد وقعت منهم صغائر على جهة العمد، والخطأ، والتأويل، إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، وهو قول أكثر المعتزلة.
والذي نقول به أنه لم يقع منهم ذنب، على سبيل القصد، لا صغيرًا ولا كبيرًا، أما السهو فقد يقع منهم، لكن بشرط أن يتذكروه في الحال، وينبهوا غيرهم على أن ذلك كان سهوًا، وقد سيقت هذه المسألة في علم الكلام. ومن أراد الاستقصاء، فعليه بكتابنا في عصمة الأنبياء، والله أعلم.
стр. 2218
الكلام في الأفعال
قال القرافي: قوله: (اختلفت الأمة في عصمة الأنبياء ﵈:
قلنا: أخذ الشيء بالرد والقبول فرع عن كونه معقولًا، أما عصمة الأنبياء ﵈، فإن قلتم: إن معناها أنهم لا يصدر منهم المعصية، يشكل بكثير من الصبيان الذين بلغوا أو ماتوا قريب بلوغهم من غير أن يعصوا، فقد صدق معنى العصمة الذي ذكرتموه في حقهم، مع أنهم ليسوا معصومين.
وكذلك الصحابة- رضوان الله عليهم- وكثير لم يصدر منهم الكفر، ولا الكبائر، وليسوا معصومين، فلا يكفي في العصمة أن معناها عدم صدور المعصية، بل لابد من تحرير هذا المقام، وهو أنا نقول: قاعدة النقائض مستحيلة على الله- تعالى- والمعاصي مستحيلة على الملائكة والأنبياء- ﵈ وعلى الأمة المحمدية- أعني مجموعها- وأفراد الأمة كل واحد منهم قد استحال منه صدور المعاصي التي لم يقدم عليها، فاشترك الجميع في امتناع صدور النقائض عنهم.
ويقول أهل العرف: من العصمة ألا يحد، وكل واحد من هذه المواطن له ضابط:
أما تقديس الله- تعالى- وامتناع النقائض عليه: فاجتمع فيه أمور:
أحدها: أنه لذاته- تعالى- يوجب ذلك له غير معلل بشيء.
وثانيها: أنه لما كان كذلك، علم الله- تعالى- ذلك؛ فوجب ذلك لأجل العلم، ولما علمه أخبر عنه، فصار واجب الخبر.
وأما عصمة الملائكة والأنبياء- ﵈ ومجموع الأمة: فالاستحالة في حقهم، والعصمة من باب واحد، وهو أن معناها إخبار الله
стр. 2219
- تعالى- النفساني واللساني عن جعلهم كذلك، واجتمع مع ذلك علم الله- تعالى- بذلك وإرادته له، فتكون العصمة.
واستحالة المعصية عليهم نشأت عن أمور أربعة:
العلم، والخبر النفساني، واللساني، والإرادة وفي حق الله تعالى- عن أربعة أمور أيضًا، غير أن الإرادة يستحيل دخولها فيما يتعلق بالمستحيل على الله تعالى؛ لأنه مستحيل لذاته، والإرادة لا تدخل إلا في الممكنات، ودخلت الإرادة في عصمة الملائكة والأنبياء، ومجموع الأمة؛ لأنه من باب الممكنات عقلًا، وليس ذلك لذواتهم؛ كما في حق الله تعالى، مع أن الإمام في (البرهان) قال: طبقات الخلق على استحالة الكبائر. ونحوها عقلًا، وعليه جماهير أئمتنا.
وقال القاضي: سمعًا لا عقلًا.
قال: والمختار عندي ما قاله القاضي، وهذه الأمور لم تتناولها المعجزة، والتناول يصدق فيما يبلغه عن الله تعالى.
ولو جمع دعوى جميع ذلك، وأقام المعجزة عليه، تناولته، الأكثرون على جواز الصغائر، وعدم وقوعها منهم.
قلت: وإجماع الأكثر على الاستحالة العقلية، إن كان المراد به أنها مستحيلة عقلًا لغيرها، فيرتفع الخلاف؛ فإنا لم نسمع بواجب الاستحالة للغير، وإن أرادوا أنها مستحيلة عليهم لذواتهم؛ كاستحالة انقلاب الأعيان، واجتماع النقيضين بالذات، فهو يفيد أن الأجسام مستوية عقلًا، وكل ما جاز على أحد المثلين، جاز على الآخر.
стр. 2220
وهذه قاعدة مشهورة؛ منع الاستحالة العقلية بهذا التفسير، وإنما تقع الاستحالة بعد ذلك الغير من سمع، أو علم، أو قضاء، وقدروا التحسين العقلي، والأكثرون ليسوا عليه، فلم يبق إلا غيره، لذلك قال المازري في (شرح البرهان): الأنبياء كالبشر يجوز عليهم ما يجوز على البشر، إلا ما دلت المعجزة على نفيه، وقالوا: نعم، إن هذا لا يجوز علينا، فيمتنع حينئذ.
وأما عصمة الصحابة، وآحاد الأمة الذين لم يصدر مهم عاص خاصة، وقولهم: من العصمة ألا يحد فهو متعلق ثلاثة أمور فقط: العلم، والإرادة، والخبر النفساني؛ لأنه من لوازم العلم، وهو معنى قول العلماء: كل عالم مخبر عن معلومه، وليس في حقهم خبر لساني، أي: لم ينزل نص من الله- تعالى- أن فلانًا لا يصدر منه كذا من المعاصي، فهذا التقييد الذي هو الكلام اللساني امتازت به الملائكة والأنبياء- ﵈ ومجموع الأمة.
وأما أصل الامتناع، فمشترك، بل ما من أحد إلا وقد عصمه الله- تعالى- من معصيته، وليس أحد من خلق الله- تعالى- جمع بين جميع المعاصي؛ بحيث لا تبقى معصية مقصودة، إلا وقد وقع فيها فتحصل، له في عصمة الأمور الثلاثة المتقدم ذكرها، فيمتاز الامتناع في حق الله- تعالى- بأنه لذاته وتعذر الإرادة فيه.
وتمتاز عصمة الأنبياء والملائكة- ﵈ ومجموع الأمة بالخبر اللساني، ويبقى الخبر النفساني، والعلم، والإرادة مشتركًا بين المواطن كلها في الاستحالة على الله- تعالى- وعلى غيره.
