← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وإلا افتقر إلى علة جامعة نافية لهما، وليس كذلك، بل ارتفع لانتفاء علته لا للعلة النافية. وعن الثاني: أن دوام الأمر إن أحوج لدوام المؤثر، فهو المطلوب، وإلا فلا خلاف بين الفقهاء في أنه وإن لم يفتقر الحكم في دوامه إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه أنه لابد من دوام احتمال الحكمة، حتى أنه لو انتفت حكمة الحكم قطعًا امتنع بقاؤه بعدها، وإذا كان لابد من دوام احتمال الحكمة، فلابد من أن تكون معتبرةً؛ لاستحالة بقاء الحكم بحكمة غير معتبرة، وينسخ حكم الأصل إن زال اعتبارها، وانتفاء ما لابد منه في دوام الحكم يوجب نفيه. وعن الثالث لا نسلم أن إسلام الأب علة لإسلام الابن حتى يلزم الانتفاء عند الانتفاء؛ ولأن دوام إسلام الأب معتبر في دوام إسلام الابن ليلزم من انتفائه انتفاؤه. (مسألة) قال سيف الدين: لا أعرف خلافًا أن الناسخ إذا كان مع جبريل ﵇ لم ينزل به للنبي ﵇ لم يثبت حكمه في حق المكلفين ، بل هم في التكليف بالحكم الأول على ما كانوا عليه قبل إلقاء الناسخ إلى جبريل ﵇. وإنما الخلاف إذا ورد إلى النبي ﵇ ولم يبلغ الأمة هل يتحقق النسخ في حقهم أم لا؟ أثبته بعض الشافعية، ونفاه بعضهم، وبه قال الحنفية، وابن حنبل.

стр. 2452

قال: وهو المختار؛ لأن النسخ له لازم، وهو ارتفاع حكم الخطاب السابق، وامتناع الخروج بالفعل الواجب عن العهدة، ولزوم الإتيان بالفعل الواجب الناسخ للإثم بتركه، والثواب على فعله، وهذه اللوازم منتفية، فينتفي الملزوم، وكذلك لزم أهل (قباء) الدخول في الصلاة لبيت المقدس، واعتد النبي ﵇ لهم بالركعات المتقدمة قبل إتمام الصلاة بعد نزول الوحي قبل بلوغه إليهم، ولقوله تعالى:﴾ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴿[الإسراء:١٥]،﴾ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ﴿[القصص:٥٩]، ولأنهم إن صلوا إلى الكعبة قبل وصول الناسخ لهم أتموا، ولم يخرجوا عن العهدة. احتجوا بعزل الوكيل؛ فإن تصرفه لا ينقذ، وإن لم يبلغه العزل؛ ولأن النسخ إسقاط، فلا يعتبر فيه العلم والوصول كالطلاق والعتاق؛ ولأنه لو قال: (أبحت ثمرة بستاني) أبيح لكل من لم تبلغه الإباحة؛ ولأن النسخ بالناسخ لا بالعلم. والجواب عن الأول: منع الحكم. وعن الثاني: الفرق أن هاهنا يرفع حكم خطاب سابق، بخلاف هاهنا. وعن الثالث: منع الحكم. وعن الرابع: أن العلم شرط لا أنه الناسخ. وحكي الغزالي في (المستصفى)، والإمام في (البرهان) الخلاف في النسخ في حق من لم يبلغه الناسخ، ولم يتعرضوا لكون النبي ﵇ بلغه الكل، أو البعض، أو لم يبلغه لأحد.

стр. 2453

وقال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): متى وصل الوحي للنبي ﵇ ثبت حكمه في حقه هو؛ لكونه بلغه، وهذا الحرف لم يتعرض إليه (الإحكام)، ولا من ذكر معه، وإنما تعرضوا للخلاف في حق غير النبي ﵇. (مسألة) قال سيف الدين: اتفق العلماء على رفع جميع التكاليف بإعدام العقل الذي هو شرط في التكليف، واختلفوا في أمرين: الأول: جواز نسخ معرفة الله - تعالى - وشكر المنعم، وتحريم الكفر، والكذب، والظلم، وكل ما حسنه وقبحه لذاته، فمنعه المعتزلة على أصولهم في وجوب رعاية المصالح والحكمة. الثاني: إذا جاز نسخ هذه الأحكام، فبعد أن كلف الله - تعالى - العبد هل يجوز أن ينسخ عنه جميع التكاليف اختلفوا فيه، واختار الغزالي المنع؛ بناء منه على أن المنسوخ عنه يجب عليه معرفة الناسخ والنسخ، والدليل المنصوب عليه، فهذا النوع من التكليف؟ لا يمكن نسخه عنده، وقال: ويرد عليه أنا وإن قلنا بأن النسخ لا يمكن حصوله في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ، فلا يمتنع تحقق النسخ بجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ، وأن يكون مكلفًا بمعرفة النسخ. (مسألة) قال الغزالي في (المستصفى): يجوز نسخ المنطوق باجتهاد النبي ﵇ وقياسه ، وإن لم يكن بيانا بلفظ ذي صيغة وصورة يجب نقلها

стр. 2454

(مسألة) قال الغزالي في (المستصفي): لا يجوز نسخ منطوق النص القاطع بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد، كان جليًا أو خفيًا، خلافًا لمن شذ فقال: ما جاز التخصيص به جاز النسخ به ، وهو منقوض بدليل العقل، والإجماع، وخبر الواحد، وقد تقدمت الفروق بين النسخ والتخصيص. قال: وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز بالجلي النسخ. قال: ولفظ الجلى مبهم، فإن أراد به المقطوع فمسلم، وإلا فلا، والذي يتوهم فيه القطع ثلاث مراتب: الأولي: ما يجري مجرى النص، وأوضح منه، كقوله تعالى:﴾ فلا تقل لهما أف ﴿[الإسراء:٢٣]؛ فإن تحريم الضرب مدرك منه، فلو كان تقدم النص بإباحة الضرب لكان نسخًا؛ لأنه أظهر من المنطوق. الثانية: لو تقدم نص بأن العتق لا يسري، ثم ورد قوله ﵇: (من أعتق شركًا له في عبد .... الحديث)، فتقاس الأمة على العبد، وهو مقطوع للعلم بقصد الشارع المملوكية. الثالثة: أن يرد نص بإباحة النبيذ، ثم يقول الشارع: حرمت الخمر، فيقاس عليه النبيذ إن تعبدنا بالقياس. وقال قوم: وإن لم نتعبد بالقياس نسخنا أيضًا؛ إذ لا فرق بين قوله: حرمت كل مسكر، وبين قوله: حرمت الخمر لسكرتها، وكذلك أقر النظام بالقياس على العلة المنصوصة مع إنكاره أصل القياس، ودليل كون المظنون لا ينسخ المقطوع سمعي لا عقلي، وهو انعقاد الإجماع على بطلان كل قياس يخالف النص.

стр. 2455

وقول معاذ: (أجتهد رأيي) بعد ذكر النصوص وعدمها. (مسألة) قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): لا يجوز النسخ إلا في التكاليف بما يصح وقوعه على وجهين كالعبادات ، فيصح أن الصوم يصح بالليل بدلا عن النهار، ويصح بالنهار بدلا عن الليل، والتوجه للكعبة وغيرها. أما ما لا يصح وجوده إلا على وجهٍ واحدٍ كالتوحيد وصفات الذات ونحوه، فإن النسخ فيه لا يجوز. قلت: ولم يحك في هذا خلافًا، ولا يبعد رده إلى المسألة التي حكاها سيف الدين عن المعتزلة: حسنه لذاته كالعدل، وقبحه لذاته كالظلم، ولا يلزم من كون التوحيد واجب الوجود وصفات الذات، وأنها واجبة - أن تكون كذلك، ولا يقبل إلا وجهًا واحدًا، أن يكون التكليف بها واقعًا، فعندنا قبل البعثة لم يقع التكليف بها كما تقدم أول الكتاب، وإذا أمكن عدم التكليف بها، فقد قبلت الوجهين باعتبار التكليف، لا باعتبارها في أنفسها التكليف وعدمه، وإذا قبلت التكليف وعدمه قبلت أيضًا التكليف بتحريم اعتقادها بناء على أصلنا في جواز تكليف ما لا يطاق؛ فإنه عندنا بناء على هذا الأصل يجوز التكليف بتحريم اعتقاد كون الواحد نصف الاثنين ونحو ذلك، وإذا تصور التكليف بتحريم اعتقادها تصورت الأحكام الخمسة فيها، فأمكن التنقل بينها كلها بالنسخ، فما قاله ﵀ غير متجه، مع أنه صمم عليه، فلم يحك فيه خلافًا، وظاهر كلامه في (اللمع) يقتضي أنه مجمع عليه. (مسألة) قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع): الصحيح من المذهب جواز النسخ بدليل الخطاب؛ لأنه في معنى النطق .

