← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

......................................................

стр. 2312

تقريره: أن المفهوم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، ,مفهوم المخالفة، وقد تقدم في الأوامر بسط هذه الحقائق، ولفظ النص لا يمتنع عليه المفهوم والفحوى، وإنما مقصوده في قوله: " وكل دليل ليندرج الظاهر الذي ليس بنص بأحد تفاسير النصر الثلاثة التي تقدم بسطها في باب المجمل والمؤول. (سؤال) قال في " التلخيص ": إن المفهوم وإن قلنا: إنه دليل لا يجوز التخصص به ، وهاهنا جوز به النسخ، وهو أقوى من التخصيص، فيلزم جواز التخصيص بطريق الأولى، فيتناقض. جوابه: أن ذلك اختياره ولم يفرع عليه، بل على اختيار الجماعة، وهم يجوزون التخصيص. قوله:" وقلنا: ارتفاع الحكم ليتناول الأمر والنهي والخبر ". تقريره: أن الخبر أيضا حكم باعتبار الإسناد الذي فيه بين المحكوم عليه والمحكوم به، فهو حكم غير الأحكام الخمسة، ولا يختص بالخالق بخلافها. قوله: " على وجه لولاه لكان ثابتا ". تقريره: أنه يتخرج على مذهب القاضي أن الحكم لم يكن مغيا في نفس

стр. 2313

الأمر، بل مستمرا لولا الناسخ، وعلى مذهب الفقهاء أيضا؛ لأنه لولا الناسخ، لكان مستمرا في اعتقادنا، وإن كان مغيا في نفس الأمر، والناسخ إنما يبين انتهاء المدة، فاستمرار الثبوت مشترك بين المذهبين باعتبار معنيين، ويكون على مذهب الفقهاء والقاضي احترازا من المغيا في ابتداء أمره؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنه إذا جاء الليل، انقضى الصوم؛ لانقضائه بغايته، ولا يعقل النسخ عند غروب الشمس؛ لأنه قد ارتفع بغايته. قوله: " وإنما قلنا: مع تراخيه عنه؛ لأنه لو اتصل به، لكان بيانا للعبادة لا نسخا ". قلنا: هذا إنما يأتي في المنسوخ بعد الفعل، أما المنسوخ قبله، فلا يقال: فيه بيان للعبادة، بل يقال: نقض بعضه بعضا، فما استقر شيء؛ حتى ينسخ؛ كما لو قال تعالى: " اوحيت عليك ذبح إسحاق لا يجب عليك ذبحه " فإنه لا نسخ، لعدم الاستقرار. (فائدة) قال الغزالي في (المستصفى): يجوز أن يسمع جبريل ﵇ الناسخ والمنسوخ في وقت؛ لأنه ليس مكلفا بمقتضى النصين ؛ وتقبليغه المكلفين متراخ في وقته. قوله: " الخطاب ناسخ، وليس بنسخ ". قلنا: النسخ هو نقل الناسخ، تقول: نسخ الله تعالى العبادة ينسخها، وإذا كان النسخ فعل الناسخ، وفعل الله تعالى في النسخ هو خلق أصوات الخطاب في جبريل دالة على انتهاء مدة الحكم، فهو عين

стр. 2314

النسخ؛ لأنه عين فعل الناسخ، ويصدق على الله تعالى حينئذ أنه الناسخ، كما يصدق على الخطاب أيضا أنه الناسخ لقول الله تعالى والمخصص، والنسخ مخصص للعموم، فتفسير النسخ بالخطاب صحيح. قوله: " كون النسخ رفعا باطل ". قلت: قد تقدم تقرير صحته، وانه يتخرج على المذهبين. (سؤال) بقى على هذا الحد من الأسئلة ما تقدم في تعارض قوله ﵇ وفعله ، في أن الفعل إذا جاء عقيب القول، كان ناسخا له، إذا كان القول خاصا برسول الله ﷺ فقد أثبت هناك النسخ مع عدم التراخي عن المنسوخ، فلا يكون الحد جامعا لأفراد النسخ، أو لا يكون الكلام هنالك صحيحا؛ أحد الأمرين لازم. قوله: " نعي بالطريق المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ والفعل المنقول عنهما ". تقريره: أن المشكل فيه تصوير الفعل المنقول عن الله تعالى كيف يكون ناسخا، وقد تقدم في بيان المجمل: أنه يصح أن يكون بالفعل من الله تعالى ومن رسوله. وقال: المتصور من الله تعالى هو الكتابة في اللوح المحفوظ، فإذا نقل أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ: أن الحكم الفلاني بيان نصه كذا، وأني قد رفعته، كان الأول بيانا، والثاني نسخا بفعل مضاف إلى الله تعالى، وإذا أمكن إضافة الكتاب إلى الله تعالى بواسطة خلقه إياها في اللوح المحفوظ، أمكن إضافة خلق الإشارات إليه، وغير ذلك من الأفعال الدالة بواسطة خلقها في خلقه، فيحصل النسخ والبيان بجميع ذلك.

стр. 2315

قوله: " ويخرج عنه اتفاق الأمة على أحد القولين؛ لأنه ليس بطريق شرعي؛ على هذا التفسير ". قلنا: ما يعنون بكونه ليس بطريق شرعي، بل الإجماع السابق على جواز الأخذ بكلا القولين طريق شرعي، والإجماع اللاحق أيضا طريق شرعي، وقولكم: " على هذا التفسير " قلنا: ما يعنون بكونه ليس بطريق شرعي، بل الإجماع السابق على جواز الأخذ بكلا القولين طريق شرعي، والإجماع اللاحق أيضا طريق شرعي، وقولكم: " على هذا التفسير " غير متجه أيضا؛ لأن الجواز السابق حكم شرعي، وارتفاعه معناه أن مثله لا يثبت بعد ذلك بعين ما ذكرتم، فخروجه بهذا القيد غير متجه. قوله: " الناسخ يدل على أن أصل الحكم ليس ثابتا بعد ذلك ". قلنا: عليه سؤالان: الأول: أن النسخ قد يرد على الشيء الواحد؛ كما في ذبح إسحاق ﵇، فلا مثل حينئذ مع تحقق النسخ، فلا يكون الحد جامعا للمحدود. الثاني: أن حكم الله تعالى واجب الوجود قديم وكلامه القائم بذاته أزلي أبدي، والأمثال إنما تتصور في الأعراض الممكنة التي يستحيل عليها البقاء زمنين، أما في كلام الله تعالى وصفاته العلا، فلا. فإن قلت: كلام الله تعالى واجب الوجود، غير قابل للأمثال، لكن الحكم الشرعي لا يكفي فيه مجرد لكلام، بل لا بد فيه من تعلق خاص، والتعلق عدمي ممكن قابل للوقوع والتغيير والعدم، فيتصور الأمثال ". قلت: سلمنا أن الحكم لابد فيه من التعلق؛ لكن لا نسلم أنه يتصور فيه الأمثال، بل هو نسبة بين الخطاب والفعل، والنسب عدمية؛ لا وجود لها في الخارج، وما لا وجود له لا يتصف بالأمثال وغيرها. فإن قلت: النسب، وإن لم تكن موجودة مفي الأعيان، غير أنها موجودة في الأذهان، والموجود في الذهن لا يبقى زمنين، فيتأتى فيه الأمثال، وإذا

стр. 2316

كان معتبرا في الحكم الشرعي، كان الحكم الشرعي حقيقة مركبة من واجب الوجود الذي هو أصل الكلام، ومن التعلق الخاص القابل للأمثال، فيتصور منه الأمثال، والمركب من الأمثال والواجب يكون الانتفاء فيه زمنين، لأجل جزئه؛ فصح الحد. قلت: الحكم الشرعي واقع في نفس الأمر، سواء تصورنا نحن بدل النسبة أم لا، والذي يجب وقوعه في الخارج من النسب، إنما هو صدق ملزوم الحكم بها؛ كما تقدم بسطه في حكم الذهن بأمر على أمر، أول الكتاب، والملزوم الواقع في نفس الأمر إنما هو أصل الكلام بحيثية خاصة، وهو أنه بحيث إذا اعتبر له العقل وجد له تلك النسبة الخاصة، والحيثية ليست من ذوات الأمثال، وأصل الكلام ليس من ذوات الأمثال، فحينئذ لا تتصور الأمثال في الحكم ألبتة، بل هو نزعة من قوله الذي سيأتي في بحثه مع القاضي: أن الحكم، هل يرفع بذاته أم لا؟ وجعل الخلاف فيها راجعا للخلاف في الأعراض، هل يبقىزمنين أم لا؟ فيجعل رجوع الحكم للعرض، وكذلك هاهنا يخيل فيه الأمثال التي لا تتصور إلا في العرض، والكل غير صحيح. (سؤال) قال النقشواني: أورد عليهم أن الخطاب ناسخ، وليس بنسخ، والتزمه هو، فقال: الناسخ طريق شرعي . (سؤال) قال النقشواني: ينتقض حده بالشرط الوارد عقيب الجمل الكثيرة، والاستثناء، أو الصفة؛ فإنه طريق شرعي متراخ عن طريق شرعي ، ويرفع ما كان ثابتا مع أنه ليس بنسخ، فإن أراد بالتراخي تراخيا خاصا، فلا بد من بيانه؛ لأن اللفظ يشعر به، وأما ما يصدق عليه أنه تراخ، فيصدق فيما

