Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
عليهما السلام لا يتناول إلا بني إسرائيل، وذراريهم دون غيرهم، ورسول الله ﷺ لم يكن من ذراري بني إسرائيل؛ فلا تتناوله شريعتهما، فلا يكون الله تعالى قد تعبده بشرعهما إجماعا؛ على هذا التقدير، وإنما يتأتى بحكاية الخلاف في ذلك، إذا صح ما ذكرته، وهذا الاستشهادلا يتم في شريعة إبراهيم ونوح ﵉؛ لأنه ﵇ من ذريتهما.
ويؤكد ما ذكرته إجماع الأمة على أن المعاصرين لرسول الله ﷺ كانوا مكلفين بالإيمان بالشرائع المتقدمة، وكذلك انعقد الإجماع على أن كفارهم في النار، ولولا التكليف، لم يؤاخذوا بالكفر، فيكون أهل ذلك العصر بجملتهم مكلفين بشرع من قبلهم، ورسول الله ﷺ منهم.
وإذا كان التكليف مجمعا عليه، يكون فتح الباء مجمعا عليه، فلا يستقيم حكاية الخلاف فيه، بل في كسر الباء خاصة، ومن التزم فتحها، يتعين عليه أن يقول ذلك في الفروع، دون الأصول؛ لحصول الإجماع في الأصول في حق جميع الناس، وهو ﵇ منهم، ونقول: هو متعبد بشرع من قبله إجماعا باعتبار الأصول، هذا هو الذي يظهر لي، غير أنه قد وقع لبعضهم ما يدل على خلاف ذلك.
قال سيف الدين: غير مستبعد من الله تعالى أن يعلم أن مصلحة الشخص يقتضي أنه يعتقد أن الله تعالى هو المتعبد له بذلك، وعلى هذا تكون الباء مفتوحة، وهذا الموضع بخلاف قولنا: النبي ﵇ متعبد بعد النبوة بشرع من قبله، وكذلك أمته، وهي المسألة الثانية التي بعد
стр. 2277
هذه، فيتعين الفتح في الباء؛ لأن مقصودها أن الله تعالى كلفنا بشرع من قبلنا؛ بخلاف هذه المسألة فيها هذا الاحتمال، وهذا الإشكال.
(تنبيه)
قال المازري والابياري في (شرح البرهان) والإمام في (البرهان): هذه المسألة لا يظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع .
قال الإمام في (البرهان): بل يجري مجرى التواريخ؛ فإنا إنما نتعبد أصلا وفرعا بما بعد البعثة فقط، وكذلك قاله التبريزي.
(فائدة)
الفترة ثلاثة أقسام: إما لعدم البعثة ألبتة أو لكونهم من القوم الذين لم يبعث إليهم أو في بعض الفوع، أو كلها، دون الأصول؛ لانقطاع الشريعة بذلك وحده.
قوله: " لم تصل الشريعة المتقدمة إليه علما ولا ظنا، وهذا هو المراد من زمان الفترة ".
قلنا: لم يكن للجاهلية زمان فترة، لإجماع الأمة على أن من لم يسلم منهم، ومات قبل النبوة، فإنه في النار، واهل الفترة لا يجزم بأنهم في النار؛ لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥].
وقد قال العلماء: أهل الأعراف الذين ليسوا في النار هم أهل الفترة، وصبيان المشركين، وقوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.
فإن قلت: هذه فترة بالنسبة إلى الفروع دون قواعد العقائد، فهم يعذبون باعتبار الشرك، لا باعتبار الفروع؛ لعدم نقلها في زمانهم، وفسادها بالكلية.
стр. 2278
ومن شرط التكليف: ثبوت المكلف به علمًا، أو ظنًا صحيحًا، وقد انتفيا في الفروع، فهي فترة بالنسبة إلى بعض الأحكام.
قلت: هذا لا أنكره، إنما انكرت الإطلاق في الفترة؛ فإنع يوهم ما جرت به العادة في الفترة، وهو عدم التكليف مطلقًا.
قوله: " ركوب البهيمة حسن في العقل، وكذلك أكل اللحم ":
قلنا: القاعدة أن الحسن والقبح العقليين باطلان، بل نقول في الجواب: إن فعله لذلك حتمل أن يكون؛ لشريعة نقلت إليه، ويحتمل أن يكون؛ لاعتقاده ارتفاع الشرائع بحسب الفترة، وأن جميع ما يلابسه الإنسان حينئذ ليس لله تعالى فيه منه، ولا حكم ألبتة، فيفعله حينئذ؛ لعدم المانع، لا لوجود المقتضى من الشرائع، أو لأنه اقترحه؛ لأنه غلب على ظنه أننه لو كان لله تعالى في هذه الأفعال حكم، لكان هذا المقترح، وإذا كان دائرا بين هذه الاحتمالات، لا يلزم أحدها عينا؛ لأنه ترجيح من غير مرجح.
(سؤال)
قول المنكرين: " لو كان متعبدا بشريعة، لراجع أهل تلك الشريعة ":
قلنا: لا نسلم؛ لاحتمال أن يكون التعبد وقع بفروع خاصة، انضبطت في أول مرة، فاستغنى عن المراجعة، ومطلق التعبد أعم من كونه تحمل الشريعة، فلا تصدق الملازمة أنه لو كان متعبدا لراجع، وكذلك سؤال الافتخار به ﵇؛ لاأنه إنما يلزم أن لو كان يراجعهم، حت يشعروا بذلك، أما لا فلا.
قوله: " لا نسلم عموم دعوة من تقدمه ": غير مسلم؛ فإن دعوة إبراهيم ﵇ كانت تناوله، وكذلك دعوة نوح وإسماعيل ﵉؛ لأنه من ذريتهم؛ بخلاف موسى وعيسى ﵉.
***
стр. 2279
البحث الثاني
قال الرازي: في حاله ﵇ بعد النبوة .
قال جمهور المعتزلة، وكثير من الفقهاء: إنه لم يكن متعبدا بشرع أحد.
وقال قوم من الفقهاء: بل كان متعبدا بذلك، إلا ما استثناه الدليل الناسخ، ثم اختلفوا، فقال قوم: كان متعبدا بشرع إبراهيم، وقيل: بشرع موسى، وقيل: بشرع عيسى.
واعلم أن من قال: غنه كان متعبدا بشرع من قبله: إما أن يريد به أن الله تعالى كان يوحى إليه بمثل تلك الأحكام التي أمر بها من قبله، أو يريد: أن الله تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم.
فإن قالوا بالأول: فإما أن يقولوا به في كل شرعه، أو في بعضه والأول معلوم البطلان بالضرورة؛ لأن شرعنا يخالف شرع من قبلنا في كثير من الأمور.
والثاني مسلم، ولكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنه كان متعبدا بشرع غيره؛ لأن ذلك يوهم التبعية، وأنه ﷺ ما كان تبعا لغيره، بل كان أصلا في شرعه.
وأما الاحتمال الثاني، وهو: حقيقة المسألة: فيدل على بطلانة وجوه:
الأول: لو كان متعبدا بشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث إلى شرعه، ألا يتوقف إلى نزول الوحي، لكنه لم يفعل ذلك لوجهين:
الأول: أنه لو فعل، لاشتهر.
стр. 2280
والثاني: أن عمر ﵁ طالع ورقة من التوراة، فغضب رسول الله ﵊، وقال: " لو كان موسى حيا، لما وسعه إلا اتباعي " ولما لم يكن كذلك، علمنا أنه لم يكن متعبدا بشرع أحد.
