← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وإذا صرحت توراة اليهود بمثل هذه الأمور، لا يسمع كلامهم بعد ذلك في منع النسخ. قوله: " وكان آدم ﵇ يزوج الأخ من أخته ". قلنا: لم يرد هذا في الكتاب، ولا في السنة، فلعل ذلك كان قبل ورد شرع عليه في ذلك، وإذا لم يرد شرع، كان ذلك كافيا في الاقدام؛ للسلامة من النهي، وإذا كان هذا الاحتمال قائما، لا يكون نسخا؛ لأن التحريم حينئذ وقع؛ للبراءة الأصلية، لا بحكم شرعي. قوله: " بشرت التوراة والانجيل بمحمد ﷺ ووجوب الرجوع إلى شرعه، فيتحقق النسخ ". قلنا: لا نسلم؛ لجواز أن يكون الشرع ليس فيه نسخ، بل تقرير وزيادات لم تتعرض لها الشرائع السابقة، فليس في التبشير ما يقتضي النسخ. قوله: " وبهذا تجيب اليهود على الالزامات ". قلنا: لا نسلم أنه يستقيم جوابا لهم؛ لأنهم لا يعترفون بذلك، وإن اعترفوا، منعناهم إلزام النسخ من ذلك؛ كما تقدم. قوله: " كيف يصح الإجماع مع الخلاف؟ ". قلنا: قد بينا أن الاتفاق حصل في المنى، إنما الخلاف في التسمية نسخا. قوله: " المعتمد قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ [البقرة: ١٠٦] " قلنا: لنا قاعدة، وهي ان الشرط ليس من شرطه أن يكون ممكنا، بل قد يكون ممكنا؛ كقولنا: " إن دخلت الدار، فانت حر " وقد يكون ممتنعا؛ كقولنا: " إن كان الواحد نصف العشرة، فالعشرة اثنان " ومنه قوله تعالى: ﴿لو كان

стр. 2347

فيهما آلهة إلا لله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و (لو): حرف شرط بالنقل مع ان الشريك مستحيل، واذا كان الشرط اعم من الممكن، والاعم لا يستلزم أحد نوعيه عينا، فلا يستدل به على الإمكان. فقوله تعالى: " ما ننسخ " شرط، فلعله من قبيل الممنع، واخبر الله تعالى عن لازم هذا الممتنع، ولو فرض وقوعته، كما اخبر الله تعالى عن الشريك بما يلزمه، لو فرض وقوعه؛ فلا دليل في الآية حينئذ. قوله: " الاستدلال بالقران: إما ان يتوقف على صحة النسخ، أو لا يتوقف ". تقريره: ان موجب هذا الترديد: أن هنا سؤالا مقدرا، تقريره: ان القران لا يكون حجة الا بعد ثبوت النبوة، وثبوت النبوة موقوف على النسخ، فلو ثبت النسخ بالقران، لزم الدور، فلذلك ردد، وقال: إن توقف الاستدلال على النسخ، فنقول: قد ثبتت النبوة بالمعجزة، فينقطع الدور، وإن لم يتوقف، صح الاستدلال، ولا دور. قوله: " وعلى التقديرين، يلزم الجهل أو السفه ". تقريره: أن الآمر، إن لم يكن عالما بما في الأمر من المصلحة، لزم الجهل، وإن علم ذلك، ونهى عنها، لزم الثاني. قوله: " إن دل على دوام شرع موسى ﵇، وضم إليه ما يدل على نسخه، لزم التناقض ". قلنا: لا نسلم؛ لجواز أن تكون الدلالة على الدوام تابعة لأصل الوجوب، لا بلفظ خاص في الدلالة على الدوام، كما نقول: إذا قال الله تعالى: (صلوا) ووضع اللغة أن الامر للتكرار، فكما أنه إذا اقترن بصيغة الامر على هذا التقدير فالتنصيص، على عدم التكرار، وأنه يدوم إلى الوقت الفلاني،

стр. 2348

وينقطع، ويحمل الأمر على ذلك، ويجعل ذلك قرينة حاملة على الجاز في الامر، فكذلك نص التوراة على الدوام، احتمل أن يكون من هذا القبيل، فلا تناقض، بل تقديم الأخص على الأعم من النصوص، وصرف عن الحقيقة للمجاز. قوله: " ذكر الدال على الدوام من غير بيان تلبيس ": قلنا: نحن نمنع الحسن والقبح العقليين، لا سيما لم يتأخر البيان إلا عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة، وهو أخف. قوله: "ينبغي الوقوف بين الوعد والوعيد": قلنا: إن انضمت القرائن الحالية، أو غيرها المفيدة للقطع، حصل القطع، وإلا كفى في وجوب العمل، ووجوب الاعتقاد الظن الغالب، وذلك يحصل مصلحة الزجر، والحث على الفعل. قوله: "لا يتم الإجماع إلا بإجراء اللفظ على ظاهره، فإذا جوزنا مخالفة الظاهر، لا يحصل القطع": قلنا: يحصل القطع بالإجماع وغيره؛ من تضافر النصوص تضافرًا يوجب القطع بإرادة مدلول اللفظ، وإحالة المجاز، وذلك يحصل بكثرة استقراء النصوص. (فائدة) رأيت بعض اللغويين ينقل في (بخت نصّر) لغتين (نصَّر) و (نصر) بتشديد الصاد، وتسكينها . (فائدة) ناظرت بعض اليهود، فقال: كيف تدعون أن شرعنا غير متواتر ؛ بسبب

стр. 2349

بختنصر، والمنقول عندنا أن جمعًا منهم نحو الأربعين سلموا منه، وخرجوا إلى بعض الأقطار، ومثلهم يمكن أن يحصل به عدد التواتر؟ فقلت له: لا نسلم صحة هذا النقل، سلمناه؛ لكن لا يلزم من حصول هذا الجمع أن يكونوا في أنفسهم حافظين للتوراة، وفورع الشريعة، وقواعدها، فلعلهم من القوم الذين لا يعلمون شيئا، وإذا شككنا في حالهم، شككنا في التواتر، ويكفي في عدم الوثوق بأصل الشرائع الشك في بعض شروط التواتر، وهاهنا كذلك، فلا يمكن [أن يقال: إن] اليهود يثبتون بذلك تواتر شرعهم ابدا، ولا القطع بشيء من نصوصهم ألبتة، بل يصير الجميع مشكوكا فيه. (فائدة) ربما خطر بالبال أن بختنصر كيف يعدم بسببه اليهود، مع تفرقهم في أقطار الأرض، فالعادة تحيل ذلك ، فاعلم أن اليهود من وقت خروجهم من (مصر) مع موسى ﵇ وغرق فرعون، لم يسكنوا إلا في موضع واحد في (التيه) ثم انتقلوا بجملتهم للبيت المقدس، فوجدهم (بختنصر) هناك بجملتهم، وبقى بعده جماعة يسيرة، خرجوا مع دانيال ﵇ إلى (مصر) فأخذهم بختنصر من (مصر) وقتلهم، وخرب إقليم (مصر). قال ابن دحية في كتاب (النبراس في تاريخ بني العباس): فأقامت أرض (مصر) اربعين سنة، لم يزرع نيلها؛ لعدم بني آدم منها بالكلية، وليس فيها إلا العوافي، فهذا هو وجه السؤال على اليهود بواقعة (بختنصر) واليهود تسلم ذلك، ولا تنازع فيه، أعني عدم التفرق واجتماعهم أبدا في مكان واحد.