стр. 2317

ذكرناه. (سؤال) قال: ينتقض بكل خطاب دال على ثبوت الحكم على الأبد ؛ فإنه يمنع من وجود الأمثال بعده، إذ لا يعدله، ومثله لا يجتمع معه؛ لأن المثلين ضدان في المحل الواحد. (تنبيه) أسقط " المنتخب " و " التنقيح " قوله: " فعل الله تعالى " فلم يذكر هذا الاحتراز ألبتة . وقال تاج الدين:" فعل الرسول فقط "، وسكت عن ذكر فعل الله تعالى لما تخيله فيه من الإشكال، وذكرهما سراج الدين، كما في " المحصول " وزاد التبريزي، فقال في الأسئلة على الحد الأول:" إن حكم الخطاب يتعذر رفعه "، وأجاب عن السؤال الأول، فقال: " الناسخ حقيقة هو الله تعالى، ونسخه قوله وخطابه، ويسمى الخطاب ناسخا مجازا، كما يسمى مثبتا ". وعن الثاني:" أن الفعل في نفسه ليس بدليل، بل بسابقة مقال، أو قرينة حال، فينزله منزلة المخاطب؛ لأنه دليل الخطاب ". قلت: ووعد أنه سيبين كيف يتصور رفع الخطاب. وقوله: " الخطاب لا يسمى ناسخا إلا مجازا " لا يتجه؛ لأن اللفظ يصدق عليه أنه رافع ناسخ، كما يصدق عليه أنه معارض ومناقض، ولا معنى للناسخ إلا المناقض المعارض على وجه خاص، ولذلك يسمى مثبتا حقيقة، كما يسمى دالا حقيقة؛ لأنه لا معنى لكونه مثبتا إلا كونه دالا على الثبوت. وقوله:" الفعل في نفسه ليس بدليل ".

стр. 2318

قلنا: إذا قال صاحب الشرع: " جعلت الفعل دليلا "، صار دليلا، كما إذا قال: " جعلته سببا "، فإنه يكون سببا حقيقة. المسألة الثالثة قال الرازي: قال القاضي أبو بكر ﵀: النسخ رفع، ومعناه: أن خطاب الله تعالى تعلق بالفعل، بحيث لولا طريان الناسخ لبقى ، إلا أنه زال؛ لطريان الناسخ. وقال الأستاذ أبو إسحاق ﵀: إنه بيان، ومعناه: أن الخطاب الأول انتهى بذاته في ذلك الوقت، ثم حصل بعده حكم آخر. والمثال الكاشف عن حقيقة هذه المسألة: أن من قال ببقاء الأعراض، قال: الضد الباقي يبقى لولا طريان الطارئ، ثم إن الطارئ يكون مزيلا لذلك الباقي. ومن قال بأنها لا تبقى، قال: الضد الأول ينتهي بذاته، ويحصل ضده بعد ذلك، من غير أن يكون للضد الطارئ أثر في إزالة ما قبله؛ لأن الزائل بذاته لا يحتاج إلى مزيل. وإذا ظهر هذا التمثيل، عادت الدلائل المذكورة في تلك المسألة إلى هذه المسألة نفيا وإثباتا، فنقول: احتج المنكرون للرفع بوجوه: الحجة الأولى: أنه ليس زوال الباقي بطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ لأجل بقاء الباقي، فإما أن يوجدا معا، وهو محال بالضرورة، أو يعدما معا

стр. 2319

وهو محال؛ لأن علة عدم كل واحد منهما وجود الآخر، فلو عدما معا لوجدا معًا، وذلك محال. فإن قلت: لم لا يجوز أن يقال: الحادث أقوى من الباقي لحدوثه. قلت: هذا باطل لوجهين: أحدهما: أن الباقي: إما أن يحصل له أمر زائد على ما كان حاصلًا له حال حدوثه، أو لا يحصل: فإن كان الأول كان ذلك الزائد حادثًا، كان ذلك الزائد حادثًا، فذلك الزائد لحدوثه يكون مساويًا للضد الطارئ في القوة، وإذا استويا في القوة، امتنع رجحان أحدهما على الآخر، وإذا امتنع عدم ذلك الباقي لا محالة. وإن كان الثاني، وهو: ألا يحصل للباقي أمر زائد على ما كان حاصلًا له حال الحدوث لزم أن تكون قوة الباقي مساوية لقوة الحادث، وحينئذ يبطل الرجحان. وثانيهما: أ، الشيء حال حدوثه، كما يمتنع عدمه، فالباقي حال بقائه لا بد له من سبب؛ لكونه ممكنًا، وهو مع السبب يمتنع عدمه، فإذا امتنع العدم عليهما، استويا في القوة، فيمتنع الرجحان. الحجة الثانية هي: أن طريان الحكم الطارئ مشروط بزوال المتقدم، فلو كان زوال المتقدم معللًا بطريان الطارئ لزم الدور، وهو محال. الحجة الثالثة: أن الطارئ: إما أن يطرأ حال كون الحكم الأول معدومًا، أو

стр. 2320

موجودًا: فإن كان الاول: استحال أن يؤثر في عدمه؛ لأن إعدام المعدوم محال. وإن كان الثاني: فقد وجد مع وجود الأول، وإذا وجدا معًا، لم يكن بينهما منافاة، وإذا لم يكن بينهما منافاة، لم يكن أحدهما رافعًا للآخر. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون ذلك، كالكسر مع الانكسار؟ قلت: الانكسار عبارة عن: زوال تلك التأليفات عن أجزاء ذلك الجسم، والتأليفات أعراض غير باقية، فلا يكون للكسر أثر في إزالتها. الحجة الرابعة هي: أن كلام الله تعالى قديم، والقديم لا يجوز رفعه، فإن قلت: المرفوع تعلق الخطاب. قلت: الخطاب إما أن يكون أمرًا ثبوتيًا، أو لا يكون: فإن لم يكن أمرًا ثبوتيًا، استحال رفعه وإزالته، وإن كان أمرًا ثبوتيًا، فهو إما أن يكون حادثًا، أو قديمًا: فإن كان حادثًا، لزم كونه تعالى مُحلا للحوادث، وإن كان قديمًا، لزم عدم القديم، وهو محال. واعلم أن هذه الوجوه، كما أنها قوية في نفسها، فهي أقوى لزومًا على القاضي ﵀؛ لأنه هو الذي عول عليها في امتناع إعدام الضد بالضد. والقول بكون النسخ رفعًا عين القول بإعدام الضد بالضد، فيكون لزوم هذه الأدلة عليه أقوى. واحتج إمام الحرمين ﵀ على فساد الرفع بوجه آخر، وهو: أن علم الله تعالى إما أن يكون متعلقًا باستمرار هذا الحكم أبدًا، أو يكون متعلقًا

стр. 2321

بأنه لا يبقى إلا إلى الوقت الفلاني: فإن كان الأول: استحال نسخه، وإلا لزم انقلاب العلم جهلًا، وهو محال. والثاني: يقتضي بطلان القول بالرفع؛ لأن الله تعالى، إذا علم أن ذلك الحكم لا يبقى إلا إلى ذلك الوقت، استحال وجود ذلك الحكم بعد ذلك، وإلا لزم انقلاب العلم جهلًا ن وإذا كان ممتنع الوجود بعد ذلك، استحال أن يقع زواله بمزيل؛ لأن الواجب لذاته يمتنع أن يكون واجبًا لغيره. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: علم الله تعالى أن ذلك الحكم لا يبقى إلى ذلك الوقت لطريان الناسخ، لا لذاته، وإذا علم الله تعالى أنه يزول ذلك الحكم في ذلك الوقت؛ لطريان ذلك الناسخ لم يكن ذلك قادحًا في تعليل زواله بالنسخ؟ ويزيده تقريرًا أن يقال: إن الله تعالى كان يعلم أن العالم يوجد في الوقت الفلاني، فيكون وجوده في ذلك الوقت واجبا، ولم يكن ذلك الوجوب قادحا في افتقاره إلى المؤثر؛ لأنه لما علم الله تعالى أنه يوجد في ذلك الوقت بذلك المؤثر لم يكن الوجوب على هذا الوجه قادحا في افتقاره إلى المؤثرى، فكذا هاهنا. واحتج القائلون بالرفع بأمرين: أولهما: أن النسخ في اللغة عبارة عن الإزالة؛ فوجب أن يكون في الشرع أيضا كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير، ولأننا ذكرنا في باب نفي الألفاظ الشرعية ما يدل على عدم التغيير. وثانيهما: أن الخطاب كان متعلقا بالفعل، فذلك التعلق يمتنع أن يكون عدمه