فهذا تلخيص هذه العصم والاستحالات، وما اشتركت فيه، وما امتازت به، فمتى قلنا: الأنبياء معصومون، نريد الخبر اللساني بالنصوص السمعية، ومتى قلنا: إن فلانًا عصم من ذكا؛ نريد به معنى آخر، وهي الأمور الثلاثة المتقدم ذكرها.
стр. 2221
فهذا تلخيص محل النزاع، والنزاع حينئذ إنما هو، هل ورد في الشرائع ما يقتضي ذلك الامتناع عليهم أم لا؟ والاستقراء تحقيق ذلك.
قوله: (ومنهم من جوز عليهم المخالفة في التبليغ، والفتوى على سبيل السهو):
قلت: زاد القاضي عياض في النقل في هذا المذهب؛ أنهم ينبهون عليه إذا سهوا، وهذا الزائد في النقل لا ينبغي إهماله.
قوله: (من جوز عليهم الكبائر عمدًا، فمنهم من قال بوقوعها، وهم الحشوية، وقال القاضي أبو بكر: هذا وإن جاز عقلًا، لكن السمع منع من وقوعه):
قلت: هذا النقل غير متجه؛ فإن الجواز العقلي لم يقل أحد بعدمه، بل جميع العالم وكل فرد منه يجوز عليه ما جاز على الآخر، ويجوز عليه جميع النقائص عقلًا من المعاصي، فإذا قال القاضي بالجواز العقلي، والامتناع السمعي، فهو ليس من الفرقة المجوزين للكبائر عليهم؛ لأنه قد تقدم تحرير محل النزاع، فمتى صرح القاضي بالامتناع السمعي، فلا يعد مع هؤلاء، وعده من هؤلاء يشعر بأن الخلاف في الجواز العقلي، والامتناع العقلي، وليس كذلك، بل الامتناع من النقائص عقلًا خاص بالله- تعالى- كما تقدم.
قوله: (وقد سيقت هذه المسألة في علم الكلام من هذا الكتاب):
قلت: لم يتقدم في هذا الكتاب علم الكلام، ولا الكلام على هذه المسألة، فهذا- والله أعلم- سهو من القلم، أو توهم منه أنه فعل ذلك.
(فائدة)
قال القاضي عياض في (الشفاء): مراد العلماء بعصمة الأنبياء بعد النبوة، وأما قبلها فلا، وعليه تحمل النصوص الدالة على وقوع المخالفة منهم.
وقيل: معصومون قبل وبعد .
стр. 2222
المسألة الثانية
قال الرازي: اختلفوا في أن فعل الرسول ﷺ بمجرده، هل يدل على حكم في حقنا أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنه للوجوب وهو قول ابن سريج، وأبي سعيد الإصطخري وأبي علي بن خيران.
وثانيها: أنه للندب، ونسب ذلك إلى الشافعي- ﵁.
وثالثها: أنه للإباحة، وهو قول مالك ﵀.
ورابعها: يتوقف في الكل، وهو قول الصيرفي، وأكثر المعتزلة، وهو المختار.
لنا: أنا إن جوزنا الذنب عليه، جوزنا في ذلك الفعل أن يكون ذنبًا له ولنا، وحينئذ، لا يجوز لنا فعله، وإن لم نجوز الذنب عليه جوزنا كونه مباحًا، ومندوبًا، وواجبًا، وبتقدير أن يكون واجبًا، جوزنا أن يكون ذلك من خواصه، وألا يكون.
ومع احتمال هذه الأقسام، امتنع الجزم بواحد منها.
واحتج القائلون بالوجوب بالقرآن، والإجماع، والمعقول:
أما القرآن: فسبع آيات:
إحداها: قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣].
والأمر حقيقة في الفعل على ما تقدم بيانه، والتحذير عن مخالفة فعله يقتضي وجوب موافقة فعله.
стр. 2223
وثانيتها: قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ [الأحزاب: ٢١]، وهذا مجراه مجرى الوعيد فيمن ترك التأسي به، ولا معنى للتأسي به إلا أن يفعل الإنسان مثل فعله.
وثالثتها: قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٨٥] وظاهر الأمر للوجوب، والمتابعة هي الإتيان بمثل فعله.
ورابعتها: قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل عمران: ٣١] دلت الآية على أن محبة الله مستلزمة للمتابعة، لكن المحبة واجبة بالإجماع، ولازم الواجب واجب، فمتابعته واجبة.
وخامستها: قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧]؛ فإذا فعل فقد آتانا بالفعل فوجب علينا أن نأخذه.
وسادستها: قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ [المائدة: ٩٢ والنور: ٥٤] دلت الآية بإطلاقها على وجوب طاعة الرسول، والآتي بمثل فعل الغير- لأجل أن ذلك الغير فعله- طائع لذلك الغير؛ فوجب أن يكون ذلك واجبًا.
وسابعتها: أن قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧] بين أنه تعالى، إنما زوجه بها؛ ليكون حكم أمته مساويًا لحكمه في ذلك، وهذا هو المطلوب.
وأما الإجماع: فلأن الصحابة ﵃ بأجمعهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة ﵂: (فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا) فرجعوا إلى ذلك، وإجماعهم على الرجوع حجة، وهو المطلوب،
стр. 2224
وإنما كان لفعل رسول الله ﷺ ، فقد أجمعوا هاهنا على أن مجرد الفعل للوجوب.
ولأنهم (واصلوا الصيام لما واصل) و (خلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع) و (أمرهم عام الحديبية بالتحلل بالحلق، فتوقفوا، فشكا إلى أم سلمة، فقالت: اخرج إليهم، واحلق واذبح، ففعل، فذبحوا، وحلقوا متسارعين) و (لأنهم خلع خاتمه فخلعوا) و (لأن عمر ﵁ كان يقبل الحجر الأسود، ويقول: إني لأعلم أك حجر، لا تضر، ولا تنفع، ولوا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لما قبلتك) و (أنه ﵊ قال في جواب من سأل أم سلمة عن قبلة الصائم: ألا أخبرته أنني أقبل وأنا صائم؟).