стр. 2350

قوله: " الجواب عن التلبيس مذكور في مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب ". تقريره: أن اللفظ، إنما يفيد لفظ البقاء والدوام، مع تجويز خلافه، فلو قطع المكلف لكان التفريط من قبله لقطعه؛ لا في موضع القطع، وتأخير البيان عن وقت الخطاب لوقت الحاجة، وهو وقت مبعثه ﵇. (تنبيه) زاد سراج الدين فقال: على الآية:" ملزومية الشيء لغيره لا تقتضي وقوعه، ولا صحة وقوعه ". قلت: يريد أن الشرط ملزوم، والجزء لازم؛ لأن ضابط الملزوم ما يحسن فيه (لو) وضابط اللازم ما يحسن فيه (اللام) نحو: " لو كان الواحد نصف العشرة، لكانت العشرة اثنين " وقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الانبياء: ٢٢] والملازمة قد تكون صحيحة، والملزوم واللازم محالان؛ كقولنا: " لو كان الواحد نصف العشرة، لكانت العشرة اثنين ". * * *

стр. 2351

المسألة الخامسة قال الرازي: اتفقت الأمة على جواز نسخ القران، وقال ابو مسلم بن بحر الأصفهاني: لا يجوز . لنا وجوه: أحدها: ان الله تعالى امر المتوفي عنها زوجها بالاعتداد حولا، وذلك في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ [البقرة: ٢٤] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، كما في قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال أبو مسلم: الاعتداد بالحول ما زال بالكلية؛ لأنها لو كانت حاملا، ومدة حملها حول كامل، لكانت عدتها حولا كاملا، وإذا بقى هذا الحكم في بعض الصور، كان ذلك تخصيصا، لا نسخا. والجواب: أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل، سواء حصل وضع الحمل لسنة، أو أقل، او أكثر، فجعل السنة مدة العدة يكون زائلا بالكلية. وثانيها: أمر الله تعالى بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا، إذا ناجيتم الرسول، فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾ [المجادلة: ١٢] ثم نسخ ذلك. قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سببه؛ لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون من حيث لا يتصدقون عن المؤمنين، فلما حصل هذا الغرض، سقط التعبد بالصدقة.

стр. 2352

والجواب؛ لو كان كذلك؛ لكان كل من لم يتصدق منافقا، لكنه باطل؛ لأنه روى: " أنه لم يتصدق غير على بن أبي طالب، ﵁ ". ويدل عليه أيضا قوله تعالى: " فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم " [المجادلة: ١٣]. وثالثها: أن الله تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة، بقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صارون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: ٦٥] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: ٦٦]. ورابعها: قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية، أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦] قال أبو مسلم: النسخ هو: الإزالة، والمراد من هذه الآية إزالة القران من اللوح المحفوظ. والجواب: أن إزالة القران من اللوح المحفوظ لا تختص ببعض القرآن، وهذا النص مختص ببعضه. وخامسها: قولها تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢] ثم أزالهم عنها بقوله: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية؛ لجواز التوجه إليها عند الإشكال، ومع العلم، إذا كان هناك عدو. والجواب: أن على ما ذكرته أنت: لا فرق بين بيت المقدس وسائر الجهات، فالخصوصية التي لها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد بطلت بالكلية، فيكون نسخا.

стр. 2353

وسادسها: قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية، والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر﴾ [النحل: ١٠١] والتبديل يشتمل على رفع، وإثبات، والمرفوع إما التلاوة، وإما الحكم، وكيف ما كان، فهو رفع ونسخ. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد به: أن الله تعالى أنزل إحدى الآيتين بدلا عن الأخرى؛ فيكون النازل بدلا عما لم ينزل؟ قلت: جعل المعدوم مبدلا، غير جائز. واحتج أبو مسلم: بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤٢] فلو نسخ، لكان قد أتاه الباطل. وجوابه: المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله تعالى ما يبطله ولا يأتيه من بعده ما يبطله، والله أعلم. المسألة الخامسة في جواز نسخ القرآن قال القرافي: قوله: " نسخ الآية إزالتها من اللوح المحفوظ ". قلنا: لا نسلم أن اللوح المحفوظ يزول منه شيء من القرآن، ولا يلزم من نقله إلينا إزالته كنسخ الكتاب من الكتاب مع بقاء الأصل مكتوبا. قوله: " إزالة القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن، فهذا النسخ مختص ببعضه ". قلنا: لا نسلم أن في قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ما يقتضي اختصاص ذلك بالبعض أو الكل، بل هذا شرط يصلح للقسمين. قوله: " الخامس: قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن

стр. 2354

قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢] ثم أزالهم عنها بقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤]. قلنا: هذا إنما يتجه أن لو كان التوجه للبيت المقدس حاصلا بالقران، وليس كذلك، بل الذي في القرآن قول السفهاء، وهو يقتضي أن لنا قبله متقدمة، أما أن الأمر بهذا بالكتاب أو بالسنة، فلا نشعر بذلك. قوله: " وسادسها: قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا: إنما أنت مفتر﴾ [النحل: ١٠١]. قلنا: هذه صيغة شرط، وقد تقدم أن اشرط ليس من شرطه أن يكون ممكنا، فيقول أبو مسلم بموجب الآية. وأما قوله: " قالوا: وإن كان صيغة ماضية " فلا يدل على الوقوع من جهة إجماع النحاة فيما علمت أن جواب الشرط إذا وقع بالماضي فهو مؤول بالمستقبل، فيكون تقديره: " يقولون " فجاز أن يكون هذا القول المستقبل لم يقع؛ لعدم وقوع شرطه، وإن كان المعلوم أن ذلك وقع، وأنهم قالوا؛ غير أن الاستدلال باللفظ غير الاستدلال بالواقع، والمنع إنما ورد على الدلالة باللفظ. قوله: " جعل المعدوم بدلا غير جائز ". قلنا: كما أجمعنا على أن التيمم بدل من الوضوء، مع أن الوضوء لم يوجد، والجمعة بدلا عن الظهر، والظهر بدلا عن الجمعة، مع أن ذلك المبدل عنه غير موجود، ثم إن الآية التي أبدل منها موجودة في اللوح المحفوظ ليست معدومة، فالآيتان موجودتان: إحداهما: في اللوح المحفوظ. والأخرى: نزلت إلينا، والخصم إنما سأل هكذا، فقال: لم لا تتلون