стр. 2456

ومن أصحابنا من جعله كالقياس، فلا يجوز النسخ به. وأما فحوى الخطاب فمن جعله معلومًا من جهة النطق جوز النسخ به. ومن قال: إنه معلوم بالاستنباط منع النسخ به. وهذا التقرير على هذا الوجه لم يتقدم للمصنف مثله، وإن كان المصنف قد تعرض لفحوى الخطاب دون دليل الخطاب. (مسألة) قال الشيخ المعروف بـ (العالمي) في كتابه: النسخ بالإقرار جائز كما إذا رأي النبي ﵇ من يفعل فعلا مخالفًا لأصل من الأصول، ولم ينكر عليه، فذلك الإقرار نسخ للأصل المتقدم عند قوم. وقيل: لا يكون نسخًا، وجه الأول: أن الإقرار دليل الإباحة. وجه الثاني: أن الإقرار قد يكون مع المنع لأجل تقدم نهي كان، كما كان يفعله ﵇ مع كفار قريش في الأصنام. والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 2457

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكلام في الإجماع وهو مرتب على سبعة أقسام القسم الأول في أصل الإجماع قال الرازي: المسألة الأولي: الإجماع يقال بالاشتراك على معنيين: أحدهما: العزم؛ قال الله تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم﴾ [يونس: ٧١] وقال ﵊: (لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل). وثانيهما: الاتفاق، يقال: (أجمع الرجل، إذا صار ذا جمع) كما يقال: البن وأتمر، إذا صار ذا لبنٍ وذا تمرٍ، فقولنا: (أجمعوا على كذا) أي: صاروا ذوى جمعٍ عليه. وأما في اصطلاح العلماء: فهو: عبارة عن (اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور) ونعني بالاتفاق: الاشتراك، إما في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو إذا أطبق بعضهم على الاعتقاد، وبعضهم على القول، أو الفعل الدالين على الاعتقاد، ونعني بأهل الحل والعقد: المجتهدين في الأحكام الشرعية. وإنما قلنا: (على أمرٍ من الأمور)، ليكون متناولا للعقليات، والشرعيات، واللغويات.

стр. 2458

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (رب يسر بمنك) الكلام في الإجماع قال القرافي: قوله: (الإجماع اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور): قلنا: هذه العبارة تعم جميع أهل الحل والعقد إلى يوم القيامة؛ لأنه اسم جنس أضيف، وهو غير مراد، فينبغي أن يقول: من كل عصر؛ لأنه مرادكم.

стр. 2459

(سؤال) جعل (أجمع) مشتركًا بين العزم والاتفاق ، وجعل الاتفاق من باب (ألبن) و (أتمر) لا يتم؛ لأن الاتفاق لابد فيه من القصد والكسب، و (ألبن) و (أتمر) لا يشترط فيه ذلك، بل يصير (ألبن) و (أتمر) وإن ورثه، ولم يكن له فيه مدخل، فهذا أعم من الاتفاق، فتفسيره به غير صواب. جوابه: أن المعنيين، وإن كانا مكتسبين لذلك إلا أنهما يصيران ذا جمع، فهذا المفهوم العام هو الذي ندعيه، وهو شيء واحد في الموضعين، وتقدم العدم لا يضرنا؛ فإن العام قد يفرض له في بعض أنواعه خصوص، ولا يقدح ذلك في كون اللفظ موضوعًا له، كـ (الناطق الحيوان) في الإنسان، وكذلك سائر الفصول. قوله: (يعني بأمر من الأمور لاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل). قلنا: قال إمام الحرمين في (البرهان): (لا أثر للإجماع في العقليات؛ فإن المعتبر فيها الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يعضدها وفاق، ولم يعارضها شقاق، وإنما يعتبر الإجماع في السمعيات، فإذا أجمعوا على فعل نحو: (أكلهم الطعام) دل إجماعهم على إباحته، كما يدل أكله ﵇ على الإباحة ما لم تقم قرينة دالة على الندب، أو الوجوب. فهذا تفصيل حسن، ويصير الحد به غير مانع. وقال أبو الحسين في (المعتمد): يجوز اتفاقهم على القول، والفعل، والرضا، ويخبروا عن الرضا في أنفسهم، فيدل عن حسن ما رضوا به، وقد يجمعون على ترك القول وترك الفعل فيدل على أنه غير واجبٍ، ويجوز أن يكون ما تركوه مندوبًا إليه؛ لأن تركه غير محظور. * * *

стр. 2460

المسألة الثانية قال الرازي: من الناس من زعم أن اتفاقهم على الحكم الواحد الذي لا يكون معلومًا بالضرورة محال ، كما أن اتفاقهم في الساعة الواحدة على المأكول الواحد، والتكلم بالكلمة الواحدة محال، وربما قال بعضهم: كما أن اختلاف العلماء في الضروريات محال، فكذا اتفاقهم في النظريات محال. والجواب: أن الاتفاق إنما يمتنع: فيما يتساوى فيه الاحتمال؛ كالمأكول المعين، والكلمة المعينة. أما عند الرجحان - وذلك: عند قيام الدلالة، أو الأمارة الظاهرة - فذلك غير ممتنع، وذلك كاتفاق الجمع العظيم على نبوة محمد ﷺ واتفاق الشافعية والحنفية، مع كثرتهما على قوليهما مع أن أكثر أقوالهما صادر عن الأمارة. ومن الناس من سلم إمكان هذا الاتفاق في نفسه، لكنه قال: لا طريق لنا إلى العلم بحصوله؛ لأن العلم بالأشياء، إما أن يكون وجدانيًا، أو لا يكون: أما الوجداني: فكما يجد كل واحد منا من نفسه من جوعه، وعطشه، ولذته، وألمه، إلى غير ذلك، ولا شك أن العلم بحصول اتفاق أمة محمد ﷺ ليس من هذا الباب. وأما الذي لا يكون وجدانيًا: فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفته: إما الحس، وإما الخبر، وإما النظر العقلي. أما النظر العقلي: فلا مجال له في أن الشخص الفلاني قال بهذا القول، أو لم يقل به.

стр. 2461

بقي أن يكون الطريق إليه: إما الحس، وإما الخبر، لكن من المعلوم أن الإحساس بكلام الغير، أو الإخبار عن كلامه لا يمكن إلا بعد معرفته، فإذن العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد من الأمة، لكن ذلك متعذر قطعًا، فمن ذا الذي يعرف جميع الناس الذين هم بالشرق والغرب؟. وكيف الأمان من وجود إنسان في مطمورة لا خبر عندنا منه؟ فإنا إذا أنصفنا علمنا أن الذين بالشرق لا خبر عندهم من أحد من علماء الغرب؛ فضلا عن العلم بكل واحدٍ منهم على التفصيل، وبكيفية مذاهبه. وأيضا: فبتقدير العلم بكل واحد من علماء العالم لا يمكننا معرفة اتفاقهم؛ لأنه لا يمكن ذلك إلا بالرجوع إلى كل واحد منهم، وذلك لا يفيد حصول الاتفاق؛ لاحتمال أن بعضهم أفتى بذلك، على خلاف اعتقاده تقية، أو خوفًا، أو لأسباب أخرى مخفية عنا. وأيضا: فبتقدير أن نرجع إلى كل واحد منهم، ونعلم أن كل واحد منهم أفتى بذلك من صميم قلبه، فهو لا يفيد حصول الإجماع؛ لاحتمال أن علماء بلدة، إذا أفتوا بحكم، فعند الارتحال عند بلدهم والذهاب إلى البلدة الأخرى، رجعوا عن ذلك الحكم قبل فتوى أهل البلدة الأخرى بذلك. وعلى هذا التقدير لا يحصل الاتفاق؛ لأنا لو قدرنا أن الأمة انقسمت إلى قسمين، وأحد القسمين أفتى بحكم، والآخر أفتى بنقيضه، ثم انقلب المثبت نافيًا، والنافي مثبتًا، لم يحصل الإجماع، وإذا كان كذلك، فمع قيام هذا الاحتمال، كيف يحصل اليقين بحصول الإجماع؟! بل هاهنا مقام آخر، وهو أن أهل العلم بأسرهم، لو اجتمعوا في موضعٍ واحدٍ، ورفعوا أصواتهم دفعة

