← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

أمكن أن يقال: إن الله تعالى أراد به هذه الغاية، فلا تعارض بين الناسخ والمنسوخ في نفس الأمر باعتبار الإرادة، والمراد من النص. أما القياس فمبني على الحكم والمصالح، فالمصلحة إن كانت باقية، ثم حكم الإجماع على خلافها كان هذا تعارضًا بينا أكثر من التعارض في النصوص؛ لكونه معارضًا في نفس الأمر، بخلاف النصوص إنما هو باعتبار الظاهر. قوله في القسم الأول: "إن المنسوخ إما الكتاب، أو السنة، أو القياس". قلنا: سؤال كون الإجماع لا ينسخ به مع أنه يخصص به مشكل؛ لأنه في التخصيص لا بد له من مستند؛ لتعذر انعقاده عن غير مستند، فكذلك في النسخ، ويكون ذلك المستند هو الناسخ؛ ولا يكون في نفسه باطلًا لانعقاده بالناسخ، وكلاهما تخصيص، فما الفرق؟ وكون النسخ أقوى لا يوجب الإحالة كما يخصص الإجماع الكتاب والسنة مع أن الكتاب أقوى، ثم نقول: هذا الحصر غير لازم؛ لاحتمال أن يتمسك الإجماع الثاني بغير ذلك من الاستدلال بنفي خواص الشيء على نفيه، أو ثبوت ملزوماته على ثبوته، أو يفرع على ما يقولونه بعد هذا من الخلاف في انعقاد الإجماع بالبحث، أو العصمة أن يقول الله تعالى لإنسان: (احكم، فمهما حكمت فهو حكمي) فما حكيتموه في المدارك المختلف فيها آخر الكتاب، أو يفرع على أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تعالى ما ظهر في الخواطر بعد بذل الجهد، وجاز انعقاد الإجماع الأول على نوع من الاستدلال المذكور، وانعقاد الثاني على نوع منه، ونحن إذا فرعنا على أن كل مجتهد مصيب، صح ذلك؛ فإنه من المحال أن يكون كل واحد مصيبًا، وكل واحد منهم حكم بالدليل الراجح؛ فإن الراجح في نفس الأمر واحد لا تعدد فيه، بل بعضهم بالراجح، وبعضهم بالمرجوح، وإذا تصور ذلك في المجتهدين تصور في الإجماعين، ويكون أحدهما عن الراجح، والآخر عن المرجوح،

стр. 2417

ويكونان صوابا كالمجتهدين، وكما لا يلزم من ترك دليل في نفس الامر من النصوص، أو غيرها كون المجتهد مخطئا، كذلك لا يكون الإجماع مخطئًا بناء على أن كل مجتهد مصيب، فكيف يجعل الواحد أعظم من الأمة في الصواب، ويمكن أن يقال: إذا عظم المنصب عظم التكليف كالنبي ﷺ وأزواجه كما دل عليه القرآن. وفرع النقشواني هذا فقال: جاز أن يغني الإجماع الأول بناء على البراءة الأصلية بعد بذل الجهد في النص فلم يجدوه، ثم نقل المخصص للبعض الثاني. (تنبيه) لم يتعرض سيف الدين لكون الإجماع لا ينعقد في زمان رسول الله ﷺ بل قال: "ما وجد من الإجماع بعد وفاته ﵇ إما أن ينسخ بنص أو غيره " إلى آخر التقسيم، ففهرس الدعوى عامة، وعند الدليل خصص بما ينعقد من الإجماع بعده ﵇ وتعرض له أبو الحسين في (المعتمد) كما قاله المصنف، ثم قال: إن قيل: يجوز أن ينسخ إجماع وقع في زمانه ﵇ حتى يكون إجماعها هو المعتبر، ثم ينسخ، وأما في حياته ﵇ فالمنسوخ الدليل الذي أجمعوا لأجله. قال الشيخ أبو إسحاق: لا ينعقد الإجماع في زمانه ﵇. وقال ابن برهان: لا ينعقد الإجماع في زمانه ﵇. وجماعة من المصنفين وافقوا المصنف في ذلك على ما فيه من الإشكال المتقدم.

стр. 2418

المسألة الخامسة قال الرازي: في كون القياس منسوخًا وناسخًا أما كونه منسوخًا فنقول: نسخ القياس: إما أن يكون في زمان حياة الرسول عليه الصلام والسلام، أ, بعد وفاته. فإن كان حال حياته: فلا يمتنع رفعه بالنص، أو بالإجماع، أو بالقياس: أما بالنص: فبأن ينص السول ﵊، في الفرع، على خلاف الحكم الذي يقتضيه القياس، بعد استقرار التعبد بالقياس. وأما بالإجماع: فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياسًا، ثم أجمعوا على أحد القولين، كان إجماعهم على أحد القولين، رافعًا لحكم القياس الذي اقتضاه القول الآخر. وأما بالقياس: فبأن ينص في صورة على خلاف ذلك الحكم، ويجعله معللا بعلة موجودة في ذلك الفرع، وتكون أمارة علّيتها أقوى من أمارة علّية الوصف للحكم الأول في الأصل الأول، ويكون كل ذلك بعد استقرار التعبد بالقياس الأول. وأما بعد وفاة الرسول ﵊: فإنه يجوز نسخه في المعنى، وإن كان ذلك لا يسمى نسخًا في اللفظ. أما بالنص: فكما إذا اجتهد إنسان في طلب النصوص، ثم لم يظفر بشيء أصلًا، ثم اجتهد، فحرم شيئًا بقياس، ثم ظفر بعد ذلك بنص، أو إجماع، أو قياس أقوى من القياس الأول على خلافه.

стр. 2419

فإن قلنا: "كل مجتهد مصيب" كان هذا الوجدان ناسخًا لحكم القياس الأول، لكنه لا يسمى ناسخًا؛ لأ، القياس إنما يكون معمولا به بشرط ألا يعارضه شيء من ذلك. وإن قلنا: "المصيب واحد" لم يكن القياس الأول متعبدًا به، فلم يكن النص الذي وجده آخرًا ناسخًا لذلك القياس. وأما كون القياس ناسخًا: فهو إما أن ينسخ كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو قياسًا، والأقسام الثلاثة الأول باطلة بالإجماع. وأما الرابع؛ وهو كونه ناسخًا لقياس آخر فقد تقدم القول فيه، والله أعلم. المسألة الخامسة في كون القياس منسوخًا قال القرافي: قوله: "ينعقد الإجماع على أحد القولين، فيكون ناسخًا للقياس الذي هو مستند أحد القولين في زمانه ﵇". قلنا: فرضكم نسخ القياس في زمانه ﵇ بالإجماع يناقض ما في المسألة التي قبل هذه من استحالة انعقاد الإجماع في زمانه ﵇. قوله: "إن قلنا: "إن المصيب واحد" لم يكن القياس الأول متعبدًا به". قلنا: لا نسلم؛ فإن المصيب إذا كان واحدًا فقد انعقد الإجماع على أنه يجب على كل مجتهد أن يعمل هو ومن قلّده بما أدى إليه اجتهاده من قياس أو غيره، وإن كان قد أخطأ الحكم المقرر في نفس الأمر، كما نقول فيمن اجتهد وأخطأ الكعبة: يجب أن يصلي إلى الجهة التي استقبلها، وإن كانت خطأ في نفس الأمر، ولا نعني بالتعبد إلا الوجوب، والإكرام، والعقاب على تقدير الترك.

стр. 2420

قوله: "نسخ القياس للسنة باطل بالإجماع". قلنا: كيف يتصور الإجماع مع أن العلماء اختلفوا في تقديم القياس على خبر الواحد، فعلى القول بتقديمه لا يبعد أن يتصور النسخ بأن يستقر التعبد بخبر واحد، ثم ينص الشرع في زمان النبوة على حكم عليه يقتضي ضد مقتضى الخبر، فيبطل مقتضى الخبر. (تنبيه) قال سيف الدين: منع الحنابلة، والقاضي عبد الجبار في بعض أقواله بنسخ حكم القياس ، بناء على أن القياس إذا كان مستنبطًا من أصل، فالقياس باق ببقاء الأصل، وجوزه أبو الحسين البصري، وفصل بين القياس في زمانه ﵇ بأن ينص ﵇ على أصله كحديث منع بيع البر متفاضلًا، ويأمر بالقياس عليه، فإذا قضى ﵇ بتحريم بيع الأرز متفاضلًا بناء على القياس، جاز نسخه بالنص، وبالقياس بأن ينص على إباحة بعض المأكولات، ويتعبدنا بالقياس عليه بأمارة هي أقوى من أمارة التحريم، وإن كان القياس موجودًا بعده ﵇ فلا نسخ إلا أن يطلع المجتهد بعد القياس على نص، أو إجماع متقدم، أو قياس أرجح من قياسه، فيرتفع حكم قياسه الأول، وهذا لا يسمى نسخًا. قال أبو الحسين: وهذا كله إنما يتم إذا قلنا: كل مجتهد مصيب؛ لأنه تعبده الله تعالى بالقياس الأول، فرفعه لا يكون متحققًا. قلت: قول أبي الحسين هذا لا يتم؛ لأنا وإن قلنا: ليس كل مجتهد مصيبًا، فلا خلاف أنه كُلف بما غلب على ظنه كالقبلة إذا لم يصبها؛ فإنه كُلف بما أدى إليه اجتهاده، وقد تقدم بسطه في أن الأحكام الشرعية كلها معلومة أول الكتاب.