стр. 2322

لذاته، وإلا لزم ألا يوجد، وإن لم يكن لذاته، فلا بد من مزيل، ولا مزيل إلا الناسخ. والواجب عن الأول: أنه تمسك بمجرد اللفظ، وهو لا يعارض الدلائل العقلية. وعن الثاني: أن كلام الله تعالى القديم كان متعلقا من الأزل إلى الأبد باقتضاء الفعل إلى ذلك الوقت المعين، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرط، فلا يفتقر زواله إلى مزيل آخر، والله أعلم. المسألة الثالثة قال القرافي: قوله: " قال الأستاذ: الخطاب انتهى بذاته ". تقريره: أن القاضي والأستاذ اتفقا على أن الهطاب: اقتضاء الدوام باعتقادنا، وإنما الخلاف في نفس الأمر، فالقاضي يقول فيه: اقتضاء الدوام في نفس الأمر، ومثله في كتبه بالنسخ، فقال: النسخ كالفسخ، فكما أن الإجارة إذا كانت مستمرة قبلت الفسخ، أما إذا أجره شهرا، فانقضى ذلك الشهر، فإن الفسخ حينئذ متعذر؛ لعدم الدوام حينئذ. وغيره يقول: لا دوام في نفس الأمر، بل لم يقتض النص العبادة في نفس الأمر، إلا إلى هذه الغاية، والناسخ بينهما. قوله: " والمثال الكاشف عن حقيقة المسألة الأعراض ". قلنا: لا نسلم صحة هذا التمثيل، ولا نسلم أن الأعراض مساوية للمسألة؛ لأن كلام الله تعالى قديم واجب الوجود؛ لا يوصف بما توصف به الأعراض من عدم بقائها زمنين، وهذا المثال بعيد جدا عن المسألة. قوله:" الباقي إما أن يحصل له أمرا زائدا على ما كان حاصلا له قبل حدوثه، أو لا يحصل، فإن كان الأول كان ذلك الزائد حادثا ".

стр. 2323

قلنا: هذه العبارة غير متجهة، بل ينبغي أن تقولوا: إما أن يحصل أمر زائد بعد حدوثه، أما قبل حدوقه، فقد حصل له أمر زائد، وهو الحدوث؛ لأنه لم يكن حاصلا قبل الحدوث، والمتجه أن تقولوا: بعد الحدوث؛ فيتجه البحث. وكشفت عدة منالنسخ، فوجدتها كذلك. قوله:" يكون الحادث الزائد مساويا للضد الطارئ في القوة ". قلنا: لا نسلم المساواة حينئذ؛ لأن الحادث في الباقي هو مقارنة الوجود الحاصل عند الحدوث للأزمنة المستقبلة؛ إذ لا يعني للبقاء إلا مقارنة الوجود للأزمنة، والمقارنة: نسبة وإضافة عدمية، والضد الحادث حدوثه حدوث وجود الوجود أقوى من الأمر العدمي، وأمكن دفعه للعدمي، فهذا فرق يمنع المساواة. قوله:" وإن لم يحصل أمر زائد، لزم المساواة ". قلنا: لا نسلم؛ لأنكم قد تريدون بعدم حصول الزائد زائدا وجوديا، وهو ظاهر كلامكم؛ لأنكم جعلتموه مساويا للضد الحادث؛ وحينئذ يصدق أنه ما حصل زائد وجودي، وحصل زائد عدمي؛ وأمكن أن يقال: إنه موجب للضعف، فيكون اللازم على تقدير عدم حدوث أمر زائد وجودي حصول الضعف لا حصول المساواة؛ عكس ما قلتموه. قوله: " الباقي لا بد له من السبب؛ لكونه ممكنا، ومع السبب يمتنع عدمه ". قلنا: لا نسلم أن الباقي يحتاج للسبب؛ لأن المحتاج للسبب هو الممكن، إذا كان في حيز العدم، أما بعد الوجود، فلو أثر فيه، لزم تحصيل الحاصل، أو الجمع بين المثلين، سلمنا أنه لا بد من حصول السبب معه؛

стр. 2324

لكن لا نسلم أنه امتنع العدم عليه حينئذ؛ لأن الامتناع إنما ينشأ تعلق السبب به من تعلق التأثير، والأثر زمن التأثير فيه من السبب التام واجب الوقوع، ممتنع العدم، لكن يكون السبب معه أعم، ولا يلزم من تسليم كون السبب معه كونه في زمن التأثير، أو هو مؤثر فيه حينئذ. قوله: " طريان الطارئ مشروط بزوال المتقدم، فلو كان الطارئ علة لعدمه، لزم الدور ". قلنا: أمكن فك الدور بأن الطارئ ليس علة لعدم المنعدم، ولا يلزم من ذلك أن المنعدم يعدم بذاته، كما قدرتموه في الأعراض؛ فإن المسألة هي مثالها؛ لجواز أن يكون باقيا بذاته، والله تعالى يعدمه؛ كما يقوله القاضي في الأجسام، والأعراض باقية بذاتها، والله تعالى تتعلق قدرته بإعدام أي شيء شاء منها، فلا يلزم من عدم التعليل العدم الذاتي. قوله: " الطارئ: إما أن يطرأ حال كون الأول معدوما، أو موجودا، فإن كان الأول، استحال أن يؤثر في عدمه ". قلنا: لا نسلم؛ لأن الضد يطرأ في أول أزمنة العدم الذي يلي آخر أزمنة الوجود، فيمتنع استمرار الوجود في ذلك الزمن؛ فيكون مؤثرا في العدم، مع أنه ما طرأ إلا في زمن العدم، ولا يلزم إعدام المعدوم، وإنما يلزم إعدام المعدوم، أن لو تقرر العدم في زمان قبل طروء الضد، فيحصل الضد عدمه بعد ذلك، أما على ما ذكرناه من تقرر العدم، فلا، والقاعدة أن تحصيل الحاصل أبدا لا يلزم إلا مع تعدد الزمان، أما مع إيجاده، فلا، وكذلك نقول في طرف الوجود المؤثر: يؤثر في كل حادث أول أزمنة وجود الحادث، ومع ذلك لا يلزم تحصيل الحاصل؛ لأنه لم يقرر وجوده قبل ذلك. قوله: " التأليفات أعراض لانتفاء زمانين، فلا أثر للكسر في إزالتها ". قلنا: ذكر الفرق في هذه المقام غير متجه؛ لأنكم أول المسألة ادعيتم

стр. 2325

التسوية بين الأعراض، وبين هذه المسألة؛ حتى جعلتموها مثلا لها، فذكر الفرق بعد ذلك غيرمسموع، بل أنتم تضطرون إلى الجواب بما ذكرناه في رفع الحياة للموت، وكسر الفخار، وتسخين الماء البارد، وتبريد السخن، وغير ذلك من طيران الأضداد، والتأثيرات العادية، ما أنكره السوفسطائية، وجعلوا مستندهم عين ما ذكرتموه من النكتة. قوله:" إن لم يكن التعلق أمرا ثبوتيا، استحال رفعه ". قلنا: لا نسلم؛ فإن النسب والإضافات كلها ليست ثبوتية في الخارج، وهي تتضاد، ويرفع بعضها بعضا؛ كالمعية ترفع القبلية، والبعدية ترفع المعية، والتأخير يرفع التقدم، ووجود العالم رفع عدمه، وكل نقيض وجودي يرفع عدمه، غلى غير ذلك من النسب المتضادة، والتعلق هو عندنا من باب النسب؛ لأنه نسبة بين الكلام القديم، وفعل المكلف. قوله: " إن كان وجوديا حادثا، لزم كون الله تعالى محالا للحوادث ". قلنا: لا نسلم؛ لأن هذا التعلق ليس صفة لله تعالى، بل بين الكلام القديم، وفعل المكلف نسبة مخصوصة، فأمكن أن يقال: هو صفة للفعل، فتكون صفة البعد؛ لأن فعل العبد صفته، وليس هذا بأولى من قولكم، " يكون صفة للأمر " لأنه نسبة بينهما، فليس أحدهما أولى به من الآخر، بل بل نقول: العبد أولى؛ لأن صفة الحدوث مستحيلة على الآمر، فيتعين العبد. قوله:" إن كان عدمه لذاته، لزم ألا يوجد ". قلنا: قولكم: " عدمه لذاته " يصدق بطريقين: أحدهما: أنه مستحيل. والثاني: أنه ممكن الدوام في نفسه، وممكن الوجود؛ غير أن إرادة الله