стр. 2462

واحدة، وقالوا: أفتينا بهذا الحكم، فهذا مع امتناع وقوعه لا يفيد العلم بالإجماع؛ لاحتمال أن يكون بعضهم كان مخالفًا فيه، فخاف من مخالفة ذلك الجمع العظيم، أو خاف ذلك الملك الذي أحضرهم، أو أنه أظهر المخالفة، لكن خفي صوته فيما بين أصواتهم؛ فثبت أن معرفة الإجماع ممتنعة. فإن قلت: ما ذكرتموه باطل بصورٍ: إحداها: أنا نعلم بالضرورة أن المسلمين معترفون بنبوة محمد ﷺ وبوجوب الصلوات الخمس، ونعلم اتفاق أصحاب الشافعي على القول ببطلان البيع الفاسد، واتفاق الحنفية على القول بانعقاده، وإن كانت الوجوه التي ذكرتموها بأسرها حاصلة هاهنا. وثانيتها: أنا نعلم أن الغالب على أهل الروم النصرانية، وعلى بلاد الفرس الإسلام، وإن كنا ما لقينا كل واحد من هذه البلاد، ولا كل واحدٍ من ساكنيها. وثالثتها: أن السلطان العظيم يمكنه أن يجمع الناس في موضعٍ واحدٍ؛ بحيث يمكن معرفة اتفاقهم واختلافهم. قلت: أما قوله: (نعلم بالضرورة اتفاق المسلمين على نبوة محمد ﷺ ): قلت: إن كنت تعني بالمسلمين المعترفين بنبوة محمد ﷺ فقولك: (نعلم اتفاق المسلمين على نبوة محمد ﷺ (يجرى مجرى أن يقال: نعلم اتفاق القائلين بنبوة محمد ﷺ على نبوة محمد ﷺ . وإن كنتن تعني به شيئًا آخر غير نبوة محمد ﷺ ، فلا نسلم أنا نقطع أن القائل بذلك قائل بنبوة محمد ﷺ . ولا نسلم أيضًا أنا نقطع بأن كل من قال بنبوة محمد ﷺ ، قال بوجوب الصلوات الخمس، وصوم رمضان، وإن كنا نعترف بحصول الظن.

стр. 2463

والذي يدل عليه أن الإنسان قبل الإحاطة بالمقالات الغريبة، والمذاهب النادرة يعتقد اعتقادًا جازمًا أن كل المسلمين يعترفون أن ما بين الدفتين كلام الله ؛ ثم إذا فتش عن المقالات الغريبة وجد في ذلك اختلافًا شديدًا؛ نحو ما يروى عن ابن مسعودٍ أنه: (أنكر كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن). ويروى عن الميمونية - قوم من الخوارج - أنهم أنكروا كون سورة يوسف من القرآن، ويروى عن كثيرٍ من قدماء الروافض أن هذا القرآن الذي عندنا ليس هو ذلك الذي أنزل على محمد ﷺ بل غير وبدل، ونقص عنه وزيد فيه، وإذا كان كذلك، علمنا أنا، وإن اعتقدنا في الشيء أنه مجمع عليه اعتقادًا قويًا، لكن ذلك الاعتقاد لا يبلغ حد العلم، ولا يرتفع عن درجة الظن. قوله: (نعلم استيلاء بعض المذاهب على بعض البلاد). قلنا: علمنا ذلك بخبر التواتر، وفرق بين معرفة حال الأكثر، وبين معرفة حال الكل؛ لأن من دخل بلدًا، ورأي شعائر الإسلام في جميع المحلات والسكك ظاهرةً، علم بالضرورة أن الغالب على أهل تلك المدينة الإسلام. فأما أن يعلم قطعًا أنه ليس في البلدة أحد إلا مسلم ظاهرًا وباطنًا، فذلك مما لا سبيل إليه ألبتة، والعلم بامتناعه ضروري. قوله: (السلطان العظيم يمكنه جمع علماء العالم في موضعٍ واحدٍ). قلنا: هذا السلطان المستولى على جميع معمورة العالم مما لم يوجد إلى الآن، وبتقدير وجوده، فكيف يمكن القطع بأنه لم يتلفت منه أحد في أقصى الشرق، أو أقصى الغرب؟ فإن ذلك الملك ليس بعلام الغيوب، وبتقدير ألا ينفلت منه

стр. 2464

أحد، فكيف يمكن القطع بأن الكل أفتوا بذلك الحكم طائعين راغبين، غير مكرهين ولا مجبرين؟ والإنصاف: أنه لا طريق لنا إلى معرفة حصول الإجماع إلا في زمان الصحابة؛ حيث كان المؤمنون قليلين يمكن معرفتهم بأسرهم، على التفصيل. المسألة الثانية في إمكان الإجماع قال القرافي: قوله: (يمتنع إجماعهم على غير الضروري، كامتناعه في الكلمة المعينة، والمأكول المعين): قلنا: الفرق أن الأطعمة والأشربة ونحوها، تمنع الدواعي الطبيعية التي جبلت عليها البشرية، ودواعي البشرية في الشهوة والنفرة مختلفة جدًا، حتى إن الشخص الواحد يخالف نفسه في ساعة أخرى، فلذلك قضت العادة بتعذر اتفاق الجمع العظيم على شهوة الطعام الواحد، والميل إلى التكلم بالكلمة الواحدة ونحوه؛ لأنه مبني على الدواعي الطبيعية، فهذه قاعدة يتعذر الاجتماع فيها من الجمع العظيم، كما أن الغيم الرطب المشف في بلاد الأمطار والثلوج، إذ رآه الجمع العظيم اشترك الجميع في ظن الأمطار، وكذلك الرجل العدل الأمين، يشترك كل من عرف حاله في ظن صدقه، وإن كانوا آلافًا.

стр. 2465

والأحكام الشرعية من هذا القسم دون القسم الأول، فكان الإجماع فيه ممكنًا عادة. قوله: (الذي لا يكون وجدانيًا فطريق معرفته إما الحس، أو الخبر أو النظر العقلي). قلنا: الخبر إنما يفيد بطريق السماع، وهو داخل في الحس، فلا يجعل قسيمه. قوله: (الإحساس بكلام الغير، أو الإخبار عن كلامه لا يمكن غلا بعد معرفة ذاته): قلنا: إن أردت بمعرفة ذاته رؤيته حيًا فممنوع؛ فإنا نعلم أن محمدًا ﷺ تكلم بالقرآن بالضرورة، ساعد على ذلك أرباب الملل، والمستند في ذلك التواتر، فنقطع بذلك، مع أنا لم نر رسول الله ﷺ ، وكذلك نقطع بأن موسى ﵇ تكلم بالتوراة، وعيسي ﵇ تكلم بالإنجيل، ولم نشاهد واحدًا منهما، وهو كثير، فعلمنا أنه لا يلزم من العلم بأن الشخص تكلم بشيء أن يكون مشاهدًا لنا. وإن أردتم بمعرفته إحاطة العلم به، من حيث الجملة إما بالتواتر أو بغيره. فلم قلتم: إن ذلك متعذر؟ بل تواتر عندنا إجماع الصحابة على وجوب الصلوات الخمس، ووجوب شهر رمضان، ونحوه من شعائر الإسلام، حتى أن جاحد ذلك يكفر. ثم إن هذا السؤال في غير محل النزاع، ونحن نقول: إذا وقع الإجماع، وأمكن العلم به كان حجة معصومة، ولا ندعى وقوعه في شيء معين، كما أنا نقول: القياس إذا حصل كان حجة، أما أنه حصل فليس ذلك حظ الأصولي، بل الفقيه.

