← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14280

نفائس الأصول في شرح المحصول

القرافي

Полный текст (4 032 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

سلمنا، لكن المتابعة في الصلاح ممكنة، أما في الإيمان، فلا؛ لأنه لا يحصل بالتقليد، وقد بينا أن الإتباع هو الإتيان بمثل فعل الغير، لأجل أن ذلك الغير فعله. قوله: (إذا حملناه على الإيمان، كان ذلك السبيل حاصلا في الحال، ولو حملناه على الإجماع، لم يكن حاصلا في الحال): قلنا: لما دللنا على أنه لا يجوز حمله على الإيمان، وجب حمله على ذلك. غايته أنه يفضي إلى المجاز، لكنه مجاز سائغ؛ لن تسمية الشيء باسم ما يئول إليه مشهور. قوله: (السلطان، إذا قال: (ومن يشاقق وزيري، ويتبع غير سبيل فلانٍ .....) ويعني به المطيعين لذلك الوزير، فهم منه أنه أراد بذلك سبيلهم في طاعته): قلنا: لا نسلم؛ فإن اللفظ يقتضي العموم، وما ذكرتموه قرينة عرفية، تقتضي الخصوص، والدلالة اللفظية راجحة على القرينة العرفية. قوله: (المراد إيجاب إتباع كل المؤمنين، أو بعضهم؟): قلنا: الكل. قوله: (كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى قيام الساعة): قلنا: هذا مدفوع؛ لوجهين: الأول: أن جميع المؤمنين هم الذين دخلوا في الوجود؛ لأن المؤمن: هو المتصف بالإيمان، والمتصف بالإيمان يجب أن يكون موجودًا، وما سيوجد في المستقبل، ولم يوجد في الحال، فهو غير موجودٍ.

стр. 2487

قوله: (الموجودون في العصر الأول لا يصدق عليهم في العصر الثاني: أنهم كل المؤمنين): قلنا: لكن لما صدق عليهم في العصر الأول: أنهم كل المؤمنين، وهم في العصر الأول اتفقوا على أنه لا يجوز لأحد من سائر الأعصار مخالفتهم، وجب أن يكون ذلك الحكم منهم صدقًا في العصر الأول، فإذا ثبت في العصر الأول: أن ذلك الحكم حق في كل الأعصار، ثبت ذلك في كل الأعصار؛ غذ لو لم يكن حقًا في العصر الثاني، لما صدق في العصر الأول: أنه حق في كل الأعصار، مع أنا فرضنا أن ذلك حق. الثاني: أن الله علق العقاب على مخالفة كل المؤمنين؛ زجرًا عن مخالفتهم، وترغيبًا في الأخذ بقولهم؛ فلا يجوز أن يكون المراد جميع المؤمنين إلى قيام الساعة؛ لأنه لا فائدة في التمسك بقولهم بعد قيام الساعة. قوله: (إذا كان المراد من (المؤمنين الموجودين في ذلك العصر، كانت الآية دالةً على أن إجماع الموجودين في وقت نزول الآية حجة): قلنا: لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى إيجاب إتباع مؤمني ذلك العصر؛ لأن قول المؤمنين حال حياة الرسول ﷺ ، إن كان مطابقًا لقوله، كانت الحجة في قوله، لا في قولهم؛ فيصير قولهم لغوًا، ولما بطل ذلك، ثبت أن المراد إيجاب العمل بقول المؤمنين، في أي عصرٍ كان. قوله: (المراد: كل مؤمني العصر، أو بعضهم؟): قلنا: ظاهره الكل، إلا ما أخرجه الدليل المنفصل، وهم العوام، والأطفال والمجانين، فبقي غيرهم، وهم جمهور العلماء، داخلا تحت الآية.

стр. 2488

قوله: (نحمله على الإمام المعصوم): قلنا: هذا باطل؛ لأن الوعيد على مخالفة المؤمنين، فحمله على الواحد ترك للظاهر. قوله: (المراد بالمؤمن: المصدق في الباطن، وهو غير معلوم الوجود): قلنا: المؤمن في اللغة هو: المصدق باللسان؛ فوجب حمله عليه إلى قيام المعارض. والذي يدل عليه: أنه تعالى، لما أوجب علينا إتباع سبيلهم، فلابد وأن نكون متمكنين من معرفتهم، والإطلاع على الأحوال الباطنة ممتنع؛ فوجب حمله على التصديق باللسان. قوله: (لم لا يجوز أن يكون المراد إيجاب اتباع السبيل الذي من شأنه أن يكون سبيلا للمؤمنين)؟: قلنا: هذا عدول عن الظاهر، من غير ضرورةٍ. قوله: (هذه الدلالة ظنية، فلا يجوز إثبات الحكم القطعي بها): قلنا: عندنا أن هذه المسألة ظنية، ولا نسلم انعقاد الإجماع على أنها ليست ظنية. قوله: (أعظيتم الفرع من القوة ما ليس للأصل): قلنا: نحن لا نقول بتكفير مخالف الإجماع، ولا بتفسيقه، ولا نقطع أيضًا به؛ وكيف، وهو عندنا ظني؟! قوله: (هذه الدلالة معارضة بالآيات الدالة على النهي عن الباطل):

стр. 2489

قلنا: لا نسلم أن ذلك النهي خطاب مع الكل؛ بل خطاب مع كل واحدٍ منهم، والفرق بين الكل، وبين كل واحدٍ منهم معلوم، ونحن إنما ندعى عصمة الكل، لا عصمة كل واحد. سلمنا كونه خطابًا للكل لكن؛ النهي لا يقتضي إمكان المنهي عنه من كل وجه؛ لأن الله، ، ينهي المؤمن عن الكفر، مع علمه بأنه لا يفعله، وما علم أنه لا يوجد، فهو محال الوجود، وأما حديث معاذ: فهو إنما ترك ذكر الإجماع؛ لأنه لا يكون حجةً في زمان حياة الرسول ﷺ : (لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي): فهو يدل على حصول الشرار في ذلك الوقت، فأما أن يكونوا بأسرهم شرارًا، فلا، وكذا القول في سائر الأحاديث، وأما قوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدى كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض): ففي صحته كلام. سلمناه؛ لكن لعله خطاب مع قومٍ مخصوصين. قوله: (جاز الخطأ على كل واحدٍ، فيجوز على الكل): قلنا: لا نسلم أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد، والمثال الذي ذكره يدل على أن ذلك قد يكون كذلك، ولا يدل على أنه لابد، وأن يكون كذلك. سلمنا أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد؛ ولكن عندنا يجوز الخطأ على الكل أيضًا، لكن ليس كل ما جاز وقع، والله - تعالى - لما أخبر عنهم أن ذلك لا يقع، علمنا أنهم لا يتفقون على الخطأ. قوله: (اتفاقهم: إما أن يكون لدلالة أو لأمارةٍ): قلنا: لم لا يجوز أن يكون لدلالةٍ إلا أنهم ما نقلوها اكتفاءً منهم بالإجماع؟ فإنه متى حصل الدليل الواحد، كان الثاني غير محتاج إليه، والله أعلم.

стр. 2490

المسألة الثالثة الإجماع حجة قال القرافي: قوله: (خلافًا للخوارج والنظام والشيعة): قلنا: كيف تستقيم حكاية الخلاف عن الشيعة، مع أنه بعد هذا يقول إنهم احتجوا على أن الإجماع حجة، بأن إجماعهم لا يخلو عن الإمام المعصوم؟ وطريق الجمع بين الكلامين، أنهم لا يقولون: الإجماع حجة لما هو إجماع أمة محمد ﷺ ؛ بل لأجل المعصوم، فلولا هو لم يكن الإجماع حجة. ونحن نقول: الإجماع بما هو إجماع حجة، فتصور الخلاف، وتصور اعتقادهم أنه حجة لأجل المعصوم. فهذا وجه الجمع بين الكلامين. (فائدة) قال القاضي عبد الوهاب في (الملخص): قال النظام بالإجماع، وعند تأمل قوله يقتضي عدم القول به؛ لأنه يقول: (الإجماع الذي هو حجة هو كل خبر صادق، قل عددنا عليه أو كثر، إذا اضطر إلى القول به، وانفرد عن معارضة ما هو في رتبته). والإجماع الذي نقول نحن به إذا وقع عن تأويل يجوز خطؤه، إلا أن يكون عن خبر صحيح. والرافضة قالت: يجوز خطؤه، ومعه لا يجوز خطؤه، وإن خالفته الأمة أصاب، وأخطأت. وقالت الخوارج بالإجماع من الصحابة قبل حدوث الفرقة، وبالإجماع من بعدهم من أهل شيعتهم؛ لأنه لا يسمي مؤمنًا عندهم إلا هم، وإنما يعتبر

