← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

المسألة العاشرة قال الرازي: الخبر: إما أن يكون خبرًا عما لا يجوز تغيره ؛ كقولنا: العالم محدث، وذلك لا يتطرق إليه النسخ، أو عما يجوز تغيره، وهو: إما أن يكون ماضيًا، أو مستقبلا، والمستقبل: إما أن يكون وعدًا أو وعيدًا، أو خبرًا عن حكم؛ كالخبر عن وجوب الحج، ويجوز النسخ في الكل، وقال أبو علي وأبو هاشم: لا يجوز النسخ في شيء منه، وهو قول أكثر المتقدمين. لنا: أن الخبر، إذا كان عن أمر ماض؛ كقوله: (عمرت نوحًا ألف سنة) جاز أن يبين من بعده: أنه أراد ألف سنة إلا خمسين عامًا، وإن كان خبرًا مستقبلا، وكان وعدًا، أو وعيدًا، كقوله: (لأعذبن الزاني أبدًا) فيجوز أن يبين من بعد: أنه أراد ألف سنة، وإن كان خبرًا عن حكم الفعل في المستقبل، كان الخبر كالأمر في تناوله للأوقات المستقبلة، فيصح إطلاق الكل مع أن المراد بعض ما تناوله بموضوعه، فثبت أن حكم النسخ في الخبر كهو في الأمر. احتجوا بوجهين: الأول: أن دخول النسخ في الخبر، يوهم أنه كان كاذبًا. والثاني: أنه لو جاز نسخ الخبر، لجاز أن يقول: (أهلك الله عادًا) ثم يقول: (ما أهلكهم) ومعلوم أنه لو قال ذلك، كان كذبًا. والجواب عن الأول: أن دخول النسخ على الأمر يوهم البداء أيضًا، فإن قالوا: لا يوهم؛ لأن النهي إنما دل على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت، قلنا:

стр. 2382

وهاهنا أيضًا لا يوهم الكذب؛ لأن الناسخ يدل على أن الخبر ما تناول تلك الصورة. وعن الثاني: أن إهلاكهم غير متكرر؛ لأنهم لا يهلكون إلا مرة واحدة فقط، فقوله: "ما أهلكهم" رفع لتلك المرة، فيلزم الكذب، وأما إن أراد بقوله: "ما أهلكهم" أنه ما أهلك بعضهم، كان ذلك تخصيصًا بالأشخاص، لا بالأزمان، فلم يكن نسخًا، والله أعلم. المسالة العاشرة يجوز نسخ الخبر قال القرافي: قال سيف الدين: إما أن ينسخ نفس الخبر، أو مدلوله، أو ثمرته، والأول إما أن ينسخ تكليفًا به بأن نكلف بأن نخبر بشيء، فينسخ عنا التكليف بذلك الإخبار، أو تلاوته، وكلاهما جائز عند من يجيز النسخ بالإتفاق منهم، كان ما نسخت تلاوته ماضيًا، أو مستقبلا، كان المخبر عنه مما يقبل التغيير أم لا، كالوحدانية، وكفر زيد؛ لأن ذلك كله من الأحكام الشرعية، فجاز أن يكون مصلحة في وقت مفسدة في وقت، لكن هل يجوز، نسخ تكليفنا بالغخبار عما لا يتغير بتكليفنا بالإخبار به بنقيضه؟ ومنعه المعتزلة؛ لأنه كذب، والتكليف بالكذب قبيح. وعندنا: يجوز التكليف بالإخبار بنقيض الحق. وإن كان النسخ لمدلول الخبر، وفائدته، فلذلك المدلول إن امتنع تغييره كحدوث العالم، فنسخه محال إجماعًا، أو يقبل التغيير، فقال القاضي أبو بكر، والجبائي، وأبو هاشم، وجماعة من المتكلمين، والفقهاء: يمتنع رفعه، كان ماضيًا كالإخبار عن كفر زيد، أو مستقبلًا، ووعدًا، أو وعيدًا، أو حكمًا

стр. 2383

شرعيًا، وجوزه أبو عبد الله البصري، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري. ومنهم من فصّل فمنع في الماضي، وجوزه في المستقبل. قال: والمختار جوازه ماضيًا، أو مستقبلًا إذا كان مما يتكرر، والخبر عام فيه، فتبين أن الناسخ إخراج ما لم يتناوله اللفظ. قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) عن أبي بكر الدقّاق الشافعي: يمتنع نسخ الخبر، وإن كان عن حكم شرعي نحو: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] نظر اللفظة، فيتحصل في المسألة اربعة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والتفرقة بين الماضي والمستقبل، والفرق بين الإخبار عن الحكم الشرعي وغيره. قوله: "يجوز نسخ الخبر عما يجوز تغييره، ماضيًا كان، أو مستقبلًا، أو عن حكم شرعي كقوله تعالى: عمرت نوحًا ألف سنة، فيجوز أن يبين بعد ذلك أنها ألف إلا خمسين عامًا". قلنا: عليه ثلاثة أسئلة: الأول: تفرقتكم بين ما لا يجوز تغييره كحدوث العالم، وما يجوز تغييره كالتعمير وغيره من الممكنات، غير متجه؛ لأن الممكن وإن جاز تغييره بالنظر إلى ذاته، لكنه لأجل خبر الله تعالى يصير واجبًا لغيره؛ والواجب لغيره يستحيل رفعه، وليس لأحد أن يقول: يجوز تغييره ورفعه؛ لحصول الفرق بينه وبين الواجب لذاته، كما أن المستحيل لغيره لا يمكن أحد أن يجوز رفعه لحصول الفرق بينه وبين المستحيل لذاته، وإذا جوزتم ذلك في الواجب لأجل الخبر، يلزمكم أن تجوزوا أن الله تعالى إذا علم وجود

стр. 2384

شيء لا يلزم أن يقع، بل يجوز عدمه في الوقت الذي علم وجوده، أو علم عدمه أو يجوزوا وجوده في الوقت الذي علم عدمه؛ لأنه لا فرق بين الوجوب المعتبر باعتبار الخبر، أو باعتبار العلم، لكن خلاف المعلوم متفق على عدم تجوزوا، فكذلك خلاف الخبر الثاني أن الله تعالى إذا قال: عمرته ألف سنة، فإما أن يستعمل اللفظ ابتداءً في الألف ن ويكون واقعه أو لا يكون الواقع إلا الأقل، فإن كان الأول كان البناء بعد ذلك محالًا غير مطابق، وهو على الله تعالى محال. وإن كان الثاني لزم أن يكون لفظ العدد يقبل المجاز، والمنقول أن اسماء الأعداد نصوص لا تقبل المجاز. الثالث: سلمنا صحة ذلك جميعه، لكن يكون ذلك من باب المجاز والحقيقة، والنسخ إنما هو فيما إذا استعمل اللفظ حقيقة في شيء، ثم نسخ، كما أوجب عاشوراء، وأراد باللفظ ظاهره، ثم نسخه، فالحق المقطوع به الذي لا يتجه غيره أن النسخ في الخبر محال، إلا أن يكون خبرًا عن حكم؛ فإن الخبر عن الحكم يجوز نسخه، كلفظ الأمر، هذا إذا كان متعلق ثبوت الحكم في المستقبل مثل قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]. أما لو أخبر عن ثبوت حكم في الماضي بأن يقول: أوجبت على بني إسرائيل خمسين صلاة، فإن هذا لا يجوز نسخه؛ لأنه يلزم منه الخلف المستحيل على الله تعالى كالإخبار عن حدث العالم بأنه قديم، ولا فرق. قوله: "وإن كان خبرًا عن مستقبل كقوله: (لأعذبن الزاني ابدًا) يجوز أن يبين أن عذابه ألف سنة". قلنا ك هذا صحيح، لكنه يرجع إلى إطلاق العام، وإرادة الخاص، فهذا ليس من باب النسخ في شيء، بل هذا من باب المجاز والحقيقة.