стр. 2466

(تنبيه) أكثر الإجماعات، بل الكل إلا اليسير منها جدًا إجماع الصحابة رضوان الله عليهم ، وكانت الصحابة محصورين يعلم أحوالهم، وعددهم، قبل انتشارهم في أقطار الأرض، وتطرق الشك إلى اليسير من الإجماعات لا يبطل هذه المسألة، ولا يقدح فيها، بل في تلك المسائل الفروعية التي يدعى الإجماع فيها. وقولنا بعد هذا: (إن إجماع أهل كل عصر حجة). معناه: أن هذا شأنه إذا وجد، وكونه لم يعلم وجوده لا يقدح في دعوانا، ولا في صحتها. قال التبريزي: (لا يشترط اتفاقهم في ساعة واحدة، بل لو وافق البعض البعض بعد سنين حصل الإجماع). قال: وليس الكلام في الإحاطة بمذاهب الناس اليوم، مع اتساع خطة الإسلام، وانتشار الأئمة في الأقطار، وإنما الكلام في تصور الإحاطة بمذاهب أمة محمد ﷺ في الجملة، وذلك ممكن، بل ظاهر في زمان الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم صدر الأمة، وأعلام الأئمة، ومن يتصدى للفتوى ويراجع في الوقائع منهم معلومون مشهورون، تحويهم (مكة) و (المدينة)، ومخاليف (الحجاز)، ومن خرج منها بعد فتح البلاد، وتمصر الأمصار، لنقلة أو تجارة، أو رسالة، أو وقع في أمر معروفون مضبوطون، فيعرف مذهب الحاضر بالسماع والتحقيق، ومذهب الغائب بالرسائل، إما متوترًا، أو آحادًا، ومع قرائن تفيد القطع، ويحصل الأمن من رجوعه بأن يسند المخبرون عنه فتواه إلى زمانٍ عرفنا فيه موافقة غيره، فعند ذلك لا يقدح رجوعه في الإجماع، بعد انعقاده بتمام الموافقة.

стр. 2467

والعجب أنهم لما اختلفوا، عرف مذهب كل ذي مذهب، حتى لا يكاد يخفى في زماننا هذا مذاهبهم في مسألة الجد، والإخوة، والحرام، والعول. وإنه لم يخالف فيه إلا ابن عباس بعد انقراض عمر، فكيف يخفى اجتماعهم على أهل عصرهم؟ ولما منع بنو حنيفة الزكاة لم يتجرأ على قتالهم إلا أبو بكر. فلو ساعدهم أبو بكر لكان إجماعًا على تحريم قتل مانعي الزكاة، وكان يعرف كما عرفت المخالفة، فلما حاربهم ووافقوه، صار إجماعًا على الجواز. (تنبيه) قال التبريزي: الحجاج أكثر من علماء الأعصار أضعافًا، وهم يجتمعون على كلمة التلبية في يوم واحد ، والعالمون من أهل الإسلام على كلمة التكبير يوم العيد، وفي خطباتهم اليوم وفاء بعدد الأئمة في كثير من الأعصار لما جمعتهم داعية واحدة. * * *

стр. 2468

المسألة الثالثة قال الرازي: إجماع أمة محمد ﷺ حجة؛ خلافًا للنظام، والشيعة، والخوارج . لنا وجوه: الأول: قوله تعالى:﴾ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿[النساء:١١٥] الآية؛ جمع - الله تعالى - بين مشاقة الرسول، وإتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد؛ فلو كان إتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا، لما جمع بينه وبين المحظور، كما لا يجوز أن يقال: (إن زنيت، وشربت الماء، عاقبتك) فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة. ومتابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى غير قولهم وفتواهم، وإذا كانت تلك محظورة، وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبةً؛ ضرورة أنه لا خروج من القسمين. فإن قيل: لا نسلم أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة على الإطلاق؛ ولم لا يجوز أن يكون كونها محظورة مشروطًا بمشاقة الرسول ﷺ ولا تكون محظورة بدون هذا الشرط، خرج على هذا قوله: (إن زنيت، وشربت الماء، عاقبتك) لأن شرب الماء غير محظورٍ لا مطلقًا، ولا بشرط الزنا. فإن قلت: إذا كان إتباع غير سبيل المؤمنين حرامًا عند حصول المشاقة، وجب أن يكون إتباع سبيل المؤمنين واجبًا عند حصول المشاقة؛ لأنه لا خروج عن القسمين، لكن ذلك باطل؛ لأن المشاقة ليست عبارة عن المعصية، كيف كانت،

стр. 2469

وإلا لكان كل من عصى الرسول ﷺ مشاقًا له، بل هي عبارة عن الكفر به وتكذيبه، وإذا كان كذلك، لزم وجوب العمل بالإجماع عند تكذيب الرسول، ﵊، وذلك باطل؛ لأن العلم بصحة الإجماع متوقف على العلم بالنبوة، فإيجاب العمل به حال عدم العلم بالنبوة يكون تكليفًا بالجمع بين الضدين، وهو محال. قلت: لا نسلم أنه إذا كان إتباع غير سبيل المؤمنين حرامًا عند المشاقة، كان إتباع سبيل المؤمنين واجبًا عند المشاقة؛ لأن بين القسمين ثالثًا، وهو عدم الإتباع أصلا. سلمنا أنه يلزم وجوب أتباع سبيل المؤمنين عند المشاقة؛ لكن لا نسلم أنه ممتنع. قوله: (المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر به، وإيجاب العمل بالإجماع عند حصول الكفر محال): قلنا: لا نسلم أن المشاقة لا تحصل إلا مع الكفر. بيانه: أن المشاقة مشتقة من كون أحد الشخصين في شق، وكون الآخر في الشق الآخر، وذلك يكفي فيه أصل المخالفة، سواء بلغ حد الكفر، أو لم يبلغه. سلمنا أن المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر، فلم قلت: إن حصول الكفر ينافي تمكن العمل بالإجماع؟ بيانه: أن الكفر بالرسول ﷺ كما يكون بالجهل بكونه صادقًا، فقد يكون أيضًا بأمورٍ أخر؛ كشد الزنار، وليس الغيار، وإلقاء المصحف في القاذورات، والاستخفاف بالنبي ﷺ مع الاعتراف بكونه نبيًا، وإنكار نبوته باللسان، مع

стр. 2470

العلم بكونه نبيًا؛ وشيء من هذه الأنواع من الكفر لا ينافي العلم بوجوب الإجماع. سلمنا هذه المنافاة؛ فلم قلت: إنها مانعة من التكليف؟ بيانه: أن الله - تعالى - كلف أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله - تعالى - في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه: أنه لا يؤمن فيكون أبو لهب مكلفًا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وذلك متعذر. وهذا التوجيه ظاهر أيضًا في قوله تعالى:﴾ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴿[البقرة:٦] فإن أولئك الذين أخبر الله عنهم بهذا الخبر كانوا مكلفين بالإيمان، فكانوا مكلفين بتصديق هذه الآية، وباقي التقرير ظاهر. سلمنا أن هذه الآية تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين لا بشرط مشاقة الرسول؛ لكن بشرط تبين الهدى، أو لا بهذا الشرط؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع: بيانه: أنه - تعالى - ذكر مشاقة الرسول ﷺ وشرط فيها تبين الهدى، ثم عطف عليها إتباع غير سبيل المؤمنين؛ فوجب أن يكون تبين الهدى شرطًا في التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين؛ لأن ما كان شرطًا في المعطوف عليه يجب أن يكون شرطًا في المعطوف، واللام في الهدى للاستغراق؛ فيلزم ألا يحصل التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى، ومن جملة أنواع الهدى ذلك الدليل الذي لأجله ذهب أهل الإجماع إلى ذلك الحكم؛ وعلى هذا التقدير لا يبقي للتمسك بالإجماع فائدة.

стр. 2471

وأيضًا: فالإنسان إذا قال لغيره: إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه، فهم منه تبين صدق قوله بشيء غير قوله، فكذا هاهنا يجب أن يكون تبين صحة إجماعهم بشيء وراء إجماعهم، وإذا كنا لا نتمسك بالإجماع إلا بعد دليلٍ منفصلٍ على صحة ما أجمعوا عليه، لم يبقي للتمسك بالإجماع أثر وفائدة. سلمنا أنها تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين، ولكن عن متابعة كل ما كان غير سبيل المؤمنين، أو عن متابعة بعض ما كان كذلك؟! الأول ممنوع، وبتقدير التسليم، فالاستدلال ساقط: أما المنع فلأن لفظ (الغير) ولفظ (السبيل) كل واحد منهما لفظ مفرد؛ يفيد العموم، وأما أن بتقدير التسليم، فالاستدلال ساقط؛ لأنه يصير معنى الآية: (إن كل من اتبع كل ما كان مغايرًا لكل ما كان سبيل المؤمنين يستحق العقاب) وهذا لا يقتضي أن يكون المتبع لبعض ما غاير سبيل المؤمنين مستحقًا للعقاب. والثاني مسلم، ونقول بموجبه، فإن عندنا يحرم بعض ما غاير بعض سبيل المؤمنين، أو بعض ما غاير كل سبيل المؤمنين، أو كل ما غاير بعض سبيل المؤمنين، وهو السبيل الذي صاروا به مؤمنين، والذي يغايره هو الكفر بالله تعالى، وتكذيب الرسول ﷺ وهذا التأويل متعين لوجهين: أحدهما: أنا إذا قلنا: لا تتبع غير سبيل الصالحين، فهم منه المنع من متابعة غير سبيل الصالحين، فيما به صاروا غير صالحين، ولا يفهم منه المنع من متابعة سبيل غير الصالحين في كل شيء، حتى في الأكل والشرب. وثانيهما: أن الآية نزلت في رجل ارتد، وذلك يدل على أن الغرض منها المنع من الكفر.

