Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
(تنبيه)
غير (المنتخب) في أدلة الوجوب؛ كما قال المصنف (﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]).
قال المصنف: والأمر حقيقة في الفعل، وهذا هو مذهب تقدم.
قال في (المنتخب): والمراد القدر المشترك بين القول والفعل؛ نفيًا للمجاز والاشتراك، وهذا مذهب لم يقل به أحد، فكان خارقًا للإجماع؛ فإن كل من قال: إنه ليس حقيقة في القول فقط، قال: إنه مشترك؛ كما تقدم، في الأوامر، فكونه حقيقة في المشترك من غير اشتراك ولا مجاز، لم يقل به أحد، وزاد؛ فقال: الاقتداء به- ﵇ واجب في الصلاة والمناسك، فيكون في الكل؛ لأنه لا قائل بالفرق، ويرد عليه أن القائل بالفرق بين العبادات وغيرها منقول عن العلماء، نقله القاضي عبد الوهاب في كتاب (الإفادة) وزاد: ترك متابعته مشاقة له، فيكون محرمًا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول ...﴾ [النساء: ١١٥].
ويرد عليه: لا نسلم أن ترك المتابعة مشاقة؛ فإن لفظ المشاقة، إنما يفهم منها في غرف الاستعمال المعاندة والمضادة، ومجرد الترك لا يكفي في ذلك، وزاد: قال ﵇: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
стр. 2242
ويرد عليه أن التخصيص بقوله- ﵇ لا يفيد إلا أصل الطلب، فإن أمكن أن يكون مندوبًا، فلا يتعين الوجوب، وزاد: قوله ﵇: (من ترك سنتي فليس مني) والسنة: الطريقة؛ فيتناول الأقوال، والأفعال، والتروك.
ويرد عليه أن تارك جميع طريقه ليس منه؛ لأنه صيغة عموم؛ لكونه اسم جنس أضيف حكمه على كل أفراده بالترك، ونحن نقول به؛ لأن من جملة ذلك قواعد العقائد وغيرها.
ثم إن قوله ﵇: (ليس مني):
قال العلماء: ليس من أهل صفتي، ويكفي في المباينة لصفته- ﵇ ترك المندوبات أو بعضها، ولا يتوقف ذلك على وجوب الإتباع في الجميع.
وزاد: قوله ﵇: (افترقت بنو إسرائيل ...) الحديث إلى قوله ﵇: (إلا ما أنا عليه وأصحابي).
стр. 2243
ويرد عليه أن الخروج عما عليه رسول الله- ﷺ وأصحابه يصدق بترك المندوبات أو بعضها، وأنتم لا تقولون به، وهو أيضًا خلاف الإجماع في كونه موجبًا لدخول الناس، فيتعين التخصيص، فنحمله على أصول الشريعة، وعلى ما أجمعنا على وجوبه، ضرورة أن الظاهر غير مراد.
وزاد: قوله ﵇: (إنما جعل الإمام؛ ليؤتم به).
ويرد عليه أن صيغة (يؤتم به) فعل في سياق الإثبات، فلا يعم والدعوى عامة، فلا يحصل المطلوب.
وغير التربيري؛ فقال: تعظيم الرسول- ﷺ واجب، والاقتداء بأفعاله تعظيم له؛ فيكون واجبًا، ونص الأصل إنما هو تعظيم الرسول ﵇، والإتيان بمثل فعله تعظيم له، والتعظيمان مشتركان في قدر من المناسبة، فيجمع بينهما بالقدر المشترك، فيكون ورود الشرع بذلك التعظيم يقتضي وروده بأنه يجب علينا الإتيان بمثل فعله، فكلام الأصل قياس بجامع المناسبة بمطلق التعظيم، فهذا كلام متجه من حيث الجملة، وهو صحيح في قواعد الاستدلال.
أما كلام التبريزي، فلا يصح في قواعد الاستدلال؛ لأنه أعرض عن تقرير
стр. 2244
القياس، وجعل كلامه موجبتين في الشكل الرابع، الذي هو أبعد الأشكال عن الطبع، وجعل صغراه جزئية؛ لأن معناها بعض تعظيمه- ﵇ واجب؛ إذ لو ادعى أن (ما) كلية، لاندرجت صورة النزاع، فيتجه المنع، فيبقى معنى كلامه هكذا: بعض التعظيم واجب، والإتباع تعظيم، فيكون الأوسط المتكرر موضوعًا في الصغرى، محمولًا في الكبرى، وهذا هو الشكل الرابع، ومن شرطه متى كانت الصغرى موجبة جزئية، لا تكون الكبرى إلا سالبة كلية، وهاهنا ليس كذلك، بل موجبة كلية؛ فلا تنتج.
ونظيره قولنا: بعض الحيوان إنسان، وكل فرس حيوان، فإنه لا ينتج بعض الإنسان فرس؛ لأنه كاذب، ونتيجة كلامه: بعض الواجب اقتداء به.
ولو سلم صحة هذه النتيجة ما أفاده شيئًا؛ بسبب أن معناه: بعض الواجب اقتداء به.
وقولنا: (اقتداء به) لا يشمل جميع أنواع الاقتداء؛ فإن المحمول دائم، إنما هو مطلق، والكلية والعموم إنما يكونان في الموضوعات، فإذا قلت: كل إنسان حيوان، إنما معناه مطلق الحيوان، لا كل حيوان: وإلا لكذبت القضية، فتأمل ذلك، وسر اشتراط السالبة الكلية مع الموجبة الجزئية في الشكل الرابع حتى يصح عكسها، وعكس الصغرى، فيزيد الأول؛ بخلاف الموجبة الجزئية؛ لأنه لا قياس عن جزئيتين، والموجبة الكلية، فلا تنعكس إلا جزئية، ولا قياس عن جزئيتين؛ كما تقرر في علم المنطق.
ثم قال التبريزي: في المسألة نظران:
أحدهما: فيما يجب أن ينزل عليه في حقه- ﷺ والآخر في ثبوت ما ثبت في حقه- ﵇ في حقنا.
أما الأول: فالظاهر فيه الندب فيما وراء الأمور العادية، التي من ضرورات
стр. 2245
الوجود، إلا أن تكون كنفيها؛ بخلاف المعهود، وهو فيما ظهر بقرينة تعاطيه في معرض التقرب، أو مظان القربات، أو كان ﵇ يواظب عليه فظهر، أن احتمال الذنب لم يكن ممتنعًا، فلا أقل من أن يكون بعيدًا، وكذلك احتمال الإباحة؛ فإن تعاطي المباحات فيما عدا مصالح المعاش يعتبر في نظر أهل العزائم من باب اللعب، ويضيع الوقت؛ فيبعد ذلك في حق من عرف بحفظ وقته، ورعاية زمانه، فكيف في حق الأنبياء ﵈.
وإذا ظهر الرجحان في فعله- ﵇ فغيره لا دليل عليه؛ فيتوقف فيه إلى أن يأتي دليل.
وأما النظر الآخر: فالظاهر لزومه في حقنا؛ لأن النادر أن يفعل ما هو خاص به- ﵇ ويدل عليه سيرة الصحابة- ﵃ في مبادرتهم للاقتداء به- ﵇ ولو في المباحات؛ إلا أن يمنعوا؛ حتى أن ابن عمر كان بطريق (مكة) يقود برأس رحلته يثنيها ويقول: لعل خفًا تقع على خف راحلة رسول الله ﷺ .
وقوله ﵇: (ألا أخبرتها) قاطع في الحجة:
يريد التبريزي: قوله ﵇: (ألا أخبرتها أني أقبل، وأنا صائم):
قال: وقول المصنف: إنه أخبار آحاد.
قلنا: لم يبق في ربتة الآحاد، بل استفاض هو وأمثاله، بل صار كالمعلوم بالضرورة من سيرة الصحابة لمن يتبع آثارهم، ويؤيده أنه من باب التعظيم، كما ستجده من أنفسنا في صالحي زماننا.
وتعظيم النبي- ﵇ واجب، وأصله مندوب في مراتبه.
قلت: كان ينبغي أن يقول: أصله واجب، ومراتبه قد تكون مندوبة، أما وصفه أصله بالندب، فغير متجه.
* * *
стр. 2246
المسالة الثالثة
قال الرازي: قال جماهير الفقهاء والمعتزلة: التأسي به واجب، ومعناه: أنا إذًا علمنا أن الرسول ﷺ فعل فعلًا على وجه الوجوب، فقد تعبدنا أن نفعله على وجه الوجب، وإن علمنا أنه تنفل به كنا متعبدين بالتنفل به، وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة، كنا متعبدين باعتقاد إباحته لنا، وجاز لنا أن نفعله.