стр. 2326

تعالى تعلقت بتعلقه بتلك الغاية، فهو لذاته من هذا الوجه لا يتعداها، ونحن نختار هذا القسم، ونمنعكم امتناع وجوده، ونختار قولكم، وإن لم يكن لذاته، فلا بد من الناسخ وأن عدمه ليس ذاته باعتبار أنه ليس مستحيلا، وعلى هذا التقدير لا يلزم احتياجه للناسخ؛ لاحتمال أن يكون له غاية بالإرادة؛ كما تقدم. (فائدة) إلزام الإمام والفقهاء القاضي المحال في العلم والخبر ، أما العلم: فقد تقدم لزوم انقلابه. وأما الخبر: فقالوا: لو شرعه دائما، لعلمه دائما، ولو علمه دائما؛ لأخبر عن دوامه؛ كما تقرر في علم الكلام: أن كل عالم، فهو مخبر عن معلومه، وإذا أخبر عن دوامه مع أنه غير دائم، لزم الانقلاب في الخبر؛ كما لزم في العلم أيضا. (سؤال) قال النقشواني: قوله: " ليس اندفاع الباقي بأولى من طريان الطارئ ". ممنوع ، فهذه مقدمة ليست بديهية، ولم يذكر عليها دليلا، بل كل واحد منهما يتبع سببه، فما كان سببه أقوى، رفع صاحبه، كالتسخين مع التبريد: أيهما كان سببه أقوى دفع الآخر. ثم قوله: " الباقي: إما أن يحدث له أمر زائد أولا [لا يحدث]، فإن لم يحدث له أمر زائد، لزم المساواة ": ممنوع؛ لجواز ألا يحدث له أمر زائد، ويحدث له نقصان، فيضعف بطريق أن الباقي مستغن عن السبب، والحادث مفتقر له؛ كما تقرر في علم الكلام، والشيء مع سببه أقوى، ثم إنه مال هاهنا إلى تفسير النسخ بالانتهاء، دون الرفع، والذي اختاره من الحد يناقضه

стр. 2327

بقوله فيه: " على وجه لولاه لكان ثابتا " وهذا إنما يحسن على القول بالرفع. قلت: يحتمل قوله " على وجه لولاه لكان ثابتا " في الذهن والاعتقاد في نفس الامر، وهذا لا يناقض، وقد تقدم تقريره هناك. قال النقشواني: ومثال النسخ وغيره في الإجارة، والبيع، والوقف، فالإجارة: معلومة الانتهاء، فهو كقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]، والوقف: لا يقبل الرفع أصلا، فهو كالإجارة المتأبدة التي لا تنسخ؛ كالعقائد ونحوها، والبيع: هو نقيض دوام الملك في نفس الأمر؛ حتى يطرأ عليه عقد رافع، أو إقالة ونحوه، فهذا هو مثال النسخ. قلت: هذا التمثيل يحسن باعتبار الاعتقاد، ولا نزاع فيه، ولا يحسن باعتبار الدوام في نفس الأمر؛ لورود سؤال العلم، والخبر في انقلابهما على تقدير النسخ. (تنبيه) قال سراج الدين: " لا نسلم عدم الأولوية؛ إذ العلة التامة لعدم الشيء تنافي وجوده، وبالعكس ، ولولا الأولوية، لامتنع حدوث العلى التامة لعدم أو وجود ". يريد أن من جملة تمامها انتفاء جميع الموانع، وحوصل جميع الشروط، ثم قال:" وعن الثاني: لا نسلم أنه مشروط، ولا يلزم من منافاة الشيء لغيره كون وجوده مشروطا بزواله؛ كالعلة مع عدم المعلول ".

стр. 2328

يريد أن عدم المعلول ينافيها؛ لاقتضائها وجوده، وليس عدم المعلول شرطا في العلة، بل اجنبى عنها، ثم قال:" وعن الثالث: أن إثبات العدم ليس إعدام المعدوم؛ كما أن إثبات الموجود ليس اتحاد موجود ". يريد أن إثبات الوجود هو تحصيل الوجود، وذلك هو أول أزمنة الحدوث، وليس فيه تحصيل الحاصل؛ لأن من شرط تحصيل الحاصل بعد ذلك الزمان، وهو هاهنا متحد؛ كما تقدم بسطه، فكذلك إثبات العدم هو تحصيل العدم في أول أزمنة تحققه، فلا يلزم تحصيل الحاصل في الموضعين. وقال التبريزي: حقيقة النسخ الرفع؛ خلافا للأستاذ، وإمام الحرمين، والمصنف، وجماعة المعتزلة، ولكل معتمد. قال: أما مستند غير المعتزلة، فما تقدم، وأما مستند المعتزلة، فهو أن الرفع يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد في الزمن الواحد حسنا قبيحا، مصلحة مفسدة، مأمورا منهيا، ويلزم منه البداء والكل محال. ثم قال: لنا أن الخطاب الأول، إذا استقل بإفادة دوام الحكم على القطع، فلولا الخطاب الثاني، لنفى الحكم، ودام، فإذا انقطع عند نزوله، تعين إسناد الإيقاع إليه، لا إلى عدم صلاحية البقاء، وقصور دلالة الخطاب الأول، وهذا هو الذي يعني بالرفع، فنسبة الرفع المرفوع من الرفع؛ كنسبة المكسور من الكسر، والمفسوخ من الفسخ، ولا شك أنا ندرك تفرقة بين بطلان الآنية؛ لتفرق أجزائها؛ بالاختلال، وتناهي قوة البقاء، وبين بطلانها بإبطال تأليفها بالكسر، وكذلك الفرق بين زوال ملك المبيع؛ لهلاكه، وبين زواله؛ لورود الفسخ على المبيع. وقول المصنف: " الكلام قديم ". قلنا: المرتفع ليس هو الكلام؛ بل الحكم، وليس الحكم هو الكلام، بل الثابت بالكلام.

стр. 2329

قال: وعند هذا نقول: ينبغي للمحصل ألا يغفل عن مقاصد العلماء في مجاري الإطلاق؛ لئلا يزل بمداحض الاشتراك اللفظي، فيعلم بأنهم، وإن قالوا في حد الحكم في مواضع: " إنه الخطاب المتعلق بكذا " فلا يعنون بالحكم المنسوخ هذه الحقيقة المنقسمة إلى الوجوب، وما يقاسمه، وما ينقسم إليه، وهو حالة شرعية مستفادة من خطاب الشرع، تجري من الفعل مجرى الأوصاف ترجع إلى اعتبار ذهني، أو إضافة محضة، ولهذا نقول: نسخ وجوب كذا، ويشهد له أن القديم، كما لا يرتفع، لا ينعدم، ولا ينقطع، ولا يتصور له ابتداء وانتهاء، وقد اختلفوا في هذا النسخ؛ أنه بيان لمدة الحكم، ولو كان الحكم قديما، لاستحال أن يكون له مده منتهية، وما ذكره المصنف من تعذر إضافة الرفع إلى الطارئ ونسبتها بالحقائق، فلا تحقيق له؛ فإن الحكم وضعي يقبل الرفع كما في الشاهد، والرافع هو الله تعالى، وإنما إشكاله في حق الله تعالى من حيث إنه يوهم البدء، وسنجيب عنه. وقول المعتزلة مبني على التحسين والتقبيح، وقد ابطلناه، وإن أرادوا الأمر والنهي، وأرادوا لزوم اجتماعهما، فليس كذلك؛ فغن عند تعلق الأمر، والنهي، وارادوا لزوم اجتماعهما، فليس كذلك؛ فإن عند تعلق الأمر، بطل تعلق النهي، وإن اراداوا أن ما كان مأمورا، يصير بعينه منهيا في ذلك الزمان، فمسلم؛ لكن لا نسلم أنه محال؛ لأنه مذهبنا. قلت: وعليه مناقشات: الأولى: قوله: " إنه أفاد الدوام على القطع، فلولا الخطاب الثاني، لدام الحكم ". قلنا: لو حصل القطع بالدوام، لاستحال النسخ، وإلا لم يكن القطع قطعا، بل إنما يجوز النسخ، إذا كان الدوام غير قطعي، ففي زمانه ﵇ لا يحصل القطع بالدوام؛ لإنكار نزول الوحي، وإنما حصل