стр. 2355

أحد الآيتين بدلا عن الأخرى، وانتم اجبتم عن جعل تنزيل إحدى الآيتين بدلا من تنزيل الأخرى، ولا شك أنه مراد السائل، وإن لم يصرح به، وحينئذ ساغ لكم أن تقولوا: " المعدوم لا يكون مبدلا " إشارة إلى التنزيل الحاصل في الآية الباقية في اللوح المحفوظ؛ فإن إنزالها لم يوجد قط، لكنا قد بينا أن المعدوم يصح البدل منه في مواطن. (قاعدة) وقع في القرآن (بين الأيدي)، والمراد به الماضي . وتقريره: أن الداخل الموجود كالعابر لدرب، فالداخل قبله يكون بين يديه، والداخل بعده يكون وراءه، والماضي بالنسبة إلينا دخل قبلنا، والمستقبل يدخل بعد دخولنا، فلذلك عبر عن الماضي أبدا بما بين الأيدي وعن المستقبل بأنه وراءنا، فمن ذلك: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه﴾] فصلت: ٤٢ [ أي من الكتب الماضية، ولا من خلفه، أي في المستقبل. وقوله تعالى: ﴿مصدقًا لما بين يديه من التوراة﴾] آل عمران: ٥٠ [، وهي قبله: ﴿ويذرون وراءهم يومًا ثقيلا﴾] الإنسان: ٢٦ [، ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا﴾] الكهف: ٧٩ [، أي: في المستقبل؛ لأنهم كانوا سيقدمون عليه لم يتعدوه بعد، ولو تعدوه لأمنوا منه، وعلى هذه القاعدة تتخرج هذه الألفاظ حيث وقعت في الكتاب العزيز. وقوله تعالى: ﴿فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾] المجادلة: ١٢ [؛ لأن النجوى تقع في الزمن المستقبل بعد الصدقة، فكانت الصدقة ماضية بالنسبة إلى زمن النجوى، فتأمله في مواطنه، فربما خفي في مواطنه. (تنبيه) عبر تاج الدين للجواب عن قوله تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل﴾] فصلت:

стр. 2356

٤٢] فقال: إنه يحيل النسخ على كلية الكتاب، وهو متفق عليه، ولا يحيل على بعض الآيات. (فائدة) قال (المنتخب): أبو مسلم بن عمر، والذي وجدته في عدة من نسخ (المحصول): ابن بحر، وقاله ابن برهان في كتابه المسمى بـ (الأوسط) ، قال: أبو مسلم بن بحر الأصبهاني. وقال الشيخ أبو اسحاق في (اللمع): "منعت اليهود من النسخ، وقال أبو مسلم عمرو بن يحيى الأصفهاني ... " فهذا اختلاف متباعد في اسمه، اللهم إلا أن يكون له اسمان، وهو بعيد، أو يكونوا عدة أشخاص كل منهم يسمى أبا مسلم.

стр. 2357

المسألة السادسة قال الرازي: اختلفوا في نسخ الشيء قبل مضي وقت فعله . مثاله: إذا قال الله تعالى لنا صبيحة يومنا: (صلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة) ثم قال عند الظهر: (لا تصلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة) فهذا عندنا جائز، خلافًا للمعتزلة، وكثير من الفقهاء. لنا: أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده إسماعيل، ﵉ ثم نسخ ذلك قبل وقت الذبح. فإن قيل: لا نسلم أن إبراهيم ﵇ كان مأمورًا بالذبح، بل لعله كان مأمورًا بمقدمات الذبح من الإضجاع، وأخذ المدية، مع الظن الغالب بكونه مأمورًا بالذبح؛ ولهذا قال: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾] الصافات: ١٠٥ [، ولو كان قد فعل بعض ما أمر به، لكان قد صدق بعض الرؤيا. فإن قلت: الدليل عليه ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾] الصافات: ١٠٢ [، لا بد وأن يكون عائدًا إلى شيء، والمذكور هاهنا قوله: ﴿أني أذبحك﴾ فوجب صرفه إليه. وثانيها: قوله تعالى: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾] الصافات: ١٠٦ [، ومقدمات الذبح لا توصف بأنها بلاء مبين.

стр. 2358

وثالثها: قوله تعالى: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾] الصافات: ١٠٧ [، ولو لم يكن مأمورًا بالذبح، لما احتاج إلى الفداء. قلت: الجواب عن الأول: أن الرؤيا لا تدل على كونه مأمورًا بذلك، وأما قوله: ﴿افعل ما تؤمر﴾ فإنما يفيد الأمر في المستقبل، فلا ينصرف إلى ما مضى من رؤياه في المنام. وعن الثاني: أن إضجاع الابن، وأخذ المدية مع غلبة الظن أنه مأمور بالذبح بلاء مبين. وعن الثالث: أنه إنما فدى بالذبح بسبب ما كان يتوقعه من الأمر بالذبح، سلمنا أنه أمر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نسخ ذلك، وبيانه من وجهين: الأول: أنه كلما قطع موضعًا من الحلق، وتعداه على غيره وصل الله تعالى ما تقدم قطعه. فإن قلت: حقيقة الذبح قطع مكان مخصوص تبطل معه الحياة، قلت: بطلان الحياة ليس جزءًا من مسمى الذبح؛ لأنه يقال: قد ذبح هذا الحيوان، وإن لم يمت بعد. الثاني: قيل: إنه أمر بالذبح، وإن الله تعالى جعل على عنقه صفيحة من حديد، فكان إذا أمرّ إبراهيم ﵇ السكين، لم يقطع شيئًا من الحلق. سلمنا سلامة دليلكم؛ لكنه معارض بدليل آخر، وهو: أن ذلك يقتضي كون الشخص الواحد مأمورًا منهيًا عن فعل واحد، في وقت واحد، على وجه واحد، وذلك محال، فالمؤدى إليه محال.

стр. 2359

بيان أنه يلزم ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن المسألة مفروضة في هذا الموضع، فإنه لما أمر بكرة بركعتين من الصلاة عند غروب الشمس، ثم نهي وقت الظهر عن ركعتين من الصلاة عند غروب الشمس فقد تعلق الأمر والنهي بشيء واحد، في وقت واحد، من وجه واحد؛ حتى لو لم يتحقق شرط من هذه الشرائط، لم تكن هي المسألة التي تنازعنا فيها. وثانيها: أن قوله: (صلوا عند غيبوبة الشمس) غير موضوع إلا للأمر بالصلاة في ذلك الوقت لغة وشرعا، وقوله: (لا تصلوا عند غيبوبة الشمس) غير موضوع إلا للنهي عن الصاة في ذلك الوقت لغة وشرعًا. وثالثها: هو أن النهي لو تعلق بغير ما تعلق به الأمر، لكان لا يخلو: إما أن يكون المنهي عنه أمرًا، يلزم من الانتهاء عنه وقوع الخلل في متعلق الأمر، أو لا يلزم ذلك: فإن كان الأول: كان المتأخر رافعًا المتقدم استلزامًا، فيلزم توارد الأمر والنهي على شيء واحد، في وقت واحد، من وجه واحد، وإن كان الثاني: لم يكن ذلك هي المسألة التي تنازعنا فيها؛ لأنا توافقنا على أن الأمر بالشيء لا يمنع من النهي عن شيء آخر لا يلزم من الانتهاء عنه الإخلال بذلك المأمور. بيان أن ذلك محال: أن ذلك الفعل في ذلك الوقت لا بد وأن يكون: إما حسنًا وإما قبيحًا، وكيفما كان. فإما أن يقال: المكلف ما كان عالمًا بحاله، ثم بدا له ذلك؛ فلذلك اختلف الأمر والنهي، وذلك محال؛ لاستحال البداء على الله تعالى.