стр. 2385

ولذلك قلنا: العام يدخله التخصيص ما لم يعمل به، فيصير نسخًا؛ لأنه يتعين أنه ليس من باب المجاز، بل اللفظ حينئذ مستعمل في غير موضوعه، فتغييره نسخ. فهذه المثل كلها غرور لا حجة فيها، بل الحق استحالة النسخ في الخبر المحض. قوله: "دخول النسخ في الأمر يوجب البداء". قلنا: بل الله تعالى عالم بغاية الحكم المنسوخ من قبل أن يشرعه، فلابداء، لأن البدء هو الظهور بعد الخفاء لقوله تعالى: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ [الزمر: ٤٧] ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ [يوسف: ٣٥] أي: ظهر، وذلك إنما يكون مع الجهل، والله تعالى بكل شيء عليم، فالبداء في حقه محال، والنسخ يوهمه؛ لأنه عالم بغاية الحكم قبل شرعيته. وأما نسخ الخبر، فيلزم منه الخلف قطعًا كما تقدم بيانه. وأما قولكم: إن نسخ الخبر يبين أن تلك الصورة غير مرادة بذلك الخبر فهو مجاز، وليس من باب النسخ في شيء؛ لأن النسخ هو رفع الشيء بعد أن تحققت فيه إرادة المتكلم بالإجماع، سواء فسرناه بالرفع، أو بالانتهاء؛ فإن المنتهى ثبتت إرادته باعتبار الزمن الماضي. أما ما لم يرد أصلًا، فكيف يصح أن يكون فيه نسخ، وإنما ذلك من باب المجاز الصرف. قوله: "إهلاك عاد لا يتكرر". قلنا: وإذا كان الفعل مما يتكرر يئول أمره للتخصيص، وقد بينا أنه ليس بنسخ، فإذا سلمتم ذلك فيما لا يتكرر، فقد سلمتم؛ لأن الإرداة حينئذ موجودة هنالك، وهو موضع النزاع.

стр. 2386

أما ما لم يتصف بالإرادة أصلًا، فلا نزاع فيه، وليس كل التخصيص في الأزمان نسخًا على القول بأن النسخ تخصيص في الأزمان؛ لأن لنا عمومات في الأزمان كالعمومات في الأشخاص، كقولنا: الأيام، والليالي، والأزمنة، والدهور؛ فإن (الألف واللام) تعم ما دخلت عليه، كان أشخاصًا أو أزمنة، ويدخل التخصيص في عموم الأزمنة، ولا يكون نسخًا، فإذا قال الحالف: (والله لا كلمته في جميع الأيام)، واراد أيامًا مخصوصة كان ذلك تخصيصًا، وصحت نيته في ذلك، ولا يقول أحد: هو نسخ، وإن كان تخصيصًا في الأزمان، والكذب في الخبر لا يتوقف على كون المخبر عنه متكررا، أو غير متكرر، بل إذا قال الرجل: (رايت إخوتك)، وصمت جميع أيام الشهر، وأراد حقيقة اللفظ وعمومه، ولم يكن الواقع كذلك كان كذبًا قطعًا، ولا يخاصه أنه يقول: أردت النسخ والإبطال فيما قلته، وذلك معلوم بالضرورة.

стр. 2387

المسألة الحادية عشرة قال الرازي: إذا قال الله تعالى: (افعلوا هذا الفعل أبدًا)، يجوز نسخه؛ خلافًا لقوم . لنا وجهان: الأول أن لفظ التأبيد في تناوله لجميع الأزمان المستقبلة كلفظ العموم في تناوله لجميع الاعيان، فإذا جاز أخد التخصيصين، فكذا الثاني؛ والجامع هو الحكمة الداعية إلى جواز التخصيص. الثاني: أن شرط النسخ: أن يرد على ما أمر به على سبيل الدوام، والتابيد لا يدل إلا على الدوام، فكان التأبيد شرطًا لإمكان النسخ، وشرط الشيء لا ينافيه. احتجوا بأمرين: الأول: أن قوله: (افعلوا أبدًا)، قائم مقام قوله: (افعلوا في هذا الوقت، وفي ذلك، وذاك) إلى أن يذكر الأوقات كلها، ولو ذكر على هذا الوجه، لم يجز النسخ، فكذا إذا ذكر بلفظ التأبيد. الثاني: لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد، لم يكن لنا طريق إلى العلم بدوام التكليف. والجواب عن الأول: أن ذلك يمنع من النسخ كله؛ لأن المنسوخ لا بد من كونه لفظًا يفيد الدوام: إما بصريحه، وإما بمعناه، ثم إنه ينتقض بإنه يجوز أن يقال: (جاءني الناس إلا زيدًا) ولا يجوز: (جاءني زيد، وعمرو، وبكر) و (ما جاءني زيد).

стр. 2388

ثم الفرق ما حققناه في مسالة ان للعموم صيغة. وعن الثاني: ان لفظ التأبيد يفيد ظن الاستمرار، لكن القطع به لا يحصل إلا من القرائن، والله أعلم. المسألة الحادية العشرة (ينسخ ما قيل فيه ابدًا) قال القرافي: قوله: " إن قوله: (افعلوا أبدًا قائم مقام التنصيص على أعيان الأزمنة بخصوصياتها ". قلنا: لا نسلم؛ لما تقدم في العموم؛ لأن التنصيص على الاعيان يدل مطابقة في كل واحد منها، بخلا ف عموميدل تضمنًا ليس إلا، سلمناه لكن عندنا لو نص على خصوصيات الأزمنة جاز النسخ، كما نص الله تعالى على خصوص إسحاق ﵇ ونسخه، وإنما يمنع من هذا المعتزلة. قوله: "لو جاز نسخ ما ورد بلفظ الدوام لم يكن لنا طريق إلى العلم بدوام التكليف". قلنا: لا يلزم من انتفاء طريق معين انتفاء كل الطرق، فجاز أن يعلم ذلك بالإجماع، أو بالقرائن، أو بدليل مركب من مقدمتين، كما قلنا في أن الأمر للوجوب، وبالجملة نحن من وراء المنع في ذلك. قوله: "لا بد في المنسوخ من كونه لفظًا يفيد الدوام". قلنا: لا يشترط أن يكون لفظه يفيد الدوام، بل جاز أن يكون لا يدل على الدوام، ويفهم الدوام بالقرائن، أو بنص آخر موضوع الدوام، نحو التأبيد وغيره.

стр. 2389

القسم الثاني في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل قال الرازي: المسألة الأولى: نسخ السنة بالسنة، يقع على أربعة اوجه: الأول: نسخ السنة المقطوعة، بالسنة المقطوعة. والثاني: نسخ خبر الواحد بخبر الواحد؛ كقوله، ﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) وقال في شارب الخمر: (فإن شربها الرابعة، فاقتلوه) ثم حمل إليه من شربها الرابعة، فلم يقتله. والثالث: نسخ خبر الواحد بالخبر المقطوع، ولا شك فيه. والرابع: نسخ الخبر المتواتر، وهو جائز في العقل غير واقع في السمع عند الأكثرين؛ خلافًا لبعض أهل الظاهر. لنا: أن الصحابة، ﵁، كانت تترك خبر الواحد، إذا رفع حكم الكتاب؛ قال عمر، ﵁: (لا ندع كتاب ربنا؛ لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت). وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنا نقول: هب أن هذا الحديث دل على أنهم ما قبلوا ذلك الخبر في نسخ المتواتر، فكيف يدل على إجماعهم على أنهم ما قبلوا خبرًا من أخبار الآحاد في نسخ المتواتر؟ واحتج أهل الظاهر بوجوه:

стр. 2390

الأول: أنه جاز تخصيص المتواتر بالآحاد، فجاز نسخه به، والجامع دفع الضرر المظنون. الثاني: أن خبر الواحد دليل من أدلة الشرع، فإذا صار معارضًا لحكم المتواتر، وجب تقديم المتأخر؛ قياسًا على سائر الأدلة. الثالث: أن نسخ الكتاب وقع باخبار الآحاد من وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية: منسوخ بما روي بالآحاد: أن النبي ﷺ (نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع). وثانيها: قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤] منسوخ بما روي بالىحاد: أن النبي ﷺ قال: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها). وثالثها: قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف﴾ [البقرة: ١٨٠] منسوخ بما روي بالآحاد من قوله ﵊: (لا وصية لوارث). ورابعها: أن الجمع بين وضع الحمل والمدة منسوخ بأحد الأجلين، وإذا ثبت نسخ الكتاب بخبر الواحد، وجب جواز نسخ الخبر المتواتر؛ لأنه لا قائل بالفرق. الرابع: أن أهل قباء قبلوا نسخ القبلة بخبر الواحد، ولم ينكر الرسول ﵊ ذلك. الخامس: أنه، ﵊، كان ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف، وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ.