стр. 2421

قال سيف الدين: وأما نحن فنقول: إن كانت العلة منصوصة، فهي في معنى النص، فينسخ هذا القياس بنص، أو قياس كما تقدم، ولو ذهب إليه ذاهب بعد النبي ﵇ لعدم إطلاعه على ناسخه بعد البحث عنه؛ فإنه وإن كان متعبدًا باتباع ما أوجبه ظنه، فرفع حكمه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخًا متجددًا، بل تبين أنه كان منسوخًا، وإن كانت العلة مستنبطة مجتهد، فيرفع حكمه إذا وجد دليلًا راجحًا عليه. قال: ولا يكون ناسخًا على قولنا: النسخ: رفع حكم الخطاب، وإن كان مشاركا للنسخ في رفع الحكم، وقطع استمراره، سواء قلنا: كل مجتهد مصيب أم لا. قلت: وهذا أعدل من كلام أبي الحسين. قال سيف الدين: واختلفوا في كون القياس ناسخا على ثلاثة أقوال: ثالثها: الفرق بين الجلي والخفي وهو قول أبي القاسم الأنماطي من الشافعية. قال: والمختار جواز النسخ به في العلة المنصوصة؛ لأنه في معنى النص، وغير المنصوصة، وهو قطعي كقياس الأمة على العبد في التقويم؛

стр. 2422

فإنه يمنع من ثبوت حكم نص آخر، أو قياس، وذلك ليس نسخا على القول بتفسير النسخ بالخطاب. وإن كان ظنيا فيمنع أن يكون ناسخا للنص والإجماع، وينسخ القياس إن كان أرجح. ***

стр. 2423

المسألة السادسة قال الرازي: في كون الفحوى منسوخا وناسخا أما كونه منسوخا: فقد اتفقوا على جواز نسخ الأصل والفحوى معا. وأما نسخ الأصل وحده فإنه يقتضي نسخ الفحوى؛ لأن الفحوى تبع الأصل، وإذا زال المتبوع، زال التبع لا محالة. وأما نسخ الفحوى مع بقاء الأصل، فاختيار أبي الحسين، ﵀: أنه لا يجوز؛ قال: لأن فحوى القول لا يرتفع مع بقاء الأصل إلا وينتقض الغرض؛ لأنه إذا حرم علينا التأفيف على سبيل الإعظام للأبيون، كانت إباحة ضربهما نقضا للغرض. وأما كونه ناسخا: فمتفق عليه؛ لأن دلالته إن كانت لفظية، فلا كلام. وإن كانت عقلية، فهي يقينية، فتقضى النسخ لا محالة، والله أعلم. المسألة السادسة في نسخ الفحوى قال القرافي: قال سيف الدين: تردد قول القاضي عبد الجبار في نسخ الفحوى دون الأصل، فجوز، تارة ورآه من باب التخصيص؛ لأنه نص على الجميع، ثم خصص البعض، ومنعه مرة هو وأبو الحسين. قلت: قد تقدم أن الفحوى هو: مفهوم الموافقة.

стр. 2424

قوله: " دلالة الفحوى إن كانت لفظية فلا كلام، وإن كانت عقلية فهي يقينية، فيقتضي النسخ لا محالة ". تقريره: أن العلماء اختلفوا في مفهوم الموافقة، فمنهم من أثبته من دلالة التزام اللفظ، وهو المراد بقوله: [لفظية]، أي: منسوبة إلى اللفظ لا أنها دلالة مطابقة، ومنهم من لم يرد بالمفهوم مطلقا فقال: " الحكم إنما يثبت في المسكوت عنه بالقياس "، وهو مراده بقوله: " عقلية "، أي: العقل أدرك الحكمة التي لأجلها ورد الحكم، فقاس بغير نص في تلك الصورة، ويرد عليه أن القياس ليس يقينا؛ لاحتمال أنا غلطنا في أن ذلك الحكم في الاصل معلل، أو هو معلل بغير تلك العلة التي تقتضي ثبوت الحكم في المسكوت بطريق الأولى، ولعلنا لو ظفرنا بعلة للحكم لم تقتض ثبوت الحكم في المسكوت، بل نفيه، ويكفي أنها مسألة خلاف بين العلماء، ولا قطع مع الخلاف. وإذا فرعنا على أنها عقلية قياسية ينبغي أن تتخرج على الخلاف في تقديم القياس على خبر الواحد، كما تقدم التنبيه عليه. قال ابن برهان في كتاب (الأوسط): يجوز نسخ الفحوى كالنصوص عليه، ولا يتضمن نسخ المنصوص عليه، ونسخ المنصوص عليه وحده لا يتضمن نسخ الفحوى عندنا. وقال الحنفية: يتضمنه؛ لأنه تابعه. ***

стр. 2425

القسم الثالث فيما ظن أنه ناسخ، وليس كذلك، وفيه مسائل: المسألة الأولى قال الرازي: اتفق العلماء على أن زيادة عبادة على العبادات لا يكون نسخا للعبادات ، ولا زيادة صلاة على الصلوات، وإنما جعل أهل العراق زيادة صلاة على الصلوات الخمس نسخا؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] لانه يجعل ما كان وسطي غير وسطي. فقيل لهم: ينبغي أن تكون زيادة عبادة على آخر العبادات نسخا؛ لأنه يجعل العباداة الأخيرة غير أخيرة، ولو كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة، فبعد الزيادة لا يبقى ذلك، فيكون نسخا. أما الزيادة التي لا تكون كذلك: فقد اختلفوا فيها، فمذهب الشافعي، ﵁: أنها ليست نسخا، وهو قول أبي علي، وأبي هاشم، وقالت الحنيفية: إنها نسخ، ومنهم من فصل، ونذكر فيه وجهين: أحدهما: أن النص إن أفاد من جهة الخطاب، أو الشرط، خلاف ما أفادته الزيادة، كانت الزيادة نسخا، وإلا فلا. وثانيهما: قول القاضي عبد الجبار: إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغييرا شديدا، حتى صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة على حد ما كان يفعل قبلها، كان وجوده كعدمه، ووجب استئنافه فإنه يكون نسخا، نحو زيادة ركعة على ركعتين.

стр. 2426

وإن كان المزيد عليه، لو فعل على حد ما كان يفعل قبل الزيادة، فصح فعله، واعتد به، ولم يلزم استئناف فعله، وإنما يلزم أن يضم إليه غيره لم يكن نسخا؛ نحو زيادة التغريب على الجلد، وزيادة عشرين على حد القذف. واعلم أن لابي الحسين البصري، ﵀، طريقة في هذه المسألة هي أحسن من كل ما قيل فيها، فقال: النظر في هذه المسألة يتعلق بأمور ثلاثة: أحدها: أن الزيادة على النص، هل تقتضي زوال أمر، أم لا؟ والحق: أنه يقتضيه؛ لأن إثبات كل شيء، لا أقل من أن يقتضي زوال عدمه الذي كان. وثانيها: أن هذه الإزالة، هل تسمى نسخا؟ والحق: أن الذي يزول بسبب هذه الزيادة إن كان حكما شرعيا، وكانت الزيادة متراخية عنه، سميت تلك الإزالة نسخا، وإن كان حكما عقليا، وهو البراءة الأصلية، لم تسم تلك الإزالة نسخا. وثالثها: أنه هل تجوز الزيادة على النص بخبر الواحد والقياس، أم لا؟ والحق: أنه إن كان الزائل حكم العقل، وهو البراءة الأصلية، جاز ذلك، إلا ان يمنع منه مانع خارجي، كما لو قيل: خبر الواحد لا يكون حجة فيما تعم به البلوى، والقياس لا يكون حجة في الحدود والكفارات؛ إلا أن هذه الموانع لا تعلق لها بالنسخ من حيث هو نسخ. وأما إن كان الحكم الزائل شرعيا، فلينظر في دليل الزيادة، فإن كان بحيث يجوز أن يكون ناسخا لدليل الحكم الزائل، جاز إثبات الزيادة، وإلا فلا. فهذا حظ البحث الأصولي، ولنحقق ذلك في المسائل الفقهية المفرعة على هذا الأصل، وهي ثمانية:

стр. 2427

الحكم الأول: زيادة التغريب، أو زيادة عشرين على جلد ثمانين: لا يزيل إلا نفي وجوب ما زاد على الثمانين، وهذا النفي غير معلوم بالشرع؛ لأن إيجاب الثمانين قدر مشترك بين إيجاب الثمانين مع نفي الزائد، وبين إيجابه مع ثبوت الزيادة، وما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز، فإيجاب الثمانين لا إشعار له ألبتة بالزائد لا نفيا، ولا إثباتا، إلا أن نفي الزيادة معلوم بالعقل، فإن البراءة الأصلية معلومة بالعقل، ولم ينقلنا عنه دليل شرعي، وإذا كان ذلك حكما عقليا، جاز قبول خبر الواحد والقياس فيه، إلأا أن يمنع مانع سوى النسخ. وأما كون الثمانين وحدها مجزية، وكونها وحدها كمال الحد، وتعليق الرد بالشهادة عليها: كل ذلك تابع لنفي وجوب الزيادة، فلما كان ذلك النفي معلوما بالعقل، جاز قبول خبر الواحد والقياس فيه، فكما أن الفروض لو كانت خمسا، لتوقف على أدائها الخروج عن عهدة التكليف، وقبول الشهادة، فلو زيد فيها شيء آخر، لتوقف الخروج عن عدة التكليف، وقبول الشهادة على أداء ذلك المجموع، مع أنه يجوز إثباته بخبر الواحد والقياس، فكذا هاهنا. أما لو قال الله تعالى: " الثمانون كمال الحد، وعليها وحده يتعلق رد الشهادة " لم نقبل في الزيادة هاهنا خبر الواحد والقياس؛ لأن نفيوجوب الزيادة ثبت بدليل شرعي متواتر، وأيضا لو كان إيجاب الثانين يقتضي على سبيل المفهوم نفي الزائد وثبت أن مفهوم المتواتر لا يجوز نسخه بخبر الواحد والقياس، لكنا لا نثبت ذلك بخبر الواحد والقياس. الحكم الثاني: تقييد الرقبة بالإيمان: هو في معنى التخصيص؛ لأنه يخرج عتق الكافرة من الخطاب، فإن كان القتضى لهذا التقييد خبر واحد، أو قياساً،

стр. 2428

وكان متراخيا، لم يقبل؛ لأن عموم الكتاب أجاز عتق الكافرة، فتأخير حظر عتقها في الكفارة هو النسخ بعينه، فلم يقبل فيه خبر واحد، ولا قياس، وإن كانا متقارنين، فهو تخصيص والتخصيص بخبر الواحد والقياس يجوز. الحكم الثالث: إذا قطعت يد السارق وإحدى رجليه، ثم سرق، فإباحة قطع رجله الأخرى رفع لحظر قطعها، وذلك الحظر إنما ثبت بالعقل فجاز رفعه بخبر الواحد والقياس، ولم يسم نسخا. الحكم الرابع: إذا أمرنا الله تعالى بفعل، أو قال: " هو واجب عليكم " ثم خيرنا بين فعله، وبين فعل آخر، فهذا التخيير يكون نسخا لحظر ترك ما أوجبه علينا، إلا أن حظر تركه كان معموما بالبقاء على حكم العقل، وذلك لأن قوله: " أوجبت عليكم هذا الفعل " يقتضي أن للإخلال به تأثيرا في استحقاق الذم، وهذا لا يمنع من أن يقوم مقامه واجب آخر، وإنما نعلم أن غيره لا يقوم مقامه؛ لأن الأصل: أن غيره غير واجب، ولو كان واجبا بالشرع، لدل عليه دليل شرعي، فصار علمنا بنفي وجوبه موقوفا على أن الاصل نفي وجوبه، مع نفي دليل شرعي، فالمثبت لوجوبه: إنما رفع حكما عقليا، فجاز أن يثبته بقياس، أو خبر واحد. مثال ذلك: أن يوجب الله تعالى علينا غسل الرجلين، ثم يخبرنا بينه، وبين المسح على الخفين، وكذلك إذا خيرنا الله تعالى بين شيئين، ثم أبت معهما ثالثا. فأما إذا قال الله تعالى: " هذا الفعل واجب وحده " أو قال: " لا يقوم غيره مقامه " فإن إثبات بدل له فيما بعد رافع لما علمناه بدليل شرعي؛ لأن قوله:

стр. 2429

" هذا واجب وحده " صريح في نفي وجوب غيره، فالمثبت لغيره رافع لحكم شرعي، فلم يجز كونه خبر واحد، ولا قياسا. فأما قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢] فهو تخيير بين استشهاد رجلين، أو رجل وامرأتين، والحكم بالشاهد واليمين زيادة في التخيير. وقد بينا: أن الزيادة في التخيير ليس بنسخ يمنع من قبول خبر الواحد والقياس فيه ن ومن قال: الحكم بالشاهد واليمين نسخ لهذه الآية، يلزمه أن يكون الوضوء بالنبيذ نسخا لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]. الحكم الخامس: إذا كانت الصلاة ركعتين فقط، فزيد عليها ركعة أخرى قبل التشهد: فإن ذلك يكون ناسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين، وذلك حكم شرعي معلوم بطريقة معلومة؛ فلا يثبت بخبر واحد، ولا قياس، وليس ذلك نسخا للركعتين؛ لأن النسخ لا يتناول الأفعال، ولا هو نسخا لوجوبهما؛ فإنه ثابت، ولا هو نسخا لإجزائهما؛ لأنهما مجزئتان؛ وإنما كانتا مجزئتين من دون ركعة أخرى، والآن لا يجزئان إلا مع ركعة أخرى، وذلك تابع لوجوب ضم ركعة أخرى، ووجوب ركعة أخرى ليس يرفع إلا نفي وجوبهما، ونفي وجوبها إنما حصل بالعقل، فلم يمتنع من هذه الجهة أن يقبل فيه خبر الواحد والقياس. وأما إذا زيدت الركعة بعد التشهد، وقبل التحلل: فإنه يكون نسخا لوجوب

стр. 2430

التحلل بالتسليم، أو يكون ناسخا لكونه ندبا، وذلك حكم شرعي معلوم، فلم يجز أن يقبل فيه خبر الواحد، ولا القياس. فأما كونه ناسخا للركعتين، أو لوجوبهما، أو لإجزائهما، فالقول فيه ما ذكرناه الآن. الحكم السادس: زيادة غسل عضو في الطهارة ليس بنسخ لإجزائها، ولا لوجوبها، وإنما هو رفع لنفي وجوب غسل ذك العضو؛ وذلك النفي معلوم بالعقل، وكذا زيادة شرط آخر في الصلاة لا يقتضي نسخ وجوب الصلاة. فأما كون الصلاة غير مجزئة بعد زيادة الشرط الثاني، فهو تابع لوجوب ذلك الشرط، وإجزاؤها تابع لنفي وجوبه، ونفي وجوبه لم يعلم بالشرع، فكذلك ما يتبعه، فجاز قبول خبر الواحد، والقياس فيه، هذا إن لم تكن قد علمنا نفي وجوب هذه الأشياء من دين النبي، ﵊، باضطرار، فأما إن علمناه باضطرار، فقد صار معلوما بالشرع، مقطوعا به، فلم يجز بخبر الواحد والقياس. الحكم السابع: قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنه يفيد كون أول الليل طرفا وغاية للصيام، كما يفيده، لو قال تعالى: " آخر الصيام وغايته الليل " لأن لفظة (إلى) موضوعة للغاية، فإيجاب الصوم إلى غيبوبة الشفق يخرج أوله عن أن يكون طرفا، مع أن الخطاب يفيده، وفي ذلك كونه حقيقة، فلا يقبل فيه خبر واحد، ولا قياس؛ لأن نفي وجوب صوم أول الليل معلوم بدليل قاطع. أما لو قال: " صوموا النهار " ثم جاء الخبر بإتمام الصوم إلى غيبوبة الشفق،

стр. 2431

لم يكن ذلك نسخا، لأن الخبر لم يثبت ما نفاه النصر؛ لأن النص لم يتعرض لليل، وإنما نفينا الصوم بالليل؛ لأن الأصل أن لا صوم، وقامت الدلالة في النار خاصة على وجوب الصوم، فبقى الليل على حكم العقل. الحكم الثامن: لو قال الله تعالى:" صلوا، إن كنتم متطهرين " فإنه لا يمتنع أن يقبل خبر الواحد والقياس في إثبات شرط آخر للصلاة؛ لأن إثبات بدل الشرط لا يخرجه عن أن يكون شرطا؛ إذ لا يمتنع أن يكون للحكم شرطان؛ وليس كذلك إثبات صوم جزء من الليل؛ لأن ذلك يخرج أول الليل من أن يكون له غاية. وأما نفي كون الشرط الآخر شرطا، فلم يعلم إلا بالعقل، فلم يكن رفعه رفعا لحكم شرعي، والله أعلم. القسم الثالث فيما ظن أنه ناسخ قال القرافي: قال سيف الدين: منهم من قال: إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال، كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح؛ فهو نسخ، وإن لم يكن كذلك كزيادة عشرين جلدة على حد القذف، فلا يكون نسخا، وهو اختيار الغزالي.