وقال أبو علي بن خلاد من المعتزلة: نحن متعبدون بالتأسي به في العبادات دون غيرها كالمناكحات والمعاملات، ومن الناس من أنكر ذلك في الكل.
واحتج أبو الحسين بالقرآن، والإجماع:
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١] والتأسي بالغير في أفعاله هو أن يفعل على الوجه الذي فعل ذلك الغير، ولم يفرق الله تعالى بين أفعال الرسول ﷺ إذا كانت مباحة، أو لم تكن مباحة.
وقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] أمر بالإتباع فيجب.
أما الإجماع فهو: (أن السلف رجعوا إلى أزواجه في قبلة الصائم) وفي أن (من أصبح جنبًا، لم يفسد صومه) و (في تزويج النبي ﷺ ميمونة، وهو حرام) وذلك يدل على أن أفعاله لابد من أن يمتثل فيها طريقه.
ولقائل أن يقول على الدليل الأول: الآية تقتضي التأسي به مرة واحدة، كما أن قول القائل لغيره: (لك في الدار ثوب حسن) يفيد ثوبًا واحدًا، فإن قلت: هذا إن ثبت، تم غرضنا من التعبد بالتأسي به ﷺ في الجملة.
стр. 2247
وأيضًا فالآية تفيد إطلاق كون النبي ﷺ أسوة حسنة لنا، ولا يطلق وصف الإنسان بأنه أسوة حسنة لزيد، إذا لم يجز لزيد أن يتبعه إلا في فعل واحد، وإنما يطلق ذلك، إذا كان ذلك الإنسان قدوة لزيد يقتدي به في الأمور كلها، إلا ما خصه الدليل.
قلت: الجواب عن الأول أن أحدًا لا ينازع في التأسي به ﷺ في الجملة؛ لأنه لما قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) و (خذوا عني مناسككم) فقد أجمعوا على وقوع التأسي به هاهنا، والآية ما دلت إلا على المرة الواحدة فكان التأسي به ﷺ في هذه الصورة كافيًا في العمل بالآية، لاسيما، والآية إنما وردت على صيغة الإخبار عما مضى، وذلك يكفي فيه وقوع التأسي به فيما مضى.
والجواب عن الثاني: أنك إن أردت به أنه لا يصح إطلاق اسم الأسوة عليه، إلا إذا كان أسوة في كل شيء فهذا ممنوع؛ ثم الذي يدل على فساده وجهان:
الأول: أن من تعلم من إنسان نوعًا واحدًا من العلم يقال له: إن ذلك فلان أسوة حسنة.
الثاني: وهو أن يقال: (لك في فلان أسوة حسنة في كل شيء) ويقال: (لك من فلا أسوة حسنة في هذا الشيء (دون ذاك، ولو اقتضى اللفظ العموم لكان الأول تكريرًا، والثاني نقضًا.
وإذا أردت أن يصح إطلاق اسم الأسوة، إذا كان أسوة في بعض الأشياء، فهذا مسلم، ولكنه ﷺ عندنا أسوة لنا في أقواله، وفي كثير من أفعاله التي أمرنا بالاقتداء به فيها؛ كقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) و (خذوا عني مناسككم).
стр. 2248
والجواب عن الحجة الثانية: أن قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] مطلق في الإتباع، فلا يفيد العموم في كل شيء من الإتباعات، والأمر لا يقتضي التكرار؛ فلا يفيد العموم في كل الأزمنة.
فإن قلت: ترتيب الحكم على الاسم يشعر بأن المسمى علة لذلك الحكم، فماهية المتابعة علة للأمر بها.
قلت: فعلى هذا، لو قال السيد لعبده: (اسقني) يلزم أن يكون أمرًا له بجميع أنواع السقي في كل الأزمنة ولو قال له: (قم) يلزم أن يكون أمرًا له بجميع أنواع القيام في كل الأزمنة، وفي هذه الأمثلة كثرة، وما ذكرناه كاف في إفساد ما قالوا، والله أعلم.
وأما الإجماع فقد سبق الكلام عليه، والله أعلم.
المسألة الثالثة
في وجوب التأسي
قال القرافي: قلت: هذه المسألة في غاية الالتباس بالتي قبلها؛ لأن المعنى بدلالة الفعل على الوجوب: أنه يجب علينا التأسي به.
وقولنا: لا يدل الفعل على الوجوب، أي: لا يجب التأسي، غير أن الفرق بينهما من جهة، وهو أن البحث في المسألة الأولى في أنه، هل نصب فعله- ﵇ دليلًا أم لا؟ فالبحث في المسألة الأولى، إنما هو في نصب الفعل دليلًا.
فإذا قلنا بأنه لم ينصب أو نصب؛ فهل كلفنا نحن بإتباعه؟ وإن لم ينصب دليلًا، كما نقوله في إمام الصلاة، والخليفة، وولاة الأمور؛ أنه تجب طاعتهم وإتباعهم، وإن كنا لا نقول: إن أفعالهم نصبت دليلًا شرعيًا.
стр. 2249
وكذلك يجب على الحاكم إتباع البينة والحجاج الشرعية، وإن لم تكن أدلة، وقد تقدم الفرق بين الدليل والحجة؛ فهذا هو الفرق بين المسألتين.
قوله: (حجة الوجوب قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]):
قلنا: قد تقدم أنها نكرة في سياق الإثبات؛ فلا تعم صورة النزاع؛ فلا يحصل المطلوب.
قوله: (الآية وردت على صيغة الإخبار عما مضى):
تقريره: أنها وردت بصيغة (كان) الدالة على المضي.
(فائدة)
قال ابن برهان في كتابه المسمى بـ (الأوسط): يجب التأسي عندنا، إذا عرف وجهه .
وقال المتكلمون بالوقف، وللحنفية القولان، وحيث قلنا بوجوب التأسي، فبالسمع عندنا؛ خلافًا لمن قال: هو بالعقل، وإذا لم يعرف وجه الفعل، كيف وقع من الأحكام، فعندنا لا يجب؛ للجهل بالصفة.
وقيل: يجب؛ لأن الجهل بالصفة لا يقدح في وجوب مثل الموصوف علينا، وجوابه: أن التأسي فعل مثل الغير على الوجه الذي أتى به، والاحتمالات متعارضة؛ فلا يجب التأسي.
والقائلون بالتأسي فيما لم يعرف وجه اختلفوا:
فقيل: بندب التأسي؛ لأن الندب هو الحالة الغالبة عليه- ﷺ .
وقيل: بالإباحة؛ أخذًا بالأقل؛ لأنه المتيقن.
стр. 2250
وقيل: بالوجوب؛ لأنه أحوط.
قال أبو الخطاب الحنبلي في (التمهيد): إذا لم يعلم وجه الفعل، حمله ابن حنبل على الوجوب.
وعنه: يحمل على الندب، وقال الحنفية، وعنه: الوقف؛ حتى يعلم وجهه؛ لاحتمال اختصاصه به ﵇.
مثاله: مسحه- ﵇ جميع رأسه؛ فهل يجب مسح الجميع أم لا؟ يخرج على الخلاف.
* * *
стр. 2251
القسم الثاني
في التفريغ على وجوب التأسي
المسألة الأولى
قال الرازي: لما عرفت: أن التأسي مطابقة فعل المتأسى به؛ على الوجه الذي قال الرازي: لما عرفت: أن التأسي مطابقة فعل المتأسى به؛ على الوجه الذي وقع فعله عليه، وجب معرفة الوجه الذي يقع عليه فعل الرسول ﷺ وهو ثلاثة: الإباحة، والندب، والوجوب.
أم الإباحة فتعرف بطرق أربعة:
أحدها: أن ينص الرسول ﷺ على أنه مباح.
وثانيها: أن يقع امتثالًا لآية دالة على الإباحة.
وثالثها: أن يقع بيانًا لآية دالة على الإباحة.
ورابعها: أنه لما ثبت أنه لا يذنب، ثبت أنه لا حرج عليه في ذلك الفعل، ولا في تركه، وانتفى الوجوب والندب بالبقاء على الأصل؛ فحينئذ يعرف كونه مباحًا.
وأما الندب فيعرف بتلك الثلاثة الأول، مع أربعة أخرى:
أحدها: أن يعلم من قصده ﷺ أنه قصد القربة بذلك الفعل، فيعلم أنه راجح الوجود، ثم نعرف انتقاء الوجوب بحكم الاستصحاب، فيثبت الندب.
وثانيها: أن ينص على أنه كان مخيرًا بين ما فعل، وبين فعل ما ثبت أنه ندب؛ لأن التخيير لا يقع بين الندب، وبين ما ليس بندب.