стр. 2330

القطع بالدوام بعد وفاته ﵇، لا جرم، استحال النسخ، فالجمع بين القطع بالدوام، وورود النسخ متعذر، فإن أراد انا نقطع بالدوام، لولا الناسخ، سلمناه؛ باعتبار الاعتقاد، لا باعتبار نفس الامر؛ لأن عندنا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فيجوز عندنا تكليف ما لا يطاق، وأن تنتهي مده الحكم، ولا يثبتها الله تعالى، وكذلك نقول في الكسر مع الانكسار في الآنية: إنه إنما يشبه النسخ؛ باعتبار الاعتقاد، لا باعتبار نفس الأمر، بل باعتبار نفس الأمر يمنع الشبه حينئذ؛ لأن الحكم عندنا في نفس الأمر مغيا بغاية معينة، وكذلك الملك في البيع، إنما يشبه بالنسخ؛ باعتبار الاعتقاد. فقوله: " لا نعني بالرفع إلا هذا إن أراد باعتبار الاعتقاد ارتفع الخلاف بيننا وبينه، وإن اراد باعتبار نفس الأمر، منعناه. الثانية: على قوله: " ليس الحكم هو الكلام، ومراد العلماء بالحكم في الحد غير مرادهم بالحكم هاهنا؛ لقولهم هاهنا: إن المرفوع هو حكم خطاب سابق، فجعلوا الخطاب دليل الحكم، لا جنسه الأعم ". قلنا: هذا غير متجه؛ فإن مرادهم بالخطاب في الحد الكلام القديم، ومرادهم بالخطاب هاهنا دليل الحكم، وهذا لا ينافي قولهم: " إن الكلام القديم يستحيل رفعه، وأن الحكم هو الكلام هنا؛ باعتبار القديم، لا باعتبار الحادث الذي هو دليل الحكم، فهو ﵀ أخذ يحذرنا من الاغترار بالاشتراك اللفظي، واغتر هو به في عين المسألة؛ فإنه توهم أن الحكم لفظ مشترك، وإنما وهمنا، فاعتقدنا أحد المعنيين، وهو عين المعنى الآخر، وليس كذلك، بل لفظ الخطاب مشترك، وهو انتقل من أحدهما إلى الآخر، ولم يشعر، فحذرنا من الوهم، فوقع فيه. الثالثة: على قوله: " الحكم القابل للنسخ المنقسم للوجوب وغيره، وهو حالة شرعية، إلى قوله: " يرجع إلى اعتبار ذهني ".

стр. 2331

قلنا: حاصل كلامكم يرجع إلى تفسير الحكم بالتعلق، والتعلق وحده لا يمكن أن يكون حكما، بل لابد من اعتبار المتعلق، فإن تعلقا بغير متعلق محال، وإذا أخذتم المتعلق، فهو الكلام القديم أو اللساني. والثاني: محال؛ لأنه دليل الوجوب، وجميع الأحكام، لا نفس الأحكام؛ فتعين القديم، وهو معنى قول الجماعة: إن حكم الله تعالى هو الكلام القديم، أي القديم المتعلق تعلقا خاصا يغاير تعلق الخبر وغيره، وعندهم هذا المتعلق كان معينا في نفس الأمر، مستمرا في الاعتقاد، فهذا الكلام لا يبطل ما قاله الجاماعة، ولا يرد عليهم. الرابعة: على قولهم: " القديم لا يتصور له انتهاء ". قلنا: لا نسلم أن القديم لا يتصور له انتهاء، وإنما يلزم ذلك أن لو كان الحكم القديم هو كله لجميع اعتباراته وجوديا، وليس كذلك؛ لأن الحكم عندنا مركب من مفهومين: أحدهما: الكلام القديم، وهو وجودي، والآخر التعلق، وهو نسبة عدمية، وهي قديمة، فالمجموع قديم، ولأجل كونه قديما باعتبار أجزائه، صح ارتفاعه، وأن يكون له غاية، امتنع عندنا الرعفا؛ لأجل العلم والخبر، وما يلزم فيهما من المحال، فاستحال بغيره، بقى كونه فعيا ونفيا قلنا به لتعينه. وقال تاج الدين: " صورة المسألة بمثال، وهو نفس المسألة، وذكر مباحث الأعراض ". فقوله: " وهو نفس المسألة " لم يقله الإمام، بل حوم عليه، فيكون ورود الإشكال على تاج الدين أتم، وإنما قال في (المحصول): " المثال الكاشف عن حقيقة المسألة " وقد يكشف عنها، ولا يكون عينها، ولا مساويا لها؛ فإن الأدلة مع المدلولات، والصنعة مع صانعها، كذلك مع عدم المساواة، فهذا التصريح أوجه في تحقيق الغلط، وأبعد عن الغلط.

стр. 2332

قول سراج الدين: " الخلاف في هذه المسالة يشبه الخلاف في بقاء الاعراض " فذكر لفظ الشبه فقط، والشيء قد يشبه الشيء من وجه، وإن خالفه من وجوه، وسكت " المنتخب " عن هذه الكلمة بالكلية، وكذلك التبريزي. (تنبيه) كلام القاضي في كتبه، والغزالي في (المستصفى) هو ما نقله التبريزي ونحو منه ، والكل يعتمدون على التنظير بالبيع وفسخه، وكسر الآنية، وقد تقدم الجواب عن ذلك، وإذا حقق البحث معهم، آل كلامهم أن الدوام مقتضى الصيغة، ولا يصادموا العلم الرباين اصلا. يقول الغزالي في (المستصفى): " علم الله تعالى أنه يزول بالناسخ " وهذه المباحث لو حصل فيها التأمل، اجتمعت، ولم يبق خلاف، فإن حاصل هذه المباحث يرجع إلى الدوام؛ بحسب الاعتقاد، وهو لا نزاع فيه. وقولهم: " علم الله تعالى انه يزول بالناسخ، وأنه يدوم لولا الناسخ ". يقال لهم: ومع ذلك، فقد علم الله تعالى ان الناسخ واقع في الوقت المعيت قطعا، فيلزم من ذلك ان الحكم معناه في نفس الامر بذلك الوقت قطعا، وهذا هو مذهب من يخالفهم، فيرتفع الخلاف، ولقد حاولت كلمات الفريقين على ان الخلاف يتحقق بينهم، فما قدرت عليه الا كما ذكرت لك، لا تخرج الفاظهم عن هذه الكلامات، وهي لا تحقق خلافا، وكان الشيخ شمس الدين الخسروشاهي يستشكل الخلاف منهم ويقول: إن قلت " إنهم ما فهموا كلام بعضهم بعضا " لا يعجبني، وان قلت: فهموه " فأين الخلاف مع هذه المقدمات، وهذه المباحث؟.

стр. 2333

(تنبيه) صرح الفقهاء بأن النسخ تخصيص في الازمان . قال الإمام في (البرهان): وهذا إيهام أنه يجوز به تخصيص العموم، وأن الالفاظ الدالة على الاحكام في النسخ، لا تكون إلا ظواهر، وليس كذلك، بل اللفظ قد يقطع بدلالته على الدوام؛ بأن يكون نصا قاطعا، ومع ذلك، فيجوز نسخه، ولا يجوز النسخ بكل ما يجوز التخصيص به. قال سيف الدين: والفرق بين التخصيص والنسخ من عشرة أوجه: الأول: أن التخصيص يخرج ما لم يكن مرادا باللفظ؛ بخلاف النسخ. الثاني: أن النسخ يرد على الواحد؛ بخلاف التخصيص لا يرد إلا على عام. الثالث: أن الناسخ لا يكون إلا بخطاب؛ والتخصيص يكن بالقياس وغيره. الرابع: يجب أن يكون الناسخ متراخيا؛ بخلاف التخصيص. الخامس: التخصيص لا يخرج العام عن الاحتجاج في المستقبل؛ بخلاف النسخ قد يخرجه عن ذلك. السادس: يجوز التخصيص بالقياس؛ دون النسخ. السابع: النسخ رفع الحكم بعد ان ثبت؛ بخلاف التخصيص. الثامن: يجوز نسخ شريعة بشريعة؛ بخلاف التخصيص. التاسع: العام يجوز نسخ الحكم عن جميع افراده؛ بخلاف التخصيص لابد أن يبقى شيئا.