стр. 2432

قوله: " إنما جعل أهل (العراق) زيادة صلاة على الصلوات نسخا لكونها تصير الوسطى غير وسطي ". تقريره: أن الصلاة الوسطى فيها ندب شرعي في المحافظة عليها تختص به دون سائر الصلوات، والندب حكم يقبل النسخ، واختلف العلماء في لفظ (وسطى)، هل هو من قول العرب: " فلان وسط في قومه "، أي: خيار، ومنه قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: خيارا عدولا أو هو من التوسط بمعنى آخر؟ وفيه مذاهب: قيل: من التوسط بين الصلوات، فتكون العصر؛ لتوسطها بين صلاتين قبلها: الصبح والظهر، وصلاتين بعدها: المغرب والعشاء. وقيل: لتوسطها بين الليل والنهار، فتكون الصبح؛ لأنها بينهما. وقيل: لتوسط عددها، فتكون المغرب؛ لأنها لا رباعية ولا ثنائية، بل ثلاثية الركعات، والمدرك عند الحنفية في حكم الندب كونها توسطت بين الصلوات، والتوسط بين الصلوات إنما يتصور إذا كانت الصلوات عددا فردا، أم الزوج فيتعذر التوسط فيه فإنك إذا قسمته نصفين لا يبقى شيء يتوسط، بخلاف العدد الفرد يفضل أبدا منه واحد يتوسط، فإذا زيد على الصلوات الخمس صلاة أخرى، الوتر أو غيرها صارت ستا، فيبطل وضع التوسط الذي هو مدرك الحكم، فيبطل الحكم، فقد استلزمت الزيادة نسخ هذا الحكم. قوله: " يلزم مثله في الأخيرة؛ فإن الزيادة تصيرها غير أخيرة ". قلنا: لا يلزمهم ذلك؛ فإن وصف كونها أخيرة لم يترتب عليه حكم شرعي يرتفع بخلاف الوسطى كما تقدم تقريره. قوله: " إن أفاد النص من جهة دليل الخطاب، أو الشرط خلاف ما أفادته الزيادة كانت الزيادة نسخاً ".

стр. 2433

تقريره: أن دليل الخطاب هو مفهوم المخالفة كما إذا قال ﵇: " في الغنم السائمة الزكاة "، ثم قال ﵇: " في المعلوفة الزكاة ". فإن دليل الخطاب ينفي مقتضى هذه الزيادة والشرط، كما لو قال ﵇: " في الغنم الزكاة إن كانت سائمة "، ثم يقول ﵇: " في الغنم المعلوفة الزكاة "، ومقصود هذا القائل أن النفي كان ثابتا بدليل شرعي، ورفع ما ثبت في الشرع، فيكون نسخا، وسيعلم أن هذا لا يصح، وأن تقرير الشرع للنفي بصريح اللفظ لا يكون المخالفة له بعد ذلك نسخا، فما عول على مدرك صحيح. قوله: " إن غيرت بعدم الإجزاء كان نسخا، وإلا فلا ". قلنا: وهذا المدرك أيضا ضعيف؛ لأن المرتفع هو الإجزاء الكائن قبل الزيادة، والإجزاء معناه أن الشرع لم يوجب ضم شيء آخر إليه، فهو يرجع إلى البراءة الأصلية، ورفع البراءة الأصلية ليس نسخا في إصطلاح العلماء، وهو المقصود هانا كما إذا قال القائل: من حج مرة واحدة أجزأ عنه، فقال له: لم يجزئ عنه، فيقول: لأن الله تعالى لم يوجب غيرها، فيشير إلى البراءة الأصلية، ويقول: من صام نصف رمضان لا يجزئ عنه، فيقال له: لم؟ فيقول: لأن الله تعالى أوجب صوم جملته، فظهر أن الإجزاء راجع إلى البراءة الأصلية، ورفعها ليس نسخا إجماعا. قوله: " إذا قال الله تعالى: " الثمانون كمال الحد " لا يقبل خبر الواحد في الزيادة ". تقريره: أن خبر الواحد هاهنا يرد لا لأجل النسخ؛ بل لأنه إذا تعارض تواتر وآحاد معلوم ومظنون، وليس بينهما عموم وخصوص، قدم المعلوم على المظنون.

стр. 2434

قوله: " تقييد الرقبة بالإيمان في معنى العموم فإن تراخي خبر الواحد، أو القياس لم يقبل في التقييد؛ لأنه عين النسخ، ولا ينسخ المتواتر بالآحاد ". قلنا: ليس عتق الكافرة كان يقرر بالقرآن، بل المطلق دل على القدر المشترك بين جميع الرقاب، والتخيير وقع بمقتضى العقل؛ فإن السيد إذا قال لعبده: " ائتني بدرهم " اقتضى العقل تخييره بين جميع الدراهم. وكما قال الله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: ١١٠]، ونحن نتخير بين بقاع الدنيا في إيقاع الصلاة فيها، ونتخير بين مياه الدنيا في الطهارة، لا أن ذلك التخيير بمقتضى القرآن المتواتر، بل الثابت بالقران هو الماهية المشتركة فقط، وإذا كان عتق الكافرة وغيرها من المحرمات والأنواع إنما هو بدليل العقل، كان لنا ان نقبل فيه خبر الواحد، وتراخيه لا يمتنع قبوله، كما إذا استمر في الشريعة ترك الصلاة أو غيرها من الأحكام مدة؛ لعدم ورورد الخطاب فيها، ثم ورد خبر واحد، فإنا نقبله، ولا نعده نسخا، فكذلك هاهنا، وكذلك نقول: التقييد ضد التخصيص؛ لأن التقييد زيادة على مقتضى النص مع توفية النص مقتضاه، والتخصيص تنقيص لمقتضى النص؛ لأنه إخراج بعض ما تناوله النص، فظهر حينئذ أن التقييد لم يعارض الأصل، فلا يكون ناسخا له؛ لأن من شرط الناسخ أن يكون معارضا، وأن المكنة من جميع أفراد المطلق ليس باللفظ بل بالعقل، وأن رفع الحكم ليس نسخا، وأن تأخر الخبر عن نص الإطلاق لا يوجب نسخا فيه، كالتأخر عن أصول الشريعة كلها وفورعها. قوله: " حظر قطع رجل السارق ثبت بالعقل ". قلنا: لا نسلم أن في رجل السارق حظرا؛ لأن قاعدتها أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرائع، وإذا انتفى مطلق الحكم انتفى الحظر وغيره، بل حظر النفوس والأعضاء إنما علم بالنصوص الشرعية، وقتلنا للناس قبل

стр. 2435

الشرائع كقتل السبع لزيد اليوم، فكما أن قتل السبع لا يوصف بالحظر ولا بغيره إلا بدليل السمع، فالحاصل أنا نساعدك على أنه ليس نسخا، لكن نمنعكم ثبوت الحظر فقط، بل لا حكم ألبتة، والخبر حينئذ مثبت بحكم أصلي، وكذلك القياس. قوله في الحكم الرابع: " إذا قال الله تعالى: هذا الفعل واجب وحده، أو لا يقوم غيره مقامه، فإن إثبات بدله لا يكون بالخبر، ولا بالقياس ". قلنا: إن أردتم أن هذا النفي في وجوب الغير، وعدم قيامه مقام الواجب معلوم بالتواتر، فلا يرفع بخبر الآحاد؛ لأن تقديم المعلوم على المظنون متعين؛ لأنه من باب النسخ فهذا مسلم، وإن أردتم أنه من باب نسخ المعلوم بالمظنون، فممنوع؛ لأن الإخبار عن عدم الحكم، وعن البراءة الأصلية لا يكون حكما شرعيا، بل خبر صرف، يدل على ذلك أن الله تعالى لو بعث رسولا فقال: " إن الله تعالى يخبركم أنه لا يكلفكم في هذه السنة، وأن أفعالكم لا حكم لها عنده، بل تجري مجرى أفعال البهائم " ثم طرأ بعد ذلك حكم في هذه السنة لم يكن ذلك نسخا لعدم الحكم الشرعي السابق، ويجعله إما تخصصا أو إطلاقا، فاللفظ (السنة) على بعضها من باب إطلاق الجزء على الكل، ويحتمل أن يكون نسخا لعدم تقدم الحكم. قوله: " التخيير بين العبادة وغيرها ليس نسخا؛ بناء على أن عدم البدل يرجع إلى عدم مشروعيته وهو مشكل؛ لأن التخيير بين الواجب وغيره يسقط وجوب الخصوص، والخصوص والعموم أمران متغايران، وجوب أحدهما غير وجوب الآخر، فيكون ذلك نسخا كما لو نسخ تعين الظهر في إقامتها بعد الزوال، وبهذا يظهر الفرق بين هذا المثال، وبين إيجاب الصوم إلى الزوال، وما معه من النظائر؛ لأن المرفوع في تلك النظائر البراءة الأصلية،