стр. 2391

والجواب عن الأول: أن الفرق بين النسخ والتخصيص واقع بإجماع الصحابة ﵃، وللخصم أن يمنع وجود هذا الإجماع، كما سبق. وعن الثاني: أن المتواتر مقطوع في متنه، والآحاد ليس كذلك؛ فلم لا يجوز أن يكون هذا التفاوت مانعًا من ترجيح خبر الواحد؟ وأما الآيات: فقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إنما يتناول الموحى إليه إلى تلك الغاية، ولا يتناول ما بعد ذلك، فلم يكن يكن النهي الوارد بعده نسخًا. وعن الثانية: أنا إنما خصصنا قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤] بقوله ﵊: (لا تنكح المرأة على عمتها) لتلقى الأمة هذا الحديث بالقبول، وأيضُا غير ممتنع أن يكون الخبر مقارنًا، فقبلوه مخصصا، لا ناسخًا. وعن الثالثة: أنه يجوز أن يصدر الإجماع عن خبر، ثم لا ينقل ذلك الخبر أصلًا؛ استغناء بالإجماع عنه، وإذا جاز ذلك، فالأولى أن يجوز أن يصدر إجماعهم عن خبر، ثم يضعف نقله؛ استغناء بالإجماع عنه. وإذا كان كذلك، لم يمتنع أن يكون هذا الخبر مقطوعًا به عندهم، ثم يضعف نقله؛ لإجماعهم على العمل بموجبه، وهذا هو الجواب أيضًا عن الرابعة. والجواب عن الحجة الرابعة: لعل رسول الله ﵊ أخبرهم بذلك قبل وقوع الواقعة، ففلهذا قبلوا الخبر، أو لعله انضم إليه من القرائن ما أفاد العلم، نحو كون المسجد قريبًا من الرسول ﵊ وارتفاع الضجة في ذلك.

стр. 2392

والجواب عن الحجة الخامسة: أنّا سنبين ضعفها في باب خبر الواحد، إن شاء الله تعالى. القسم الثاني في الناسخ والمنسوخ قال القرافي: قوله: "يجوز نسخ الآحاد بالآحاد كقوله ﵇: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)." قلنا: هذا إنما يصح أن لو قلنا الآن حين حدث النسخ؛ لأنهما آحاد في زماننا، وليس كذلك، بل هذا النسخ وقع في زمانه ﵇ أو سمعوا اللفظ منه ﵇ في الموطنين، فاللفظان حينئذ يقطع بصدورهما منه ﵇ فإن السماع مشافهة يفيد القطع بالنطق كالتواتر، فهذا المثال ليس من هذا الباب وإنما كان يكون منه لو سكت عن هذه المسألة إلى حين نقل هذا اللفظ، ولم يوجد إلا بطريق الآحاد، وكذلك السؤال في شارب الخمر؛ لأن الجميع وقع في زمانه ﵇ الأمر بقتله، وترك قتله. قوله: "الصحابة كانوا يتركون الكتاب بخبر الواحد، كقول عمر ﵁: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدق أم كذبت) ". قلنا: لاحجة فيه؛ لأنه علل الرد بعدم الوثوق بصدقها، وحصول الشك فيه، والكلام في خبر الواحد إذا كان ظاهر العدالة، سالمًا عن المطاعن. قوله: "جاز التخصيص بخبر الواحد، فيجوز النسخ به".

стр. 2393

قلنا: الفرق أن النسخ قضاء بالرفع على حكم علم ثبوته في هذا الفرد باعتبار الزمان المستقبل، فيتعين الاحتياط فيه، والتخصيص لم يتعين فيه ذلك، بل هو غير مراد قطعًا، فضعف أمره. قوله: "نسخ الكتاب في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي ... الآية﴾ [الأنعام: ١٤٥] بنهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع ". قلنا: الآية اجتمع فيها لفظان متعارضان، فيتعين صرف أحدهما للآخر، فلفظ (أوحى) ماض لا يتناول إلا إلى حين ورود الآية ولفظ (لا) لنفي المستقبل بنص سيبويه، وكما في قوله تعالى: ﴿لا يموت فيها ولا يحيا﴾ [الأعلى: ١٣]، والمراد الاستقبال بالضرورة. قال النحاة: (لم) و (لما) لنفي الماضي، و (ما) و (ليس) لنفي الحال، و (لا) لنفي المستقبل، غير أن (لن) نص في العموم من (لا)، وحينئذ لا بد من صرف (لا) لـ (أوحي) أو صرف (أوحي) للفظ (لا) فإن صرفنا (لا) للفظ (أوحي)، فلا نسخ؛ لعدم التعارض بين الآية والخبر، وإن عكسنا كان تخصيصًا لا نسخًا، فلا حجة فيه. قوله: "خصص قوله ﵇: (لا تنكح المرأة على عمتها) قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: ٢٤] ". قلنا: لا نسلم، بل ذلك تخصيص له، وليس هو من النسخ في شيء، سلمنا أنه نسخ، لكن لا نسلم أنه حين قضى بالنسخ كان آحادًا؛ فإن هذا

стр. 2394

الحكم متقدم في زمن الصحابة، فلعلهم سمعوه، أو كان متوترًا، وإن كان كذلك فالقطع حاصل. وكذلك قوله ﵇: (لا وصية لوارث). قوله: "الجمع بين وضع الحمل والمدة منسوخ بأحد الأجلين". قلنا: لا نسلم أن الله تعالى شرع الجمع بينهما قط حتى يكون منسوخًا، ولا نسلم أن لنا خبرًا من أخبار الآحاد يقتضي أحد الأجلين بعد شرعية الجمع، وإنما ورد آيتان متعارضتان من حيث الجملة، وهما قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله تعالى: ﴿وأولات الاحمال أجلهن ان يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فمن السلف من قال: يجمع بين الآيتين بأن يجب الأمران. ومنهم من قال: يجمع بينهما بحمل الأجل على غير الحوامل. هذا مدرك المسألة. قوله: "كان ﵇ ينفذ آحاد الولاة للأطراف، ويبلغون الناسخ والمنسوخ".

стр. 2395

قلنا: فرق بين قول العدل: "هذا نسخ هذا" أو "هو منسوخ"، وبين أن يروي حديثًا يعارضه متواتر، هما مسألتان مختلفتان عند العلماء، والنزاع هاهنا إنما هو في الثانية، وما ذكرتموه ليس منها. قوله: "الوحي إنما يتناول لتلك الغاية، فالواقع بعد ذلك ليس نسخًا". قلنا: هب أن لفظ (أوحى) كذلك علم لا يكون نسخًا باعتبار لفظ (لا) المتناولة للمستقبل كما سلمتموه يلزمكم. قوله: "إنما خصصنا الآية بقوله ﵇: (لا تنكح المرأة على عمتها) لتلقي الأمة إياه بالقبول". قلنا: لم ذكرتم التخصيص، والنزاع إنما هو في النسخ. سلمنا أن مرادكم النسخ، لكن لا نسلم أن تلقي الأمة إياه بالقبول يخرجه عن كونه آحادًا؛ فإن تلقي الأمة يكفي فيه عدالة راويه، فهو من صورة النزاع، فإن سلمتموه سلمتم المسألة. قوله: "في حديث أهل قباء: (لعل رسول الله ﷺ أخبركم قبل ذلك، أو كانت ثم قرائن) ". قلنا: الأصل عدم ذلك، والمروي أن المخبر أخبرهم وهم في الصلاة، فتحولوا فيها إلى القبلة. (قاعدة) يشترط في الناسخ أن يكون مساويًا، أو أقوى، فلذلك ينسخ المتواتر بالمتواتر دون الآحاد ، وينسخ الآحاد بالآحاد والمتواتر، فهذه قاعدة الباب على الجادة.