فإن قيل: الملازمة ممنوعة؛ لاحتمال أن يقال: إنه ﷺ علم في تلك الصور: أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله، فلا جرم توقف فيها على نزول الوحي، أو لأنه ﵊ علم خلو شرعهم عن حكم تلك الوقائع، فانتظر الوحي.
أو لأن أحكام تلك الشرائع، إن كانت منقوله بالتواتر، فلا يحتاج في معرفتها الى الرجوع إليهم، وإلى كتبهم، وإن كانت منقولة بالآحاد لم يجز قبولها؛ لأن اولئك الرواة كانوا كفارا، ورواية الكافر غير مقوبلة.
سلمنا الملازمة، لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم، لما احتكم إليه اليهود.
والجواب: قوله: " إنما لم يرجع إليها؛ لأنه ﵊ علم أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله ":
قلنا: فلما لم يرجع في شيء من الوقائع إليهم؛ لوجب أن يكون ذلك لأنه علم أنه غير متعبد في شيء منها بشرع من قبله.
قوله " إنما لم يرجع إليها، لعلمه بخلو كتبهم عن تلك الوقائع ":
قلنا: العلم بخلو كتبهم عنها، لا يحصل إلا بالطلب الشديد، والبحث الكثير، فكان يجب أن يقع منه ذلك البحث والطلب.
قوله:" ذلك الحكم: إما أن يكون منقولا بالتواتر، أو بالآحاد ".
стр. 2281
قلنا: يجوز أن يكون متن الدليل متواترا، إلا أنه لا بد في العلم بدلالته على المطلوب من نظر كثير، وبحث دقيق، فكان يجب اشتغال النبي ﵊ بالنظر في كتبهم، والبحث عن كيفية دلالتها على الأحكام.
قوله: " إنه رجع في ارجم إلى التوراة ":
قلنا: لم يكن رجوعه إليها رجوع مثبت للشرع بها، والدليل عليه أمور:
احدها: أنه لم يرجع إليها في غير الرجم.
وثانيها: أن التوراة محرفة عنده، فكيف يعتمد عليها؟
وثالثها: أن من أخبرة بوجود الرجم في التوراة لم يكن ممن يقع العلم بخبره.
فثبت أن رجوعه إليها، كان ليقرر عليهم أن ذلك الحكم، كما أنه ثابت في شرعه، فهو أيضا ثابت في شرعهم، وأنهم أنكروه كذبا وعنادا.
الحجة الثانية: أنه ﵇ لو كان متعبدا بشرع من قبله لوجب على علماء الأمصار أن يرجعوا في الوقائع إلى شرع من قبله؛ ضرورة أن التأسي به واجب، وحيث لم يفعلوا ذلك ألبتة، علمنا بطلان ذلك.
الحجة الثالثة: أنه ﵊ صوب معاذا في حكمه باجتهاد نفسه، إذا عدم حكم الحادثة في الكتاب والسنة، ولو كان متعبدا بحكم التوراة، كما تعبد بحكم الكتاب، لم يكن له العمل باجتهاد نفسه، حتى ينظر في التوراة والإنجيل.
فإن قلت: إن رسول الله ﷺ يصوب معاذا في العمل بالاجتهاد، إلا إذا
стр. 2282
عدمه في الكتاب، والتوراة كتاب، ولأنه لم يذكر التوراة؛ لأن في القرآن آيات دالة على الرجوع إليها، كما أنه لم يذكر الإجماع لهذا السبب.
قلت: الجواب عن الأول من وجهين:
الأول: أنه لا يفهم من إطلاق الكتاب إلا القرآن، فلا يحمل على غيره إلا بدليل.
الثاني: أنه لم يعهد من معاذ قط تعلم التوراة والإنجيل، والعناية بتمييز المحرف منها عن غيره، كما عهده منه تعلم القرآن، وبه ظهر الجواب عن الثاني.
الحجة الرابعة: لو كانت تلك الكتب حجة علينا، لكان حفظها من فروض الكفايات؛ كما في القرآن والأخبار، ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم، حيث أشكل عليهم كمسألة العول، وميراث الجد، والمفوضة، وبيع أم الولد، وحد الشرع، والربا في غير النسيئة، ودية الجنين، والرد بالعيب بعد الوطء، والتقاء الختانين، وغير ذلك من الأحكام.
ولما لم ينقل عن واحد منهم، مع طول أعمارهم، وكثرة وقائعهم، واختلافاتهم مراجعة التوراة، لا سيما، وقد اسلم من أحبارهم من تقوم الحجة بقولهم؛ كعبد الله بن سلام، وكعب، ووهب، وغيرهم، ولا يجوز القياس إلا بعد اليأس من الكتاب، وكيف يحصل الياس قبل العلم! - دل على أنه ليس بحجة.
احتجوا بأمور:
стр. 2283
أحدها: قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون﴾ [المائدة: ٤٤]
وثانيها: قوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] أمره أن يقتدى بهم.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣].
ورابعها: قوله تعالى: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ [النحل: ١٢٣].
وخامسها: قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾ [الشورى: ١٣].
والجواب عن الأول: أن قوله: ﴿يحكم بها النبيون﴾ [المائدة: ٤٤] لا يمكن إجراؤه على ظاهرة؛ لأن جميع النبيين لم يحكموا بجميع ما في التوراة، وذلك معلوم بالضرورة؛ فوجب:
إما تخصيص الحكم، وهو أن كل النبيين حكموا ببعضه، وذلك لا يضرنا، فإن نبينا حكم بما فيه من معرفة الله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله.
أو تخصيص النبيين، وهو أن النبيين حكموا بكل ما فيه، وذلك لا يضرنا. وعن الثاني: أنه تعالى أمر بأن يقتدى بهدى مضاف إلى كلهم، وهداهم الذي التفقوا عليه هو الأصول، ودون ما وقع فيه النسخ.
وعن الثالث: أنه يقتضي تشبيه الوحي بالوحي، لا تشبيه الموحى به بالموحى به.
وعن الرابع: أن الملة محمولة على الأصول، دون الفروع، ويدل عليه أمور:
стр. 2284
أحدها: أنه يقال: ملة الشافعي وابي حنيفة واحدة وإن كان مذهبهما في كثير من الشرعيات مختلفا.
وثانيها: قوله بعد هذه الآية: ﴿وما كان من المشركين﴾ [البقرة: ١٣٥].
وثالثها: أن شريعة إبراهيم ﵇ قد اندرست.
وعن الخامس: أن الآية تقتضي أنه وصى محمدا ﵊ بالذي وصى به نوحا ﵇؛ من أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وأمرهم بإقامة الدين لا يدل على اتفاق دينهما، كما أن أمر الاثنين أن يقوما بحقوق الله تعالى، لا يدل على أن الحق على احدهما مثل الحق على الآخر، وعلى أن الآية تدل على أنه تعبد محمدا بما وصى به نوحا ﵇؛ من أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وأمرهم بإقامة الدين لا يدل على اتفاق دينهما، كما أن أمر الاثنين أن يقوما بحقوق الله تعالى، لا يدل على أن الحق على أحدهما مثل الحق على الآخر، وعلى أن الآية تدل على أنه تعبد محمدا بما وصى به نوحا ﵉، والله أعلم.
البحث الثاني
في حالة ﵇ بعد النبوة
قلت: هذه المسألة هي التي يقول الفقهاء فيها: شرع من قبلنا شرع لنا.