стр. 2436

وهاهنا وجوب الوجوب حكم شرعي، ولذلك نقول: تقرير الشرع عدم الحرج في المباح حكم شرعي؛ لأن العقل كان يجوز أن الله تعالى يعاقب قبل الشرائع، فإذا أتى الشرع بعدم الحرج، فقد أنشأ ما لم يكن، وهو تعيين عدم وقوع ذلك الجائز، وهو يدل على الإباحة القائمة بذات الله تعالى التي هي حكم شرعي، وقبل ذلك ما كنا ندري، ما أقام بذات الله تعالى. قوله: " إذا زاد الله تعالى ركعة في الصلاة كان ذلك نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين ". قلنا: كان الشيخ شمس الدين الخسروشاهي يمنع في هذا الموضع، ويقول: لم يوجب الله تعالى التشهد في آخر الصلاة لكونه عقيب ركعتين، بل لكونه آخر الصلاة، ولذلك إنا نتشهد عقيب ركعتين في الصبح، وعقيب ثلاث في المغرب، وعقيب أربع في الظهر، والمقصود في الجميع آخر الصلاة، وإذا كان التشهد إنما شرع آخر الصلاة، فإذا تشهدنا بعد الزيادة، فقد تشهدنا آخر الصلاة، فما ارتفع حكم شرعي بتأخير التشهد، بل المرتفع حكم عقلي، وهو عدم وجوب الزيادة بوجوبها، وأما التشهد والسلام فلم يرتفع من أحوالهما شيء هو حكم شرعي ألبتة. قوله: " ليست الزيادة ناسخة لإحدى الركعتين المتقدمتين؛ لأنهما مجزيتان مع الزيادة ". قلنا: لو لم يصيرا مجزيتين لم يكن ذلك نسخا؛ لأن الإجزاء في الفعل معناه أن الذمة تبقى بعد بريئة، وبراءتها بعده ترجع لعدم التكليف، وعدم التكليف ليس حكما شرعيا، فرفع الإجزاء ليس نسخا، وهذا المنع يرجع إلى قاعدة أن الأمر يدل على الإجزاء أم لا؟.

стр. 2437

فإن قلنا: " لا يدل " كان أشد؛ لوروده. وإن قلنا: " يدل " فمعناه أن الأمر اقتضاء أن ذلك الفعل سبب للبراءة، ودلالة لفظ الشرع على أن الفعل سبب هل هو من خطاب الوضع بالأسباب، والشروط، والموانع، فيكون رفع الإجزاء رافعا للسببية، فيكون نسخا؟. أو معناه أن ذلك لازم للوجوب بمعنى أن من لوازم إيجاب الشيء كون ذلك الواجب سببا للبراءة منه، ويكون هذا اللازم كلزوم العقاب للترك، وليس من باب خطاب الوضع، فلا يكون الإخبار بعد ذلك به نسخا؛ لأن ذلك اللازم ليس حكما شرعيا، كما لو قال: " لأعاقبنكم على ترك هذا الواجب، واعملوا ما شئتم، فمغفور لكم "، فإن ذلك ليس نسخا، والموضوع محتمل لهذا البحث، والأخير هو الذي يرجح عندي؛ لأن الإجزاء عن الأوامر ثابت قبل الشرع بمقتضى اللغة، فكل من أمر عبده قبل الشرع، فإن العبد إذا فعل ذلك الواجب بريء منه، وأجزأ عنه، وما هو ثابت قبل الشرع لا يكون حكما شرعيا. قوله: " إذا زيدت ركعة بعد التشهد، وقبل التحلل، فإنه يكون نسخا؛ لوجوب التحلل بالتسليم، وذلك حكم شرعي ". قلنا: هاهنا منع الخسروشاهي في أن التحلل إنما شرع آخر الصلاة، فلم يتغير من السلام شيء لا في وجوبه، ولا في ندبيته، وأما اتصاله بالتشهد، فلم يتعرضوا له وهو موضوع بحث، فإن ثبت بدليل شرعي أن الموالاة بينهما مطلوبة، كان شرعية ركعة بينهما نسخا لطلب تلك الموالاة، وإن كان معنى تلك الموالاة أن الشرع لم يشرع بينهما فعلا آخر لم يكن نسخا؛ لأنه رافع لحكم العقل، والأول هو الظاهر، وأن الشرع طلب الموالاة بينهما كما طلب الموالاة بين الركعات. قوله: " وإن علمنا عدم هذه الأشياء بالضرورة من دين محمد لم يجز رفعه بالخبر الواحد والقياس ".

стр. 2438

تقريره: أن هذا ليس نسخا، وهو الظاهر من كلام المصنف؛ فإنه لم يصرح بالنسخ، بل بامتناع الرفع، فيكون من باب وجوب تقديم المعلوم على المظنون فقط، ولا تعلق له بالنسخ. قوله: " إذا أوجب الصوم إلى الشفق بعد إيجابه إلى الليل يكون نسخا؛ لأنه يخرج أوله عن أن يكون ظرفا للصوم مع أنه معلوم بقاطع، فلا يقبل منه خبر الواحد ". قلنا: هذا الكلام يشعر بأن ما ثبت بدليل قاطع يكون نسخا، وأن مرادكم في الكلام الذي قبل هذا في نفي الشروط وغيرها يكون نسخا، وليس كذلك في الجميع. أما ما تقدم فقد قررته، وأما هذا فلأن كون أو الليل ظرفا للصوم له معنيان: أحدهما: وجوب الإمساك في ذلك الجزء؛ ليتيقن انقضاء النهار. وثانيهما: أنه لا وجوب بعده حتى يكون هو ظرفا. أما الأول فلو رفع لكان نسخا له، لكنه لم يرفع؛ لأن التقدير أنه أوجب استمرار الصوم للشفق، فذلك الوجوب ثابت، وزيد عليه. وأما الثاني فليس نسخا؛ لأن عدم وجوب الغير حكم عقلي، فرفعه لا يكون نسخا، وليس في كونه ظرفا إلا هذين المعيين، ويصير هذا القسم مثل القسم الذي بعده إذا قال: صم هذا النهار فقط، وقد سلمتم أنه ليس نسخا. قوله: " إذا قال الله تعالى: " صلوا إن كنتم متطهرين " لا يمنع إثبات شرط آخر بخبر الواحد؛ لأن إثبات بدل الشرط لا يخرجه عن أن يكون شرطا، إذ لا يمتنع أن يكون للحكم الواحد شرطان ".

стр. 2439

قلنا: هذه العبارة غير منتظمة؛ لأن الشرط الثاني لو كان بدلا عن الأول لم تكن للعبادة شرطان، بل أحدهما لا بعينه، بل العبارة المنتظمة أن تقولوا: " لأن إثبات شرط مع الشرط لا يخرجه عن كونه شرطا "، وقد كشفت عدة نسخ، فوجدت العبارة هكذا. (تنبيه) قال التبريزي خلاف ما قال المصنف فقال: قطع يسار السارق في الثانية، ورجله في الثالثة ليس نسخا لآية السرقة ، بل مخصص لها، والدليل الحظر، وإيجاب إتمام الصوم للشفق ليس نسخا؛ لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] ولا تدل على تحريم إمساك ما بعده، وإباحته مستفادة من النفي الأصلي، وزيادة ركعة على ركعات الصلاة نسخ لأصل تلك العبادة؛ لأن الأربع ليست ثلاثا وزيادة؛ بدليل أنه لو سلم من ثلاث لم يجزه عن بقيتها، بل عليه الأربع، فإذا هي عبادة أخرى، وقد نسخت الأولى بخلاف الزيادة في أعضاء الوضوء، فإنها لا ترفع إجزاء الأولى عن نفسها، وزيادة شرط في العبادة الأشبه أنه نسخ لأصل تلك العبادة؛ لأنه لم يبق لمجرد العقل دون الشرط حكم، وقد كان مأمورا به مجزئا، وقد زال ذلك أصلا، هذا إذا استقر حكم العبادة في الوجوب والإجزاء. أما إذا ورد مطلق الأمر فلا، لجواز أن يكون أطلق وهو مشروط، ويكون إزالة ظاهر لا غير. قلت: قوله: قطع رجل السارق مخصص لآية السرقة، ولدليل الحظر ". ممنوع في آية السرقة؛ لأن هذا زيادة على مدلولها فإنها إنما دلت على قطع الأيدي، والزيادة ليست تخصيصا؛ لأن من شرط التخصيص المنافاة، والإخراج، والتنقيص، وهذا عكسه.