стр. 2360

وإما أن يقال: إنه كان عالمًا بحاله، فيلزم منه: إما الأمر بالقبيح، أو النهي عن الحسن، وذلك أيضًا محال. والجواب: الدليل على أنه كان مأمورًا بالذبح: أنه لو لم يكن مأمورًا به، بل كان مأمورًا بمجرد المقدمات، وهو قد أتى بتمام تلك المقدمات، فوجب أن يحتاج معها إلى الفدية؛ لأن الآتي بمأمور يجب خروجه عن العهدة، والخارج عن العهدة لا يحتاج إلى الفداء، فحيث وقعت الحاجة إليه، علمنا أنه لم يدخل تمام المأمور به في الوجود. وهذا هو الجواب عن قوله: كلما قطع موضعًا من الحلق، وتعداه إلى غيره، وصل الله تعالى ما تقدم قطعه؛ لأن على هذا التقدير: يكون كل المأمور به دخلا في الوجود، فوجب ألا يحتاج معه إلى الفداء. وأما قوله تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾] الصافات: ١٠٥ [، فغير دال على أنه أتى بكل المأمور به، بل يدل على أنه ﵇ صدقها وعزم على الإتيان بها، فأما أنه فعلها بتمامها، فليس في الآية دلالة عليه. قوله: إن الله تعالى جعل على عنقه صفيحة من حديد: قلنا: إن اعترفتم بأنه كان مأمورًا بنفس الذبح، لم يجز ذلك على قولكم، وإلا فهو تكليف ما لا يطاق. وإن قلتم: إنه كان مأمورًا بالمقدمات، فهو عود إلى السؤال الأول. وأما المعارضة فالجواب عنها من وجهين: الأول: وهو الذي يحسم المنازعة أنها مبنية على القول بالحسن والقبح، ونحن لا نقول به.

стр. 2361

الثاني: سلمنا ذلك، ولكنا نقول: كما يحسن الأمر بالشيء، والنهي عن الشيء، لحكمة تتولد من المأمور به، والمنهي عنه، فقد يحسنان أيضًا لحكمة تتولد من نفس الأمر والنهي؛ فإن السيد قد يقول لعبده: اذهب إلى القرية غدًا راجلًا، ويكون غرضه من ذلك حصول الرياضة له في الحال، وعزمه على أداء ذلك الفعل، وتوطين النفس عليه، مع علمه بأنه سيرفع عنه غدًا ذلك التكليف. وإذا ثبت هذا، فنقول: الأمر بالفعل إنما يحسن إذا كان المأمور به منشأ المصلحة، والأمر به أيضًا منشأ المصلحة. فأما إذا كان المأمور به منشأ المصلحة، لكن الأمر به لا يكون منشأ المصلحة، لم يكن الأمر به حسنًا، وعند هذا يظهر الجواب عما قالوه؛ لأنه حين أمر بالفعل كان المأمور به منشأ المصلحة، وكان الأمر به أيضًا منشأ المصلحة؛ فلا جرم حسن الأمر به. وفي الوقت الثاني، بقي المأمور به منشأ المصلحة، لكن ما بقي الأمر به منشأ المصلحة؛ فلا جرم حسن النهي عنه. فإن قلت: لما بقي الفعل منشأ المصلحة، كما كان، فالنهي عنه يكون منعًا عن منشأ المصلحة، وذلك غير جائز. قلت: إنه يكفي في المنع عن الشيء اشتماله على جهة واحدة من جهات المفسدة، فهاهنا المأمور به، وإن بقي منشأ المصلحة، إلا أن الأمر به، والحث عليه لما صار منشأ المفسدة، كان الأمر به - وإن كان حسنًا نظرًا - إلى المأمور به، لكنه قبيح؛ نظرًا إلى نفس الأمر، وذلك كاف في قبحه، والله أعلم.

стр. 2362

المسالة السادسة (في النسخ قبل مضي الوقت) قال القرافي: قلت: المسائل في هذا المعنى أربع: إحداهن: إن توقت الفعل بزمان مستقبل، فينسخ قبل حضوره. وثانيتهن: أن يؤمر به على الفور، فينسخ قبل الشروع فيه. وثالثتهن: أن يشرع فيه، فينسخ قبل كماله. ورابعتهن: إذا كان الفعل يتكرر، ففعل مرارًا، ثم نسخ، فإن الثلاثة الأول في الفعل الواحد غير المتكرر. أما الرابعة: فوافقنا عليها المعتزلة لحصول مصلحة الفعل بتلك المرات الواقعة في الأزمنة الماضية، ومنه نسخ القبلة وغيرها، ومنعوا قبل الوقت وقبل الشروع لعدم حصول المصلحة من الفعل، وترك المصلحة عندهم يمنعه قاعدة الحسن والقبح، والنقل في هاتين المسألتين في هذا الموضع قد نقله المصنف. وأما بعد الشروع وقبل الكمال، فلم أر فيه نقلًا، ومقتضى مذهبنا جواز النسخ مطلقًا فيه وفي غيره، ومقتضى مذهب المعتزلة ما أنا ذاكره من التفصيل، لا المنع مطلقًا، ولا الجواز مطلقًا؛ فإن الفعل الواحد قد لا يحصّل مصلحته إلا باستيفاء أجزائه كذبح الحيوان، وإنقاذ الغريق؛ فإن مجرد قطع الجلد لا يحصل مقصود الذكاة من إخراج الفضلات، وزهوق الروح على وجه السهولة، وإيصال الغريق إلى قريب الشط، وتركه هنالك لا يحفظ عليه حياته، بل يموت بقرب الشط، كما يموت في لجة البحر،

стр. 2363

وقد تكون مصلحته متوزعة على أجزاء كسقي العطشان، وإطعام الجوعان، وكسوة العريان؛ فإن كل جزء من ذلك يحصل جزءًا من الريّ، أو الشبع، أو الستر، ففي القسم الأول مقتضى مذهبهم المنع لعدم حصول المصلحة. وفي الثاني: الجواز لحصول بعض المصلحة المحسنة للأمر، وخروجه عن العبث بذلك، كما انعقد الإجماع على حسن النهي عن القطرة الواحدة من الخمر مع أن الإسكار لا يحصل إلا بعدة من القطرات، لكنه لا يتعين له بعضها دون بعضها، بل هو متوزع عليها، فكذلك هاهنا، وتنزل الأخرى منزلة الجزئيات. (المسألة الرابعة) فكما لا يمتنع النسخ، وإن فاتت المصلحة في الجزئيات المستقبلة، واكتفى بحصولها في الجزئيات الماضية، كذلك يكتفى ببعض الأجزاء، غير أن هاهنا فرقًا أمكن ملاحظته، وهو أن المصلحة في الجزئيات الماضية مصالح تامة أمكن أن يقصدها العقلاء قصدًا كليًا دائمًا بخلاف جزء المصلحة في نقطة الماء ولبابة الخبز ونحوهما فإن القصد إليها نادر، مع هذا الفرق أمكن أن يقولوا بالمنع في هذا القسم مطلقًا من غير تفصيل، إذا تقرر هذا، فأقول: المصنف ﵀ فهرس المسألة بقوله: (قبل مضي الوقت) وذلك يحتمل الأقسام الثلاثة الأول، ثم مثلها بما إذا أمرنا أول النهار بركعتين عند غروب الشمس، ونسختا عند الزوال، وهذا التمثيل بعين المسألة الأولى، ثم استدل في المسالة بذبح إسماعيل ﵇ وهو من المسألة الثانية؛ فإن ذبح إسحق ﵇ لم يجعل له وقت مستقبل، فلم يطابق دليله تمثيله، ولا مقصوده المسألة، بل كان ينبغي له أن يفرض كل مسألة وحدها، بل وقع البحث غير ملخص، متدافعًا. قوله: "لنا: أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح إسماعيل ﵉".