стр. 2396

(قاعدة) إذا دار المصدر بين أن يكون مضافًا للفاعل أو المفعول . قال النحاة: تتعين إضافته للفاعل حتى يدل الدليل على خلافه، وباعتبار هذه القاعدة يسقط الاستدلال بالحديث المتقدم؛ فإن نهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع، لفظ (أكل) مصدر مضاف، فيكون مضافًا للفاعل للقاعدة، ويتعين أن يكون بمعنى المأكول لقاعدة اخرى، وهي أنا لا نُنهى عن فعل غيرنا، وهو السباع، بل يكون المراد المأكول الذي يمكن ذكاته، فيخرج على الخلاف بين العلماء في ذلك، ويكون الحديث كقوله تعالى: ﴿وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]. وهل الاستثناء متصل في الآية أو منقطع؟ خلاف بين العلماء، وهذا يمنع من التمسك به على تحريم أكل لحوم السباع أنفسها. فإن قلت: التعبير بالمصدر عن المفعول خلاف الظاهر، ثم المأكول لا يتعلق يتعلق التحريم بعينه؛ لتعذر النهي عن الأعيان، واختصاصه بأفعال المكلفين، فيكون التقدير: نهى ﵇ عن أكل مأكول السباع، وهذا كله خلاف الظاهر، فيتعين تحريم أكل لحوم السباع أنفسها؛ نفيًا لهذه المخالفة. قلت: التعبير بالمصدر عن المفعول مجاز على خلاف الظاهر، والإضافة للمفعول على خلاف الظاهر، فيتعارض الأمران، فيسقط الاستدلال، وهو مقصودنا. فإن قلت: يلزمكم المجاز والإضمار، وكلاهما على خلاف الظاهر، ونحن يلزمنا مخالفة واحدة، وهي الإضافة للمفعول، فيكون أولى. قلت: هذا الإضمار لا عبرة به في الترجيح؛ لأن هذا المركب نفي حقيقة عرفية، كما تقدم بيانه في (المجملات)، وإن هذا الاستعمال في مثل قوله

стр. 2397

تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] أن هذا اللفظ موضوع في العرف حقيقة لتحريم الاستمتاع من غير احتياج لإضمار البتة، وهذا البحث ليس من أصول الفقه الذي ذكرته لغرابته، فلم أر أحدًا يحيكه. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: كل دليل يفيد وجوب العمل به بشرط انتفاء غيره ، واحتمال ذلك الغير يقدح شكًا في وجود شرط العمل به، كالبراءة المستيقنة مع خبر الواحد، والعام مع المخصص. وشرط جواز العمل بكل دليل عدم ورود الناسخ له، فاحتمال وجوده يفوت شرط العمل، لكن هذا باطل بما قبل معرفة التاريخ، ومعرفة التاريخ لا تنفي الترجيح، فيجب العمل بالراجح، وهذا بخلاف العام، والنهي الأصلي؛ فإنهما وإن كانا مقطوعي الأصل لكنهما ظاهرا التناول، والمخصص ودليل التنقل يبينان أنهما لم يتناولا محل تناولهما، وأما الناسخ فيرفع حكم دلالة محققة. وقال في الأجوبة: آية الوصية نسخت بآية المواريث، والحديث إخبار عنه، وعن إرسال رسول الله ﷺ للأطراف: أن ذلك بالقرائن أيضًا المختلفة بإخباراتهم. قال: ومن أصحابنا من سلم وقوع ذلك في عصره ﷺ لحاجته لذلك، كيلا يخلو عصر النبوة عن طائفة يقومون بالنصرة، والذب عن بيضة الإسلام، بإرسال عدد التواتر إلى كل طرف، ولعله لا يفي به جميع من بحضرته ﵇ ولهذا وجب عليهم قبول قولهم في التوحيد، وأصول الشريعة، وما لا يجوز إثباته إلا بقاطع في زماننا هذا. قال: وهذا قريب من الإنصاف. ***

стр. 2398

المسألة الثانية قال الرازي: قال الأكثرون: يجوز نسخ الكتاب، ودليله ما ذكرناه في الرد على أبي مسلم الأصفهاني . بقي هاهنا أمران: أحدهما: أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن، وهو أيضًا واقع، وقال الشافعي ﵁: لا يجوز. احتج المثبتون بأمور: أحدها: أن التوجه إلى بيت المقدس كان واجبًا في الابتداء بالسنة؛ لأنه ليس في القرآن ما يتوهم كونه دليلًا عليه، إلا قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] وذلك لا يدل عليه؛ لانها تقتضي التخيير بين الجهات. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: التوجه إلى بيت المقدس، وقع في الأصل بالكتاب، إلا أنه نسخت تلاوته، كما نسخ حكمه؛ فإنه لا دليل يمنع من هذا التجويز؟ سلمنا أن التوجه إلى بيت المقدس وقع بالسنة، فلم لا يجوز أن يقال: وقع نسخه أيضًا بالسنة؟ وليس من حيث ثبت التوجه إلى الكعبة بالكتاب ما يوجب أن يكون التحويل عن بيت المقدس بالكتاب؛ لأن الظاهر أنه حول عن بيت المقدس، ثم أمر بالتوجه إلى الكعبة، ولهذا كان يقلب وجهه في السماء، لا لوجه سوى أنه قد حول عن الجهة التي كان يتوجه إليها، وينتظر ما يؤمر به من بعد، فأمر بالتوجه إلى الكعبة؛ فإن لم يكن ذلك هو الظاهر، فهو مجوز، وهذا كاف في المنع من الاستدلال.

стр. 2399

وثانيها: قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧] وهو نسخ لتحريم المباشرة، وليس التحريم في القرآن. ثالثها: نسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، وكان صوم عاشوراء ثابتًا بالسنة. ورابعها: صلاة الخوف وردت في القرآن ناسخة لما ثبت بالسنة من جواز تاخيرها إلى إنجلاء القتال، حتى قال، ﵊، يوم الخندق: (حشا الله قبورهم نارًا) لحبسهم عن الصلاة. وخامسها: قوله تعالى: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠] نسخ لما قرره رسول الله ﷺ من العهد والصلح. واعلم أن السؤالين المذكورين واردان في الكل، ومن الجهال من قدح في هذين السؤالين، وقال: لا حاجة بنا إلى تقدير سنة خافية مندرسة، ولا ضرورة؛ فلم نقدرهما؟ وهذا جهل عظيم؛ لأن المستدل لا بد له من تصحيح مقدماته بالدلالة، فإذا عجز عنها، لم يتم دليله. واحتج الشافعي ﵁، بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] وهذا يدل على ان كلامه بيان للقرآن، والناسخ بيان للمنسوخ، فلو كان القرآن ناسخًا للسنة، لكان القرآن بيانًا للسنة، فيلزم كون كل واحد منهما بيانًا للآخر. والجواب: ليس في قوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ دليل على انه لا يتكلم إلا بالبيان، كما أنك إذا قلت: "إذا دخلت الدار لا أسلم على زيد" ليس فيه أنك لا تفعل فعلًا آخر.

стр. 2400

سلمنا أن السنة كلها بيان، لكن البيان هو الإبلاغ، وحمله على هذا اولى، لأنه عام في كل القرآن، أما حمله على بيان المراد، فهو تخصيص ببعض ما أنزل، وهو ما كان مجملًا، أو عاما مخصوصًا، وحمل اللفظ على مايطابق الظاهر أولى من حمله على ما يوجب ترك الظاهر، والله أعلم. المسألة الثانية نسخ الكتاب بالكتاب قال القرافي: قوله: "ليس في الكتاب ما يتوهم دليلًا على التوجه إلى بيت المقدس إلا قوله تعالى: ﴿فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] ". قلنا: بل فيه أقوى من هذا بناء على قاعدة، وهو أن كل بيان لمجمل، فإنه يعد منطوقًا به في ذلك المجمل، فإذا قال الله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]، فبينه ﵇ بقوله: (فيما سقت السماء العشر)، فيصير ذلك كالمنطوق به في الآية، كأن الله تعالى قال: (وآتوا عشره يوم حصاده)؛ لأنه لم يرد غيره. وكذلك قول الله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]، بينها ﵇ أنها صلاة الظهر، وأنها ركعتان جهرًا في جماعة بخطبة، ومسجد إلى غير ذلك من الشروط، فيصير معنى الآية كأن الله تعالى قال: إذا نودي للصلاة ولم يبين كيف تقام، فهي آية مجملة، ثم بينها ﵇ بالطهارة، والستارة، واستقبال بيت المقدس، وغير ذلك من الشروط، فيكون الجميع مرادًا من الآية، فتكون دليلًا عليه بواسطة البيان، فيكون التوجه للبيت المقدس على هذا بيانًا بالقرآن، فهذا أقوى مما ذكرتموه لاستناده لهذه القاعدة. وأما قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]، فهو