стр. 2440

أما دليل الحظر فصحيح، وكلامه يشعر بأن الحاظر سمعي، خلاف ما قاله المصنف: إنه عقلي. وقوله: " زيادة ركعة نسخ لأصل تلك العبادة ". ممنوع. قوله: " الأربع ليست ثلاثا ". قلنا: المفهوم من هذا المركب غير المفهوم المتصور من المركب الآخر في الهيئة الصورية، ولكن إبطال مثل هذا لا يسمى نسخا حتى يكون المرفوع حكما شرعيا، أما هيئة صورية تركيبية فلا، وأما كون الأول لا يجزئ، وكانت تجزئ، فإجزاؤها تابع لعدم اشتراط إجزاء، وهو حكم عقلي، فرفعه ليس نسخا. وقوله: " زيادة شرط نسخ لأصل تلك العبادة؛ لأنه لم يبق لمجرد العقل دون الشرط حكم ". قلنا: هذا تابع للإشراط الرافع لعدم الاشتراط الذي هو حكم عقلي، فلا نسخ. قال سراج الدين على قول صاحب الكتاب: " من قال بأن الشاهد واليمين ناسخ لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يلزمه أن يكون الوضوء بالنبيذ ناسخا لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣]. قال: ولقائل أن يقول: حظر ترك الواجب معلوم من لفظ الأمر؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب.

стр. 2441

قلت: يريد أن قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم ...﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] صيغة أمر تقتضي أن العدول عنه يقتضي العقاب، فالعقاب معلوم بدليل سمعي، فرفعه نسخ، ويرد عليه أن التيمم أيضا صيغة أمر فالمسألتان سواء، والإلزام صحيح. ***

стр. 2442

المسألة الثانية قال الرازي: لا شك في أن النقصان من العبادة نسخ لما أسقط ، ولا شك في أن ما لا تتوقف عليه صحة العبادة لا يكون نسخه نسخا للعبادة؛ كما لو قال: " أوجبت الصلاة والزكاة " ثم قال: " نسخت الزكاة ". أما الذي تتوقف صحة العبادة عليه، فذلك قد يكون جزءا من ماهية العبادة، وقد يكون خارجا عنها، واختلفوا فيه، فقال الكرخي: نقصان ما تتوقف العبادة عليه، سواء كان جزءا، أو خارجا، لا يقتضي نسخ العبادة، وهو المختار. وقال القاضي عبد الجبار: نقصان الجزء يقتضي نسخ الباقي، ونقصان الشرط المنفصل لا يقتضي نسخ الباقي. فتقول: الدليل عليه: أن نسخ أحد الجزءين لا يقتضي نسخ الجزء الآخر، وذلك؛ لأن الدليل المقتضي للكل كان متناولا للجزئين، فخروج أحد الجزءين لا يقتضي خروج الجزء الآخر، كسائر أدلة التخصيص. واحتجوا: بأن نقصان الركعة من الصلاة يقتضي رفع وجوب تأخير التشهد، ونفي إجزائها من دون الركعة؛ لأن قبل النسخ ما كان تجوز الصلاة من دون هذه الركعة. وأيضا: إن كانت الركعة، لما نسخت، أوجبت علينا أن نخلي الصلاة منها فقد ارتفع إجزاء الصلاة، إذا فعلناها مع الركعة المنسوخة، وإجزاء الصلاة مع الركعة قد يكون حكما شرعيا؛ فجاز أن يكون رفعه نسخاً.

стр. 2443

والجواب: أن هذه أحكام للركعة الباقية، مغايرة لذاتها؛ فكان نسخها مغايرًا لنسخ تلك الذات. وأما نقصان الشرط المنفصل من العبادة، فلا يقتضي نسخ العبادة؛ لأنهما عبادتان، فإذا نسخ إحداهما؛ لدليل مقصورٍ عليها، لم يجز نسخ الأخرى. فعلى هذا: نسخ الوضوء لا يكون نسخًا للصلاة، بل نفي الإجزاء مع فقد الطهارة قد زال؛ وذلك لأن الصلاة ما كانت تجزئ بلا طهارةٍ، فإذا نسخ وجوب الطهارة صارت مجزئةً، وارتفع نفي إجزائيها، فإن أراد الإنسان بقوله: (إن نسخ الوضوء يقتضي نسخ الصلاة) هذا المعنى - فصحيح، لكن الكلام موهم؛ لأن إطلاق القول بأن الصلاة منسوخة هو أنه قد خرجت عن الوجوب، أو عن أن تكون عبادةً، والله أعلم. المسألة الثانية النقصان من العبادة نسخ لما أسقط قال القرافي: قال سيف الدين: اتفقوا على أن نسخ سنة من السنن، كنسخ ستر الرأس؛ والوقوف على يمين الإمام، لا يكون نسخا لتلك العبادة، أما ما تتوقف عليه العبادة فثلاثة أقوال: لا يكون ناسخا. وقال بعض المتكلمين: إنه نسخ مطلقًا، وإليه مال الغزالي. ومنهم من فصل بين الجزء والشرط.

стр. 2444

قال الغزالي في (المستصفي): (نسخ بعض العبادة، أو شرطها، أو سنة من سننها هل هو نسخ؟) وحكي الخلاف، ولم يفرق، ونص فيه على السنة خلاف سيف الدين. قوله: (قال القاضي عبد الجبار: نسخ الجزء يقتضي نسخ الباقي، بخلاف الشرط). تقريره: أن الجزء داخل في الماهية، فإسقاطه يغيرها، والشرط خارجي، فالماهية تبقي على صورتها، وتركيبها، ونظامها، فهذا منه يحسن فرقًا، ولا يحسن دليلا، لما سيأتي في أن الكل سواء. قوله: (نقصان الركعة يقتضي رفع وجوب تأخير التشهد). قلنا: تقدم منع الشيخ شمس الدين الخسر وشاهي أن التشهد والسلام لم يشرعا إلا عقيب الصلاة في آخرها كيف كانت، وعددها أي عدد كان، وكذلك نفس الحال فيها آخر الصلاة. قوله: (ويرفع التنقيص نفي إجزاء الصلاة من دون الركعة). قلنا: كونها لا تجزئ بدون الركعة التي كانت واجبةً ذلك يرجع إلى وجوب الركعة التي أنقصت، ونحن نسلم أن رفع وجوب تلك الركعة نسخ، فيتبعه عدم الإجزاء، وأن يقع تبعًا له، فالإجزاء وعدمه أيدًا لا يكونان إلا تابعين، فالإجزاء يتبع الحكم العقلي، وعدم الإجزاء يتبع الحكم الشرعي، فرفع ذلك العدم إنما يكون برفع ذلك الحكم الشرعي، وهو هاهنا الوجوب الذي في الركعة التي نقصت، ولا نزاع فيها، وبه يظهر الجواب عن قوله: ارتفع إجزاء الصلاة مع الركعة المنسوخة؛ لأن إجزاءها معه كان تابعًا لوجوب الركعة المنسوخة، فالإجزاء وعدمه ليس حكمًا شرعيًا أبدًا. ويدلك على ذلك تفسيرنا له أول الكتاب بأنه (موافقة للأمر)، أو (عدم القضاء) على

стр. 2445

المذهبين، وموافقة الأمر نسبة بين الفعل والأمر عدمية، وعدم القضاء عدم ورود نص بإيجابه، والحكم الشرعي إنما هو خطاب الله الوجودي المتعلق على وجهٍ خاص، فالإجزاء ليس حكمًا شرعيًا، بل نسبة عدمية اعتبارية، وعدمه عدم تلك النسبة، والنسب وعدمها ليست أحكامًا شرعية. قوله: (هذه أحكام الركعة الباقية مغايرة لذاتها، فكان نسخها معايرًا لنسخ تلك الذات). تقريره: أن هذه العبارة من أشكل عبارات الكتاب، وقد حصل فيها عدم إبانة عن المقصود، والمصنفون - لنفوسهم أحوال من القبض والبسط بحسب عوارض الدنيا، ففي وقت البسط تكون عباراتهم في غاية الكمال اللائق بهم، وفي وقت القبض تشوش، ومن اعتبر الكتب وجد فيها ذلك كثيرًا في جميع الفنون، حتى كأن المتكلم في العبارة الثانية غير المتكلم في العبارة الأولى قطعًا، وهو يشير بقوله: (هذه أحكام الركعة الباقية) إلى وجوب تأخير التشهد، وعدم إجزائها بدون الركعة المنسوخة، وإجزاء الصلاة مع اشتمالها على الركعة المنسوخة، فقال: هذه الأحكام مغايرة للركعة الباقية في نفسها، وإن كانت هذه الأحكام مضافة لها، ونسخ أحد المتغايرين لا يلزم منه نسخ الآخر، فالركعة الباقية لا نسخ فيها. (تنبيه) اختار التبريزي أن نسخ الجزء نسخ للعبادة . قال: ودليله أن الأربع نسخ وجوبها وإجزاؤها، واستؤنف إيجاب ركعتين، وليستا بعض تلك الأربع؛ بدليل أنه لو صلى الآن أربعًا لم يجزه، ولو كانت الأربع ركعتين وزيادة، فأسقطت الزيادة مع بقاء أصلها لوجب أن تجزئ كما لو زاد على عدد الجلدات، ثم قال: قال المصنف: ما يقتضي كلا الجزءين يقتضي كل واحد منهما، فإذا خرج أحدهما كان تخصيصًا.