стр. 2364

قلنا: حكى جماعة من العلماء أن الصحيح عند العلماء أن الذبيح هو إسحق ﵇ لا إسماعيل، واستدلوا على ذلك بأمور،

стр. 2365

.................................................

стр. 2366

.............................................

стр. 2367

وأجابوا عن قوله ﵇: (أنا ابن الذبيحين) وليس هذا موضعه؛ لأنها مسألة أخرى غير ما نحن فيه. قوله: "إن قوله تعالى: ﴿افعل ما تؤمر﴾] الصافات: ١٠٢ [ينصرف للمستقبل دون رؤياه". قلنا لو كان ما ذكرتموه المراد لكان حيدة منه ﵇ عن الإجابة والموافقة؛ فإنه أذن وأمر بغير ما عنه أخبر، فإنه أخبر به في المنام وهو أمر بمستقبل، وذلك ينافي ما أجمع عليه المسلمون من مدحه ﵇ بالصبر، وينافي أيضًا منصبه، وجلالته في نفسه، وثناء الله تعالى عليه بذلك، بل يتعين أن يكون الفعل المضارع هاهنا عبّر به عن الحالة المستمرة

стр. 2368

المتناولة للماضي، والحال، والمستقبل، كقول العرب: فلان يعطي، ويمنع، ويصل، ويقطع، أي ذلك شأنه من جميع احواله، ومنه قول خديجة ﵂ لرسول الله ﷺ : (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق)، أي هذا شأنك دائمًا، فهذا هو المراد، أي: افعل جميع ما يرد عليك من أوامر الله تعالى، وليكن هذا شأنك في جميع أحوالك: الماضي، والحال، والمستقبل، وهذا وإن كان مجازًا فيتعين الحمل عليه لقرينة ظاهر حال القائل، ومدح الله تعالى له؛ فإن الآية وردت في سياق مدحهما والثناء عليهما، والتأسي بهما في تلقي أوامر الله تعالى وبعض ذلك كاف في الحمل على المجاز، وترك الحقيقة. قوله: "الفداء إنما حسن بسبب ما كان يتوقعه من الذبح". قلنا: عندكم هذا الاعتقاد غير مطابق، فيندفع بوجوه: أحدها: أن منصب الخليل ﵇ ينبغي، بل يجب تنزيهه عن الغلط في أوامر الله تعالى واعتقادها على غير وجهها. وثانيها: أن هذا الاعتقاد لم يتبين له باطنه، وقد شرع في الفعل، فيلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأنتم تمنعونه عن وقت الخطاب، فوقت الحاجة أولى. وثالثها: أن الأمر لو كان كذلك، لكان البيان كافيًا في ذلك، فلا حاجة إلى الفداء، ولا كان يتصور الفداء. (فائدة) قال الغزالي في (المستصفى): أجابوا عن قضية إبراهيم ﵇ بخمسة أوجه:

стр. 2369

أحدها: انه كان منامًا لا أمرًا. الثاني: كان أمرًا، لكن قصد به العزم دون الذبح. الثالث: لم يحصل نسخ، لكن انقطع الحكم بالتعذر؛ لأجل انقلاب عنقه نحاسًا أو حديدًا. الرابع: المأمور به كان المقدمات للذبح دون الذبح، وقد فعلها. الخامس: انه امتثل، ولم ينسخ عنه شيء، لكنه ذبح، واندمل الجرح، قال: وقال أهل التأويل: إسماعيل ليس بمذبوح باتفاقهم، واختلفوا في كون إبراهيم ﵇ ذابحًا. فقال بعضهم: إبراهيم ذابح لحصول القطع، والولد غير مذبوح لحصول الالتئام. قوله: "حين أمر بالفعل، كان المأمور به منشأ المصلحة، والآمر به أيضًا منشأ المصلحة، فلا جرم حسن الأمر به، وفي الوقت الثاني نفي المأمور به منشأ المصلحة. لكن الأمر به لم يبق منشأ المصلحة، فلم يحسن الأمر به". هذه العبارة في هذا الموضع كله إلى آخر المسألة غير متجهة؛ فإن المأمور به، الذي هو ذبح إسحاق ﵇، لم يكن منشأ المصلحة، إنما كانت المصلحة في الأمر خاصة لما فيه من امتحانهما وما يترتب عليه من إظهار طواعيتهما، وإنابتهما لربهما، وإيثارهما بأنفسهما، وذلك مقام عظيم، ومصالح متعددة جليلة تترتب على صدور الأمر. أما نفس غراقة دم إسحاق ﵇ مع قطع النظر عن الأمر، فليس منشأ المصلحة، بخلاف ذبح الأنعام للإغتذاء الإنساني متضمن للمصلحة، وهي حفظ الإنسان وتوفير عقله، وقوّته للمعارف والعلوم،

стр. 2370

ولقاء أعداء الدين، وغير ذلك، فهذه مصلحة مقصودة، ورد الأمر بها أم لا بخلاف ذبح إسحاق ﵇، بل اللائق في العبارة أن تقولوا: الأمر بالشيء كما يحسن لمصلحة في المأمور، فكذلك يحسن لمصلحة في نفس الأمر فقط، كامتحان العبد بما ليس مقصودًا للسيد، ومنه هذه القصة النبوية، فإذا كان الأمر لمصلحة فيه دون المامور به، وحصل امتحان العبد، وجميع تلك المصالح المقصودة من نفس الأمر، تعين النهي عن ذلك الفعل؛ لأنه مفسدة محضة حينئذ، والنهي عن المفاسد متعين. وأما قولكم: "الأمر لا يحسن ان يكون الىمر والمأمور كلاهما متضمن المصلحة" فممنوع، بل يكفي في الحسن أحدهما فقط. وقولكم: "بقي المأمور به متضمنًا للمصلحة وحده" ليس كذلك، بل لم يبقى مصلحة البتة. (تنبيه) قال التبريزي: قولهم: "كان يظن الأمر بالذبح ". قلنا: إيهام الأمر بالذبح مع عدم الأمر به تلبيس وجهل، وإغراء بالباطل، وذلك عندكم محال على الله تعالى لا سيما في حق الأنبياء ﵈، وفهرس المسألة بـ (النسخ قبل التمكن)، وفهرسها تاج الدين بـ (نسخ الفعل قبل مجيء وقته). وقال سراج الدين: "قبل وقت فعله"، وفي (المنتخب): "قبل مضي وقت فعله"، والذي في (المحصول): "قبل تقضي وقت فعله"، فأبعدها عن عبارة الأصل عبارة تاج الدين، وأقربها (المنتخب)، والمسألة مشوشة الفهرسة في أصلها كما تقدم.