(تنبيه)
الذي نقله المصنف ﵀ في هذه المسألة من الخلاف في شرع إبراهيم، ونوح، وموسى، وعيسى لم ينقله (البرهان) ولا (المستصفى) ولا (الإحكام) ونقلوا هذا النقل بعينه في التعبد قبل النبوة لا بعدها.
ونقل المازري الخلاف بعينه في المسألتين، وعين الأنبياء بعينهم في الحالين، فلا تظنن أن النقل غلط، وكذلك القاضي عبد الوهاب في (الملخص) وزاد في النقل؛ فقال: من الناس من قال: كان متعبدا بشريعة كل نبي تقدمه،
стр. 2285
إلا ما نسخ أو درس، وهذا لم ينقله المصنف مع أنه هو غالب أحوال الفقهاء في البحث، إذا قالوا: شرع من قبلنا شرع لنا لا يعنون نبيا معينا.
قال القاضي: ومذهب المالكية: أن جميع شرائع الأمم شرع لنا، غلا ما نسخ، ولا فرق بين موسى وغيره.
وقال ابن برهان: قيل: كان متعبدا قبل النبوة بشرع آدم ﵇؛ لأنه أول الشرائع.
وقيل: كان على دين نوح ﵇.
(قاعدة)
الشرائع المتقدمة ثلاثة أقسام:
قسم لم نعلمه إلا من كتبهم، ونقل أخبارهم الكفار، فلا خلاف أن التكليف لا يقع به علينا، ولا في حق رسوال الله ﷺ لعدم الصحة في النقل، كما نقل في التوراة في تحريم لحم الجدي بلبن أمه يشير إلى المضيرة التي يطبخها أهل الزمان.
وقسم انعقد الإجماع على التكليف به، وهو ما علمنا شرعنا أنه كان شرعا لهم، وأمرنا في شرعنا بمثله؛ كقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]. وقال تعالى لنا: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقسم ثبت أنه من شرعهم بنقل شريعتنا، ولم نؤمر به، فهذا هو موضوع الخلاف؛ كقوله تعالى حكاية عن شعيب ﵇ أنه قال لموسى ﵇: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ [القصص: ٢٧] فصرح بالإجارة، فهل نستند نحن بهذا على جواز الإجارة في شرعنا؛ فإن جوازها مختلف فيه بين العلماء.
стр. 2286
وكذلك قوله تعالى؛ حكاية عن قصة يوسف قول المنادى: ﴿وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢] هل نستدل به نحن على جواز الكفالة، هذا القسم هو موطن الخلاف، والقسمان الأولان مجمع عليهما، فلموطن الخلاف شرطان: ثبوته في شرعنا، وعدم ورود شرعنا باقتضائه منا، فمتى انخرم أحد الشرطين، انتفى الخلاف إجماعا، على النفي، أو على الثبوت.
وكذلك لما فهرس سيف الدين هذه المسألة، قال: هل كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه؛ لأنه من جهة كتبهم المبدلة، ونقل أربابها، ثم الخلاف إنما هو في القواعد، وإلا فأهل زمانه ﵇ قبل النبوة، كانوا متعبدين بالإيمان؛ لأنهم كانوا يعذبون على كفرهم، وهو فرع لتكليفهم بشرع من قبلهم، فهو ﵇ كذلك، فتفسيره ما قبل النبوة وبعدها مشكل، ويبطل بهذا ما يستدل به؛ لأنه ليس في محل النزاع من قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾ [الشورى: ١٣] ونحوه.
قوله: " إن أرادوا بالخلاف أن الله تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم، فهذا هو حقيقة المسألة ".
قلنا: كيف يتصور أن يكون هذا حقيقة المسألة، ونحن مجمعون على أن المروي عن رسول الله ﷺ بطريق لا يعلم عدالة راويه؛ أنه يحرم اتباعه، فكيف بالمنقول عن الأنبياء السالفة يقبل فيها قول الكفار الذين لم يرووا عن أسلافهم، ولا يعرفون الرواية في دينهم، بل الرواية واتصال الأسانيد من خصائص الإسلام، وغيرنا من الملليتعذر عليه ذلك؛ لكثرة الخبط، والتخليط، والتبديل، واختلاف الأهواء، فقبول مثل هذه الكتب، وهذه النقول خلاف
стр. 2287
الإجماع، فنحن إذا نقلت إلينا التواريخ لا يعمل بها؛ لعدم صحتها، ولو نقل العدل عن العدل، وفي السند واحد مجهول العدالة لا يثبت به حكما، فكيف بقوم قطعنا بكفرهم، وأهويتهم الفاسدة، وتبديلهم، وتنوع أكاذيبهم، هذا لا ينبغي أن يخطر لأحد من علماء الشريعة.
قوله حكاية: النبي ﵇: " لو كان موسى حيا، لما وسعه إلا اتباعي "
قلنا: لا يلزم من اتباع الرسل له ألا يكون متعبدا بالشرائع، لجواز أن يكون متعبدا بها، وهم على تقدير وجودهم يصيرون تابعين له فيما كانوا متبعين فيه؛ كما يصير الإمام مأموما؛ لطريان عارض.
قوله: " العلم بحكم شرعهم يتوقف على المراجعة لكتبهم "
قلنا: لا نسلم؛ بل يعلم ذلك بالوحي.
قوله: " قد يكون متن الدليل متواترا، ودلالته على المطلوب تفتقر إلى نظر دقيق ".
تقريره: أنه روى عن إمام الحرمين أنه سئل؛ هل يجوز سماع كلام المرأة الشابة؟ فقال: لا لقوله تعالى: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣] فقيل له: وأي تعلق لهذه الآية بهذه المسألة؟
فقال: الباعث لموسى ﵇ على طلب الرؤيا، إنما هو سماع الكلام، فلما سمع الكلام، اشتاق إلى الرؤية، فكذلك يلزم أن سماع كلام المرأة يبعث على رؤيتها، فلا يجوز؛ لأن رؤيتها حرام، وما يؤدي إليه يكون حراما، فمثل هذا نظر دقيق في آية متواترة، فأمكن القطع بالسند للبعد في الدلالة.
стр. 2288
(فائدة)
استدل سيف الدين، والقاضي عبد الوهاب بقوله ﷺ في قصة الربيع لما كسرت سن صبية فقال: (كتاب الله القصاص)، وأشار إلى قوله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة: ٤٥]، وذلك مما اخبر الله تعالى انه في التوراة، فتعين أن ما ثبت أنه من التوراة، يكون شرعًا لنا، فإنه ليس في القرآن ذلك إنشاء، بل حكاية عن التوراة، وأجاب سيف الدين بأن الإشارة إنما وقعت لقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤]، وأجاب القاضي بأن الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩].
قلت: وجواب سيف الدين أسدّ؛ فإن الحياة إنما تحصل من القصاص في النفوس دون الاعضاء، هذا هو السابق للذهن، ويجوز أن يراد حياة الأعضاء؛ فإن كل عضو، إذا قطع، مات، وإذا شرع القصاص حفظت عليه حياته، وفي الجوابين نظر، بسبب أن الاستدلال بالأخص بالقصة أرجح من الاستدلال بالأعم، فالاستدلال بآية الزنا على الزنا أرجح من الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ [الزلزلة: ٨] ونحوه، وآية السن أخص بالواقعة من آية الإعتداء، وآية القصاص، فيكون استدلال الخصم مقدمًا على الجواب عنه، ويجوز أن يقال، بل الجواب أرجح؛ لأنه
стр. 2289
تمسك بدليل مجمع على صحته، وهو القرآن المشار، وآية السن استدلال بشرع من قبلنا، وهو مختلف فيه، فيكون مرجوحًا بالنسبة إلى الآيتين الأخريين، وحمل كلامه على الأرجح متعين؛ لعلو منصبه ﷺ ، ومن هذا الباب قوله ﵇: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤]) وإنما كان هذا القول لموسى ﵇.