стр. 2401

عام يتناول بيت المقدس وغيره، فيسقط اعتبار الخصوص، وتعين بيت المقدس دون غيره، وأنه إذا تعمد تركه، أو أخطأه تصح صلاته , قوله: "يجوز أن يكون ثبت بقرآن نسخت تلاوته". قلنا: إن كان المقصود في كل مدرك من هذه المدارك القطع بطلب هذه الأدلة كلها، فإنها إنما تدل بواسطة انتفاء المجاز والاشتراك، وغير ذلك مما يقدح في إفادة الألفاظ اليقين، وإن كان المقصود نصب الأدلة من حيث الجملة فيمكن أن نقول: الأصل عدم هذه التلاوة التي تشيرون إليها، وهذا هو الجواب عن قولكم: إن النسخ للبيت المقدس وقع بالسنة؛ لأن الأصل عدم غير ما نحن نتلوه من القرآن في ذلك. قوله: "نسخ صوم رمضان صوم عاشوراء". قلنا: قد تقدم حكاية الخلاف فيه. قوله: "ومن الجهال من قدح في هذين السؤالين". قلنا: إن كان المقصود أن القطع بالقدح في السؤالين جهل، فهو حق، وإلا فلا؛ لأن الأصل عدم السنة كما تقدم تقريره. قوله: "احتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] ". قلنا: صيغة (لتبين) فعل في سياق الإثبات، فيكون مطلقًا دالا على القدر الأعم من البيان، والدال على الأعم غير دال على الأخص، ويكفي في العمل به صورة واحدة، وقد أعملناه في التخصيص، أما النسخ فلا يدل عليه؛ لأنه أخص من مطلق البيان، وأما دلالته على أن الله تعالى لا يبين، فهو من باب مفهوم اللقب الذي لا يقول به الشافعي؛ لأنك إذا

стр. 2402

قلت: لا يقوم زيد فدلالته على عدم قيام عمرو مفهوم لقب لم يقل به إلا الدقاق. قوله: "في قوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] دليل على أنه لا يفعل غير البيان". تقريره: أنه إذا لم يناف أن يفعل غير البيان أن أن يتكلم بالمجمل أيضًا، فيكون القرآن بيانًاا لذلك المجمل، وبيانه ﵇ لمجمل القرآن، فيبين كل واحد منهما بعض الآخر، وهو مجمله، فلا دور حينئذ، وإنما كان يلزم الدور أن لو كان كل واحد منهما بيانًا لكل الآخر. (سؤال على الشافعي) قوله تعالى: ﴿ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]، عام في الكتاب والسنة؛ لأن السنة وحي منزل لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣]. وقال بعض السلف: اشتغلت بالقرآن سنة، وبالوحي سنتين - أي بالأحاديث - فيكون معنى الآية أنه ﵇ يبين القرآن والسنة بغيرهما، وهو خلاف الإجماع، فما تدل عليه الآية لا يقولون به، وما يقولون به لا تدل عليه الآية. (سؤال) قال النقشواني: التوجه للبيت المقدس لم يرد فيه كتاب ولا سنة غير أنا لما أمرنا بالصلاة ، والبيت المقدس هو قبلة الأنبياء كلهم، فانصرف الأمر للمعهود من القبلة، فأمكن أن يكون هذا هو المستند، ولا حاجة إلى تقدير تلاوة منسوخة؛ لأن الأصل عدمها، ولا يكون هذا نسخًا للكتاب بالسنة، ولا للسنة بالكتاب، بل نسخ للشرائع المتقدمة فقط.

стр. 2403

((تنبيه)) زاد التبريزي فقال على قوله: "لعله نسخ بقرآن نسخت تلاوته" أن الأدلة لا تندفع بالأوهام والوساس ، بل الأصل عدم تلاوة منسوخة، وسنة دارسة، والظاهر أنه لو نزلت تلاوة، ونسخت لنقلت كما نقل غيرها. وقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] لا يوجب حصر المبين فيه ﷺ . قلت: يريد أنه مفهوم لقب، فجاز أن يكون الله تعالى مبينًا أيضًا. ***

стр. 2404

المسألة الثالثة قال الرازي: نسخ الكتاب بالسنة المتواترة جائز وواقع، وقال الشافعي ﵁: لم يقع . احتج المثبتون بصورتين: إحداهما: أنه كان الواجب على الزانية الحبس في البيوت؛ لقوله تعالى: ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت﴾ [النساء: ١٥] ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بآية الجلد، ثم إنه ﷺ نسخ الجلد بالرجم. فإن قلت: بل نسخ ذلك بما كان قرآنًا، وهو قوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة): قلت: إن ذلك لم يكن قرآنًا، ويدل عليه: أن عمر ﵁ قال: (لولا أن يقول الناس: إن عمر زاد في كتاب الله شيئًا، لألحقت ذلك بالمصحف) ولو كان ذلك قرآنًا في الحال، أو كان ثم نسخ، لما قال ذلك. ولقائل أن يقول: لما نسخ الله تعالى تلاوته، وحكم بإخراجه من المصحف، كفى ذلك في صحة قول عمر، ﵁، ولم يلزم منه القطع بأنه لم يكن البتة قرآنًا. وثانيها: نسخ الوصية للأقربين بقوله ﵇: (لا وصية لوارث) لأن آية المواريث لا تمنع الوصية، إذ الجمع ممكن، وهذا ضعيف؛ لأن كون الميراث حقًا للوارث يمنعه من صرفه إلى الوصية؛ فثبت أن آية الميراث مانعة

стр. 2405

من الوصية؛ ولأن قوله ﷺ : (لا وصية لوارث) خبر واحد؛ إذ لو قلنا: إنه كان متواترًا، لوجب أن يكون الآن متواترًا؛ لأنه خبر في واقعة مهمة تتوفر الدواعي على نقله، وما كان كذلك، وجب بقاؤه متواترًا ن وحيث لم يبق الآن متواترًا، علمنا أنه ما كان متواترًا في الأصل، فالقول بأن الآية صارت منسوخة به، يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد، وإنه غير جائز بالإجماع. واحتج الشافعي ﵁ بأمور: الأول: قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها او مثلها﴾ [البقرة: ١٠٦] والاستدلال من وجوه أربعة: أحدها: أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأتي بخير منه، وذلك يفيد أنه تعالى ياتي بما هو من جنسه، كما إذا قال للإنسان: (ما آخذ منك من ثوب، آتك بخير منه) أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون من جنسه، فجنس القرآن قرآن. وثانيها: أن قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾ يفيد: أنه هو المتفرد بالإتيان بذلك الخير، وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله تعالى دون السنة، التي يأتي بها الرسول ﵇. وثالثها: أن قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾ يفيد: أن المأتي به خير من الآية، والسنة لا تكون خيرا من القرآن. ورابعها: أنه تعالى قال: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ١٠٦] دل على أن الذي يأتي بخير منها هو المختص بالقدرة على إنزاله، وهذا هو القرآن دون غيره.

стр. 2406

الثاني: قوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] فوصفه بأنه مبين للقرآن، ونسخ العبادة رفعها، ورفعها ضد بيانها. الثالث: قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [النحل: ١٠١] أخبر تعالى بأنه هو الذي يبدل الآية بالآية. الرابع: أنه تعالى حكى عن المشركين: أنهم قالوا عند تبديل الآية بالآية: ﴿إنما أنت مفتر﴾ [النحل: ١٠١] ثم إنه تعالى أزال هذا الإبهام بقوله: ﴿قل نزله روح القدس من ربك﴾ [النحل: ١٠٢] وهذا يقتضي أن ما لم ينزله روح القدس من ربه، لا يكون مزيلًا للإبهام. الخامس: قوله تعالى: ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله، قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [يونس: ١٥] وهذا يدل على أن القرآن لا تنسخه السنة. السادس: أن ذلك يوجب التهمة والنفرة. والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في الآية الأولى؛ بوجه عام، ثم بما يخص كل واحد من تلك الوجوه: أما العام: فهو: أن قوله تعالى: ﴿نأت بخير منها﴾ [البقرة: ١٠٦] ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخًا، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئًا مغايرًا للناسخ، يحصل بعد حصول النسخ، والذي يدل على تحقق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتبًا على الإتيان بذلك الخير، لزم ترتب كل واحد منهما على الآخر، وهو دور.