стр. 2371

(تنبيه) فهرس سيف الدين المسألة فقال: اتفق القائلون بجواز النسخ على جوازه بعد التمكن، واختلفوا قبل دخول الوقت ، كما إذا قال في رمضان: حجوا هذه السنة، ثم قال: قبل يوم (عرفة): لا تحجوا، وقال: الاحتجاج بقصة إبراهيم ﵇ ضعيف؛ لأنه ليس قبل التمكن، بل الحجة في نسخ الخمسين صلاة ليلة الإسراء حتى بقيت خمسًا فقط، ويرد عليها انه خبر واحد، ولأنه نسخ قبل الإنزال، وليس صورة النزاع. وفهرس الغزالي المسالة بـ (نسخ الفعل قبل التمكن من الامتثال)، وهي عبارة عامة تشمل الأقسام الثلاثة، على أنها غير مفصلة مثبتة الأقسام الثلاثة، ومثلها كما قال سيف الدين في الحج وبذبح الولد، لقصة إبراهيم ﵇ وهو منطبق على فهرسته؛ لشمولها القسمين. وقال الإمام في البرهان: إذا ورد الأمر بشيء هل ينسخ قبل مضي وقت اتصال الأمر به بزمان يسع فعل المأمور به؟ ***

стр. 2372

المسالة السابعة قال الرازي: يجوز نسخ الشيء، لا إلى بدل؛ خلافًا لقوم . لنا: أنه نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﵊، لا إلى بدل. احنجوا بقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها﴾] البقرة: ١٠٦ [ والجواب أن نسخ الآية يفيد نسخ لفظها؛ ولهذا قال: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ فليس لنسخ الحكم ذكر في الآية. سلمنا: أن المراد نسخ الحكم؛ لكن لم لا يجوز أن يقال: إن نفي ذلك الحكم وإسقاط التعبد به خير من ثبوته في ذلك الوقت؟ والله أعلم. المسألة السابعة ينسخ لغير بدل قال القرافي: قوله: "احتجوا بقول الله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾] البقرة: ١٠٦ [". قلنا: قد تقدم أن الشرط ليس من شرطه أن يكون ممكن الوقوع، والآية لفظها لفظ الشرط، فلا تدل على المطلوب. (فائدة) قال الزمخشري في (الكشاف): الآية العلامة، والآية الجماعة. فمن الأول قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾

стр. 2373

] فصلت: ٥٣ [، أي العلامات الدالة على البعث والوحدانية، وغير ذلك من المطالب الإلهية. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿ليدبروا آياته﴾] سورة ص: ٢٩ [، أي آيات القرآن؛ لأن كل آية جماعة حروف؛ تقول العرب: (جاء القوم بآيتهم) أي بجماعتهم، فسميت الآية آية؛ لأنها جماعة حروف. ***

стр. 2374

المسألة الثامنة قال الرازي: يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه؛ خلافًا لبعض أهل الظاهر . لنا: أن المسلمين سموا إزالة التخيير بين الصوم والفدية؛ بتعيين الصوم نسخًا، وهو أشق، وإزالة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم نسخًا، وأمر الصحابة بترك القتال، ثم أمرهم بنصب القتال، مع التشديد بثبات الواحد للعشرة، وحرم الخمر ونكاح المتعة بعد إطلاقهما، ونسخ جواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها في أثناء القتال، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم، فنسخت بأربع في الحضر. احتجوا بقوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾] البقرة: ١٠٦ [والخير: ما هو اخف علينا، وبقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾] البقرة: ١٨٥ [. والجواب عن الأول: أن نقول: بل الخير ما هو اكثر صوابًا، وأصلح لنا في المعاد، وإن كان أثقل في الحال. وعن الثاني: أنه محمول على اليسر في الآخرة، حتى لا يتطرق إليها تخصيصات غير محصورة. المسألة الثامنة نسخ الشيء بما هو أثقل منه قال القرافي: قوله: "نسخ الحبس في البيوت بالجلد".

стр. 2375

قلنا: لا نسلم أن الجلد أثقل؛ فإن النفوس الأبية تؤثر الحبس أبدًا على الجلد؛ لما فيه من المعرة، والعرف شاهد لذلك. قوله: "حرم الله تعالى الخمر بعد إطلاقها". قلنا: هذه مسألة خلاف، والذي يظهر لي أن الخمر لم تكن مباحة، بل مسكوت عن تحريمها ثم حرمت، ورفع المسكوت عنه ليس نسخًا، ويدل على ذلك ما حكاه الغزالي وغيره من العلماء أن القدر المسكر لم يبحه الله تعالى في ملة من الملل، بل أجمعت الشرائع على تحريمه، إنما الخلاف في القدر الذي لا يسكر، فعندنا حرام، وفي شريعة التوراة مباح على ما يقال، وما حرمه الله تعالى في جميع الملل لا يليق بهذه الشريعة التي هي أتم الشرائع في استيفاء المصالح، ودرء المفاسد إباحته فيها، بل إذا لم تتمكن الكلمة سكت عنه، كما سكت عن الدماء والأموال وغيرها في ابتداء الإسلام، ولم يقل احد: أنها كانت مباحة في اول الإسلام، بل كانت الشرائع تتجدد أولًا فأول، ولم يتقدم إباحتها بتجدد، فكذلك هاهنا. هذا هو مقتضى القواعد والمناسبة. وأما ما اعتمدوا عليه في قوله تعالى: ﴿تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا﴾] النحل: ٦٧ [، والسكر المسكر، وذكره في سياق الامتنان دليل الإباحة، وليس فيه دليل؛ لأن السكر اختلف في الأئمة، واصل السكر المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿سكرت أبصارنا﴾] الحجر: ١٥ [أي: منعت، ومنه: سكرة الباب: للضبة المانعة من الفتح، فقال جماعة من المفسرين: المراد بالسكر: الخل المانع من الأدواء الصفراوية وغيرها، والزبيب والتمر المانعان من الجوع، وعلى هذا سقط الاستدلال، فتعين اعتبارالقواعد السالمة عن المعارض. قوله: "نسخ صوم يوم عاشوراء برمضان".

стр. 2376

قلنا: فيه خلاف؛ هل كان عاشوراء واجب في الأصل أم لا؟ وهل يطلق وجوبه برمضان أم لا؟ قوله: "كانت الصلاة ركعتين عند قوم، فنسخت بأربع في الحضر". قلنا: حكى أبو عمر بن عبد البر في (الاستذكار) عن الشافعي، وجماعة من العلماء أن جبريل إنما صلى برسول الله ﷺ صبيحة الإسراء الصلوات الخمس عند البيت ركعتين ركعتين إلا المغرب، وبقي الأمر كذلك حتى قدم رسول الله ﷺ (المدينة) وكملت له الصلوات الخمس كلها أربعًا أربعًا إلا المغرب والصبح في السفر، وفي الحضر، ثم نزلت آية القصر بعد ذلك، وجمع بهذا بين قول عائشة: (فرضت الصلاة مثنى مثنى، وزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر). وقال: هو أصح حديث روي في الباب، وبين قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة﴾] النساء: ١٠١ [، والمتأصل لا يقال: فيه قصر ودليله الصبح. وقوله ﵇: (وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة). وقوله ﵇: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)، وذلك كله يدل على التنقيص بعد التكميل.