стр. 2252
وثالثها: أن يقع قضاء لعبادة كانت مندوبة.
ورابعها: أن يداوم على الفعل، ثم يخل به من غير نسخ، فتكون إدامته- ﵊ دليلًا على كونه طاعة، وإخلاله به من غير نسخ دليلًا على عدم الوجوب.
وأما الوجوب: فيعرف بتلك الثلاثة الأول، مع خمسة أخرى:
أحدها: الدلالة على أنه كان مخيرًا بينه وبين فعل آخر، قد ثبت وجوبه؛ لأن التخيير لا يقع بين الواجب، وبني ما ليس بواجب.
وثانيها: أن يكون قضاء لعبادة، قد ثبت وجوبها.
وثالثها: أن يكون وقوعه مع أمارة، قد تقرر في الشريعة أنها أمارة الوجوب؛ كالصلاة بأذان وإقامة.
ورابعها: أن يكون جزاء لشرط، فوجب، كفعل ما وجب بالنذر.
وخامسها: أن يكون لو لم يكن واجبًا، لم يجز، كالجمع بين ركوعين في صلاة الكسوف.
القسم الثاني
قال القرافي: قوله: (فعله ﵇ ثلاثة: الإباحة، والندب، والوجوب):
تقريره: أنه- ﵇ معصوم؛ فيمتنع المحرم عليه، وكمال عقله وحرصه يمنع أكثر المباحات فضلًا عن المكروهات؛ فلم يبق إلا ما ذكره.
فإن قلت: السهو والنسيان الواقع في الصلاة مما جاءت به السنة، وهو
стр. 2253
عري عن الأحكام الخمسة، فلا يوصف السهو بحكم البتة، وكذلك النسيان، والخطأ، والإكراه، بل هو كفعل النائم، وحركات الجماد، والرياح، فقد خرج هذا القسم عن تقسيمه.
قلت: مقصوده الفعل الذي نتبعه فيه، والسهو لم يقل أحد: إنا نتبعه في أن نسهو، كما سها، بل نرتب على السهو ما رتبه فقط، وهذا ليس إتباعًا في السهو، بل في العمد المقصود.
قوله: (لا يقع التخيير بين الواجب، وغير الواجب، ولا بين المندوب، وغير المندوب؛ اعتمادًا منه على أن التخيير يقتضي التسوية):
أورد بعضهم على هذه القاعدة تخيير الله- تعالى- نبيه- ﷺ ليلة الإسراء بين القدحين من لبن وخمر، فاختار اللبن، فقال له جبريل- صلوات الله عليهما-: (اخترت الفطرة، ولو اخترت الخمر، لغوت أمتك) فقد وقع التخيير بين المختلفات عند الله- تعالى- وفي نظر الشرع.
وأجبته: بأن الاختلاف هاهنا ليس بين مختلفات في الأحكام، بل باعتبار العواقب.
وتقريره: أن حكم الله- تعالى- في ذينك القدحين كان واحدًا: إما الوجوب، أو الندب، أو الإباحة؛ لأن الواقعة واقعة عين محتملة لهذه الثلاثة أحكام، فالواقع واحد منها غير معين، وقد استوى القدحان فيه.
стр. 2254
وأما من حيث الوضع الإلهي وما وضع الله- تعالى- في العالم من الأسرار، فهذا بمعزل عن الأحكام الشرعية، كما نقطع بأن الله- تعالى- خيرنا بين بناء دار في هذه البقعة، ودار في تلك البقعة، فإذا اخترنا أحدهما- والحكم في الجميع الإباحة بالإجماع- أمكن أن يقول صاحب الشرع أو المخبر عنه: أصبتم في اختيار هذه البقة للبناء، ولو اخترتم تلك البقعة، لكان الدار مشئومة، فإن الله- تعالى- قد وضع هذه مباركة، ووضع تلك مشئومة، كما جاز في الحديث: (إنما الشؤم في ثلاثة المرأة، والدار، والفرس).
فالحكم واحد، والعواقب مختلفة؛ إذ ليست من الأحكام الشرعية الخمسة، بل من أحكام القضاء والقدر، وهو قد يختلف فيه الواجبات والمحرمات، فقد يقدم اثنان على طاعة الله- تعالى- بوصف الوجوب، أو الندب، ويكون في القدر فتنة لأحدهما، ورحمة للآخر.
ويقدم اثنان على معصية الله- تعالى- بوصف التحريم، وتكون المعصية هلاكًا لأحدهما، ورحمة في حق الآخر، باعتبار ما يترتب عليهما من الندم، والتوبة، والإنابة، وغير ذلك.
وأحكام العواقب غير الأحكام الشرعية، فتأمل ذلك، فلم يرد نقض على هذه القاعدة.
стр. 2255
فإن قلت: قد خير الشرع في خصال الكفارة في اختلافهما في المصالح، والأحكام تتبع المصالح؛ فيلزم اجتماع التخيير، والاختلاف في الأحكام؛ فلا تكون التسوية لازمة للتخيير.
قلت: التخيير وقع في خصال الكفارة باعتبار مناسبة سبب التكفير، ونحن إنما ندعي أن التخيير يقتضي التسوية بين المخير فيه من الوجه الذي وقع التخيير فيه فقط، لا من كل وجه، كما يخير في إزالة ألم الجوع بين اللحم والنبات. وإن اختلفا من جهة توفير القوة، فالوجه الذي وقع التخيير فيه: التسوية لازمة فيه.
ومن جهة توفير القوة: التسوية منفية، وليس فيه تخيير، ونظائره كثيرة.
قوله: (من أدلة الوجوب: أن يكون جزاء الشرط؛ كفعل ما وجب نذره):
قلت: كشفت نسخًا كثيرة، فوجدت هذه العبارة فيها، ولم أجد غيرها، وهي مشكلة؛ من جهة أن النذر لا يجب، بل يجب به، فكان المتجه أن يقول: ما وجب بالنذر، ولا يقول: ما وجب نذره.
قوله: (وخامسها: لو لم يكن واجبًا، لم يجز كالجمع بين الركوعين في صلاة الكسوف):
تقريره: أن الزيادة في الزيادة حرام، والركوع الثاني في غير هذه الصلاة يحرم القصد إليه، ومقتضى ذلك تحريم القصد إليه- هاهنا- تسوية بين صورة النزاع وصورة الإجماع، ويرد عليه أن الصلوات وإن عقل معناها من حيث الجملة؛ غير أنها مشتملة على نوع كثير من التعبد؛ فإن عدد الركعات بعيد، وترتيبها على هذه الأسباب الخاصة دون الصيام والصدقة، وأنواع الطاعات بعيد؛ لا يعقل معناه، وكذلك النوافل والسنن؛ فإن مناسبة سبع
стр. 2256
تكبيرات لصلاة العيد دون العشرة وغيرها لا يعقل معناه، والتعبد معناه: أنا لا نعلم معناه، لا أنه عرى عن المعنى عند الله تعالى، إذا تقرر هذا؛ فلعل في صلاة الكسوف ما يقتضي مناسبة ركوعين على وجه الندب، لا على وجه الوجوب؛ كما اقتضت مناسبة العيد عند الله- تعالى- الزيادة في التكبير، وأن العيدين سواء في ذلك، وبالجملة أخذ الوجوب من هذا بعيد، بل احتمل أن يكون مندوبًا على هذه الصورة، ومناسبة سببه تقتضي ذلك حتى يثبت بدليل خارج وجوب هذا الفعل، فالملكية كلهم وغيرهم على عدم الوجوب في صلاة الكسوف.
قوله: (المعارض، إما قوله ﵇، أو فعله): الحصر ممنوع؛ لاحتمال القياس، والإجماع، والدليل المركب من النقل والعقل.
* * *
стр. 2257
المسألة الثانية
قال الرازي: في الفعل، إذا عارضه معارض منه ﷺ ، فهو إما أن يكون قولًا، أو فعلًا:
أما القول: فإما أن يعلم أن المتقدم هو القول أو الفعل، أو لا يعلم واحد منهما:
أما القسم الأول، وهو: أن يكون المتقدم هو القول، فالفعل المعارض له: إما أن يحصل عقيبه، أو متراخيًا عنه:
فإن كان متعقبًا: فإما أن يكون القول متناولًا له خاصة، أو لأمته خاصة، أو له ولهم معًا:
لا يجوز أن يتناوله خاصة، إلا على قول من يجوّز نسخ الشيء قبل حضور وقته وإن تناول أمته خاصة، وجب المصير إلى القول دون الفعل، وإلا كان القول لغوًا، ولا يلغو الفعل؛ لأن حكمه ثابت في الرسول ﷺ .