стр. 2491

إجماع المؤمنين. قال ابن برهان في (الأوسط): (قالت المرجئة: الإجماع ليس بحجة). قوله: (لم لا يجوز أن يكون متابعة غير سبيل المؤمنين مشروطة بمشاقة الرسول؟): قلنا: نص النحاة على أن المعطوف يجب مشاركته للمعطوف عليه في أصل الحكم الذي سيق الكلام لأجله، دون الظروف، [و] المجرورات، والأحوال، والمتعلقات، فإذا قلت: (أكرمت زيدًا في الدار، أو أمامك، أو قائمًا، أو لأجل ولده). ثم تقول: (وعمرًا)، لا يشاركه عمرو إلا في أصل الإكرام دون هذه الأمور، فلذلك الشرط يمتنع أن تجب المشاركة فيه لأجل هذه القاعدة، فيقع الاشتراك في أصل التحريم دون متعلقاته. قوله: (بين القسمين واسطة، وهي عدم الإتباع): تقريره: أن المكلف إذا فعل مثل فعل الأمة لا لأنهم فعلوه، بل لأن

стр. 2492

الدليل ساقه إليه، لم يصدق عليه أنه متبع غير سبيل المؤمنين؛ لأن هذه سبيلهم، لم يكن أحد منهم يفعل؛ لأن الآخر فعل؛ بل لأجل الدليل، ولا متبع لغير سبيل المؤمنين؛ فإن غير المؤمنين لم يفعلوا هذا الفعل، فصدقت الواسطة. قوله: (أمر الله - تعالى - أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله - تعالى - في كل ما اخبر به عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن، فيكون أبو لهب مكلفًا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وذلك متعذر): قلنا: قد تقدم في تكليف ما لا يطاق في الأوامر. الجواب عن هذا الموضع مبسوطًا. قوله: (إذا تبين من الهدى): دليل المسألة لا يبقي في الإجماع. (فائدة) قلنا: لا نسلم أن اجتماع الأدلة على المدلول الواحد يزيد في غلبة الظن ، لاسيما الإجماع يحصل القطع بالحكم، فضمه إلى دليل المسألة يصير العلم بدلا من الظن بسببه، وهذه فائدة جليلية، وما زال العلماء يذكرون على المطلب الواحد عدة أدلة لهذا الغرض. سلمنا أنه لا يجتمع مدركان، لكن لا تبقي تلك الفائدة؛ لأن الإجماع حينئذ يكون أولى من ذلك المدرك؛ لكونه قطيعًا. قوله: (لفظ (الغير)، ولفظ (السبيل) مفرد، لا يفيد العموم): قلنا: لكنه أضيف للمؤمنين، والسبيل، والقاعدة أن اسم الجنس إذا أضيف عم.

стр. 2493

(تنبيه) اختلف العلماء في لفظ (غير): هل ينصرف بالإضافة كسائر الأسماء، أو لا ينصرف كقول العرب: (مررت برجل غيرك) فتنعت به النكرات؛ لأن كل أحد يصدق عليه أنه غيرك، فكانت متوغلة في التنكير، أو الفرق بين أن تضاف لضدين لا ثالث لهما، فتنصرف كقولك: مررت بغير الساكن، فيتعين أنه المتحرك، وأيضًا لشيء لأضداده عدد كثير نحو: (غيرك) فلا تنصرف، ولهذا اختلف في قوله تعالى:﴾ غير المغضوب عليهم ﴿[الفاتحة:٧] هل هو نعت لـ (الذين) أو بدل على هذه القاعدة؟ إذا تقرر هذا، فأمكن أن يقال: إن اسم الجنس إذا أضيف إنما يعم إذا كان المضاف يتعرف، أما إذا لم يتعرف فلا، ويكون العموم تابعًا للتعريف، كما كان الإطلاق تابعًا للتنكير. كما أننا لو تخلينا أن (لام) التعريف في الجمع المعرف زائدة، وأنها لم تفد تعريفًا، لم يحصل العموم، وأمكن أن يقال: إن عدم التعريف لا يُخيل بالعموم؛ لأن النكرة شيء مع لا، وهي للعموم. و (ما جاءني من أحد) نكرة، وهي للعموم، وإذا كان التعميم أعم من التعريف، لا يضر عدم التعريف؛ لأنه لا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم، فهذا موضع نظر، فتأمله. قوله: (إن كانت للعموم يكون معناه إن كل من اتبع كل ما كان مغايرًا لكل ما كان من سبيل المؤمنين استحق العقاب، وهذا لا يقتضي منع البعض): قلنا: هذا بناء على أن صيغ العمومات كليات، وإنما هي كليات. وقد بينا في أول كتاب العموم- أن مدلول العموم لو كان كلا لتعذر الاستدلال بالعموم في النفي والنهي، وإذا كان مدلول العموم كلية لا كلا، كان الوعيد في البعض كالكل سواء.

стр. 2494

قوله: (عندنا يحرم بعض ما غاير بعض سبيل المؤمنين، أو بعض ما غاير كل سبيل المؤمنين، أو كل ما غاير بعض سبيل المؤمنين): تقريره: أن الخصم يعتقد أن المراد بـ (سبيل المؤمنين) الإيمان لا الفروع، وبمغايرة الكفر، فيحرم بعض ما غاير بعض سبيل المؤمنين، فالبعض الأول الكفر، والثاني الإيمان، ويحرم بعض ما غاير كل سبيل المؤمنين، فالمراد بالبعض: الكفر، وبالكل: الإيمان وجميع الفروع والبعض الذي هو الكفر مغاير لهذا الكل، ويحرم كل ما غاير بعض سبيل المؤمنين، فالمراد بالبعض الإيمان، والمراد بالكل كل شيء يخالف الإيمان وينافيه، ولا شك أن كل ما ينافي الإيمان حرام. قوله: (من شرط صحة المجاز حصول المناسبة). قلنا: العلاقة - هاهنا - أن الطريق الحسي موصل للقصد من السفر وغيره، والإيمان وما يختاره الإنسان لنفسه موصل لمقصده من ذلك الذي اختاره، فالعلاقة كون كل واحد منهما مفضيًا للقصد. قوله: (التجوز إلى الدليل أولى): قلنا: بل الحكم أولى؛ لأن (السبيل) لغة: هو ما يختاره الإنسان لنفسه موصلا لمقصده، والدليل لا يختاره الإنسان، بل النظر يقود إليه، أما الحكم إذا دل الدليل عليه، فإن الإنسان يختاره حينئذ بعد صحة النظر؛ ولأن الحكم هو المقصد، والدليل وسيلة، والمقاصد أهم من الوسائل، فحمل كلام الشرع على الأهم أولى من التجوز. قوله: (بين إتباع سبيل المؤمنين، وإتباع سبيل غيره واسطة؛ لأن غير وإن كان للاستثناء، لكن أصله للصفة).

стр. 2495

قلنا: كونها للاستثناء أو للصفة لا مدخل له هاهنا؛ فإنا وإن جعلناها صفة المنع متجه، فلا حاجة لهذه المقدمة. قوله: (فإن قلت: ترك متابعة سبيل المؤمنين غير سبيل المؤمنين، فمن ترك متابعة سبيلهم، فقد اتبع غير سبيلهم): قلنا: لا نسلم أنه غير سبيلهم؛ فإن كل واحد منهم لم يفت بما أفتى به لأجل الإتباع، بل لأجل الدليل، والإتباع إنما يكون بعد تقرر فتواهم، فالإتباع لغيرهم لا لهم، فترك المتابعة هو سبيلهم، وترك المتابعة أعم من المخالفة؛ فإنهم في أنفسهم لم يتبعوا أنفسهم، ولم يخالفوا أنفسهم، والمخالفة والموافقة إنما كانا بيانًا من الغير بالنسبة إليهم. قوله: (المفهوم من عدم حصول الإجماع حصول الخلاف): قلنا: لا نسلم، بل عدم الإجماع أعم؛ لأنه يكون بطريقين: أحدهما: أن يختلفوا. والثاني: ألا تقع المسألة ألبتة، أو تقع ولم يجدوا دليلا، وهم متفقون، فيصدق أنهم ما اجتمعوا ولا اختلفوا في هذه الصور كلها. فعدم الإجماع أعم من الاختلاف، والأعم لا يفسر الأخص به، ولا يلزم على هذا التقدير أن يكون الإجماع مشروطًا بتجويز الخلاف، بل توقفهم حالة النظر، واتفاقهم على ذلك مشروط بالإجماع على الحكم آخرًا، فهو إجماع مشروط بإجماع، لا إجماع مشروط بتجويز اختلاف. قوله: (الذين لم يوجدوا بعد فليسوا بمؤمنين):