стр. 2472

سلمنا حظر إتباع غير سبيلهم مطلقًا، لكن لفظ السبيل حقيقة في الطريق الذي يحصل فيه المشي، وهو غير مراد هاهنا بالاتفاق، فصار الظاهر متروكًا؛ فلابد من صرفه إلى المجاز، وليس البعض أولى من البعض، فتبقي الآية مجملة. وأيضًا: فإنه لا يمكن جعله مجازًا عن اتفاق الأمة على الحكم؛ لأنه لا مناسبة ألبتة بين الطريق المسلوك، وبين اتفاق أمة محمد r على شيء من الأحكام، وشرط حسن التجوز حصول المناسبة. سلمنا أنه يجوز جعله مجازًا عن ذلك الاتفاق، لكن يجوز أيضًا جعله مجازًا عن الدليل الذي لأجله اتفقوا على ذلك الحكم؛ فإنهم إذا أجمعوا على الشيء، فإما أن يكون ذلك الإجماع عن استدلال، أو لا عن استدلال: فإن كان عن استدلال: فقد حصل لهم سبيلان: الفتوى والاستدلال؛ فلم كان حمل الآية على الفتوى أولى من حملها على الاستدلال على الفتوى؟ بل هذا أولى؛ فإن بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم، وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهة، فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق المسلوك توصل البدن إلى المطلوب، فكذا الحركة الذهنية في مقدمات ذلك الدليل توصل الذهن إلى المطلوب، والمشابهة إحدى جهات حسن المجاز، وإذا كان كذلك، كانت الآية تقتضي إيجاب إتباعهم في سلوك الطريق الذي لأجله اتفقوا على الحكم، ويرجع حاصله إلى إيجاب الاستدلال بما استدلوا به على ذلك الحكم، وحينئذ يخرج الإجماع عن كونه حجة. وأما إن كان إجماعهم لا عن استدلال: والقول لا عند استدلال خطأ، فيلزم إجماعهم على الخطأ، وذلك يقدح في صحة الإجماع.

стр. 2473

سلمنا دلالة الآية على تحريم متابعة غير قولهم؛ لكن لا نسلم أن كلمة (من) للعموم، وأن لفظ المؤمنين للعموم، فإنا لو حملناه على العموم، لزم تطرق التخصيص إلى الآية؛ لعدم دخول العوام والمجانين والنساء والصبيان في الإجماع. سلمنا ذلك؛ لكن لم قلت: إنه يلزم من حظر إتباع غير سبيلهم وجوب إتباع سبيلهم؟ بيانه: أن لفظ (غير) وإن كان يستعمل في الاستثناء، لكنهم أجمعوا على أنه في الأصل للصفة، وإذا كان كذلك، كان بين إتباع غير سبيل المؤمنين، وبين إتباع سبيلهم قسم ثالث، وهو ترك الإتباع. فإن قلت: ترك متابعة سبيل المؤمنين غير سبيل المؤمنين، فمن ترك متابعة سبيلهم، فقد اتبع غير سبيلهم. قلت: لم لا يجوز أن يقال: الشرط في كون الإنسان متابعا لغيره كونه آتيا بمثل فعل الغير؛ لأجل أن ذلك الغير أتي به؟ فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين، وهو إنما تركه لأجل أن غير المؤمنين تركوه، كان متبعًا في ذلك سبيل غير المؤمنين. أما من تركه؛ لأن الدليل دل عنده على وجوب ذلك الترك، أو لأنه لما لم يدل شيء على متابعة المؤمنين، تركه على الأصل، لم يكن هاهنا متبعًا لأحدٍ؛ فلا يدخل تحت الوعيد. سلمنا دلالة الآية على وجوب متابعة سبيل المؤمنين؛ لكن في كل الأمور، أو في بعضها؟

стр. 2474

الأول ممنوع؛ لوجوهٍ: أحدها: أن المؤمنين، إذا اتفقوا على فعل شيء من المباحات، فلو وجب إتباع سبيلهم في كل الأمور لزم التناقض؛ لأنه يجب عليهم فعله من حيث إنهم فعلوه، ولا يجب ذلك؛ لحكمهم بأنه غير واجب. وثانيها: أن أهل الإجماع قبل اتفاقهم على ذلك الحكم، كانوا متوقفين في المسألة، غير جازمين بالحكم، بل كانوا جازمين بأنه يجوز البحث عنها، ويجوز الحكم لكل أحد بما أدى إليه اجتهاده، ثم إنهم بعد الإجماع قطعوا بذلك الحكم، فلو وجب متابعتهم في كل ما يقولونه، لزم إتباعهم في النقيضين، وهو محال. فإن قلت: الإجماع الأول على تجويز التوقف، وطلب الدلالة، والحكم بما أدى إليه الاجتهاد ما كان مطلقًا، بل كان بشرط عدم الاتفاق على حكمٍ واحدٍ، فإذا حصل الاتفاق؛ زال شرط الإجماع؛ فزال بزواله. قلت: المفهوم من عدم حصول الإجماع حصول الخلاف، فلو شرطنا تجويز الخلاف بعدم الإجماع، لزم أن يكون تجويز وجود الشيء مشروطًا بوجوده، وأيضًا: فلو جاز في أحد الإجماعين أن يكون مشروطًا بشرط، جاز أيضًا في الإجماع الثاني والثالث، ويلزم منه ألا يستقر شيء من الإجماعات. وثالثها: أن اتفاق المجمعين على ما أجمعوا عليه: إما ألا يكون عن استدلالٍ، أو يكون عن استدلالٍ: والأول باطل؛ لأن القول بغير استدلال خطأ، بالإجماع، فلو اتفق أهل الإجماع عليه كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك يقدح في كون الإجماع حجة. وإن كان الثاني، فذلك الدليل، إما الإجماع، أو غيره.

стр. 2475

والأول باطل؛ لأن الإجماع: إما أن يكون نفس حكمهم، أو نتيجة حكمهم، والدليل على الحكم متقدم على الحكم. والثاني: يقتضي أن يكون سبيل المؤمنين إثبات ذلك الحكم بغير الإجماع، فيكون إثباته بالإجماع ابتاعًا لغير سبيلهم، فوجب ألا يجوز. فظهر أنا لو حملنا الآية على اقتضاء متابعة المؤمنين في كل الأمور، لزم التناقض، وإذا بطل ذلك؛ وجب حملها على اقتضاء المتابعة في بعض الأمور؛ وحينئذ نقول بموجبه، ونحمله على الإيمان بالله - تعالى- ورسوله، ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه: أحدها: أن القائل إذا قال: اتبع سبيل الصالحين، فهم منه الأمر بإتباعهم فيما به صاروا صالحين، فكذا هاهنا. وثانيها: أنا إذا حملنا الآية على ذلك، كان ذلك السبيل حاصلا في الحال، ولو حملناه على إجماعهم على الحكم الشرعي، كان ذلك مما سيصير سبيلا في المستقبل؛ لأنه لا يوجد إلا بعد وفاة الرسول، ﵊، فالحمل على الأول أولى. وثالثها: أن السلطان، إذا قال: (ومن يشاقق وزيري من الجند، ولم يتبع سبيل فلانٍ - ويشير به إلى أقوامٍ متظاهرين بطاعة الوزير - عاقبتهم): فإنه إنما يعني بالسبيل المذكور سبيلهم في طاعة الوزير، دون سائر السيل. سلمنا دلالة الآية على وجوب المتابعة في كل الأمور، لكنها تدل على وجوب متابعة بعض المؤمنين، أو كلهم؟