وإن كان الخطاب يعمه وإياهم، دل فعله على أنه مخصوص من القول، وأمته داخلة فيه لا محالة.
وإن كان الفعل متراخيًا عن القول، فإن كان القول عامًّا لنا وله، صار مقتضاه منسوخًا عنا وعنه، وإن تناوله دونه، كان نسخًا عنّا دونه؛ لأن القول لم يتناوله، وإن تناوله دوننا كان منسوخًا عنه دوننا، ثم يلزمنا مثل فعله لوجوب التأسي به.
القسم الثاني: أن يكون المتقدم هو الفعل، فالقول المعارض له: إما أن يحصل عقيبه، أو متراخيًا عنه:
стр. 2258
فإن كان متعقبًا فإما أن يكون القول متناولًا له خاصة، أو لأمته خاصة، أو عامًا فيه وفيهم:
فإن كان متناولًا له خاصة وقد كان الفعل المتقدم دالًا على لزوم مثله لكل مكلف في المستقبل، فيصير ذلك القول المختص به، مخصصا له عن ذلك العموم.
وإن كان متناولًا لأمته خاصة، دل على أن حكم الفعل مختص به، دون أمته.
وإن كان عامًا فيه وفيهم، دل على سقوط حكم الفعل عنه وعنهم، وأما إن كان القول متراخيًا عن الفعل: فإن كان متناولًا له ولأمته، فيكون القول ناسخًا لحكم الفعل عنه، وعن أمته، وإن كان يتناول أمته دونه، فيكون منسوخًا عنهم دونه، وإن كان يتناوله دون أمته، فيكون منسوخًا عنه دون أمته.
القسم الثالث: إذا لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر، فهاهنا يقدم القول على الفعل، ويدل عليه وجهان:
الأول: أن القول أقوى من الفعل، والأقوى راجح، وإنما قلنا: إن القول أقوى؛ لأن دلالة القول تستغني عن الفعل، ودلالة الفعل لا تستغني عن القول، والمستغني أقوى من المحتاج.
والثاني: أنّا نقطع بأن القول قد تناولنا، وأما الفعل فبتقدير أن يتأخر، كان متناولًا لنا، وبتقدير أن يتقدم، لا يتناولنا، فكون القول متناول لنا معلوم، وكون الفعل متناولًا لنا مشكوك، والمعلوم مقدم على المشكوك.
فرع
(نهى رسول الله ﷺ عن استقبال القبلة، واستدبارها في قضاء الحاجة ، ثم جلس في البيوت؛ لقضاء الحاجة مستقبل بيت المقدس):
стр. 2259
فعند الشافعي ﵁ أن نهيه مخصوص بفعله في الصحراء؛ حتى يجوز استقبال القبلة واستدبارها في البيوت لكل أحد.
وعند الكرخي ﵀: يجب إجراء النهي على إطلاقه في الصحراء والبنيان، فكان ذلك من خواص الرسول ﷺ .
وتوقف القاضي عبد الجبار في المسألة.
حجة الشافعي ﵁: أن النهي عام، ومجموع الدليل الذي يوجب علينا أن نفعل مثل ما فعل الرسول ﵊ مع كونه مستقبل القبلة في البنيان عند قضاء الحاجة أخص من ذلك النهي، والخاص مقدم على العام؛ فوجب القول بالتخصيص، والله أعلم.
أما إذا كان المعارض للفعل فعلًا آخر، فذلك على وجهين:
الأول: أن يفعل الرسول ﷺ فعلًا، يعلم بالدليل أن غيره مكلف به، ثم نراه بعد ذلك قد أقر بعض الناس على فعل ضده، فنعلم أنه خارج منه.
الثاني: إذا علمنا أن ذلك الفعل إنما يلزم أمثاله الرسول ﷺ في مثل تلك الأوقات، ما لم يرد دليل ناسخ، ثم يفعل ﵊ ضده في مثل ذلك الوقت، فنعلم أنه كان قد نسخ عنه.
تنبيه
التخصيص والنسخ في الحقيقة إنما لحقا ما دل على أن ذلك الفعل لازم لغيره، وأنه لازم له في مستقبل الأوقات .
وإنما يقال: إن ذلك الفعل قد لحقه النسخ، بمعنى: أنه قد زال التعبد بمثله، وأن التخصيص قد لحقه؛ على معنى أن بعض المكلفين لا يلزمه مثله، والله أعلم.
стр. 2260
المسألة الثانية
إذا عارض فعله ﵇ معارض
قال القرافي: "قوله: لا يجوز تعقب الفعل والقول، إلاعند من يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقته":
تقريره: أنه ﵇ إذا نهى نهيًا يخصه، ففعل ﵇ عقيبه ذلك النهي، فإنه يدلنا ذلك على أن النهي نسخ عنه حكمه، فمن يقول: لا يجوز نسخ الشيء قبل وقته، يمنع النسخ في هذه الصورة؛ لأن عنده الشيء الواحد لا يكون مأمورًا به منهيًا عنه، أو منهيًا عنه مأذونًا فيه؛ على قاعدة الاعتزال في الحسن والقبح؛ لأن النهي يعتمد المفسدة، والإذن يعتمد تجويز الإقدام عليها، وأنه قبيح، بل لا بد عندهم من أن يفعل الفعل، ولو مرة واحدة حتى يكون للنهي، أو للأمر أثر في الوجود.
ومذهبنا جواز النسخ مطلقًا؛ فقوله: " إلا على قول من يجوز " نحن الذين نجوز ذلك، وعبارته تقتضي الاستبعاد، وليس كذلك.
(سؤال)
هذا البحث من الإمام يرِدُ عليه ما في حد النسخ بعد هذا ؛ لأنه اشترط التراخي عن المنسوخ، وهاهنا فرضه عقيبه، فيكون الشرط في الحد باطلًا مع أن هذا الشرط ذكره الجماعة كلهم فيما علمت؛ فيكون هذا نقضًا على الجميع، أو تكون هذه الفتوى باطلة؛ إن صح ذلك الشرط في حد النسخ.
ولا فرق عند المعتزلة بين ما لم يأت وقته، وبين الحاضر قبل فعله؛ للزوم العبث في الجميع؛ فلذلك سوى المصنف بين البابين هاهنا، وإن كان القول المفروض لم يفرض له وقت مستقبل، فهو سؤال يرد عليه، ويندفع بأنهم لا يفرقون.
стр. 2261
(سؤال)
يشترط في الناسخ أن يكون مساويًا، أو أقوى، والقول أقوى، فكيف ينسخ بالفعل الأضعف ؟
جوابه: اشترط المساواة والقوة، إنما هو باعتبار السنة والرواية، لا باعتبار الدلالة، فينسخ المتواتر المتواتر، وإن اختلفت الدلالة، والآحاد الآحاد، وإن اختلفت الدلالة، وكان المنسوخ أقوى، وضعف الفعل إنما هو من جهة الدلالة.
وأما السنة، فالوحي أتى رسول الله ﷺ بالإقدام على الفعل، فأفاده القطع؛ كما أفاده في القول السابق؛ لأن المخبر في الصورتين هو جبريل عن الله تعالى.
قوله: "إذا تناول القول الأمة فقط، قدم القول في حقهم؛ لئلا يلغو":
تقريره: من وجه آخر من معنى كلامه أن فعله ﵇ دليل الوجوب علينا، وهو يتناوله ﵇ بطريق الأولى؛ فيكون عاما بالنسبة إلى القول؛ ليتناول القول لنا خاصة، وإذا تعارض الخاص والعام؛ قدم الخاص على العام.
قوله: "إن تناوله القول مع الأمة وخص ﵇ بالقول وأمته داخلة فيه":
تقريره: أن حمل فعله ﵇ على اختصاصه به أقرب للجمع بين الدليلين، فيتناولنا نحن القول بعد ذلك كما كان، وهو أولى من تعطيل القول بالكلية، ولم يقل هاهنا بالنسخ؛ لأن من شرطه التراخي، وهذا عقيبه.
وهذا هو الفرق بين هذا القسم، والقسم الذي بعده، إذا كان الفعل متراخيًا عن القول، ويرد عليه السؤال المتقدم: أنه يصح في حقه عليه السلام
стр. 2262
بالمقارن المعقب القول السابق الخاص به غير أن من الفرق أن التخصيص هنالك لعذر؛ لأن القول لم يتناول غيره، وهاهنا تناولنا معه، فأمكن التخصيص به.