стр. 2334

العاشر: أن التخصيص أعم من النسخ؛ لأن كل نشخ تخصيص، وليس كل تخصيص نسخا؛ لأن التخصيص يقع ببعض الأشخاص، وبعض الأحوال، وبعض الأزمنة. قال: وفيه نظر؛ لأن تلك الفروق المذكورة في التخصيص إما لازمة، أو داخلة في مفهومه، والأعم لابد أن يصدق بجميع صفاته على الأخص، فيصدق صفات التخصيص على النسخ، وهو محال، ثم قال: ولقائل أن يقول: تلك الفروق هي بعض أنواع التخصيص، وليست لازمة. قلت: قوله: " النسخ لا يكون إلا بخطاب " ينتقض بالنسخ بالفعل النبوي؛ كما تقدم بيانه، وينتقض القول بالتراخي بالفعل، إذا ورد بعد القول الخاص برسول الله ﷺ فإن الإمام قال: هو ناسخ، وقد تقدم إيراده. وقوله: " يجوز التخصيص بالقياس؛ دون النسخ ": قد بين الإمام بعد هذا جواز النسخ بالقياس. وقوله: " النسخ رفع الحكم بعد أن ثبت ": ليس هو مخالفا للفقهاء، إنما معناه رفع الحكم من محل بعد ثبوته في ذلك المحل لتلك الغاية، وهذا هو قول الفقهاء: إن النسخ بيان. * * *

стр. 2335

المسألة الرابعة قال الرازي: النسخ عندنا جائز عقلا، وواقع سمعا؛ خلافا لليهود ؛ فإن منهم من أنكره عقلا، ومنهم من جوزه عقلا، لكنه منع منه سمعا، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ. لنا وجهان: الأول: أن الدلالة القاطعة دلت على نبوة محمد، ﵊ ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله، فوجب القطع بالنسخ. الثاني: ان الأمة مجمعة على وقوع النسخ. ولنا على اليهود إلزامان: الأول: جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح، ﵇، عند خروجه من الفلك: " إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك، ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم؛ كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه: " ثم قد حرم الله تعالى على موسى ﵇، وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوانات. الثاني: كان آدم ﵇ يزوج الأخر من الأخت، وقد حرم الله ذلك على موسى، ﵇. ولقائل أن يقول لا نسلم أن نبوة محمد، ﵊، لا تصح إلا مع القول بالنسخ؛ لأن من الجائز أن يقال: إن موسى وعيسى، ﵉، أمرا الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد، ﵊، ثم

стр. 2336

بعد ذلك امرا الناس باتباع شرع محمد، ﵊، فعند ظهور شرع محمد، ﵊، زال التكليف بشرع موسى وعيسى، ﵉، ووقع التكليف بشرع محمد ﵇ لكنه لا يكون نسخا، بل يكون جاريا مجرى قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمسلمون الذين أنكروا وقوع النسخ بنوا مذهبهم على هذا الحرف، وقالوا: قد ثبت في القران أن موسى وعيسى، ﵉، بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد ﷺ وأنه عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه، وإذا كان الأمر كذلك، امتنع تحقق النسخ، وهكذا جواب اليهود عن الإلزامين اللذين أوردناهما عليهم. وأما ادعاء الإجماع، فكيف يصح بعد ما صح وقوع الخلاف فيه؟ والمعتمد في المسألة قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦] وجه الاستدلال به: أن جواز التمسك بالقران: إما أن يتوقف على صحة النسخ، او لا يتوقف؛ فإن توقف، عاد الأمر إلى أن نبوة محمد ﷺ لا تصح إلا مع القول بالنسخ، وقد صحت نبوته، فوجب القول بصحة النسخ. وإن لم تتوقف عليه، فحينئذ: الاستدلال بهذه الآية على النسخ. واحتج منكرو النسخ عقلا: بأن الفعل الواحد: إما أن يكون حسنا، أو قبيحا، فإن كان حسنا، كان النهي عنه نهيا عن الحسن، وإن كان قبيحا، كان الأمر به بالقبيح، وعلى كلا التقديرين: يلزم إما الجهل، وإما السفه.

стр. 2337

واحتج المنكرون شرعا بوجهين: الأول هو: أن الله تعالى، لما بين شرع موسى، ﵇، فاللفظ الدال عليه، إما أن يقال: إنه دل على دوام شرعه، أو ما دل عليه: فإن كان الأول: فإما أن يكون قد ضم الله تعالى إليه ما يدل على أنه سينسخه، أو لم يضم إليه ذلك، فإن كان الأول: فهو باطل من وجهين: الأول: أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام، مع التنصيص على انه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين، وإنه عبث وسفه. الثاني: أن يكون على هذا التقدير: قد بين الله تعالى لموسى، ﵇، أن شرعه سيصير منسوخا، فإذا نقل شرعه، وجب أن ينقل هذه الكيفية: أما أولا: فلأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية، جاز في شرعنا أيضا ذلك، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ. وأما ثانيا: فلأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر الداعي على نقلها، وما كان كذلك، وجب اشتهاره، وإلا فلعل القران عورض، ولم ينقل، ولعل محمدا، ﵊ غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل. واذا ثبت وجوب نقل هذه الكيفية بالتواتر، وجب أن يكون العلم بتلك الكيفية كالعلم بأصل الشرع؛ حتى يكون علمنا بأن موسى، ﵇ نص على أن شرعه سيصير منسوخا؛ كعلمنا بأصل شرعه ولو كان كذلك لعلم الكل بالضرورة أن من دين موسى، ﵇: أن شرعه سيصير منسوخا، ولو كان ذلك ضروريا لاستحال منازعة الجمع العظيم فيه، وحيث نازعوا فيه، دل ذلك على أنه، ﵇، ما نص على هذه الكيفية.

стр. 2338

وأما القسم الثاني، وهو: أن الله تعالى ذكر لفظا يدل على الدوام، ولم يضم إليه ما يدل على أنه سيصير منسوخا، فنقول: على هذا التقدير، وجب ألا يصير منسوخا، وإلا لزمت محالات: أحدها: أن ذكر اللفظ الدال على الدوام، مع أنه لا دوام، تلبيس، وهو غير جائز. وثانيها: إن جوزنا ذلك، لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخا؛ لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع: هذه الشريعة دائمة، ولا تصير منسوخة قط ألبتة، ولكن إذا رأينا مثل هذا، مع عدم الدوام في بعض الصور، زال الوثوق عنه في كل الصور. وثالثها: أنه مع تجويز مخالفة الظاهر، لا يبقى وثوق بوعده ووعيده وكل بياناته. فإن قلت: " عرفنا بالإجماع، أو بالتواتر؟ ". قلت: أما الإجماع: فلا يعرف كونه دليلا إلا بآية أو خبر، ولا تتم دلالتة الآية والخبر إلا بإجراء اللفظ على ظاهره، فإذا جوزنا خلافه، لا يبقى دليل الإجماع موثوقا به. وأما التواتر: فكذلك؛ لأن غايته أن نعلم أن الرسول، ﵇، قال هذه الألفاظ، لكن لعله أراد شيئا يخالف ظواهرها. وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: إنه بين شرع موسى، ﵇، بلفظ لابدل على الدوام ألبتة، فنقول: مثل هذا لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة؛ على

стр. 2339

ما ثبت أن الأمر لا يفيد التكرار، ومثله لا يحتاج إلى النسخ، بل لا يقبل النسخ ألبتة. الثاني: قالوا: ثبت بالتواتر أن موسى، ﵇، قال:" تمسكوا بالسبت أبدا " وقال:" تمسكوا بالسبت، ما دامت السماوات والأرض " والتواتر حجة بالاتفاق. والواجب على الأول أن نقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك الفعل مصلحة في وقت، ومفسدة يف وقت آخر؛ فيأمر به في الوقت الذي علم أنه مصلحة فيه، وينهى عنه في الوقت الذي علم أنه مفسدة فيه، كما لا يمتنع أن يعلم فيما لا يزال: أن إمراض زيد وفقره مصلحة له في وقت، وصحته وغناه مصلحة له في وقت آخر، فيمرضه ويفقره حيث يعلم أن ذلك مصلحة، ويغنيه ويصححه حيث يعلم أن ذلك مصلحه، كما لا يمتنع أن يعلم الإنسان أن الرفق مصلحة ابنه وعبده اليوم، والعنف مصلحته في غد، فيأمر عبده بالرفق في اليوم، وبالعنف به في الغد؟ والجواب عن الثاني أن نقول: اتفق المسلمون على انه تعالى بين شرع موسى، ﵇، بلفظ يدل على الدوام، واختلفوا في أنه هل ذكر معه ما يدل على انه سيصير منسوخا؟ فقال ابو الحسين البصري ﵀: يجب ذلك في الجملة، وإلا كان تلبيسا، وقال جماهير اصحابنا، وجماهير المعتزلة: لا يجب ذلك. وقد مر توجيه المذهبين، في مسأله تأخير البيان عن وقت الخطاب.