وأما المعقول فمن وجهين:
الأول: أن الاحتياط يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه، وأعظم مراتب فعل الرسول ﷺ أن يكون واجبًا عليه وعلى أمته، فوجب حمله عليه.
بيان الأول: أن الاحتياط يتضمن دفع ضرر الخوف عن النفس بالكلية، ودفع الضرر عن النفس واجب.
بيان الثاني: أن أعظم مراتب الفعل، أن يكون واجبًا على الكل.
الثاني: أنه لا نزاع في وجوب تعظيم الرسول ﷺ في الجملة، وإيجاب الإتيان بمثل فعله تعظيم له بدليل العرف، والتعظيمان يشتركان في قدر من المناسبة؛ فيجمع بينهما بالقدر المشترك، فيكون ورود الشرع بإيجاب ذلك التعظيم يقتضي وروده بأن يجب على الأمة الإتيان بمثل فعله.
والجواب عن الأول: لا نسلم أن لفظ الأمر حقيقة في الفعل؛ على ما تقدم.
стр. 2225
سلمناه؛ لكنه بالإجماع أيضًا حقيقة في القول، فليس حمله على ذلك بأولى من حمله على هذا.
سلمناه؛ لكن هاهنا ما يمنع من حمله على الفعل، وهو من وجهتين:
الأول: أن تقدم ذكر الدعاء وذكر المخالفة، يمنع منه؛ فإن الإنسان، إذ قال لعبده: (لا تجعل دعائي كدعاء غيري، واحذر مخالفة أمري) فهم منه أنه أراد بالأمر القول.
الثاني: وهو أنه قد أريد به القول بالإجماع، فلا يجوز حمله على الفعل؛ لأن اللفظ المشترك لا يجوز حمله على معنييه.
سلمناه؛ لكن الهاء راجعة إلى الله تعالى؛ لأنه أقرب المذكورين.
فإن قلت: القصد هو الحث على إتباع الرسول ﷺ ؛ لأنه تعالى قال: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور: ٦٣] فحث بذلك على الرجوع إلى أقواله وأفعاله، ثم عقب ذلك بقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣] فعلمنا أنه بعث بذلك على التزام ما كان دعاء إليه من الرجوع إلى أمر النبي- ﵊.
وأيضًا: فلم يجوز الحكم بصرف الكناية إلى الله تعالى والرسول ﷺ ؟
قلت: الجواب عن الأول: أن صرف هذا الضمير إلى الله تعالى مؤكد لهذا الغرض أيضًا؛ لأنه لما حث على الرجوع إلى أقوال الرسول وأفعاله، ثم حذر عن مخالفة أمر الله تعالى، كان ذلك تأكيدًا لما هو المقصود من متابعة الرسول ﷺ .
стр. 2226
وعن الثاني: أن الهاء كناية عن واحد، فلا يجوز عوده إلى الله تعالى، وإلى الرسول معًا.
سلمنا عود الضمير إلى الرسول، فلم قلت: إن عدم الإتيان بمثل فعله مخالفة لفعله؟
فإن قلت: يدل عليه أمران:
الأول: أن المخالفة ضد الموافقة، لكن موافقة فعل الغير هو أن تفعل مثل فعله، فمخالفته هو: ألا تفعل مثل فعله.
الثاني: وهو: أن المعقول من المختلفين هما اللذان لا يقوم أحدهما مقام الآخر، والعدم والوجود لا يقوم أحدهما مقام الآخر بوجه أصلًا، فكانا في غاية المخالفة، فثبت أن عدم الإتيان بمثل فعله، مخالف للإتيان بمثل فعله من كل الوجوه.
قلت: هب أنها في أصل الوضع كذلك، لكنها في عرف الشرع ليست كذلك، ولهذا لا يسمى إخلال الحائض بالصلاة مخالفة للمسلمين، بل هي عبارة عن عدم الإتيان بمثل فعله، إذا كان الإتيان به واجبًا، وعلى هذا لا يسمى ترك مثل فعل النبي ﷺ مخالفة إلا إذا دل فعله على الوجوب، فإذا أثبتنا ذلك بهذا الدليل، لزم الدور، وهو محال.
والجواب عن الثاني: لم قلت: إن الإتيان بمثل فعل الغير مطلقًا يكون تأسيًا به؟ بل عندنا: كما يشترط في التأسي المساواة في الصورة، يشترط فيه المساواة في الكيفية حتى إنه لو صام واجبًا، فتطوعنا بالصوم، لم نكن متأسين به، وعلى هذا يكون مطلق فعل الرسول ﵊ سببًا للوجوب في حقنا؛
стр. 2227
لأن فعله قد لا يكون واجبًا، فيكون فعلنا إياه على سبيل الوجوب قادحًا في التأسي، وتمام الأسئلة سيأتي في المسألة الآتية، إن شاء الله تعالى.
والجواب عن الثالث: أن قوله: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] إما أن لا يفيد العموم، أو يفيده:
فإن كان الأول: سقط التمسك به.
وإن كان الثاني: فبتقدير أن يكون ذلك الفعل واجبًا عليه وعلينا، وجب أن نعتقد فيه أيضًا هذا الاعتقاد، والحكم بالوجود يناقضه؛ فوجب ألا يتحقق.
وهذا هو الجواب عن التمسك بقوله تعالى: ﴿فاتبعوني﴾ [آلا عمران: ٣١].
والجواب عن الخامس: لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] يتناول الفعل، ويدل عليه وجهان:
الأول: أن قوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧]، يدل على أنه عنى بقوله: ﴿وما آتاكم﴾ ما أمركم.
الثاني: أن الإتيان إنما يتأتى في القول؛ لأنا نحفظه، وبامتثاله يصير كأننا أخذناه فيصير كأنه ﷺ أعطاناه.
والجواب عن السادس: أن الطاعة هي الإتيان بالمأمور، أو بالمراد؛ على اختلاف المذهبين، فلم قلت: إن مجرد فعل الرسول ﷺ يدل على أنا أمرنا بمثله، أو أريد منا مثله، وهذا هو أول المسألة؟!