قوله: "إن تراخي الفعل عن القول المتناول لنا وله ﵇ صار منسوخًا عنا وعنه":
تقريره: أن حكم الفعل المتأخر يعمنا أيضًا من جهة أدلة التأسي، فهما دليلان عامان في حقنا وحقه ﵇ وقد تنافيا؛ فينسخ المتأخر المتقدم لتعذر التخصيص ضرورة التساوي، وكذلك إن تناولنا دونه نسخه عنا الفعل المتأخر؛ لعموم التأسي.
قوله: "إن كان القول المتأخر خاصًا به، وعقيب الفعل خصصه ﷺ من ذلك العموم":
تقريره: أن الفعل في نفسه لا عموم له؛ حتى يقال: خصصه من ذلك العموم، وإنما معناه: أن الفعل دل فيه الدليل على التكرار، فلا يلزمه فعله بعد ذلك، وإن كان الفعل الذي وقع يستحيل رفعه، بل التخصيص بحسب المستقبل، هذا هو المتجه، وكذلك يكون القول المتأخر الخاص بالأمة مخصصا لها من عموم الفعل؛ غير أن هاهنا لا يشترط التكرار في الفعل، بل يكتفى بعدم لزوم مثله للأمة، ويكون القول مخصصا للدليل الدال على لزوم مثل فعله ﵇ لنا، فيحمل ذلك الدليل على غير هذا الفعل.
قوله: "وإن كان القول المتأخر عامًا فيه ﵇ وفيهم، سقط حكم الفعل عنه ﵇ وعنهم".
تقريره: أنا هاهنا لا نحتاج للنسخ، ولا للتخصيص، أما التخصيص فلتساوي الدليلين في العموم، أما القول، فبالغرض، وأما الفعل، فعمومه لأدلة التأسي، فلا تخصيص حينئذ، وأما النسخ فلا يلزم أيضًا.
стр. 2263
وإن قلنا بالسقوط؛ لأنا نجعل هذا القول المتأخر مانعًا من لزوم تكرار الفعل في حقه ﵇ لأن الفعل الذي وقع لا يمكن أن يقال: سقط عنه؛ لأن التصرف في الواقعات محال، فلم يبق إلا لزوم التكرار، فيكون هذا القول المتأخر مخصصًا للدليل الدال على أن الفعل ينبغي أن يتكرر، فيحمل على ما عدا هذا الفعل، فيثبت التخصيص بالنسبة إلى ذلك الدليل، لا بالنسبة إلى عموم هذا الفعل، وأما في حقنا فيجعل القول المتأخر مانعًا من لزوم مثل الفعل المتقدم لنا، فيكون مخصصًا لأدلة التأسي، فنحملها على ما عدا هذا الفعل، فقوله: "سقط الفعل عنه وعنهم" لا يستلزم تخصيصًا بين هذين الدليلين، ولا نسخًا؛ بل التخصيص في أدلة أخرى؛ كما تقدم.
ولا يلزم هاهنا سؤال النسخ بالمقارن؛ لأنا لم نقل به، بل قلنا بالسقوط، وهو أعم.
قوله: " وإن تراخي القول عن الفعل، وهو عام فيه ﵇ وفي أمته، نسخ حكم الفعل عنه وعن أمته ".
تقريره: أنا حكمنا هاهنا بالنسخ؛ لوجود التراخي، الذي هو شرط النسخ؛ كما سيأتي في حده، وقد ثبت حكم التكرار في حقه ﵇، ولزوم مثله لنا بمضي زمان يقبل ذلك، وجاء القول بعد ذلك يمنع من الأمرين، وهذا هو النسخ؛ لأن النسخ تخصيص في الأزمان على ما سيأتي، وعلى رأي القاضي أيضًا يتأتى ذلك بأن نقول: كان لزوم التكرار، ولزوم مثله علينا، ثابتا في نفس الأمر، وهذا القول المتأخر نسخه وقطعه، فتصور النسخ على المذهبين؛ فلذلك صرح هاهنا بالنسخ، ولم يصرح به في القسم الذي قبله؛ حيث كان القول متعقبًا، بل صرح بالسقوط الذي هو أعم.
قوله: "دلالة الفعل لا تستغني عن القول":
стр. 2264
تقريره: أن الفعل لا يكون دليلًا شرعيًا؛ حتى يرد النص بنصبه دليلًا، وأما القول، فهو دليل بالوضع من غير نصبه من جهة الشارع.
فإن قلت: لو لم قرر الشرع أحكامه، وشريعته على اللغة العربية، لما اعتبرنا أوضاع العرب، وإن كانت تدل على الأحكام، بل لما ورد قوله تعالى: ﴿قرآنًا عربيًا﴾ [الزمر: ٢٨] وغير ذلك من النصوص، اعتبرنا أوضاع العرب، فقد صارت الأقوال تفتقر للأدلة السمعية، كالأفعال.
قلت: هذا مسلم وسؤال حسن، غير أن الترجيح هاهنا بأصل الفهم لا بالفهم المخصوص، فاللفظ يفهم من حيث إنه موضوع، ورد الشرع باعتباره أم لا، والفعغل لا يكون مفهمًا إلا بتنصيص الشارع على ذلك.
فإن قلت: اللفظ الموضوع لا يصح الجزم بأنه لا يفتقر إلى الفعل، فقد يفتقر إلى الفعل حالة المواضعة؛ كالإشارة من الواضع أن هذا اللفظ موضوع لذلك، أو غير ذلك من الأفعال التي بها يعلم الولد لغة أبويه.
قلت: الفعل لا يتعين في الوضع، بل القرائن المفيدة للوضع أعم نت الأقوال والأفعال، وأما الفعل فلا بد فيه من القول.
وهذا كاف في الترجيح.
قوله: "نقطع بأن القول قد يتناولنا؟ وأما الفعل، فبتقدير أن يتأخر، كان متناولًا لنا، وبتقدير التقدم، لا يكون متناولًا لنا":
تقريره: أن الفعل، إذا تقدم، كان منسوخًا، فلا يتناولنا، وإن تأخر، لم يكن منسوخًا بالقول، فقد ترد بين التناول وعدمه؛ بخلاف القول.
فإن قلت: هذا التقدير مشترك في القول أيضًا؛ لأنه إن تقدم، كان منسوخًا أيضًا؛ فقد دار أيضًا بين النسخ وعدمه.
قلت: سؤال حسن قوي، وقد أشكل على جماعة من الفضلاء جوابه.
стр. 2265
والجواب عنه: أن مراد المصنف: أن اللفظ: يتناولنا بوضع اللغة، وإن لم ترد الشرائع؛ لأن دلالته وضعية، بل شأن هذا اللفظ أنه، متى اطلع على هذا الوجه، يتناولنا، ورد الشرع أم لا؟
وأما الفعل: فإنما يتناولنا، إذا نصبه الشرع دليلًا مفيدًا للحكم، فإذا نصبه الشرع إنما ينصبه دليلًا مفيدًا، إذا لم يكن منسوخًا، أما المنسوخ، فباق على الأصل، مستثنى من أصل نصب الشرع دليلًا، وإذا كان المنسوخ مستثنى، وغير المنسوخ هو المنصوب، فهذا الفعل دائر بين أن يكون من المستثنى الذي ليس بدليل الذي لا يتناولنا، وبين أن يكون مما يتناولنا، فقد دار بين الإلغاء والاعتبار؛ بخلاف القول متناولًا لنا بوضع اللغة قطعًا، ويؤول الفرق إلى أن إفادة اللفظ لغوية؛ لا يمنعها النسخ، ودلالة الفعل شرعية؛ يمنعها النسخ، وأن الواضع للغة وضعه، دالا، نسخ حكمه أم لا، وواضع الفعل دليلًا، إنما وضعه، حيث لم يكن منسوخًا.
فإن قلت: لم لا يقال: نصب الشرع الفعل دليلًا مطلقًا؛ حتى يرد المانع والمخصص، كما نقول في صيغة العموم، والأوضاع اللغوية: الأصل أن تكون حجة < حتى يقوم المعارض؟.
قلت: المانع من اعتقاد هذا أنه لم يفهم عن الشارع في نصبه الفعل دليلًا ذلك؛ بل للأدلة الدالة على وجوب التأسي، قطعنا بأن الله تعالى ما اراد بها الأفعال المنسوخة، وإذا قطعنا بعدم إرادتها من تلك الادلة، لم نعتقد أن الأصل دلالتها مطلقًا من جهة الشارع؛ بخلاف المنقول عن اللغة؛ إذ الصيغة دالة مطلقًا؛ حتى يقوم المعارض.