стр. 2496

قلنا: قد تقدم في (باب الاشتقاق) أول الكتاب أن المشتق على قسمين: محكوم به، ومتعلق للحكم. فمتعلق الحكم يكون حقيقة مطلقًا في الحال، والماضي، والمستقبل، بخلاف المحكوم به، لا يكون حقيقة إلا في الحاضر فقط، و (المؤمنين) في الآية متعلق الحكم، والحكم هو وجوب متابعتهم، فتكون الآية تتناول المؤمنين أبدًا غاية في جميعهم، بل تتناول كل ما في مادة الإمكان، ويسقط هذا البحث هناك في الاشتقاق. قوله: (الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي ﷺ ): قلنا: قد تقدم في باب النسخ إمكان إجماعهم على الحكم في حياته ﵇، وما المانع من ذلك، وقد شهد ﵇ لأمته بالعصمة، وأمته غيره، وهي موجودة في زمانه؟ فإذا أفتوا كلهم بشيء كان حقا، وتصور الإجماع، وكما تصورنا الإجماع بعد وفاته ﵇ مع أن فتياه ﵇ ليست من جملة فتاويهم، فكذلك يتصور في زمانه ﵇ ليس معهم، ويكون قولهم حينئذ حجة، ويمكنه الوقوع. قوله: (لم يثبت أن الذين كانوا موجودين في زمانه ﵇ بقوا بعد وفاته ﵇ فيحصل الشك في الإجماع): قلنا: هذا السؤال يقتضي إذا سلم عدم وقوع الإجماع، ونحن إنما نتكلم في أن الإجماع إذا وقع هل هو حجة أم لا؟ وهذا لا ينفيه ألبتة. قوله: (الإيمان: التصديق بالقلب، وهو غير معلوم، فكيف نعلم أنهم مؤمنون حتى نتبعهم؟): قلنا: قد يعلم ما في القلب بقرائن الأحوال، ولذلك نقطع بكثير من أحوال النفوس من الفرح والغضب، وغير ذلك، بسبب ما يظهر على أهلها من قرائن الأحوال، فكذلك الإيمان والكفر.

стр. 2497

قوله: (خطؤهم يخرجهم عن استحقاق الثواب): قلنا: لا نسلم، بل المخطئ يؤجر؛ لقوله ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر)؛ ولأنهم بذلوا اجتهادهم في طاعة الله تعالى، وذلك عمل صالح يثابون عليه، وعلى نياتهم. قوله: (الفقهاء يثبتون الإجماع بظواهر العمومات، ولا يكفرون من خالف العمومات لتأويل، ويكفرون من خالف الإجماع، فيجعلون الفرع أقوى من الأصل): قلنا: الإجماع قطعي لأجل دلالة كل عموم، لا بالنظر إلى ذلك العموم وحده، بل جميع أصول الفقه مسائلة المشهورة قطعية، ومدرك القطع فيها يحصل لمن حصل له الاستقراء التام في نصوص الشريعة، وأقضيه الصحابة في فتاويهم ومناظراتهم، والإطلاع على كثرة واردات السنة في أعيان تلك المسائل، فيحصل القطع حينئذ، أما بمجرد آية أو خبر فلا، فهذا هو معنى قول العلماء: (مسائل أصول الفقه قطعية)، وليس في الممكن أن يوضع في كتاب جميع تلك الأمور التي تحصل العلم، كما أنا نقطع بسخاء حاتمٍ، وبشجاعة على؛ لكثرة الاستقراء لأخبارهما: ولو أنا لم نجد إلا كتابًا سطرت فيه حكايات كثيرة عنهما لم يحصل لنا القطع، فوضع العلماء في كتب أصول الفقه أصول المدارك دون نهاياتها تنبيهًا عليها، وحينئذ يتجه قولهم: إن مخالف الإجماع يكفر لمخالفته القطعي، ومخالف العموم لا يكفر لمخالفته الظني، وليس في ذلك ترجيح الفرع على الأصل؛ لأن أصل الإجماع في التحقيق إنما هو ذلك المجموع الذي أشرنا إليه، ولو خالف أحد ذلك المجموع كفرناه، وسوينا بين الفرع والأصل، بل نكفره بذلك الأصل القطعي بطريق الأولى؛ لكونه أصلا قطعيًا، وإذا لم نكفره بمخالفة عموم واحد نكون قد رجحنا الفرع على بعض أصله، ولا غرو في ذلك حينئذ،

стр. 2498

فتأمل ذلك؛ فإن المصنف [قد] أكثر التشنيع في هذا المقام، وأداه صعوبة هذا الموضع إلى أن قال: الإجماع ظني، وهو خلاف إجماع من تقدمه كما حكاه هو هاهنا، وما سببه إلا عدم النظر في هذا البحث، فتأمله تخلص من هذه الضوائق إن شاء الله تعالى.

стр. 2499

قوله: (عن النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي): قلنا: هذا لا ينافي كونهم في ذلك الوقت أجمعوا على واقعة واحدة، ويكونون شرارًا باعتبار كثرة فسوقهم؛ فإن الحكم للغالب كما أنا نقول: للصالحين: صالحون، وإن كان لهم هفوات كثيرة. قال الله تعالى:﴾ إن ربك واسع المغفرة ﴿[النجم:٣٢]، سلمنا عدم اجتماعهم في ذلك الوقت، لكنا ندعى أن الإجماع إذا وجد كان حجة، ولا ندعى أنه واجب الدوام، ولا واجب الوقوع في صورة معينة، فلا يقدح ذلك في غرضنا، وهذا هو الجواب عن نفيه الأحاديث التي أوردها في هذا الموضع. قوله: (جاز الخطأ على كل واحد، فيجوز على الكل، كالزنج لما كان كل واحد أسود كان الكل أسود):

стр. 2500

قلنا: الأحكام على قسمين: منها ما لا يثبت إلا للمجموعات، ولا يثبت للآحاد، كالعلم بعدد التواتر، والري بعد شرب القدح، لا يثبت لكل نقطة منه، والشبع بالرغيف، لا يثبت لكل لبابة منه، والجيش يشيل الصخرة العظيمة دون آحاده، وهو كثير في العالم في الأدوية، و [في] الأغذية، والعلاجات ونحو ذلك. ومنها ما يثبت للآحاد، ولا يثبت للمجموع، عكس الأول، كالألوان؛ فإن مجموع الصقلاب ليس أبيض، بل أفراده فقط؛ لأن البياض يعتمد جسمًا يقوم به، والمجموع فيه صورته ذهنية، لا وجود لها في الخارج، وما لا وجود له في الخارج يمتنع أن يقوم به البياض، وإنما توالي الأفراد في الخارج حتى يخلق الله - تعالى - عقيب ذلك التوالي علمًا في النفس من التواتر مثلا، أو ريا من توالي نقط الماء، أو شبعًا من توالي لباب الخبز، فهذا ممكن؛ لأنه يرجع إلى خلق الله - تعالى - موجودًا عند موجودات أخر، بخلاف قيام الأعراض، والألوان، والطعوم، والروائح، وجميع الصفات الحقيقية تعتمد موضوعات موجودة في الخارج، فتأمل هذا الموضع، وبه يظهر لك بطلان قولهم: (إن مجموع الزنج أسود)، وإن الخطأ إذا جاز على الآحاد جاز على المجموع، بل المجموع يخلق الله - تعالى - عقيبه العلم، ولا يخلقه عقيب الآحاد، ويخلق ظن الصواب عند الآحاد، وتجويز الخطأ، ولا يخلق ذلك عقيب التواتر، فهذا موضع غلط يقل التفطن له. قوله: (حال الناس تختلف في الأمارة، فيستحيل إجماعهم لأجلها): قلنا: الأمارة تارة تكون من النظر والاستنباط، فهذه يختلف الناس فيها، وتارة لا يكون الدليل قطعيًا، وتكون الأمارة الظنية خبرًا واحدًا، وقرينة حالية أو مقالية تعلم بالحس، ودلالتها في نفسها ظنية، فيتفق العقلاء عليها بالضرورة.