والجواب عن الإجماع من وجوه:
стр. 2228
الأول: أن هذه أخبار آحاد، فلا تفيد العلم، ولهم أن قولوا: هب أنها تفيد الظن، لكن ما حصل ظن كونه دليلًا، ترتب عليه ظن ثبوت الحكم، يكون العمل به دافعًا لضرر مظنون، فيكون واجبًا، وتقرير هذه الطريقة سيجيء، إن شاء الله تعالى، في مسألة القياس.
الثاني: أن أكثر هذه الأخبار واردة في الصلاة والحج، فلعله ﷺ كان قد بين لهم أن شرعه وشرعهم سواء في هذه الأمور، قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وعليه خرج مسالة التقاء الختانين، وقال: (خذوا عني مناسككم) وعليه خرج تقبيل عمر للحجر الأسود، وقال: (هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من قبلي).
وأما الوصال: فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم، واشتغل معهم به أنه قصد بفعله بيان الواجب، ففعلوا، فرد عليهم ظنهم، وأنكر عليهم الموافقة.
وأما خلع النعال: فلا نعلم أنهم فعلوا ذلك واجبًا.
وأيضًا لا يمتنع أن يكونوا، لما رأوه قد خلع نعله مع تقدم قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] ظنوا أن خلعها مأمور به غير مباح؛ لأنه لو كان مباحًا، لما ترك به المسنون في الصلاة!! على أنه ﷺ قال لهم: (لم خلعتم نعالكم)؟ فقالوا: لأنك خلعت نعلك؛ فقال: (إن جبريل أخبرني أن فيها أذى)، فبين بهذا أنه ينبغي أن يعرفوا الوجه الذي أوقع عليه فعله، ثم يتبعونه.
وأما خلع الخاتم فهو مباح، فلما خلع، أحبوا موافقته، لا لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم.
стр. 2229
والجواب عن الوجه الأول من المعقول أن الاحتياط، إنما يصار إليه، إذا خلا عن الضرر قطعًا، وهاهنا ليس كذلك؛ لاحتمال أن يكون ذلك الفعل حرامًا على الأمة، وإذا احتمل الأمران، لم يكن المصير إلى الوجوب احتياطًا.
وعن الثاني: أن ترك الإتيان بمثل ما يأتي به الملك العظيم قد يكون تعظيمًا؛ ولذلك يقبح عن العبد أن يفعل كل ما يفعل سيده.
واحتج القائلون بالندب: بالقرآن، والإجماع، والمعقول:
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] ولو كان التأسي واجبًا، لقال: عليكم، فلما قال: لكم، دل على عدم الوجوب، ولما أثبت الأسوة الحسنة، دلى على رجحان جانب الفعل على جانب الترك، فلم يكن مباحًا.
وأم الإجماع: فهو: أنا رأينا أهل الأعصار متطابقين على الاقتداء في الأفعال بالنبي ﷺ وذلك يدل على انعقاد الإجماع على أنه يفيد الندب.
وأما المعقول فهو: أن فعله ﵊: إما أن يكون راجح العدم، أو مساوي العدم، أو مرجوح العدم:
والأول باطل؛ لما ثبت أنه لا يوجد منه الذنب.
والثاني باطل ظاهرًا؛ لأن الاشتغال به عبث، والعبث مزجور عنه؛ بقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] فتعين الثالث، وهو أن يكون مرجوح العدم، ثم إنا لما تأملنا أفعاله، وجدنا بعضها مندوبًا، وبعضها واجبًا، والقدر المشترك هو رجحان جانب الوجود، وعدم الوجوب ثابت بمقتضى الأصل، فأثبتنا الرجحان مع عدم الوجوب.
стр. 2230
والجواب عن الأول: ما تقدم أن التأسي في إيقاع الفعل على الوجه الذي أوقعه عليه، فلو كان فعله واجبًا أو مباحًا، وفعلناه مندوبًا، لما حصل التأسي.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أنهم استدلوا بمجرد الفعل، فلعلهم وجدوا مع الفعل قرائن أخرى.
وعن الثالث: لا نسلم أن فعل المباح عبث؛ لأن العبث هو الخالي عن الغرض فإذا حصلت في المباح منفعة ما، لم يكن عبثًا، بل من حيث حصول النفع به خرج عن العبث، فلم قلتم: بأنه خلا عن الغرض؟ ثم حصول الغرض في التأسي بالنبي ﷺ ، ومتابعته في أفعاله بين؛ فلا يعد من أقسام البعث، والله أعلم.
واحتج القائلون بالإباحة: بأنه لما ثبت أنه لا يجوز صدور الذنب منه، ثبت أن فعله لابد أن يكون إما مباحًا، أو مندوبًا، أو واجبًا.
وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في رفع الحرج عن الفعل.
فأما رجحان جانب الفعل فلم يثبت على وجوده دليل؛ لأن الكلام فيه، وثبت على عدمه؛ لأن دليل هذا الرجحان كان معدومًا؛ والأصل في كل شيء بقاؤه على ما كان؛ فثبت بهذا أنه لا حرج في فعله قطعًا، ولا رجحان في فعله ظاهرًا.
فهذا الدليل يقتضي في كل أفعاله أن يكون مباحًا، ترك العمل به في الأفعال التي علم كونها واجبة أو مندوبة، فيبقى معمولًا به في الباقي.
وإذا ثبت كونه مباحًا ظاهرًا وجب أن يكون في حقنا كذلك- للآية الدالة على وجوب التأسي- ترك العمل به فيما كان من خواصه، فيبقى معمولًا به في الباقي.
стр. 2231
والجواب: هب أنه في حقه كذلك فلم يجب أن يكون في حق غيره كذلك؟
والله أعلم.
المسألة الثانية
في دلالة فعل الرسول- ﵇ على الحكم في حقنا
قلت: الفعل لا دلالة له على الحكم في حقنا بذاته، بل بالسمع الوارد في ذلك؛ على ما ذكره المصنف بعد ذلك، وإن كان الفعل يدل على العلم والحياة، أمور كثيرة بذاته لا بالوضع، وكذلك صح استدلالنا بالعلم على وجود الله- تعالى- وصفاته العلا؛ غير أنه لا يدل فعله- ﵇ على أحد الأحكام الشرعية في حقنا إلا ببينة السمع على ذلك.