стр. 2476

الأول: باطل؛ لأن لفظ (المؤمنين) جمع، فيفيد الاستغراق، ولأن إجماع البعض غير معتبرٍ بالإجماع، ولأن أقوال الفرق متناقضة. والثاني: مسلم، ولكن كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى قيام الساعة، فلا يكون الموجودون في العصر كل المؤمنين، فلا يكون إجماعهم إجماع كل المؤمنين. فإن قلت: المؤمنون هم المصدقون، وهم الموجودون، وأما الذين لم يوجدوا بعد، فليسوا بمؤمنين. قلت: إذا وجد أهل العصر الثاني، ففي العصر الثاني لا يصح القول بأن أهل العصر الأول هم كل المؤمنين؛ فلا يكون إجماع أهل العصر الأول عند حصول أهل العصر الثاني قولا لكل المؤمنين، فلا يكون إجماع أهل العصر الأول حجة على أهل العصر الثاني. سلمنا أن أهل العصر هم كل المؤمنين، لكن الآية إنما نزلت في زمان الرسول ﷺ فلما لم يثبت أن الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية بقوا بأسرهم إلى ما بعد وفاة الرسول ﷺ وأنه اتفقت كلمتهم على الحكم الواحد، لم تدل هذه الآية على صحة ذلك الإجماع، ولكن ذلك غير معلوم في شيءٍ، من الإجماعات الموجودة في المسائل، بل المعلوم خلافه؛ لأن كثيرًا منهم مات زمان حياة الرسول ﷺ فسقط الاستدلال بهذه الآية.

стр. 2477

سلمنا دلالتها على وجوب متابعة مؤمني كل عصرٍ؛ لكن المراد متابعة كل مؤمني ذلك العصر، أو بعضهم؟ الأول باطل؛ وإلا لاعتبر في الإجماع قول العوام، بل الأطفال والمجانين. والثاني نقول به؛ لأن عندنا: يجب في كل عصرٍ متابعة بعض من كان فيه من المؤمنين، وهو الإمام المعصوم. سلمنا أن المراد متابعة جميع مؤمني العصر، لكن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، وهو أمر غائب عنا؛ فكيف يعلم في المجمعين كونهم مصدقين بقلوبهم؟ لاحتمال أنهم، وإن كانوا مصدقين باللسان، لكنهم كفرة بالقلب، وإذا جهلنا ذلك، جهلنا كونهم مؤمنين، وإذا كان الواجب علينا إتباعهم المؤمنين، فمتى جهلنا كونهم مؤمنين، لم يجب علينا إتباعهم، وهو أيضًا لازم على المعتزلة القائلين بأن المؤمنين هو المستحق للثواب؛ لأن ذلك غير معلومٍ أيضًا. وأيضًا فالأمة متى أجمعت، لم نعلم كونهم مستحقين للثواب، إلا بعد العلم بكونهم محقين في ذلك الحكم، إذ لو لم نعلم لك، لجوزنا كونهم مخطئين، وأن يكون خطؤهم كثيرًا يخرجهم عن استحقاق الثواب واسم الإيمان. فإذن إنما نعرف كون المجمعين مؤمنين، إذا عرفنا أن ذلك الحكم صواب، فلو استفدنا العلم بكونه صوابًا من إجماعهم، لزم الدور. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد من (المؤمنين) المصدقين باللسان، كما في قوله تعالى:﴾ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴿[البقرة: ٢٢١]؟ قلت: لا شك أن إطلاق اسم (المؤمنين) على المصدقين باللسان، دون

стр. 2478

القلب - مجاز، فإذا جاز لكم حمل الآية على هذا المجاز، فلم لا يجوز لنا حملها على مجاز آخر، وهو أن نقول: المراد إيجاب متابعة السبيل الذي من شأنه أن يكون سبيلا للمؤمنين؟ كما إذا قيل: (اتبع سبيل الصالحين) لا يراد به وجوب إتباع سبيل من يعتقد فيه كونه صالحًا، بل وجوب إتباع السبيل الذي يجب أن يكون سبيلا للصالحين. سلمنا دلالة الآية على كون الإجماع حجةً؛ لكن دلالة قطعية أم ظنية؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، لكن المسألة قطعية، فلا يجوز التمسك فيها بالدلائل الظنية: بيانه: ما تقدم في كتاب اللغات: أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين ألبتة. فإن قلت: إنا نجعل هذه المسألة ظنية. قلت: إن أحدًا من الأمة لم يقل: (إن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني) بل كلهم نفوا ذلك، فإن منهم من نفي كونه دليلا أصلا، ومنهم من جعله دليلا قاطعًا، فلو أثبتناه دليلا ظنيًا، لكان هذا تخطئةً لكل الأمة، وذلك يقدح في الإجماع. والعجب من الفقهاء أنهم أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار، وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر ولا يفسق، إذا كان ذلك الإنكار لتأويل، ثم يقولون: الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به، ومخالفه كافر، أو فاسق؛ فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل، وذلك غفلة عظيمة.

стр. 2479

سلمنا دلالة هذه الآية على أن الإجماع حجة، لكنها معارضة بالكتاب، والسنة، والمعقول: أما الكتاب: فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول الباطل، والفعل الباطل؛ كقوله :﴾ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴿[البقرة:١٦٩]﴾ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴿[البقرة:١٨٨] والنهي عن الشيء لا يجوز إلا إذا كان المنهي عنه متصورًا. أحدها: قصة معاذ، وأنه لم يجر فيها ذكر الإجماع، ولو كان ذلك مدركًا شرعيًا، لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وثانيها: قوله ﵊: (لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي). وثالثها: قوله عليه الصلاة السلام: (لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعضٍ). ورابعها: قوله ﵇: (إن الله لا يقبض العلم؛ انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا). وخامسها: قوله ﵊: (تعلموا الفرائض، وعلموها الناس؛ فإنها أول ما ينسى. وسادسها: قوله ﵊: (من أشراط الساعة أن يرتفع العلم، ويكثر الجهل).

стр. 2480

وهذه الأحاديث بأسرها تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات. وأما المعقول: فمن وجهين: الأول: أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه، فوجب جوازه على الكل، كما أنه لو كان كل واحدٍ من الزنج أسود، كان الكل سودًا. الثاني: أن ذلك الإجماع: إما أن يكون لدلالة، أو لأمارة، أو لا لدلالة، ولا لأمارة، فإن كان لدلالة، فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العالم تكون واقعةً عظيمةً، ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا، فكان ينبغي اشتهار تلك الدلالة، وحينئذ لا يبقي للتمسك بالإجماع فائدة، وإن كان لأمارة، فهو محال؛ لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها، فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها، ولأن في الأمة من لم يقل بكون الأمارة حجة؛ فلا يمكن اتفاقهم؛ لأجل الأمارة، على حكم، وإن كان لا لدلالة، ولا لأمارة كان ذلك خطأ قادحًا في الإجماع، ولو اتفقوا عليه، لكانوا متفقين على الباطل، وذلك قادح في الإجماع. والجواب: قوله: (الآية تقتضي التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين بشرط المشاقة): قلنا: هذا باطل؛ لأن المعلق على الشرط، إن لم يكن عدمًا عند عدم الشرط، فقد حصل غرضنا. وإن كان عدمًا عند عدم الشرط، فلو كان التوعد على إتباع غير سبيل المؤمنين مشروطًا بالمشاقة، لكان عند عدم المشاقة إتباع غير سبيل المؤمنين جائزًا مطلقًا، وهذا باطلٌ؛ لأن مخالفة الإجماع، إن لم تكن خطًا، لكن لا شك في أنه لا يكون صوابًا مطلقًا، فبطل ما ذكروه.