стр. 2501

ومثاله: إذا روى في الواقعة حديث صحيح، والناس يسمعونه، وليس له معارض، فيستحيل على كل مؤمن إلا أن يعمل به، فيحصل الإجماع بالضرورة. قوله: (بعض الناس يقول: الأمارة ليست حجة): قلنا: هذا لا ينافي انعقاد الإجماع؛ لأن هذا القائل إما أن يكون مسبوقًا بالإجماع، فينعقد الإجماع على الحكم بأمارةٍ قبل طروء هذا المذهب، أو ينقرض هذا القائل، ولم يبق إلا من يقول بأن الأمارة حجة، فينعقد الإجماع حينئذ بالأمارة. قوله: (إن لزم من عدم الشرط عدم المشروط، كان إتباع غير سبيل المؤمنين جائزًا مطلقًا، وهو باطل؛ لأن مخالفة الإجماع وإن لم يكن خطأ، لكن لا يكون صوابًا مطلقًا): قلنا: هذا الكلام غير مفيد؛ لأن المعلق على الشرط هو التحريم، فينتفي التحريم عند انتفائه. فإن أردت بقولك: (لا يكون صوابًا مطلقًا) أنه لا سبيل إلى القول بعدم تحريم مخالفته، فهذه مصادرة؛ لأن مذهب الخصم أن مخالفة الإجماع لا تكون حرامًا في حالة من الأحوال ألبتة. وإن أردت أن التحريم ينتفي، ويبقي الندب للموافقة، فهذا لا يقدح في أن المشروط انتفى عند انتفاء الشرط، ولا يقدح في أن الإجماع لا يكون حجة، كما قاله الخصم، فلا يتحصل من هذا الكلام شيء. قوله: (الشرط في (المشافه) هو تبين الهدى، بمعنى الدليل الدال على التوحيد): تقريره: أن الشرط وإن كان لا يتناول إلا المستقبل، و (لام) التعريف

стр. 2502

للعموم، لكن معنا في الآية ما يقتضي ذلك، وهو قوله تعالى:﴾ تبين له الهدى ﴿[النساء: ١١٥] بلفظ الفعل الماضي، وهذا الماضي لا يكون معناه الاستقبال كقولك: (إن جاءني زيد أكرمته) تقديره: (إن يأتني أكرمه)، فلفظه ماضي، ومعناه مستقبل، وهاهنا ليس كذلك بسبب أن تبين الهدى هاهنا ليس مشروطا، بل خارج عنهما، كما تقول: (من يدخل داري بعد أن تقدم مني الإعلام أمس فله درهم)، فكأنك أوجبت الربط، واستحقاق الدرهم موصوفًا بأن ذلك الربط وقع بعد وقوع أمر آخر في الوجود، وكذلك هاهنا. وإذا كان لفظ (تبين) ماضيًا لفظًا ومعنى، وجب ألا يكون الألف واللام فيه للعموم؛ فإن جميع أفراد الهدى وأدلة الفروع لا يلزم أن تكون كلها [قد] وقعت ودخلت الوجود قبل نزول هذه الآية، بل العموم غير متناهٍ، وغير المتناهي لا يقضي عليه بالدخول في الزمن الماضي، إذا بطل العموم تعين العهد، وإن الهدى هو المعجزة الدالة على صدق الرسول ﵇، والأدلة الدالة على الوحدانية وغيرها من قواعد الديانات. قوله: ((الغير) و (السبيل) للعموم لصحة الاستثناء): قلنا: قد تقدم في (باب الاستثناء) أنه أربعة أقسام: ما لولاه لعلم دخوله، وما لولاه لظن دخوله، وما لولاه لجاز دخوله، وما لولاه لامتنع دخوله، فلعله هاهنا ما لولاه لجاز دخوله، فلا يبقي فيه حجة. قوله: (لو لم يحمل على العموم بقيت الآية مجملة): قلنا: لا نسلم، بل ذكر وصف الإيمان ينفي الإجمال، ويحمل على ما صاروا به مؤمنين.

стр. 2503

قوله: (إذا أمر الله - تعالى - بإتباع سبيلهم في الاستدلال بالدليل، ثبت أن كل ما اتفقوا عليه صواب): تقريره: أنه إذا وجب إتباعهم في الأدلة كانت حقًا، ومتى كان الدليل حقًا كانت المدلولات والأحكام حقًا، وكان الجميع صوابًا. قوله: (لو قال: (غير سبيلهم، ولا يتبع سبيلهم)، كان ركيكًا، بل لو قال: لا يتبع غير سبيل الصالحين) لا يفهم منه إلا إتباع سبيلهم، ولذلك لا يستقبح: (لا تتبع سبيل غير الصالحين، ولا سبيلهم). تقريره: أن هذه أمور وفروق مستفادة من عرف الاستعمال، وبعضها من الوضع. فقولنا: (لا يتبع غير سبيل زيد) يفهم منه الأمر بإتباع سبيله، وقولنا: (لا يتبع غير سبيل زيد) يقتضي النهي عن إتباع سبيل زيد؛ لأن غير غير سبيل زيد هو سبيل زيد، وقولنا: ذلك الفرق فيه لغوي بخلاف قولنا: (لا يتبع زيد، وغير سبيل زيد). يفهم من الثاني الأمر بإتباع سبيله، ولا يفهم من الأول، وسببه أن لفظ (غير) أشد إشعارًا بالمغايرة للآخر، بخلاف لفظ (السبيل) فيجوز لا تتبع سبيل زيد، ولا سبيل زيد أيضًا، بل اترك الإتباع مطلقًا، وكن أصلا في نفسك، حيث اقتضى الدليل حكمًا أعمل به، بخلاف (لا تتبع غير سبيل زيد)، والفرق هاهنا عرفي. قوله: (أهل الإجماع حذفوا هذا الشرط في الإجماع على الحكم، دون الاختلاف والتوقف). تقريره: أن الأمة إذا كانت في مهلة النظر، أو اتفقت على قولين، فإن المصلحة لم تتعين لأحد النقيضين، بل هي دائرة بينهما، وإذا أجمعوا على

стр. 2504

قول واحد، وأفتوا تعينت المصلحة فيما أفتوا به، فلا معنى لاشتراط شيء في هذا الإجماع، بل مخالف مخطئ قطعًا؛ لتعين المصلحة فيه، بخلاف القسم الأول، جاز أن تتعين المصلحة في حالة غير هذه الحالة التي هم فيها. فيقر هذه الحالة ما لم يظهر ما هو أرجح منها، فلذلك حسن الشرط، ولا حاله أحسن من اتفاقهم على الحكم الواحد؛ لتعين المصلحة فيه، فلم يحسن الشرط. قوله: (سبيل الصالحين شيء مضاف للصالحين، والمضاف غير المضاف إليه، والصلاح جزء من ماهية الصالح): قلنا: هذا غير متجه؛ فإن الخصم لم يقل: إن ما به صاروا صالحين هو عين الصالحين، حتى يتجه عليه أن المضاف غير المضاف إليه، بل قال: يجب متابعتهم في الذي أوجب وصولهم لهذه الغاية، لا في الحكم الذي أفتوا به. قوله: (إذا تعذر حمله على الإيمان يحمل على المتابعة في الصلاح مجازًا). قلنا: قد بينا فيما تقدم أن المشتق إذا كان متعلق الحكم لا يكون مجازًا، وإنما ذلك إذا كان محكومًا به. قوله: (جميع المؤمنين هم الذين دخلوا في الوجود): قلنا: لا نسلم، وإنما يلزم ذلك أن لو كان هذا المشتق محكومًا به، لكنه متعلق الحكم، فلا يختص بالموجود، ولا نفصل فيه بين الحال والاستقبال، إنما نفصل بينهما في المحكوم به. قوله: (لو كان قول المؤمنين من أهل عصر النبي ﷺ مطابقًا لقوله صار قولهم لغوًا):