стр. 2377

وظاهر حديث عائشة يأباه، فيحمل على ان صلاة الفجر أقرت على ما كانت قبل الهجرة، فتجتمع الأدلة، فهذا تلخيص هذا الموضع. قوله: "واحتجوا بقوله تعالى: ﴿بخير منها﴾ والخبر ما هو أخف". قلنا: قوله تعالى: ﴿بخير منها﴾] البقرة: ١٠٦ [نكرة في سياق الثبوت، فتكون مطلقة يكفي في العمل بها صورة واحدة، فيحمل على ما هو اصلح في الثواب، ولا يتعين ما قالوه؛ لعدم العموم فيها. قوله في قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر﴾] البقرة: ١٨٥ [: "يحمل على يسر الآخرة لئلا يتطرق إليه تخصيصات غير محصورة": قلنا: بل يبقى على عمومه، والمراد باليسر ما يسمى يسرًا لغة وعادة، وهو ما يستطيعه الإنسان، والله تعالى لم يكلفنا بغير المقدور، بل بما هو مقدور والمقدور يسمى يسرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾] البقرة: ١٩٦ [أي ما قدرتم عليه، وقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾] البقرة: ٢٨٠ [، أي إلى زمن القدرة، ولم يقع في التكاليف إلا مقدور؛ فلا تخصيص حينئذ، ولا حجر للخصم فيه ولم يقع النسخ بالأثقل الذي ليس بمقدور، بل بالمقدور. (فائدة) تعلق المعتزلة بهذه الآية بأن الله تعالى لا يريد لنا إلا الخير والتسهيل والمصالح ، ولا يريد لعباده إلا السعادة، وغير ذلك إنما يأتي من قبلهم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يريد بكم العسر﴾] البقرة: ١٨٥ [فحصر إرادته تعالى في اليسر دون العسر، وأهل السنة يحملونه على أن المراد بقوله تعالى: ﴿يريد﴾ أي: يشرع، فعبر بالإرادة عن الشرعية، وهنالك محذوف تقديره: يريد الله بكم اليسر شرعًا، فقولنا: (شرعًا) تمييزًا لما هو

стр. 2378

المراد، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾] السجدة: ١٣ [والمشيئة: الإرادة، فدل ذلك على أنه لم يرد هداية جميع الخلق، وقوله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾] الإنسان: ٣٠ [وهو كثير، فيتعين الجمع بما ذكرنا مضافًا إلى أدلة العقول المذكورة في هذه المسألة في كتب اهل الدين. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: يجوز النسخ للأثقل ، ولا إلى بدل؛ لأن التكليف ابتداءً غير واجب، فزواله لا يوجب بدلا، ولا وصفًا في البدل. ***

стр. 2379

المسألة التاسعة قال الرازي: يجوز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس ؛ لأن التلاوة والحكم عبادتان منفصلتان، وكل ما كان كذلك، فإنه غير مستبعد في العقل ان يصيرا معًا مفسدتين، أو أن يصير أحدهما مفسدة دون الآخر، وتكون الفائدة في بقاء التلاوة، دون الحكم، ما يحصل من العلم بأن الله تعالى أزال مثل هذا الحكم؛ رحمة منه على عباده. وقد نسخ الله تعالى الحكم، دون التلاوة، في قوله تعالى: ﴿متاعًا إلى الحول غير إخراج﴾] البقرة: ٢٤٠ [بقوله تعالى ك ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾] البقرة: ٢٢٨ [. والتلاوة دون الحكم فيما يروى من قوله: ﴿الشيخ والشيخة، إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله﴾، وعن انس ﵁: أنه نزل في قتلى بئر معونة: ﴿بلغوا إخواننا أنا لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا﴾ وعن أبي بكر، ﵁: "كنا نقرأ في القرآن: ﴿لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم﴾ ". والحكم والتلاوة معًا: وهو ما يروى عن عائشة ﵂ انها قالت: (كان فيما أنزل الله تعالى: ﴿عشر رضعات محرمات﴾ فنسخن بخمس). وروي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة. ***

стр. 2380

المسألة التاسعة يجوز نسخ التلاوة (فائدة) قال سيف الدين: "لم يخالف في ذلك إلا طائفة شاذة من المعتزلة ". قال: "وهل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدث، ويتلوها الجنب؟ تردد في ذلك الأصوليون". قال: "والأشبه المنع"، وكذلك حكى الغزالي في (المستصفى) عن هذه الطائفة في جواز نسخ التلاوة دون الحكم، والحكم دون التلاوة، وهما جميعًا؛ لأن نسخ التلاوة عندهم محال، وحكاه صاحب (البرهان) عنهم في التلاوة دون الحكم، والحكم دون التلاوة. ***

стр. 2381

المسألة العاشرة قال الرازي: الخبر: إما أن يكون خبرًا عما لا يجوز تغيره ؛ كقولنا: العالم محدث، وذلك لا يتطرق إليه النسخ، أو عما يجوز تغيره، وهو: إما أن يكون ماضيًا، أو مستقبلا، والمستقبل: إما أن يكون وعدًا أو وعيدًا، أو خبرًا عن حكم؛ كالخبر عن وجوب الحج، ويجوز النسخ في الكل، وقال أبو علي وأبو هاشم: لا يجوز النسخ في شيء منه، وهو قول أكثر المتقدمين. لنا: أن الخبر، إذا كان عن أمر ماض؛ كقوله: (عمرت نوحًا ألف سنة) جاز أن يبين من بعده: أنه أراد ألف سنة إلا خمسين عامًا، وإن كان خبرًا مستقبلا، وكان وعدًا، أو وعيدًا، كقوله: (لأعذبن الزاني أبدًا) فيجوز أن يبين من بعد: أنه أراد ألف سنة، وإن كان خبرًا عن حكم الفعل في المستقبل، كان الخبر كالأمر في تناوله للأوقات المستقبلة، فيصح إطلاق الكل مع أن المراد بعض ما تناوله بموضوعه، فثبت أن حكم النسخ في الخبر كهو في الأمر. احتجوا بوجهين: الأول: أن دخول النسخ في الخبر، يوهم أنه كان كاذبًا. والثاني: أنه لو جاز نسخ الخبر، لجاز أن يقول: (أهلك الله عادًا) ثم يقول: (ما أهلكهم) ومعلوم أنه لو قال ذلك، كان كذبًا. والجواب عن الأول: أن دخول النسخ على الأمر يوهم البداء أيضًا، فإن قالوا: لا يوهم؛ لأن النهي إنما دل على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت، قلنا:

стр. 2382

وهاهنا أيضًا لا يوهم الكذب؛ لأن الناسخ يدل على أن الخبر ما تناول تلك الصورة. وعن الثاني: أن إهلاكهم غير متكرر؛ لأنهم لا يهلكون إلا مرة واحدة فقط، فقوله: "ما أهلكهم" رفع لتلك المرة، فيلزم الكذب، وأما إن أراد بقوله: "ما أهلكهم" أنه ما أهلك بعضهم، كان ذلك تخصيصًا بالأشخاص، لا بالأزمان، فلم يكن نسخًا، والله أعلم. المسالة العاشرة يجوز نسخ الخبر قال القرافي: قال سيف الدين: إما أن ينسخ نفس الخبر، أو مدلوله، أو ثمرته، والأول إما أن ينسخ تكليفًا به بأن نكلف بأن نخبر بشيء، فينسخ عنا التكليف بذلك الإخبار، أو تلاوته، وكلاهما جائز عند من يجيز النسخ بالإتفاق منهم، كان ما نسخت تلاوته ماضيًا، أو مستقبلا، كان المخبر عنه مما يقبل التغيير أم لا، كالوحدانية، وكفر زيد؛ لأن ذلك كله من الأحكام الشرعية، فجاز أن يكون مصلحة في وقت مفسدة في وقت، لكن هل يجوز، نسخ تكليفنا بالغخبار عما لا يتغير بتكليفنا بالإخبار به بنقيضه؟ ومنعه المعتزلة؛ لأنه كذب، والتكليف بالكذب قبيح. وعندنا: يجوز التكليف بالإخبار بنقيض الحق. وإن كان النسخ لمدلول الخبر، وفائدته، فلذلك المدلول إن امتنع تغييره كحدوث العالم، فنسخه محال إجماعًا، أو يقبل التغيير، فقال القاضي أبو بكر، والجبائي، وأبو هاشم، وجماعة من المتكلمين، والفقهاء: يمتنع رفعه، كان ماضيًا كالإخبار عن كفر زيد، أو مستقبلًا، ووعدًا، أو وعيدًا، أو حكمًا

стр. 2383

شرعيًا، وجوزه أبو عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري. ومنهم من فصّل فمنع في الماضي، وجوزه في المستقبل. قال: والمختار جوازه ماضيًا، أو مستقبلًا إذا كان مما يتكرر، والخبر عام فيه، فتبين أن الناسخ إخراج ما لم يتناوله اللفظ. قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) عن أبي بكر الدقّاق الشافعي: يمتنع نسخ الخبر، وإن كان عن حكم شرعي نحو: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] نظر اللفظة، فيتحصل في المسألة اربعة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والتفرقة بين الماضي والمستقبل، والفرق بين الإخبار عن الحكم الشرعي وغيره. قوله: "يجوز نسخ الخبر عما يجوز تغييره، ماضيًا كان، أو مستقبلًا، أو عن حكم شرعي كقوله تعالى: عمرت نوحًا ألف سنة، فيجوز أن يبين بعد ذلك أنها ألف إلا خمسين عامًا". قلنا: عليه ثلاثة أسئلة: الأول: تفرقتكم بين ما لا يجوز تغييره كحدوث العالم، وما يجوز تغييره كالتعمير وغيره من الممكنات، غير متجه؛ لأن الممكن وإن جاز تغييره بالنظر إلى ذاته، لكنه لأجل خبر الله تعالى يصير واجبًا لغيره؛ والواجب لغيره يستحيل رفعه، وليس لأحد أن يقول: يجوز تغييره ورفعه؛ لحصول الفرق بينه وبين الواجب لذاته، كما أن المستحيل لغيره لا يمكن أحد أن يجوز رفعه لحصول الفرق بينه وبين المستحيل لذاته، وإذا جوزتم ذلك في الواجب لأجل الخبر، يلزمكم أن تجوزوا أن الله تعالى إذا علم وجود

стр. 2384

شيء لا يلزم أن يقع، بل يجوز عدمه في الوقت الذي علم وجوده، أو علم عدمه أو يجوزوا وجوده في الوقت الذي علم عدمه؛ لأنه لا فرق بين الوجوب المعتبر باعتبار الخبر، أو باعتبار العلم، لكن خلاف المعلوم متفق على عدم تجوزوا، فكذلك خلاف الخبر الثاني أن الله تعالى إذا قال: عمرته ألف سنة، فإما أن يستعمل اللفظ ابتداءً في الألف ن ويكون واقعه أو لا يكون الواقع إلا الأقل، فإن كان الأول كان البناء بعد ذلك محالًا غير مطابق، وهو على الله تعالى محال. وإن كان الثاني لزم أن يكون لفظ العدد يقبل المجاز، والمنقول أن اسماء الأعداد نصوص لا تقبل المجاز. الثالث: سلمنا صحة ذلك جميعه، لكن يكون ذلك من باب المجاز والحقيقة، والنسخ إنما هو فيما إذا استعمل اللفظ حقيقة في شيء، ثم نسخ، كما أوجب عاشوراء، وأراد باللفظ ظاهره، ثم نسخه، فالحق المقطوع به الذي لا يتجه غيره أن النسخ في الخبر محال، إلا أن يكون خبرًا عن حكم؛ فإن الخبر عن الحكم يجوز نسخه، كلفظ الأمر، هذا إذا كان متعلق ثبوت الحكم في المستقبل مثل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]. أما لو أخبر عن ثبوت حكم في الماضي بأن يقول: أوجبت على بني إسرائيل خمسين صلاة، فإن هذا لا يجوز نسخه؛ لأنه يلزم منه الخلف المستحيل على الله تعالى كالإخبار عن حدث العالم بأنه قديم، ولا فرق. قوله: "وإن كان خبرًا عن مستقبل كقوله: (لأعذبن الزاني ابدًا) يجوز أن يبين أن عذابه ألف سنة". قلنا ك هذا صحيح، لكنه يرجع إلى إطلاق العام، وإرادة الخاص، فهذا ليس من باب النسخ في شيء، بل هذا من باب المجاز والحقيقة.

стр. 2385

ولذلك قلنا: العام يدخله التخصيص ما لم يعمل به، فيصير نسخًا؛ لأنه يتعين أنه ليس من باب المجاز، بل اللفظ حينئذ مستعمل في غير موضوعه، فتغييره نسخ. فهذه المثل كلها غرور لا حجة فيها، بل الحق استحالة النسخ في الخبر المحض. قوله: "دخول النسخ في الأمر يوجب البداء". قلنا: بل الله تعالى عالم بغاية الحكم المنسوخ من قبل أن يشرعه، فلابداء، لأن البدء هو الظهور بعد الخفاء لقوله تعالى: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ [يوسف: ٣٥] أي: ظهر، وذلك إنما يكون مع الجهل، والله تعالى بكل شيء عليم، فالبداء في حقه محال، والنسخ يوهمه؛ لأنه عالم بغاية الحكم قبل شرعيته. وأما نسخ الخبر، فيلزم منه الخلف قطعًا كما تقدم بيانه. وأما قولكم: إن نسخ الخبر يبين أن تلك الصورة غير مرادة بذلك الخبر فهو مجاز، وليس من باب النسخ في شيء؛ لأن النسخ هو رفع الشيء بعد أن تحققت فيه إرادة المتكلم بالإجماع، سواء فسرناه بالرفع، أو بالانتهاء؛ فإن المنتهى ثبتت إرادته باعتبار الزمن الماضي. أما ما لم يرد أصلًا، فكيف يصح أن يكون فيه نسخ، وإنما ذلك من باب المجاز الصرف. قوله: "إهلاك عاد لا يتكرر". قلنا: وإذا كان الفعل مما يتكرر يئول أمره للتخصيص، وقد بينا أنه ليس بنسخ، فإذا سلمتم ذلك فيما لا يتكرر، فقد سلمتم؛ لأن الإرداة حينئذ موجودة هنالك، وهو موضع النزاع.
следующие страницы →