стр. 2446

قال: قلنا: هذا غلط؛ فإن المقتضى للكل لا يقتضي كل واحد بما هو ذاك الواحد، وإنما يقتضي كل واحد حين كونه جزءًا لذلك الكلى، ضرورة اقتضاء الكل بما هو كل، فإذا انفصل لم يكن مقتضى. قال: وهذا بخلاف نسخ الشرط، إلا أن يحرم فعلها الآن مع ذلك الشرط، وإن كان فعلها قبل نسخ الشرط حرامًا بدون الشرط، فيكون ذلك نسخًا لأصلها. قلت: قوله: (الأربع يرجع نسخ وجوبها إلى نسخ الركعتين المنسوختين، فإن إيجاب الأربع معناه تجب اثنتان واثنتان) ونحن نسلم أن نسخ الاثنتين حصل، فلزم عنه صدق عدم وجوب الأربع. وقوله: (استؤنف إيجاب ركعتين) ممنوع، بل إيجاب ركعتين ما زال، وإنما حرم فعلها الآن مع المنسوختين، كتحريم الزيادة في الصلاة لا لعدم إيجاب الركعتين الباقيتين، وبه يظهر الفرق بين الزيادة في الصلاة، والزيادة في الجلدات؛ فإن زيادة الجلدات لم يحرم ضمها، بل حرمت الزيادة في ذاتها لكونها إضرارًا بالمجلود، لا نفس الضم، وفي الصلاة إنما حرم نفس الضم لا نفس الركعتين عكس الجلد سواء. قوله: (إن المصنف قال: إن ذلك الإخراج يكون تخصيصًا) لم أره للمصنف، فلعله وجده في نسخه وقعت له، وتأول عليه كلامه بهذا الذي قاله. * * *

стр. 2447

القسم الرابع في الطريق الذي به يعرف كون الناسخ ناسخًا، والمنسوخ منسوخًا قال الرازي: قد يعلم ذلك باللفظ تارةً، وبغيره أخرى: أما اللفظ: فهو: أن يوجد لفظ النسخ: إما بأن يقول: هذا منسوخ، أو يقول: ذاك ينسخ هذا. وأما غير اللفظ: فهو: أن يأتي بنقيض الحكم الأول، أو بضده، مع العلم بالتاريخ: مثال النقيض: قوله تعالى:﴾ الآن خفف الله عنكم ﴿[الأنفال: ٦٦] فإنه نسخ لثبات الواحد للعشرة؛ لأن التخفيف نفى للثقل المذكور. ومثال الضد: التحويل من قبلةٍ إلى أخرى؛ لأن التوجه إلى الكعبة ضد التوجه إلى بيت المقدس. وأما التاريخ: فقد يعلم باللفظ، أو بغيره: أما اللفظ: فكما إذا قال: أحد الخبرين قبل الآخر. وأما غير اللفظ: فعلى وجوهٍ. أحدها: أن يقول: هذا الخبر ورد سنة كذا، وهذا في سنة كذا. وثانيها: أن يعلق أحدهما على زمان معلوم التقدم، والآخر بالعكس؛ كما لو قال: كان هذا في غزاة بدر، والآخر في غزاة أحد، وهذه الآية نزلت قبل الهجرة، والأخرى بعدها.

стр. 2448

وثالثها: أن يروى أحدهما رجل متقدم الصحبة لرسول الله ﷺ ويروى الآخر رجل متأخر الصحبة، وانقطعت صحبة الأول للرسول، ﵇، عند ابتداء الآخر بصحبته؛ فهذا يقتضي أن يكون خبر الأول متقدمًا، أما لو دامت صحبة المتقدم مع الرسول، ﵊، لم يصح هذا الاستدلال. ويتفرع على هذا الأصل مسائل: مسألة: قال القاضي عبد الجبار: الصحابي إذا قال في أحد الخبرين المتواترين: (إنه كان قبل الآخر) قبل ذلك، وإن لم يقل قوله في نسخ المعلوم؛ كما تقبل شهادة الشاهدين في الإحصان، الذي يترتب عليه الرجم، وإن لم يقبل في إثبات الرجم، وكما يقبل قول القابلة في الولد: إنه من إحدى المرأتين، وإن كان يترتب على ذلك ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش، مع أن شهادة المرأة لا تقبل في ثبوت النسب. قال أبو الحسين، ﵀: هذا يقتضي الجواز العقلي، في قبول خبر الواحد في تاريخ الناسخ، ولا يقتضي وقوعه إلا إذا تبين أنه يلزم من ثبوت أحد الحكمين ثبوت الآخر. مسألة: إذا قال الصحابي: (كان هذا الحكم، ثم نسخ) كقولهم: (إن خبر: (الماء من الماء) نسخ بخبر التقاء الختانين) لم يكن ذلك حجةً؛ لأنه يجوز أن يكون قاله اجتهادًا؛ فلا يلزمنا. وعن الكرخي: أن الراوي إذا عين الناسخ؛ فقال: (هذا نسخ هذا)، جاز أن يكون قاله؛ اجتهادًا؛ فلا يجب الرجوع إليه.

стр. 2449

وإن لم يعين الناسخ، بل قال: (هذا منسوخ) وجب قبوله؛ لأنه لولا ظهور النسخ فيه، لما أطلق النسخ إطلاقًا. وهذا ضعيف؛ فلعله قاله لقوة ظنه في أن الأمر كذلك، وإن كان قد أخطأ فيه، والله أعلم بالصواب. القسم الرابع في معرفة النسخ قال القرافي: قوله: (يعرف النسخ بالإتيان بالنقيض أو الضد). يريد في الوقت الذي يتعين للأصل المنسوخ. قوله: (لو دامت صحبة الأول لم يصح هذا الاستدلال). تقريره: أن المتقدم الصحبة إذا دامت صحبته قد يروى حديثًا بعد الذي رواه المتأخر الصحبة، فلا يدل تقدم الصحبة على تأخر الحديث. قوله: (يقبل قول الصحابي في أن هذا المتواتر قبل ذلك المتواتر، كما يقبل الاثنين في الإحصان دون الزنا، والمرأة في أن الولد من هذا المرأة). تقريره: أن التقدم شرط النسخ، والإحصان شرط اعتبار الرجم، والولادة شرط ثبوت النسب، فقاس أحدهما على الآخر. قوله: (هذا يقتضي الجواز العقلي دون الوقوع حتى يتبين اشتراك الجميع في مدرك الحكم). تقريره: أن هذه أبواب متباينة جدًا، فلعل المخالفة في أحدها بين أصله، وفرعه لمعنى يخصه، فلابد أن يبين التسوية في المدرك حتى يحصل الاستواء في الحكم. قوله: (إذا لم يذكر الناسخ يقبل، بخلاف إذا عينه).

стр. 2450

تقريره: أن هذه المسألة تشبه قول من قال: المرسل أقوى من المسند؛ لأنه لما لم يعين راوي الحديث، فقد نذممه، وما نذممه إلا وقد رضيه لدينه بخلاف إذا لم يذممه، فقد خلى بين الناس وبين النظر فيه، فهو أضعف. (تنبيه) زاد التبريزي فقال: المتقدم الصحبة يفيد التقدم إن قال: سمعه من رسول الله ﷺ وإلا فل ا؛ لاحتمال أن المتأخر سمعه من راوٍ متقدم على المتقدم. قال: وإذا قال الصحابي: (نسخ حكم كذا) كان حجة عند جماعة من الأصوليين. قال: خلا المصنف وجماعة. (مسألة) قال سيف الدين: إذا نسخ حكم أصل القياس هل يبقي حكم الفرع ؟ قاله بعض الحنفية، ومنعه الباقون؛ لأن ثبوت الحكم في الفرع تابع؛ فينتفي عند انتفاء المتبوع لبطلان العلة حينئذ؛ لأنها استنبطت من الأصل، وقد بطل. احتجوا بأنه يلزم من رفع حكم الفرع أن يكون بالقياس على حكم الأصل؛ لأنه ارتفع تابعًا له، والنسخ بالقياس يمتنع كما تقدم؛ ولأن نفى الفرع لنفى الأصل إنما يلزم إذا كان الحكم بعد ثبوته يفتقر إلى المؤثر، وليس كذلك؛ ولأن الولد يتبع أباه في الإسلام والكفر حالة صغره، ولو زال إسلام الأب بالردة لم يرد إسلام الولد. والجواب عن الأول أن رفع الحكم كان بالقياس على رفعه في الأصل،