стр. 2505

قلنا: لا نسلم، بل تجتمع الحجتان وتضافر الأدلة ليس محالا، وقد شهد ﵇ لأمته بالعصمة، وهو ﵇ معصوم، فإذا تضافر القولان اجتمع المثلان من معصومين، فلم يلغ أحدهما. قوله: (ظاهر اللفظ الكل إلا ما أخرجه الدليل من الأطفال والمجانين) قلنا: قد تقدم في (باب العموم) أن مدلول العموم كلية لا كل، فادعاء الكل غير متجه، وإذا كان مدلول اللفظ الكلية يصير معنى الآية: وجوب إتباع كل واحد واحد من المؤمنين، وكل فرد على حياله يحرم مخالفته، وهذا لم يقل به أحد، بل يتعين أن يقال: صيغ المؤمنين متى استدل بها في كون الإجماع حجة يتعين أن يعتقد المستدل بها أنها استعملت مجازًا في غير موضوعها، وهو الكل من حيث هو كل، وهذا مجاز؛ لأن موضوعها الكلية، وهي مغايرة للكل كما تقرر في أول (العموم). قوله: (المؤمن في اللغة: هو المصدق باللسان): قلنا: لا نسلم، بل التصديق بالقلب، وإنما اللسان معرب عما في النفس، كما أن الكافر: من كفر بقلبه، ولم ينطق بلسانه، ولذلك يستحق الأول الخلود في الجنة، وإن لم ينطق إذا تعذر ذلك عليه، ولم يتسع له زمانه، والآخر يستحق النار إجماعًا، نطق أم لا. قوله: (النهي لا يقتضي إمكان المنهي عنه من كل وجه؛ لأن الله - تعالى - نهي المؤمن عن الكفر، مع علمه بأنه لا يفعله): قلنا: الخصم يقول: إن الأمة لو ورد فيها أنها معصومة تعذر ورود النهي لها عن المعاصي؛ لأن إخبار الله - تعالى - معلوم لنا بالوحي، وأما الامتناع الناشئ عن العلم، فهو أمر خفي لا يعلم إلا بوقوع أمره، فمن رأيناه على حاله علمنا أن الله - تعالى - علمها من ذلك الشخص، فلم لا يكون هذا الفرق كافيًا في الباب؟.

стр. 2506

قوله: (الحديث يقتضي أن الشرار يكونون في ذلك الوقت، إما أن يكونوا بأسرهم شرارًا أو لا): قلنا: هذه صيغة حصر تقتضي حصر الأول في الثاني، فينحصر قيام الساعة في الأشرار، فلا يوجد إلا شرير حينئذ كما إذا قلت: (لا تُصل إلا على طاهر). يقتضي حصر الصلاة في الطاهر. (تنبيه) غير سراج الدين وزاد، فقال: [إن المعلق بالشرط] إن لم يكن عدمًا عند عدمه حصل الغرض ، وإن كان لم يكن حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين مشروطة بمشاقة الرسول؛ لئلا يجوز إتباع كل ما هو غير سبيل المؤمنين عند عدم المشاقة. قال: ولقائل أن يقول: لا يلزم حصول الغرض من القسم الأول؛ لجواز أن يكون المعلق بالشرط عدمًا عند عدمه، ويكون حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين عدمًا عند عدم مشاقة الرسول. وإن تردد في عدم هذه الحرمة عند عدم المشاقة لم يكن جواز المخالفة للإجماع في جميع الصور عند عدم المشاقة إن كانت الحرمة عدمًا عنده، إذ انتفاء حرمة كل إتباع لغير سبيل المؤمنين، لا يوجب جواز كل إتباع لغير سبيلهم. ثم إثبات القسم الثاني من الترديد الأول يحصل غرضه، وأيضًا لم يرد

стр. 2507

المعترض بذلك تعليق الحرمة بالمشاقة، بل ترتيب الوعيد على المشاقة، والاتباع المذكورين مجموعًا، ولا يلزم منه ترتيبه على كل واحدٍ منهما منفردًا، وما ذكره ليس جوابًا عنه. وقال على قوله: (وهذا الشرط حذفه أهل الإجماع في الإجماع الثاني): ولقائل أن يقول: هذا جواب عن المقدمة بإثبات الحكم، وأما إثبات الحكم بدليل الإجماع، فالخصم يسلم أنه مخصوص. ثم قال: ولقائل أن يقول: الخصم لا يسلم أن إثبات الحكم بغير الإجماع مخصوص، فله أن يلزم ذلك. قلت: يريد بقوله: (إذا انتفى حرمة كل اتباع غير سبيل المؤمنين، لا يوجب جواز كل اتباع لغير سبيل المؤمنين) أن هذا الاستثناء ورد على موجبة كلية، وهو حرمة اتباع كل غير سبيل المؤمنين، وانتفاء الموجبة يكفي فيها الجزئية، فلا يلزم ثبوت الجواز في الكل. وقوله: (القسم الثاني يحصل الغرض)، يريد أنه كان بعينه، ويحصل مقصوده من غير حاجة للترديد، ويرد على سراج الدين: أن الخصم يمنع حينئذ لولا الترديد. قوله: (هذا جواب عن المقدمة بإثبات الحكم): يريد: أنه جواب عن سؤال البعض بالتزامه، فليس دفعًا له. قوله: (إثبات الحكم بدليل الإجماع، فالخصم يسلم أنه مخصوص): يريد: أن الدليل الدال لأهل الإجماع على جواز الاختلاف خص بصورة الإجماع الثاني، فإنه لا يجوز الخلاف حينئذ. قوله: (الخصم لا يسلم أن إثبات الحكم بغير الإجماع مخصوص):

стр. 2508

يريد: أنه الخصم لا يعتقد الإجماع حجة، فيجوز عنده الخلاف بعد الإجماع الثاني. قال التبريزي: الشيعة وإن أذعنوا بالقبول، لكنهم مغالطون فيه؛ لأنهم يعتقدون أن الإمام المعصوم في غمارهم، والحجة في قوله لا في قولهم، وهذه الآية وهي قوله تعالى:﴾ ومن يشاقق الرسول ﴿[النساء:١١٥] تمسك بها الشافعي. وقول المصنف: (إن الإجماع على المباح مخصوص من الدليل الدال على وجوب الإتباع) ضعيف؛ إذ لا تناقض بين اعتقاد وجوب الفعل من حيث هو متابعة، واعتقاده إباحته من حيث هو ذلك الفعل. كما لو أمر السيد عبده باتباعه في الاصطياد، فالاعتماد في التخصيص على الإجماع. وأما اتباع سبيلهم فهو واجب إلى حين الاتفاق؛ فإنه سبيلهم على هذا الوجه، وهو الجواب عن قوله: (سبيل الإجماع في الحكم أخذه من دليل لا بالإجماع (أن الحكم بمجرد دليل غير الإجماع سبيلهم في غير محل الإجماع، وقبل الإجماع، أما بعده فلا. ثم قال: (من لم يخلق لا يسمى مؤمنًا، ولهذا إذا حضر الموجودون من فقهاء العصر صح أن يقال: حضر كل الفقهاء): قلت: وقد علمت أن المؤمنين في الآية متعلق للحكم لا محكوم بإيمانهم، فلا يلزم ذلك. ثم قال: إن المصنف داع من دعوى القطع وتفسيق المخالف للإجماع، ومن المعلوم إطباق التابعين، وكل قائل للإجماع على القطع بأن الإجماع حجة قاطعة، ولو تطرق احتمال إلى دلالة الإجماع، أو دلالة دليل الإجماع لكان

стр. 2509

قطعهم به خطأ قطعًا، وكان المخالف إذا فسقوه، وبدعوه وشددوا النكير عليه أن ينكر عليهم نكيرهم وتفسيقهم بتفسيقهم إياه. ويقول: هل ارتكبت إلا ترك [ما هو] ظاهر لما هو أظهر منه. في نظري كما يصنع كل مجتهد في مجرى اجتهاده؟ فما هذا النكير؟ وأي فرق بين ظاهر وظاهر؟ والجواب السديد أن يقال: إن المسألة قطعية، ولا سبيل إلى إثبات أصول الشريعة بالظن؛ فإنه تشريع، ولم يتعبد بالظن إلا في الفروع لاسيما إثبات أصل تقدم على نصوص الكتاب والسنة المتواترة، والألفاظ اللغوية قد تفيد القطع، وإنكار ذلك قدح في قواطع الكتاب والسنة، وهو بين كفر وبدعة. ثم يلزم منه عجز الأنبياء ﵈ عن تبليغ الرسائل على القطع، وفيه عجز مرسلهم عن تفهيم العباد الأحكام على القطع من طريق الوحي، وهو محال. نعم لا ننكر أن القطع لا يستند إلى مجرد العلم بالوضع؛ فإنه يحتمل الزيادة، والنقصان، والمجاز وغيره. لكن يحصل الأمر منبهًا بتأكيدات وتكريرات. وأما باعتبار حال المتكلم وهيئته وحركاته، والمعهود من عاداته، أو بأمر من خارج، أو بالمجموع، وذلك مما لا تحيط العبارة بتفاصيلها، كيف ولو أنها أحاطت لما أغنت؟ فإن حكايتها لا تقوم مقامها، فيستفيد المشاهدون لها القطع بالمشاهدة، والغائبون عنها بواسطة قطع المشاهدين، وقرائن تفيد القطع بأن قطعهم عن قاطع، كما في سائر قواطع الكتاب والسنة، ولو كلفنا أنفسنا أبدًا دليلا على ثبوت مباني الإسلام، وطهارات الأحداث والأخباث، وغير ذلك مما لا نجد للاحتمال فيه مجالا، وبذلنا فيه كل الوسع حتى اجتهدنا فيه بالفكر، والنظر لم نظفر بما بلغ من صرائح النصوص. كقوله تعالى:﴾ فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا

стр. 2510

موقوتًا ﴿[النساء:١٠٣]،﴾ كتب عليكم القصاص ﴿[البقرة:١٧٨]،﴾ ولله على الناس حج البيت ﴿[آل عمران: ٩٧]،﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ﴿[المائدة:٦]،﴾ وإن كنتم جنبًا فاطهروا ﴿[المائدة: ٦]، (بني الإسلام على خمس)، وأمثالها. ولو جردنا النظر فيها إلى الوضع لم نرجع فيها إلى أكثر من ظاهر يقبل التأويل. فما هذا القطع، ولا قاطع؟ ولا يمكن إسناده إلى الإجماع؛ لأنه ليس بحجة قاطعة، ثم هو فرع دلالة اللفظ، ولا إلى عدد التواتر؛ فإنه لا أثر لكثرة الرواة في الدلالة. فالشافعي إنما ذكر أصل الدليل في المسألة؛ لأن مستند قطعه بمدلوله هو النظر إلى مقتضى الوضع فحسب، بل جاز أن يستند في ذلك إلى ما يطابق على مقتضاه من ألفاظ الكتاب والسنة صريحًا وإلى قرائن أخرى حسب ما فصلناه. ثم قال من الجواب عن قولهم: (الأمة منهية عن المعاصي، فلا يكونون معصومين). قد قال الله تعالى:﴾ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴿[الزمر:٦٥]،﴾ ولا تدع مع الله إلهًا آخر ﴿[القصص:٨٨]، وهو - تعالى - يعلم عصمته ﵇ بل لو لم يكن ممنوعًا عما عصم عنه لما كان ذلك عصمة، فليفهم ذلك. وعن قولهم: (الخطأ جائز على كل واحد، فيجوز على الكل): أن ذلك الجواب مشروط بالانفراد، وقد فقد الشرط حالة الإجماع. * * *

стр. 2511

المسلك الثاني قال الرازي: التمسك بقوله، :﴾ وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا؛ لتكونوا شهداء على الناس ﴿[البقرة:١٤٣] الله تعالى أخبر عن كون هذه الأمة وسطًا و (الوسط) من كل شيءٍ خياره، فيكون الله قد أخبر عن خيرية هذه الأمة، فلو أقدموا على شيءٍ من المحظورات، لما اتصفوا بالخيرية، وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيءٍ من المحظورات، وجب أن يكون قولهم حجةً. فإن قيل: الآية متروكة الظاهر؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة؛ فلابد من حملها على البعض، ونحن نحملها على الأئمة المعصومين. سلمنا: أنها ليست متروكة الظاهر؛ لكن لا نسلم أن (الوسط) من كل شيءٍ خياره؛ ويدل عليه وجهان: الأول: أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات، واجتناب المحرمات، وهذا من فعل الرجل، وقد أخبر الله - تعالى - أنه جعلهم وسطًا؛ فاقتضى ذلك أن كونهم وسطًا من فعله تعالى، وذلك يقتضي أن يكون ذلك غير عدالتهم التي ليست من فعل الله تعالى. الثاني: أن (الوسط) اسم لما يكون متوسطًا بين شيئين، فجعله حقيقة في العدل يقتضي الاشتراك، وهو خلاف الأصل.

стр. 2512

سلمنا أن (الوسط) من كل شيءٍ خياره؛ فلم قلتم: بأن خبر الله تعالى عن خيرية قوم يقتضي اجتنابهم عن كل المحظورات؟ ولم لا يجوز أن يقال: إنه يكفي فيه اجتنابهم عن الكبائر، فأما عن الصغائر، فلا. وإذا كان كذلك، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه، وإن كان خطًأ، لكنه من الصغائر، فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكد هذا الاحتمال: أنه تعالى حكم بكونهم عدولا، ليكونوا شهداء على الناس، وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة. سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر، ولكن الله تعالى بين أن اتصافهم بذلك؛ إنما كان لكونهم شهداء على الناس، ومعلوم أن هذه الشهادة، إنما تكون في الآخرة، فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك؛ لأن عدالة الشهود، إنما تعتبر حالة الأداء، لا حالة التحمل، وذلك مما لا نزاع فيه؛ لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة، فلم قلتم: إنهم في الدنيا كذلك؟ سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا؛ لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية؛ لأن الخطاب مع من لم يوجد بعد محال. وإذا كان كذلك، فهذا يقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت، ولا يقتضي عدالة غيرهم. فهذه الآية تدل على أن إجماع أولئك حق، فيجب ألا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه، لكن ذلك يقتضي حصول العلم بأعيانهم، والعلم ببقائهم إلى ما بعد وفاة النبي ﷺ ، ولما كان ذلك مفقودًا، تعذر التمسك بشيءٍ من الإجماعات.

стр. 2513

والجواب: قوله: (الآية متروكة الظاهر): قلنا: لا نسلم. قوله: (لأنها تقتضي كون كل واحد منهم عدلا): قلنا: لما ثبت أنه لا يجوز إجراؤها على الظاهر، وجب أن يكون المراد منه امتناع خلو هذه الأمة من العدول. قوله: (نحمله على الإمام المعصوم): قلنا: قوله﴾ وكذلك جعلناكم أمة وسطًا ﴿[البقرة: ١٤٣] صيغة جمعٍ: فحمله على الواحد خلاف الظاهر. قوله: (لم قلت: إن الوسط من كل شيءٍ خياره؟ ": قلنا: للآية، والخبر، والشعر، والنقل والمعنى: أما الآية: فقوله :﴾ قال أوسطهم ﴿[ن:٢٨] أي: أعدلهم. وأما الخبر: فقوله ﷺ : (خير الأمور أوسطها) أي: أعدلها. وقيل: كان النبي ﷺ أوسط قريشٍ نسبًا. وقال ﵇: (عليكم بالنمط الأوسط). وأما الشعر: فقوله [الطويل]: همو وسط يرضي الأنام بحكمهم وأما النقل: فقال الجوهري في الصحاح:﴾ وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا ﴿أي: عدولا.

стр. 2514

وأما المعنى: فلأن (الوسط) حقيقة في البعد عن الطرفين، فالشيء الذي يكون بعيدًا عن طرفي الإفراط والتفريط، اللذين هما رديان، كان متوسطًا، فكان فضيلةً، ولهذا سمى الفاضل في كل شيءٍ وسطًا. قوله: (عدالتهم من فعلهم، لا من فعل الله تعالى): قلنا: هذا ممنوع على مذهبنا. قوله: (لم قلت: إن إخبار الله - تعالى - عن عدالتهم يقتضي اجتنابهم عن الصغائر): قلنا: من الناس من قال: لا صغيرة على الإطلاق، بل كل ذنب، فهو صغير، بالنسبة إلى ما فوقه، كبير بالنسبة إلى ما تحته؛ فسقط عنه هذا السؤال. وأما من اعتراف بذلك، فجوابه: أن الله - تعالى - عالم بالباطن والظاهر، فلا يجوز أن يحكم بعدالة أحد، وصحة شهادته، إلا والمخبر عنه مطابق للخبر، فلما أطلق الله تعالى القول بعدالتهم، وجب أن يكونوا عدولا في كل شيء؛ بخلاف شهود الحاكم؛ حيث تجوز شهادتهم، وإن جاز عليهم الصغائر؛ لأنه لا سبيل للحاكم إلى معرفة الباطن،؛ فلا جرم اكتفى بالظاهر. قوله: (الغرض من هذه العدالة أداء الشهادة في الآخرة وذلك يوجب عدالتهم في الآخرة، لا في الدنيا): قلنا: لو كان المراد صيرورتهم عدولا في الآخرة، لقال: (سنجعلكم أمة وسطًا)، ولأن جميع الأمم عدول في الآخرة، فلا يبقي في الآية تخصيص لأمة محمد ﷺ بهذه الفضيلة. قوله: (المخاطب بهذا الخطاب: هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية):