стр. 2481

قوله: (تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين مشروط بتبين الهدى): قلنا: لا نسلم؛ لأن تبين الهدى شرط في الوعيد عند المشاقة، لا عند إتباع غير سبيل المؤمنين، ولا نسلم أنه يلزم من العطف اشتراك إحدى الجملتين بما كانت الجملة الأخرى مشروطة به. سلمنا: أن العطف يقتضي الاشتراك في الاشتراط، لكن الهدى الذي نتبينه شرطًا في حصول الوعيد عند مشاقة الرسول، هو الدليل الدال على التوحيد والنبوة، لا الدليل الدال على أحكام الفروع، وإذا لم يكن تبين الدليل على مسائل الفروع شرطًا في لحوق الوعيد على مشاقة الرسول ﷺ وجب ألا يكون ذلك شرطًا أيضًا في لحوق الوعيد على إتباع غير سبيل المؤمنين، وإلا لم تكن الجملة الثانية مشروطةً بالشرط المعتبر في الجملة الأولي، بل بشرطٍ لم يدل عليه الدليل أصلا. سلمنا: أن مقتضي العطف ما ذكرتموه، لكن معنا دليل يمنع منه؛ من وجهين: الأول: أن هذه الآية خرجت مخرج المدح للمؤمنين، وتمييزهم عن غيرهم، ولو حملناه على ما ذكره السائل، لبطل ذلك؛ ألا ترى أن اليهود والنصارى إذا عرفنا أن قولا من أقاويلهم هدى، فإنه يلزمنا أن نقول بمثله مع أنه لا تبعية لهم فيه. الثاني: أن إتباع المؤمنين هو الرجوع إلى قولهم؛ لأجل أنهم قالوه، لا لأنه صح ذلك بالدليل؛ ألا ترى أنا لا نكون متبعين لليهود والنصارى في قولنا بإثبات الصانع، ونبوة موسى وعيسي، ﵉، وإن شاركناهم في ذلك الاعتقاد؛ لأجل أنا لم نذهب إلى ذلك؛ لأجل قولهم؟!

стр. 2482

قوله: (لفظ الغير والسبيل ليس للجمع؛ فلا يقتضي تحريم كل ما كان غيرًا لكل ما كان سبيلا للمؤمنين): قلنا: العموم حاصل من حيث اللفظ، ومن حيث الإيماء: أما اللفظ: فلوجهين: الأول: أن القائل، إذا قال: ٠من دخل غير داري، ضربته) فهم منه العموم؛ بدليل صحة الاستثناء لكل واحد من الدور المغايرة لداره. الثاني: أنا لو حملنا الآية على سبيل واحد، مع أنه غير مذكورٍ، صارت الآية مجملةً، ولو حملناها على العموم، لم يلزم ذلك، وحمل كلام الله، ، على ما هو أكثر فائدة أولى؛ لاسيما إذا كانت هذه اللفظة، إنما تستعمل في العرف؛ لإفادة العموم. أما الإيماء: فلما سيأتي في باب القياس، إن شاء الله ، أن ترتيب الحكم على الاسم مشعر بكون المسمي علة لذلك الحكم؛ فكانت علة التهديد كونه إتباعًا لغير سبيل المؤمنين؛ فيلزم عموم الحكم، لعموم هذا المقتضي. قوله: (إذا حملناه على الكل، سقط الاستدلال): قلنا: ذلك إنما يلزم، لو حملناه على الكل من حيث هو كل، أما لو حملناه على كل واحد، لم يلزم ذلك، ولا شك أنه هو المتبادر إلى الفهم؛ لأن من قال: (من دخل غير داري، فله كذا) لا يفهم منه أنه أراد به: من دخل جميع الدور المغايرة لداره. قوله: (المراد منه المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين فيما به صاروا غير مؤمنين، وهو الكفر):

стр. 2483

قلنا: لا نسلم؛ بل الأصل إجراء الكلام على عمومه، وأيضًا: فلأنه لا معنى لمشاقة الرسول إلا إتباع سبيل المؤمنين فيما به صاروا غير مؤمنين، فلو حملنا قوله:﴾ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴿[النساء:١١٥] على ذلك، لزم التكرار. قوله: (نزلت في رجلٍ ارتد): قلنا: تقدم بيان أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. قوله: (السبيل: هو الطريق الذي يحصل المشي فيه): قلنا: لا نسلم؛ لقوله تعالى:﴾ قل هذه سبيلي ﴿[يوسف:١٠٨] وقوله:﴾ ادع إلى سبيل ربك ﴿[النحل:١٢٥]. سلمناه؛ لكنا نعلم بالضرورة أن ذلك غير مراد هاهنا، ولا نزاع في أن أهل اللغة يطلقون لفظ (السبيل) على ما يختاره الإنسان لنفسه في القول، والعمل، وإذا كان ذلك مجازًا ظاهرًا، وجب حمل اللفظ عليه؛ لأن الأصل عدم المجاز الآخر؛ وحينئذ يحمل اللفظ على هذا المعنى؛ إلى أن يذكر الخصم دليلا معارضًا، وبه نجيب عن قولهم: (لا مناسبة بين الاتفاق على الحكم، وبين الطريق الذي يحصل المشي فيه). قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد وجوب متابعتهم في الاستدلال بالدليل الذي لأجله أثبتوا ذلك الحكم): قلنا: هب أن الأمر كذلك، ولكن لما أمر الله تعالى بإتباع سبيلهم في الاستدلال بدليلهم، ثبت أن كل ما اتفقوا عليه صواب، وأيضًا: فمن أثبت الحكم لدليل، لم يكن متبعًا لغيره. قوله: (لم قلت: إن لفظة (من) و (المؤمنين) للعموم)؟:

стр. 2484

قلنا: لما تقدم في باب العموم. قوله: (لم قلت: إنه يلزم من حظر إتباع غير سبيلهم وجوب إتباع سبيلهم)؟ قلت: لأنه يفهم في العرف من قول القائل: لا تتبع غير سبيل الصالحين الأمر بمتابعة سبيل الصالحين، حتى لو قال: لا تتبع غير سبيل الصالحين، ولا تتبع سبيلهم أيضًا، لكان ذلك ركيكًا، بلى، لو قال: لا تتبع سبيل غير الصالحين، فإنه لا يفهم منه الأمر بمتابعة سبيلهم، ولذلك لا يستقبح أن يقال: لا تتبع سبيل غير الصالحين، ولا سبيلهم. وبالجملة: فالفرق معلوم بالضرورة في العرف بين قولنا: (لا تتبع غير سبيل الصالحين) وبين قولنا: (لا تتبع سبيل غير الصالحين). قوله: (يجب إتباع سبيل المؤمنين في كل الأمور، أو في بعضها): قلنا: بل في كلها، ولذلك يصح الاستثناء؛ لأنه لما ثبت النهي عن متابعة كل ما هو غير سبيل المؤمنين، وثبت أنه لا واسطة بينها، وبين إتباع سبيل المؤمنين، لزم أن يكون إتباع سبيل المؤمنين واجبًا في كل شيءٍ. قوله: (يلزم وجوب إتباعهم في فعل المباحات): قلنا: هب أن هذه الصورة مخصوصة للضرورة التي ذكرتموها، فتبقي حجةً فيما عداها. قوله: (الناس قبل حصول الإجماع كانوا مجمعين على التوقف في الحكم، وطلب الدليل): قلنا: الإجماع على ذلك مشروطٌ بألا لا يحصل الاتفاق.

стр. 2485

قوله: (عدم الإجماع هو الاختلاف؛ فيلزم أن يكون جواز الاختلاف مشروطًا بوقوع الاختلاف). قلنا: هب أنه كذلك، فأي محالٍ يلزم منه؟ قوله: (لو جاز أن يكون هذا الإجماع مشروطًا، لجاز مثله في سائر الإجماعات): قلنا: ذلك جائز، ولكن أهل الإجماع حذفوا هذا الشرط عند حصول الاتفاق على الحكم، ولم يحذفوه عند الاتفاق على جواز الاختلاف. قوله: (أهل الإجماع أثبتوا ذلك الحكم بغير الإجماع، وإثباته بالإجماع مغاير لسبيل المؤمنين): قلنا: لما أثبتوا الحكم بدليل سوى الإجماع، فقد فعلوا أمرين: أحدهما: أنهم أثبتوا ذلك الحكم بدليلٍ. والآخر: أنهم تمسكوا بغير الإجماع، والآية لما دلت على وجوب متابعتهم في كل الأمور، كانت متناولة للصورتين، إلا أنه ترك العمل بمقتضي الآية في إحدى الصورتين، لانعقاد الإجماع على أنه لا يجب علينا الاستدلال بما استدل به أهل الإجماع، فبقي العمل بها في الباقي. قوله: (إذا قال: اتبع سبيل الصالحين، فهم منه إيجاب إتباع سبيلهم فيما به صاروا صالحين): قلنا: لا نسلم؛ لأن سبيل الصالح شيء مضاف إلى الصالح، والمضاف إلى الشيء خارج عنه، والصلاح جزء من ماهية الصالح، وداخل فيها، والخارج عن الشيء لا يكون نفس الداخل فيه.