стр. 2451

وإلا افتقر إلى علة جامعة نافية لهما، وليس كذلك، بل ارتفع لانتفاء علته لا للعلة النافية. وعن الثاني: أن دوام الأمر إن أحوج لدوام المؤثر، فهو المطلوب، وإلا فلا خلاف بين الفقهاء في أنه وإن لم يفتقر الحكم في دوامه إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه أنه لابد من دوام احتمال الحكمة، حتى أنه لو انتفت حكمة الحكم قطعًا امتنع بقاؤه بعدها، وإذا كان لابد من دوام احتمال الحكمة، فلابد من أن تكون معتبرةً؛ لاستحالة بقاء الحكم بحكمة غير معتبرة، وينسخ حكم الأصل إن زال اعتبارها، وانتفاء ما لابد منه في دوام الحكم يوجب نفيه. وعن الثالث لا نسلم أن إسلام الأب علة لإسلام الابن حتى يلزم الانتفاء عند الانتفاء؛ ولأن دوام إسلام الأب معتبر في دوام إسلام الابن ليلزم من انتفائه انتفاؤه. (مسألة) قال سيف الدين: لا أعرف خلافًا أن الناسخ إذا كان مع جبريل ﵇ لم ينزل به للنبي ﵇ لم يثبت حكمه في حق المكلفين ، بل هم في التكليف بالحكم الأول على ما كانوا عليه قبل إلقاء الناسخ إلى جبريل ﵇. وإنما الخلاف إذا ورد إلى النبي ﵇ ولم يبلغ الأمة هل يتحقق النسخ في حقهم أم لا؟ أثبته بعض الشافعية، ونفاه بعضهم، وبه قال الحنفية، وابن حنبل.

стр. 2452

قال: وهو المختار؛ لأن النسخ له لازم، وهو ارتفاع حكم الخطاب السابق، وامتناع الخروج بالفعل الواجب عن العهدة، ولزوم الإتيان بالفعل الواجب الناسخ للإثم بتركه، والثواب على فعله، وهذه اللوازم منتفية، فينتفي الملزوم، وكذلك لزم أهل (قباء) الدخول في الصلاة لبيت المقدس، واعتد النبي ﵇ لهم بالركعات المتقدمة قبل إتمام الصلاة بعد نزول الوحي قبل بلوغه إليهم، ولقوله تعالى:﴾ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴿[الإسراء:١٥]،﴾ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ﴿[القصص:٥٩]، ولأنهم إن صلوا إلى الكعبة قبل وصول الناسخ لهم أتموا، ولم يخرجوا عن العهدة. احتجوا بعزل الوكيل؛ فإن تصرفه لا ينقذ، وإن لم يبلغه العزل؛ ولأن النسخ إسقاط، فلا يعتبر فيه العلم والوصول كالطلاق والعتاق؛ ولأنه لو قال: (أبحت ثمرة بستاني) أبيح لكل من لم تبلغه الإباحة؛ ولأن النسخ بالناسخ لا بالعلم. والجواب عن الأول: منع الحكم. وعن الثاني: الفرق أن هاهنا يرفع حكم خطاب سابق، بخلاف هاهنا. وعن الثالث: منع الحكم. وعن الرابع: أن العلم شرط لا أنه الناسخ. وحكي الغزالي في (المستصفى)، والإمام في (البرهان) الخلاف في النسخ في حق من لم يبلغه الناسخ، ولم يتعرضوا لكون النبي ﵇ بلغه الكل، أو البعض، أو لم يبلغه لأحد.

стр. 2453

وقال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): متى وصل الوحي للنبي ﵇ ثبت حكمه في حقه هو؛ لكونه بلغه، وهذا الحرف لم يتعرض إليه (الإحكام)، ولا من ذكر معه، وإنما تعرضوا للخلاف في حق غير النبي ﵇. (مسألة) قال سيف الدين: اتفق العلماء على رفع جميع التكاليف بإعدام العقل الذي هو شرط في التكليف، واختلفوا في أمرين: الأول: جواز نسخ معرفة الله - تعالى - وشكر المنعم، وتحريم الكفر، والكذب، والظلم، وكل ما حسنه وقبحه لذاته، فمنعه المعتزلة على أصولهم في وجوب رعاية المصالح والحكمة. الثاني: إذا جاز نسخ هذه الأحكام، فبعد أن كلف الله - تعالى - العبد هل يجوز أن ينسخ عنه جميع التكاليف اختلفوا فيه، واختار الغزالي المنع؛ بناء منه على أن المنسوخ عنه يجب عليه معرفة الناسخ والنسخ، والدليل المنصوب عليه، فهذا النوع من التكليف؟ لا يمكن نسخه عنده، وقال: ويرد عليه أنا وإن قلنا بأن النسخ لا يمكن حصوله في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ، فلا يمتنع تحقق النسخ بجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ، وأن يكون مكلفًا بمعرفة النسخ. (مسألة) قال الغزالي في (المستصفى): يجوز نسخ المنطوق باجتهاد النبي ﵇ وقياسه ، وإن لم يكن بيانا بلفظ ذي صيغة وصورة يجب نقلها

стр. 2454

(مسألة) قال الغزالي في (المستصفي): لا يجوز نسخ منطوق النص القاطع بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد، كان جليًا أو خفيًا، خلافًا لمن شذ فقال: ما جاز التخصيص به جاز النسخ به ، وهو منقوض بدليل العقل، والإجماع، وخبر الواحد، وقد تقدمت الفروق بين النسخ والتخصيص. قال: وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز بالجلي النسخ. قال: ولفظ الجلى مبهم، فإن أراد به المقطوع فمسلم، وإلا فلا، والذي يتوهم فيه القطع ثلاث مراتب: الأولي: ما يجري مجرى النص، وأوضح منه، كقوله تعالى:﴾ فلا تقل لهما أف ﴿[الإسراء:٢٣]؛ فإن تحريم الضرب مدرك منه، فلو كان تقدم النص بإباحة الضرب لكان نسخًا؛ لأنه أظهر من المنطوق. الثانية: لو تقدم نص بأن العتق لا يسري، ثم ورد قوله ﵇: (من أعتق شركًا له في عبد .... الحديث)، فتقاس الأمة على العبد، وهو مقطوع للعلم بقصد الشارع المملوكية. الثالثة: أن يرد نص بإباحة النبيذ، ثم يقول الشارع: حرمت الخمر، فيقاس عليه النبيذ إن تعبدنا بالقياس. وقال قوم: وإن لم نتعبد بالقياس نسخنا أيضًا؛ إذ لا فرق بين قوله: حرمت كل مسكر، وبين قوله: حرمت الخمر لسكرتها، وكذلك أقر النظام بالقياس على العلة المنصوصة مع إنكاره أصل القياس، ودليل كون المظنون لا ينسخ المقطوع سمعي لا عقلي، وهو انعقاد الإجماع على بطلان كل قياس يخالف النص.

стр. 2455

وقول معاذ: (أجتهد رأيي) بعد ذكر النصوص وعدمها. (مسألة) قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): لا يجوز النسخ إلا في التكاليف بما يصح وقوعه على وجهين كالعبادات ، فيصح أن الصوم يصح بالليل بدلا عن النهار، ويصح بالنهار بدلا عن الليل، والتوجه للكعبة وغيرها. أما ما لا يصح وجوده إلا على وجهٍ واحدٍ كالتوحيد وصفات الذات ونحوه، فإن النسخ فيه لا يجوز. قلت: ولم يحك في هذا خلافًا، ولا يبعد رده إلى المسألة التي حكاها سيف الدين عن المعتزلة: حسنه لذاته كالعدل، وقبحه لذاته كالظلم، ولا يلزم من كون التوحيد واجب الوجود وصفات الذات، وأنها واجبة - أن تكون كذلك، ولا يقبل إلا وجهًا واحدًا، أن يكون التكليف بها واقعًا، فعندنا قبل البعثة لم يقع التكليف بها كما تقدم أول الكتاب، وإذا أمكن عدم التكليف بها، فقد قبلت الوجهين باعتبار التكليف، لا باعتبارها في أنفسها التكليف وعدمه، وإذا قبلت التكليف وعدمه قبلت أيضًا التكليف بتحريم اعتقادها بناء على أصلنا في جواز تكليف ما لا يطاق؛ فإنه عندنا بناء على هذا الأصل يجوز التكليف بتحريم اعتقاد كون الواحد نصف الاثنين ونحو ذلك، وإذا تصور التكليف بتحريم اعتقادها تصورت الأحكام الخمسة فيها، فأمكن التنقل بينها كلها بالنسخ، فما قاله ﵀ غير متجه، مع أنه صمم عليه، فلم يحك فيه خلافًا، وظاهر كلامه في (اللمع) يقتضي أنه مجمع عليه. (مسألة) قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): الصحيح من المذهب جواز النسخ بدليل الخطاب؛ لأنه في معنى النطق .
следующие страницы →