(فائدة)
قال سيف الدين: تلخيص محل النزاع: أن الأفعال الجبلية؛ كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب لا نزاع في كونها على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته، وما يثبت أنه من خواصه، فلا تعلق له بنا، وما عرف كونه- ﵇ فعله بيانًا لنا، فهو دليل بلا خلاف؛ كتبيينه للصلاة والحج، وقطعه السارق، وجلده في الحدود، والبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة، وما عدا ذلك، إن ظهر قصد التقرب به، فقيل: يحمل على الوجوب في حقه وحقنا، قاله ابن سريج، والإصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران، والحنابلة، وبعض المعتزلة.
стр. 2232
وقال الشافعي: بالندب، واختاره إمام الحرمين، وقال مالك بالإباحة، وتوقف الغزالي، والصيرفي وغيرهما.
وقال جماعة من المعتزلة: وما لا يظهر فيه قصد القربة، ففيه الخلاف الذي ظهر فيه قصد القربة، غير أن الوجوب والندب فيه أبعد مما ظهر فيه قصد القربة، والوقوف أقرب.
وبعض المجوزين للمعصية عليهم قال بالحظر.
قال: والمختار إن ما لم يظهر فيه قصد القربة بدليل، ولا كان بائنًا، فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهذا قبل الرجحان دون الإباحة، وكذلك في حق أمته.
ووافقه إمام الحرمين في (البرهان) على نقل المذاهب على هذه الصورة، وإخراج العادة نحو: القيام والعقود، عن موطن الخلاف.
ولذلك قال الغزالي في (المستصفى): وحكى الحظر عن قوم، كما حكاه سيف الدين، ولم يحكه الإمام في (البرهان).
وحكى الماوردي قولًا بالوجود في الفعل المباح وغيره مطلقًا، كان مباحًا أو غيره.
قوله: (الإباحة مذهب مالك):
قلنا: الذي نقله المالكية في كتب الأصول والفروع عن مالك هو الوجوب، كذلك نقله القاضي عبد الوهاب في (الإفادة) والباجي في (الإشارة) وكتاب (الفصول) وابن القصار وغيرهم، والفروع في المذهب مبنية عليه.
стр. 2233
قوله: (يجوز في الفعل أن يكون مباحًا ومندوبًا وراجيًا، ومع التجويز يمتنع الجزم):
قلنا: يمتنع الجزم عقلًا؛ لأن هذا التجويز عقلي، ونحن لم ندع الجزم عقلًا بل سمعًا، ولا تنافي بين عدم الجزم عقلًا، وثبوته سمعًا.
قوله: (وثالثها: قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]):
قلنا: لفظ (أسوة) نكرة في سياق الإثبات، فلا تعم، بل يقتضي وجوب التأسي به في صورة واحدة، ونحن نقول: يجب إتباعه- ﵇ في العقائد، فالدعوى عامة، والدليل خاص، فلا تسمع؛ كمن قال: كل لحم حرام؛ لأن لحم الخنزير حرام، وقد تقدم بسطه.
فكذلك قوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ فعلى في سياق الإثبات لا يعم، يحمل على الوحدانية وغيرها، وكذلك قوله تعالى: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١].
قوله: (المحبة واجبة بالإجماع):
تقريره: أن الله تعالى قال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١] فمراد بالمحبة الأولى لا الثانية؛ فإن الثانية في محبة الله- تعالى- لنا، فلا تجب علينا؛ لأنها ليست من فعلنا، والأولى من فعلنا؛ فتجب علينا.
ومحبة الرسول- ﵇ واجبة بالإجماع علينا من حيث الجملة، أما التفصيل فالمحبة: إن أريد بها ميل القلب، فهو له مراتب مختلفة، فأصل الميل لابد منه بالإجماع، وأما الوصول إلى رتبة علية منه، فليس واجبًا بالإجماع، بل مندوب إليه.
стр. 2234
وإن أريد بالمحبة أن نعامله معاملة المحب، وهذا هو محبة الله- تعالى- لنا؛ لأن ميل القلوب عليه مستحيل، فلا خفاء أنه يجب علينا أن نعامله معاملة المحب في أمره بالواجبات، واجتناب المحرمات، وأن نمنع عنه المؤلمات في نفسه، وماله، وعرضه، وجميع ما يتعلق به.
وأما معاملته معاملة المحب في المندوبات، والبيوع وفي الميراث، فليس واجبًا بالإجماع، فهذا تفصيل مقصود هذه الآية.
فإن اعتقدنا أن الأمر فيها للوجوب، حملناها على الواجب إجماعًا، وإلا حملناها على الجميع.
قوله: (لازم الواجب واجب):
تقريره: أن الشرط وضعه أن يكون ملزومًا للجزاء، وأن يكون الجزاء لازمًا للشرط؛ كقوله: إن كان هذا عشرة، فهو زوج، ولو عكست؛ فقلت: لو كان زوجًا، لكان عشرة، لم يتم كلامك.
وقوله تعالى: ﴿إن كنتم﴾ شرط، وقوله تعالى: ﴿فاتبعوني﴾ جزاؤه، فيكون لازمًا؛ فيكون إتباعًا لازمًا، فلو لم نتبعه، لكان لازم الواجب منفيًا، ويلزم من نفي اللازم نفي الملزوم، فيلزم نفي الواجب بالإجماع، وهو محال، فحينئذ يجب علينا تحصيل هذا الإتباع الذي هو اللازم؛ حتى لا ينتفي الملزوم الواجب الثبوت.
قوله: (وسادسها: قوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ [المائدة: ٩٢].
قلنا: هذا فعل في سياق الإثبات، فلا يعم، بل يكون مطلقًا، والمطلق يلغى في العمل به صورة واحدة، ونحن نتبعه في قواعد العقائد، فلا يبعد الأمر [أن يكون] للفروع التي هي محل النزاع.
стр. 2235
قوله: (وسابعها: قوله تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا ...﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]).
قلنا: نفي الحرج هاهنا مضاف لتزويج الله-تعالى- له، وليس مضافاً لفعله ﵇، وتزويج الله- تعالى- إذنه، ولا نزاع أن إذنه- تعالى- يفيد نفي الحرج.