стр. 2486

سلمنا، لكن المتابعة في الصلاح ممكنة، أما في الإيمان، فلا؛ لأنه لا يحصل بالتقليد، وقد بينا أن الإتباع هو الإتيان بمثل فعل الغير، لأجل أن ذلك الغير فعله. قوله: (إذا حملناه على الإيمان، كان ذلك السبيل حاصلا في الحال، ولو حملناه على الإجماع، لم يكن حاصلا في الحال): قلنا: لما دللنا على أنه لا يجوز حمله على الإيمان، وجب حمله على ذلك. غايته أنه يفضي إلى المجاز، لكنه مجاز سائغ؛ لن تسمية الشيء باسم ما يئول إليه مشهور. قوله: (السلطان، إذا قال: (ومن يشاقق وزيري، ويتبع غير سبيل فلانٍ .....) ويعني به المطيعين لذلك الوزير، فهم منه أنه أراد بذلك سبيلهم في طاعته): قلنا: لا نسلم؛ فإن اللفظ يقتضي العموم، وما ذكرتموه قرينة عرفية، تقتضي الخصوص، والدلالة اللفظية راجحة على القرينة العرفية. قوله: (المراد إيجاب إتباع كل المؤمنين، أو بعضهم؟): قلنا: الكل. قوله: (كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى قيام الساعة): قلنا: هذا مدفوع؛ لوجهين: الأول: أن جميع المؤمنين هم الذين دخلوا في الوجود؛ لأن المؤمن: هو المتصف بالإيمان، والمتصف بالإيمان يجب أن يكون موجودًا، وما سيوجد في المستقبل، ولم يوجد في الحال، فهو غير موجودٍ.

стр. 2487

قوله: (الموجودون في العصر الأول لا يصدق عليهم في العصر الثاني: أنهم كل المؤمنين): قلنا: لكن لما صدق عليهم في العصر الأول: أنهم كل المؤمنين، وهم في العصر الأول اتفقوا على أنه لا يجوز لأحد من سائر الأعصار مخالفتهم، وجب أن يكون ذلك الحكم منهم صدقًا في العصر الأول، فإذا ثبت في العصر الأول: أن ذلك الحكم حق في كل الأعصار، ثبت ذلك في كل الأعصار؛ غذ لو لم يكن حقًا في العصر الثاني، لما صدق في العصر الأول: أنه حق في كل الأعصار، مع أنا فرضنا أن ذلك حق. الثاني: أن الله علق العقاب على مخالفة كل المؤمنين؛ زجرًا عن مخالفتهم، وترغيبًا في الأخذ بقولهم؛ فلا يجوز أن يكون المراد جميع المؤمنين إلى قيام الساعة؛ لأنه لا فائدة في التمسك بقولهم بعد قيام الساعة. قوله: (إذا كان المراد من (المؤمنين الموجودين في ذلك العصر، كانت الآية دالةً على أن إجماع الموجودين في وقت نزول الآية حجة): قلنا: لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى إيجاب إتباع مؤمني ذلك العصر؛ لأن قول المؤمنين حال حياة الرسول ﷺ ، إن كان مطابقًا لقوله، كانت الحجة في قوله، لا في قولهم؛ فيصير قولهم لغوًا، ولما بطل ذلك، ثبت أن المراد إيجاب العمل بقول المؤمنين، في أي عصرٍ كان. قوله: (المراد: كل مؤمني العصر، أو بعضهم؟): قلنا: ظاهره الكل، إلا ما أخرجه الدليل المنفصل، وهم العوام، والأطفال والمجانين، فبقي غيرهم، وهم جمهور العلماء، داخلا تحت الآية.

стр. 2488

قوله: (نحمله على الإمام المعصوم): قلنا: هذا باطل؛ لأن الوعيد على مخالفة المؤمنين، فحمله على الواحد ترك للظاهر. قوله: (المراد بالمؤمن: المصدق في الباطن، وهو غير معلوم الوجود): قلنا: المؤمن في اللغة هو: المصدق باللسان؛ فوجب حمله عليه إلى قيام المعارض. والذي يدل عليه: أنه تعالى، لما أوجب علينا إتباع سبيلهم، فلابد وأن نكون متمكنين من معرفتهم، والإطلاع على الأحوال الباطنة ممتنع؛ فوجب حمله على التصديق باللسان. قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد إيجاب اتباع السبيل الذي من شأنه أن يكون سبيلا للمؤمنين)؟: قلنا: هذا عدول عن الظاهر، من غير ضرورةٍ. قوله: (هذه الدلالة ظنية، فلا يجوز إثبات الحكم القطعي بها): قلنا: عندنا أن هذه المسألة ظنية، ولا نسلم انعقاد الإجماع على أنها ليست ظنية. قوله: (أعظيتم الفرع من القوة ما ليس للأصل): قلنا: نحن لا نقول بتكفير مخالف الإجماع، ولا بتفسيقه، ولا نقطع أيضًا به؛ وكيف، وهو عندنا ظني؟! قوله: (هذه الدلالة معارضة بالآيات الدالة على النهي عن الباطل):

стр. 2489

قلنا: لا نسلم أن ذلك النهي خطاب مع الكل؛ بل خطاب مع كل واحدٍ منهم، والفرق بين الكل، وبين كل واحدٍ منهم معلوم، ونحن إنما ندعى عصمة الكل، لا عصمة كل واحد. سلمنا كونه خطابًا للكل لكن؛ النهي لا يقتضي إمكان المنهي عنه من كل وجه؛ لأن الله، ، ينهي المؤمن عن الكفر، مع علمه بأنه لا يفعله، وما علم أنه لا يوجد، فهو محال الوجود، وأما حديث معاذ: فهو إنما ترك ذكر الإجماع؛ لأنه لا يكون حجةً في زمان حياة الرسول ﷺ : (لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي): فهو يدل على حصول الشرار في ذلك الوقت، فأما أن يكونوا بأسرهم شرارًا، فلا، وكذا القول في سائر الأحاديث، وأما قوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدى كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض): ففي صحته كلام. سلمناه؛ لكن لعله خطاب مع قومٍ مخصوصين. قوله: (جاز الخطأ على كل واحدٍ، فيجوز على الكل): قلنا: لا نسلم أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد، والمثال الذي ذكره يدل على أن ذلك قد يكون كذلك، ولا يدل على أنه لابد، وأن يكون كذلك. سلمنا أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد؛ ولكن عندنا يجوز الخطأ على الكل أيضًا، لكن ليس كل ما جاز وقع، والله - تعالى - لما أخبر عنهم أن ذلك لا يقع، علمنا أنهم لا يتفقون على الخطأ. قوله: (اتفاقهم: إما أن يكون لدلالة أو لأمارةٍ): قلنا: لم لا يجوز أن يكون لدلالةٍ إلا أنهم ما نقلوها اكتفاءً منهم بالإجماع؟ فإنه متى حصل الدليل الواحد، كان الثاني غير محتاج إليه، والله أعلم.

стр. 2490

المسألة الثالثة الإجماع حجة قال القرافي: قوله: (خلافًا للخوارج والنظام والشيعة): قلنا: كيف تستقيم حكاية الخلاف عن الشيعة، مع أنه بعد هذا يقول إنهم احتجوا على أن الإجماع حجة، بأن إجماعهم لا يخلو عن الإمام المعصوم؟ وطريق الجمع بين الكلامين، أنهم لا يقولون: الإجماع حجة لما هو إجماع أمة محمد ﷺ ؛ بل لأجل المعصوم، فلولا هو لم يكن الإجماع حجة. ونحن نقول: الإجماع بما هو إجماع حجة، فتصور الخلاف، وتصور اعتقادهم أنه حجة لأجل المعصوم. فهذا وجه الجمع بين الكلامين. (فائدة) قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): قال النظام بالإجماع، وعند تأمل قوله يقتضي عدم القول به؛ لأنه يقول: (الإجماع الذي هو حجة هو كل خبر صادق، قل عددنا عليه أو كثر، إذا اضطر إلى القول به، وانفرد عن معارضة ما هو في رتبته). والإجماع الذي نقول نحن به إذا وقع عن تأويل يجوز خطؤه، إلا أن يكون عن خبر صحيح. والرافضة قالت: يجوز خطؤه، ومعه لا يجوز خطؤه، وإن خالفته الأمة أصاب، وأخطأت. وقالت الخوارج بالإجماع من الصحابة قبل حدوث الفرقة، وبالإجماع من بعدهم من أهل شيعتهم؛ لأنه لا يسمي مؤمنًا عندهم إلا هم، وإنما يعتبر
следующие страницы →