стр. 2340

ونحن نأتي بالجواب عن هذه الشبهة؛ تفريعا على كل واحد من هذين المذهبين: أما على قول ابي الحسين: من أنه لابد من البيان، فنقول: لم لا يجوز ان يقال: إنه تعالى بين في تلك الشريعة: أنها ستصير منسوخة، لكن لم ينقله أهل التواتر، فلا جرم لم يشتهر ذلك، كما اشتهر اصل الشرع؟ فإن قلت: لما بين الله تعالى أصل ذلك الشرع، وأوصله إلى اهل التواتر، فهل أوصل ذلك المخصص إلى أهل التواتر، أم لا؟. فإن قلت: أوصله إلى أهل التواتر: فإما أن يجوز على أهل التواتر: أن يخلوا بنقله، او لا يجوز. فإن جاز على الشارع الا يوصل ذلك المخصص إلى أ÷ل التواتر، أو انه اوصله اليهم، لكنهم أخلوا بنقله، جاز مثله في كل شرع، فكيف تقطعون مع هذا التجويز بدوام شرعكم؟ فلعلها، وإن كانت بحيث ستصير منسوخة، إلا أن الله تعالى ما بين ذلك، أو انه بينه لكن أهل التواتر أخلوا بنقله أيضا، فلعل محمدا، ﵊، نسخ الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ولم ينقل ذلك؛ ولما بطل هذان الاحتمالان، ثبت أنه تعالى بين ذلك المخصص لأهل التواتر، وأن أهل التواتر ما أخلوا بنقله، وحينئذ يعود السؤال. قلت: الإشكال إنما يلزم لو ثبت أنه حصل من اليهود في كل عصر ما بلغ مبلغ التواتر، وذلك ممنوع، فإنهم انقطعوا في زمان " بخت نصر " فلا جرم انقطعت الحجة بقولهم؛ بخلاف شرعنا، فإنهم كانوا في جميع الأعصار بالغين مبلغ التواتر.

стр. 2341

وأما الجواب؛ على قول اصحابنا، رحمة الله عليهم، فهو أن المخصص لم يكن مذكورا في زمان موسى، ﵇. قوله: هذا تلبيس، قلنا: سبق الجواب عنه في مسألة تاخير البيان عن وقت الخطاب، والله اعلم. والجواب عن الثالث: انا لا نعلم ان موسى، ﵇، قال ذلك؛ لأن نقل التوراة منقطع بحادث " بخت نصر " سلمنا صحة هذا النقل؛ لكن لفظ التأبيد في التوراة قد جاء للمبالغة دون الدوام في صور: إحداها: قوله في العبد: " إنه يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابقعة، فإن أبى العتق، فلتثقب أذنه، ويستخدم أبدا ". وثانيها: قيل في البقرة التي أمروا بذبحها: يكون ذلك سنة ابدا، ثم انقطع التعبد بذلك عندهم. وثالثها: أمروا في قصة " دم الفصح " بأن يذبحوا الجمل، وياكلوا لحمه ملهوجا، ولا يكسروا منه عظما، ويكون لهم هذا سنة أبدا، ثم زال التعبد بذلك. ورابعها: قال في السفر الثاني: " قربوا إلى كل يوم خروفين، خروفا غدوة، وخروفا عشية قربانا دائما لاحقا بكم ". ففي هذه الصور وجدت ألفاظ التأبيد، ولم تدل على الدوام، فكذا ما ذكرتموه، والله أعلم.

стр. 2342

المسألة الرابعة في جواز النسخ قال القرافي: قال سيف الدين: منع أبو مسلم الأصبهاني وقوع النسخ شرعا، وجوزه عقلا، ولم ينكر وقوعه من الملل إلا اليهود، وانقسموا ثلاث فرق: قال الشمعونية: يمتنع عقلا، وسمعا. وقال العنانية: يمتنع سمعا، لا عقلا. وقالت العيسوية: يجوز عقلا، ووقع سمعا، واعترفوا بنبوة محمد ﷺ إلى العرب خاصة.

стр. 2343

قال الغزالي في (المستصفى): منكر الإجماع من المسلمين مسبوق بالإجماع. قال الإمام في (البرهان): وافقت غلاة الروافض اليهود في إنكار النسخ. قال سيف الدين: وأول من وضع لليهود أن موسى ﵇ نص على تأبيد شريعته ابن الراوندي. (فائدة) ابو مسلم الاصبهاني، حيث وقع، فهو كنية لا اسم . قال الشيخ ابو اسحاق في (اللمع): اسمه عمر بن يحيى. وقال ابن برهان في (الأوسط): ابو مسلم بن بحر، كما وقع في (المحصول)، وقال في (المنتخب): ابن عمروا، فاعلم ذلك. قوله: " منهم من أنكره عقلا ".

стр. 2344

تقريره: أنهم يثبتون الحسن والقبح، ويقوولن: لا يكون الامر الا لمصلحة، والنهي عن المصلحة قبيح، وبالعكس. قوله: " ومنهم من جوزه عقلا، ومنع منه سمعا ". تقريره: أنهم يتمسكون بما يرونه: " تمسكوا بالسبت، ما دامت السماوات والأرض ". قوله: " ومنعه بعض المسلمين ". تقريره: انه معترف بصحة النبوة المحمدية، وبتحليل الشحوم، والسبت ونحوه، وإلا لما كان مسلما، لكنه يفسر ذلك بالتخصيص بالغاية، فلا خلاف في المعنى. قوله: " الأمة مجمعة على وقوع النسخ ". قلنا: يناقضه حكاية الخلاف عن بعض المسلمين في اصل النسخ، لكنه اعتمد على ان الخلاف مفسر بما تقدم، فالاجماع حاصل في المعنى. قوله: " ولنا على اليهود إلى آخر كلامه ". قلت: وقع لي وجوه أخر غير ما ذكره. احدها: في التوراة: أن السارق، إذا سرق في المرة الرابعة، تثقب أذنه، ويباع، وقد اتفقنا على نسخ ذلك. وثانيها: اتفق اليهود والنصارى على ان الله تعالى فدى ولد ابراهيم من الذبح، وهو نص التوراة، وهو اشد انواع النسخ؛ لأنه قبل الفعل؛ الذي يمنعه المعتزلة، وإذا جاز في الأشد، ففي غيره بطريق الأولى. وثالثها: في التوراة: أن الجمع في النكاح بين الحرة والأمة، كان جائزا في شرع يعقوب ﵇ لجمعه ﵇ بينسارة وهاجر، وقد حرمته التوراة.

стр. 2345

ورابعها: في التوراة: قال الله تعالى لموسى: " اخرج انت وشيعتك من (مصر) لترثوا الارض المقدسة، التي وعدت بها أباكم إبراهيم أن أورثها نسله " فلما صار إلى التيه، قال الله تعالى: " لا تدخلوها؛ لأنكم عصيتموني " وهو عين النسخ. وخامسها: تحريم السبت؛ فإنه لم يزل العمل مباحا إلى زمن موسى ﵇ وهو عين النسخ وسادسها: في التوراة ماهو اشد من الندم والبداء، فيكون حجة عليهم، وإن لم يقض بصحته، ففيها: مرض ملك اليهود (حزقيال) واوحى الله تعالى إلى اشعيا ﵇ " قل لـ (حزقيال) يوصي، فإنه يموت من عتله هذه " فأخبره، فبكى حزقيال، وتضرع، فأوحى الله تعالى إلى أشعيا " أن يقوم من علته، وينزل إلى الهيكل بعد ثلاثة أيام، وقد زيد في عمره خمس عشرة سنه " ومثله في التوراة كثير، فمستندهم في إحالة النسخ على البداء، يبطل بمثل هذا؛ إلزاما لهم. وسابعها: في السفر الأول من التوراة: لما نظر بنو الله بنات الناس حسانا، ونكحوا منهم، قال الله تعالى:" لا تسكن الروح بعدها في بشر، وامهاتهم مائة وعشرين سنة " فأخبرت التوراة أنه لا يعيش أحد أكثر من هذا، ثم أخبرت أن " أرفخشد " عاش بعدها وولد له (شالخ) أربعمائة وثلاثة وستين وادعوا [انه عاش] مائتي سنة، وإبراهيم ﵇ مائة سنة. وثامنها: الختان كان من شرع ابراهيم جائزا في البكر، وقد أوجبه موسى عندهم يوم ولادة الطفل. وتاسعها: الجمع بين الاختين كان مباحا في شريعة يعقوب ﵇، وحرم ذلك في شريعة من بعده، وذلك كثير في التوراة.