стр. 2407

وأما الوجوه الخاصة: فالجواب عن الأول: لا نسلم ان ذلك الخير لا بد وأن يكون من جنس الآية المنسوخة، فليس تعلقهم بالمثال الذي ذكروه أولى من مثال آخر؛ وهو أن بقول القائل: (ممن يلقني بحمد وثناء جميل، ألقه بخير منه) في أنه لا يقتضي أن الذي يلقاه به من جنس الحمد والثناء، أو من قبيل المنحة والعطاء. وعن الثاني؛ وهو أن قوله: ﴿نات بخير منها﴾ يفيد أنه هو المتفرد بالغتيان بذلك الخير: أن نقول: المراد بالإتيان شرع الحكم وإلزامه، والسنة في ذلك كالقرآن في أن المثبت لهما هو الله تعالى. وعن الثالث؛ وهو قوله: السنة لا تكون خيرًا من القرآن: أن نقول: إذا كان المراد بالخير الأصلح في التكليف، والأنفع في الثواب، لم يمتنع أن يكون مضمون السنة خيرًا من مضمون الآية. وعن الرابع: أن النسخ رفع الحكم، سواء ظهر ذلك بالقرآن، أو بالسنة وعلى التقديرين فالله تعالى هو المتفرد به. والجواب عن الحجة الثانية: أن النسخ لا ينافي البيان؛ لأنه تخصيص للحكم بالأزمان، كما أن التخصيص للحكم بالأعيان. والجواب عن الحجة الثالثة: أن الناسخ، سواء كان قرآنا أو خبرًا، فالمبدل في الحقيقة هو الله تعالى. والجواب عن الحجة الرابعة: أن من يتهم الرسول ﵊ فإنما يتهمه؛ لأنه يشك في نبوته، ومن تكن هذه حاله، فالنبي عليه الصلاة

стр. 2408

والسلام مفترٍ عنده، سواء نسخ الكتاب بالكتاب، أو بالسنة، والمزيل لهذه التهمة التمسك بمعجزاته. والجواب عن الحجة الخامسة؛ وهي قوله تعالى: ﴿ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾ [يونس ١٥] أنه يدل على أنه ﵊ لا ينسخ إلا بوحي، ولا يدل على أن الوحي لا يكون إلا قرآنا. والجواب عن الحجة السادسة: أن النفرة زائلة بالدليل الدال على أنه ﴿ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤] والله أعلم. المسألة الثالثة في نسخ الكتاب بالسنة المتواترة قال القرافي: قوله "نسخ الحبس في البيوت بالجلد، ثم نسخ بالرجم". قلنا: عليه أربعة أسئلة: الأول: لا نسلم أن آية الجلد نزلت بعد آية الحبس، بل ظاهر السنة أنها نزلت ثانيًا، وهو قوله ﵇: (خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام). فقوله ﵇: (قد جعل الله لهن سبيلا) ظاهر في أنه الآن كما ورد عليه تعبير الحبس في البيوت لقوله تعالى: ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [النساء: ١٥]. الثاني: سلمنا تأخر آية الجلد، لكن لم قلتم: إنها ناسخة، وذلك لأن

стр. 2409

ظاهرها غير متعارض، فأمكن الجلد والحبس في البيوت حتى ينقلوا أن الله تعالى أبطل الحبس في البيوت بها. الثالث: سلمنا أنه تعالى أبطل الحبس بها، لكن لا نسلم أن الحديث من باب التواتر؛ لأن المتواتر هو الذي ينقله عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب، والمسموع منه ﵇ عند العمل لا يقال فيه: متواتر، ولا آحاد لعدم النقل عنه حينئذ. الرابع: سلمنا صدق التواتر عليه لكنه تخصيص لآية الجلد حيث بينت أن الثيب كان يجلد، وحينئذ يتعين النسخ. قوله: "نسخ الوصية للأقربين بقوله ﵇: (لا وصية لوارث) ". قلنا: إنما يتم ذلك حتى تثبتوا أن الصحابة لم يقضوا بإبطال الوصية للوارث إلا بهذا الحديث، وهو منقول إليهم؛ لاحتمال أن يقضوا به مسموعًا منه ﵇ وحينئذ لا يصدق عليه أنه متواتر. فإن قلت: إذا سمع منه ﵇ كان مقطوعًا به، فهو في معنى التواتر. قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يفهرس هذه المسالة بغير هذه الفهرسة، وتقولون: "يجوز نسخ الكتاب بالسنة المقطوع بها" قوله: "كون الميراث حقًا للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية". قلنا: عليه سؤالان: الأول: أن هذا اللفظ متغير في نفسه ومرادكم أن الميراث يمنع صرف الوصية. فقلتم: "يمنع من صرفه إلى الوصية"، وهذه عبارة فيها خلل، وقد كشفت عدة نسخ، فوجدتها كذلك، واختصرها سراج الدين على ما ذكرته أنا.

стр. 2410

الثاني: لا نسلم أنه يلزم من إثبات حق الوارث منع إثبات حق آخر له، ويدل على ذلك أن الوارث لو كان له دين، أو غير ذلك كان له أخذه مع الميراث، فأخذ الدين بسبب سابق كأخذ الوصية بسببها، وهو الإيصاء. فإن قلت: قوله تعالى: ﴿منهما السدس﴾ [النساء: ١١]، ﴿فلهما الثلثان﴾ [النساء: ١٧٦]، ونحوه من آيات المواريث صيغ شروط، وهذه أجوبتها، ومتى ذكر جواب شرط بعده كان هو كمال ما يترتب عليه، فلا يرد عليه لدلالته على الحصر. قلت: لا نسلم أن كلها شروط كقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النساء: ١٢] لا شرط فيه، بل خبر محض عن الحكم الشرعي باستحقاق ذلك، سلمنا أنها كلها شروط، وأن هذه الأوصاف تقوم مقام الشروط، وأن يصرح بالشرط، لكن ذلك يقتضي الحصر باعتبار ذلك الشرط لا مطلقًا. فإذا قال: من زنى جلد مائة يقتضي أن هذا كمال ما يجلد باعتبار الزنا، وجاز أن يجلد باعتبار القذف؛ لأنه سبب آخر فكذلك هاهنا. قوله: "هذا الخبر ليس متواترًا، فيلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد". قلنا: جاز ألا يكون متواترًا، ولا يكون خبرًا واحدًا عند القضاء بالنسخ، بل مسموعًا منه ﵇ فيكون نسخًا بالمقطوع كما قلتموه في الرجم وغيره. قوله: "الثاني قوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤] ". قلنا: قد تقدم أن قوله تعالى: ﴿لتبين للناس﴾ [النحل: ٤٤] فعل في سياق الثبوت، فيكون دالًا على القدر الأعم، والدال على الأعم غير

стр. 2411

دال على الأخص، والنسخ أخص من مطلق البيان؛ لصدق البيان على التخصيص، وزوال الإجمال، فلا تدل الآية على النسخ البتة. قوله: "أزال الله تعالى الإبهام بقوله تعالى: ﴿نزله روح القدس من ربك﴾ [النحل: ١٠٢] لا يكون مزيلًا للإبهام". قلت: هكذا وجدت العبارة في عدة نسخ، وهي غير منتظمة. وقال سراج الدين عبارة حسنة، فقال: "فما لا ينزله روح القدس لا يكون مزيلًا للإبهام" فما أدري هل وجد نسخة هكذا، أو أصلح ما وجده بعبارة صحيحة؟ قوله: "الثالث: قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ [النحل: ١٠١] ". قلنا: هذه نكرة في سياق الثبوت، فلا تعم فنقول بالموجب، لكن الله تعالى يبدل البعض، والسنة تبدل البعض ولا تناقض. (سؤال) قال النقشواني: لا يستقيم أن آية الحبس منسوخة ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [النساء: ١٥] فغيّا الحبس بغايتين، فإذا جعل الله تعالى سبيلا بالجلد، أو غيره كان ذلك مبينًا للغاية؛ لأنه ناسخ ولا مخصص.