(تنبيه)
بحث الإمام في هذا القسم، إذا جهل التاريخ، يقتضي أن البعض متناول
стр. 2266
لنا مع أنه يفرضه، بل جزم بالفتيا من غير فرض لذلك، لكن بحثه لا يتم إلا به؛ فيتعين.
(تنبيه)
إذا فعل ﵇؛ على خلاف القول الذي سبق إلى الذهن أن ذلك القول يتعين أن يكون نهيًا، فينهى عن شيء ويفعله، فيدل ذلك على إباحته، وهو أيضًا متصور في الأمر، بأن الأمر يؤمر بشيء فيفعل ضده، في ذلك الوقت الذي هو واجب عليه فيه.
(تنبيه)
إذا قلنا: ينسخ القول الفعل عنا أو بالعكس، فهذا له حالتان:
إن كان في زمانه ﵇ وبحضرته ﷺ فقد استويا في المستند؛ لأن الكل محسوس بالسماع والرؤية منه ﷺ .
وإن لم يكن ذلك بحضرته، ولا في زمانه ﵇؛ بل نقل ذلك إلينا، فلا بد أن يكون الناسخ مساويًا للمنسوخ في السند، أو أقوى، فلو كان أحدهما متواترًا، والآخر آحادًا لم ينسخ امتواتر بالآحاد، كان قولًا أو فعلًا، متراخيًا أم لا، وكلام المصنف محمول على هذا التفصيل، لا على الإطلاق، وهو ممكن أن يورد سؤالًا على الكتاب.
(فائدة)
قال سيف الدين: إذا تعارض قوله ﵇ وفعله، ولم يكن الدليل دل على تكرر الفعل بأن يفعل فعلًا في وقت، ويقول بعده على
стр. 2267
الفور، أو على التراخي: (لا يجوز مثل هذا الفعل في هذا الوقت) فلا تعارض بينهما؛ لأن القول لم يرفع حكم الفعل المتقدم، والفعل لم يدل دليل على ذكره؛ حتى يتناول الوقت الثاني، وإن تقدم القول، مثل أن يقول: "يجب علي كذا في وقت كذا" ثم يفعل ضد ذلك الفعل في ذلك الوقت، فمن جوّز نسخ الحكم الممكن، قال: ينسخ حكم القول.
ومن منع قال: يمتنع وقوع ذلك على وجه العمد، إلا إذا جوزنا المعصية، وإن كان القول عامًا لنا وله، والفعل متقدم، فلا معارضة، وإن كان لم يدل دليل على التكرار، ولا على وجوب التأسي، وإن تقدم القول الشامل لنا وله، حصل التعارض بالنسبة إليه ﷺ كما لو كان القول خاصًا به، ولا معارضة بالنسبة إلينا، إن لم يدل دليل على التأسي، ولا التكرر فإن ذلك الدليل على تكرر الفعل في مثل ذلك الوقت، وعلى وجوب التأسي به ﷺ ، والقول خاص به، وتقدم الفعل نسخه القول في حقه في المستقبل، دون أمته؛ لعدم تناول القول لهم، وإن تقدم القول نسخه الفعل المتأخر في حقه، إن كان بعد التمكن، وإلا خرج على الخلاف في النسخ قبل التمكن، وكان موجبًا للفعل على أمته، إن كان القول خاصًا به، فإن جهل التاريخ، والقول خاص به، فلا معارضة بالنسبة لأمته؛ لعدم تناول القول لهم.
وأما بالنسبة إليه، فقيل: يجب العمل بالقول؛ لأنه أقوى.
وقيل: بالوقف؛ حتى يتبين التاريخ.
قال: والمختار هو تقديم القول، فإن خصّنا القول، وتقدم الفعل، نسخه الفعل في حقنا، دونه ﵇، أو تقدمه القول، فهل ينسخه الفعل عنّا دونه ﵇؟ يخرج على الخلاف المتقدم فيما إذا كان القول خاصّا به.
стр. 2268
قال: والمختار هو تقديم القول، وإن عمّنا القول وإياه، نسخ المتأخر المتقدم منهما عنّا وعنه ﷺ على ما تقدم من التفصيل في التعقيب والتراخي، فإن جهل التاريخ، فالخلاف كالخلاف، والمختار كالمختار، وهذا كله فيما إذا دل الدليل على تكرر الفعل في حقه ﵇، وعلى تأسي الأمة به.
أما إن دل على التكرر دون التأسي، والقول خاص بالأمة، فلا تعارض؛ لعدم وجوب التأسي، أو خاص به ﵇ أو عام له ولأمته، فالتعارض بين القول والفعل إنما هو بالنسبة إليه ﵇ دون الأمة، لعدم وجوب التأسي.
قال: ولا يخفى الحكم سواء تقدم الفعل أو تأخر، أو جهل التاريخ، فإن دل الدليل على التأسي، دون التكرر في حقه، والقول خاص به ﵇ متأخر عن الفعل، فلا معارضة لا في حقه، ولا في حق أمته، أو متقدم على الفعل؛ نسخ الفعل حكم القول في حقه؛ على ما تقدم من التفصيل دون أمته.
فإن جهل التاريخ، فالخلاف المتقدم، وإن كان القول خاصّا بأمته، فلا معارضة بالنسبة إليه ﷺ بل بالنسبة للأمة، فينسخ المتأخر المتقدم.
وإن جهل التاريخ، فالخلاف المتقدم، والمختار هو المختار، وإن كان القول عامًا لنا وله ﵇ وتقدم الفعل، فلا معارضة؛ بالنسبة إلى النبي ﵇، ونسخ الفعل في حق الأمة، وإن تقدم القول، نسخه الفعل في حق النبي ﵇ وحق الأمة.
فإن جهل التاريخ، فالخلاف كالخلاف، والمختار كالمختار.
стр. 2269
قلت: صرح سيف الدين بأمور لم يصرح بها المصنف:
منها ك أنه صرح بأن القول قول النبي ﷺ ، وإطلاق المصنف يحتمل الكتاب والسنة.
ومنها: أنه قسم المسألة إلى دلالة الدليل على التأسي، وتكرر الفعل، وإلى عدم دلالة الدليل على التكرر والتأسي، أو التأسي دون التكرر، أو التكرر دون التأسي، وهذا حرف يحتاج له في المسألة، لم يتعرض المصنف إليه، بل أطلق القول.
ومنها: حكايته الخلاف في جهل التاريخ، ولم يتعرض له المصنف.
(فرع)
نهى ﷺ عن استقبال القبلة.
قوله: " المجموع المركب من دليل التأسي، وفعله أخص من عموم النهي ".
تقريره: أن هذا المجموع يقتضي إباحة استقبال القبلة في البنيان، فهو كما لو قال: لا تستقبلوا القبلة، ثم قال: يجوز استقبال القبلة في البنيان؛ فإن الثاني أخص من الأول، والأخص مقدم على الأعم.
قوله: " إذا عارض الفعل فعل آخر، فذلك على وجهين:
أحدهما: ان يفعل ﵇ فعلا، ويعلم بالدليل وجوب التأسي به في ذلك الفعل، ثم يرى بعد ذلك قد أقر بعض الناس على فعل ضده، فيعلم أنه خارج منه ".
تقريره: أن الإقرار ترك، والترك فعل؛ لأنه ملابسة الضد، فلذلك جعل الإقرار فعلا، فيعلم أن ذلك الذي اقره ﵇ خارج من عموم التأسي في ذلك الفعل.
стр. 2270
قال الإمام في (البرهان) وأبو الحسين في (المعتمد): إنما يكون الترك للإنكار دليل الجواز، إذا لم يعلم أنه نهى عنه، وأن الامتناع تعدد؛ فلا يدل، وقد كان ﵇ يمر بالمشركين بـ (مكه) على أنواع كفرهم، ولم يترك الإنكار عليهم في ذلك لحظه؛ لأنه نهي لا فائده فيه للعلم به.
(فائده)
قال سيف الدين: لا يتصور التعارض بين أفعال النبي ﷺ بحيث ينسخ البعض البعض، أو يخصصه ؛ لان الفعلين إن تما ووقعا في وقتين كصلاة الظهر اليوم، وصلاتها غدا، ولا تعارض.
وإن تعذر اجتماعهما؛ تناقض أحكامهما؛ كالظهر والعصر، أو تناقضا في انفسهما؛ كما لو صام في وقت معين، وأكل في مثل ذلك الوقت، فلا تعارض؛ لإمكان أن يكون الفعل واجبا في وقت، وغير واجب في وقت آخر، فلا تعارض؛ لأنه لا عموم للفعل، فغن دل الدليل على وجوب مثل ذلك الفعل في ذلك الوقت، جوز تكرره، أو دل الدليل على لزوم تأسي أمته به في ذلك الوقت، وترك ذلك الفعل في ذلك الوقت مع الذكر له، والقدرة عليه دل ذلك على نسخ حكم ذلك الدليل الدال على التكرر، وكذلك إقراره لبعض الأمة على الضد مع القدرة على الفعل، والعلم به، والقدرة على الإنكار، ودل على نسخ ذلك الدليل المقتضي لتعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص، أو تخصيصه لا نسخ حكم الفعل، ولا تخصيصه.