стр. 2346

وإذا صرحت توراة اليهود بمثل هذه الأمور، لا يسمع كلامهم بعد ذلك في منع النسخ. قوله: " وكان آدم ﵇ يزوج الأخ من أخته ". قلنا: لم يرد هذا في الكتاب، ولا في السنة، فلعل ذلك كان قبل ورد شرع عليه في ذلك، وإذا لم يرد شرع، كان ذلك كافيا في الاقدام؛ للسلامة من النهي، وإذا كان هذا الاحتمال قائما، لا يكون نسخا؛ لأن التحريم حينئذ وقع؛ للبراءة الأصلية، لا بحكم شرعي. قوله: " بشرت التوراة والانجيل بمحمد ﷺ ووجوب الرجوع إلى شرعه، فيتحقق النسخ ". قلنا: لا نسلم؛ لجواز أن يكون الشرع ليس فيه نسخ، بل تقرير وزيادات لم تتعرض لها الشرائع السابقة، فليس في التبشير ما يقتضي النسخ. قوله: " وبهذا تجيب اليهود على الالزامات ". قلنا: لا نسلم أنه يستقيم جوابا لهم؛ لأنهم لا يعترفون بذلك، وإن اعترفوا، منعناهم إلزام النسخ من ذلك؛ كما تقدم. قوله: " كيف يصح الإجماع مع الخلاف؟ ". قلنا: قد بينا أن الاتفاق حصل في المنى، إنما الخلاف في التسمية نسخا. قوله: " المعتمد قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ [البقرة: ١٠٦] " قلنا: لنا قاعدة، وهي ان الشرط ليس من شرطه أن يكون ممكنا، بل قد يكون ممكنا؛ كقولنا: " إن دخلت الدار، فانت حر " وقد يكون ممتنعا؛ كقولنا: " إن كان الواحد نصف العشرة، فالعشرة اثنان " ومنه قوله تعالى: ﴿لو كان

стр. 2347

فيهما آلهة إلا لله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و (لو): حرف شرط بالنقل مع ان الشريك مستحيل، واذا كان الشرط اعم من الممكن، والاعم لا يستلزم أحد نوعيه عينا، فلا يستدل به على الإمكان. فقوله تعالى: " ما ننسخ " شرط، فلعله من قبيل الممنع، واخبر الله تعالى عن لازم هذا الممتنع، ولو فرض وقوعته، كما اخبر الله تعالى عن الشريك بما يلزمه، لو فرض وقوعه؛ فلا دليل في الآية حينئذ. قوله: " الاستدلال بالقران: إما ان يتوقف على صحة النسخ، أو لا يتوقف ". تقريره: ان موجب هذا الترديد: أن هنا سؤالا مقدرا، تقريره: ان القران لا يكون حجة الا بعد ثبوت النبوة، وثبوت النبوة موقوف على النسخ، فلو ثبت النسخ بالقران، لزم الدور، فلذلك ردد، وقال: إن توقف الاستدلال على النسخ، فنقول: قد ثبتت النبوة بالمعجزة، فينقطع الدور، وإن لم يتوقف، صح الاستدلال، ولا دور. قوله: " وعلى التقديرين، يلزم الجهل أو السفه ". تقريره: أن الآمر، إن لم يكن عالما بما في الأمر من المصلحة، لزم الجهل، وإن علم ذلك، ونهى عنها، لزم الثاني. قوله: " إن دل على دوام شرع موسى ﵇، وضم إليه ما يدل على نسخه، لزم التناقض ". قلنا: لا نسلم؛ لجواز أن تكون الدلالة على الدوام تابعة لأصل الوجوب، لا بلفظ خاص في الدلالة على الدوام، كما نقول: إذا قال الله تعالى: (صلوا) ووضع اللغة أن الامر للتكرار، فكما أنه إذا اقترن بصيغة الامر على هذا التقدير فالتنصيص، على عدم التكرار، وأنه يدوم إلى الوقت الفلاني،

стр. 2348

وينقطع، ويحمل الأمر على ذلك، ويجعل ذلك قرينة حاملة على الجاز في الامر، فكذلك نص التوراة على الدوام، احتمل أن يكون من هذا القبيل، فلا تناقض، بل تقديم الأخص على الأعم من النصوص، وصرف عن الحقيقة للمجاز. قوله: " ذكر الدال على الدوام من غير بيان تلبيس ": قلنا: نحن نمنع الحسن والقبح العقليين، لا سيما لم يتأخر البيان إلا عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة، وهو أخف. قوله: "ينبغي الوقوف بين الوعد والوعيد": قلنا: إن انضمت القرائن الحالية، أو غيرها المفيدة للقطع، حصل القطع، وإلا كفى في وجوب العمل، ووجوب الاعتقاد الظن الغالب، وذلك يحصل مصلحة الزجر، والحث على الفعل. قوله: "لا يتم الإجماع إلا بإجراء اللفظ على ظاهره، فإذا جوزنا مخالفة الظاهر، لا يحصل القطع": قلنا: يحصل القطع بالإجماع وغيره؛ من تضافر النصوص تضافرًا يوجب القطع بإرادة مدلول اللفظ، وإحالة المجاز، وذلك يحصل بكثرة استقراء النصوص. (فائدة) رأيت بعض اللغويين ينقل في (بخت نصّر) لغتين (نصَّر) و (نصر) بتشديد الصاد، وتسكينها . (فائدة) ناظرت بعض اليهود، فقال: كيف تدعون أن شرعنا غير متواتر ؛ بسبب

стр. 2349

بختنصر، والمنقول عندنا أن جمعًا منهم نحو الأربعين سلموا منه، وخرجوا إلى بعض الأقطار، ومثلهم يمكن أن يحصل به عدد التواتر؟ فقلت له: لا نسلم صحة هذا النقل، سلمناه؛ لكن لا يلزم من حصول هذا الجمع أن يكونوا في أنفسهم حافظين للتوراة، وفورع الشريعة، وقواعدها، فلعلهم من القوم الذين لا يعلمون شيئا، وإذا شككنا في حالهم، شككنا في التواتر، ويكفي في عدم الوثوق بأصل الشرائع الشك في بعض شروط التواتر، وهاهنا كذلك، فلا يمكن [أن يقال: إن] اليهود يثبتون بذلك تواتر شرعهم ابدا، ولا القطع بشيء من نصوصهم ألبتة، بل يصير الجميع مشكوكا فيه. (فائدة) ربما خطر بالبال أن بختنصر كيف يعدم بسببه اليهود، مع تفرقهم في أقطار الأرض، فالعادة تحيل ذلك ، فاعلم أن اليهود من وقت خروجهم من (مصر) مع موسى ﵇ وغرق فرعون، لم يسكنوا إلا في موضع واحد في (التيه) ثم انتقلوا بجملتهم للبيت المقدس، فوجدهم (بختنصر) هناك بجملتهم، وبقى بعده جماعة يسيرة، خرجوا مع دانيال ﵇ إلى (مصر) فأخذهم بختنصر من (مصر) وقتلهم، وخرب إقليم (مصر). قال ابن دحية في كتاب (النبراس في تاريخ بني العباس): فأقامت أرض (مصر) اربعين سنة، لم يزرع نيلها؛ لعدم بني آدم منها بالكلية، وليس فيها إلا العوافي، فهذا هو وجه السؤال على اليهود بواقعة (بختنصر) واليهود تسلم ذلك، ولا تنازع فيه، أعني عدم التفرق واجتماعهم أبدا في مكان واحد.

стр. 2350

قوله: " الجواب عن التلبيس مذكور في مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب ". تقريره: أن اللفظ، إنما يفيد لفظ البقاء والدوام، مع تجويز خلافه، فلو قطع المكلف لكان التفريط من قبله لقطعه؛ لا في موضع القطع، وتأخير البيان عن وقت الخطاب لوقت الحاجة، وهو وقت مبعثه ﵇. (تنبيه) زاد سراج الدين فقال: على الآية:" ملزومية الشيء لغيره لا تقتضي وقوعه، ولا صحة وقوعه ". قلت: يريد أن الشرط ملزوم، والجزء لازم؛ لأن ضابط الملزوم ما يحسن فيه (لو) وضابط اللازم ما يحسن فيه (اللام) نحو: " لو كان الواحد نصف العشرة، لكانت العشرة اثنين " وقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الانبياء: ٢٢] والملازمة قد تكون صحيحة، والملزوم واللازم محالان؛ كقولنا: " لو كان الواحد نصف العشرة، لكانت العشرة اثنين ". * * *
следующие страницы →