стр. 2412

المسألة الرابعة قال الرازي: في كون الإجماع منسوخًا وناسخًا الإجماع إنما ينعقد دليلًا بعد وفاة الرسول ﵊؛ لأنه ما دام، ﵊ حيا، لم ينعقد الإجماع من دونه؛ لأنه ﷺ سيد المؤمنين، ومتى وجد قوله ﵊، فلا عبرة بقول غيره، فإذن الإجماع إنما ينعقد دليلًا بعد وفاة الرسول ﵊. إذا ثبت هذا، فنقول: لو انتسخ الإجماع، لكان انتساخه: إما بالكتاب، أو بالسنة، أو بالإجماع، أو بالقياس، والكل باطل. أما بالكتاب والسنة: فلأنه لا يخلو: إما أن يقال: إنهما كانا موجودين وقت انعقاد ذلك الإجماع أو ما كانا موجودين في ذلك الوقت: فإن كانا موجودين، مع أن الأمة حكمت على خلافهما، كانت الأمة مجمعة على الخطأ، ذاهبة عن الحق، وإنه غير جائز. وإن لم يكونا موجودين، استحال حدوثهما بعد ذلك؛ لاستحالة أن يحدث كتاب أو سنة بعد وفاة الرسول ﵊. وأما بالإجماع: فلأن انعقاد هذا الإجماع الثاني: إما أن يكون لا عن دليل، أو عن دليل، فإن لم يكن عن دليل، كان ذلك إجماعًا على الخطأ، وإنه غير جائز، وإن كان عن دليل، عاد التقسيم الأول، من أن يقال: إن ذلك الدليل: إما أن يكون حال انعقاد الإجماع الأول، أو حدث بعده، وقد بينا فساد هذين القسمين.

стр. 2413

فإن قلت: أليس أن الأمة، إذا اختلفت على قولين، فقد جوزت للعامي أن يأخذ بأيهما شاء، ثم إذا اتفقت بعد ذلك على أحدهما، فقد منعت العامي من الأخذ بذلك القول الثاني، فهاهنا: الإجماع الثاني ناسخ لحكم الإجماع الأول. قلت: الأمة إنما جوزت للعامي الأخذ بأي القولين شاء بشرط ألا يحصل الإجماع على أحد القولين، فكان الإجماع الأول مشروطًا بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع، فقد زال شرط الإجماع الأول، فانتفى الإجماع الأول؛ لانتفاء شرطه، لا لأن الثاني نسخه. وأما بالقياس: فلأن شرط صحة القياس عدم الإجماع، فإذا وجد الإجماع، لم يكن القياس صحيحًا، فلم يجز نسخه به. وأما كون الإجماع ناسخًا: فقد جوزه عيسى بن أبان. والحق أنه لا يجوز. لنا: أن المنسوخ بالإجماع: إما ان يكون نصًا أو إجماعًا أو قياسًا: والأول: يقتضي وقوع الإجماع على خلاف النص، وخلاف النص خطأ، والإجماع لا يكون خطأ. والثاني أيضًا: باطل؛ لأن الإجماع المتأخر: إما أن يقتضي أن الإجماع الأول حين وقع، وقع خطأ، أو يقتضي أنه كان صوابًا، ولكن إلى هذه الغاية. والأول باطل؛ لأن الإجماع لا يكون خطأ، ولو جاز ذلك، لما كان المنسوخ به أولى من الناسخ، وإن كان صوابًا حين وقع، ولكن كان مؤقتًا، فلا يخلو ذلك الإجماع المتقدم المفيد للحكم المؤقت، من أن يكون مطلقًا أو مؤقتًا، فإن كان مطلقًا، استحال أن يفيد الحكم مؤقتًا، وإن كان مؤقتًا إلى غاية، فذلك الإجماع ينتهي عند حصول تلك الغاية بنفسه؛ فلا يكون الإجماع المتأخر رافعًا له.

стр. 2414

والثالث: باطل؛ لأن هذه المسألة لا تتصور إلا إذا اقتضى القياس حكمًا، ثم أجمعوا على خلاف حكم ذلك القياس؛ فحينئذ يزول حكم ذلك القياس بعد ثبوته؛ لتراخي الإجماع عنه، وهذا محال؛ لأن شرط صحة القياس عدم الإجماع، فإذا وجد الإجماع، فقد زال شرط صحة القياس، وزوال الحكم، لزوال شرطه لا يكون نسخًا. المسألة الرابعة في كون الإجماع ناسخًا قال القرافي: قال سيف الدين: كون الإجماع ينسخ الحكم الثابت به، نفاه الأكثرون، وجوزه الأقلون. وكون الإجماع ناسخًا منعه الجمهور، وجوزه بعض المعتزلة، وعيسى بن أبان. قوله: "لا ينعقد الإجماع بدون رسول الله ﷺ لأنه سيد المؤمنين". قلنا: شهدت الاحاديث بالعصمة لأمته ﵇ من حيث هي أمته كقوله ﵇: (لا تجتمع أمتي على خطأ) ونحو ذلك، فتكون الأمة معصومة، وهو ﵇ ليس من جملة أمته، فيتصور انعقاد الإجماع في زمانه ﵇؛ لأن حقيقة المضاف خارجة عن حقيقة المضاف إليه؛ ولأن الإجماع في جميع الأعصار بعده ينعقد، وليس من جملتهم رسول الله ﷺ فكذلك في زمانه ﵇. ثم إنه نقض هذه القاعدة في المسألة التي بعدها، فقال: "القياس يُنسخ في زمانه ﵇ بالإجماع"، وهذا تصريح بصحة انعقاد الإجماع

стр. 2415

في زمانه ﵇ بل لو شهد ﵇ بعصمة رجل في زمانه قضينا بعصمة ذلك الرجل، وإن كان وحده، فضلًا عن الأمة. وقوله: "متى وجد قول الرسول ﵇ فلا عبرة بقول غيره". يشكل عليه بأنّا إنما نستدل بالكتاب، والسنة، والإجماع، ولا تناقض بين اجتماع الأدلة العقلية على مدلول واحد، فضلًا عن السمعية، ويلزمه ألا يستدل بالسنة مع وجود القرآن؛ لأنه متواتر مقطوع به، وهو خلاف المعلوم من أحوال العلماء، فهذه القاعدة التي بنى عليها أن الإجماع لا ينسخ، ولا يُنسخ به غير ظاهرة الصحة، فلا يتم مطلوبه. (سؤال) منع انعقاد الإجماع في زمانه ﵇ وجوّز بعد ذلك نسخ القياس في زمانه ﵇ بالإجماع ، وهو فرع وجوده في زمانه ﵇ فهو متناقض. قوله: "إن كان الإجماع الأول مطلقًا، استحال أن يفيد الحكم مؤقتًا". قلنا: هاهنا قسم آخر تركتموه، وهو أن يكون ذلك الإجماع مطلقًا لا يتعرض للمؤقت، ولا لضده، بل يسكتون عن الأمرين، ويكون الإجماع الثاني كاشفًا عن التوقيت والغاية، فلا يلزم من عدم إفادة الإجماع الأول له ألا يستفاد من غيره، ويكون الأولون لم يخطر لهم الغاية، ولا ضدها ببال. قوله: "إذا أجمعوا بعد القياس، يزول القياس لزوال شرطه، فلا يكون نسخًا". قلنا: هذا يلزم بعينه في النصوص، فإن من شرط اقتضاء النصوص الإحجام ألا يطرأ عليها ناسخها، فإذا طرأ الناسخ عليها تكون قد زالت لزوال شرطها، ولا نسخ حينئذ، بل لزومه في النصوص أولى؛ لأن النص