سلمنا أن المراد نفيه؛ لكن الآية دلت على مساواة أمته له- ﵇ في نفي الحرج؛ لقوله تعالى: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فعلل بحصول نفي الحرج، ونفي الحرج أعم من الوجوب؛ لصدقه في المباح والمندوب والمكروه، والأعم لا يدل على الأخص؛ كلفظ الحيوان لا يدل على الإنسان.
فإذا قلنا: في الدار جسم، أو حيوان لا يفهم أنه إنسان ولا غيره، مما هو أخص.
وكذلك كل ما كان أعم لا يدل على لفظه على ما هو أخص منه، فالدال على نفي الحرج لا يدل على نفي الوجوب؛ لكونه أخص منه.
قوله: (إجماع الصحابة- رضوان الله عليهم- على الرجوع لعائشة في التقاء الختانين حجة):
قلنا: لا نسلم أنهم أجمعوا، بل الحديث إنما ورد في الذين بعثوا إليها، وأولئك ليسوا كل الصحابة.
قوله: (واصلوا لما واصل ﵇:
قلنا: كونهم فعلوا لما فعل قدر مشترك بين الوجوب والندب؛ فإنهم كانوا يواظبون على المندوبات بفضل دينهم، فلا يدل فعلهم على الوجوب، فلا يحصل مطلوب المستدل، وهذا السؤال يرد على جميع هذه الاستدلالات.
стр. 2236
وقوله: (الاحتياط يقتضي حمل الشيء على أهم مراتبه، وأهم المحامل الوجوب):
قلنا: الاحتياط يقتضي الأولوية، والورع، والاحتراز، فلم قلتم: إن ذلك ينهض للوجوب.
قلت: وهذا السؤال قد تقدم قبل هذا، وبعض الفقهاء يورده بناءً على عدم المعرفة بقاعدة، وهي أن الرجحان والاحتياط تارة يكون في أفعال المكلفين، وتارة يكون في أدلة المجتهدين، ففي القسم الأول يقتضي الرجحان الندب، وفي الثانية يقتضي الوجوب؛ لإجماع الأمة على أن المجتهد يجب عليه الفتيا بالراجح والعلم به، بل لا يكاد يوجد في الشريعة وجوب إلا مترتبًا على رجحان في مظان الاجتهاد وفرق بين الرجحان في الفعل والرجحان في الدليل، فتأمل ذلك؛ فإنه يوجب ألا يتوجه هذا السؤال هاهنا؛ لأنه رجحان في الدليل.
قوله: (الأمر حقيقة في القول بالإجماع):
قلنا: لا نسلم؛ فقد تقدم أن فيه ثلاثة أقوال: في النفساني فقط، في اللساني فقط، مشترك بينهما.
قوله: (لا يكون الترك مخالفة إلا إذا كان الفعل واجبًا):
قلنا: لا نسلم الحصر، بل يكون مندوبًا، ويكون الترك مخالفة، لأن من ترك النوافل، وصلاة الضحى، وصلاة القيام في رمضان يصدق عليه في عرف الاستعمال أنه مخالف للمسلمين، ولرسول الله- ﷺ .
قوله: (إذا بينها ذلك بهذا، لزم الدور).
تقريره: أن المخالفة تتوقف على الوجوب؛ بناء على حصرها في ترك فعل الواجب، فلا تعلم المخالفة حتى يعلم الوجوب في الفعل، ولا نعلم
стр. 2237
الوجوب علينا في الفعل؛ حتى تكون هذه المخالفة، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر، فيلزم الدور.
قوله: (مقابلة الأمر بالنهي يدل على أن المراد به الأمر القولي):
تقريره: أن المناسبة في الكلام تقتضي أن يقابل القول بالقول، فيقابل الأمر بالنهي، والنهي بالأمر.
أما إذا قال: وما نهاكم عنه فانتهوا، وافعلوا مثل فعله- ليس هو في المناسبة مثل قوله: (ما نهاكم عنه فانتهوا، وما أمركم به فافعلوا)، بل هذا الثاني أنسب؛ فيجب المصير إليه.
قوله: (الأقوال نحفظها، فكأنا أخذناها؛ بخلاف الأفعال):
قلنا: لا نسلم؛ بل الأفعال أيضًا تحفظ صورتها، كما تحفظ الأقوال، بل مشاهدة الأفعال أثبت في النفس، فهي أولى بالحفظ، وكذلك التعليم بالفعل أقوى من التعليم بالوصف بالقول، فكلاهما أخذ مجازي، والفعل أقوى في ذلك الإعطاء منه- ﵇ لنا، وفي أخذنا له منه.
قوله: (الطاعة هي الإتيان بالمأمور، أو بالمراد على اختلاف المذهبين).
تقريره: أن المعتزلة يقولون: إن الله- تعالى- مريد لجميع الطاعة، فلا طاعة إلا بفعل مراده.
ونحن نقول: مراد الله- تعالى- من الخلق ما هم عليه من طاعة ومعصية، فيأمر بما لا يريد في حق العاصي، ويريد ما لا يأمر به، وهو المعاصي من العصاة، وفي حق المطيع مراده منه هو ما أمره به، فما يفترق الأمر من الإرادة، والإرادة من الأمر في حق العصاة.
أما المطيعون فيجتمعان في حقهم، فالطاعة عندنا موافقة الأمر، وعندهم
стр. 2238
موافقة المراد، والمطيع عندنا- وإن وافق إرادة الله تعالى- فإنما هو مطيع من جهة الأمر، لا من جهة الإرادة، فهذا معنى قوله: اختلاف المذهبين.
قوله: (هذه أخبار آحاد، فلا تفيد العلم):
قلنا: تقدم أن هذه المسائل علمية، وإنما يتمسك بها بظواهر الآيات والأحاديث، لا لطلب العلم من خصوص ذلك الستند، بل للتنبيه على أصل المدرك، وأن العلم إنما يحصل في هذه المسائل من كثرة الاطلاع على أقضية الصحابة، ومناظرتهم، واستقراء النصوص في موارد السنة، ومصادرها؛ فيحصل حينئذ العلم؛ كما حصل سخاء حاتم، وشجاعة علي، وليس في الممكن أن نضع في الكتب ما يفيد العلم بذلك، والذي وضع إنما هو نوع المدرك، وأصله لا كماله، وهذا شأننا في جميع مسائل أصول الفقه.