قوله: " إنما رجع للتوراة؛ ليقرر عليهم أن ذلك الحكم، كما هو ثابت في شرعه، فهو ثابت في شرعهم، وأنهم معاندون ".
قلنا: هذا الجواب مشكل، وهذا الحديث مشكل؛ من جهة أن هذه القضية كانت عند مقدمه ﵇ (المدينة) ولم تكن الحدود يومئذ تقام؛ فضلا عن الرجم الذي هو متأخر عن عزائم الغسلام، وتشديداتها التي لا تتم إلا بكمال الكلمة، وكمال الدين؛ ولأنه ورد في بعض الطرق خرجه، الطرطوشي وغيره؛ أن ابن عمر قال في روايته الحديث: " وكان حد المسلمين يومئذ الجلد " فقد اخبر الراوي؛ أن الرجم لم يكن شرعا يومئذ، فلا يستقيم الجواب.
وأما الحديث؛ فلأنه إن كان المستند قول الكفار، فمشكل على القواعد، أو الذين أسلموا من الأحبار؛ كعبد الله بن سلام وغيره، فلا يتجه أيضا؛ لأنهم، وإن كانوا عدولا عظماء في الدين؛ غير أنهم ليس لهم رواية في التوراة، لا سند متصل؛ غير أنهم وجدوا آباءهم يقرءون هذا الكتاب، والجميع من أهل الكتاب على شرائعهم، ومطالعة أحوالهم وتصرفاتهم جزم بذلك،
стр. 2290
فيتعين أنه إنما أقدم بوحي وصل غليه لم ينقل إلينا، وبهذا الطريق يتعذر الاستدلال به على أن الكافر يرجم؛ لأن ذلك الوحي الوارد يجوز أن يكون عاما في أمثال تلك الواقعة، ويجوز أن يكون خاصا بها، ناصا على عدم تعديته لغيرها، وإذا احتمل واحتمل، سقط الاستدلال؛ لاسيما، والأصل عدم العموم، وعدم التناول، وعدم الشرعية، فيقف الحال على المستدل بهذا الحديث على رجم الكفار.
ومن جملة إشكال الحديث: أنه روى أنه ﵇ سمع في القضية بينة من اليهود الكفار، نقله الطرطوشي في تعليقه، ومن جملة الإشكال، أنه ﵇ قال " اللهم إني أول من أحيا سنة أماتوها ".
وغير ذلك من الظواهر التي تقتضي الاعتماد على ظاهر التوراة، وقبول رواية الكفار وشهادتهم، ولا يندفع جميع ذلك، إلا بأن يكون وحي وصل إليه، ﵇.
قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): وموضع الخلاف في المسألة أن الله تعالى إذا اخبر في القرآن أنه شرع لبعض الأمم المتقدمة شيئا، وأطلق الأخبار، ولم يذكر أنه شرعه لنا، ولا أنه لم يشرعه لنا، ولا أنه نسخه، هل يجب علينا العمل به أم لا؟
فهذا يؤيد ما لخصته لك من القاعدة، وتبين لك بطلان اختيار الإمام في (المحصول) واختيار الغزالي في (المستصفى) كماستقف عليه إن شاء الله تعالى، وكذلك قال القاضي أبو يعلى في كتاب (العمدة)؛ أن موضع الخلاف فيما غذا ثبت شرعهم بغير نقلهم؛ كما قاله القاضي عبد الوهاب.
قوله: " أسلم من خيارهم من تقوم الحجة به ".
قلنا: لا نسلم، وإنما تقوم الحجة به، وإن كان عدلا، أو لو كان ينقل
стр. 2291
تلك الكتب عن العدل إلى موسى ﵇ وهذا معلوم الانتفاء بالضرورة لمن حاله حال تصرفات القوم.
قوله: " وثانيها قوله تعالى: ﴿فبداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] "
تقريره: " أن الهدى: اسم جنس اضيف، فيعم جميع أنواع الهدى الأصول والفروع، وهو المطلوب، وهذا تقرير قوله تعالى: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل: ١٢٣].
قوله: " أحد التخصيصين لازم إما: النبيين، وإما: أحكام التوراة ".
قلنا: يختار التخصيص في النبيين، ولا يحصل مطلوبكم؛ لأن التخصيص، إنما دخل لفظ النبيين من جهة أن الأنبياء الذين تقدموا التوراة لم يحكموا بها، فيبقى من عداهم على مقتضى العمم، فيندرج رسول الله ﷺ في العموم، فلا يحصل مطلوبكم؛ بخلاف إذا قلنا بالتخصيص في الأحكام، فإن التخصيص يبقى مجملا؛ لا تتغير مرتبة الخروج؛ حتى يتعين الباقي لبقاء العقائد، وغن بقيت غلا ان معها الكليات الخمس، حفظ الدماء، والعقول، والأنساب، والأموال، والأعراض، لم يختلف فيها الشرائع، وبقاء الشركة في غيرها محتمل؛ غير أنا نقطع بأن الكل غير مراد قطعا.
ولقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ [آل عمران: ٥٠] يدل على المخالفة في بعض الأحكام.
قوله: " لأمره باتباع هدى مضاف غلى جميعهم، وهو أصل الدين ".
قلنا: الاختلاف لا يابى الإضافة للجميع، كما قال: هدى الشافعي ومالك حق؛ مع اختلاف المذهبين؛ لا سيما، والنحاة تقول: يكفى في
стр. 2292
الإضافة أدنى ملابسة، كقول أحد حاملي الخشبة لصاحبه: " شل طرفك "، فتصح إضافة المتفق عليه، والمختلف فيه للجميع.
وكذلك تقول: اختلف العلماء، وأقوالهم، وطرقهم، ومعتمدهم، رحمة، كل هذه الألفاظ لا تمنع الإضافة مع الاختلاف، فكذلك هاهنا.
قوله: " الآية تقتضي تشبيه الوحي بالوحي، لا الموحى بالموحى ".
تقريره: أن لفظ (ما) يجوز أن يكون بمعنى (الذي) فيكون المراد الموحى بالموحى، وأن تكون مصدرية، فيكون التقدير في الأول: أوحينا غليك، كالذي أوحيناه غلى غبراهيم، وفي الثاني: أوحينا غليك، كوحينا لإبراهيم، وهذا أرجح في علم البيان، وصناعة الأدب؛ لأن (ما) لو كانت بمعنى (الذي) لافتقرت إلى صلة وعائد، فكأن يكون العائد هاهنا محذوفا تقديره: " أوحينا إليك كالذي أوحيناه إلى إبراهيم " فهذه الهاء التي هي ضمير هي العائد، وقد حذفت، والأصل عدم الحذف والإضمار، وإن كان جائزا، والمصدرية لا تفتقر لعائد، فكانت غنية عن الحذف؛ فكانت أرجح،
قوله: " وثانيها: قوله بعد هذا ﴿وما كان من المشركين﴾ [النحل: ١٢٣].
تقريره: أن هذا السلب في قوله: ﴿وما كان من المشركين﴾ [النحل: ١٢٣] يقتضي أن المراد بالملة التوحيد؛ حتى تنظم المقالبلة، ويظهر مناسبة السلب.