стр. 2416

أمكن أن يقال: إن الله تعالى أراد به هذه الغاية، فلا تعارض بين الناسخ والمنسوخ في نفس الأمر باعتبار الإرادة، والمراد من النص. أما القياس فمبني على الحكم والمصالح، فالمصلحة إن كانت باقية، ثم حكم الإجماع على خلافها كان هذا تعارضًا بينا أكثر من التعارض في النصوص؛ لكونه معارضًا في نفس الأمر، بخلاف النصوص إنما هو باعتبار الظاهر. قوله في القسم الأول: "إن المنسوخ إما الكتاب، أو السنة، أو القياس". قلنا: سؤال كون الإجماع لا ينسخ به مع أنه يخصص به مشكل؛ لأنه في التخصيص لا بد له من مستند؛ لتعذر انعقاده عن غير مستند، فكذلك في النسخ، ويكون ذلك المستند هو الناسخ؛ ولا يكون في نفسه باطلًا لانعقاده بالناسخ، وكلاهما تخصيص، فما الفرق؟ وكون النسخ أقوى لا يوجب الإحالة كما يخصص الإجماع الكتاب والسنة مع أن الكتاب أقوى، ثم نقول: هذا الحصر غير لازم؛ لاحتمال أن يتمسك الإجماع الثاني بغير ذلك من الاستدلال بنفي خواص الشيء على نفيه، أو ثبوت ملزوماته على ثبوته، أو يفرع على ما يقولونه بعد هذا من الخلاف في انعقاد الإجماع بالبحث، أو العصمة أن يقول الله تعالى لإنسان: (احكم، فمهما حكمت فهو حكمي) فما حكيتموه في المدارك المختلف فيها آخر الكتاب، أو يفرع على أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تعالى ما ظهر في الخواطر بعد بذل الجهد، وجاز انعقاد الإجماع الأول على نوع من الاستدلال المذكور، وانعقاد الثاني على نوع منه، ونحن إذا فرعنا على أن كل مجتهد مصيب، صح ذلك؛ فإنه من المحال أن يكون كل واحد مصيبًا، وكل واحد منهم حكم بالدليل الراجح؛ فإن الراجح في نفس الأمر واحد لا تعدد فيه، بل بعضهم بالراجح، وبعضهم بالمرجوح، وإذا تصور ذلك في المجتهدين تصور في الإجماعين، ويكون أحدهما عن الراجح، والآخر عن المرجوح،

стр. 2417

ويكونان صوابا كالمجتهدين، وكما لا يلزم من ترك دليل في نفس الامر من النصوص، أو غيرها كون المجتهد مخطئا، كذلك لا يكون الإجماع مخطئًا بناء على أن كل مجتهد مصيب، فكيف يجعل الواحد أعظم من الأمة في الصواب، ويمكن أن يقال: إذا عظم المنصب عظم التكليف كالنبي ﷺ وأزواجه كما دل عليه القرآن. وفرع النقشواني هذا فقال: جاز أن يغني الإجماع الأول بناء على البراءة الأصلية بعد بذل الجهد في النص فلم يجدوه، ثم نقل المخصص للبعض الثاني. (تنبيه) لم يتعرض سيف الدين لكون الإجماع لا ينعقد في زمان رسول الله ﷺ بل قال: "ما وجد من الإجماع بعد وفاته ﵇ إما أن ينسخ بنص أو غيره " إلى آخر التقسيم، ففهرس الدعوى عامة، وعند الدليل خصص بما ينعقد من الإجماع بعده ﵇ وتعرض له أبو الحسين في (المعتمد) كما قاله المصنف، ثم قال: إن قيل: يجوز أن ينسخ إجماع وقع في زمانه ﵇ حتى يكون إجماعها هو المعتبر، ثم ينسخ، وأما في حياته ﵇ فالمنسوخ الدليل الذي أجمعوا لأجله. قال الشيخ أبو إسحاق: لا ينعقد الإجماع في زمانه ﵇. وقال ابن برهان: لا ينعقد الإجماع في زمانه ﵇. وجماعة من المصنفين وافقوا المصنف في ذلك على ما فيه من الإشكال المتقدم.

стр. 2418

المسألة الخامسة قال الرازي: في كون القياس منسوخًا وناسخًا أما كونه منسوخًا فنقول: نسخ القياس: إما أن يكون في زمان حياة الرسول عليه الصلام والسلام، أ, بعد وفاته. فإن كان حال حياته: فلا يمتنع رفعه بالنص، أو بالإجماع، أو بالقياس: أما بالنص: فبأن ينص السول ﵊، في الفرع، على خلاف الحكم الذي يقتضيه القياس، بعد استقرار التعبد بالقياس. وأما بالإجماع: فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياسًا، ثم أجمعوا على أحد القولين، كان إجماعهم على أحد القولين، رافعًا لحكم القياس الذي اقتضاه القول الآخر. وأما بالقياس: فبأن ينص في صورة على خلاف ذلك الحكم، ويجعله معللا بعلة موجودة في ذلك الفرع، وتكون أمارة علّيتها أقوى من أمارة علّية الوصف للحكم الأول في الأصل الأول، ويكون كل ذلك بعد استقرار التعبد بالقياس الأول. وأما بعد وفاة الرسول ﵊: فإنه يجوز نسخه في المعنى، وإن كان ذلك لا يسمى نسخًا في اللفظ. أما بالنص: فكما إذا اجتهد إنسان في طلب النصوص، ثم لم يظفر بشيء أصلًا، ثم اجتهد، فحرم شيئًا بقياس، ثم ظفر بعد ذلك بنص، أو إجماع، أو قياس أقوى من القياس الأول على خلافه.

стр. 2419

فإن قلنا: "كل مجتهد مصيب" كان هذا الوجدان ناسخًا لحكم القياس الأول، لكنه لا يسمى ناسخًا؛ لأ، القياس إنما يكون معمولا به بشرط ألا يعارضه شيء من ذلك. وإن قلنا: "المصيب واحد" لم يكن القياس الأول متعبدًا به، فلم يكن النص الذي وجده آخرًا ناسخًا لذلك القياس. وأما كون القياس ناسخًا: فهو إما أن ينسخ كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو قياسًا، والأقسام الثلاثة الأول باطلة بالإجماع. وأما الرابع؛ وهو كونه ناسخًا لقياس آخر فقد تقدم القول فيه، والله أعلم. المسألة الخامسة في كون القياس منسوخًا قال القرافي: قوله: "ينعقد الإجماع على أحد القولين، فيكون ناسخًا للقياس الذي هو مستند أحد القولين في زمانه ﵇". قلنا: فرضكم نسخ القياس في زمانه ﵇ بالإجماع يناقض ما في المسألة التي قبل هذه من استحالة انعقاد الإجماع في زمانه ﵇. قوله: "إن قلنا: "إن المصيب واحد" لم يكن القياس الأول متعبدًا به". قلنا: لا نسلم؛ فإن المصيب إذا كان واحدًا فقد انعقد الإجماع على أنه يجب على كل مجتهد أن يعمل هو ومن قلّده بما أدى إليه اجتهاده من قياس أو غيره، وإن كان قد أخطأ الحكم المقرر في نفس الأمر، كما نقول فيمن اجتهد وأخطأ الكعبة: يجب أن يصلي إلى الجهة التي استقبلها، وإن كانت خطأ في نفس الأمر، ولا نعني بالتعبد إلا الوجوب، والإكرام، والعقاب على تقدير الترك.

стр. 2420

قوله: "نسخ القياس للسنة باطل بالإجماع". قلنا: كيف يتصور الإجماع مع أن العلماء اختلفوا في تقديم القياس على خبر الواحد، فعلى القول بتقديمه لا يبعد أن يتصور النسخ بأن يستقر التعبد بخبر واحد، ثم ينص الشرع في زمان النبوة على حكم عليه يقتضي ضد مقتضى الخبر، فيبطل مقتضى الخبر. (تنبيه) قال سيف الدين: منع الحنابلة، والقاضي عبد الجبار في بعض أقواله بنسخ حكم القياس ، بناء على أن القياس إذا كان مستنبطًا من أصل، فالقياس باق ببقاء الأصل، وجوزه أبو الحسين البصري، وفصل بين القياس في زمانه ﵇ بأن ينص ﵇ على أصله كحديث منع بيع البر متفاضلًا، ويأمر بالقياس عليه، فإذا قضى ﵇ بتحريم بيع الأرز متفاضلًا بناء على القياس، جاز نسخه بالنص، وبالقياس بأن ينص على إباحة بعض المأكولات، ويتعبدنا بالقياس عليه بأمارة هي أقوى من أمارة التحريم، وإن كان القياس موجودًا بعده ﵇ فلا نسخ إلا أن يطلع المجتهد بعد القياس على نص، أو إجماع متقدم، أو قياس أرجح من قياسه، فيرتفع حكم قياسه الأول، وهذا لا يسمى نسخًا. قال أبو الحسين: وهذا كله إنما يتم إذا قلنا: كل مجتهد مصيب؛ لأنه تعبده الله تعالى بالقياس الأول، فرفعه لا يكون متحققًا. قلت: قول أبي الحسين هذا لا يتم؛ لأنا وإن قلنا: ليس كل مجتهد مصيبًا، فلا خلاف أنه كُلف بما غلب على ظنه كالقبلة إذا لم يصبها؛ فإنه كُلف بما أدى إليه اجتهاده، وقد تقدم بسطه في أن الأحكام الشرعية كلها معلومة أول الكتاب.
следующие страницы →