قوله: (وعليه يخرج حديث التقاء الختانين):
تقريره: أنه- ﵇ لما قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) اندرج في ذلك توابع الصلاة من الطهارة والستارة وغيرهما.
قوله: (وأما الوصال، فلتوهم أنه قصد بيان الواجب):
تقريره: أنه- ﵇ أمرهم بصوم رمضان بالقرآن، فيجوز أن يكون جعل هذا بيانًا للصوم الواجب، وبيان الواجب واجب؛ فلذلك اعتقدوا وجوب الوصال.
قوله: (وأما خلع النعل، فلا يعلم أنهم فعلوا ذلك على وجه الوجوب).
قلت: وله أن يجيب هاهنا بجوابه في التقاء الختانين؛ لأن خلع النعل في الصلاة من توابع الصلاة وعوارضها.
قوله: (خلع الخاتم مباح):
قلنا: (لا نسلم؛ فإن المروي في الحديث: أنه كان خاتم ذهب، فلما ورد
стр. 2239
عليه الأمر بخلعه، وخلع الذهب واجب؛ لأن لباسه محرم، وترك المحرم واجب.
قوله: (احتمل أن يكون ذلك الفعل حرامًا على الأمة):
تقريره: أن الفعل الواحد قد يكون واجبًا حرامًا، في عصرين، لأمتين؛ لاختلاف الحال في المصلحة والمفسدة؛ كقتل العاصي توبة له كان واجبًا عند بني إسرائيل، وحرام عندنا، وفي الزمن الواحد باعتبار شخصين؛ كإقامة الحدود واجبة على الأئمة، وحرام على العامة.
وإذا أمكن أن يكون الفعل مصلحة ومفسدة باعتبار شخصين في زمن واحد، اتجه الاحتمال.
قوله: (فعله- ﵇ لا يكون راجح العدم؛ لأنه لا يجوز عليه الذنب):
قلنا: لا يلزم من رجحان العدم الذنب؛ لأن المكروه راجح العدم، وفعله ليس ذنبًا إجماعًا.
قوله: (المساوي عدمه لوجوبه عبث، وهو مزجور عنه؛ لقوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]:
قلنا: إنما اختلف الناس في جواز الذنب على الأنبياء ﵈، أما امتناع المباح عليهم، فخلاف الإجماع، فهو من أعراض العقلاء، فلا عبث حينئذ، ثم قوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا﴾ ليس من هذا القبيل؛ إذ ليس معناه الزجر عن العبث، كما قال، بل الزجر عن اعتقاد خلاف ما أخبر الله- تعالى- عنه، وهذا مجمع على تحريمه، وربما كان كفرًا؛ لأن الله- تعالى- أخبر أنه خلق العالم لأجل أمور:
стр. 2240
منها قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ [الحجر: ٨٥] قال العلماء: سبب التكليف.
وقال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] قال ابن عباس: لآمرهم بعبادتي، فمن اعتقد أو حسب أو الخلق لم يكن لمعنى، فقد كذب هذه الإخبارات، واستحق الزجر والتكفير، فليس الزجر هاهنا عن فعل ليس فيه مصلحة إنما هو زجر عن اعتقاد الخلف في الأخبار الصادقة، فليس هو من هذا الباب البتة.
قوله: (لعلهم وجدوا مع الفعل قرائن أخرى):
قلنا: الأصل عدم القرائن.
قوله: (لما امتنع الذنب عليه- ﷺ تعين أن يكون فعله واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا):
قلنا: لا نسلم الحصر، فإن عدم الذنب يصدق مع المكروه؛ كما تقدم، ولم يذكروه في الأقسام.
قوله: (ورجحان الفعل لم يقم عليه دليل):
قلنا: لا نسلم؛ بل قد تقدمت أدلة كثيرة تعارض ما يعتمدون عليه من الأصل، واستصحاب العدم، ثم ما ذكرتموه من الأصل معارض بظاهر حاله ﵇؛ فإنه كان ﵇ كثير البعد عن المباحات، ولا يشغل وقته إلا في الطاعات.
قوله: (هب أنه في حقه مباح، فلم لا يجب أن يكون في حق غيره كذلك؟).
قلنا: قد ذكرنا الخصم مستنده، وهو آية التأسي، فلم يبق لهذا المنع وجه.
стр. 2241
(تنبيه)
غير (المنتخب) في أدلة الوجوب؛ كما قال المصنف (﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]).
قال المصنف: والأمر حقيقة في الفعل، وهذا هو مذهب تقدم.
قال في (المنتخب): والمراد القدر المشترك بين القول والفعل؛ نفيًا للمجاز والاشتراك، وهذا مذهب لم يقل به أحد، فكان خارقًا للإجماع؛ فإن كل من قال: إنه ليس حقيقة في القول فقط، قال: إنه مشترك؛ كما تقدم، في الأوامر، فكونه حقيقة في المشترك من غير اشتراك ولا مجاز، لم يقل به أحد، وزاد؛ فقال: الاقتداء به- ﵇ واجب في الصلاة والمناسك، فيكون في الكل؛ لأنه لا قائل بالفرق، ويرد عليه أن القائل بالفرق بين العبادات وغيرها منقول عن العلماء، نقله القاضي عبد الوهاب في كتاب (الإفادة) وزاد: ترك متابعته مشاقة له، فيكون محرمًا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول ...﴾ [النساء: ١١٥].
ويرد عليه: لا نسلم أن ترك المتابعة مشاقة؛ فإن لفظ المشاقة، إنما يفهم منها في غرف الاستعمال المعاندة والمضادة، ومجرد الترك لا يكفي في ذلك، وزاد: قال ﵇: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
стр. 2242
ويرد عليه أن التخصيص بقوله- ﵇ لا يفيد إلا أصل الطلب، فإن أمكن أن يكون مندوبًا، فلا يتعين الوجوب، وزاد: قوله ﵇: (من ترك سنتي فليس مني) والسنة: الطريقة؛ فيتناول الأقوال، والأفعال، والتروك.
ويرد عليه أن تارك جميع طريقه ليس منه؛ لأنه صيغة عموم؛ لكونه اسم جنس أضيف حكمه على كل أفراده بالترك، ونحن نقول به؛ لأن من جملة ذلك قواعد العقائد وغيرها.