قوله: " وعلى أن الآية تدل على أنه تعبد محمدا ﵇ بما وصى به نوحا ﵇ ".
تقريره: أن قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا﴾ [الشورى: ١٣] إلى قوله تعالى: ﴿أن أقيموا الدين﴾ [الشورى: ١٣]
стр. 2293
صيغة أمر من الله تعالى لنا ولنبينا ﵇ بإقامة الدين، ومتى حصل التكليف الخاص بنا، فليست المسألة المتنازع فيها؛ كما تقدم تقريره أول المسألة، ويرد عليه أن (الدين) اسم شامل لكل ما يسمى دينا، وذلك يتناول الماضي لغيره، والحاضر له، فيكون قد أمرنا بإقامة شرع غيره، وهو مقصود المخالف للمصنف.
(فائدة)
قال سيف الدين: قال الحنفية، وأحمد في إحدى الروايتين، وبعض الشافعية،: إنه متعبد .
وقالت الأشاعرة، والمعتزلة: بمنعه.
قال الغزالي في (المستصفى): قال بعض القدرية: لا يجوز تقليد نبي إلا بشرع مستأنف، ويرد عليهم قوله تعالى: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث﴾ [يس: ١٤]. وبعث الله تعالى موسى وهارون معا، داود وسليمان معا، وهو كثير، ويجوز في العقل أن يتعبد الله تعالى عباده بما شاء من شريعة سابقة أو إنشاء.
وأما هل وقع ذلك، وتعبدنا باستدامة الخطاب الذي نزل علينا، ولم ينزل علينا خطاب، إلا بما خالف شرع غيرنا؟ فهذا موضع الخلاف.
قلت: قد تقدم في تيك القاعدة أول المسألة: أن هذا لا يصح، وأنه لزم منه إثبات الديانات بأقوال الكفار، وهو خلاف الإجماع، ومن هاهنا، والله أعلم، نقل المصنف ذلك الذي تقدم رده عليه، وهو معنى قول الغزالي أنه لم
стр. 2294
ينزل علينا خطاب غلا فيما يخالف، بل الحق أنه لا بد من خطاب ينزل علينا بان شرعهم كان على صورة مخصوصة، ولا يختص النازل علينا بما قاله.
(مسألة)
قال إمام الحرمين في (البرهان): إذا تعددت أفعاله ﵇ فقال كثير من أصحابنا، ومال إليه الشافعي: إن المتأخر يتعين، ويكون كالناسخ للمتقدم ؛ كالقولين؛ إذا تأخر أحدهما؛ كصلاة الخوف، فعلها ﵇ مرارا.
وقال القاضي أبو بكر: بل ذلك يدل على الجواز في الكل، إذا لم يتضمن أحدهما خطرا.
قال الإمام: وهو مقتضى الأصول؛ لأن الأفعال لا صيغ لها، ولكن إذا ادعى مدع أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يأخذون بالأحداث فالأحداث من فعله ﵇ فهو مصنف.
قال: وبالجملة فالموضوع ملبس.
(مسألة)
قال الغزالي في (المستصفى): إذا قلنا بمتابعته ﵇ فلا عبرة بالزمان والمكان في فعله ﵇ إلا أن يدل دليل على اعتباره؛ كالوقوف بـ (عرفة).
وقال قوم: إذا تكرر منه الفعل في زمان، او مكان، اتبع في ذلك؛ لأن
стр. 2295
التكرر قرينه اعتباره قال: وهو باطل، بل لابد من دليل خارجي يدل على ذلك.
قال ابو الخطاب الحنبلي في (التمهيد): لو تصدق ﵇ على باب المسجد مرارا، أو عند الزوال، لم يعتبر ذلك المكان، ولا ذلك الزمان، بل أصله الصدقة.
(مسألة)
قال ابن برهان في (الأوسط): إقرار النبي ﵇ على قول أو فعل، يدل على كونه حقا، ومشروعا ، إن كان القائل أو الفاعل مسلما، أما الكافر، فلا؛ لأنه ﵇ كان لاينكر على الكافر حالة تماديهم.
(مسألة)
قال ابن برهان: سكوته ﵇ عما لو ذكره، كان واجبا، يدل على عدم الوجوب ؛ لسكوته ﵇ عن المطاوعة لزوجها في الوطء في رمضان؛ لا يلزمها الكفارة عند الشافعي؛ لأنه ﵇ أوجب الكفارة على الأعرابي، وسكت عن المرأة، فلو كانت واجبة عليها، لكان تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا فرق في سكوته ﵇ عما سمعه، أو بلغه.
(مسألة)
قال: سكوت الراوي عما لو ذكره، لكان غريبا، يدل على عدم مشروعيته، كما سكت الراوي في رواية حديث (ماعز) عن الجلد، وذكره الرجم يدل على أنه لا يجمع بينهما.
وقال أحمد بن حنبل: يجمع بينهما في حق المحصن؛ لظاهر الكتاب والسنة، والجمع بين الدليلين أولى.
стр. 2296
(مسألة)
قال الإمام في (المعالم): إذا شككنا في شيء، هل فعله ﵇ أم لا ؟
قلنا: في إثباته طرق:
الأولى: أنا إذا أردنا أن نقول: هل توضأ ﵇ بنية أم لا؟، أو بالترتيب أم لا؟
قلنا: كذلك توضأ؛ لأن فعلهما كذلك أفضل إجماعا، وأفضل الخلق يواظب على الافضل بالضرورة، والضرورة لا يعارضها الشك، وإذا كان وضوؤه ﵇ مرتبا منويا، وجب علينا مثله؛ لما تقدم.
قال شرف الدين بن التلمساني: وعليه سؤالان:
الأول: أن يبين أنه ﵇ فعل ضد ما ادعاه المستدل، ثم ننقلب الدليل.
السؤال الثاني: يلزم عليه رفع المندوب.
الطريقة الثانية: أن نقول: لو ترك النية والترتيب، لوجب علينا تركهما عملا بدليل التاسي، ولما لم يجب، لزم أنه ﵇ ما تركه؛ فيحصل المطلوب.
(مسألة)
قال الإمام في (المعالم): إذا نقل غلينا أخبار متعارضة في فعل واحد ، لم يصح أخذه، كيف كان، فالمختار تخييرنا في الكل؛ كما إذا صح أنه
стр. 2297
عليه السلام سجد بعد السلام، وخيبر آخر أنه سجد قبله، ولم يثبت المتأخر منهما، وإذا اختلفت الرواية في أنه ﵇ رفع يديه إلى منكبيه، أو إلى أذنيه، فهاهنا يترجح ما تأيد بالأصل؛ فيرجح المنكب؛ لأن الأصل تقليل الفعل في الصلاة، فإن لم يوجد هذا الترجيح، رجح الأقرب إلى شرائط العبودية، فإن لم يوجد، فهذا حكم بالتخيير كالأخبار الواردة في (التشهد) كيف كانت أصابع يديه.
قال شرف الدين بن التلمساني: نقل أن الشافعي ﵁ لما قدم (العراق) اجتمع عنده العلماء، فسئل عن أحاديث الرفع، وأنه روى عنه ﵇ أنه رفع حذو منكبيه، وحذو أذنيه، فقال: ارى أن يرفع؛ بحيث أن يحاذي أطراف أصابعه أذنيه، وإبهاماه شحمه أضنيه، وكفاه حذو منكبيه، فاستحسن ذلك منه في الجمع بين الروايات، وروى عنه ﵇ في أحاديث صلاة الخوف هيئات مختلفة، فنرجح فيها نقله الأفعال؛ كما قاله في الرفع. وروى عنه ﵇ في التشهد أنه قبض اصابعه الثلاث، وأطلق السبابة؛ كالقابض ثالثا وخمسين، أو ثالثا وعشرين، وروى حلق بالإبهام والمسبحة.