قال الغزالي في (المستصفى): لا يتصور التعارض بين الأفعال البتة بما هي افعال؛ لأن الفعلين لا بد أن يقعا في زمانين، فلا تعارض؛ لعدم المنافاة؛
стр. 2271
بخلاف الأقوال لها صيغ تتعلق بالأزمان، فيوجب ذلك التعلق التعارض، فهذا هو الفرق
قال ابن العربي في (المحصول): إذا اختلفت أفعال رسول الله ﷺ في نازلة على وجهين مختلفين فصاعدا، فثلاثة أقوال: التخيير - وتقديم المتأخر؛ كالأقوال إذا تأخر بعضها - وحصول التعارض، وطلب الترجيح من خارج؛ كما اتفق في صلاة الخوف صليت على أربع وعشرين جهة، يصح منها ستة عشر جهة أجهر فيها.
وقال مالك والشافعي: يرجع ما هو الأخير منها، إذا علم.
قال: والصحيح أنها لم تختلف، وإنما كان ذلك بسبب اختلاف الأحوال.
قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): إذا تعارض القول والفعل، فثلاثة أقوال بين أصحابنا:
القول أقوى، الفعل أقوى، هما سواء، فحكى الخلاف؛ على خلاف حكاية ابن العربي، فيحصل من مجموع النقيلين: أن في المسألة أربعة أقوال بأن يزاد على نقل أبي إسحاق: المتأخر منهما متقدم، ولم يتعرضا للتفصيل الذي ذكره المصنف ولا غيره، فلعل هذا الخلاف على هذه الصورة محمول على بعض الصور، وإلا فهو مشكل؛ لتعذر الجمع بين ظواهر هذه النقول.
(تنبيه)
قال المصنف: التخصيص والنسخ في الحقيقة إنما لحق ما دل على أن ذلك الفعل لازم لغيره ، وأنه لازم له في مستقبل الأوقات.
وقولنا: (أينسخ الفعل)؟ معناه: زال التعبد بمثله، و (انه لحقه التخصيص) معناه: أن بعض المكلفين لا يلزمه مثله.
стр. 2272
قلت: يعسر الجمع بين هذا وبين ما تقدم من أن الفعل دليل على الوجوب في حقنا، وإذا كان دليلا قد نصبه صاحب الشرع، أمكن لحوق التخصيص له كسائر الأدلة، وكذلك يلحقه النسخ، إذا علم أن العموم مراد منه في جميع الأزمنة، فإذا وقع بعد ذلك التخصيص، كان نسخا، كما إذا علم أن العموم مراده من قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] ثم يرد بعد العلم بإرادة العموم رفع القتل عن بعضهم، فإنه نسخ، وكذلك قال العلماء: من شرط التخصيص أن يكون واردا قبل العمل بالعام، فمتى عمل به، علم أن العموم مراد، فلا يتصور التخصيص، ويتعين النسخ.
(تنبيه)
متى أمكن الحمل على التخصيص، لا يصار إلى النسخ ؛ لأن التخصيص أهون، وأقرب للجمع.
***
стр. 2273
القسم الثالث
قال الرازي: في أن الرسول ﷺ هل كان متعبدا بشرع من قبله؟ وفيه بحثان
البحث الأول:
أنه قبل النبوة، هل كان متعبدا بشرع من قبله؟! أثبته قوم، ونفاه آخرون، وتوقف فيه ثالث.
احتج المنكرون بأمرين:
الأول: أنه لو كان متعبدا بشرع أحد، لوجب عليه الرجوع إلى علماء تلك الشريعة، والاستفتاء منهم، والأخذ بقولهم، ولو كان كذلك، لاشتهر، ولنقل بالتواتر؛ قياسا على سائر أحواله، فحيث لم ينقل، علمنا أنه ما كان متعبدا بشرعهم.
الثاني: أنه لو كان على مله قوم لافتخر به أولئك القوم، ولنسبوه إلى أنفسهم، ولاشتهر ذلك.
فإن قلت: " لو لم يكن متعبدا بشرع أحد، لاشتهر ذلك ".
قلت: الفق أن قومه ما كانوا على شرع أحد، فبقاؤه لا على شرع ألبتة لا يكون شيئا؛ بخلاف العادة، فلا تتوفر الدواعي على نقله، أما كونه على شرع، لما كان بخلاف عادة قومه، فوجب أن ينقل.
احتج المثبتون بأمرين:
стр. 2274
الأول: أن دعوة من تقدمه كانت عامة، فوجب دخوله فيها.
الثاني: أنه كان يركب البهيمة، ويأكل اللحم، ويطوف بالبيت.
والجواب عن الأول: أنا لا نسلم عموم دعوة من تقدمه.
سلمناه؛ لكن لا نسلم وصول تلك الدعوه إليه بطريق يوجب العلم، أو الظن الغالب، وهذا هو المراد من زمان الفترة.
وعن الثاني، أن نقول: اما ركوب البهائم، فهو حسن في العقل، إذا كان طريقا إلى حفظها بالعلف وغيره، وأما أكله لحم المذكى، فحسن ايضا؛ لانه ليس فيه مضرة على الحيوان، واما طوافه بالبيت، فبتقدير ثبوته، لا يجب - لو فعله من غير شرع - أن يكون حراما.
التقسيم الثالث
قال القرافي: قوله: (وفيه بحثان):
البحث الأول
هل كان النبي ﵇ متعبدا بشرع من قبله؟
قلت: هذه الصيغة في قوله: (متعبدا) يحتمل فتح الباء، فيكون اسم مفعول، وكسرها، فيكون اسم فاعل، والذي يظهر لي الكسر؛ بمعنى أنه هل كان ﵇ يعبد الله تعالى ويتقرب إليه على وضع شريعة اختارها؛ لعلمه بفساد ما عليه الجاهلية، أم كان تحنثه في غار حراء وغيره بمقتضى المناسبة عنده، لا ملتزما شريعة متقدمة؛ لعدم ثبوتها عنده.
стр. 2275
وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك﴾ [الشرح: ٢/ ٣]، قال: هو الثل الذي كان يجده من علمه بأن ما عليه الجاهلية خطأ، وكان يقترح اشياء يتحنث بها، ويتردد، هل هي موافقة لله تعالى أم لا؟ بمعنى أن الله تعالى قد يكون نهى عنها، أو أمر بها أم لا، في شريعة من الشرائع ولا بعدها، وجميع الطاعات والمعاصي بالنسبة إلى الله تعالى سواء؛ لا تضره المعصية، ولا تنفعه الطاعة، وإنما ينشأ حسن هذه الأمور عن الأمر والنهي فقط، فكان ﵇ يجد لعدم علمه بالأمر والنهي في ذلك مشقة عظيمة، وثلا كبيرا، فلما جاء الوحي، زال ذلك الثقل ووضع عنه، وبقى على بصيرة في أمر الله تعالى ونهيه، فذلك الوزر الموضوع؛ لأن الوزر هو النثل لفة، فهذا هو معنى قولنا: إنه هل كان متعبدا بشرع من قبله؟ ويدل على ذلك أن سيف الدين الآمدي وغيره لما نقل الخلاف في هذه المسألة قال: نفى التعبد أبو الحسين البصري وغيره.
واختلف المثبتون
فمنهم: من نسبه إلى شرع نوح.
ومنهم: من نسبه إلى شرع إبراهيم.
ومنهم: من نسبه إلى شرع موسى.
ومنهم: من نسبه إلى شرع عيسى.
ومنهم: من قضى بالجواز.
[ومنهم: من] يتوقف في الوقوع كالغزالي، والقاضي عبد الجبار، وغيرهما، وإذا كان من جملة الخلاف بالنسبة إلى عيسى وموسى، والقاعدة المقررة أن كل نبي لا يتناول شريعته، إلا قومه وذراريهم، دون غيرهم، فشريعة موسى وعيسى
стр. 2276
عليهما السلام لا يتناول إلا بني إسرائيل، وذراريهم دون غيرهم، ورسول الله ﷺ لم يكن من ذراري بني إسرائيل؛ فلا تتناوله شريعتهما، فلا يكون الله تعالى قد تعبده بشرعهما إجماعا؛ على هذا التقدير، وإنما يتأتى بحكاية الخلاف في ذلك، إذا صح ما ذكرته، وهذا الاستشهادلا يتم في شريعة إبراهيم ونوح ﵉؛ لأنه ﵇ من ذريتهما.