ثم إن قوله ﵇: (ليس مني):
قال العلماء: ليس من أهل صفتي، ويكفي في المباينة لصفته- ﵇ ترك المندوبات أو بعضها، ولا يتوقف ذلك على وجوب الإتباع في الجميع.
وزاد: قوله ﵇: (افترقت بنو إسرائيل ...) الحديث إلى قوله ﵇: (إلا ما أنا عليه وأصحابي).
стр. 2243
ويرد عليه أن الخروج عما عليه رسول الله- ﷺ وأصحابه يصدق بترك المندوبات أو بعضها، وأنتم لا تقولون به، وهو أيضًا خلاف الإجماع في كونه موجبًا لدخول الناس، فيتعين التخصيص، فنحمله على أصول الشريعة، وعلى ما أجمعنا على وجوبه، ضرورة أن الظاهر غير مراد.
وزاد: قوله ﵇: (إنما جعل الإمام؛ ليؤتم به).
ويرد عليه أن صيغة (يؤتم به) فعل في سياق الإثبات، فلا يعم والدعوى عامة، فلا يحصل المطلوب.
وغير التربيري؛ فقال: تعظيم الرسول- ﷺ واجب، والاقتداء بأفعاله تعظيم له؛ فيكون واجبًا، ونص الأصل إنما هو تعظيم الرسول ﵇، والإتيان بمثل فعله تعظيم له، والتعظيمان مشتركان في قدر من المناسبة، فيجمع بينهما بالقدر المشترك، فيكون ورود الشرع بذلك التعظيم يقتضي وروده بأنه يجب علينا الإتيان بمثل فعله، فكلام الأصل قياس بجامع المناسبة بمطلق التعظيم، فهذا كلام متجه من حيث الجملة، وهو صحيح في قواعد الاستدلال.
أما كلام التبريزي، فلا يصح في قواعد الاستدلال؛ لأنه أعرض عن تقرير
стр. 2244
القياس، وجعل كلامه موجبتين في الشكل الرابع، الذي هو أبعد الأشكال عن الطبع، وجعل صغراه جزئية؛ لأن معناها بعض تعظيمه- ﵇ واجب؛ إذ لو ادعى أن (ما) كلية، لاندرجت صورة النزاع، فيتجه المنع، فيبقى معنى كلامه هكذا: بعض التعظيم واجب، والإتباع تعظيم، فيكون الأوسط المتكرر موضوعًا في الصغرى، محمولًا في الكبرى، وهذا هو الشكل الرابع، ومن شرطه متى كانت الصغرى موجبة جزئية، لا تكون الكبرى إلا سالبة كلية، وهاهنا ليس كذلك، بل موجبة كلية؛ فلا تنتج.
ونظيره قولنا: بعض الحيوان إنسان، وكل فرس حيوان، فإنه لا ينتج بعض الإنسان فرس؛ لأنه كاذب، ونتيجة كلامه: بعض الواجب اقتداء به.
ولو سلم صحة هذه النتيجة ما أفاده شيئًا؛ بسبب أن معناه: بعض الواجب اقتداء به.
وقولنا: (اقتداء به) لا يشمل جميع أنواع الاقتداء؛ فإن المحمول دائم، إنما هو مطلق، والكلية والعموم إنما يكونان في الموضوعات، فإذا قلت: كل إنسان حيوان، إنما معناه مطلق الحيوان، لا كل حيوان: وإلا لكذبت القضية، فتأمل ذلك، وسر اشتراط السالبة الكلية مع الموجبة الجزئية في الشكل الرابع حتى يصح عكسها، وعكس الصغرى، فيزيد الأول؛ بخلاف الموجبة الجزئية؛ لأنه لا قياس عن جزئيتين، والموجبة الكلية، فلا تنعكس إلا جزئية، ولا قياس عن جزئيتين؛ كما تقرر في علم المنطق.
ثم قال التبريزي: في المسألة نظران:
أحدهما: فيما يجب أن ينزل عليه في حقه- ﷺ والآخر في ثبوت ما ثبت في حقه- ﵇ في حقنا.
أما الأول: فالظاهر فيه الندب فيما وراء الأمور العادية، التي من ضرورات
стр. 2245
الوجود، إلا أن تكون كنفيها؛ بخلاف المعهود، وهو فيما ظهر بقرينة تعاطيه في معرض التقرب، أو مظان القربات، أو كان ﵇ يواظب عليه فظهر، أن احتمال الذنب لم يكن ممتنعًا، فلا أقل من أن يكون بعيدًا، وكذلك احتمال الإباحة؛ فإن تعاطي المباحات فيما عدا مصالح المعاش يعتبر في نظر أهل العزائم من باب اللعب، ويضيع الوقت؛ فيبعد ذلك في حق من عرف بحفظ وقته، ورعاية زمانه، فكيف في حق الأنبياء ﵈.
وإذا ظهر الرجحان في فعله- ﵇ فغيره لا دليل عليه؛ فيتوقف فيه إلى أن يأتي دليل.
وأما النظر الآخر: فالظاهر لزومه في حقنا؛ لأن النادر أن يفعل ما هو خاص به- ﵇ ويدل عليه سيرة الصحابة- ﵃ في مبادرتهم للاقتداء به- ﵇ ولو في المباحات؛ إلا أن يمنعوا؛ حتى أن ابن عمر كان بطريق (مكة) يقود برأس رحلته يثنيها ويقول: لعل خفًا تقع على خف راحلة رسول الله ﷺ .
وقوله ﵇: (ألا أخبرتها) قاطع في الحجة:
يريد التبريزي: قوله ﵇: (ألا أخبرتها أني أقبل، وأنا صائم):
قال: وقول المصنف: إنه أخبار آحاد.
قلنا: لم يبق في ربتة الآحاد، بل استفاض هو وأمثاله، بل صار كالمعلوم بالضرورة من سيرة الصحابة لمن يتبع آثارهم، ويؤيده أنه من باب التعظيم، كما ستجده من أنفسنا في صالحي زماننا.
وتعظيم النبي- ﵇ واجب، وأصله مندوب في مراتبه.
قلت: كان ينبغي أن يقول: أصله واجب، ومراتبه قد تكون مندوبة، أما وصفه أصله بالندب، فغير متجه.
* * *
следующие страницы →