وقول الروياني: " ثلاثا وخمسين " غشارة إلى أن عقد الثلاثة كان عندهم، كعقد التسعة في زماننا.
***
стр. 2298
الكلام في الناسخ والمنسوخ
وهو مرتب على أقسام
القسم الأول
في حقيقة النسخ، وفيه مسائل
المسألة الأولى: النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء، وقال القفال: إنه للنقل والتحويل.
стр. 2299
لنا: أنه يقال: نسخت الريح آثار القوم، إذا أعدمتها، ونسخت الشمس الظل، إذا أعدمته؛ لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر، فيظن أنه انتقل إليه، والأصل في الكلام الحقيقة، وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب ألا يكون حقيقة في النقل؛ دفعًا للإشتراك.
فإن قيل: وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز؛ لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى، وإذا كان ذلك مجازًا امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله.
стр. 2300
ثم نعارض ما ذكرتموه، ونقول: بل النسخ هو النقل والتحويل، ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر، كأنك تنقله إليه، أو تنقل حكايته، ومنه تناسخ، وتناسخ القرون قرنًا بعد قرن.
وتناسخ المواريث، إنما هو: التحويل من واحد إلى آخر، بدلًا عن الأول؛ فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل، ويلزم ألا يكون حقيقة في الإزالة؛ دفعًا للإشتراك، وعليكم الترجيح.
والجواب عن الأول، من وجهين:
أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى هو الناسخ لذلك من حيث فعل الشمس والريح المؤثرين في تلك الإزالة، ويكونان أيضًا ناسخين؛ لكونهما مختصين بذلك التأثير.
وثانيهما: أن أهل اللغة، إنما أخطئوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح، فهب أنه كذلك، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة، لا إسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس.
وعن الثاني: أن النقل أخص من الزوال؛ لأنه حيث وجد النقل، فقد عدمت صفة، وحصلت صفة أخرى، فإذن: مطلق العدم أعم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر؛ وإذا دار اللفظ بين العام والخاص، كان جعله حقيقة في العام أولى من جعله حقيقة في خاص، على ما تقدم تقريره في كتاب اللغات، والله أعلم.
الكلام في الناسخ والمنسوخ
قال القرافي: قال صاحب (المجمل) في اللغة: إذا أزال الشيء الشيء فقد نسخه، ونسخت الشمس الظل، والمشيب الشباب، وتناسخ المواريث، إذا مات وارث بعد وارث قبل القسم، وتناسخ القرون.
стр. 2301
وقال أبو حاتم: النسخ: أن يحول ما في الخلية من العسل والنحل في أخرى، ومنه نسخ الكتاب.
قوله: " وقيل: إنه الإبطال، نسخت الشمس الظل، إذا عدم؛ لأنه قد لا يحصل في موضع آخر ".
تقريره: أن الشمس، متى كانت على سمت الرءوس، فإن الشمس إذا انت عند الزوال، تبطل الظل بالكلية، وتكسوا ضم الشمس القائم، وهذا يتعذر بأرض " مصر " لأن عرضها يكون أكثر من الميل الأعظم، وإنما يتأتى ذلك في بلد عرضه أقل من الميل كـ " الحجاز " بـ " مكة " إحدى وعشرون درجة، وعرض " قبرص " خمسة وعشرون، فلا يتأتى ذلك بها، بل فيما هو جنوبي عنها يومين، وما عدا ذلك، فلا يعدم الظل ألبتة في الفصول الأربعة، بل لابد من بقاء جزء منه عند الزوال.
قوله: " المزيل لآثار القوم هو الله تعالى فإضافته للريح مجاز ".
قلنا: العرب لم تخص وضعها بالمؤثر الحقيقي، بل لما هو أعم، فيكون حقيقة في الفاعل الحقيقي نحو خلق الله تعالى، وفي المؤثر العادي؛ نحو: أحرقته النار، وقتله السم، وأرواه الماء، وأشبعه الخبز، وإلى ما ليس بمؤثر ألبتة؛ نحو: سقط الحائط، وبرد الماء، ومات زيد، ولا خلاف أن هذه الألفاظ حقائق، فحينئذ الوضع ليس خاصا بالمؤثر، فقولهم: " نسخت الريح آثار القوم " حقيقة لغوية، وإن كان الله تعالى هو المؤثر؛ من حيث الفعل والواقع في نفس الأمر.
стр. 2302
قوله: " النسخ هو التحويل، ومنه نسخ الكتاب ".
قلنا: لا نسلم أن ما في الكتاب حول؛ بل عمل مثله، وعمل مثل الشيء ليس تحويلا له؛ لخلاف تحويل الحجر من مكان إلى مكان، فتعين أن يكون نسخ الكتاب مجازا.
(فائده)
رأيت في شرح المقامات أن بعض الفضلاء بعث بناسخ إلى صديق له، ومعه رقعة فيها مكتوب: " قد بعث إليك بناسخ، وأعرفك بصفته: أنه غن نسخ، مسخ، وإن نقط، غلط، وإن أشكل، أشكل، ولقد أمليته زيدا، فسمع عمرا، وكتب خالدا، وقرأ عبد الله ".
وقال في شرح المقامات: " نسخ " إذا نقل اللفظ والمعنى، و " سلخ " إذا نقل المعنى دون اللفظ، و" مسخ " إذا افسد اللفظ والمعنى. قوله: " ومنه تناسخ القرون ".
قلنا: ليس في القرون تحويل، إنما كل قرن يتقدم مانه، ويحدث قرن آخر في زمان آخر، وليس القرن الأول يوجد في زمان القرن الثاني، فلا تحويل حينئذ، إنما هو من مجاز التشبيه، لما أشبه القرن الثاني الأول من حيث الجملة، عد كأنه تحول في الزمان الثاني حقيقة؛ بخلاف تناسخ المواريث؛ فإن الحق ينتقل من وارث إلى وارث.
قوله: " لا يمتنع أن يكون الله تعالى هو الناسخ من حيث فعل الشمس والريح المؤثر في تلك الإزالة ".
قلنا: إطلاق التأثير على فاعل المثر، وجعله مثرا بذلك مجاز، ومذهب أهل الحق أن الله تعالى هو الخالق لجميع الآثار الصادرة في الوجود عن الشمس وغيرها بقدرته من غير واسطة، والذي قلمتموه إنما يأتي على طريق الفلاسفة القائلين بأن أجرام الكواكب أثرت، والله تعالى هو خالقها فقط
стр. 2303
قوله: " أهل اللغة إنما أخطئوا في إضافة النسخ للشمس ".
قلنا: لم يخطئوا في ذلك؛ لما تقدم أن العرب لم تخصص الوضع بالفاعل حقيقة، بل هذا الإطلاق حقيقة، ومالإضافة صواب؛ من حيث إنهم استعملوا اللفظ فيما وضع له؛ كقولهم: أحرقته النار، وقتله السم إطلاق صواب مع أن الفاعل في الجميع هو الله تعالى.
قوله: " النقل أخص من الزوال؛ لأنه حيث وجد النقل، عدمت صفة، وحصلت عقبها صفة أخرى ".