стр. 2515

قلنا: مر الجواب عن مثل هذا السؤال في المسلك الأول، والله أعلم وأحكم. المسلك الثاني قال القرافي: قوله: (الوسط من كل شيء خياره): تقريره: قال اللغويون: إنما سمى الخيار وسطًا، لتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط. (فائدة) دخل عمر بن عبد العزيز على عبد الملك بن مروان، فقال له: كيف نفقتك في أهلك؟ فقال له: حسنه بين سيئتين يا أمير المؤمنين . يشير على قوله تعالى:﴾ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا ﴿[الفرقان:٦٧]. قلت: واعتبرت جميع الأشياء [كلها] من هذا الباب، فوجدتها كذلك، فالغضب ينبغي أن يكون كذلك. وكذلك الحلم، والشدة واللين، والحب والبغض، والزهد والسخاء، وجميع هذه الحقائق ينبغي للإنسان فيها ألا يفرط، ولا يفرط. (فائدة) قال النحاة: (وسط) بالفتح: اسم، و (وسط) بالتسكين: ظرف، مثل (بين) مسكن الوسط ، فيمكن أن يقال: (تخرج الديون من وسط التركة) بالتسكين، ولا يمكن ذلك مع التحريك؛ لأنك إذا قسمت التركة نصفين على السوية بحيث لا يرجح أحدهما على الآخر، يستحيل أن يخرج من بين هذين شيئًا، وبهذا التفسير لا يمكنك أن تجلس في وسط الدار بالتحريك، وتجلس في وسط الدار بالتسكين.

стр. 2516

قوله: (لو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية): قلنا: عليه ثلاثة أسئلة: الأول: إن صدق لفظ الخيرية، لا نسلم أنه مشروط بالعصمة، بل يصدق ذلك لغة على من كثر خيره، وكذلك أن كل ما هو موصوف في الدنيا بالخيرية لا يمكن أن يقال: هو خير محض لا يشوبه شر، بل لابد من الشوائب، لكن الحكم للغالب، وكذلك الموصوف بكونه شرًا، لابد من شائبة خير فيه. قال الشافعي ﵁ لما سئل عن العدل: أدركت الناس فلم أر أحدًا فعل الخير فلم يمحضه بشر قط، ولا فعل الشر فلم يمحضه بخير قط، ولكن العدل من غلب خيره على شره، فأخس ما في العالم الحيات والعقارب، وفيها منافع جليلة، نص عليها الأطباء، لا توجد في غيرها حتى يقول المالكي في كتابه: (أكل لحوم الحيات على وضعه المخصوص يعيد عصر الشباب)، ومنافع هذه الحشرات كثيرة، ليس هذا موضعها، وأنفع شيء في العالم من الأدوية الترياق، وهو يقتل إذا استعمله الممتلئ، أو الصغير السن، أو استعمل منه نصف أوقية.

стр. 2517

والغذاء والشراب أكثر الأشياء ملاءمة للإنسان، وهما سبب الأمراض والأسقام، وفي ذلك يقول الشاعر [الوافر]: عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تكثر فديتك من صحاب فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون عن الطعام أو الشراب الثاني: أنا إنما ادعينا جواز الخطأ، والخطأ ليس من باب المحظورات، بل قد يكون من الواجبات، فيثاب عليها، قال ﵇: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران). الثالث: أن صيغة (أمة وسطًا) نكرة في سياق الإثبات، فتكون مطلقة، فلا تعم أنواع الخيور. قوله: (وإذا لم يقدموا على شيء من المحظورات، وجب أن يكون قولهم حجة): قلنا: المدارك الشرعية تتوقف على نصب شرعي، فلا يلزم من عدم الخطأ كونه حجة حتى ينصبه الشرع. قوله: (إذا تعذر حمل الآية على كل واحد واحد، وجب حملها على البعض، وهم الأئمة المعصومون): قلنا: هاهنا محمل واحد، وهو الكل من حيث هو كل، وهو مقصودنا؛ فإن العصمة إنما تثبت للمجموع، لا لكل واحد واحد. قوله: (أخبر الله - تعالى - على أنه جعلهم خيرًا، فلا يكون ذلك من فعلهم): قلنا: لا يتأني؛ لأن الله - تعالى - هو خالق الطاعات في العبد،

стр. 2518

ويصدق عليه أنه من فعله عادة ولغة، كما قال تعالى:﴾ إنما تجزون ما كنتم تعملون ﴿[الطور:١٦] إلى غير ذلك من النصوص. قوله: (الوسط): اسم لما يكون متوسطًا بين شيئين): قلنا: لا نسلم، بل ذل اسمه متوسط. أما الوسط فاسم لما ذكرناه. قوله: (جعلهم عدولا عند أداء الشهادة، وذلك في يوم القيامة، وذلك مما لا نزاع فيه): قلنا: لا نسلم أن الإنسان إذا كان في الدنيا ليس بعدل يصدق عليه في الآخرة أنه عدل، بل لا يكون يوم القيامة الفاسق إلا فاسقًا، كما أنه لا يكون الكافر إلا كافرًا. غير أن ذلك باعتبار ما مضى، كما قال الله تعالى:﴾ إنه من يأت ربه مجرمًا ﴿[طه:٧٤]، فجعله يوم القيامة مجرمًا. وهذه الآية سبقت مساق المدح، فلا يحسن فيها ما يحصل في يوم القيامة من عدم المخالفات؛ لعدم القدرة عليها حينئذ. قوله: (الأمة معصومة يوم القيامة): قلنا: لا نسلم؛ لأن العصمة إنما تكون في إمكان المعصية، والنهي عنها، وكلاهما متعذر يوم القيامة، فلا عصمة كما لا يصدق على المجنون والصبي أنهما معصومان، وكذلك العاجز، لعدم القدرة تارة، ولعدم النهي أخرى. قوله: (الخطاب مع الموجودين عند الخطاب): تقريره: أن صيغة (كنتم) تقتضي وقوع ذلك بالفعل، فيكون من باب الحكم بالمشتق، لا أنه متعلق الحكم، فلا يصدق إلا على الموجود زمن الخطاب.

стр. 2519

قوله: (يتوقف ذلك على العلم ببقاء أعيانهم بعد وفاة النبي ﷺ ): قلنا: لا نسلم أنه يشترط في الإجماع وفاته ﵇ بل يمكن اجتماع أمته في حياته، وقد تقدم بيانه في (كتاب النسخ)، ونحن نقطع بأن الصحابة أجمعت على وجوب قتال الكفار في زمانه ﵇ والصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت إلى غير ذلك من الأحكام المجمع عليها. قوله: (إذا تعذر حمله على ظاهره يحمل على امتناع خلو هذه الأمة عن العدول): تقريره: إذا كان بعضهم لا يخطئ فقوله حق، وقول البقية إذا أجمعوا موافق له، فيكون الجميع حقًا، وهو المطلوب. قوله: (دليلنا: قوله تعالى:﴾ قال أوسطهم ﴿[القلم:٢٨]): قلنا: النزاع في لفظ (وسط) لا في لفظ (أوسط). وكذلك الجواب عن قوله ﵇: (خير الأمور أوسطها)، وبقية الاستشهادات. قوله: (لا صغيرة على الإطلاق): قلنا: لا خلاف أن المعاصي تختلف باختلاف مفاسدها، فليس قتل النفس كغصبٍ. فليس إجماعًا، إنما امتنع هذا القائل من إطلاق لفظ الصغر على معصية الله - تعالى - استعظامًا لها.