ويؤكد ما ذكرته إجماع الأمة على أن المعاصرين لرسول الله ﷺ كانوا مكلفين بالإيمان بالشرائع المتقدمة، وكذلك انعقد الإجماع على أن كفارهم في النار، ولولا التكليف، لم يؤاخذوا بالكفر، فيكون أهل ذلك العصر بجملتهم مكلفين بشرع من قبلهم، ورسول الله ﷺ منهم.
وإذا كان التكليف مجمعا عليه، يكون فتح الباء مجمعا عليه، فلا يستقيم حكاية الخلاف فيه، بل في كسر الباء خاصة، ومن التزم فتحها، يتعين عليه أن يقول ذلك في الفروع، دون الأصول؛ لحصول الإجماع في الأصول في حق جميع الناس، وهو ﵇ منهم، ونقول: هو متعبد بشرع من قبله إجماعا باعتبار الأصول، هذا هو الذي يظهر لي، غير أنه قد وقع لبعضهم ما يدل على خلاف ذلك.
قال سيف الدين: غير مستبعد من الله تعالى أن يعلم أن مصلحة الشخص يقتضي أنه يعتقد أن الله تعالى هو المتعبد له بذلك، وعلى هذا تكون الباء مفتوحة، وهذا الموضع بخلاف قولنا: النبي ﵇ متعبد بعد النبوة بشرع من قبله، وكذلك أمته، وهي المسألة الثانية التي بعد
стр. 2277
هذه، فيتعين الفتح في الباء؛ لأن مقصودها أن الله تعالى كلفنا بشرع من قبلنا؛ بخلاف هذه المسألة فيها هذا الاحتمال، وهذا الإشكال.
(تنبيه)
قال المازري والابياري في (شرح البرهان) والإمام في (البرهان): هذه المسألة لا يظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع .
قال الإمام في (البرهان): بل يجري مجرى التواريخ؛ فإنا إنما نتعبد أصلا وفرعا بما بعد البعثة فقط، وكذلك قاله التبريزي.
(فائدة)
الفترة ثلاثة أقسام: إما لعدم البعثة ألبتة أو لكونهم من القوم الذين لم يبعث إليهم أو في بعض الفوع، أو كلها، دون الأصول؛ لانقطاع الشريعة بذلك وحده.
قوله: " لم تصل الشريعة المتقدمة إليه علما ولا ظنا، وهذا هو المراد من زمان الفترة ".
قلنا: لم يكن للجاهلية زمان فترة، لإجماع الأمة على أن من لم يسلم منهم، ومات قبل النبوة، فإنه في النار، واهل الفترة لا يجزم بأنهم في النار؛ لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥].
وقد قال العلماء: أهل الأعراف الذين ليسوا في النار هم أهل الفترة، وصبيان المشركين، وقوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.
فإن قلت: هذه فترة بالنسبة إلى الفروع دون قواعد العقائد، فهم يعذبون باعتبار الشرك، لا باعتبار الفروع؛ لعدم نقلها في زمانهم، وفسادها بالكلية.
стр. 2278
ومن شرط التكليف: ثبوت المكلف به علمًا، أو ظنًا صحيحًا، وقد انتفيا في الفروع، فهي فترة بالنسبة إلى بعض الأحكام.
قلت: هذا لا أنكره، إنما انكرت الإطلاق في الفترة؛ فإنع يوهم ما جرت به العادة في الفترة، وهو عدم التكليف مطلقًا.
قوله: " ركوب البهيمة حسن في العقل، وكذلك أكل اللحم ":
قلنا: القاعدة أن الحسن والقبح العقليين باطلان، بل نقول في الجواب: إن فعله لذلك حتمل أن يكون؛ لشريعة نقلت إليه، ويحتمل أن يكون؛ لاعتقاده ارتفاع الشرائع بحسب الفترة، وأن جميع ما يلابسه الإنسان حينئذ ليس لله تعالى فيه منه، ولا حكم ألبتة، فيفعله حينئذ؛ لعدم المانع، لا لوجود المقتضى من الشرائع، أو لأنه اقترحه؛ لأنه غلب على ظنه أننه لو كان لله تعالى في هذه الأفعال حكم، لكان هذا المقترح، وإذا كان دائرا بين هذه الاحتمالات، لا يلزم أحدها عينا؛ لأنه ترجيح من غير مرجح.
(سؤال)
قول المنكرين: " لو كان متعبدا بشريعة، لراجع أهل تلك الشريعة ":
قلنا: لا نسلم؛ لاحتمال أن يكون التعبد وقع بفروع خاصة، انضبطت في أول مرة، فاستغنى عن المراجعة، ومطلق التعبد أعم من كونه تحمل الشريعة، فلا تصدق الملازمة أنه لو كان متعبدا لراجع، وكذلك سؤال الافتخار به ﵇؛ لاأنه إنما يلزم أن لو كان يراجعهم، حت يشعروا بذلك، أما لا فلا.
قوله: " لا نسلم عموم دعوة من تقدمه ": غير مسلم؛ فإن دعوة إبراهيم ﵇ كانت تناوله، وكذلك دعوة نوح وإسماعيل ﵉؛ لأنه من ذريتهم؛ بخلاف موسى وعيسى ﵉.
***
стр. 2279
البحث الثاني
قال الرازي: في حاله ﵇ بعد النبوة .
قال جمهور المعتزلة، وكثير من الفقهاء: إنه لم يكن متعبدا بشرع أحد.
وقال قوم من الفقهاء: بل كان متعبدا بذلك، إلا ما استثناه الدليل الناسخ، ثم اختلفوا، فقال قوم: كان متعبدا بشرع إبراهيم، وقيل: بشرع موسى، وقيل: بشرع عيسى.
واعلم أن من قال: غنه كان متعبدا بشرع من قبله: إما أن يريد به أن الله تعالى كان يوحى إليه بمثل تلك الأحكام التي أمر بها من قبله، أو يريد: أن الله تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم.
فإن قالوا بالأول: فإما أن يقولوا به في كل شرعه، أو في بعضه والأول معلوم البطلان بالضرورة؛ لأن شرعنا يخالف شرع من قبلنا في كثير من الأمور.
والثاني مسلم، ولكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنه كان متعبدا بشرع غيره؛ لأن ذلك يوهم التبعية، وأنه ﷺ ما كان تبعا لغيره، بل كان أصلا في شرعه.
وأما الاحتمال الثاني، وهو: حقيقة المسألة: فيدل على بطلانة وجوه:
الأول: لو كان متعبدا بشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث إلى شرعه، ألا يتوقف إلى نزول الوحي، لكنه لم يفعل ذلك لوجهين:
الأول: أنه لو فعل، لاشتهر.
стр. 2280
والثاني: أن عمر ﵁ طالع ورقة من التوراة، فغضب رسول الله ﵊، وقال: " لو كان موسى حيا، لما وسعه إلا اتباعي " ولما لم يكن كذلك، علمنا أنه لم يكن متعبدا بشرع أحد.
فإن قيل: الملازمة ممنوعة؛ لاحتمال أن يقال: إنه ﷺ علم في تلك الصور: أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله، فلا جرم توقف فيها على نزول الوحي، أو لأنه ﵊ علم خلو شرعهم عن حكم تلك الوقائع، فانتظر الوحي.
أو لأن أحكام تلك الشرائع، إن كانت منقوله بالتواتر، فلا يحتاج في معرفتها الى الرجوع إليهم، وإلى كتبهم، وإن كانت منقولة بالآحاد لم يجز قبولها؛ لأن اولئك الرواة كانوا كفارا، ورواية الكافر غير مقوبلة.
سلمنا الملازمة، لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم، لما احتكم إليه اليهود.
والجواب: قوله: " إنما لم يرجع إليها؛ لأنه ﵊ علم أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله ":
قلنا: فلما لم يرجع في شيء من الوقائع إليهم؛ لوجب أن يكون ذلك لأنه علم أنه غير متعبد في شيء منها بشرع من قبله.
قوله " إنما لم يرجع إليها، لعلمه بخلو كتبهم عن تلك الوقائع ":
قلنا: العلم بخلو كتبهم عنها، لا يحصل إلا بالطلب الشديد، والبحث الكثير، فكان يجب أن يقع منه ذلك البحث والطلب.
قوله:" ذلك الحكم: إما أن يكون منقولا بالتواتر، أو بالآحاد ".
следующие страницы →