قلنا: هذه العبارة غير موفية بالمقصود؛ فإنه إذا عدمت الصفة، وحصل عقبها أخرى، لم يحصل نقل؛ فإن النقل تعين منتقل بحال، والتقدير: أن تلك الصفة عدمت، ولم تنتقل، بل الموجود غيرها، والنقل لا يكون إلا في عين واحدة، وما ذكرتموه تعاقب لا نقل، فلا يحصل المقصود من النقل، بل ينبغي أن يقال: إذا حصل النقل، فقد عدم المنقول من محله الأول، وزال منه، فصار النقل مستلزما للإزالة، وقد يزول الشيء بعدمه في نفسه من غير انتقال، فيكون النقل أخص، والزوال أعم.
قوله: " جعل اللفظ حقيقة في الأعم أولى كما تقدم ".
قلنا: وقد تقدم أن جعله في الأخص أولى؛ لأنه أكثر فائدة من حيث إفادته للخصوص، ومن حيث استلزامه للأعم، يكون المجاز إلى الأعم أقوى من المجاز على تقدير العكس، فهذان ترجيحان للأخص، ثم إنه هو أكثر اختياركم في المباحث المتقدمة.
(تنبيه)
لفظ المصنف وجدته في عدة نسخ:
" وقال الفقهاء: إن النسخ [هو] النقل " ووافقه على ذلك سراج الدين،
стр. 2304
وقال تاج الدين، و (المنتخب) والقفال، وسكت التبريزي عن هذا الحديث بالكلية، فلم يتعرض للنسخ لغة ألبتة، والظاهر أن هذا النقل من تاج الدين و (المنتخب) سهو، فإن سراج الدين، ونسخ (المحصول) على خلافه، وكشفت " البرهان " و " المستصفى " و " المعتمد " وكلام الشيخ أبي إسحاق في " اللمع " و" شرح اللمع " و " الإحكام " لسيف الدين، وهذه الكتب التي يظن أن المصنف نقل منها، فلم أجد ذكر القفال، ولا ذكر الفقهاء، بل قولين مطلقين غير منسوبين، واللائق الاعتماد على نقل المصنف دون مختصرات كتبه، واختار القاضي عبد الوهاب في " الملخص " والغزالي في " المستصفى ": أنه مشترك بين النقل والإزالة لغة.
وقال أبو الحسين في " المعتمد ": " الأشبه مجاز في النقل ".
قال القاضي عبد الوهاب: وتمثيله بنسخ الكتاب، لا يصح؛ لأن الأجسام التي في حروف الكتاب لم تنقل، وإنما عمل مثلها.
قال سيف الدين: قال القاضي أبو بكر، ومن تابعه كالغزالي وغيره: إن النسخ مشترك بين المعنيين المتقدمين.
وقال أبو الحسين وغيره: هو حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل.
وقال القفال من الشافعية: إنه حقيقة في النقل والتحويل، فوافق تاج الدين، و " المنتخب " غير أنهما التزما اختصار ما في " المحصول "، وليس هو في " المحصول " فيكون خطأ، وإن صادفت ذلك في نفس الأمر.
***
стр. 2305
المسألة الثانية
قال الرازي: في حد النسخ في اصطلاح العلماء: الذي ذكره القاضي أبو بكر، وارتضاه الغزالي رحمهما الله: أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.
وإنما اثرنا لفظ الخطاب، على لفظ النص؛ ليكون شاملا للفظ، والفحوى، والمفهوم، وكل دليل؛ إذ يجوز النسخ بجميع ذلك.
وإنما قلنا: " على ارتفاع الحكم الثابت ": ليتناول الأمر، والنهي، والخبر، وجميع أنواع الحكم.
وإنما قلنا: " بالخطاب المتقدم ": لأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع، يزيل حكم العقل من براءة الذمة، ولا يسمى نسخا؛ لأنه لم يزل حكم الخطاب.
وإنما قلنا: " لولاه لكان ثابتا ": لأن حقيقة النسخ الرفع، وهو إنما يكون رافعا، إذا كان المتقدم بحيث لولا طريانه لبقى.
وإنما قلنا: " مع تراخيه عنه ": لأنه لو اتصل به، لكان بيانا لمدة هذه العبادة، لا نسخا.
ولقائل أن يقول: هذا الحد مختل من وجوه:
أحدهما: أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم المتقدم ناسخ للحكم الأول،
стр. 2306
وليس بنسخ؛ إذ النسخ هو: نفس الارتفاع، وفرق بين الرافع، وبين نفس الارتاع، فجعل الرافع عين الارتفاع خطأ.
وثانيها: أن تقييد ذلك بالخطاب خطأ؛ لأن الناسخ قد يكون فعلا، لا قولا؛ فإنه ﷺ إذا فعل فعلا، وعلمنا بالضرورة أنه قصد به رفع بعض ما كان ثابتا، فذلك يكون ناسخا، مع أنه ليس بخطاب.
فإن قلت: " الناسخ في الحقيقة هو: الخطاب الدال على وجوب متابعيه ﵇ في أفعاله ".
قلت: لو قدرنا أنه لم يرد أم زائد يدل على وجوب متابعيه في أفعاله، ثم إنه ﵊ فعل فعلا، ووجد هناك من القرائن ما أفاد العلم الضروري بأن غرضه ﵊ إزالة الحكم الذي كان ثابتا، فإنه يكون ناسخا بالإجماع مع أنه لم يوجد الخطاب في هذه الصورة أصلا.
وثالثها: أن الأمة إذا اختلفت على قولين، فسوغت للعامي تقليد كل واحدة من الطائفتين، ثم اجمعت بعد ذك على أحد القولين،، فهذا الإجماع خطاب، وهو ناسخ لجواز الأخذ بكلا القولين، فقد وجد هاهنا خطاب دال على ارتفاع حكم خطاب، مع أن الحق أن الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به.
ويمكن جوابه: بأنا ذكرنا حد النسخ مطلقا لا حد النسخ الجائز في الشرع.
ورابعها: أن كون النسخ رفعا باطل، وسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.
وخامسها: أن قوله: " بالخطاب المتقدم " خطأ؛ لأن الحكم الأول، لو ثبت بفعل النبي ﷺ لا بقوله، لكان الذي يرفعه ناسخا له، فهذا ما في هذا الحد.
стр. 2307
والأولى أن يقال: النسخ: طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الذي كان ثابتا بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه، على وجه لولاه لكان ثابتا.
فقولنا: طريق شرعي، نعني به القدر المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله ﵊ والفعل المنقول عنهما.
ويخرج عنه اتفاق الأمة على أحد القولين؛ لأن ذلك ليس بطريق شرعي على هذا التفسير، ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخا لحكم العقل؛ لأن العقل ليس بطريق شرعي، ولا يلزم أن يكون العجز ناسخا لحكم شرعي؛ لأن العجز ليس بطريق شرعي.
ولا يلزم تقييد الحكم بغاية، أو شرط، أو استثناء؛ لأن ذلك غير متراخ.
ولا يلزم ما إذا أمرنا الله تعالى بفعل واحد، ثم نهانا عن مثله؛ لأنه لو لم يكن هذا النهي لم يكن مثل حكم الأمر ثابتا.
المسألة الثانية
قال القرافي: في حد النسخ
قوله: " وإنما أثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص ليشمل اللفظ، والفحوى، والمفهوم، وكل دليل إذ يجوز النسخ بجميع ذلك ".