стр. 2520

قوله: (لا يخبر الله - تعلى - بعدالتهم إلا أن يكونوا عدولا في كل شيء، بخلاف عدول الحاكم؛ فإن الحاكم يبني على الظاهر): قلنا: لا نسلم؛ لأن العدالة مقدار من الطاعة لا على وجه الاستيعاب، فإذا وجد صح الإخبار عنه كسائر الحقائق). * * *

стр. 2521

المسلك الثالث قال الرازي: قوله تعالى:﴾ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴿[آل عمران: ١١٠] ولام الجنس تقتضي الاستغراق؛ فدل على أنهم أمروا بكل معروف، ونهوا عن كل منكرٍ، فلو أجمعوا على خطأ قولا، لكان قد أجمعوا على منكر قولا، ولو كانوا كذلك، لكانوا آمرين بالمنكر، ناهين عن المعروف، وهو يناقض مدلول الآية. فإن قيل: الآية متروكة الظاهر؛ لأن قوله:﴾ كنتم خير أمة ﴿خطاب معهم، وهو يقتضي اتصاف كل واحد منهم بهذا الوصف، والمعلوم خلافه؛ فثبت أنه لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، فنحملها على أن المراد من الأمة بعضهم، وعندنا أن ذلك البعض هو الإمام المعصوم. سلمنا: أنه يمكن إجراء الآية على ظاهرها؛ لكن لا نسلم أنهم كانوا يأمرون بكل معروفٍ؛ لما مر في باب العموم: أن المفرد المعرف لا يفيد الاستغراق. سلمنا العموم؛ لكن الآية تقتضي اتصافهم بالأمر بالمعروف في الماضي، أو الحاضر؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع؛ فلم قلتم بأنهم بقوا على هذه الصفة في الحال؟ فإن قلت: لأن هذه الآية خرجت مخرج المدح لهم في الحال، ولا يجوز أن يمدح إنسان في الحال بما فعله من قبل، إذا عدل عنه إلى ضده، فإن الناهي عن المنكر، إذا صار أمرًا به، استحق الذم. قلت: لا نسلم أن هذه الآية خرجت مخرج المدح؛ ولم لا يجوز أن يقال:

стр. 2522

ليس فيها إلا بيان أن هذه الأمة كانوا قبل ذلك خيرًا من سائر الأمم، ومجرد الإخبار لا يقتضي المدح؟ سلمنا دلالتها على المدح؛ لكن لم لا يجوز أن يمدح الإنسان في الحال؛ بما صدر عنه في الماضي، وإن كان يستحق الذم في الحال؛ بما صدر عنه في الحال؟ فإن عندنا الجمع بين استحقاق الذم والمدح غير ممتنعٍ؛ على ما ثبت في مسألة الاحتياط. سلمنا دلالة الآية على حصول هذا الوصف في الحال؛ لكن قوله :﴾ كنتم خير أمة ﴿[آل عمران:١١٠] صريح في أن هذا الوصف، إنما حصل لهم في الزمان الماضي، ومفهومه يدل على عدم حصوله في الحال. سلمنا دلالة الآية على اتصافهم بتلك الصفة في الحال؛ فلم لا يجوز خروجهم عنها بعد ذلك؟ فإنه لا نزاع في أنه يحسن مدح الإنسان بما له من الصفات في الحال، وإن كان يعلم زوالها في المستقبل. فإن قلت: فيلزم أن يكون إجماعهم حجةً في ذلك الزمان. قلت: هب أنه كذلك؛ لكنا لا نقطع على شيءٍ من الإجماعات بأنه حصل في ذلك الزمان؛ وإذا وقع الشك في الكل خرج الكل، عن كونه حجةً. سلمنا اتصافهم بهذا الوصف في الماضي، والحال، والمستقبل؛ لكن الآية خطاب مع الموجودين في ذلك الوقت، فيكون إجماعهم حجةً، أما إجماع غيرهم، فلا يكون حجةً؛ على ما مر من تقرير هذا السؤال في المسلكين الأولين. والجواب: قوله: (الآية متروكة الظاهر):

стр. 2523

قلنا: لا نسلم. قوله: (لأنها تقتضي أن يكون كل واحدٍ منهم آمرًا بالمعروف، وليس كذلك): قلنا: المخاطب بقوله تعالى:﴾ كنتم خير أمةٍ ﴿[آل عمران: ١١٠] ليس كل واحدٍ من الأمة: أما أولا: فلأنه تعالى - وصف المخاطب بهذا الخطاب بكونه خير أمةٍ، فلو كان المخاطب بهذا الخطاب كل واحدٍ من الأمة، لزم وصف كل واحدٍ من الأمة بأنه خير أمة، وذلك غير جائزٍ؛ لأن الشخص الواحد لا يوصف بأنه أمة إلا على سبيل المجاز؛ كما في قوله تعالى:﴾ إن إبراهيم كان أمةً ﴿[النحل: ١٢٠] بدليل أن المتبادر إلى الفهم من قوله: (حكمت الأمة بكذا) المجموع. وأما ثانيا: فلأنه يلزم في كل واحد أن يكون خير أمةٍ أخرجت للناس؛ وإذا كان كل واحد خير أمة، وجب أن يكون كل واحد خيرًا من صاحبه، ولما بطل ذلك، ثبت أن المجموع هو المخاطب بهذا الخطاب، وهو يجري مجرى قول الملك لعسكره: (أنتم خير عسكرٍ في الدنيا: تفتحون القلاع، وتكسرون الجيوش) فإن هذا الكلام لا يفهم منه أن الملك وصف كل واحد من آحاد العسكر بذلك، بل إنه وصف المجموع بذلك؛ بمعنى أن في المعسكر من هو كذلك، فكذا هاهنا وصف الله تعالى مجموع الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بمعنى أن منهم من هو كذلك، وحملة على الإمام المعصوم غير جائز؛ لأنه واحد، ولفظ (الأمة) لفظ الجمع. قوله: (المفرد المعرف لا يفيد الاستغراق):

стр. 2524

قلنا: كثير من الناس ذهب إلى أنه يقتضيه. وأيضًا: فلفظ (المعرف) لو لم نحمله على الاستغراق، لوجب حمله على الماهية، ويكفي في العمل به ثبوته في صورةٍ واحدة، فيكون معناه: أنهم أمروا بمعروف واحد، ونهوا عن منكر واحد، وهذا القدر حاصل في سائر الأمم؛ لأن كل واحدٍ منهم قد كان آمرًا بمعروفٍ واحدٍ، وهو الدين الذي قبله، وناهيًا عن منكرٍ واحدٍ، وهو الكفر الذي رده. وحينئذٍ: لا يثبت بذلك كون هذه الأمة خيرًا من سائر الأمم؛ لكن الله - تعالى - ذكره لبيان ذلك الحكم؛ فعلمنا أنه وجب حمله على الاستغراق؛ تحصيلا للغرض؛ فإنا لو لم نحمله على الاستغراق، ولم نحمله على الماهية كان ذلك مخالفًا للغة. قوله: (الآية تقتضي الاتصاف بهذا الوصف في الماضي، أو الحاضر)؟: قلنا: بل في الحاضر؛ لأن قوله:﴾ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر ﴿[ال عمرن:١١٠] لا يتناول الماضي. (قوله: لفظة﴾ كنتم ﴿تدل على الماضي). قلنا: لا نسلم؛ لأن قوله:﴾ كنتم ﴿(إما أن تكون ناقصة، أو زائدةً، أو تامةً، فإن كانت ناقصةً فنقول: إنه، وإن أفاد تقدم كونهم كذلك؛ لكن قوله:﴾ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر ﴿[آل عمران:١١٠] يقتضي كونهم كذلك في المستقبل، ودلالة قوله تعالى:﴾ كنتم ﴿على تقدم هذا الوصف لا يمنع من حصوله في المستقبل، فتبقي دلالة قوله:﴾ تأمرون بالمعروف ﴿على كونهم كذلك في المستقبل سليمةً عن المعارض، وأما الوجهان الآخران، فالاستدلال معهما ظاهر.

стр. 2525

قوله: (لم قلت: إنهم يكونون في الزمان المستقبل كذلك على هذه الصفة؟): قلنا: لأن صيغة المضارع بالنسبة إلى الحال، والاستقبال، كاللفظ العام؛ فوجب تناولها لهما معًا. قوله: (هذه الآية خطاب مع الحاضرين): قلنا: مر الجواب عنه في المسلك الأول، والله أعلم. المسلك الثالث قال القرافي: قوله: (لو أجمعوا على خطأ لكانوا قد أجمعوا على منكر): قلنا: لا نسلم، بل يؤجرون عليه للحديث المتقدم، والمنكر إنما يكون حيث التحريم، أما مع الاجتهاد فلا. ثم قوله تعالى:﴾ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴿[آل عمران:١١٠] يقتضي غيرهم لا أنفسهم. فإن الإنسان إنما يأمر غيره، وينهي غيره. هذا هو المتبادر من هذا الكلام، وقد يأمر الإنسان بكل معروف، وهو يتركه، وينهي عن كل منكر - وهو يفعله، ولذلك قال الشاعر [الكامل]: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله .... عار عليك إذا فعلت عظيم
следующие страницы →