стр. 2308
....................................................
стр. 2309
...................................................
стр. 2310
....................................................
стр. 2311
......................................................
стр. 2312
تقريره: أن المفهوم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، ,مفهوم المخالفة، وقد تقدم في الأوامر بسط هذه الحقائق، ولفظ النص لا يمتنع عليه المفهوم والفحوى، وإنما مقصوده في قوله: " وكل دليل ليندرج الظاهر الذي ليس بنص بأحد تفاسير النصر الثلاثة التي تقدم بسطها في باب المجمل والمؤول.
(سؤال)
قال في " التلخيص ": إن المفهوم وإن قلنا: إنه دليل لا يجوز التخصص به ، وهاهنا جوز به النسخ، وهو أقوى من التخصيص، فيلزم جواز التخصيص بطريق الأولى، فيتناقض.
جوابه: أن ذلك اختياره ولم يفرع عليه، بل على اختيار الجماعة، وهم يجوزون التخصيص.
قوله:" وقلنا: ارتفاع الحكم ليتناول الأمر والنهي والخبر ".
تقريره: أن الخبر أيضا حكم باعتبار الإسناد الذي فيه بين المحكوم عليه والمحكوم به، فهو حكم غير الأحكام الخمسة، ولا يختص بالخالق بخلافها.
قوله: " على وجه لولاه لكان ثابتا ".
تقريره: أنه يتخرج على مذهب القاضي أن الحكم لم يكن مغيا في نفس
стр. 2313
الأمر، بل مستمرا لولا الناسخ، وعلى مذهب الفقهاء أيضا؛ لأنه لولا الناسخ، لكان مستمرا في اعتقادنا، وإن كان مغيا في نفس الأمر، والناسخ إنما يبين انتهاء المدة، فاستمرار الثبوت مشترك بين المذهبين باعتبار معنيين، ويكون على مذهب الفقهاء والقاضي احترازا من المغيا في ابتداء أمره؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنه إذا جاء الليل، انقضى الصوم؛ لانقضائه بغايته، ولا يعقل النسخ عند غروب الشمس؛ لأنه قد ارتفع بغايته.
قوله: " وإنما قلنا: مع تراخيه عنه؛ لأنه لو اتصل به، لكان بيانا للعبادة لا نسخا ".
قلنا: هذا إنما يأتي في المنسوخ بعد الفعل، أما المنسوخ قبله، فلا يقال: فيه بيان للعبادة، بل يقال: نقض بعضه بعضا، فما استقر شيء؛ حتى ينسخ؛ كما لو قال تعالى: " اوحيت عليك ذبح إسحاق لا يجب عليك ذبحه " فإنه لا نسخ، لعدم الاستقرار.
(فائدة)
قال الغزالي في (المستصفى): يجوز أن يسمع جبريل ﵇ الناسخ والمنسوخ في وقت؛ لأنه ليس مكلفا بمقتضى النصين ؛ وتقبليغه المكلفين متراخ في وقته.
قوله: " الخطاب ناسخ، وليس بنسخ ".
قلنا: النسخ هو نقل الناسخ، تقول: نسخ الله تعالى العبادة ينسخها، وإذا كان النسخ فعل الناسخ، وفعل الله تعالى في النسخ هو خلق أصوات الخطاب في جبريل دالة على انتهاء مدة الحكم، فهو عين
стр. 2314
النسخ؛ لأنه عين فعل الناسخ، ويصدق على الله تعالى حينئذ أنه الناسخ، كما يصدق على الخطاب أيضا أنه الناسخ لقول الله تعالى والمخصص، والنسخ مخصص للعموم، فتفسير النسخ بالخطاب صحيح.
قوله: " كون النسخ رفعا باطل ".
قلت: قد تقدم تقرير صحته، وانه يتخرج على المذهبين.
(سؤال)
بقى على هذا الحد من الأسئلة ما تقدم في تعارض قوله ﵇ وفعله ، في أن الفعل إذا جاء عقيب القول، كان ناسخا له، إذا كان القول خاصا برسول الله ﷺ فقد أثبت هناك النسخ مع عدم التراخي عن المنسوخ، فلا يكون الحد جامعا لأفراد النسخ، أو لا يكون الكلام هنالك صحيحا؛ أحد الأمرين لازم.
قوله: " نعي بالطريق المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ والفعل المنقول عنهما ".
تقريره: أن المشكل فيه تصوير الفعل المنقول عن الله تعالى كيف يكون ناسخا، وقد تقدم في بيان المجمل: أنه يصح أن يكون بالفعل من الله تعالى ومن رسوله.
وقال: المتصور من الله تعالى هو الكتابة في اللوح المحفوظ، فإذا نقل أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ: أن الحكم الفلاني بيان نصه كذا، وأني قد رفعته، كان الأول بيانا، والثاني نسخا بفعل مضاف إلى الله تعالى، وإذا أمكن إضافة الكتاب إلى الله تعالى بواسطة خلقه إياها في اللوح المحفوظ، أمكن إضافة خلق الإشارات إليه، وغير ذلك من الأفعال الدالة بواسطة خلقها في خلقه، فيحصل النسخ والبيان بجميع ذلك.
стр. 2315
قوله: " ويخرج عنه اتفاق الأمة على أحد القولين؛ لأنه ليس بطريق شرعي؛ على هذا التفسير ".
قلنا: ما يعنون بكونه ليس بطريق شرعي، بل الإجماع السابق على جواز الأخذ بكلا القولين طريق شرعي، والإجماع اللاحق أيضا طريق شرعي، وقولكم: " على هذا التفسير "
قلنا: ما يعنون بكونه ليس بطريق شرعي، بل الإجماع السابق على جواز الأخذ بكلا القولين طريق شرعي، والإجماع اللاحق أيضا طريق شرعي، وقولكم: " على هذا التفسير " غير متجه أيضا؛ لأن الجواز السابق حكم شرعي، وارتفاعه معناه أن مثله لا يثبت بعد ذلك بعين ما ذكرتم، فخروجه بهذا القيد غير متجه.
قوله: " الناسخ يدل على أن أصل الحكم ليس ثابتا بعد ذلك ".
قلنا: عليه سؤالان:
الأول: أن النسخ قد يرد على الشيء الواحد؛ كما في ذبح إسحاق ﵇، فلا مثل حينئذ مع تحقق النسخ، فلا يكون الحد جامعا للمحدود.
الثاني: أن حكم الله تعالى واجب الوجود قديم وكلامه القائم بذاته أزلي أبدي، والأمثال إنما تتصور في الأعراض الممكنة التي يستحيل عليها البقاء زمنين، أما في كلام الله تعالى وصفاته العلا، فلا.
فإن قلت: كلام الله تعالى واجب الوجود، غير قابل للأمثال، لكن الحكم الشرعي لا يكفي فيه مجرد لكلام، بل لا بد فيه من تعلق خاص، والتعلق عدمي ممكن قابل للوقوع والتغيير والعدم، فيتصور الأمثال ".
قلت: سلمنا أن الحكم لابد فيه من التعلق؛ لكن لا نسلم أنه يتصور فيه الأمثال، بل هو نسبة بين الخطاب والفعل، والنسب عدمية؛ لا وجود لها في الخارج، وما لا وجود له لا يتصف بالأمثال وغيرها.
فإن قلت: النسب، وإن لم تكن موجودة مفي الأعيان، غير أنها موجودة في الأذهان، والموجود في الذهن لا يبقى زمنين، فيتأتى فيه الأمثال، وإذا
следующие страницы →